Полный текст (3 891 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
الجسور، الدنيا عروس وطالبها ماشطتها، وبالزهد ينتف شعرها ويسود وجهها ويمزق ثيابها. ومن طلق الدنيا فالآخرة زوجته. فالدنيا مطلقة الأكياس لا تنقضي عدتها أبدا، فخل الدنيا ولا تذكرها، واذكر الآخرة ولا تنسها، وخذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة.
• حدثنا محمد قال سمعت الحسن يقول سمعت أبي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: تمام المغفرة في ثلاث: حسن القبول، وتقليد العلم، وبذل الفضل. وتفسير حسن القبول أن تسمع بينة الاستفادة وتنظر الإرادة لا تهز رأسك كأنك عالم بما تسمعه، فهذا يدخله في الكبر ويفسد العمل.
قال وسمعت يحيى يقول: عدم التواضع من فاته خصال علمه بما خلق له وما خلق منه وما يعود إليه. قال وسمعت يحيى يقول: علامة من اتقى الله ثلاثة خصال: من آثر رضاه وقارن تقاه وخالف هواه - يعني رضى الله على رضى نفسه، وقارن تقاه يعني جعل التقى قرينه فلا يزايله في حال عسره ويسره وسروره ورضاه وغضبه. وخالف هواه يعني فيما يبعده عن الله وينقصه حظ الجزاء.
• حدثنا أبو الحسن بن عمرو ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى يقول:
إن أعرضت عنا بوجهك الكريم استعطفناك بقول لا إله إلا الله. قال وسمعت يحيى يقول: إن تلقاني بمكر منه اقتدارا تلقيته بذل مني افتقارا. قال وسمعت يحيى يقول: التائب يبكيه ذنبه، والزاهد يبكيه غربته، والصديق يبكيه خوف زوال الإيمان. قال وسمعت يحيى يقول: فكرتك في الدنيا تلهيك عن ربك وعن دينك فكيف إذا باشرتها بجميع جوارحك. قال وسمعت يحيى يقول: اتق على جراب إيمانك لا يقرضه الفأر. قال وسمعت يحيى يقول. تضاحكت الأشياء إلى أولياء الله العارفين بأفواه القدرة عن مليكهم لما يرون من آثار صنعه فيها ويعاينون من بدائع خلقه معها، فلهم في كل شيء معتبر، وعند كل شيء مدكر. وقال في دعائه: إلهي ضمن أعمالي غنيمة عقباها، وامنع نفسى لذاذة دينها. قال وسمعت يحيى يقول سبحان من يبيع الحبيبة بالبغيضة - يعني الدنيا - قال وسمعت يحيى
стр. 3537
يقول الجنة حبيبة المؤمن يبيعها منه بالبغيضة - يعني الدنيا - قال وسمعت يحيى يقول ربما رأيت أحدهم يقول: عشرين سنة أطلب ربي، ويحك ربك لا تجبره على تضييع نفسك أبدا، اطلب نفسك حتى تجدها فإذا وجدتها فقد وجدت ربك. قال وسمعت يحيى يقول: وا عجبا كل من جاءني بكبة وقد ضاع رأسه طلبتها في ساعة فدفعتها إليه، ورأس الكبة من غزلي قد ضاع منذ عشرين سنة وأنا في طلبه فلا أقدر عليه. وسمعته يقول: الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة وهو لا يسألك منها جناح بعوضة».
• أخبر محمد بن أحمد البغدادي أبو بكر - في كتابه - وحدثنى عنه عثمان ابن محمد العثماني ثنا عبد الله بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول:
أيها المريدون طريق الآخرة والصدق، والطالبون أسباب العبادة والزهد اعلموا أنه من لم يحسن عقله لم يحسن تعبد ربه، ومن لم يعرف آفة العمل لم يحسن يحترز منه، ومن لم تصح عنايته في طلب الشيء لم ينتفع به إذا وجده، واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم وخطر جسيم، وأن العلم لم يرد ليعلم إنما أريد ليعلم ويعمل به لأن الثواب على العمل بالعلم يقع لا على العلم، ألا ترى أن العلم إذا لم يعمل به عاد وبالا وحجة وانظروا ألا تكونوا معشر المريدين ممن قد تركوا لذة الدنيا ونعيمها ثم لا يصدق طلبكم الآخرة فلا دنيا ولا آخرة، وفكروا فيما تطلبون فإن من لم يعرف خطر ما يطلب لم يسهل عليه الجهل في جنب طلبه واعلموا أنه من لم يهن عليه الخلق لم يعظم عليه الرب ومن لم يكن طلبه في طريق الرغبة والرهبة والشوق والمحبة كان متحيرا في طلبه مخلطا في عمله لا يجد لذة العبادة ولا يقطع طريق الزهادة، فاتقوا الله الذي إليه معادكم وانظروا ألا تكونوا ممن يعرفهم جيرانهم وإخوانهم بالخير والإرادة والزهادة والعبادة وحالكم عند الله على خلاف ذلك، فإن الله إنما يجزيكم على ما يعرف منكم لا على ما يعرفه الناس، ولا تكونوا ممن يولع بصلاح الظاهر الذي إنما هو للخلق ولا ثواب له بل عليه العقاب، ويدع الباطن الذي هو لله وله الثواب ولا عقاب عليه.
стр. 3538
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن قارن الرازى قال سمعت ابن معاذ يقول: من الدنيا لا ندرك آمالنا، وللآخرة لا نقدم أعمالنا وفي القيامة غدا لا ندري ما حالنا؟.
• حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ثنا عباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن الحسن بن العلاء البلخي قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول:
الناس ثلاثة: فرجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الصالحين، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده فتلك درجة الهالكين.
• سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن حكويه الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: لا تسكن إلى نفسك وإن دعتك إلى الرغائب.
• سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: الدنيا بحر التلف والنجاة منها الزهد فيها.
• سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: يا جهول يا غفول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمت طربا. قال وسمعت يحيى يقول: استشعرت الفقر فاتهمته، ووثقت بعبد مثلك فقير فائتمنته. ثم صرخ وقال: وا سوأتاه منك إذا شاهدتني وهمتي تسبق إلى سواك، أم كيف لا أضنى في طلب رضاك، قال:
وسمعت يحيى يقول: قلب المحب يهيم بالطيران وتكلمه لدغات الشوق والخفقان. قال وسمعته يقول: إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فإنها قد صغرت في جنب عفوك. إلهي لا أقول لا أعود لما أعرف من خلقي وضعفي. إلهي إنك إن أحببتني غفرت سيئاتي وإن مقتني لم تقبل حسناتي.
ثم قال: أواه قبل استحقاق قول أواه. قال وسمعت يحيى يقول: لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا، ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقا.
стр. 3539
• أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان ثنا عبد الله ابن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: لا تجعل الزهد حرفتك لتكتسب بها الدنيا، ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة. وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك فاصرف أمرهم على الخرافات. وقال: ترى الخلق متعلقين بالأسباب والعارف متعلق بولي الأسباب، إنما حديثه عن عظمة الله وقدرته وكرمه ورحمته يحترف بهذا دهره ويدخل به قبره. وسمعته يقول: من كانت الحياة قيده كان طلاقه منها موته. وسمعته يقول: الدنيا لا قدر لها عند ربها وهي له فما ينبغي أن يكون قدرها عندك وليست لك. قال: وسئل يحيى عن الوسوسة فقال: إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا، وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا. وقيل ليحيى: كيف يتعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة؟ قال: أولئك بضاعتهم مولاهم وزادهم تقواهم وشغلهم ذكراهم، ومن اهتم بعشائه لم يتهن بغذائه ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزد استكثاره من ذلك إلا اضطرابا.
• حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو ثنا الحسن بن علوية سمعت يحيى بن معاذ يقول: لو لم يكن للعارفين إلا هاتان النعمتان لكفاهم منه، متى رجعوا إليه وجدوه، ومتى ما شاءوا ذكروه.
• حدثنا أبو الحسن ثنا الحسن قال سمعت يحيى يقول: من صفة العارف شيئان ما مضى وما كان وفيما هو وما أعلم وكيف أعمل، وبعده ما يكون فكيف تكون هذه الثلاثة الأيام أمس واليوم وغدا قد زل عن قلبه عجب عمله ولازمه خوف ذنبه. قال وسمعت يحيى يقول: من صفة العارف جسم ناعم وقلب هائم وشوق دائم وذكر لازم. قال وسمعت يحيى يقول عبادة العارف في ثلاثة أشياء معاشرة الخلق بالجميل، وإدامة الذكر للجليل، وصحة جسم بين جنبيه قلب عليل. وسمعته يقول: سبحان من طيب الدنيا للعارفين بمعرفته، وسبحان من طيب لهم الآخرة بمعذرته، فتلذذوا أيام الحياة بالذكر في مجالس معرفته وغدا يتلذذون في رياض القدس بشراب مغفرته فلهم في الدنيا زرع ذكر
стр. 3540
ولهم في الآخرة ربيع بر، ساروا على المطايا من شكره حتى وصلوا إلى العطايا من ذخره، فإنه ملك كريم.
• سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول سمعت محمد بن محمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: العارف قد يشتغل بربه عن مفاخرة الأشكال ومجالس العطايا، وعن من منازعة الأضداد في مجالس البلايا. قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول: أوثق الرجاء رجاء العبد ربه، وأصدق الظنون حسن الظن بالله.
• سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول سمعت أحمد بن محمد بن مسعود يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: طوبى لعبد أصبحت العبادة حرفته والفقر منيته. والعزلة شهوته والآخرة همته وطلب العيش بلغته وجعل الموت فكرته وشغل بالزهد نيته، وأمات بالذل عزته وجعل إلى الرب حاجته، يذكر في الخلوات خطيئته، وأرسل على الوجنة عبرته، وشكى إلى الله غربته، وسأله بالتوبة رحمته. طوبى لمن كان ذلك صفته، وعلى الذنوب ندامته جآر الليل والنهار، وبكاء إلى الله بالأسحار، يناجي الرحمن ويطلب الجنان ويخاف النيران.
• سمعت محمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: الكيس من فيه ثلاثة خصال: من بادر بعمله وتسوف بأمله واستعد لأجله. قال وسمعت يحيى يقول: المغبون يوم القيامة من فيه ثلاثة خصال من قرض أيامه بالبطالات وبسط جوارحه على الحسرات، ومات قبل إفاقته من السكرات. قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول: سبحان الله فلعل لا إله إلا الله تستوهبه من أهل لا إله إلا الله فليس ما أتى به من الذنب عصيانا أكثر مما أتى به من التوحيد إيمانا.
• سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول سمعت محمد بن أحمد - سنة خمس وثلاثمائة - يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: إن العبد على قدر حبه لمولاه يحببه إلى خلقه، وعلى قدر توقيره لأمره يوقره خلقه وعلى قدر
стр. 3541
التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه، وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه، وعلى قدر إدامته لطاعته يحليها في صدر، وعلى قدره لهجته بذكره يديم ألطاف بره، وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه، فلو لم يكن لابن آدم الثواب على عمله إلا ما عجل له في دنياه لكان كثيرا سوى ما يريد أن يصير إليه من جزيل جزائه وعظيم إعطائه ما لا يحيط به إحصاء ولا تبلغه منى إذ كان يعطي على قدر ما هو أهله إنه ملك كريم.
• أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد ثنا عبد الله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما وخصمي لا فهم له. قيل له: من خصمك؟ قال. خصمي نفسي لا فهم لها تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم والخلود فيها بشهوة ساعة في دار الدنيا. قال وسمعت يحيى يقول: لا تعرفه حتى تعمى عن الخلق. قال وسمعته يقول: يا ابن آدم إنك لا تشتاق إلى ربك إلا بالاستيحاش من خلقه. قال وسمعت يحيى يقول: للتائب فخر لا يعادله فخر في جميع أفخاره، فرح الله بتوبته قال وسمعت يحيى يقول: من ادعى حبه فهو طالب فإذا أحبه سكت. قال وسمعت يحيى يقول: إذا اصطفاهم لنفسه وأمكنهم من أنسه حجبهم عن خلقه بالمعروف من رفقه، قيل له وكيف يحجبهم؟ قال: يحجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا. وهذا مشهور. قال وسمعت يحيى يقول؟.
مجد إلهك يحيى إنه ملك … مهيمن صمد للذنب غفار
اشكر له حكما أتاكها مننا … تترى توافقها في الدين آثار
قال وسمعت يحيى يقول: لو لم يسكنهم ببلواه لطارت بهم نعماه، ولم يصل إليه من لم يرض بقسمه ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمة ولم يحبه من لم يته في كرمه.
وسمعته يقول: حين خاطروا بالنفوس اقتربوا وهذا طعم الخبر فكيف طعم النظر.
• سمعت أبا الحسن محمد بن عمرو الجرجاني يقول سمعت أبا محمد الحسن
стр. 3542
ابن محمد الرازي المذكر يقول سمعت أبي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أفواه الرجال حوانيتها وشفتاها مغاليقها، وأسنانها مخاليبها، فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار. قال وسمعت يحيى يقول: قد دعاك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه؟ أمن الدنيا أم من قبرك؟ إنك إن أجبته من دنياك دخلتها، وإن أجبته من قبرك منعتها. قال وسمعت يحيى يقول: إن الدرهم عقرب: فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه بيدك فإنه إن لدغك قتلك. قال وسمعته يقول: الدنيا سم الله القتال لعباده، فخذوا منها حسب ما يؤخذ السم في الأدوية لعلكم تسلمون.
• أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى في كتابه قال سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول:
أولياؤه أسراء نعمه وأصفياؤه رهائن كرمه وأحباؤه عبيد مننه، فهم عبيد محبة لا يعتقون، ورهائن كرم لا يفكون، وأسراء نعم لا يطلقون.
• أخبرنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن علي النهاوندي يقول سمعت موسى بن محمد يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: أهل المعرفة وحش الله في الأرض لا يأنسون إلى أحد، والزاهدون غرباء في الدنيا، والعارفون غرباء في الآخرة. قال وسمعت يحى يقول: ابن آدم ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الغوث؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟.
• أخبرنا عبد الواحد بن بكر حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي ثنا طاهر ابن إسماعيل الرازي قال قيل ليحيى بن معاذ: أخبرني عن الله ما هو؟ قال:
إله واحد. قال: كيف هو؟ قال ملك قادر. قال: أين هو؟ قال بالمرصاد. قال ليس عن هذا أسألك قال يحيى فذاك صفة المخلوق فأما صفة الخالق فقد أخبرتك.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبد الله بن سهل الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: عجبت لمن يصبر عن ذكر الله، وأعجب منه من صبر عليه كيف لا ينقطع؟ ثم قال:
ندافع عيشنا بالجهد جهدا … مدافعة إلى جهد المنايا
١
стр. 3543
قال وسمعت يحيى يقول: من صفة العارف خصلتان ألا يذيع حاله لأحد، ولا يفتش أحد عن حاله. ومن علامة المريد الرضاء بالقضاء والثقة بالوعد والعمل بالإخلاص والشكر على البلاء والتوبة من كل ذنب وامتحان الإرادات. قال وسمعت يحيى يقول: سبحان من جعل الأرواح روحانية نورانية، والأنفاس جولانية هوائية فالأرواح تحن إلى عليين معدانها، والأنفاس تحن إلى سجين محبسها.
• حدثنا عثمان بن محمد قال قرئ على أبي حسن أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت إسماعيل بن معاذ يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: قوم على فرش من الذكر في مجلس من الشوق وبساتين من المناجاة بين رياض الأطراب وقصور الهيبة وفناء مجال الأنس، معانقي عرائس الحكمة بصدور الافهام، مناعى زفرات الوجد وجوه الآخرة بفنون الافراح تعاطون بينهم كئوس حبه، سقاهم فيها وغوتهم على شربها فرقان الشجى، تجرى فى الأكباد ثديم عليهم ذكر الحبيب، ويبلبلهم معها هيمان الوجود قال وأنشدني إسماعيل بن معاذ لأخيه يحيى بن معاذ:
طرب الحب على الحب
• مع الحب يدوم
• … عجبا لمن رأيناه
• على الحب يلوم
حول حب الله ما عشت
• مع الشوق أحوم
• … وبه أقعد ما عش
• ت حياتى وأقوم
وقال أيضا ﵀:
نفس المحب إلى الحبيب تطلع … وفؤاده من حبه يتقطع
عز الحبيب إذا خلا في ليله … بحبيبه يشكو اليه ويضرع
ويقوم في المحراب يشكو بثه … والقلب منه إلى المحبة ينزع.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت أحمد بن أبي طلحة يقول سمعت محمد بن أحمد الجرجاني يقول سمعت ابن كمال الجرجاني يقول: سئل يحيى بن معاذ عن الرقص فأنشأ يقول:
دققنا الأرض بالرقص
• على غيب معانيك … ولا عيب على الرقص
• لعبد هائم فيك
وهذا دقنا الأر … ض إذا طفنا بواديك.
• سمعت: محمد بن محمد بن عبد الله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول:
стр. 3544
نظر يحيى بن معاذ إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته وقد ذبلت فأتى بالماء يسقيها فقال له ما تصنع؟ قال رأيت هذا الريحان ذا بلا قد جففوه بترك سقيه فاعتصر به قلبي فسقيته لأنه هاجت لي فيه عبرة وكأني رأيته يستسقيني بذبوله خاضعا. وكان أبوه وأخوه يدعوانه إلى طلب الدنيا فأنشأ أخوه يقول:
أترحم أغصنا ذبلت ولانت … ولا ترحم أخاك إذا دعاك
فقال يحيى مجيبا له:
رأيت أخي يريد هلاك نفسي … ونفسي لا تريد له هلاكا
قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول وأنشدنا.
أموت بدائي لا أصيب دوائيا … ولا فرجا مما أرى من بلائيا
إذا كان داء العبد حب مليكه … فمن دونه يرجو طبيبا مداويا
قال وأنشدنا يحيى ﵀:
رضيت بسيدي عوضا وأنسا … من الأشياء لا أبغى سواه
فيا شوقا إلى ملك يراني … على ما كنت فيه ولا أراه
خلا يستمطر النجم العطايا … فيعطى منه أكثر ما رجاه
وأنشدنا أيضا.
أنا إن تبت مناني … وإن أذنبت رجاني
وإن أدبرت نادانى … وإن أقبلت أدنانى
وإن أحببت والانى … وإن أخلصت ناجانى
وان قصرت عافانى … وإن أحسنت جازانى
حبيبى أنت رحمانى … اصرف عنى أحزانى
إليك الشوق من قلبي … على سري وإعلاني
فيا أكرم من يرجى … ويا قديم إحسانى
ما كنت على هذا … إله الناس تنسانى
لدى الدنيا وفي العقبى … على ما كان من شانى
стр. 3545
قال وأنشدنى يحيى:
تبارك ذو الجلال وذو المحال … عزيز الشان محمود الفعال
سروري بالسؤال لكي أراه … فكيف أسر منه بالنوال
فيا ذا العز يا ذا الجود جدلى … وغير ما ترى من سوء حالي
قال وأنشدنى يحيى.
أشكو إليك ذنوبا لست أنكرها … وقد رجوتك يا ذا المن تغفرها
من قبل سؤلك لي في الحشر يا أملى … يوم الجزاء على الأهوال تذكرها
أرجوك تغفرها في الحشر يا أملى … إذ كنت سؤلي كما في الأرض تسترها
قال وأنشدنا يحيى:
سلم على الخلق وارحل نحو مولاك … واهجر على الصدق والإخلاص دنياك
عساك في الحشر تعطى ما تؤمله … ويكرم الله ذو الآلاء مثواك.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت الحسن ابن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه ويوم حشره ميزانه.
• أخبر محمد بن أحمد البغدادي - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا عبد الله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها ومغارفها ألسنتها فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج، يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه. قال وسمعت يحيى يقول: إنما صار الفقراء أسعد على الذكر من الأغنياء لأنهم في حبس الله ولو أطلقوا من حصار الفقر لوجدت من ثبت منهم على الذكر قليلا. قال وسمعت يحيى يقول: من يستفتح أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين. قال وسمعت يحيى يقول: ألق حسن الظن على الخلق وسوء الظن على نفسك لتكون من الأول في سلامة ومن الآخر على الزيادة. قال وسمعت يقول قال ابن السماك: حسبي من ثوابك النجاة من عقابك. قال وسمعت يحيى يقول: أبناء الدنيا يجدون لذة الكلام، وأبناء
стр. 3546
الآخرة يجدون لذة المعاني.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا الحسن بن أبي الحسن البصرى ثنا على ابن جعفر بن أحمد الكاتب قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الدرجات التي يسعى إليها أبناء الآخرة سبع: التوبة ثم الزهد ثم الرضا ثم الخوف ثم الشوق ثم المحبة ثم المعرفة. فبالتوبة تطهروا من الذنوب وبالزهد خرجوا من الدنيا وبالرضا ألبسوا قراطن العبودية وبالخوف جازوا قناطر النار، وبالشوق إلى الجنة استوجبوها، وبالمحبة عقلوا النعيم، وبالمعرفة وصلوا إلى الله وهو في البحر السابع، ولا يزالون فيه أبد الآبدين في الدنيا والآخرة.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال: قرأت في كتاب أبي الحسن الزهري البصري قال قال يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خزانة الله فما الذي يبغض منها وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر يسبح الله فيها قال الله تعالى ﴿(وإن من شيء إلا يسبح بحمده)﴾ وقال الله تعالى: ﴿(ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)﴾ فالمجيب له بالطاعة لا يستحق أن يكون بغيضا في قلوب المؤمنين، ليعلم أن الذنب والذم زائلان عنها إلى بني آدم لو كانوا يعلمون.
• أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عثمان بن محمد ثنا عبد الله بن سهل الرازي ثنا يحيى بن معاذ قال: اعلموا أنه لا يصح الزهد والعبادة ولا شيء من أمور الطاعة لرجل أبدا وفيه للطمع بقية فإن أردتم الوصول إلى محض الزهد والعبادة فأخرجوا من قلبكم هذه الخصلة الواحدة وكونوا رحمكم الله من أبناء الآخرة وتعاونوا واصبروا وأبشروا تظفروا إن شاء الله. واعلموا أن ترك الدنيا هو الربح نفسه الذي ليس بعده أمر أشد منه، فإن ذبحتم بتركها نفوسكم أحييتموها، وإن أحييتم أنفسكم بأخذها قتلتموها، فارفضوها من قلوبكم تصيروا إلى الروح لراحة في الدنيا والآخرة وتصيبوا شرف الدنيا والآخرة، وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون. عذبوا أنفسكم في طاعة الله بترك شهواتها قبل أن تلقى الشهوة منها أجسامكم في دبار عاقبتها واعلموا أن القرآن قد ندبكم إلى وليمة الجنة ودعاكم إليها فأسرع الناس إليها أتركهم لدنياه وأوجدهم لذة لطعم
стр. 3547
تلك الوليمة أشدهم تجويعا لنفسه ومخالفة لها فإنه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد، وسأظهر لكم هذا الأمر فإني وجدت أمر الإنسان أمرا عجيبا، قد كلف الطاعة على خلاف ما كلف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه وليكن العمل منك فيه على حسب الحاجة منك إليه، واستعن بالله فنعم المعين، واعلم أنك لم تسكن الدنيا لتتنعم فيها جاهلا وعن الآخرة غافلا ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها عاقلا وتمتطي الأيام إلى ربك عاملا، فإنك بين دنيا وآخرة ولكل واحدة منهما نعيم وفي وجود إحداهما بطول الأخرى فانظر أن تحسن طلب النعيم، فقد حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: غلط الملوك طلبوا النعيم فلم يحسنوا. وعلى حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله، وكما كان معدوما وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين، فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة، وإن كنت ذا قلب واحد فاجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والإنعام. واعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم، وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد وطلع ثمرات الخير، وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الإطعام، وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين وما دونه فمزرعة الأعمال، فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها وفقدها في أخذها وليس معنى الترك الخروج من المال والأهل والولد ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة ومتروكة فهذا معنى الترك لا ما تدعيه المتصوفة الجاهلون. أنت من الدنيا بين منزلتين فان زويت عنك كفيت المؤنة، وإن صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك، وإن كانت طاعتك لله في شأنها تصلحها ومعصيتك لله في أمرها يفسدها، فدع عنك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها فإن المطيع فيها محمود عند الله إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان الله فيها، لأن الدنيا مال الله والخلق عباد الله. وهم في هذا المال صنفان خونة وأمناء، فإذا وقع المال في
стр. 3548
أيدي الخائنين فهو سبب دمارهم ولا عتب على المال إنما العتب على فعلهم بالمال وإذا وقع في أيدي الأمناء كان سبب شرفهم وخلاصهم، ولا معنى للمال إنما كسب لهم الشرف عند الله فعلهم بالمال أدوا أمانة الله في أموالهم فلحق بهم نفع المال. لا ذنب للمال الذنب لك الذنوب إنما تكتسب بالجوارح وليس للضيعة والحانوت جوارح، إنما الجوارح لك وبها تكتسب الذنوب فعلك بما لك أسقطك من عين ربك لا مالك، وفعلك بما لك يصحبك إلى قبرك لا مالك، وفعلك بمالك يوزن يوم القيامة لا مالك.
• حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد المقرئ ثنا الحسن بن علوية الدامغاني قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: يا من أقام لي غرس ذكرى وأجرى إلى أنهار نجوى وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى، وأقام لي فيهم أسواق تقوى، أقبلت إليك معتمدا عليك ممتلئ القلب من رجائك، ورطب اللسان من دعائك، في قلبي من الذنوب زفرات ومعي عليها ندامات، إن أعطيتني قبلت وإن منعتني رضيت وإن تركتني دعوت، وإن دعوتني أجبت. فأعطني إلهي ما أريد، فإن لم تعطني ما أريد فصبرني على ما تريد. قال وسمعت يحيى يقول: من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير أولها المبادرة إلى التوبة، والثاني القناعة برزق يسير، والثالث النشاط في العبادة.
ومن حرص على الدنيا فإنه لا يأكل فوق ما كتب الله له ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال: أولها أن تراه أبدا غير شاكر لعطية الله له، والثاني لا يواسي بشيء مما قد أعطي من الدنيا. والثالث يشتغل ويتعب في طلب ما لم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبد الله بن سهل يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول: الصبر على الناس أشد من الصبر على النار قال وسمعت يحيى يقول: تأبى القلوب للاسخياء الاحبا وإن كانوا فجارا، وللبخلاء إلا بغضا وإن كانوا أبرارا. وقال: يحيى ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا
стр. 3549
حرصاء على طلب الجنة فقراء إلى ربهم. والمنافق حريص على الدنيا فقير إلى الخلق. قال وسمعت يحيى يقول: قال بعض الحكماء: من أصبح لم يكن معه هذه الخصال الثلاث لم يصب طريق العزم: أولها كما أن الله لم يعط رزقك اليوم غيرك فلا تعمل لغيره، وكما أن الله لم يشارك فيما أعطاك أحدا فلا تشارك في العمل الذى تعمل له - يعنى الرياء - وكما أن الله لم يكلفك اليوم عمل غد فلا تسأله رزق غد على جور حتى إذا لم يعطك شكوته. قال وسمعت يحيى يقول: إذا لاحظت الأشياء منه كان لها طعم آخر. قال وسمعت يحيى يقول: ليس بصادق من ادعى حبه ولم يحفظ حده. قال وسمعت يحيى يقول: سقوط رجل من درجة ادعاؤها. قال وسمعت يحيى يقول: إذا عملوا على الصدق انطلقت ألسنتهم على الخلق بالشدة، وإذا عملوا في التفويض انكسرت ألسنتهم عن الخلق مبهوتين، الأول من صفة الزاهدين والثاني من صفة العارفين. قال وسمعت يحيى يقول: إنما تلقى الزاهد في الدنيا أحيانا ليرفق بعباد الله إذا ذلوا. قال وسمعت يحيى يقول: من أقام قلبه عند الله سكن، ومن أرسله في الناس اضطرب.
• حدثنا عثمان بن محمد قال قرأ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى ثنا إسماعيل بن معاذ عن أخيه يحيى بن معاذ قال: قسم الدنيا على البلوى والجنة على التقوى وجوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة، والجوع طعام يشبع الله منه أبدان الصديقين، وإذا امتلأت المعدة خرست الحكمة وأشرف الجوع حالة ينظر إليك فيها العدو فيرحمك وأمقت الشبع حالة ينظر إليك معها، الصديق فيستثقلك، فالحزن يمنع الطعام والخوف يمنع الذنوب، والرجاء يقوي على أداء الفرائض، وذكر الموت يزهد في الشيء، وفي لقاء الإخوان مدافعة ما فضل من النهار وصلاح الأمر في ذلك كله أن يكون على نية.
• حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية: قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: تولد الخوف في القلب من ثلاث خصال: إدامة الفكر معتبرا،
стр. 3550
والشوق إلى الجنة مشفقا وذكر النار متخوفا. والورع من ثلاث خصال من عز النفس وصحة اليقين وتوقع الموت. وتمام المعرفة من ثلاث خصال: حسن القبول وتقليد العلم وبذل النصح. وقال: عدم التواضع من فاتته ثلاث خصال علمه بما خلق منه وما يعود إليه والمتواضع من ظن أنه من أذنب أهل الأرض.
ومن آثر صحبة المساكين. وقال لا تتخذوا من القرناء إلا ما فيه ثلاث خصال من حذرك غوائل الذنوب وعرفك مدانس العيوب وسايرك إلى علام الغيوب.
وقال: شرف المعاد من ثلاث احتمال الشدائد وإذلال النفس وكراهة المعرفة.
ومعنى كراهة المعرفة يكره أن يعرف في الناس لا يبتغي معرفة الناس إنما استئناسه بذكر الله فى الخلوة ومع الناس. وقال: غنيمة الآخرة في ثلاثة أشياء: الطاعة والبر والعصيان طاعة الرب وبر الوالدين وعصيان الشيطان.
وقال: الفارس في الدين من كان فيه ثلاث خصال حفظ لسانه وإمساك عنانه وصدق بيانه. حفظ لسانه لا يتكلم إلا بما له، وإمساك عنانه هو في حلبة الأعمال فيمسك عنان إرادته إذا كان لغير الله ويرسله إذا كان لله. وصدق بيانه إذا علم شيئا عمل به. وثلاثة من السعادة مقلة دامعة وعنق خاضعة وأذن سامعة.
ولا يجد حلاوة العبادة إلا من فيه ثلاث خصال أن يستأثر الرجلة ويستلذ العزلة ويترقب النقلة: الرجلة الإقلال، والعزلة الوحدة، والنقلة: الرحلة إلى القبر. وأغبط الناس من سلك طريق آخرته وأصلح شأن عاقبته، واجتهد في فكاك رقبته. وقال لم أجد السرور إلا في ثلاث خصال: التنعم بذكر الله، واليأس من عباد الله. والطمأنينة إلى موعود الله - يعني في الرزق - وقال:
المصيب من عمل ثلاثة أشياء يلقاه من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل ان وقال عجبت لثلاث وفرحت لثلاث واغتممت لثلاث: فالتي عجبت منها فتنة العالم وسرور الإنسان بما أصاب من الدنيا وهو تراث من تقدمه وتراث من يخلفه يسلبه ثم يؤخذ بحسابه. ومن رتع في أفواه أمانيه في مراتع الموت. وفرحت لثلاث إظهار الله آدم على إبليس وهذا ملك وهذا بشر، وإخراجه إيانا في هذه الأمة. والخصلة الثالثة
стр. 3551
وهي أشرف الثلاث معرفة الله تعالى. واغتممت لثلاث: لذنوب أسلفتها، وأيام ضيعتها، والخصلة الثالثة وفيها الخطر العظيم وقوفي بين يدي الله لا أدري ما يبدو لي منه، وذلك المقام الشديد يتوقع فيها المحاسب بماذا يختم له أيام ضيعها - يعني في الغفلة وترك الاستعداد -.
