• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني الحسن بن عبد العزيز ثنا أيوب بن سويد ثنا محمد بن فضالة: أن عبد الله ابن عمر بن عبد العزيز وقف براهب بالجزيرة في صومعة له قد أتى عليه فيها عمر طويل، وكان ينسب إليه علم من علم الكتب، فهبط اليه ولم يرها بطا إلى أحد قبله، وقال له: أتدري لم هبطت إليك؟ قال لا، قال لحق أبيك، إنا نجده من أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم، قال ففسره لنا أيوب بن سويد فقال ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، أبو بكر وعمر وعثمان، ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني ثنا عامر (١) بن شعيب ثنا يحيى بن أيوب ثنا رزق بن رزق الكندي حدثني جسر القصاب (٢) قال: كنت أحلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبا، فحسبتها كلابا ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت يا راعي ما ترجو بهذه الكلاب كلها؟ فقال يا بني إنها ليست كلابا، إنما هي ذئاب. فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا تضرها؟ فقال: يا بني إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس. وكان ذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني علي بن سلم الطوسي ثنا سيار ثنا جعفر قال ثنا مالك بن دينار قال: لما استعمل عمر بن عبد العزيز على الناس قال رعاء الشاء: من هذا العبد الصالح - الذي قام على الناس؟ قيل لهم وما علمكم بذلك؟ قالوا إنه إذا قام على الناس خليفة عدل كفت الذئاب عن شائنا.
• حدثنا مخلد بن جعفر ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد ثنا موسى بن أعين قال: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاء والذيب ترعى في مكان واحد، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذيب لشاة، فقلت ما نرى
стр. 1787
الرجل الصالح إلا قد هلك. [قال حماد: فحدثني هذا أو غيره أنهم حسبوا فوجدوه قد هلك] (١) في تلك الليلة.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عفان بن مسلم ثنا عثمان بن عبد الحميد ثنا الوليد. قال: بلغنا أن رجلا كان ببعض خراسان. قال: أتاني آت في المنام فقال إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فانه إمام عدل. فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرات في المنام فلما كان آخر ذلك زبرني فأوعدني فرحلت إليه فلما قدمت لقيته فحدثته الحديث، فقال: ما اسمك ومن أين أنت وأين منزلك؟ فقلت بخراسان. قال: ومن أمير المكان الذي أنت به؟ ومن صديقك هناك وعدوك؟ فألطف المسألة ثم حبسني أربعة أشهر [فشكوت إلى مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز فقال: إنه كتب فيك، قال فدعاني بعد أشهر] (١) فقال: إني كتبت فيك فجاءني ما أسر به من قبل صديقك وعدوك، فهلم فبايعني على السمع والطاعة والعدل، فإذا تركت ذلك فليس عليك بيعة، قال فبايعته. قال: أبك حاجة؟ فقلت لا! أنا غني في المال، إنما أتيتك لهذا فودعته ومضيت.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة عن علي بن أبي حملة عن أبي الأعين قال: كنت في صحن بيت المقدس مع خالد بن يزيد بن معاوية، إذ أقبل فتى شاب فسلم على خالد، فأقبل عليه خالد، فقال الفتى لخالد: هل علينا من عين؟ قال فبدرت فقلت. نعم! عليكما من الله عين سميعة بصيرة: فترقرقت عينا الفتى ونزع يده من خالد ثم ولى، فقلت لخالد من هذا؟ قال أما تعرف هذا!! هذا عمر بن عبد العزيز أخو أمير المؤمنين، ولئن طال بك وبه حياة لتراه إمام هدى.
• حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني منصور بن بشير ثنا إسماعيل بن عياش عن ابن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة عن عطاء مولى
стр. 1788
أم بكرة الأسلمية عن حبيب بن هند الأسلمي. قال: قال لي سعيد بن المسيب ونحن على عرفة: إنما الخلفاء ثلاثة؛ قلت من الخلفاء؟ قال أبو بكر وعمر وعمر، قلت هذا أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمن عمر الثالث؟ قال إن عشت أدركته، وإن مت كان بعدك.
• حدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن أبي معشر ثنا عمرو بن عثمان وأيوب بن محمد الوزان قالا: ثنا ضمرة عن رجاء عن ابن عون. قال: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلا قال نهى عنه إمام هدى - يعني عمر بن عبد العزيز-.
• حدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن أبي معشر ثنا عمرو ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: قال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز، وإلا فلا مهدي إلا عيسى بن مريم ﵇.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا فطر بن حماد بن واقد ثنا أبي قال سمعت مالك بن دينار. قال: الناس يقولون مالك بن دينار زاهد. إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أبو مرداس الرقي ثنا إبراهيم بن بكار الأسدي ثنا أبو يونس بن أبي شبيب. قال:
شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف بالبيت، وإن حجزة إزاره لغائبة فى عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت!!.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا الحسن بن عبد العزيز ثنا عبد الله بن يوسف عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. قال: قال لي أبو جعفر - يعني أمير المؤمنين - كم كانت غلة أبيك عمر حين ولي الخلافة؟ قلت أربعين ألف دينار، قال فكم كانت غلته حين توفي؟ قلت أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: دعانى
стр. 1789
أبو جعفر فقال كم كانت غلة عمر حين أفضت إليه الخلافة؟ قلت خمسون ألف دينار، قال فكم كانت يوم مات؟ قلت ما زال يردها حتى كانت مائتي دينار، ولو بقي لردها.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام حدثني أبي عن جدي عن مسلمة بن عبد الملك. قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين. قالت: نفعل إن شاء الله، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت يا فاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين فان الناس يعودونه، قالت والله ما له قميص غيره.
• حدثنا أحمد بن اسحاق ثنا إبراهيم ابن محمد بن الحسن ثنا يزيد بن حكيم أبو خالد العسكري ثنا سعيد بن مسلمة عن أبي [بشير مولى مسلمة بن عبد الملك عن مسلمة) (١) قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في اليوم الذي مات فيه، وفاطمة بنت عبد الملك جالسة عند رأسه، فلما رأتني تحولت وجلست عند رجليه وجلست أنا عند رأسه، فإذا عليه قميص وسخ مخرق الجيب، فقلت لها لو أبدلتم هذا القميص! فسكتت، ثم أعدت القول عليها مرارا حتى غلظت، فقالت: والله ما له قميص غيره.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن أبي السري ثنا محمد بن مروان العجلي ثنا عمارة بن أبي حفصة. قال: دخلت على عمر في مرضه وعليه قميص قد اتسخ وتخرق جيبه، فدخل مسلمة فقال لأخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: ناوليني قميصا سوى هذا حتى نلبسه أمير المؤمنين فإن الناس يدخلون عليه فقال عمر دعها يا مسلمة فما أصبح ولا أمسى لأمير المؤمنين ثوب غير الذي ترى عليه.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني الحكم بن موسى ثنا يحيى بن حمزة عن سليمان - يعني ابن داود-: أن عمر بن عبد العزيز قال لبنيه: لا تتهموا الخازن فإني لا أدع إلا أحدا وعشرين دينارا،
стр. 1790
فيها لأهل الدير أجر مساكنهم، وثمن حقل كانت فيه له، وموضع قبره، فإني أعلم أنهم لا يعتملونه.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسين بن محمد بن حماد قال ثنا سليمان بن عمر الرقي ثنا أبو أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز. قال:
بعثني عمر بن عبد العزيز بدينارين إلى أهل الدير فقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم، قال فأتينهم فقالوا لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه، قال ودخلت مع عمر الحمام يوما فاطلى، فولى مغابنه بيده، ودخلت يوما إلى مولاتي فغدتني عدسا، فقلت كل يوم عدس! فقالت يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين عمر.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسين بن محمد ثنا سليمان بن سيف ثنا سعيد ابن عامر عن عون بن المعتمر. قال: دخل عمر بن عبد العزيز على امرأته فقال:
يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبا قالت لا، قال فعندك نمية يعني الفلوس أشتري بها عنبا قالت لا، فأقبلت عليه فقالت: أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم ولا نمية تشتري بها عنبا!! قال هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في نار جهنم.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا علي بن إسحاق ثنا حسين المروزي ثنا عبد الله بن المبارك ثنا إبراهيم بن نشيط قال حدثني سليمان بن حميد المدني عن أبي عبيدة عن عقبة بن نافع القرشي: أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال لها: ألا تخبريني عن عمر؟ فقالت: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا علي بن إسحاق ثنا حسين المروزي ثنا عبد الله ابن المبارك قال ثنا أبو الصباح حدثني سهل بن صدقة مولى عمرو بن عبد العزيز حدثني بعض خاصة آل عمر: أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليا، فسألوا عن البكاء فقالوا إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكن، فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن أمسكه أمسكته إن لم يكن مني إليها شيء، فبكين إياسا منه.
