وسئل عن الشكر ما هو؟ قال: علم المرء بأن النعمة من الله وحده وأن لا نعمة على خلق من أهل السموات والأرض إلا وبدائعها من الله، فشكر الله عن نفسه وعن غيره، فهذا غاية الشكر. وسئل عن الصبر قال: هو المقام على ما يرضي الله ﵎ بترك الجزع وحبس النفس في مواضع العبودية مع نفي الجزع. فقيل له: فما التصبر قال: حمل النفس على المكاره، وتجرع المرارات، وتحمل المؤن، واحتمال المكابدات لتمحيص الجنايات، وقبول التوبة، لأن مطلب المتصبر تمحيص الجنايات رجاء الثواب، ومطلب الصابر بلوغ ذرى الغايات، والمتصبر يجد كثيرا من الآلام، والصابر سقط عنه عظيم المكابدات لأن مطلبه العمل على الطيبة والسماحة لعلمه بأن الله ناظر إليه في صبره، وأنه يعينه وأن صبره لمولاه لما يرضى مولاه عنه فاحتمل المؤن وفيه يقول الحكيم:
رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي … من الأمر ما فيه رضى من له الأمر
وأشجيت أيامي بصبر حلون لي … عواقبه والصبر مثل اسمه صبر
قيل: فكيف السبيل إلى مقام الرضا؟ قال: علم القلب بأن المولى عدل في قضائه غير متهم، وأن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه، فحينئذ أبصرت العقول وأيقنت القلوب، وعلمت النفوس، وشهدت لها العلوم أن الله أجرى بمشيئته ما علم أنه خير لعبده في اختياره ومحبته، وعلمت القلوب أن العدل من واحد ليس كمثله شيء فخرست الجوارح من الاعتراض على من قد علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه، فسر القلب من قضائه.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: اعلم بأنك لست بشيء إلا بالله، وليس لك شيء إلا ما نلت من رضوان الله، وأنك إن اتقيته في حقه وقاك شر من دونه، ولا يصلح عبد إلا أصلح الله بصلاحه سواه، ولا يفسد عبد إلا أفسد الله بفساده غيره، فأعداؤك من نفسك طبائعك السيئة، وأولياؤك من نفسك طبائعك الحسنة، فقاتل ما فيك من ذلك ببغض
стр. 3572
وقاتل أعداءك بأوليائك، وغضبك بحلمك، وغفلتك بتفكرك، وسهوك يتنبهك، فإنك قد منيت وابتليت من معاني طبائعك، ومكابدة هواك، وعليك بالتواضع فالزمه، واعلم أن لك من العون عليه أن تذكر الذي أنت فيه، والذي تعود إليه، والتواضع له وجوه شيء، فأشرفها وأفضلها أن لا ترى لك على أحد فضلا، وكل من رأيت كن له بالضمير والقلب مفضلا، ومن رأيت من أهل الخير رجوت بركته والتمست دعوته، وظننت أنه إنما يدفع عنك به، فهذا التواضع الأكبر. والتواضع الذي يليه أن يكون العبد متواضعا بقلبه، متحببا إلى من عرفه، غير محتقر لمن خالفه، ولا مستطيلا على من هو بحضرته، وليس بقريب منه. وأما التواضع الثالث فهو اللازم للعباد، الواجب عليهم الذي لو تركوه كفروا، فالسجود لله، وبذلك جاء الحديث «إنه من وضع جبهته لله فقد برئ من الكبر» وقد من الله تعالى به علينا وعليكم. أبلغنا الله وإياكم التواضع الأكبر.
• أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه - وحدثني عنه أولا عثمان بن محمد ثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول:
افهم ما أقول لك، وفرغ للفكرة فيه عقلك، وأدم له توهمك، وتوهمه بذهنك، وأحضر لبك واشتغل بذكره وبقطع كل مذكور سواه، ومتوهم غيره، فإنا خلقنا للبلوى والاختبار، وأعد لنا الجنة أو النار، فعظم ذلك الخطر وطال به الحزن لمن عقل، واذكر حتى تعلم أين يكون المصير والمستقر، ذلك بأنه قد عصى الرب وخالف المولى، وأصبح وأمسى بين الغضب والرضا لا يدري أيهما قد حل به ووقع، فعظم لذلك غمه، واشتد به كربه، وطال له حزنه، حتى يعلم كيف عند الله حاله، فإليه فارغب في التوفيق، وإياه فسل العفو عن الذنوب، واستعن بالله في كل الأمور فالعجب كيف تقر عينك أو يزول الوجل عن قلبك وقد عصيت ربك والموت نازل بك لا محالة بكربه وغصصه ونزعه وسكراته فكأنه قد نزل بك وشيكا فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك، فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة
стр. 3573
هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف وارجع عما يكره مولاك وترضا عسى أن يرضى عنك واعتبه واستقله عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك فإن الخطب عظيم والموت منك قريب ومولاك مطلع على سرك وعلانيتك، واحذر نظره إليك بالمقت والغضب وأنت لا تشعر فأجل مقامه ولا تستخف بنظره ولا تتهاون باطلاعه، واحذره ولا تتعرض لمقته فإنه لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لك بعذابه.
• أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت ما هو عندك؟ مقام عارف أو مستأنف؟ فقال: ذكر الموت أولا مقام المستأنف وآخرا مقام العارف. قيل له: بين من أين قلت ذلك؟. قال: نعم أما المستأنف فهو المبتدئ الذي يغلب على قلبه الذكر فيترك الزلل مخافة العقاب، فكلما هاج ذكر الموت من قلبه ماتت الشهوات عنده. وأما العارف فذكره للموت محبة له اختيارا على الحياة وتبرما بالدنيا التي قد سلا قلبه عنها شوقا إلى الله ولقائه رجاء أمل النظر إلى وجهه، والنزول في جواره لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه كما قيل.
طال شوق الأبرار إلى الله … والله إلى لقائهم أشوق
قيل له: فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف؟ قال:
المستأنف إذا حل بقلبه ذكر الموت كرهه وتخير البقاء ليصلح الزاد ويرو الشعث ويهيئ الجهاز للعرض والقدوم على الله، ويكره أن يفاجئه الموت، ولم يقض نهمته في التوبة والاجتهاد والتمحيص، فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة. وأما نعته في قلب العارف فإنه إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه صادقت منه موافقة مراده وكره التخلف في دار العاصين، وتخير سرعة انقضاء الأجل وقصر الأمل، فقيرة إليه نفسه، مشتاق إليه قلبه، كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت قال: «حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة فسهل علي الموت حتى ألقاك». قال: وسئل الحارث عن قول أبي سليمان الداراني. ما رجع
стр. 3574
من وصل، لو وصلوا ما رجعوا. فقال: قول أبي سليمان يحتمل أجوبة كثيرة. قبل اشرح منها شيئا. قال: يمكن أن يكون هذا من أبي سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور، ويحترزوا من الانقطاع، ويجدوا في طلب الاتصال والقربة إلى الله ، ويحتمل أن يكون أراد عاليا: ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل. ويحتمل: ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور. ويحتمل: ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين، واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين، فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات. فبات السائل تلك الليلة عند الحارث، فلما أصبح قال الحارث: رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال - وهو يشير بيده -: ما رجع إلى الانتقاص من وصل إلى الإخلاص. قال: وسئل الحارث فقيل له: رحمك الله البلاء من الله للمؤمنين كيف سببه؟ قال: البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات، وعلى العارفين من طريق الاختبارات.