• حدثنا محمد بن عبيد الله ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى بن معاذ يقول: من لم يكن ظاهره مع العوام فضة ومع المريدين ذهبا ومع العارفين المقربين درا وياقوتا فليس من حكماء الله المريدين. قال: وسمعت يحيى يقول:
أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح فى وجه صبيح، كلام دقيق مستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق. وقال يحيى: ثلاثة من الأموال الدراهم والدنانير والدر والياقوت، فكلامى فى العظات الدراهم وفي الصفات الدنانير وفي المعرفة وكرم الله الدر والياقوت.
قال الشيخ أبو نعيم ﵀: كلام يحيى بن معاذ يكثر ويطول اقتصرنا منه على ما أملينا.
• ومن مسانيد حديثه ما حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن عمرو ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة قال سمعت أبا تميم يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله ﷺ : «لو أنكم توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا».
• حدثنا أحمد بن يوسف ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا حيوة بن شريح مثله.
• حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن إسماعيل بن نفيع عن أبي داود عن أنس بن مالك. قال قال رسول الله ﷺ : «ما من غني ولا فقير إلا يود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا».
• حدثناه أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن عثمان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الله بن نمير عن إسماعيل
стр. 3552
ابن نفيع بن الحارث عن أنس عن النبي ﷺ مثله.
• حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد الجرجاني ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى ابن معاذ ثنا علي بن محمد عن محمد بن فضيل ووكيع عن سفيان عن ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير قال. «التوكل على الله جماع الإيمان».
• حدثناه أبو بكر ابن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا ضرار عن سعيد مثله. وليس فيه ذكر سفيان وهو الصواب.
• حدثنا أبو الحسين ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن حجاج عن مكحول قال قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يخلص العبادة لله أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».
سعيد بن العباس الرازي
ومنهم الواثق بالوصول، الناطق بالأصول، التارك للفضول، له البيان الشافي، والكلام الكافي، نبذ الآراء، وعدد الآلاء، عمل على تصفية الباطن فركن إلى لطف الضامن، أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي.
• حدثنا أبي ثنا إسحاق بن محمد الزجاج ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي قال: أحذرك يا أخي شياطين الإنس والجن، كما حذر رسول الله ﷺ أبا ذر، واعلم أن قائدهم إبليس، واعرف بقلبك من يدعوك إلى الهلكة، ومن يدعوك إلى النجاة، واستعن بالله فإن جميع الشر حب الدنيا، هل رأيت رجلا عصى الله في التهاون والزهد في الدنيا والرضى بالقليل؟ واحذر الدنيا وأهلها ومن يدعوك إليها فإن المحب للدنيا زعم بلسانه أنه يعبد ربه وهو يعبد هواه ودنياه بقلبه ونيته، وغدوه ورواحه، وطواعيته وغضبه ورضاه، واعلم أن العلماء هم أمناء الرسول ﵊، وورثه الأنبياء ﵈، أما علمت أن النبي صلى الله
стр. 3553
عليه وسلم في زمانه دعا إلى الزهد في فضول الدنيا والتهاون بها، ومن معه من العلماء كانوا يحذرون حلال الدنيا ويشفقون منها أشد من حذر الجهال من حرامها لأنه لا يسلم من الدنيا من ينالها، ولا يسلم من شرها من أحبها وأمن مكرها، هي حتف أهلها دون الحتف، واعلم أن العالم بالله الخائف من الله يهدم بحق الله باطل أهل الرغبة في الدنيا، وأن العالم المغتر يطفئ نور الحق بظلمة الباطل واعلم أن الله إذا أراد أن يغني فقيرا أو يفقر غنيا أو يرفع وضيعا أو يضع رفيعا فعل ما أراد من ذلك، فلا تغالب الله على أمره، ولا تلتمس شيئا من ذلك بغير طاعة الله، فان الذين التمسوا الأمور بغير طاعة الله خسروا خسرانا مبينا، فيما أصابوا بما طالبوا، وفيما أخطأهم مما أرادوا، فانظر إذا كنت إماما أي إمام تكون، فربما بحت الأمة بالإمام الواحد، وربما هلكت بالإمام الواحد، وإنما هما إمامان إمام هدى قال الله : ﴿(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا)﴾ يعني على الدنيا. وإنما صاروا أئمة حين صبروا عن الدنيا، ولا يكون إمام هدى حجة لأهل الباطل فإنه قال: ﴿(يهدون بأمرنا)﴾ لا بأمر أنفسهم، ولا بأمور الناس، فقال: ﴿(وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)﴾ فهذا إمام هدى فهو ومن أجابه شريكان. وإمام آخر قال الله تعالى: ﴿(وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)﴾ ولا تجد أحدا يدعو إلى النار ولكن الدعاة إلى معصية الله، فهذان إمامان هما مثل من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين. واعلم أن باب الآخرة مفتوح فادخله تصل إلى رحمة الله، ولتكن فى كنف الله وحفظه وولايته وستره وأجره ورزقه وكفايته، فإن الله لا يخلف الميعاد، واعلم أنه ليس بين الله وبين العباد وسيلة إلا طاعته، فإنها وسيلة العباد إليه فلا تتوسلوا إلى الله بغير الوسيلة التي جعلها الله سبيلا وسببا إليه، فإن ديان الدين إنما يدين العباد غدا بأعمالهم، ولا يدينهم بمنازلهم في الدنيا. واعلم أنك قد كفيت مئونة من بعدك فلا تتكلف مئونة من قد كفيت بإفساد نفسك، واعلم أن الناس قبلك قد جمعوا لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم ولا من جمعوا له. واعلم
стр. 3554
أن لك في الدنيا ولباسها ونعيمها وشهوتها رغبة وإنك والله لئن طلبت النعيم بالتنعم في الدنيا والرغبة فيها ما أحسنت طلبه، فلزهد فيها تجد لليقين نورا، وترى للترك فضلا وسرورا، انظر إليها بالتصغير إذ كان قصيرا فانيا، التمس استصغار الدنيا بالتقلل منها، واستجلب حلاوة الترك بقصر الأمل فيها، قد استدبرت أمورا لك فيها معتبر ومنظر ومتعظ ومزدجر، وانظر ما صدر قوم عن معصية الله إلى غير عذاب الله عاجلا أو آجلا إلا من عصمه الله بالتوبة، كن عالما عاملا فقد علم أقوام ولم يعملوا ولم يكن علمهم إلا عليهم، والعلم والعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه، اختر القلة وارتع في رياض المقلين تدرك ثمرة قلبك، أما علمت أن النار حفت بالشهوات والجنة حفت بالمكاره، اختر ما اختاره الرسول ﷺ ، وادع إلى ما دعا إليه، تكن لله وليا والمرسول أمينا وللمتقين إماما. واعلم أن العبد المؤمن ليس بالذي يشكر في السراء فإذا أصابه شيء مما يكره ترك دينه، ومن لا خير له فيما يكره فليس له خير فيما يحب، فقد جعل الله في الكره خيرا لمن صبر على البلاء واحتسب المصيبة وأحسن الظن بالله وصدق التوكل عليه وآمن بما وعد الله الصابرين. كن داعيا إلى الله بما دعا به رسول الله ﷺ والتمس الرفعة بالتواضع. والتمس الشرف بالدين، وليكن ذلك في ترك دنياك لآخرتك تدرك شرف الدنيا والآخرة، فإن أكمل إيمان العبد إذا آثر الآخرة على الدنيا، واطلب حقيقة الإيمان بردك نفسك عن الدنيا، وأجهد نفسك على طلب الآخرة فإن الكيس من دان نفسه وعمل لآخرته، والعاجز من تمنى على الله الأماني:.
قال الشيخ أبو نعيم: لأبي عثمان الكلام المبسوط في مصنفاته، وله من كثرة الأحاديث مسانيد وتفسير ما يقارب الأئمة في الكثرة، حدث عن الأعلام: عن أبي نعيم، وحسين المروزي، والقعنبي، وأحمد بن شبيب، والحميدي، وسلمة بن شبيب، ومكي، وقتيبة، وعلي الطنافسي، وأبي مسعود والحماني وسهل بن عثمان وابن كاسب وإبراهيم بن موسى
стр. 3555
• سمعت عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الواعظ قال سمعت أحمد بن عيسى ابن ماهان قال سمعت سعيد بن العباس الرازي الصوفي - بمنى - يقول سمعت حاتما الأصم يقول: مؤمن عذر جور باشد، ومنافق عيب جور باشد».
• ومن مسانيد حديثه ما حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا خالي عبد الله بن محمود بن الفرج ثنا أبي محمود ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي ثنا أحمد بن عبد الله بن نافع بن ثابت حدثني أبي عن عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي الزبير: مررت برسول الله ﷺ فجذب عمامتي فالتفت إليه فقال لي: «يا زبير إن باب الرزق مفتوح من لدن العرش إلى قرار بطن الأرض يرزق الله كل عبد على قدر همته ونهمته».
• حدثنا أبى إسحاق بن محمود بن الفرج ثنا سعيد بن العباس ثنا الحسن ابن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالدنيا مصورة يوم القيامة فتقول يا رب اجعلني لرجل من أدنى أهل الجنة منزلة، فيقول الله: أنت أنتن من ذلك، بل أنت وأهلك في النار».
• حدثنا أبي ثنا إسحاق ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس ثنا ابن كاسب ثنا عبد الله بن عبد الله عن الزبير بن الحارث عن عكرمة عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل طعام المتباهين».
الحارث بن أسد المحاسبي
• ومنهم المشاهد المراقبي والمساعد المصاحبي أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي.
كان لألوان الحق مشاهدا ومراقبا ولآثار الرسول ﵇ مساعدا ومصاحبا. تصانيفه مدونة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله
стр. 3556
مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخا وراجحا وعن الخوض في الفضول جافيا وجانحا، وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا، وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحا.
وقيل إن فعل ذوي العقول. الأخذ بالأصول والترك للمفضول، واختيار ما اختاره الرسول. ﷺ .