стр. 1791
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى حدثني أبي عن جدي قال: كنت أنا وابن أبي زكريا بباب عمر، فسمعنا بكاء في داره، فسألنا عنه فقالوا خير أمير المؤمنين امرأته بين أن تقيم في منزلها وأعلمها أنه قد شغل عن النساء بما في عنقه، وبين أن تلحق بمنزل أبيها، فبكت فبكى جواريها لبكائها.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا علي بن إسحاق ثنا حسين المروزي ثنا ابن المبارك ثنا جرير بن حازم قال أخبرني المغيرة بن حكيم. قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: يا مغيرة قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياما من عمر، ولكني لم أر من الناس أحدا قط كان أشد خوفا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
• حدثنا أبى ثنا إبراهيم ابن محمد بن الحسن ثنا محمد بن يزيد ثنا عبد العزيز بن الوليد بن أبي السائب.
قال سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدا قط الخوف - أو قال الخشوع - أبين على وجهه من عمر بن عبد العزيز.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى ابن عبد الملك بن أبي غنية عن أبي عثمان الثقفي. قال: كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوما بدرهم ونصف، فقال ما بدا لك؟ فقال نفقت السوق، قال لا ولكنك أتعبت البغل، أرحه ثلاثة أيام.
• حدثنا محمد بن علي ثنا أبو العباس بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى قال حدثني أبي عن جدي. قال: كانت لفاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر جارية، فبعثت بها إليه وقالت إني قد كنت أعلم أنها تعجبك وقد وهبتها لك فتناول منها حاجتك. فقال لها عمر اجلسى يا جارية فو الله ما شيء من الدنيا كان أعجب إلي أن أناله منك، فأخبريني بقصتك وما كان من سبيك؟ قالت: كنت جارية من البربر جنى أبي جناية فهرب من موسى بن نصير عامل عبد الملك على إفريقية فأخذني موسى بن نصير فبعث بي إلى عبد الملك
стр. 1792
فوهبني عبد الملك لفاطمة، فأرسلت بي إليك. فقال: كدنا والله أن نفتضح فجهزها وأرسل بها إلى أهلها.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسن بن محمد الحراني ثنا أبو الحسين الرهاوي ثنا زيد بن الحباب قال أخبرني معاوية بن صالح حدثني سعيد بن سويد: أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك، فلو لبست! فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال: أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا محمد ابن أبي بكر قال ثنا سعيد بن عامر عن قربان بن دبيق قال: مرت بي ابنة لعمر بن عبد العزيز يقال له أمينة فدعاها عمر يا أمين يا أمين فلم تجبه، فأمر إنسانا فجاء بها، فقال ما منعك أن تجيبيني قالت إني عارية، فقال يا مزاحم انظر تلك الفرش التي فتقناها فاقطع لها منها قميصا، فقطع منها قميصا فذهب إنسان إلى أم البنين عمتها فقال بنت أخيك عارية وأنت عندك ما عندك، فارسلت إليها بتخت من ثياب وقالت لا تطلبي من عمر شيئا.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا مهدي بن سابق النهدي (١) ثنا عبد الله بن عياش عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز شيع جنازة، فلما انصرفوا تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه يا أمير المؤمنين جنازة أنت وليها تأخرت عنها فتركتها وتركتها؟ فقال نعم! ناداني القبر من خلفي يا عمر بن عبد العزيز ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟ قلت بلى! قال خرقت الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصصت الدم وأكلت اللحم، ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت بلى! قال نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين من القدمين، ثم بكى عمر فقال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير،
стр. 1793
وشبابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغتر بها، أين سكانها الذين بنوا مدائنها، وشققوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأقاموا فيها أياما يسيرة غرتهم بصحتهم، وغروا بنشاطهم، فركبوا المعاصي. إنهم كانوا والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه، محسودين على جمعه. ما صنع التراب بأبدانهم، والرمل بأجسادهم، والديدان بعظامهم وأوصالهم، كانوا في الدنيا على أسرة ممهدة، وفرش منضدة، بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران يعضدون، فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا، وادعهم إن كنت لا بد داعيا، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم التي كان بها عيشهم، وسل غنيهم ما بقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسلهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانت إلى اللذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان؟ محت الالوان، وأكلت اللحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجالهم وقبابهم، وأين خدمهم وعبيدهم، وجمعهم ومكنوزهم، والله ما زودوهم فراشا، ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم شجرا، ولا أنزلوهم من اللحد قرارا، أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليس هم فى مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة. فكم من ناعم وناعمة أصبحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم نائية، وأوصالهم ممزقة، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دما وصديدا، ودبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما، قد فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى المضايق، قد تزوجت نساؤهم، وترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره، الغض الناضر فيه، المتنعم بلذته.
يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا، هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك،
стр. 1794
أين دارك الفيحاء، ونهرك المطرد، وأين ثمرك الناضر ينعه وأين رقاق ثيابك وأين طيبك وأين بخورك، وأين كسوتك لصيفك وشتائك، أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه وجلا، وهو يرشح عرقا، ويتلمظ عطشا، يتقلب من سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، جاء من الأمر والأجل ما لا تمتنع منه، هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر وراجعا عنه، ليت شعري كيف كنت على خشونة الثرى، يا ليت شعري بأي خديك بدأ البلا، يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموتى، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من رسالة ربى!. ثم تمثل
تسر بما يفنى وتشغل بالصبا … كما غر باللذات فى النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والردى لك لازم
وتعمل فيما سوف تكره غبه (١) … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد ابن الحسين الحضرمي [ثنا علي بن مطر ثنا أسد بن زيد] (٢) قال: كنا مع عمر ابن عبد العزيز في جنازة، فلما أن دفن الميت ركب بغلة له صغيرة ثم جاء إلى قبر فركز عليه المقرعة فقال: السلام عليك يا صاحب القبر، قال عمر فناداني مناد من خلفي وعليك السلام يا عمر بن عبد العزيز عم تسأل؟ فقلت عن ساكنك وجارك، قال أما البدن فعندي، والروح عرج به إلى الله ما أدري أي شيء حاله، قلت أسألك عن ساكنك وجارك؟ قال دمغت المقلتين، وأكلت الحدقتين، ومزقت الأكفان، وأكلت الأبدان، ثم ذكر نحوه وذكر الشعر.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن يحيى الأزدي ثنا عبيد بن نوح عن أبي بكر البصري عن أبي قرة. قال: خرج عمر بن عبد العزيز على بعض جنائز بني مروان، فلما صلى عليها وفرغ. قال
стр. 1795
لأصحابه توقفوا فوقفوا، فضرب بطن فرسه حتى أمعن فى القبور وتوارى عنهم، فاستبطأه الناس حتى ظنوا، فجاء وقد احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، قالوا يا أمير المؤمنين أبطأت علينا؟ قال أتيت قبور الأحبة قبور بني آبائي فسلمت عليهم فلم يردوا السلام، فلما ذهبت أقفى ناداني التراب فقال:
ألا تسألني يا عمر ما لقيت الاجنة؟ قلت: وما لقيت الأحبة؟ قال خرقت الأكفان، وأكلت الأبدان، ونزعت المقلتين، فذكر نحوه. وزاد: فلما ذهبت أقفى ناداني يا عمر عليك بأكفان لا تبلى قلت وما أكفان لا تبلى؟ قال اتقاء الله، والعمل الصالح.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن محمد حدثني أبو صالح الشامي. قال: قال عمر بن عبد العزيز:
أنا ميت وعز من لا يموت … قد تيقنت أننى سأموت
ليس ملك يزيله الموت ملكا … إنما الملك ملك من لا يموت.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أحمد بن محمد العبدي ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا محمد بن الحسين ثنا خلف بن تميم ثنا مفضل بن يونس. قال: قال عمر بن عبد العزيز: لقد نغص هذا الموت على أهل الدنيا ما هم فيه [من عضارة الدنيا وزهوتها، فبيناهم كذلك وعلى ذلك أتاهم جاد من الموت فاخترمهم مما هم فيه] (١) فالويل والحسرة هنالك لمن لم يحذر الموت، ويذكره في الرخاء فيقدم لنفسه خيرا يجده بعد ما فارق الدنيا وأهلها. قال: ثم بكى عمر حتى غلبه البكاء فقام.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العبدي ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد حدثني محمد بن الحسن ثنا إسحاق بن منصور بن حيان الأسدي ثنا جابر بن نوح. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهل بيته؛ أما بعد فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك أو نهارك بغض إليك كل فان، وحبب إليك كل باق والسلام.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا
стр. 1796
ابن أبي بكر ثنا سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد قال: دخل عنبسة ابن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز. فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطون عطايا منعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي وما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم الينا من كفانا مئونته. فخرج من عنده فلما صار عند الباب قال عمر: أبا خالد أبا خالد، فرجع. فقال: أكثر من ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد عن محمد بن عمرو ثنا عنبسة بن سعيد. قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا ابن أبي عاصم ح. وحدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن محمد قالا: ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن يزيد عن جعونة. قال: قال عمر ابن عبد العزيز: يا أيها الناس إنما أنتم أغراض تنتضل فيها المنايا، إنكم لا تؤتون نعمة إلا بفراق أخرى، وأية أكلة ليس معها غصة، وأية جرعة ليس معها شرقة، وإن أمس شاهد مقبول قد فجعكم بنفسه، وخلف في أيديكم حكمته، وإن اليوم حبيب مودع وهو وشيك الظعن، وإن غدا آت بما فيه، وأين يهرب من يتقلب في يدي طالبه! إنه لا أقوى من طالب، ولا أضعف من مطلوب. إنما أنتم سفر تحلون عقد رحالكم في غير هذه الدار، إنما أنتم فروع أصول قد مضت فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن عمر القواريري ثنا زائدة بن أبى الزناد ثنا عبيد الله بن العيزار. قال: خطبنا عمر ابن عبد العزيز بالشام على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم تكلم بثلاث كلمات فقال: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لمغرق له في الموت.