فقيل له: صف تفاوتهم فيما تعبدوا به. قال: أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط، وأما المستأنفون فأقاموا لله بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومئونة، وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن الله فيما قضى، وعلموا أن الله عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار الله لهم. قيل له: فما معنى هذه الآية ﴿(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)﴾ أو لم يعلم؟ قال: بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون، ولكن معنى قوله ﴿(حتى نعلم)﴾ حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفي بالمريدين لي وأن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب رضائي، أتراني أضيع لهم عملا، أو أنسى لهم أثرا، كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلي على المولين عنى،
стр. 3575
فكيف بالمقبلين إلي. قيل رحمك الله ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية؟ قال: تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم، فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين الله، والله تعالى يراهم، فحين أسقطوا عن قلوبهم الاختيار والتملك باحتيال قوة، ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه، واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر، فشال عند ذلك صرعتهم، وأقال عثرتهم، وأحاطهم من دواعي الفتور، ومن عارض خيانة الجزع، وأدخلهم في سرادق حسن الاحاطة من ملمات العدو ونزغانه وتسويله وغروره، فأسعفهم بمواد الصبر منه، ومنحهم حسن المعرفة والتفويض، ففوضوا أمورهم إليه وألجئوا إليه همومهم، واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية، وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة، ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة، وعظيم جسيم قدر الفائدة، وزيادات قدر البصيرة، وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم، وخفي مرادهم، ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت إليه في بواطن أوهامها، وسر غيبها، فعظم منهم حرص الطلب، وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم. فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية، وحسن بهاء البصيرة، فاعتزوا بعزة الاعتماد على الله. فقال له السائل: حسبي رحمك الله، فقد عرفتني ما لم أكن أعرف وبصرتني ما لم أكن أبصر، وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم، وفائدة الفهم، وزيادات اليقين، وثبتني في مقامي، وزدتني في قدر رغبتي، وروحتني من ضيق خاطري. فأرشدك الله إلى سبيل النجاة، ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولي حميد.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبد الله الحارث بن أسد يقول - وسئل عن المراقبة لله وعن المراقب لربه - فقال: إن المراقبة تكون على ثلاث خلال،
стр. 3576
على قدر عقل العاقلين ومعرفتهم بربهم، يفترقون في ذلك، فإحدى الثلاث الخوف من الله، والخلة الثانية الحياء من الله، والخلة الثالثة الحب لله. فأما الخائف فمراقب بشدة حذر من الله تعالى، وغلبة فزع. وأما المستحيي من الله فمراقب بشدة انكسار وغلبة إخبات. وأما المحب فمراقب بشدة سرور وغلبة نشاط وسخاء نفس مع إشفاق، لا يفارقه ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر اطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم أن يراهم غافلين عن مراقبته.
والمراقبة ثلاث خلال في ثلاثة أحول أولها التثبت بالحذر قبل العمل بما أوجب الله، والترك لما نهى الله عنه مخافة الخطأ، فإذا تبين له الصواب بالمبادرة إلى العمل بما أوجب الله والترك لما نهى الله مخافة التفريط، فإذا دخل في العمل فالتكميل للعمل مخافة التقصير، فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطأ فغير مراقب لمن يعمل له إذ كان لا يأمن من أن يعمل على غير ما أحب وأمر به، ومن لم يبادر ويسارع إلى عمل ما يحب الله بعد ما تبين له الصواب، فما راقب إذا بطأ عن العمل لمحبة من يراقبه، إذ يراه متثبطا عن القيام بما أمر به. ومن لم يجتهد في تكميل عمله فضعيف مقصر في مراقبة من يراقبه، إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل وقد علم أن الله جل ثناؤه يحب تكميله وإحكامه. وقال: سبع خلال يكمل لها عمل المريد وحكمته: حضور العقل ونفاد الفطنة وسعة العمل بغير غلط وقهر العقل للهوى، وعظم الهم كيف يرضي الرب تعالى، والتثبت قبل القول والعمل وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات. وأقل المريدين غفلة أدومهم مراقبة مع تعظيم الرقيب، والدليل على صدق المراقبة بإجلال الرقيب شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعى الهوى، والتثبت بالنظر بنور العلم، والتمييز بين الطاعة وما شابهها من الآفات، وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة في عين المليك المطلع، وشدة الفزع مما يكره خوف المقت، والدليل على قوة الخوف شدة الإشفاق مما مضى من السيئات أن لا تغفر، وما تقدم من الإحسان أن لا يقبل، ودوام الحذر فيما يستقبل أن لا يسلم، وعظم الهم من عظيم الرغبة، وعظيم الرغبة من كبر المعرفة بعظيم قدر المرغوب فيه،
стр. 3577
وإليه، وسمو الهمة يخفف التعب والنصب، ويهون الشدائد في طلب الرضوان، ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه الهم والنشاط بالدوب دائم، والسرور بالمناجاة هائج، والصبر زمام النفس عن المهالك وإمساك لها على النجاة؛ فاليقين راحة للقلوب من هموم الدنيا، وكاسب لمنافع الدين كلها، وحسن الأدب زين للعالم وستر للجاهل، من قصر أمله حذر الموت، ومن حذر الموت خاف الفوت، ومن خاف الفوت قطع الشوق، ومن قطع الشوق بادر قبل زوال إمكان الظفر، فاجعل التيقظ واعظك، والتثبت وكيلك، والحذر منبهك، والمعرفة دليلك، والعلم قائدك، والصبر زمامك، والفزع إلى الله عونك، ومن لم توسعه الدنيا غنى، ولا رفعة أهلها شرفا، ولا الفقر فيها صفة فقد ارتفعت همته وعزفت عن الدنيا نفسه. من كانت نعمته السلامة من الآثام، ورغب إلى الله في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه وينفعه في آخرته، وذكر اطلاع الله إليه ومثل عظيم هول المطلع وأشفق مما يأتي به الخير فقد صدق الله في معاملته وحقق استعمال ما عرفه ربه. ومن قدم العزم لله على العمل بمحبته ووفاء لله بعزمه وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن فقد حقق ما علم وراقب الله في أحواله، كهف المريد وحرزه التقوى، والاستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض، وصور النوازل والحذر يورثه النجاة والسلامة، والصبر يورثه الرغبة والرهبة، وذكر كثرة سوالف الذنوب يورثه شدة الغم وطول الحزن، وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض في الطاعات تورثه شدة الإشفاق من رد الإحسان.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: سأل سائل الحارث بن أسد: ما بالي أغتم على ما يفوتني من العلم ولا أعمل بما استفدت منه؟ قال: لأنك لا تخاف عظيم حجة الله عليك فيما علمت، وضيعت العمل لله فيما أوجبه عليك، ولم تقدم العزم أن تقوم بما تستفيد من العلم فيما تستزيد منه وكان يحق عليك أن تكون
стр. 3578
بما علمت ولزمتك من الله أعظم الحجة لأنك إن تضيع حق الله وأنت لا تعلم خير من أن تضيع حق الله وأنت تعلم، لأن الجاهل لا يؤتى بتعمد من قلبه، ولا جرأة واستخفافا باطلاع ربه، والعالم بما يأتي متعمدا ترك حق ربه بقلة رهبة من الله، متهاون بنظر الله، متعرض لسخطه، وهو يعلم ويتشوق لحرمان جوار الله وهو يبصر، فآثر القليل الفاني على العظيم الباقي، وولى على النجاة من العذاب، وسلك الطريق إلى عذاب الجحيم، وسمحت نفسه بالجنة، وأسلمها لأيدي العقوبة قلت: إني لا أقوى على الحلم عند الشتم والأذى. فقال:
ثقل عليك كظم الغيظ، وخف عليك الاشتفاء. قلت: مم ثقل على كظم الغيظ وخف علي التشفي؟ قال: لأنك تعد الحلم ذلا، وتستعمل السفه أنفا.
قلت: فبم أقوى على كظم الغيظ؟ قال: بصبر النفس، وحبس الجوارح.