• أخبر جعفر بن محمد الخواص - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد ابن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان الحارث المحاسبى يجئ إلى منزلنا فيقول: اخرج معي نصحن فأقول له: تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات؟ فيقول: اخرج معي ولا خوف عليك. فأخرج معه فكان الطريق فارغ من كل شيء، لا نرى شيئا نكرهه فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي: سلني، فأقول له: ما عندي سؤال أسألك، فيقول لي: سلني عما يقع في نفسك، فتنثال علي السؤالات فأسأله عنها فيجيبني عليها للوقت ثم يمضى إلى منزله فيعملها كتبا.
• أخبر جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول: كنت كثيرا أقول للحارث: عزلتي أنسي وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات؟ فيقول لي: كم تقول لي أنسي في عزلتي؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا، ولو أن النصف الآخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم.
• أخبر جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول: كان الحارث كثير الضر فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا فرأيت في وجهه زيادة الضر من الجوع فقلت له: يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا. فقال: أو تفعل؟ قلت نعم وتسرني بذلك وتبرني فدخلت بين يديه ودخل معي وعمدت إلى بيت عمي - وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها فى بيتنا سريعا - فجئت بأتواع كثيرة من الطعام فوضعته بين يديه فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها
стр. 3557
ولا يزددها فخرج وما كلمني، فلما كان الغد لقيته فقلت: يا عم سررتني ثم نغصت علي فقال يا بنى أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني وبين الله علامة إذا لم يكن الطعام عند الله مرضيا ارتفع إلى أنفي زمنه فورة فلم تقبله نفسي فقد رميت بتلك اللقمة فى دهليزكم وخرجت.
• أخبر جعفر وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول: مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة، وخلف أبوه مالا كثيرا وما أخذ منه حبة واحدة، وقال أهل ملتين لا يتوارثان وكان أبوه واقفيا.
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا علي بن خيران الفقيه يقول رأيت أبا عبد الله الحارث بن أسد بباب الطاق في وسط الطريق متعلقا بأبيه والناس قد اجتمعوا عليه يقول: طلق امرأتك فإنك على دين وهي على غيره.
• سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول حدثني محمد بن إسحاق بن الإمام حدثني أبي قال: سألت الحارث بن أسد المحاسبي: ما تفسير خير الرزق ما يكفي؟ قال: هو قوت يوم بيوم ولا تهتم لرزق غد.
• أخبر جعفر بن محمد الخواص - في كتابه - وحدثني عنه أبو على الحسين ابن يحيى بن زكريا الفقيه قال سمعت أبا العباس بن مسروق والجنيد بن محمد يقولان سمعنا الحارث المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء لا نكاد نجدها إلى الممات: حسن الصيانة وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة.
• أخبر جعفر - في كتابه - وحدثني عنه أبو طاهر محمد بن إبراهيم بن أحمد قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول: بلغني عن الحارث المحاسبي أنه قال:
العلم يورث المخافة، والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الانابة. قال وقال الحارث: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة لقوله ﴿(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)﴾.
• أخبر أبو جعفر - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث: لا ينبغي للعبد أن يطلب الورع بتضييع
стр. 3558
الواجب. وقال قال الحارث: إذا أنت لم تسمع نداء الله فكيف تجيب دعى الله؟ ومن استغنى بشيء دون الله فقد جهل قدر الله. وقال: الظالم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سالم وإن ذمه الناس. والقانع غني وإن جاع، والحريص فقير وإن ملك.
• أخبر جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث بن أسد: أصل الطاعة الورع، وأصل الورع التقوى، وأصل التقوى محاسبة النفس، وأصل محاسبة النفس الخوف والرجاء، وأصل الخوف والرجاء معرفة الوعد والوعيد، ومعرفة أصل معرفة الوعد والوعيد عظم الجزاء وأصل ذلك الفكرة والعبرة. وأصدق بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت حيث يقول.
ما حملت من ناقة فوق رحلها … أعف وأوفى ذمة من محمد ..
• أخبر أبو بكر محمد بن أحمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني بهذا عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول: إن أول المحبة الطاعة وهي منتزعة من حب السيد إذ كان هو المبتدئ بها، وذلك أنه عرفهم نفسه ودلهم على طاعته ونحبب إليهم، على غناه عنهم، فجعل المحبة له ودائع في قلوب محبيه، ثم ألبسهم النور الساطع في ألفاظهم من شدة نور محبته في قلوبهم، فلما فعل ذلك بهم عرضهم سرورا بهم على ملائكته، حتى أحبهم الذين ارتضاهم لسكنى أطباق سماواته نشر لهم الذكر الرفيع عن خليقته قبل أن يخلقهم مدحهم، وقبل أن يحمدوه شكرهم، لعلمه السابق فيهم أنه يبلغهم ما كتب لهم، وأخبر به عنهم، اثم أخرجهم إلى خليقته وقد استأثر بقلوبهم عليهم، ثم رد أبدان العلماء إلى الخليقة، وقد أودع قلوبهم خزائن الغيوب فهي معلقة بمواصلة المحبوب، فلما أراد أن يحييهم ويحيي الخليقة بهم أسلم لهم هممهم ثم أجلسهم على كرسى أهل المعرفة فاستخرجوا من المعرفة بالأدواء ونظروا بنور معرفته إلى منابت الدواء، ثم عرفهم من أين يهيج الداء، وبما تستعينون على
стр. 3559
علاج قلوبهم ثم أمرهم بإصلاح الأوجاع، وأوعز إليهم في الرفق عند المطالبات وضمن لهم إجابة دعائهم عند طلب الحاجات، نادى بخطرات التلبية من عقولهم في أسماع قلوبهم، أنه ﵎ يقول: يا معشر الأدلاء من أتاكم عليلا من فقدي فداووه، وفارا من خدمتي فردوه، وناسيا لأيادي ونعمائي فذكروه، لكم خاطبت لأني حليم، والحليم لا يستخدم إلا الحلماء، ولا يبيح المحبة للبطالين ضنا بما استأثر منها، إذ كانت منه وبه تكون فالحب لله هو الحب المحكم الرصين، وهو دوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار النعم والأيادي، وذلك أن من عرف الله بالجود والكرم والإحسان اعتقد الحب له إذ عرفه بذلك أنه عرفه بنفسه وهداه لدينه، ولم يخلق في الأرض شيئا إلا وهو مسخر له وهو أكرم عليه منه، فإذا عظمت المعرفة واستقرت هاج الخوف من الله وثبت الرجاء.
قلت خوفا لماذا؟ ورجاء لماذا؟ قال: خوفا لما ضيعوا في سالف الأيام لازما لقلوبهم، ثم خوفا ثابتا لا يفارق قلوب المحبين، خوفا أن يسلبوا النعم إذا ضيعوا الشكر على ما أفادهم، فإذا تمكن الخوف من قلوبهم وأشرفت نفوسهم على حمل القنوط عنهم هاج الرجاء بذكر سعة الرحمة من الله، فرجاء المحبين تحقيق، وقربانهم الوسائل، فهم لا يسأمون من خدمته، ولا ينزلون في جميع أمورهم إلا عند أمره، لمعرفتهم به أنه قد تكفل لهم بحسن النظر، ألم تسمع إلى قول الله ﴿(الله لطيف بعباده)﴾ فدخلت النعم كلها في اللطف، واللطف ظاهر على محبته خاصة دون الخليقة، وذلك أن الحب إذا ثبت في قلب عبد لم يكن فيه فضل لذكر إنس ولا جان، ولا جنة ولا نار، ولا شيء إلا ذكر الحبيب وذكر أياديه وكرمه، وذكر ما دفع عن المحبين له من شر المقادير، كما دفع عن إبراهيم الخليل ﵇ وقد أججت النار وتوعده المعاند بلهب الحريق، فأراه جل وعز آثار القدرة في مقامه، ونصرته لمن قصده، ولا يريد به بدلا. وذكر ما وعد أولياؤه من زيارتهم إياه وكشف الحجب لهم، وأنهم لا يحزنهم الفزع الأكبر في يوم فزعهم إلى معونته على شدائد الأخطار،
стр. 3560
والوقوف بين الجنة والنار. قال الحارث: وقيل إن الحب لله هو شدة الشوق وذلك أن الشوق في نفسه تذكار القلوب بمشاهدة المعشوق، وقد اختلف العلماء في صفة الشوق فقالت فرقة منهم: الشوق انتظار القلب دولة الاجتماع.
وسألت رجلا لقيته في مجلس الوليد بن شجاع يوما عن الشوق متى يصح لمن ادعاه؟ فقال: إذا كان لحالته صائنا مشفقا عليها من آفات الأيام، وسوء دواعي النفس، وقد صدق العالم في قوله، وذلك أن المشتاقين لولا أنهم ألزموا أنفسهم التهم والمذلة لسلبوا عذوبات الفوائد التي ترد من الله على قلوب محبيه.
قلت: فما الشوق عندك؟ قال: الشوق عندي سراج نور من نور المحبة غير أنه زائد على نور المحبة الأصلية. قلت: وما المحبة الأصلية؟ قال حب الإيمان وذلك أن الله تعالى قد شهد للمؤمنين بالحب له فقال ﴿(والذين آمنوا أشد حبا لله)﴾ فنور الشوق من نور الحب وزيادته من حب الوداد، وإنما يهيج الشوق في القلب من نور الوداد فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به، وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان، فإذا أمن على العمل من عدوه لم يجد لإظهاره وحشة السلب فيحل العجب وتشرد النفس مع الدعوى وتحل العقوبات من المولى وحقيق على من أودعه الله وديعة من حبه فدفع عنان نفسه إلى سلطان الأمان يسرع به السلب إلى الافتقاد وقالت امرأة من العوابد: والله لو وهب الله لأهل الشوق إلى لقائه حالة لو فقدوها لسلبوا النعيم. قيل لها:
وما تلك الحالة؟ قالت استقلال الكثير من أنفسهم ويعجبون منها كيف صارت مأوى لتلك الفوائد وهى وقيل لبعض العباد أخبرنا عن شوقك إلى ربك ما وزنه في قلبك؟ فقال العابد للسائل؟ لمثلي يقال هذا لا يمكن أن يوزن في القلب شيء إلا بحضرة النفس وإن النفس إذا حضرت أمرا في القلب من - ميراث القربة قذفت فيه أسباب الكدورات وقيل لمضر القارئ: الخوف أولى بالمحب أم الشوق؟ فقال هذه مسألة لا أجيب فيها، ما اطلعت النفس على شيء قط إلا أفسدته. وأنشدني عبد العزيز بن عبد الله فى ذلك يقول:
стр. 3561
الخوف أولى بالمسى … ء إذا تاله والحزن
والحب يحسن بالمطيع … وبالنقى من الدرن
والشوق للنجباء والأبدا … ل عن ذوي الفطن
فلذلك قيل الحب هو الشوق لأنك لا تشتاق إلا إلى حبيب، فلا فرق بين الحب والشوق إذا كان الشوق فرعا من فروع الحب الأصلي وقيل إن الحب يعرف بشواهده على أبدان المحبين وفى ألفاظهم، وكثرة الفوائد عندهم الدوام الاتصال بحبيبهم، فإذا واصلهم الله أفادهم فإذا ظهرت الفوائد عرفوا بالحب لله ليس للحب شبح ماثل ولا صورة فيعرف بجبلته وصورته، وإنما يعرف المحب بأخلاقه وكثرة الفوائد التي يجريها الله على لسانه بحسن الدلالة عليه، وما يوحى، إلى قلبه، فكلما ثبتت أصول الفوائد في قلبه نطق اللسان بفروعها، فالفوائد من الله واصلة إلى قلوب محبيه فأبين شواهد المحبة لله شدة النحول بدوام الفكر وطول السهر بسخاء الأنفس على الأنفس بالطاعة وشدة المبادرة خوف المعالجة والنطق بالمحبة على قدر نور الفائدة، فلذلك قيل إن علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحبته وأنشد بعض العلماء.