والسلام عليكم.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك ثنا أحمد بن
стр. 1797
عبد الله بن يونس ثنا فضيل بن عياض عن السري بن يحيى عن عمر بن عبد العزيز. قال: أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، والله إن عبدا - أو قال رجلا - ليس بينه وبين آدم إلا أب له قد مات لمغرق له في الموت.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسن بن متوكل ثنا أبو الحسن المدائني.
قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يعزيه على ابنه؛ أما بعد: فإنا قوم من أهل الآخرة أسكنا الدنيا، أموات أبناء أموات، والعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا علي بن رستم ثنا عبد الرحمن بن عمر ثنا أبو الجراح حدثني محمد الكوفي. قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله تعالى خلق خلقه ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والله إن كنا مصدقين بهذا إنا لحمقى، وإن كنا مكذبين بهذا إنا لهلكى ثم نزل.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يحيى بن أبي بكر ثنا عبد الله بن المفضل التميمي. قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فإن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشيعون غاديا أو رائحا إلى الله تعالى، وتضعونه فى صدع من الأرض ثم في بطن الصدع، غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب؛ وأسكن التراب، وواجه الحساب، فقير إلى ما قدم أمامه، غني عما ترك بعده. أما والله إني لأقول لكم هذا وما أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي. قال: ثم قال بطرف ثوبه على عينه فبكى ثم نزل، فما خرج حتى أخرج إلى حفرته.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن مكرم ثنا منصور بن أبي مزاحم ثنا شعيب بن صفوان عن عيسى: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى رجل؛ أما بعد: فإني أوصيك
стр. 1798
بتقوى الله، والانشمار لما استطعت من مالك وما رزقك الله إلى دار قرارك، فكأنك والله ذقت الموت وعاينت ما بعده بتصريف الليل والنهار فإنهما سريعان في طي الأجل ونقص العمر، لم يفتهما شيء إلا أفنياه، ولا زمن مرا به إلا أبلياه، مستعدان لمن بقي بمثل الذي أصاب من قد مضى، فنستغفر الله لسيئ أعمالنا، ونعوذ به من مقته إيانا على ما نعظ به مما نقصر عنه.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا ابن أبي عاصم ح. وحدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن محمد قالا: ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن يزيد عن جعونة. قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه، فقال له مسلمة:
يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال لا، قال ولم وأنت تثني عليه؟! قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا محمد بن يزيد بن حبيش عن وهيب بن الورد. قال: اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز وجاء عبد الملك بن عمر ليدخل على أبيه فقالوا له: إما أن تستأذن لنا، وإما أن تبلغ أمير المؤمنين عنا الرسالة قال قولوا قالوا: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه. قال: فدخل على أبيه فأخبره عنهم، فقال له عمر: قل لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا المفضل بن غسان ثنا أبي عن رجل من الأزد قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني، قال أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عليك المؤنة، وتحسن لك من الله المعونة.
• حدثنا أبي قال ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر حدثني محمد بن إدريس ثنا محمد بن حميد ثنا زافر بن سليمان ثنا حمزة الجزري. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل، أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن ثنا أبو بكر حدثني الحسين بن محبوب ثنا أبو
стр. 1799
توبة الربيع بن نافع ثنا أبو ربيعة عبيد الله بن عبيد الله بن عدي الكندي عن أبيه عن جده. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، أما بعد:
فكأن العباد قد عادوا الى الله تعالى ثم ينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فإنه لا معقب لحكمه ولا ينازع في أمره، ولا يقاطع في حقه الذي استحفظه عباده وأوصاهم به، وإني أوصيك بتقوى الله، وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمة، وآتاك من كرامة، فإن نعمه يمدها شكره، ويقطعها كفره، أكثر ذكر الموت الذي لا تدري متى يغشاك، ولا منا من ولا فوت، وأكثر من ذكر يوم القيامة وشدته، فإن ذلك يدعوك إلى الزهادة فيما زهدت فيه، والرغبة فيما رغبت فيه، ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل، فإن من لا يحذر ذلك ولا يتخوفه نوشك الصرعة أن تدركه في الغفلة، وأكثر النظر في عملك في دنياك بالذي أمرت به، ثم اقتصر عليه، فإن فيه لعمري شغلا عن دنياك، ولن تدرك العلم حتى تؤثره على الجهل، ولا الحق حتى تذر الباطل، فنسأل الله لنا ولك حسن معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه برحمته.
• حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ثنا أبي ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد بن الحسين ثنا عمرو بن جرير حدثني أبو سريع الشامي. قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: أبا فلان لقد أرقت الليلة تفكرا، قال فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، ويجري فيه الصديد، وتخترقه الديدان. مع تغير الريح، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة وخر مغشيا عليه.
فقالت فاطمة: يا مزاحم ويحك، أخرج هذا الرجل عنا فلقد نغص على أمير المؤمنين الحياة منذ ولي، فليته لم يل. قال: فخرج الرجل فجاءت فاطمة تصب على وجهه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت يا أمير المؤمنين رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت به مصرعك
стр. 1800
بين يدي الله للموت، وتخليك من الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكاني.
فقال: حسبك يا فاطمة فلقد أبلغت - ثم مال ليسقط فضمته إلى نفسها، فقالت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ما نستطيع أن نكلمك بكل ما تجد لك في قلوبنا، فلم يزل على حاله تلك حتى حضرته الصلاة، فصبت على وجهه ماء ثم نادته الصلاة يا أمير المؤمنين فأفاق فزعا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ثنا أبي ثنا أبو بكر حدثني محمد بن الحسين حدثني يونس بن الحكم حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك. قال:
بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدى الله ، فريق فى الجنة وفريق فى السعير، قال ثم صرخ وغشي عليه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن أبان حدثني أبي ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد ابن الحسين حدثني أبو منصور الواسطي ثنا المغيرة بن مطرف الرواسي ثنا خالد بن صفوان عن ميمون بن مهران قال: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة، فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل علي فقال: يا أبا أيوب هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا فى لذتهم وعيشهم. أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصابت الهوام في أبدانهم مقيلا. ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فقال انطلق بنا فو الله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن عذاب الله.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد حدثني محمد بن الحسين ثنا إبراهيم بن مهدي قال سمعت أخا شعيب بن صفوان يذكر عن سفيان بن حسين: أن عمر بن عبد العزيز استيقظ ذات يوم باكيا فقيل له: ما شأنك يا أمير المؤمنين؟ قال رأيت شيخا وقف على فقال:
إذا ما أتتك الأربعون فعندها … فاخش الإله وكن للموت حذارا
стр. 1801
قال ولما مات عمر رجعت المياه التي تجري منقلبة.
• حدثنا أحمد بن إسحاق نا عبد الله بن سليمان نا المسيب بن واضح نا إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يستعمل رجلا على عمل فأبى، فقال له عمر: عزمت عليك لتفعلن، قال الرجل وأنا أعزم على نفسي ألا أفعل، فقال عمر للرجل لا تعص، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال ﴿(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها)﴾ الآية. المعصية كان ذلك منها؟ فأعفاه عمر.
• حدثنا أحمد بن إسحاق نا عبد الله بن سليمان نا المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر ابن الوليد كتابا فيه: وقسم لك أبوك الخمس كله وإنما لك سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله والرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثر خصماؤه؟! وإظهارك المعازف والمزامير بدعة في الإسلام، لقد هممت أن أبعث اليك من يجز جمتك جمة السوء. قال: وكان عمر بن عبد العزيز يجعل كل يوم درهما من خاصة ماله في طعام المسلمين ثم يأكل معهم.