قلت: بم أجتلب صبر النفس وكف الجوارح؟ قال: بأن تعقل وتعلم أن الحلم عز وزين، والسفه ذل وشين. قلت: كيف أعقل ذلك وقد حل بقلبي ضده فغلب عليه أني إن صبرت على كظم الغيظ كان ذلك إذلالا لي ممن آذاني، ولزم قلبي الأنف أن يكون من شتمني قد قهرني وعجزت عن الانتقام منه وإشفاء غيظي؟ قال: إنما لزم قلبك ذلك لأنك لم تعقل ظاهر قبح السفه منك، وحسن ستر الحلم عليك، وجزيل مثوبة الله لك في آخرتك. قلت: وبم أعرف هاتين الخصلتين؟ قال: أما قبح السفه وزوال حسن رد الحلم فبما ترى من أحوال شاتمك ومؤذيك بالغيظ والغضب من لونه وفتح عينيه، وحمرة وجهه، وانقلاب عينيه، وكراهية منظره، واستخفافه بنفسه، وزوال السكينة والوقار عن بدنه، فأنت تبين ذلك منه، ويراه كل عاقل من فاعله، فإذا بليت بذلك فاذكر ما أعد الله للكاظمين الغيظ من إيجاب محبته، وجزيل ثوابه، فإن الاشتفاء ينقضي سريعا، ويبقى سوء عاقبته في آخرتك، وكظم غيظك يسكن سريعا، ويدخر ثواب الله بذلك في معاده، ولا ينبغي للعاقل أن يرضى بدناءة نفسه وسوء رغبته، بأن يكون ممن ترضيه
стр. 3579
اللمحة، فيستشرق لها وجهه فرحا، وتغضبه الكلمة فيستطير من أجلها سفها حتى يظلم لها وجهه وتضطرب لها فرائصه، وإنما هي كلمة لم تعد قائلها إلى المشتوم بها، ولكنها أزرت بقائلها وأوجبت السفه عليه في آخرته، واستخف بنفسه ولم تضر من أسمعها في دين ولا دنيا، فقائلها والله يستحق أن يرحم لما قد أنزل بنفسه ووضع من قيمته وقدره، وعصى بها ربه، وعلى المشتوم بها الشكر لله إذ لم يسلمه الله ولم يخذله، حتى يصير مثل حال شاتمه مع ما قد صار له من التبعة في رقبته يأخذها منه في يوم فاقته وفقره. وأول ما يرث المريد العارف بربه معرفته بدائه ودوائه في عقله ورأيه والسليم القلب المتيقظ عن ربه الغافل عن عيوب العباد، المتفقد لعيوب نفسه. أنس المريد الوحشة من العباد، مع دوام الذكر لله بقلبه. وأكرم أخلاق المريد إكرامه نفسه عن الشر ودناءة الأخلاق وعظيم الهمة بالظفر بما يرضي الله، يطير معه النوم ويقل معه النسيان، ومن صدق العالم في علمه اهتمامه بمعرفة معاني الزوائد، ليقوم لربه بحسن الرعاية، وطلب الصمت مع الفكرة والأنس بالعزلة يبعث على طلب معاني الحكمة ودوام التوهم بنظر القلب إلى شدائد القيامة يزول به السرور بالدنيا، ويورث القلب الانكسار والبكاء به، ويعمل على الاستعداد للعرض الأكبر والسؤال الأعظم.
• أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه - أخبرني أحمد بن عبد الله بن ميمون قال قال الحارث بن أسد: أصفى الأشياء من كل آفة - بل أن لا تقاربها الآفات - النصح لله، لأن الناصح متى قبل خطرة من رياء أو عجب أو غير ذلك مما كره الله فقد خرج من النصح بقدر قبوله لما يكره ربه. وأهون الأشياء وأكسرها لدواعي الهوى ذكر عظيم سوء العاقبة في تعجيل اللذة الأشياء وأهون على التحمل للمكروه ذكر عظيم العاقبة في ثواب ما يحمله العبد من المكاره في التقرب إلى الله . وأعون الأشياء على استجلاب الأحزان طول التوحش والانفراد من الخلق، مع طول الفكرة ودوامه فى عواقب الأمور ليوم العرض، فمن لم يمكنه الخلوة والانفراد وطول الصمت مع دوام الذكر للرقيب لما أحب من المحبوب والمكروه. وأجلب الأشياء لتيقظ القلب من
стр. 3580
شهوة التقدم في إلزام القلب الحذر من الغفلة عن الرب . وأجلب الأشياء للذكر وأطرده للنسيان شدة العناية بعمران القلب بذكر المولى، لأنه إذا قدم العناية وألزمها قلبه لا يغفل قلبه عن ذكر المولى، هاج للذكر وتفرغ عن النسيان. قال: وسئل الحارث عما ينال به الإخلاص فقال: ينال بثلاث خلال، والمخلص في بعضها أقوى من بعض. ودواعي الريا عليه أقل وأضعف، وهو في بعضها أضعف إخلاصا، والدواعي عليها أكبر وأقوى، فأعلاها التي يكون بها المخلص أقوى المخلصين؛ والخطرات عليه أقل وأضعف، تعظيم قدر الرب وإجلاله، واستصغار قدر المخلوقين أنهم لا يستأهلون أن يتقرب إليهم بطاعة الرب، حتى يضعهم العبد بحيث وضعهم الله من الحاجة والفاقة والمسكنة، إذ خلقهم المولى من ملك الضر والنفع، ولم يجعل لأحد من الخلق شركة في الأشياء، ولا يليق بهم ذلك، وذلك مستحيل أن يملك العبد المحدث مع القديم الأول مثقال ذرة لا أصغر ولا أكبر، ولا يملك ضرا ولا نفعا، فإن أعظم قدر الرب بقلبه وأنزل عباده بالمنزل الذي هم به، انصرف قلبه عن طلب حمد المخلوقين، إذ عرف قدرهم وانصرفت نفسه عنهم في طلب كل منفعة دنيا وآخرة، وارتاح قلبه لطلب حمد الله والتحبب إلى الله، إذ عرف قدره وأن إليه حاجته في الدنيا والآخرة. وأنه لا ينال منفعة فيهما إلا منه، وأنه أهل أن يرجى ويؤمل جوده وكرمه، فإن لم يقو على هذه الخلة فالخلة الثانية أن يذكر اطلاع الله على ضميره، وهو يريد بطاعته حمد عبد مملوك ضعيف يتحبب إليه بالمقت إلى مولاه، ويتقرب إليه بالتباعد من سيده، ويحظى في عين عبد مملوك ضعيف يبلى ويموت بالسقوط من عين الا له الذي لا يموت، فإنه حينئذ يستكين عقله ويخشع طبعه من قبول كل خطرة تدعوه إلى إرادة المخلوقين بطاعة ربه، فإن لم يقو على هذه الخلة فالخلة الثالثة أن يرجع إلى نفسه بالرحمة لها والإشفاق عليها من حبط عمله في يوم فاقته وفقره، فيبقى خاسرا قد حبط إحسانه وخسر عمله، ثم لا يأمن أن يكون ذلك لو أخلصه لرجحت حسناته على سيئاته قبحا لها إذا أراد به العباد، فتبقى حسناته خفيفة،
стр. 3581
وسيئاته راجحة، فيؤمر به إلى عذاب الله، فيتلهف أن لا يكون أخلصه لربه، فنجا من عذاب الله مع سؤال الله والتوبيخ منه والتعيير إذا أراد به العباد، ولها عنه تعالى وتقرب إليهم بالتباعد منه.
• أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد - قبل أن لقيته - ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال قال أبو عبد الله الحارث بن أسد - وسئل ما علامة محبة الله للعبد؟ - فقال للسائل. ما الذي كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله تعالى ﴿(إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)﴾ فعلمت أن علامة محبة العبد لله اتباع رسوله. ثم قال ﴿(يحببكم الله)﴾ فما علامة محبة الله للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب عن أكثر القلوب، إن علامة محبته الله للعبد أن يتولى الله سياسة همومه فيكون في جميع أموره هو المختار لها، ففي الهموم التي لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا تشير إلى التوقف لأن الله هو المتولي لها، فأخلاقه على السماحة، وجوارحه على الموافقة، يصرخ به ويحثه بالتهدد والزجر. فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟ فقال:
خبر النبي ﷺ : «إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه، يأمره وينهاه» فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد قال ليس شيء أحب إلى الله من أداء الفرائض بمسارعة من القلب والجوارح، والمحافظة عليها. ثم بعد ذلك كثرة النوافل كما قال النبي ﷺ :
«يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» فقال السائل: رحمك الله صف لي من علامات وجود قلبه. قال: محبوسة يافتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة، فهي القلوب التي أسرت أوهامها بعجب نفاذ إتقان الصنع، فعندها تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد الغنى، فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى راحة، وانزعجت الهموم وفرت من
стр. 3582
الرفاهة، فنعمت بسرائر الهداية وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية وأرسلت في روضة البصيرة، وأحلت القلوب محلا نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة. فهذا يافتى صفة أهل محبة الله من أهل المراقبة والحياء والرضا والتوكل. فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار. هم قوم أسعدهم الله بطاعته وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته، فلم تشتد لهم همة، ولم تسقط لهم إرادة همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب، يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم، إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا، يكاد يهيج منهم صراخ إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات، فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق فى قلوبهم يتوقد، نعم يافتى هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في خدمة من له الأرض والسموات، فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلا، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس، طاب عيشهم ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم، كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب، فقطعوا وكان الله المنا والمطلوب، دعاهم إليه فأجابوه بالحث والجد ودوام السير، فلم تقم لهم أشغال إذ استبقوا دعوة الجبار، فعندها يا فتى غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها، فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق، حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة. قال السائل: أرى هذا مرادا بالمحبة. قال: نعم يا فتى هذه صفة المرادين بالمحبة. فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة فى علمها، صبة فى اختيارها، فمحنهم على قدر قوة إيمانهم. قال: فمن أشدهم محنا؟ قال:
стр. 3583
أكثرهم معرفة وأقواهم يقينا وأكملهم إيمانا كما جاء في الخبر «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل».