له خصائص يكلفون بحبه … اختارهم في سالف الأزمان
اختارهم من قبل فطرة خلقهم … بودائع وفوائد وبيان
فالحب لله في نفسه استنارة القلب بالفرح لقربه من حبيبه، فإذا استنار القلب بالفرح استلذ الخلوة بذكر حبيبه، فالحب هائج غالب والخوف لقلبه لازم لا هائج إلا أنه قد ماتت منه شهوة كل معصية وهدى لأركان شدة الخوف وحل الأنس بقلبه لله فعلامة الأنس استثقال كل أحد سوى الله، فإذا ألف الخلوة بمناجاته حبيبه استغرقت حلاوة المناجاة العقل كله حتى لا يقدر أن يعقل الدنيا وما فيها، ومن ذلك قول ضيغم العابد: عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر غيرك؟ وحدثني أبو محمد قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود إن محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين وللروحانية علم
стр. 3562
هو أن لا يغتموا وأنا مصباح قلوبهم يا داود لا تمزج الغم قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين. يا داود هممت للخبز أن تأكله وأنت تريدني وتزعم أنك منقطع إلى، تدعى محبتى وأنك قد احبتنى وأنت تسئ الظن بي أما كان لك علم فيما بيني وبينك أن كشفت لك الغطاء عن سبع أرضين حتى أريتك دودة في فيها برة تحت سبع أرضين، حتى تهتم بالرزق. يا داود أقر لى بالعبودية أبحك ثواب العبودية وهو محبتي. يا داود تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين فلو يعلم أهل محبتي ما قدر المريدين عندي لكانوا للمريدين أرضا يمشون عليها، وللحسوا أقدامهم. يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن لى خادما واصبر على المئونة تأتك المعونة. يا داود لأن يخرج على يديك عبد ممن أسكره حب الدنيا حتى تستنقذه من سكره ما هو فيه سميتك عندي جهبذا، ومن كان جهبذا لم تكن به فاقة ولا وحشة إلى أحد من خلقي. يا داود من لقيني وهو يحبني أدخلته جنتى.
• أخبر أبو بكر محمد بن أحمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد المحاسبي يقول: علامة أهل الصدق من المحبين غاية أملهم في الدنيا أن تصبر أبدانهم على الدون وأن تخلص لهم النيات من فسادها ومنهم من يريد في الدنيا شواهد الكرامات عند سرعة الاجابة وغاية أملهم فى بالآخرة أن ينعمهم بنظره إليهم، فنعيمها الأسفار وكشف الحجاب حتى لا يمارون في رؤيته، والله ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه. وحدثني بعض العلماء قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ﵈: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف إذا صاروا إلى جواري واستزرتهم للمقعد عندي، أسفرت لهم عن وجهي، فهنالك فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب أتراني أنسى لهم عملا؟ كيف وأنا ذو الفضل العظيم، أجود على المولين عني فكيف بالمقبلين علي وما غضبت على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة ثم استعظمها في جنب عفوي ولو
стр. 3563
عاجلت أحدا بالعقوبة لعاجلت القانطين من رحمتي ولو يراني عبادي كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم لما اتهموا فضلي وكرمي ولو لم أشكر عبادي إلا على خوفهم من المقام بين يدي لشكرتهم على ذلك، ولو يراني عبادي كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيقال لمن هذه فأقول لمن عصاني ولم يقطع رجاء مني فأنا الديان الذى الاتحل معصيتي ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي. وحدثني بعض إخواني ممن يوثق به قال: عاتب الحسن إخوانه في ترك مجالستهم فقال الحسن: مجالسة الله أشهى من مجالستكم وذكر الله أشفى من ذكركم، أما بلغكم ما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇ يا إبراهيم إنك خليلي فانظر لا أطلع عليك فأجدك شغلت قلبك بغيري فإني إنما أختار لخلتي من لو ألقي في النار وهو في ذكري لم يجد المس النار ألما، ومن إذا تراءت له الجنة وقد زخرفت وزينت بحورها وما فيها من النعيم لم يرها بعينه ولا شغل بها عن ذكري، فإذا كان كذلك تواترت عليه ألطافي وقربته مني ووهبت له محبتي، ومن وهب له محبتي فقد استمسك بحبلي. فأي نعمة تعدل ذلك وأى شرف اشرف منه؟ فو عزتى لأرينه وجهى ولا شفين صدره من النظر إلي. وقال إبراهيم بن أدهم: لو علم الناس لذة حب الله لقلت مطاعمهم ومشاربهم وحرصهم وذلك أن الملائكة أحبوا الله فاستغنوا بذكره عن غيره. وسمعت محمد بن الحسين يقول قال عتبة الغلام: من عرف الله أحبه: ومن أحب الله أطاعه ومن أطاع الله أكرمه ومن أكرمه أسكنه في جواره. ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه. والمحب الصادق إذا استنار قلبه بنور حب الوداد نحل جسمه، لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول، فإذا وردت خطرات الشوق عليه علم أنه من الله تعالى على خلال أربع: إما أن يتقبل طاعته فيفوز بثوابها، وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام فتقل خطاياه، وإما أن يتداركه بنظره فيلحقه بدرجة المحبين تفضلا، وإن لم يستحق ذلك. فإن فاتته الثلاث لم يفته الرابع إن شاء الله ثواب النصب لله، وذلك أن قليل القربة عند الكريم يعتق بها الرقاب من النار
стр. 3564
فمن نجا من النار فماله منزلة غير الجنة، ألم تسمع إلى قوله تعالى ﴿(فريق في الجنة وفريق في السعير)﴾ فهل ترى لأحد منزلة بينهما ومن أراد الدخول في عز المحبة فعليه بمفارقة الأحباب والخلوة برب الأرباب. فإن قيل فمن أين؟ قلت: ذلك فقد حدثني بعض العلماء. قال قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله: إن كنت تحب أن تكون لله وليا وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة ولا ترغبن فيهما، وفرغ نفسك منهما وأقبل بوجهك على الله يقبل الله بوجهه عليك، ويلطف بك، فإنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا ﵉ يا يحيى إني قضيت على نفسي أن لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يفهم به، فإذا كان ذلك كذلك بغضت إليه الاشتغال بغيري. وأدمت فكرته وأسهرت ليله وأظمأت نهاره.
يا يحيى أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله أهب له كل يوم وساعة فيتقرب مني وأتقرب منه أسمع كلامه وأجيب تضرعه فو عزتي وجلالى لابعثنه مبعثا يغبطه به النبيون والمرسلون. ثم آمر مناديا ينادى هذا فلان بن فلان ولي الله وصفيه وخيرته من خلقه دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه فنظر إلي كيف شاء، وأقول: ابشر فو عزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة، فإذا توجهت الوفود إليه أقبل عليهم فقال: أيها المتوجهون إلى ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظا، وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما. قال: وحدثني الحسين بن أحمد الشامي قال سمعت ذا النون المصري يقول: قرأت في التوراة أن الأبرار الذين يؤمنون والذين في سبيل خالقهم يمشون وعلى طاعته يقبضون أولئك إلى وجه الجبار ينظرون، فغاية أمل الآمل المحب الصادق النظر إلى وجه الله الكريم، فلا ينعمهم في مجلسهم بشيء أكبر عندهم من النظر إلى وجهه. وبلغني أنه ينعمهم بعد النظر بأصوات الروحانيين وبتلاوة داود ﵇ الزبور، فلو رأيت داود وقد أتى بمنبر رفيع من منابر الجنة ثم أذن له أن يرقى وأن يسمع حمده وثناءه، وقد أنصت
стр. 3565
له جميع أهل الجنة من الأنبياء والأولياء والروحانيين والمقربين، ثم ابتدأ داود بتلاوة الزبور على سكون القلب عند حسن حفظه وترجيعه وتسكينه الصوت، وحسن تقطيعه، وقد وكل بها زمعها، وفاح منها طربها، وقد بدت النواجذ من الضاحكين بحبرة السرور، وأجاب داود هواء الملكوت، وفتحت مقاصير القصور، ثم رفع داود ﵇ من صوته ليتم سرورهم فلما أسمعهم الرفيع من صوته برز أهل عليين من غرف الجنة وأجابته الحور من وراء سترات الخدور بمفتنات النغم، وأطت رحال المنبر واصطفقت الرياح فزعزعت الأشجار، فتراسلت الأصوات وتجاوبت النغم، وزادهم المليك الفهم ليتم ما بهم من النعم فلولا أن الله كتب لهم فيها البقاء لماتوا فرحا. قلت: فهل قالت العلماء في صفة يوم الزيارة شيئا تصفهم به؟ قال نعم.
اجتمع جماعة من العباد فأتوا عابدا في بيته فقالوا له: قل خيرا وأوصنا بوصية.