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن سليمان ثنا محمود بن خالد وعمر ابن عثمان وكثير بن عبيد قالوا: ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز قال: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم، فإنهم خير منكم وأعلم.
• حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد [عن أبى عمرو قال: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس.
• حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد] (١) عن الأوزاعي قال: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجرى عليهم من أرزاق الخاصة، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد فقال:
стр. 1802
يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة؟ قال لن يتسع مالى لكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد، ولا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه، والله إني لأرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله، ولفعل بهم. قال: وكان عمر يجلس إلى قاص العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع.
• حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد عن أبي عمرو قال: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها، فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها في يده ويده في ثيابه، ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي. قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقا ونقبا، فكتبت الى عمر أعلمه حال البلد وأسأله آخذ من الناس بالمظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس؟ فكتب إلي أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله. قال: يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقا ونقبا.
• حدثنا محمد ثنا إبراهيم حدثني أبي عن جدي. قال: دخل جعونة بن الحارث على عمر بن عبد العزيز، فقال له يا جعونة إني قد ومقتك فإياك أن أمقتك، تدري ما يحب أهلك منك؟ قال نعم، يحبون صلاحي. قال:
لا ولكنهم يحبون ما أقام لهم سوادك، وأكلوا في غمارك، وبردوا على ظهرك، فاتق الله ولا تطعمهم إلا طيبا. قال: وسرنا ليلة مع عمر بن عبد العزيز فتناول قلنسوة عن رأسه بيضاء مضربة فقال: كم ترونها تسوي؟ قلنا درهم يا أمير المؤمنين، قال والله ما أظنها من حلال.
• حدثنا محمد ثنا محمد بن إبراهيم حدثني أبي عن جدي عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني يا ميمون. قال: فحدثته حديثا
стр. 1803
بكى منه بكاء شديدا، فقلت يا أمير المؤمنين لو علمت أنك تبكي هذا البكاء لحدثتك حديثا ألين من هذا، فقال: يا ميمون إنا نأكل هذه الشجرة العدس وهي ما علمت مرقة للقلب، مغزرة للدمعة، مذلة للجسد. قال: ميمون: ودعاني عمر فقال يا مهران بن ميمون، قلت: أو ميمون بن مهران يا أمير المؤمنين؟ قال أو ميمون بن مهران؛ إنى أوصيك بوصة فاحفظها، إياك أن تخلو بامرأة غير ذات محرم وإن حدثتك نفسك أن تعلمها القرآن.
• حدثنا محمد ثنا محمد بن إبراهيم حدثني أبى عن جدى قال: حج سليمان ابن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرف على عقبة عسفان نظر سليمان إلى عسكره فأعجبه ما رأى من حجره وأبنيته، فقال كيف ترى ما هاهنا يا عمر؟ قال أرى يا أمير المؤمنين دنيا يأكل بعضها بعضا، أنت المسئول عنها والمأخوذ بما فيها، فطار غراب من حجرة سليمان ينعب في منقاره كسرة، فقال سليمان ما ترى هذا الغراب يقول؟ قال: أظنه يقول من أين دخلت هذه الكسرة وكيف خرجت!! قال: إنك لتجيء بالعجب يا عمر!! قال إن شئت أخبرك بأعجب من هذا أخبرتك؟ قال فأخبرني. قال: من عرف الله فعصاه.
ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها.
قال سليمان نغصت علينا ما نحن فيه يا عمر، وضرب دابته وسار. فأقبل عمر حتى نزل عن دابته فأمسك برأسها وذلك أنه سبق ثقله، فرأى الناس كل من قدم شيئا قدم عليه، فبكى عمر فقال سليمان ما يبكيك؟ قال هكذا يوم القيامة من قدم شيئا قدم عليه، ومن لم يقدم شيئا قدم على غير شيء.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا إسحاق بن الحسن الحربي ثنا عفان ح. وحدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا ابن أبي بكر قالا: ثنا عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن عنبسة بن سعيد قال:
اجتمع بنو مروان فقالوا لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا وأذكرناه أرحامنا! قال فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح، قال فنظر إليه عمر، قال فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم! لأخس الحديث ولما يورث
стр. 1804
الضغائن، إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله تعالى، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا محمد ابن أبي بكر ثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء قال: قال عمر بن عبد العزيز لحاجبه: لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني، فلما اجتمعوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا بني مروان إنكم قد أعطيتم حظا وشرفا وأموالا، إنى لاحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم. فسكتوا، فقال عمر ألا تجيبوني؟ فقال رجل من القوم: والله لا يكون ذلك حتى يحال بين رءوسنا وأجسادنا والله لا نكفر آباءنا ولا نفقر أبناءنا، فقال عمر: والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأصعرت خدودكم، قوموا عني.
• حدثنا الحسن بن محمد ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله ثنا ابن وهب حدثني مالك: أن عمر بن عبد العزيز ذكر ما مضى من العدل والجور، وعنده هشام بن عبد الملك، فقال هشام: إنا والله لا نعيب آباءنا ولا نضع شرفنا في قومنا. فقال عمر: وأي عيب أعيب مما عابه القرآن؟.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية عن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز غلام على بغل له يأتيه كل يوم بدرهم، فجاءه يوما بدر همين، فقال ما بدا لك قال نفقت السوق، قال لا ولكنك أتعبت البغل، أجمه ثلاثة أيام. (١).
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ح.
وحدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا زياد بن أيوب ثنا يحيى بن أبي غنية ثنا نوفل بن أبي الفرات. قال: كانت بنو أمية ينزلون فلانة بنت مروان على أبواب القصر، فلما ولي عمر قال لا يلي إنزالها أحد غيرى فأدخلوها على دايتها الى باب قبته، فأنزلها ثم طبق لها وسادتين إحداهما على
стр. 1805
الأخرى، ثم أنشأ يمازحها ولم يكن من شأنه المزاح، فقال أما رأيت الحرس الذي على الباب؟ قالت: بلى فربما رأيتهم عند من هو خير منك. فلما رأى الغضب لا يتحلل عنها أخذ في الجد وترك المزاح، فقال يا عمة إن رسول الله ﷺ قبض فترك الناس على نهر مورود، فولي ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا، ثم ولي ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس يكرون منه السواقى حتى تركوه يابسا ليس فيه قطرة، وايم الله لئن أبقاني الله لأسكرن تلك السواقي حتى أعيده إلى مجراه الأول. قالت: فلا يسبوا عندك إذا، قال ومن يسبهم! إنما يرفع إلي الرجل مظلمته فأردها عليهم.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا شيبان ثنا ابن أبي شيبة ثنا محمد بن راشد عن سليمان - يعني ابن موسى-: أنه بلغه أن قوما من الأعراب خاصموا إلى عمر بن عبد العزيز قوما من بني مروان في أرض كانت الأعراب أحيوها، فأخذها الوليد بن عبد الملك فأعطاها بعض أهله، فقال عمر بن عبد العزيز: قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، من أحيا أرضا ميتا فهي له» فردها على الأعراب.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني الحسن ابن عبد العزيز الجروي ثنا أيوب بن سويد ثنا ابن شوذب ثنا إياس بن معاوية ابن قرة. قال: ما شبهت عمر بن عبد العزيز الا برجل صناع حسن الصنعة ليست له أداة يعمل بها - يعني لا يجد من يعينه-.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن الصباح ثنا عمر بن حفص عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني كنت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني
стр. 1806
مسئول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا، يقول فيما يقول ﴿(فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين)﴾ فإن يرض عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وان سخط على فيا ويح نفسي إلى ما أصير، أسأل الله الذى لا إله الا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمن علي برضوانه والجنة، فعليك بتقوى الله، والرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا حتى تلحق باللطيف الخبير والسلام.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عنبسة بن سعيد ثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك في مرض عمر الذي توفي فيه فذكر نحوه. وقال: وأنا مشفق مما وليت لا أدري على ما أطلع، فإن يعف عني فهو العفو الغفور، وإن يؤاخذني بذنبي فيا ويح نفسي إلى ماذا تصير.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا زياد بن أيوب ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ثنا يزيد بن مردانية. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد، قال جاءني كتابك تذكر أن قبلك قوما من العمال قد اختانوا مالا فهو عندهم، وتستأذنني في أن أبسط يدك عليهم، فالعجب منك في استئمارك إياي في عذاب بشر كأني جنة لك، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله، فإذا جاءك كتابي هذا فانظر من أقر منهم بشيء فخذه بالذى أقربه على نفسه، ومن أنكر فاستحلفه وخل سبيله، فلعمري لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا علي بن عثمان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عمرو بن ميمون بن مهران حدثني ليث بن أبي رقية - كاتب عمر بن عبد العزيز في خلافته-: أن عمر كتب إلى ابنه في العام الذي استخلف فيه - وابنه إذ ذاك بالمدينة يقال له عبد الملك - أما بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من رعى ذلك وحفظه عني أنت، وإن الله تعالى له الحمد قد أحسن الينا