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت أبا عبد الله الحارث بن أسد يقول - وسأله سائل - إن النعم من الله تعالى علي لا تحصى، ظاهرة وباطنة، وعامة وخاصة، صغيرة وكبيرة، في كل أحوالي ومع كل أسبابي، ومع كل شيء من بدني وجوارحي وعقلي وطبعي وحياتي وعيشي، وكل ما أتقلب فيه، وكل منفعة تحدث في ديني ودنياي، وكل ليل ونهار يختلف علي، وشمس وقمر وسائر الأشياء نعم علي، إلا أني أجدني في أكثرها غافلا عن شكره عليها، إلا النعمة العظيمة كالكرب ينزل بي فيفرج الله عني كربي، وينفس عني غمي، وكالمال الكثير يرزقني، فإن عظمت النعمة انتبهت لعظيم قدرها، وموقع منفعتها لي، فانتبهت للشكر وذكرت أنها من الله تفضل، وحمدته عليها، وسائر النعم لقلة قدرها أنسى أنها نعمة، فإن ذكرت أنها نعمة ذكرتها ذكرا بغير تعظيم لها، ولم تهج شدة الشكر عليها، حتى لقد نسيت الشكر عند أكثر النعم، إلا عند الفرج من الكرب، أو النعمة العظيمة في المنفعة. فقال الحارث: هذا فعل عامة العباد من الجاهلين، يعاملون الله على قدر عظيم إحسانه وقلته، وإن أكثر ما قل من النعم لربما كان أكثر منفعة من عظيمها، وربما كان عظيمها يعقب ضرارا في الدين أو في الدنيا، ولربما كان إحسان الله في النعمة الصغيرة أكثر من النعمة في كبيرها، لعاقبة منفعتها، ولربما عظمت النعمة من سعة الدنيا فيطغى صاحبها وتشغله حتى يعصي الله فيدخل النار، ولو كانت النعمة أقل من ذلك لما أطغته ولا ألزمته كثرة الفرائض فيها فلا يقوم بها، كمن كثرت الحقوق عليه لله في السعة، فلم يقم بحقه من أداء الزكاة في مواضعها بغير مكافأة ليد الفقير عنده، ولا اجتلاب حمد ولا ثناء، ولا مخافة ذم. وكذلك صلة القرابة والجار المحتاج البين حاجته وغير ذلك.
وربما ضرته السعة في الدنيا دون الدين، وربما قتله كثرة ماله من لصوص
стр. 3584
يقتلونه عليه، وغير ذلك طيب الطعام كثرته قد تضره حتى تورثه الأوجاع والسقم. وكذلك يوهب له الولد الذكر فيعصي الله فيه، وربما ضره في الدنيا وغمه بما يصيبه من الأسقام، وربما كبر حتى يلجئه إلى الاختلاف إلى السجون ومخاصمة الجيران فيه، أو عداوتهم، وكذلك يكون في الكرب الشديد من المرض أو بمن يعنيه أمره من ولد وأهل، فيكثر دعاؤه وتضرعه، ويتصدق ويخشع قلبه، فإذا فرج عنه وعاد إلى العافية رجع إلى اللهو والشهوة والعصيان، وقل تضرعه إلى الله، فكان المرض أصلح لقلبه وأوفر لدينه، وكانت العافية إن استعملها فيما يضره في دينه أضر عليه من المرض، وكفاك بعلم الله تعالى في ابن آدم، ووصفه له إذ يقول ﴿(وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)﴾ وقال: ﴿(وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه)﴾ ومثل ذلك في كتاب الله كثير، فإنما أتيت أنك نظرت إلى قدر النعم عند ورودها عليك، ولم تنظر في عواقبها في دينك ودنياك، ما تكون في العاقبة أتضر أم تنفع؟ ألم تسمع قول الله ﴿(آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا)﴾ والله ما تدري إذا وردت النعم عليك أيها أنفع لك؟ أقليلها أم كثيرها؟ فإذا وردت عليك النعمة فاحمد الله الذي من بها، وكن مشفقا من أدنى السلامة منها في دينك ودنياك، فإن كانت صغيرة فاستصغرها قلبك فاذكر عاقبتها وخيرة الله فيها، فلعل الله أن يكون قد خار لك فيها ونظر لك بأن قللها، ولم يجعلها أعظم مما هي، لعله قد علم أنها لو عظمت وزادك منها أنك تعصى بها فيغضب عليك، أو يعطيك في دنياك أو تورثك ضررا في دينك، ألا ترى أنك تعمل بظاهر النعم وتنسى عواقبها، وقد تبينت عواقبها بالتجارب فيك وفي غيرك، من كثير الضرر في عظيمها، وكثرة السلامة في أكثر ما صغر منها، والله لقد بين لك مولاك أن كثيرا منها كان زوالها نعمة عظيمة من الله على من زالت عنه، وأن بقاءها بلية عليه، من ذلك أن الغلام الذي قتله الخضر ﵇ قد كان نعمة في الظاهر عظمة غلام ذكر. وقد روى أن الخضر مرمع
стр. 3585
موسى ﵉ بعشرة غلمان فأخذ غلاما أضوؤهم وأحسنهم وجها فقطف وجهه، فأخبرك العليم الخبير بعواقب ضرر النعم وبمنافع عواقبها، فقال:
﴿(وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا)﴾ فصرف عنهما بقتله إياه أن يدخلا النار. وقد قال مجاهد: قد علمنا أن أبويه قد فرحا به حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، وكان في بقائه هلكتهما. وكذلك قلع الخضر لوحا من السفينة في لجج البحر وكان عند أصحابها أن في ذلك الغرق، وقد قال موسى ﴿(أخرقتها لتغرق أهلها)﴾؟ وإنما خرقها لينجو أهلها أن لا تمر بالملك الغاصب فيراها صحيحة فيأخذها، فالغلام قتله خيرة في الدين، والسفينة خرقها خيرة في الدنيا. فبهذا فاستدل أن النعم ليست في المنافع على قدر عظمها وصغرها، لأن الغلام لو كان ابنة لم يخش عليه عاقبة طغيان أبويه فيها، ومما يبين لك هذا قوله تعالى ﴿(فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما)﴾ قيل التفسير رزقا ابنة تزوجها نبي وخرج من نسلها سبعون نبيا.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: سئل الحارث بن أسد عن قول الله تعالى ﴿(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)﴾ وعن قوله ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا».
ما السبيل أكرم الله وجهك إلى هذا التوكل الذي ندب الله المؤمنين إليه؟ صف لي كيف هو وكيف دخول الناس فيه. فقال الحارث ﵀: الناس يتفاتون فى التوكل، وتوكلهم على قد إيمانهم وقوة علومهم. قيل: ما معنى قوة إيمانهم قال: تصديقهم للعدة، وثقتهم بالضمان. قيل: فمن أين فضلت الخاصة منهم على العامة، والتوكل في اعتقاد الإيمان مع كل من آمن بالله! قال:
الذي فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب، والهدو عن الحركة، فعندها يافتى استراحوا من عذاب الحرص، وفلوا من أسر الطمع، وخرجوا من ضيق طول الأمل. قيل: فما الذي ولد هذا؟ قال:
حالتان: الأولى منهما دوام لزوم القلب المعرفة، والاعتماد على الله، وترك
стр. 3586
الحيل. والثانية كثرة الممارسة حتى يألفها إلفا، ويختارها اختيارا.