فقال: اقطعوا الدهر إخوتي بمناجاة ربكم، واجعلوا لهم هما واحدا، فهو أهنأ لعيشكم. قيل له: فما ميراث ذلك إذا نحن فعلناه؟ فقال:
ترثوا العز والمنى … وتفوزوا بحظكم
فلعمري إن الملوك … لفي دون ملككم
قيل له: فمتى نكون ملوكا في الدنيا أو فى الآخرة؟ فقال:
إنما تجعلون ملوكا … فى الأخرى بزهدكم
حين يسنكم العزيز … على قدر شكركم
فتكونوا في القرب منه … على قدر حبكم
قالوا: فما الذي يقطع بنا عنه ؟ فقال: لأنكم تتمادون في المنى وتناسون فعلكم، وأنتم مع ذلك تتمنوا أماني ليس تصلح بمثلكم وذلك أنكم شغلتم عن الإله بإصلاح عيشكم. قالوا: فبم نستعين على الطاعة؟ قال: بذكر حبيب العابدين. إنكم لو سقيتم من حبه مثل ما ذاق غيركم لنفي عنكم الرقاد على طيب فرشكم، وارتياحا يقل عند المناجاة صبركم، ثم أرم ساعة - يعني سكت - ثم أقبل عليهم فقال: إخوتي لو وردتم في غد عند بعثكم، فوق نوق من
стр. 3566
النجائب معكم نبيكم، لتزوروا ماجدا واحدا لا يملكم. قالوا له: فما حال الزوار عنده اذا قصدوه تبارك اسمه معهم نبيهم؟ قال. إنهم حين قاربوه تجلى لقربهم، فإذا عاينوا المليك تقضت همومهم، سمعوا كلامه وسمع كلامهم. قالوا فما علامة من سقاه الله بكأس محبته؟ فقال: علامته أن يكون عليل الفؤاد بذكر المعاد، بطيء الفتور في جميع الأمور، كثير الصيام شديد السقام، عفيفا كفيفا، قلبه في العرش جوال، والله مراده في كل الأحوال.
قلت: رحمك الله ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله؟ قال:
حدثني محمد بن الحسين قال سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه. قال: أن يطلع على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ففي هذا دليل على أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله كل عمل عمله بالإخلاص لله والإشفاق عليه من عدوه، وإن قل ذلك فهو المقبول إذا كان على حقيقة التقوى معمولا، كما قال علي بن أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى وإن قل، وكيف يقل ما يتقبل، وذلك أن المحب لله هو على الركن الأعظم من الإيمان الذي يمكن أن يستكمله العبد، ولا يحسن به ادعاؤه وهو ركن المعرفة بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم، وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه:
يا عبدي أما زهدك في الدنيا فطلبت به الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي فتعززت بي فهل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا؟ فيخبرك أنه جعل الحب والبغض فيه أعظم عنده ثوابا من الزهد في الدنيا، والانقطاع إليه. قلت له:
صف لي زهد المحبين، وزهد الخائفين، وزهد الورعين، وزهد المتوكلين.
فقال: إن العباد زهدوا في حلال الدنيا خوفا من شدة الحساب إذ سئلوا عن الشكر فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم، وفرقة من الخائفين زهدوا فى الحرام خوفا من حلول النقمة، فزهد الخائفين ترك الحرام البين. وزهد الورعين ترك كل شبهة، وزهد المتوكلين ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء الضامن. وزهد المحبين قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال فقالت فرقة: زهد المحب في الدنيا كلها في حلالها وحرامها، لقلتها في نفسه. وقالت
стр. 3567
فرقة أخرى: زهد المحب في الجنة دون الدنيا، حذرا من أن يقول له حبيبه:
يا محب أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت لك الدنيا. فيقول: وما قدر الدنيا؟ فيقول: يا رب قدرها جناح بعوضة. فيلحقه من الحياء من الله أن يقول له: تركت لك ما قدره جناح بعوضة، ولكن تعلم يا رب أني لم أعبدك إلا بثواب الجنة فقط لا أريد منك غير ذلك. وما الجنة مع ذكرك. فزهد المحب الصادق في الدنيا هو الزهد في الإخوان الذين يشغلون عن الله، فقد زهد فيهم لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم، فزهده فيهم على علم بهم.
• أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان بن محمد - قبل أن لقيته - ثنا أبو العباس بن مسروق قال سمعت الحارث بن أسد يقول: من عدم الفهم عن الله فيما وعظ لم يحسن أن يستجلب وعظ حكيم، ومن خرج من سلطان الخوف إلى عزة الأمن اتسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة، فكشفت عنه ستر العدالة، وفضحته شواهد العزة، فلا يرى جميلا يرغب فيه، ولا قبيحا يأنف عنه، فتبسط نفسه إلى ري الشهوات، ولا تميل إلى لذيذ الراحات، فيستولي عليه الهوى فينقص قدره عند سيده، ويشين إيمانه ويضعف يقينه.
• أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أبو العباس بن مسروق قال:
سئل الحارث بن أسد عن الزهد في الدنيا قال: هو عندي العزوف عن الدنيا ولذاذتها وشهواتها: فتنصرف النفس ويتعزز الهم، وانصراف النفس ميلها إلى ما دعا الله إليها بنسيان ما وقع به من طباعها، واعتزازا لهم الانقطاع إلى خدمة المولى، يضن بنفسه عن خدمة الدنيا مستحيا من الله أن يراه خادما لغيره، فانقطع إلى خدمة سيده، وتعزز بملك ربه، فترحل الدنيا عن قلبه، ويعلم أن في خدمة الله شغلا عن خدمة غيره، فيلبسه الله رداء عمله، ويعتقه من عبوديتها، واعتز أن يكون خادما للدنيا لعزة العزيز الذي أعزه بالاعتزاز عنها، فصار غنيا من غير مال، وعزيزا من غير عشيرة، ودرت ينابيع الحكمة من قلبه، ونفدت بصيرته، وسمت همته، ووصل بالوهم إلى منتهى أمنيته، فترقى وارتفع ووصل إلى روح الفرج من هموم الأطماع، وعذاب
стр. 3568
الحرص. وقيل له: كيف تفاوت الناس في الزهد؟ قال: على قدر صحة العقول وطهارة القلوب، فأفضلهم أعقلهم، وأعقلهم أفهمهم عن الله، وأفهمهم عن الله أحسنهم قبولا عن الله، وأحسنهم قبولا عن الله أسرعهم إلى ما دعا الله ، وأسرعهم إلى ما دعا الله أزهدهم في الدنيا، وأزهدهم في الدنيا أرغبهم في الآخرة. فبهذا تفاوتوا في العقول، فكل زاهد زهده على قدر معرفته، ومعرفته على قدر عقله، وعقله على قدر قوة إيمانه، فمن استولى على قلبه وهمه علم كشف الآخرة، ونبهه التصديق على القدوم عليها، وتبين بقلبه عوار الدنيا، ودله بصائر الهدى على سوء عواقبها، ومحبة اختيار الله في تركها، والموافقة لله في العزوف عنها، ترحلت الدنيا عن قلب هذا الموفق. وسئل عن علامة الصادق فقال: أن يكون بصواب القول ناطقا لسانه، محزون، ونطقه بالحق موزون، طاهر القلب من كل دنس، ومصافي مولاه في كل نفس.
• أخبرنا محمد في كتابه قال: أنبأنا أحمد بن عبد الله بن ميمون قال قال الحارث بن أسد: المنقطع إلى الله عن خلقه ظاهره ظاهر أهل الدنيا وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم، لأنه صرف قلبه إلى ربه فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه، فطاب في الدنيا عيشه، وتطهر من آثامه، وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم، عبيدا إذ لا يملكون له ضرا ولا نفعا، فآثر رضاء الله على رضاهم، فسخت نفسه بطلب رضى الله، وإن سخط جميع خلق الله يرضي الله بسخط كل أحد، ولا يسخط الله برضى أحد من خلقه، فملاك أمره في جميع ذلك ترك الاشتغال والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه، فلا يعجل فيسخطه عليه. وقال: أسرع الأشياء عظة للقلب وانكسارا له ذكر اطلاع الله بالتعظيم له، وأسرع الأشياء إماتة للشهوات لزوم القلب الأحزان. وأكثر الأشياء صرفا إزالة الاشتغال بالدنيا من القلوب عند المعاينة والمباشرة لها الاعتبار بها والنظر إلى ما غاب من الآخرة، وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم لله من القلب تدبر الآيات، والدلائل في التدبير المحكم، والصنعة المحكمة
стр. 3569
المتقنة من السماء والأرض، وما بث بينهما من خلقه دلائل ناطقة وشواهد واضحة أن الذى دبرها عظيم قدره، نافذ مشيئته، عزيز في سلطانه. وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا الكمد من بعد الحزن وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات الشوق إلى لقاء العزيز الكبير. وأشد الأشياء إزالة للمكابدات في علو الدرجات في منازل العبادات لزوم القلب محبة الرحمن.
وأنعم الأشياء لقلوب العابدين وأدومها لها سرورا الشوق إلى قرب الله، واستماع كلامه، والنظر إلى وجهه. وأظهرها لقلوب المريدين التوبة النصوح منهم للعرض على رب العالمين، فتلك طهارة المتقين، ومن بعدها طهارة المحبين، وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى الله خلا من ذكر كل قاطع عن الله، وزال عنه كل حاجب يحجب عنه، فتم بالله سروره، وصفا ذكره في قلبه، واستنار له سبيل الاعتبار، فكانت الدنيا وأهلها عينا ينظر بها إلى ما سترته الحجب من الملكوت، فحينئذ دام بالله شغله، وطال إليه حنينه، وقرت بالله عينه، فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه، والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله فؤاده، فشوقه إلى طلب القرب، والحزن أن يحال بينه وبينه.
• أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن عبد الله بن ميمون قال قلت للحارث بن أسد: ما المزهود من أجله؟ قال: الذي تجانب الدنيا من أجله خمسة أشياء أحدها أنها مفتنة مشغلة للقلوب عنه، والثانية أنها تنقص غدا من درجات من ركن إليها فلا يكون له من الدرجات كمن زهد فيها. والثالثة أن تركها قربة وعلو عنده في درجات الجنة. والرابعة الحبس في القيامة وطول الوقوف والسؤال عن شكر النعيم بها، وفي واحدة من هذه الخصال ما يبعث المريد اللبيب على رفضها، ليشتري بها خيرا منها. والخامسة أعظم ما رفضوا من أجله موافقة الرب في محبته أن يصغروا ما صغر الله، ويقللوا ما قلل الله، ويبغضوا ما أبغض الله، ويرفضوا ما أحب الله رفضه، لو لم ينقصهم من ذلك
стр. 3570
ولم يشغلهم في دنياهم عن طاعته، ولم يغفلوا عن شكره، وكان ثواب الرافض لها فى الآخرة، والراكن اليها واحدا، كان الله أهلا أن يبغض ما أبغض، ويتهاون بما أهان عليه، وذلك زهد المحبين له، المعظمين المجلين.
وقد دل الله على هذه الخمس خصال بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وما نطق به أهل الخاصة من عباده الحكماء العلماء.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول: بلغني عن الحارث بن أسد أنه قال: العلم يورث المخافة، والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الإنابة، وخيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم، ومن صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، ومن اجتهد في باطنه ورثه الله حسن معاملة ظاهره، ومن حسن معاملته في ظاهره مع جهد باطنه ورثه الله الهداية إليه، لقوله تعالى ﴿(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)﴾ الآية.
• أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال قال الحارث بن أسد وسئل بم تحاسب النفس؟ قال: بقيام العقل على حراسة جناية النفس، فيتفقد زيادتها من نقصانها، فقيل له: ومم تتولد المحاسبة؟ قال: من مخاوف النقص وشين البخس والرغبة في زيادة الأرباح، والمحاسبة تورث الزيادة في البصيرة، والكيس في الفطنة والسرعة إلى إثبات الحجة واتساع المعرفة، وكل ذلك على قدر لزوم القلب للتفتيش. فقيل له: من أين تخلف العقول والقلوب عن محاسبة النفوس؟ قال: من طريق غلبة الهوى والشهوة لأن الهوى والشهوة يغلبان العقل، والعلم والبيان. وسئل: مم يتولد الصدق؟ قال: من المعرفة بأن الله يسمع ويرى، وخوف السؤال عن مثاقيل الذر من إرسال اللفظ وخلف الوعد، وتأخير الضمان. فالمعرفة أصل للصدق، والصدق أصل لسائر أعمال البر، فعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في سائر أعمال البر.
стр. 3571
وسئل عن الشكر ما هو؟ قال: علم المرء بأن النعمة من الله وحده وأن لا نعمة على خلق من أهل السموات والأرض إلا وبدائعها من الله، فشكر الله عن نفسه وعن غيره، فهذا غاية الشكر. وسئل عن الصبر قال: هو المقام على ما يرضي الله ﵎ بترك الجزع وحبس النفس في مواضع العبودية مع نفي الجزع. فقيل له: فما التصبر قال: حمل النفس على المكاره، وتجرع المرارات، وتحمل المؤن، واحتمال المكابدات لتمحيص الجنايات، وقبول التوبة، لأن مطلب المتصبر تمحيص الجنايات رجاء الثواب، ومطلب الصابر بلوغ ذرى الغايات، والمتصبر يجد كثيرا من الآلام، والصابر سقط عنه عظيم المكابدات لأن مطلبه العمل على الطيبة والسماحة لعلمه بأن الله ناظر إليه في صبره، وأنه يعينه وأن صبره لمولاه لما يرضى مولاه عنه فاحتمل المؤن وفيه يقول الحكيم:
رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي … من الأمر ما فيه رضى من له الأمر
وأشجيت أيامي بصبر حلون لي … عواقبه والصبر مثل اسمه صبر
قيل: فكيف السبيل إلى مقام الرضا؟ قال: علم القلب بأن المولى عدل في قضائه غير متهم، وأن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه، فحينئذ أبصرت العقول وأيقنت القلوب، وعلمت النفوس، وشهدت لها العلوم أن الله أجرى بمشيئته ما علم أنه خير لعبده في اختياره ومحبته، وعلمت القلوب أن العدل من واحد ليس كمثله شيء فخرست الجوارح من الاعتراض على من قد علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه، فسر القلب من قضائه.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: اعلم بأنك لست بشيء إلا بالله، وليس لك شيء إلا ما نلت من رضوان الله، وأنك إن اتقيته في حقه وقاك شر من دونه، ولا يصلح عبد إلا أصلح الله بصلاحه سواه، ولا يفسد عبد إلا أفسد الله بفساده غيره، فأعداؤك من نفسك طبائعك السيئة، وأولياؤك من نفسك طبائعك الحسنة، فقاتل ما فيك من ذلك ببغض
стр. 3572
وقاتل أعداءك بأوليائك، وغضبك بحلمك، وغفلتك بتفكرك، وسهوك يتنبهك، فإنك قد منيت وابتليت من معاني طبائعك، ومكابدة هواك، وعليك بالتواضع فالزمه، واعلم أن لك من العون عليه أن تذكر الذي أنت فيه، والذي تعود إليه، والتواضع له وجوه شيء، فأشرفها وأفضلها أن لا ترى لك على أحد فضلا، وكل من رأيت كن له بالضمير والقلب مفضلا، ومن رأيت من أهل الخير رجوت بركته والتمست دعوته، وظننت أنه إنما يدفع عنك به، فهذا التواضع الأكبر. والتواضع الذي يليه أن يكون العبد متواضعا بقلبه، متحببا إلى من عرفه، غير محتقر لمن خالفه، ولا مستطيلا على من هو بحضرته، وليس بقريب منه. وأما التواضع الثالث فهو اللازم للعباد، الواجب عليهم الذي لو تركوه كفروا، فالسجود لله، وبذلك جاء الحديث «إنه من وضع جبهته لله فقد برئ من الكبر» وقد من الله تعالى به علينا وعليكم. أبلغنا الله وإياكم التواضع الأكبر.
• أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه - وحدثني عنه أولا عثمان بن محمد ثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول:
افهم ما أقول لك، وفرغ للفكرة فيه عقلك، وأدم له توهمك، وتوهمه بذهنك، وأحضر لبك واشتغل بذكره وبقطع كل مذكور سواه، ومتوهم غيره، فإنا خلقنا للبلوى والاختبار، وأعد لنا الجنة أو النار، فعظم ذلك الخطر وطال به الحزن لمن عقل، واذكر حتى تعلم أين يكون المصير والمستقر، ذلك بأنه قد عصى الرب وخالف المولى، وأصبح وأمسى بين الغضب والرضا لا يدري أيهما قد حل به ووقع، فعظم لذلك غمه، واشتد به كربه، وطال له حزنه، حتى يعلم كيف عند الله حاله، فإليه فارغب في التوفيق، وإياه فسل العفو عن الذنوب، واستعن بالله في كل الأمور فالعجب كيف تقر عينك أو يزول الوجل عن قلبك وقد عصيت ربك والموت نازل بك لا محالة بكربه وغصصه ونزعه وسكراته فكأنه قد نزل بك وشيكا فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك، فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة
стр. 3573
هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف وارجع عما يكره مولاك وترضا عسى أن يرضى عنك واعتبه واستقله عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك فإن الخطب عظيم والموت منك قريب ومولاك مطلع على سرك وعلانيتك، واحذر نظره إليك بالمقت والغضب وأنت لا تشعر فأجل مقامه ولا تستخف بنظره ولا تتهاون باطلاعه، واحذره ولا تتعرض لمقته فإنه لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لك بعذابه.
• أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت ما هو عندك؟ مقام عارف أو مستأنف؟ فقال: ذكر الموت أولا مقام المستأنف وآخرا مقام العارف. قيل له: بين من أين قلت ذلك؟. قال: نعم أما المستأنف فهو المبتدئ الذي يغلب على قلبه الذكر فيترك الزلل مخافة العقاب، فكلما هاج ذكر الموت من قلبه ماتت الشهوات عنده. وأما العارف فذكره للموت محبة له اختيارا على الحياة وتبرما بالدنيا التي قد سلا قلبه عنها شوقا إلى الله ولقائه رجاء أمل النظر إلى وجهه، والنزول في جواره لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه كما قيل.
طال شوق الأبرار إلى الله … والله إلى لقائهم أشوق
قيل له: فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف؟ قال:
المستأنف إذا حل بقلبه ذكر الموت كرهه وتخير البقاء ليصلح الزاد ويرو الشعث ويهيئ الجهاز للعرض والقدوم على الله، ويكره أن يفاجئه الموت، ولم يقض نهمته في التوبة والاجتهاد والتمحيص، فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة. وأما نعته في قلب العارف فإنه إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه صادقت منه موافقة مراده وكره التخلف في دار العاصين، وتخير سرعة انقضاء الأجل وقصر الأمل، فقيرة إليه نفسه، مشتاق إليه قلبه، كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت قال: «حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة فسهل علي الموت حتى ألقاك». قال: وسئل الحارث عن قول أبي سليمان الداراني. ما رجع
стр. 3574
من وصل، لو وصلوا ما رجعوا. فقال: قول أبي سليمان يحتمل أجوبة كثيرة. قبل اشرح منها شيئا. قال: يمكن أن يكون هذا من أبي سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور، ويحترزوا من الانقطاع، ويجدوا في طلب الاتصال والقربة إلى الله ، ويحتمل أن يكون أراد عاليا: ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل. ويحتمل: ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور. ويحتمل: ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين، واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين، فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات. فبات السائل تلك الليلة عند الحارث، فلما أصبح قال الحارث: رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال - وهو يشير بيده -: ما رجع إلى الانتقاص من وصل إلى الإخلاص. قال: وسئل الحارث فقيل له: رحمك الله البلاء من الله للمؤمنين كيف سببه؟ قال: البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات، وعلى العارفين من طريق الاختبارات.
فقيل له: صف تفاوتهم فيما تعبدوا به. قال: أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط، وأما المستأنفون فأقاموا لله بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومئونة، وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن الله فيما قضى، وعلموا أن الله عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار الله لهم. قيل له: فما معنى هذه الآية ﴿(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)﴾ أو لم يعلم؟ قال: بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون، ولكن معنى قوله ﴿(حتى نعلم)﴾ حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفي بالمريدين لي وأن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب رضائي، أتراني أضيع لهم عملا، أو أنسى لهم أثرا، كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلي على المولين عنى،
стр. 3575
فكيف بالمقبلين إلي. قيل رحمك الله ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية؟ قال: تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم، فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين الله، والله تعالى يراهم، فحين أسقطوا عن قلوبهم الاختيار والتملك باحتيال قوة، ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه، واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر، فشال عند ذلك صرعتهم، وأقال عثرتهم، وأحاطهم من دواعي الفتور، ومن عارض خيانة الجزع، وأدخلهم في سرادق حسن الاحاطة من ملمات العدو ونزغانه وتسويله وغروره، فأسعفهم بمواد الصبر منه، ومنحهم حسن المعرفة والتفويض، ففوضوا أمورهم إليه وألجئوا إليه همومهم، واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية، وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة، ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة، وعظيم جسيم قدر الفائدة، وزيادات قدر البصيرة، وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم، وخفي مرادهم، ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت إليه في بواطن أوهامها، وسر غيبها، فعظم منهم حرص الطلب، وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم. فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية، وحسن بهاء البصيرة، فاعتزوا بعزة الاعتماد على الله. فقال له السائل: حسبي رحمك الله، فقد عرفتني ما لم أكن أعرف وبصرتني ما لم أكن أبصر، وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم، وفائدة الفهم، وزيادات اليقين، وثبتني في مقامي، وزدتني في قدر رغبتي، وروحتني من ضيق خاطري. فأرشدك الله إلى سبيل النجاة، ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولي حميد.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبد الله الحارث بن أسد يقول - وسئل عن المراقبة لله وعن المراقب لربه - فقال: إن المراقبة تكون على ثلاث خلال،
следующие страницы →