стр. 1807
إحسانا كثيرا بالغا في لطيف أمرنا وعامته، وعلى الله إتمام ما عبر من النعمة، وإياه نسأل العون على شكرها، فاذكر فضل الله على أبيك وعليك، ثم أعن أباك على ما قوي عليه وعلى ما ظننت أن عنده منه عجزا عن العمل فيما أنعم به عليه وعليك في ذلك، فراع نفسك وشبابك وصحتك، وإن استطعت أن تكثر تحريك لسانك بذكر الله حمدا وتسبيحا وتهليلا فافعل، فإن أحسن ما وصلت به حديثا حسنا حمد الله وذكره، وإن أحسن ما قطعت به حديثا سيئا حمد الله وذكره، ولا تفتتن فيما أنعم الله به عليك فيما عسيت أن تقرظ به أباك فيما ليس فيه، إن أباك كان بين ظهراني إخوته عند أبيه يفضل عليه الكبير، ويدني دونه الصغير، وإن كان الله وله الحمد قد رزقني من والدي حسبا جميلا، كنت به راضيا أرى أفضل الذى يبره ولده علي حقا، حتى ولدت وولد طائفة من أخواتك، ولا أخرج بكم من المنزل الذي أنا فيه، فمن كان راغبا في الجنة وهاربا من النار فالآن في هذه الحالة والتوبة مقبولة، والذنب مغفور، قبل نفاد الأجل، وانقضاء العمل، وفراغ من الله للثقلين ليدينهم بأعمالهم في موطن لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه المعذرة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس بأعمالهم، ويصدرون فيه أشتاتا إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله، وويل يومئذ لمن عصى الله، فإن ابتلاك الله بغنى فاقتصد في غناك، وضع لله نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه في مالك وقل عند ذلك ما قال العبد الصالح: ﴿(هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر)﴾ الآية. وإياك أن تفخر بقولك، وأن تعجب بنفسك، أو يخيل إليك أن ما رزقته لكرامة بك على ربك، وفضيلة على من لم يرزق مثل غناك فإذا أنت أخطأت باب الشكر، ونزلت منازل أهل الفقر، وكنت ممن طغى للغنى وتعجل طيباته في الحياة الدنيا، فإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أن المرء لم يعظ أخاه حتى يحكم نفسه، ويكمل في الذي خلق له لعبادة ربه، إذا تواكل الناس الخير، وإذا يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستحلت المحارم، وقل الواعظون،
стр. 1808
والساعون لله بالنصيحة في الأرض فلله الحمد رب السموات والأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله بن المبارك ثنا جعفر بن حيان ثنا توبة العنبري قال: أرسلني صالح بن عبد الرحمن إلى سليمان بن عبد الملك، قال فقدمت عليه وعنده عمر بن عبد العزيز، فقلت لعمر: هل لك في حاجة إلى صالح؟ قال فقل له عليك بالذي يبقى لك عند الله، فإن ما بقي عند الله بقي عند الناس، وما لم يبق عند الله لم يبق عند الناس.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أحمد ابن الحجاج ثنا عبد الله بن المبارك ثنا هشام بن الغاز حدثني مولى لمسلمة بن عبد الملك حدثني مسلمة. قال: دخلت على عمر بعد الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر فلا يدخل عليه أحد، فجاءت جارية بطبق عليه تمر صبحاني وكان يعجبه التمر، فرفع بكفه منه فقال: يا مسلمة أترى لو أن رجلا أكل هذا ثم شرب عليه الماء - فإن الماء على التمر طيب - أكان يجزيه إلى الليل؟ قلت لا أدري فرفع أكثر منه قال: فهذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين كان كافيه دون هذا حتى ما يبالي أن لا يذوق طعاما غيره. قال: فعلام ندخل النار؟ قال مسلمة فما وقعت مني موعظة ما وقعت هذه.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا علي بن إسحاق ثنا حسين المروزي ثنا ابن المبارك ثنا علي بن مسعدة حدثني رباح بن عبيدة قال: كنت قاعدا عند عمر ابن عبد العزيز فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر: مهلا يا رباح إنه بلغني أن الرجل ليظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه فيكون للظالم عليه الفضل.
• حدثنا عبد الله ثنا علي ثنا حسين ثنا عبد الله بن المبارك أنبأنا وهيب أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: أحسن بصاحبك الظن ما لم يغلبك.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء حدثني أحمد بن إبراهيم حدثني
стр. 1809
سهل بن محمود حدثني عمر بن حفص حدثني عبد العزيز بن عمر. قال: قال لي أبي:
يا بني إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا إسماعيل بن عياش. قال: كتب بعض عمال عمر إليه إنك قد أضررت بيت المال أو نحوه، قال فقال عمر: أعط ما فيه فإذا لم يبق فيه شيء فاملأه زبلا.
• حدثنا أبو حامد ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن هانئ ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة: أن عمر بن عبد العزيز كتب الى بعض عماله، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته، فان بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها رافقوا أنبياءهم، وبها نضرت وجوههم، وبها نظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن، والمخرج من كرب يوم القيامة، ولم يقبل ممن بقي إلا بمثل ما رضي عمن مضى ولمن بقى عبرة فيما مضى، وسنة الله فيهم واحدة، فبادر بنفسك قبل أن تؤخذ بكظمك، ويخلص إليك كما خلص إلى من كان قبلك، فقد رأيت الناس كيف يموتون وكيف يتفرقون، ورأيت الموت كيف يعجل التائب توبته وذا الأمل أمله، وذا السلطان سلطانه، وكفى بالموت موعظة بالغة، وشاغلا عن الدنيا، ومرغبا في الآخرة، فنعوذ بالله من شر الموت وما بعده، ونسأل الله خيره وخير ما بعده، ولا تطلبن شيئا من عرض الدنيا بقول ولا فعل تخاف أن يضر بآخرتك، فيزري بدينك، ويمقتك عليه ربك، واعلم أن القدر سيجري إليك برزقك، ويوفيك أملك من دنياك بغير مزيد فيه بحول منك ولا قوة، ولا منقوصا منه بضعف. إن أبلاك الله بفقر فتعفف في فقرك وأخبت لقضاء ربك، واعتبر بما قسم الله لك من الإسلام، ما ذوى منك من نعمة الدنيا فإن في الإسلام خلفا من الذهب والفضة من الدنيا الفانية. اعلم أنه لن يضر عبدا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه فى الدنيا من فقر
стр. 1810
أو بلاء، وأنه لن ينفع عبدا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء، ما يجد أهل الجنة مس مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم، كل شيء من ذلك كأن لم يكن.
تشيعون غاديا أو رائحا إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، وتغيبونه فى صدع من الأرض، ثم تدعونه غير متوسد ولا متمهد، فارق الأحبة، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنا بعمله، فقيرا إلى ما قدم غنيا عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء موافاته، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، وأستغفر الله وأتوب إليه.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى قال حدثني أبي عن جدي. قال: كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية، ويقول ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة فأتي سليمان بحرورى مستقتل، فقال له سليمان: [هيه؟ قال: إنه نزع لحييك يا فاسق ابن الفاسق، فقال سليمان:] (١) علي بعمر بن عبد العزيز، فلما أتاه عاود سليمان الحروري فقال ماذا تقول؟ قال وماذا أقول يا فاسق ابن الفاسق فقال سليمان لعمر ماذا ترى عليه يا أبا حفص؟ فسكت عمر، فقال عزمت عليك لتخبرني ماذا ترى عليه؟، قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك. فقال سليمان: ليس إلا ذا؟ فأمر به فضربت عنقه. وقام سليمان وخرج عمر، فأدركه خالد بن الريان صاحب حرس سليمان فقال: يا أبا حفص تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك؟! والله لقد كنت متوقعا أن يأمرني بضرب عنقك!! قال: ولو أمرك فعلته؟ قال إي والله لو أمرني فعلت. فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد بن الريان فقام مقام صاحب الحرس، وكان قبل ذلك على حرس الوليد وعبد الملك، فنظر إليه عمر فقال: يا خالد ضع هذا السيف عنك. وقال: اللهم
стр. 1811
إني قد وضعت لك خالد بن الريان فلا ترفعه أبدا. ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري فقال: يا عمرو والله لتعلمن أن ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكن قد سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة، وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن ثنا إبراهيم بن هشام حدثني أبي عن جدي. قال: بينا عمر بن عبد العزيز يسير يوما في سوق حمص، فقام اليه رجل عليه بردان قطريان فقال: يا أمير المؤمنين أمرت من كان مظلوما أن يأتيك؟ قال: نعم، قال: فقد أتاك مظلوم بعيد الدار. فقال له عمر: وأين أهلك؟ قال: بعدن أبين. قال: عمر: والله إن أهلك من أهل عمر لبعيد. فنزل عن دابته في موضعه فقال ما ظلامتك؟ قال ضيعة لي وثب عليها واثب فانتزعها مني. فكتب إلى عروة بن محمد يأمره أن يسمع من بينته فإن ثبت له حق دفعه إليه وختم كتابه. فلما أراد الرجل القيام قال له عمر: على رسلك انك قد أتينا من بلد بعيد، فكم نفذ لك زاد، أو نفقت لك راحلة؟ وأخلق لك ثوب فحسب ذلك فبلغ أحد عشر دينارا، فدفعها عمر إليه.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله ثنا ابن وهب. قال: حدثني مالك: أن عمر بن عبد العزيز كان عند سليمان فقال له عمر يوما: ما حق هذه المرأة لا تدفعها ح.
• وحدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسين بن محمد بن حماد ثنا علي بن إبراهيم ثنا عبد الله بن صالح حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة عن طلحة بن عبد الملك الأيلي. قال: دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه - وهو يومئذ ولي عهده قد عقد له من بعده - فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يرثن في العقار شيئا فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله!! وأين كتاب الله؟ فقال يا غلام اذهب فأتني بسجل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك
стр. 1812
أرسلت إلى المصحف!! قال أيوب: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين ثم لا يشعر حتى تفارقه رأسه. فقال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك، فما يدخل على هؤلاء أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا. فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين ما حلمنا عنه.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسين بن محمد بن حماد ثنا سليمان بن سيف ثنا عفان قال ثنا جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم. قال: أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من بعض بني مروان فأغضبه، فاستشاط غضبا ثم قال: إن لله في بنى مروان ذبحا، وايم الله لئن كان الذبح على يدي، فلما بلغهم ذلك كفوا. وكانوا يعلمون صرامته وأنه إن وقع في أمر مضى فيه.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء. قال: قال عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: ما يمنعك أن تنفذ لرأيك في هذا الأمر؟ [فو الله ما كنت أبالي أن تغلي بي وبك القدور في إنفاذ هذا الأمر] (١) فقال عمر: إني أروض الناس رياضة الصعب، فإن أبقاني الله مضيت لرأيى، وإن عجلت على منية فقد علم الله نيتي، إني أخاف إن بادهت الناس بالتي تقول أن يلجئوني إلى السيف، ولا خير في خير لا يجئ إلا بالسيف.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا عمر بن علي بن مقدم قال: قال ابن لسليمان بن عبد الملك لمزاحم: إن لي حاجة إلى أمير المؤمنين عمر، قال فاستأذنت له فقال أدخله، فأدخلته على عمر فقال ابن سليمان: يا أمير المؤمنين علام ترد قطيعتي؟ قال:
معاذ الله أن أرد قطيعة صحت في الإسلام. قال: فهذا كتابي وأخرج كتابا من كمه، فقرأه عمر فقال لمن كانت هذه الأرض؟ قال للفاسق ابن الحجاج. قال عمر: فهو أولى بماله، قال فإنها من بيت مال المسلمين، قال فالمسلمون أولى بها
стр. 1813
قال: يا أمير المؤمنين رد علي كتابي، قال: لو لم تأتني به لم أسألكه، فأما إذ جئتني به فلا ندعك تطلب بباطل. قال: فبكى ابن سليمان، قال مزاحم فقلت يا أمير المؤمنين ابن سليمان اللاطئ الحب، اللازق بالقلب تصنع به هذا؟ قال ويحك يا مزاحم إنها نفسي أحاول عنها، وإني لأجد له من اللوط ما أجد لولدي.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد ابن إبراهيم الدورقي ثنا منصور بن أبي مزاحم ثنا شعيب - يعني ابن صفوان - عن بشر بن عبد الله بن عمر عن بعض آل عمر: أن هشام بن عبد الملك قال لعمر ابن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إني رسول قومك إليك، وإن في أنفسهم ما أكلمك به، إنهم يقولون استأنف العمل برأيك فيما تحت يديك، وخل بين من سبقك وبين ما ولوا به من كان يلون أمره بما عليهم ولهم فقال له عمر:
أرأيت لو أتيت بسجلين أحدها من معاوية والآخر من عبد الملك بأمر واحد فبأي السجلين كنت آخذ؟ قال بالأقدم ولا أعدل به شيئا، قال عمر:
فإني وجدت كتاب الله الأقدم فأنا حامل عليه من أتاني ممن تحت يدي في مالي وفيما سبقني. فقال له سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: يا أمير المؤمنين امض لرأيك فبما وليت بالحق والعدل، وخل عمن سبقك وعما ولى خيره وشره، فإنك مكتف بذلك. فقال له عمر: أنشدك الله الذي إليه تعود أرأيت لو أن رجلا هلك وترك بنين صغارا وكبارا فعز الأكابر الأصاغر بقوتهم فأكلوا أموالهم، فأدرك الأصاغر فجاءوك بهم وبما صنعوا في أموالهم ما كنت صانعا؟ قال: كنت أرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها. قال: فإني قد وجدت كثيرا ممن قبلي من الولاة عزوا الناس بقوتهم وسلطانهم. وعزهم بها أتباعهم. فلما وليت أتوني بذلك. فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من القوي، وعلى المستضعف من الشريف. فقال وفقك الله يا أمير المؤمنين.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد ابن إبراهيم ثنا منصور ثنا شعيب حدثني محدث: أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فأخلني - وعنده
стр. 1814
مسلمة بن عبد الملك - فقال له عمر: أسر دون عمك؟ فقال نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه فقال له: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؟ فقال: له يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرا، فو الله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون على من أن يهراق فى سببى محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا منصور ثنا شعيب ثنا الفرات بن السائب: أن عمر بن عبد العزيز قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك - وكان عندها جوهر أمر لها أبوها به لم ير مثله-:
اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت: لا بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي، قال فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين، فلما هلك عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت يردونه عليك؟ قالت: فإني لا أشاؤه، طبت عنه نفسا في حياة عمر وأرجع فيه بعد موته؟ لا والله أبدا. فلما رأى ذلك قسمه بين أهله وولده.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: سمعت بعض شيوخنا يذكر أن عمر بن عبد العزيز أتي بكاتب يخط بين يديه وكان مسلما وكان أبوه كافرا نصرانيا أو غيره، فقال عمر للذي جاء به: لو كنت جئت به من أبناء المهاجرين؟ قال فقال الكاتب: ما ضر رسول الله ﷺ كفر أبيه، قال فقال
стр. 1815
عمر: وقد جعلته مثلا! لا تخط بين يدي بقلم أبدا.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثني سعيد بن سليمان - وقرأته عليه - ثنا محمد بن عبد الرحمن بن مجير ثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سالم بن عبد الله، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي إله إلا هو، أما بعد: فإن الله ابتلانى بما ابتلاني به من أمر هذه الأمة عن غير مشاورة مني فيها، ولا طلبة مني لها، الاقضاء الرحمن وقدره، فأسأل الذى ابتلانى من أمر هذه الامة بما ابتلاني أن يعينني على ما ولاني، وأن يرزقني منهم السمع والطاعة وحسن مؤازرة، وأن يرزقهم مني الرأفة والمعدلة، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إلي بكتب عمر بن الخطاب وسيرته وقضاياه في أهل القبلة وأهل العهد، فانى متبع أثر عمر وسيرته ان أعانني الله على ذلك والسلام. فكتب إليه سالم بن عبد الله بسم الله الرحمن الرحيم، من سالم بن عبد الله بن عمر إلى عبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله خلق الدنيا لما أراد، وجعل لها مدة قصيرة كأن بين أولها وآخرها ساعة من نهار، ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء فقال ﴿(كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)﴾ لا يقدر منها أهلها على شيء حتى تفارقهم ويفارقونها أنزل بذلك كتابه، وأنزل بذلك رسله، وقدم فيه بالوعيد، وضرب فيه الأمثال، ووصل به القول، وشرع فيه دينه، وأحل الحلال وحرم الحرام وقص فأحسن القصص، وجعل دينه في الأولين والآخرين فجعله دينا واحدا فلم يفرق بين كتبه، ولم تختلف رسله، ولم يشق أحد بشيء من أمره سعد به أحد، ولم يسعد أحد من أمره بشيء شقي به أحد، وإنك اليوم يا عمر لم تعد أن تكون إنسانا من بني آدم يكفيك من الطعام والشراب والكسوة ما يكفي رجلا منهم، فاجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب الذي توجه إليه شكر النعم، فإنك قد وليت أمرا عظيما ليس يليه عليك أحد دون الله، قد أفضى
стр. 1816