قيل: فالتوكل في نفسه ما هو، وما معناه؟ قال: قد اختلف الناس فيه قيل له: اختصر منه جوابا موجزا. قال: نعم، التوكل هو الاعتماد على الله بإزالة الطمع من سوى الله، وترك تدبير النفوس في الأغذية، والاستغناء بالكفاية، وموافقة القلب لمراد الرب، والقعود في طلب العبودية، واللجأ إلى الله. قيل: فهل يلحق التوكل الأطماع؟ قال: يلحقه الأطماع من طريق الطباع خطرات، ولا يضره ذلك شيئا. قيل: فما الذي يقويه على إسقاط الطمع؟ قال اليأس مما في أيدي الناس حتى يكون بما معه من الثقة بما وعده سيده أغنى ممن يملك الدنيا بحذافيرها كما قيل لأبي حازم ألك مال؟ قال أكثر المال ثقتي بربي، ويأسي مما في أيدي الناس وكان أبو حازم يقول: الدنيا شيئان شيء لي وشيء لغيري، فما كان لى لو طلبته بحيلة من فى السموات والأرض لم يأتني قبل أجله، وما كان لغيري لم أرجه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، يمنع رزقي من غيري كما يمنع رزق غيري مني، ففي أي هذين أفني عمري. وكان بعضهم يقول:
اترك الناس فكل مشغلة … وقد بخل الناس بمثل الخردلة
لا تسل الناس وسل من أنت له
قيل: فما الذي يقول المتوكل؟ قال ثلاث خصال الأولى منها حسن الظن بالله، والثانية نفي التهم عن الله، والثالثة الرضا عن الله تعالى فيما جرى به التدبير لتأخير الأوقات وتعجيلها. قيل: بم تلحق هذه المنزلة؟ قال: بصفاء اليقين وتمامه، فإن اليقين إذا تم سمي تمامه توكلا. وهكذا قال ذو النون المصري فهم بالحالة العالية والمقام الشريف كما قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري: ما من حالة من حالات المتعبدين إلا وشيخك هذا قد دخل فيها وعرفها. إلا هذا التوكل المبارك الذي ما أعرفه إلا بمشام الريح. وقال ذو النون المصري: المقامات سبع عشرة مقامة أدناها الإجابة وأعلاها صدق التوكل. قيل فما أجمل ما تراه القلوب في باطنها ويلحقها فكر خواطر الاطماع
стр. 3587
قال: تنبيها من الله بحرص الجوارح عن إشارة الأرواح فيما طمعت حياء من الله تعالى أن يراهم يستريحون إلى غيره. كما قال الحكيم:
مريدوه يستحيون أن يراهم … يشيرون بالأرواح نحو سواه
قيل: هذا في الظاهر واليقظة فهل لهم زاجر في مناماتهم عند إشارة الأرواح ومطالعتها في خطرات الأطماع؟ قال: قد روي عن النباجى قال:
طمعت يوما في شيء من أمور الدنيا فحملتني عيناي ونمت فسمعت هاتفا في منامى وهو يقول: أو يجمل يافتى بالحر المريد إذا وجد عند مولاه كل ما يريد أن يركن بقلبه إلى العبيد؟ فهو يزجرهم ويثبتهم ويريهم مواضع الشين والخلل، ليعملوا في شدة تمام اليقين، وكثرة السكون والاعتماد عليه دون خلقه، فتكون لهم الزيادة في مقامهم، وحسن اللجأ في افتقارهم إلى سيدهم، فمرهم يافتى على الاستواء. قيل: فما معنى قوله تعالى ﴿(ومن يتوكل على الله فهو حسبه)﴾؟ قال: أى سببه بمعنى حسبي من كل شيء أن أتوكل عليه. قيل:
فما الأسباب التي تشين توكله؟ قال: الأسباب التي فيها الحرص والمكابدة على الدنيا والأسباب التي تشغله عن دوام السكون وتزيد في الاضطراب وتقوي خوف الفوت، وهي الأسباب التي تستعبده وتتعبه، فتلك التي يؤمر بقطعها حتى يستريح بروح اليقين، ويتفرج بحياة الاستغناء. قيل: فما علامة سكون المتوكل؟ قال: تحركه ازعاج المستبطى فيما ضمن له من رزق ربه، ولا تخلفه فترة المتواني عن فرصته. قيل أيجد هذا فقد شيء منعه قال: لا يجد فقده إذا منعه لعلة معرفته بحسن اختيار الله له أملا من الله أن يعوضه في حسن العواقب أفضل من إرادته بالعاجل، كأنه يراه قريبا، فمن هاهنا لا يجد فقد شيء منعه قيل فما يقويه على هذه الحالة: قال: حسن علمه بحسن تدبير الله له، فعندها أسقط عن قلبه اختياره لنفسه ورضي بما اختار الله له.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: ونعت المختصين بالمعرفة والإيمان فقال: هم الذين جعلهم الحق أهلا لتوحيده وإفراد تجريده،
стр. 3588
والذابين عن ادعاء إدراك تحديده، مصطنعين لنفسه مصنوعين على عينه، ألقى عليهم محبة منه له، واصطنعتك لنفسي، ولتصنع على عيني، وألقيت عليك محبة مني. فأخذ أوصاف من صنعه لنفسه والمصنوع على عينه والملقى عليه محبة منه له، أن لا يستقر لهم قدم علم على مكان، ولا موافقة كفاء على استقرارهم، ولا مناظرة عزم على تنفيذهم، هم الذين جرت بهم المعرفة حيث جرى بهم العلم إلى نهاية غاية، خنست العقول وبادت الأذهان، وانحسرت المعارف، وانقرضت الدهور وتاهت الحيرة في الحيرة عند نعت أول قدم نقلت لمرافقة وصف محل لمحة مما جرى عليهم العلوم التي جعلها لهم به له هيهات ذلك له ماله به عنده له فأين تذهبون. أما سمعت طبه لما أبداه، وكشفه ما رواه واختصاصه لسر الوحي لمن اصطفاه ﴿(فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى)﴾ شهد له أنه عبده وحده، لم يجر عليه استعبادا لغيره يخفي ميل همة ولا إلمام شهوة، ولا محادثة نظرة ولا معارضة خطرة، ولا سبق حق بلفظه، لا يسبق أهل الحق الحق بنطق ولا رؤية حظ بلمحة، أوحى إليه حينئذ ما أوحى، هيأه لفهم ما أولاه بما به تولاه واجتباه فحمل حينئذ ما حمل أوحى إليه حينئذ ما أوحى بالأفق الأعلى ضاقت الأماكن وخنست المصنوعات عن أن تجري فيها أو عليها أوحى ما أوحى إلا بالأفق الأعلى ﴿(إذ يغشى السدرة ما يغشى)﴾ انظر نظر من خلافى نظره من عين منظوره إلى السدرة حيث غشاها ﴿(ما غشى)﴾ فثبتت لما غشاها، وانظر إلى الجبل حيث تجلى له ﴿(جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك)﴾ أن أعود لمسألتك الرؤيا بعد هذا المقام، وإلى إكثاره ما فرط من سؤاله، وإلى أن العلم لو صادف حقيقة الرسم لا يليق به الكتم، وانظر إلى إخباره عن حبيبه ﴿(ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى)﴾ والعند هاهنا لا ينتهي مكان، إنما ينتهي وقت كشف علم لوقت، وانظر إلى فضل الوقتين ومختلف المكانين، وفرق ما بين المنزلتين في العلو والدنو وكذا فضلت عقول المؤمنين من العارفين، فمنها من يطيق خطاب المناجاة مع علم قرب من ناجاه وأدناه، فلا يستره في الدنو علم الدنو ولا في العلو علم
стр. 3589
العلو ومنها من لا يطيق ذلك فيجعل الأسباب هي المؤدية إليهم الفهم، وبها يستدرك فهم الخطاب فيكون منه الجواب أن لا يقف عند قوله ﴿(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم)﴾ وهذه أماكن يضيق بسط العلم فيها إلا عند المفاوضة لأهل المحاضرة، وفي الاشتغال بعلم مسالك الطرقات المؤدية إلى علوم أهل الخاصة الذين خلوا من خلواتهم، وبرءوا من إرادتهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، عصفت بهم رياح الفطنة فأوردتهم على بحار الحكمة فاستنبطوا صفو ماء الحياة، لا يحذرون غائلة، ولا يتوقعون نازلة، ولا يشرهون إلى طلب بلوغ غاية، بل الغايات لهم بدايات، هم الذين ظهروا في باطن الخلق، وبطنوا في ظاهره، أمناء على وحيه، حافظون لسره، نافذون لأمره، قائلون بحقه، عاملون بطاعته ﴿(يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)﴾ جرت معاملتهم في مبادئ أمورهم بحسن الأدب فيما ألزمهم القيام به من حقوقه فلم تبق عندهم نصيحة إلا بذلوها، ولا قربة إلا وصلوها، سمحت نفوسهم ببذل المهج عند أول حق من حقوقه في طلب الوسيلة إليه، فبادرت غير مبقية ولا مستبقية، بل نظرت إلى أن الذي عليها في حين بذلها أكثر بحالها مما بذلت، لوائح الحق إليها مشيرة، وعلوم الحق لديها غزيرة، لا توقفهم لائمة عند نازلة، ولا تثبطهم رهبة عند فادحة، ولا تبعثهم رغبة عند أخذ أهبة بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر - في كتابه - وحدثني عنه عثمان قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: سئل الحارث بن أسد وقيل له: رحمك الله، ما علامة الأنس بالله؟ قال: التوحش من الخلق. قيل له: فما علامة التوحش من الخلق؟ قال: الفرار إلى مواطن الخلوات، والتفرد بعذوبة الذكر، فعلى قدر ما يدخل القلب من الأنس بذكر الله يخرج التوحش، كما قال بعض الحكماء في مناجاته: يا من آنسني بذكره، وأوحشني من خلقه، وكان عند مسرتي ارحم عبرتي. وفي قول الله تعالى لداود ﵇: كن بي مستأنسا، ومن
стр. 3590
سواي مستوحشا. وقيل لبعض المتعبدين: ما فعل فلان؟ قال: أنس فتوحش. وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا يعنينى، وأنسى بمن لم يزل. وقال ذو النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك. وقال عبد الواحد بن زيد لراهب:
يا راهب لقد تعجلت الوحدة. فقال الراهب: يا فتى لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة ما أنستها الفكرة. قال يا راهب: ما أقل ما يجد العبد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم. قال: يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال:
إذا صفا الود وخلصت المعاملة. قال: يا عبد الله متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم فصار في الطاعة. قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم فصار هما واحدا. وقال بعض الحكماء: عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا، وعجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك، اللهم آنست الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم، وستري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، فإذا أوحشتني العزلة آنسني ذكرك، وإذا كثرت علي الهموم رجعت إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين. وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن وكما قال بعض الحكماء: لو أن معي أنسا لتوحشت. قيل: رحمك الله فما علامة صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم، واختيار القلب عذوبة الذكر. قيل: رحمك الله فما علامته في ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور. قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟ قال: منفرد بالذكر مشغول بالفكر، لما استولى على القلب والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر وحلاوته، وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد معهم ببدنه، كما روي عن علي بن أبي طالب في حديث كهيل بن زياد فقال: «هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر فباشروا
стр. 3591
روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلى العلى عند الملك العالي، فهذه صفة المنفرد في جماعة. قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال: مستجمع له بهمة قد جمع للهموم فصيرها هما واحدا في قلبه، فاستجمعت له الهموم في مشاهدة الاعتبار وحسن الفكر في نفاذ القدرة، فهو مستجمع لله بعقله وقلبه وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة لدوام الذكر إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة، وليس شيء منه متفرقا ولا وهم معطلا، وهذه صفة المسجتمع في انفراده. قيل: فما معنى غائب في حضور؟ قال: غائب بوهمه، حاضر بقلبه، فمعنى غائب أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه في مراعاة العارفين.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: المحاسبة والموازنة فى أربع مواطن، فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك. قال وسمعت الحارث يقول. الذي يبعث العبد على التوبة ترك الإصرار، والذي يبعثه على ترك الإصرار ملازمة الخوف. وقال الحارث:
العبودية أن لا ترى لنفسك ملكا وتعلم أنك لا تملك لنفسك ضرا ولا نفعا.
والتسليم هو الثبوت عند نزول البلاء من غير تغير منه ظاهرا وباطنا. والرجاء هو الطمع في فضل الله ورحمته. وأقهر الناس لنفسه من رضي بالمقدور. وأكمل العاقلين من أقر بالعجز أنه لا يبلغ كنه معرفته. والخلق كلهم معذورون في العقل مأخوذون في الحكم. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر، والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بالجوارح.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: قد أتينا على طرف من كلام الحارث بن أسد مجتزيا من فنون تصانيفه وأنواع أقواله وأحواله بما ذكرنا إذ هو البحر العميق ورواياته عن المحدثين المشهورين في تصانيفه مدونة اقتصرنا من رواياته على ما.
стр. 3592
• حدثناه محمد بن عبد الله بن سعيد ثنا أحمد بن القاسم الفرائضي ثنا الحارث بن أسد المحاسبي ثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن القاسم عن عطاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء. قال قال رسول الله ﷺ :
«ما يوضع في الميزان أثقل من خلق حسن» القاسم هو محمد بن أبي بزة حدثناه أبو بكر بن خلاد ثنا محمد بن غالب تمتام ثنا عفان ثنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة به. .
وحدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا الحارث بن أسد ثنا محمد بن كثير الكوفي عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن ابن أسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. قال: «شغل النبي ﷺ في شيء من أمر المشركين فلم يصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما فرغ صلاهن الأول فالأول، وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف».
علي الجرجاني
ومنهم المتخلي من الشهوات. والمتحلي بالخلوات، تخلى من الجزع والهلع واستحلى الفزع والضرع. علي الجرجاني (١). من قدماء المتعبدين.
• حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري - ببغداد - قال سمعت أبا حامد أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري يقول سمعت إسماعيل بن عبد الله الشامي يقول سمعت سريا السقطي يقول: خرجت من بغداد أريد الرباط إلى عبادان لأصوم بها رجبا وشعبان ورمضان، فلقيت في طريقي عليا الجرجاني وكان من الزهاد الكبار فدنا وقت إفطاري، وكان معى ملح مدقوق وأقراص، فقلت: هلم رحمك الله، فقال: ملحك مدقوق ومعك من ألوان الطعام. لن تفلح ولن تدخل بستان المحبين. فنظرت إلى مزود كان معه فيه سويق الشعير فيسف منها. فقلت: ما دعاك إلى هذ؟ قال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة، فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة. فلما دخلنا عبادان قلت: موعظة أحفظها عنك. قال: نعم إن شاء الله، احفظ عنى خمس
стр. 3593
خصال: إنك إن حفظتها لا تبالي ما أضعت بعدها، قلت: نعم. قال: عانق الفقر، وتوسد الصبر، وعاد الشهوات، وخالف الهوى، وافزع إلى الله في جميع أمورك. قلت: فإذا كنت كذلك؟ قال يهب الله لك خمسا: الزهد ومع الزهد القنوع ومع القنوع الرضا، ومع الرضا المعرفة، ومع المعرفة الشوق. ثم يهب لك خمسا: السباق، والبدار، والتخفف، وحسن البشارة، وحسن المنقلب إلى الله. أولئك أحباء الله. قلت: فأين ترى لي أن أسكن؟ قال:
ارحل نحو لكام. قلت: فهل شيء أعيش به؟ قال: فمقت في وجهي وقال:
تفر إلى الله من ذنبك، وتستبطئه في رزقك؟ فلا والله ما أدري دخل البحر أم لا.
وحكى جعفر بن نصير عن السرى بزيادة ألفاظ.
• أخبر جعفر بن محمد - في كتابه حاكيا عن السري السقطي - قال:
خرجت من بغداد أريد الرباط إلى عبادان فصحبني علي الجرجاني في الزورق، فلما حضر وقت إفطاري أخرجت قرصين من شعير وملح مدقوق وقلت لعلى: هلم يا أبا الحسن. قال: فجعل يطيل النظر إلى الرغيفين والملح، ثم إنه التفت إلي فقال: يا سري ملحك مدقوق! قلت: نعم. قال: يا سري ليس تفلح. قلت: ولم قال: يا سري أما علمت أن خبز الشعير والملح الجريش ينور القلب! فجعل يتردد في صدري، فلما قربنا من عبادان وأردنا أن نفترق قلت: رحمك الله كلمة أحفظها عنك. قال: أوتفعل؟ قلت: نعم أفعل فقال لي:
يا سري احفظ عني خمس خصال، إن أنت حفظتها لا تبالي ما ضيعت بعدهن.