فيما بينك وبين الخلائق فإن استطعت أن تغنم نفسك وأهلك، وإن لا تخسر نفسك وأهلك فافعل، ولا قوة إلا بالله. فإنه قد كان قبلك رجال عملوا بما عملوا، وأماتوا ما أماتوا من الحق، وأحيوا ما أحيوا من الباطل، حتى ولد فيه رجال ونشئوا فيه وظنوا أنها السنة، ولم يسدوا على العباد باب رخاء إلا فتح عليهم باب بلاء، فإن استطعت أن تفتح عليهم أبواب الرخاء فإنك لا تفتح عليهم منها بابا الا سد به عنك باب بلاء، ولا يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أجد من يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله وتعمل لله أتاح الله لك رجالا وكالا بأعوان الله، وإنما العون من الله على قدر النية فإذا تمت نية العبد تم عون الله له، ومن قصرت نيته قصر من الله العون له بقدر ذلك، فإن استطعت أن تأتي الله يوم القيامة ولا يتبعك أحد بظلم ويجيء من كان قبلك وهم غابطون لك بقلة أتباعك وأنت غير غابط لهم بكثرة أتباعهم فافعل، ولا قوة إلا بالله. فإنهم قد عاينوا وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون، وانشقت بطونهم التي كانوا فيها لا يشبعون، وانفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذاتها، واندقت رقابهم في التراب غير موسدين بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق، فصاروا جيفا تحت بطون الأرض تحت آكامها، لو كانوا إلى جنب مسكين تأذى بريحهم، بعد إنفاق ما لا يحصى عليهم من الطيب، كان اسرافا وبدارا عن الحق، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أعظم يا عمر وأفظع الذي سيق إليك من أمر هذه الأمة، فأهل العراق فليكونوا من صدرك بمنزلة من لا فقر بك إليه، ولا غنى بك عنه، فإنهم قد وليتهم عمال ظلمة قسموا المال وسفكوا الدماء، فإنه من تبعث من عمالك كلهم أن يأخذوا بجبية، وأن يعملوا بعصبية، وان يتجبروا فى عملهم، وان يحتكروا على المسلمين بيعا، وان يسفكوا دما حراما. الله الله يا عمر فى ذلك فانك توشك ان اجترأت على ذلك أن يؤتى بك صغيرا ذليلا، وان أنت اتقيت ما أمرتك به وجدت راحته على ظهرك وسمعك وبصرك، ثم إنك كتبت إلي تسأل أن أبعث اليك بكتب عمر بن الخطاب وسيرته وقضائه في
стр. 1817
المسلمين وأهل العهد، وأن عمر عمل في غير زمانك، وإني أرجو إن عملت بمثل ما عمل عمر أن تكون عند الله أفضل منزلة من عمر، وقل كما قال العبد الصالح ﴿(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)﴾ والسلام عليك.
رواه عدة منهم، إسحاق بن سليمان عن حنظلة بن أبي سفيان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي ببعض رسائل عمر فكتب إليه: يا عمر اذكر الملوك الذين قد انفقأت عيونهم، فذكر نحوه مختصرا.
• حدثناه أحمد بن جعفر (١) ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا إسحاق بن سليمان نا حنظلة بن أبي سفيان. ورواه جعفر بن برقان قال: كتب عمر إلى سالم بن عبد الله، أما بعد: فإن الله ابتلاني فذكر نحوه. ورواه معمر بن سليمان الرقي عن الفرات بن سليمان قال: كتب عمر إلى سالم فذكره بطوله. كرواية موسى بن عقبة أخبرناه القاضي أبو أحمد في كتابه - ثنا محمد ابن أيوب ثنا الحسين بن الفرج ثنا معمر بن سليمان به.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي ثنا أبي ثنا محمد بن طلحة عن داود بن سليمان. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد صاحب الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن أهل الكوفة قوم قد أصابهم بلاء وشدة، وجور في أحكام الله، وسنن خبيثة سنها عليهم عمال سوء، وأن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها لطاعة الله، فإنه لا قليل من الإثم، وآمرك أن تطرز أرضهم ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامرا على خراب، وأنى قد وليتك من ذلك ما ولاني الله.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا سعدان بن نصر
стр. 1818
المخرمي (١) ثنا عبد الله بن بكر بن حبيب ثنا رجل: أن عمر بن عبد العزيز خطب الناس من خناصرة (٢) فقال: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التى عرضها السموات والأرض، ألا واعلموا أن الأمان غدا لمن حذر الله وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، أولا تدرون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون، كذلكم حتى ترد إلى خير الوارثين.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا سلمة ثنا جعفر بن هارون عن المفضل بن يونس. قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز:
يا أمير المؤمنين كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطيئا بطينا متلوثا في الخطايا أتمنى على الله الأماني.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن أبي السري ثنا بشر بن حسان الهذلي ثنا الثوري قال: ضرب عمر بن عبد العزيز بيده على بطنه ثم قال: بطني بطئ عن عبادة ربه، متلوث بالذنوب والخطايا، يتمنى على الله منازل الأبرار بخلاف أعمالهم.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا سفيان بن وكيع ثنا ابن عيينة [عن عمرو بن دينار قال قال عمر بن عبد العزيز: إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار. حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عبدة ثنا سفيان بن عيينة] (٣) قال قال عمر: مثله ولم يذكر ابن دينار.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا أبي ثنا عبد الله بن محمد بن سفيان ثنا أبو محمد البزار ثنا المسيب بن واضح عن محمد بن الوليد قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل وفي يده حصاة يلعب بها وهو يقول: اللهم زوجنى من الحور
стр. 1819
العين، فمال إليه عمر فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيت الحصاة وأخلصت إلى الله الدعاء.
• حدثنا محمد بن أحمد أنبأنا أبي ثنا عبد الله ثنا محمد بن عمر بن على الانصارى ثنا شبابة عن خازجة بن مصعب عن محمد بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينفع القلب إلا ما خرج من القلب.
• حدثنا محمد بن أحمد ثنا أبي ثنا عبد الله حدثني بشر بن معاذ عن شيخ من قريش. قال: قال عمر بن عبد العزيز: يا معشر المستترين اعلموا أن عند الله مسألة فاضحة، قال الله تعالى ﴿(فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون)﴾.
• حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد المتعال بن عبد الوهاب ثنا ضمرة حدثني عبد الله بن شوذب قال: حج سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز، فخرج سليمان إلى الطائف فأصابه رعد وبرق ففزع سليمان فقال لعمر: ألا ترى ما هذا يا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته، فكيف لو كان عند نزول نقمته!! حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو كريب ثنا أبو بكر بن عياش حدثني العذري: فذكر نحوه.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أبو العباس بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى حدثني أبي عن جدي قال: بينا عمر بن عبد العزيز مع سليمان بعرفات، إذ برقت وأرعدت رعدا شديدا ففزع منه سليمان فنظر إلى عمر وهو يضحك، فقال يا عمر أتضحك وأنت تسمع ما تسمع؟ قال يا أمير المؤمنين هذه رحمة الله أفزعتك، كيف لو جاءك عذابه!!.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا حاتم بن الليث ثنا خالد ابن خداش ثنا عفان بن راشد. قال: كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بعرفة فرعدت رعدة من رعدتها مه، فوضع سليمان صدره على مقدم الرحل وجزع منها، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين هذه جاءت برحمة فكيف لو جاءت بسخطة! قال ثم نظر سليمان إلى الناس فقال: ما أكثر الناس!! فقال عمر خصماؤك يا أمير المؤمنين، فقال له سليمان ابتلاك الله بهم.
стр. 1820
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سفيان بن وكيع ثنا ابن عيينة عن عمر بن ذر. قال: قال مولى لعمر بن عبد العزيز لعمر حين رجع من جنازة سليمان: ما لي أراك مغتما؟ قال لمثل ما أنا فيه يغتم له ليس من أمة محمد ﷺ أحد في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه، غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا الفضل بن يعقوب ثنا الحسن بن محمد بن أعين ثنا النضر بن عربي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فرأيته جالسا هكذا قد نصب ركبتيه ووضع يديه عليهما، وذقنه على ركبتيه، كأن عليه بث هذه الأمة.
• حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن عامر بن عبيدة. قال: أول ما أنكر من عمر بن عبد العزيز أنه خرج فى جنازة، فأتى ببرد كان يلقى للخلفاء يقعدون عليه إذا خرجوا إلى جنازة، فألقي له فضربه برجله ثم قعد على الأرض، فقالوا: ما هذا؟ فجاء رجل فقام بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين اشتدت بي الحاجة، وانتهت بي الفاقة، والله سائلك عن مقامي غدا بين يديك، وفى يده قضيب قد اتكأ عليه بسنانه، فقال:
أعد علي ما قلت، فأعاد عليه قال: يا أمير المؤمنين اشتدت بي الحاجة، وانتهت بي الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا بين يديك، فبكى حتى جرت دموعه على القضيب ثم قال: ما عيالك؟ قال خمسة، أنا وامرأتي وثلاثة أولادي قال فإن الفرض لك ولعيالك عشرة دنانير، ونأمر لك بخمسمائة، مائتين من مالي وثلاثمائة من مال الله تبلغ بها حتى يخرج عطاؤك.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن يزيد عن جعونة. قال: استعمل عمر عاملا فبلغه أنه عمل للحجاج فعزله فأتاه يعتذر إليه فقال: لم أعمل له إلا قليلا. فقال: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا سلمة بن شبيب
стр. 1821
ثنا سهل بن عاصم ثنا عبد الله بن غالب قال سمعت أبا عاصم العباداني يقول:
خطب عمر بن عبد العزيز فقال: أما بعد؛ فإن كنتم مؤمنين بالآخرة فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين بها فأنتم هلكى.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا جعفر بن عبد الله بن الصباح ثنا أبو همام ثنا ضمرة ثنا سفيان الثوري. قال: قال عمر بن عبد العزيز: من لم يعلم أن كلامه من عمله كثرت ذنوبه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن يحيى ثعلب النحوي ثنا الزبير بن بكار ثنا محمد بن مسلمة عن هشام بن عبد الله بن عكرمة. قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئا.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر أن عمر بن عبد العزيز قال: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطأ الذي قضى الله عليك، وقدر أن تبتلى بها.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا خالد بن خداش ثنا نوح بن قيس حدثني محمد بن معبد: أن عمر بن عبد العزيز أرسل بأسارى من أسارى الروم ففادى بهم أسارى من أسارى المسلمين، قال فكنت إذا دخلت على ملك الروم فدخلت عليه عظماء الروم خرجت، قال فدخلت يوما فإذا هو جالس في الأرض مكتئبا حزينا، فقلت: ما شأن الملك؟ قال: وما تدري ما حدث؟! قلت وما حدث؟ قال مات الرجل الصالح، قلت من؟ قال عمر بن عبد العزيز. [قال ثم قال ملك الروم: لأحسب أنه لو كان أحد يحيى الموتى بعد عيسى بن مريم ﵇ لأحياهم عمر بن عبد العزيز، ثم] (١) قال:
لست أعجب من الراهب أغلق بابه ورفض الدنيا وترهب وتعبد، ولكن أتعجب
стр. 1822
ممن كانت الدنيا تحت قدميه فرفضها ثم ترهب.
• حدثنا محمد (١) بن أحمد بن شاهين ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا خالد ابن مرداس ثنا الحكيم - يعني ابن عمر - قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وأرسل غلامه يشوي بكبكبة من لحم، فعجل بها فقال أسرعت بها؟! قال شويتها في نار المطبخ - وكان للمسلمين مطبخ يغديهم ويعشيهم - فقال لغلامه: كلها يا بني فإنك رزقتها ولم أرزقها.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن سفيان حدثني محمد ابن الحسين ثنا الوليد بن صالح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان لعمر ابن عبد العزيز سفط فيه دراعة من شعر وغل، وكان له بيت فى جوف بيت يصلي فيه لا يدخل فيه أحد، فإذا كان في آخر الليل فتح ذلك السفط ولبس تلك الدراعة ووضع الغل فى عنقه، فلا يزال يناجي ربه ويبكي حتى يطلع الفجر ثم يعيده في السفط.
• حدثنا أبي ومحمد بن أحمد قالا: ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا عبد الله ابن محمد بن عبيد حدثني أبو عبد الرحمن حاتم بن عبيد الله الأزدي عن الحسين ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه: إن لكل سفر زادا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسى قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه، ولا يمسي بعد صباحه، ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا. فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغترا، وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله، وإنما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة، فاما من لا يداوى كلما (٢) الا أصابه جرح فى ناحية أخرى، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي، وتظهر غيلتي، وتبدو مسكنتي، فى يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين منصوبة، ولقد عنيتم
стр. 1823
بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، ولو عنيت به الأرض لتشققت، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى إحداهما.
• حدثنا أبي ومحمد قالا: ثنا أحمد بن محمد بن عمرو (١) ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا يعقوب بن إسماعيل ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا عمر بن محمد المكي. قال: خطب عمر بن عبد العزيز فقال: إن الدنيا ليست بدار قراركم، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم عامر موثق عما قليل مخرب، وكم مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، إنما الدنيا كفئ ظلال قلص فذهب.
بينا ابن آدم في الدنيا ينافس فيها وبها قرير العين إذ دعاه الله بقدره، ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، إنها تسر قليلا، وتجر حزنا طويلا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم - في كتابه - ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا حاجب بن الوليد ثنا مبشر بن إسماعيل ثنا أرطأة بن المنذر. قال: قيل لعمر ابن عبد العزيز لو اتخذت حرسا واحترزت في طعامك وشرابك، فإن من كان قبلك يفعله؟ فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي.
• حدثنا محمد بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا يحيى بن عثمان الحربي ثنا بقية بن الوليد عن جعبان العبسي (٢) عن عمرو بن مهاجر. قال قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني، ثم قل يا عمر ما تصنع؟.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا الحسين بن محمد بن حماد ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن حماد بن يزيد عن جعونة. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم أما بعد: فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحج الاكبر انى برئ من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو تعمدته، إلا أن يكون وهما
стр. 1824
مني، أو أمرا خفي علي لم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعا عني مغفورا لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد، ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني وأنا معول كل مظلوم، ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم، ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم، ولا أثرة على فقرائكم فى شيء من فيئكم، ألا وأيما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصا أو عاما من هذا الدين فله ما بين مائتي دينار إلى ثلاث مائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة، وتجشم من المشقة، رحم الله امرأ لم يتعاظمه سفر يحيي الله به حقا لمن وراءه، ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورا من الحق أحياها الله لكم، وأمورا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري والسلام عليكم.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام ابن يحيى بن يحيى حدثني أبي عن جدي قال: كتب بعض عمال عمر إليه يقول في كتابه: يا أمير المؤمنين إني بأرض قد كثر فيها النعم حتى لقد أشفقت على من قبلي من أهلها ضعف الشكر. فكتب إليه عمر: إني قد كنت أراك أعلم بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى ﴿(ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)﴾ وأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان؟! وقال الله تعالى ﴿(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها)﴾ إلى قوله ﴿(وقيل الحمد لله)﴾ وأي نعمة أفضل من دخول الجنة.
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم حدثني أبي عن جدي قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يحمل على البريد إلا في حاجة المسلمين وكتب إلى عامل له يشتري له عسلا ولا يسخر فيه شيئا، وأن عامله حمله على مركبة من البريد، فلما أتى قال على ما حمله؟ قالوا على البريد، فأمر بذلك العسل
стр. 1825
فبيع وجعل ثمنه في بيت مال المسلمين، وقال أفسدت علينا عسلك.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا أبو عوانة عن خالد بن أبي الصلت. قال: أنى عمر بن عبد العزيز بماء قد سخن في فحم الإمارة، فكرهه ولم يتوضأ به.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن موسى السدي ثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاح وفاكهة، فردها وقال لا أعلمن أنكم قد بعثتم الى أحد من أهل عملي بشيء، قيل له ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ قال: بلى ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة.
• حدثنا حبيب بن الحسن ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا الهيثم بن خارجة ثنا إسماعيل عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر تفاحا فقال لو أن عندنا شيئا من تفاح فإنه طيب؟ فقام رجل من أهله فأهدى إليه تفاحا، فلما جاء به الرسول قال: ما أطيبه وأطيب ريحه وأحسنه، ارفع يا غلام واقرأ على فلان السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب، قال عمرو بن مهاجر: فقلت له يا أمير المؤمنين ابن عمك رجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، قال إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا حاتم بن الليث ثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثني رجل: أن عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخناصرة فقال: يا أيها الناس ما منكم من أحد [يبلغنا عنه حاجة ألا أحببت أن أسد من حاجته بما قدرت عليه، وما منكم من أحد] (١) لا يسعه ما عندنا إلا وددت أنه بدئ بي وبلحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشه، وايم الله إني لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان به مني ذلولا عالما بأسبابه ولكنه قضاء من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل فيها على طاعته، وينهى