قلت: وما هن يرحمك الله؟ قال: يا سري عانق الفقر، وتوسد الصبر، وعاد الشهوات، وخالف الهوى، واضرع إلى الله في جميع أمورك، فإذا كنت كذلك وهب الله لك خمسا. قلت: وما هن! قال: الشكر، والرضا، والخوف والرجاء، والصبر على البلاء. ثم تدفعك هذه إلى خمس: إلى الورع الخفي، وتصفية القلوب، وترك ما حاك في الصدور وترك ما لا يعنيك، وترك الفضول لحفظ الجوارح، ثم تمدك بخمس: بحياة القلوب، وصفاء الاعتبار، والفهم
стр. 3594
عن الله، والتيقظ من الغفلة، ومساعدة الأوطان فى طاعة الله. فعندها يرديك الله بخمسة أردية: اللطف، والحلم، والرأفة، والرحمة للعالم، وهيبة النار إذا اطلعت عليها ذكرت الله بالربوبية. ويلزم قلبك خمسا: السباق، والبدار والتصبر عن الحرام، وصدق الانقطاع، وصحة الإرادة.
فديم
قال الشيخ: وممن عرف من متقدمي البغداديين بالنسك والتحقيق بالتصوف أبو هاشم فديم.
جلس إليه سفيان الثوري فحمد طريقته وملازمته للصفاء والوفاء. لا نحفظ من كلامه شيئا إلا ما حكاه
عنه الثوري أنه قال: ما زلت أرائي وأنا لا أشعر إلى أن جالست أبا هاشم فأخذت منه ترك الرياء، وبلغني أنه رأى شريك بن عبد الله القاضي خارجا من دار يحيى البرمكي يطرق بين يديه فقال أعوذ بالله من علم يورث هذا، ويفضي بصاحبه إلى ما أرى.
• سمعت عبد المنعم بن عمر يقول سمعت أبا سعيد بن زياد الأعرابي يقول:
ثنا محمد بن المؤمل القرشي ثنا أبو هاشم محمد بن سعيد أبو علي قال سمعت أبي يقول: بينا أنا أطوف بالكعبة ليلا اذا أنا بأعرابية تقود أعرابيا مكفوفا وهو يقول:
أنت في موضع البعيد قريب … من منيب إلى رضاك يئوب
تسمع الصوت حيث لا يسمع الص … وت ومن حيث ما دعاك تجيب
ليس إلا بك النفوس تطيب … يا شفاء السقام أنت الطبيب
كل وصل خلاف وصلك زور … كل حب خلاف حبك حوب
من يرد من جنان وجهك مرعى … يلقه من نك لد مرعى خصيب
أو حوى قلبه المحبة إلا … وهو لا شك عندك المحبوب
أنت روح القلوب أنت غناها … بك تحيى وتستريح القلوب
بك يدنو البعيد من كل أمر … بك ينأى عن الذنوب القريب
.
стр. 3595
شريح بن يونس
قال الشيخ: ومن المشهورين بتحقيق العبادة والعبودية. والانقياد لتعظيم الألهية والربوبية. المأخوذ عنه الآداب الشريفة، والمقتبس منه الكثير من آثار الشريعة. أبو الحارث شريح بن يونس.
نقل عنه الأحوال السنية، وله الآيات البديعة. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق الثقفى قال سمعت أحمد ابن الضحاك الخشاب يقول - وكان من البكائين - رأيت فيما يرى النائم شريح ابن يونس فقلت: ما فعل بك ربك يا أبا الحارث؟ فقال: غفر لي، ومع ذلك جعل قصري إلى جنب قصر محمد بن بشير بن عطاء الكندي. فقلت: يا أبا الحارث أنت عندنا أكبر من محمد بن بشير. فقال: لا تقل ذاك فإن الله تعالى جعل لمحمد بن بشير حظا في عمل كل مؤمن ومؤمنة، لأنه كان إذا دعا الله قال: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والكائنين منهم.
• سمعت سليمان بن أحمد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت شريح بن يونس يقول: رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا شريح سل حاجتك. فقلت: رحمال سر بسر.
• سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت حامد بن شعيب يقول: سمعت شريح يونس يقول: كنت ليلة نائما فوق المشرعة فسمعت صوت ضفدع فإذا ضفدعة في فم حية فقلت: سألتك بالله إلا خليتها. فخلاها.
ومما أسند:
حدثنا أبي ثنا محمد بن إبراهيم بن أبان السراج - ببغداد سنة ثلاثمائة - ثنا شريح بن يونس ثنا إسماعيل بن خالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر: «أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى ﴿(قل هو الله أحد)﴾ إلى آخرها». غريب من حديث الشعبي
стр. 3596
لم يروه إلا إسماعيل عن أبيه.
• حدثنا أبي ثنا محمد بن إبراهيم ثنا شريح بن يونس ثنا علي بن ثابت عن حمزة النصيبي عن أبي الزبير عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ :
«من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ قل هو الله أحد إذا فرغ». لا أعلم أحدا رواه عن أبي الزبير إلا حمزة.
• حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن ثنا العباس بن أحمد الوشاء ثنا شريح بن يونس ثنا أبو حفص الأبار عمر بن عبد الرحمن ثنا محمد بن جحادة عن أبي صالح عن أبي هريرة «أن رجلا خرج من المسجد حين أخذ المؤذن في الإقامة فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ». لم يروه عن محمد بن جحادة إلا أبو حفص وعنه شريح.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا شريح بن يونس ثنا أبو حفص الأبار عن محمد بن جحادة عن عطية عن أبي سعيد. قال قال رسول الله ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر». لم يروه عن محمد إلا أبو حفص وعنه شريح.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن هشام بن أبي الدميك ثنا شريح بن يونس ثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن الحارث عن علي: قال قال رسول الله ﷺ : «استووا تستو قلوبكم، وتماسوا وتراحموا».
لم يروه عن مجالد إلا أبو خالد وعنه شريح.
• حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا شريح بن يونس أبو الحارث ثنا إبراهيم بن خيثم بن عراك بن مالك عن أبيه عن جده عن أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ حبس فى تهمة حبسا يسيرا حتى استبرأ».
• حدثنا إبراهيم بن محمد بن حمزة ثنا حامد بن شعيب ثنا شريح بن يونس ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمر السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية فسلمنا وقلنا: أتيناك
стр. 3597
زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال: «إن رسول الله ﷺ صلى لنا صلاة الغداة وأقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا فانه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالتواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فان كل بدعة ضلالة».
• حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا حامد بن شعيب ثنا شريح بن يونس ثنا يزيد بن هارون أنبأنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتي عبد المطلب في المنام فقيل له احفر برة. قال وما برة؟ قال: مضنون ضن بها عن الناس وأعطيتموها. قال: فلما أصبح جمع قومه فأخبرهم فقالوا: ألا سألته ما هي؟ فلما كان من الليل أتي في منامه فقيل له: احفر قال: وما أحفر؟ قال: احفر زمزم بركة من الله . ومغنما تسقي الحجيج، ومعشرا جما. فلما أصبح جمع قومه فقالوا له:
ألا سألت أين موضعها؟ فلما بات من الليل أتي فقيل له: احفر قال: أين؟ قيل موضع زمزم. قال: وأين موضعها؟ قال: مسلك الذر وموقع الغراب بين الفرث والدم. فلما أصبح دعا قومه فأخبرهم فقالوا: هذا موضع نصب خزاعة، ولا يدعونك. وكان ولده جميعا غيبا إلا الحارث. فقام هو والحارث فحفرا حتى استخرجا غزالا من ذهب فى أذنيه قرطان، ثم حفرا حتى استخرجا حلية من ذهب وفضة، ثم حفرا حتى استخرجا سيوفا ملفوفة في عباءة، ثم حفرا حتى استنبطا الماء، فأتاه قومه فقالوا: يا عبد المطلب خذ واغنم. فقال:
ائتوني بقداح ثلاثة أسود وأبيض وأحمر، فجعل الأسود لقومه والأحمر للبيت والأبيض له، فضرب بها فخرج الأسود على الغزال فصار لقومه، ثم ضرب فخرج الأحمر على الحلية للبيت وصار السيوف له.
١
стр. 3598
السري السقطي
ومنهم العلم المنشور. والحكم المذكور. شديد الهدى، حميد السعي.
ذو القلب التقي. والورع الخفي. عن نفسه راحل. ولحكم ربه نازل. أبو الحسن السري بن المغلس السقطي. خال أبى القاسم الجنيد وأستاذه.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السري بن المغلس يقول: لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي فقلت بلحيتي كذا - وأمر يده على لحيته.
كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل - لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار. قال وسمعت السري يقول: إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مرارا مخافة أن يكون وجهي قد اسود. قال: وسمعت السري يقول: ما أحب أن أموت حيث أعرف. فقيل له: ولم ذلك يا أبا الحسن؟ قال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح. قال وسمعت السري يقول: إن نفسي تنازعني أن اغمس جزرة في دبس منذ ثلاثين سنة فما يمكنني. قال وسمعت السري يقول: إني أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة، ولا لمخلوق فيها منة. فما أجد إلى ذلك سبيلا. قال وسمعت السري يقول: خرجنا يوما من مكة نريد بعض المواضع، فلما أصحرنا رأيت في مجرى السيل طاقة بقل فمددت يدي فأخذتها وقلت: الحمد لله، ورجوت أن تكون حلالا ليس لمخلوق فيها منة. فقال لي بعض من رآني وقد أخذتها: يا أبا الحسن التفت، فالتفت فإذا مثل تلك الطاقة.
فقال لي: خذ هذا من نائبك. فقلت له: الطاقة الأولى ليس لأحد فيها منة وهذا بدلالتك تريد لك علي فيه منة. إنما أريد ما ليس لمخلوق فيه منة ولا لله فيه تبعة. قال وسمعت السري يقول: كان أهل الورع في وقت من الأوقات أربعة: حذيفة المرعشي، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسليمان الخواص، فنظروا في الورع فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلى التقلل. قال وسمعت السري يقول: كنت بطرسوس وكان معي في الدار فتيان
стр. 3599
متعبدون، وكان في الدار تنور يخبزون فيه، فانكسر التنور فعملت لهم بدله من مالي، فتورعوا أن يختبزوا فيه. قال وسمعت السري وذكر أن أبا يوسف الغسولي كان يلزم الثغر ويغزو، وكان إذا غزا ودخلوا بلاد الروم أكل أصحابه من طعام الروم وفواكههم، فيقول أبو يوسف: لا آكل، فيقال له: تشك أنه حلال، فيقول: لا أشك، هو حلال. فيقال له:
فكل من الحلال. فيقول: إنما الزهد في الحلال. قال وسمعت السري يذم من يأكل بدينه ويقول: من النذالة أن يأكل العبد بدينه.
• حدثنا عمر بن أحمد بن شاهين ثنا علي بن الحسين بن حرب قال: بعث بي أبي إلى السري بشيء من حب السعال - لسعال كان به - فقال لي: كم ثمنه؟ قلت له: لم يخبرني بشيء. فقال اقرأ ﵇ وقل له: نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة أن لا يأكلوا بأديانهم، ترانا اليوم نأكل بأدياننا.
• سمعت محمد بن إبراهيم بن محمد يقول سمعت علي بن عبد الحميد الغضائري الحلبي يقول سمعت سريا السقطي ودققت عليه الباب فقام إلى عضادتي الباب فسمعته يقول: اللهم اشغل من شغلني عنك بك، فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة من حلب على رجلي ماشيا ذاهبا وجائيا.
• سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني يقول ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حمدان ثنا إسماعيل بن عبد الله الشامي قال قال سري السقطي: خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، وتيقظ ليس معه غفلة، ومراقبة الله فى السر والجهر ليس معه رياء، ومراقبة الموت بالتأهب.
• سمعت أبا عبد الله يقول ثنا أبو حامد ثنا إسماعيل قال قال السري السقطي: للمريد عشر مقامات، التحبب إلى الله بالنافلة، والتزين عنده بنصيحة الأمة، والأنس بكلام الله، والصبر على أحكامه، والأثرة لأمره، والحياء من نظره، وبذل المجهود فى محبوبه، والرضاء بالقلة، والقناعة بالخمول.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمد ثنا
стр. 3600
إسماعيل بن عبد الله الشامي قال قال سرى السقطى: للخائف عشر مقامات:
الحزن اللازم، والهم الغالب، والخشية المقلقة، وكثرة البكاء، والتضرع في الليل والنهار، والهرب من مواطن الراحة، وكثرة الوله، ووجل القلب، وتنغص العيش، ومراقبة الكمد.
• [سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت القاسم بن عبد الله البزاز يقول سمعت سريا السقطي يقول: لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله من الأشجار عليها جميع ما خلق الله من الأطيار، فخاطبه كل طير منها بلغته وقال: السلام عليك يا ولي الله، فسكنت نفسه إلى ذلك كان في يديها أسيرا.
• حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا أبو العباس السراج قال سمعت إبراهيم بن السري السقطي يقول سمعت أبى يقول: عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا.
• حدثنا إبراهيم بن محمد ثنا أبو العباس السراج قال سمعت ابن السري يقول سمعت أبي يقول. لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها.
• حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السري بن المغلس يقول: وددت أن حزن الخلق كلهم ألقي علي.
• سمعت أبي يقول سمعت أحمد يقول سمعت أبا القاسم يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول. إن في النفس لشغلا عن الناس.
• حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا عباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن إسحاق الأسلمي قال سمعت السري يقول: المغبون من فنيت أيامه بالتسويف والمغبون من تمنى الصالحون مقامه.
• حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ثنا علي بن الحسين بن حرب القاضي - إملاء - قال سمعت السري يقول: سئل حكيم من الحكماء: متى يكون
стр. 3601
العالم مسيئا؟ قال: إذا كثر بقباقه وانتشرت كتبه وغضب أن يرد عليه شيء من قوله. هذا أو معناه.
• أخبرنا جعفر - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: بعثني السري يوما في حاجة فأبطأت عليه، فلما جئت قال لي: إذا بعث بك رجل يتكلم في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليه فإنك تشغل قلبه. قال وسمعت السري يقول: احذر أن تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا. وسمعته يقول: سمعت أبا جعفر السماك - وكان سيخا شديد العزلة فرأى عندي جماعة قد اجتمعوا حولي فوقف ولم يقعد ثم نظر إلي فقال لى: أبو الحسن صرت مناخا للبطالين، فرجع ولم يقعد وكره إلي اجتماعهم حولي. قال وسمعت السري يقول: إني أعرف طريقا يؤدي إلى الجنة قصدا.
فقيل له: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: أن تشتغل بالعبادة وتقبل عليها وحدها حتى لا يكون فيك فضل. قال وسمعت السري يقول: أعرف طريقا مختصرا يؤديكم إلى الجنة. فقلت ما هو؟ قال: لا تأخذ من أحد شيئا ولا تسل أحدا شيئا، ولا يكن معك ما تعطي منه أحدا شيئا. قال وسمعت السري يقول:
رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل. قال وكان إذا أراد أن يفيدني سألني، فقال لي يوما: ما الشكر؟ فقلت: أن لا يعصى في نعمة. فقال: ما أحسن ما أجبت ما أحسن ما تقول. قال الجنيد وهذا هو فرض الشكر أن لا يعصى في نعمة] (١).
• أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه - وحدثني عنه نصر بن أبي نصر قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: قال رجل لسري السقطي كيف أنت؟ فأنشأ يقول:
من لم يبت والحب حشو فؤاده … لم يدر كيف تفتت الأكباد.
• حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول ثنا أحمد بن محمد بن صالح ثنا محمد بن عبدوس ثنا عبدوس بن القاسم قال سمعت السري يقول: كل الدنيا فضول إلا خمس خصال: خبز يشبعه. وماء يرويه. وثوب يستره. وبيت يكنه. وعلم يستعمله. وقال: التوكل الانخلاع عن الحول والقوة.
стр. 3602
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال، سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: أربع خصال ترفع العبد: العلم والأدب، والعفة، والأمانة.
• أخبرنا جعفر بن محمد في - كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: اللهم ما عذبتني بشيء فلا تعذبنى بذل الحجاب.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا العباس القرشي يقول حدثني بكير بن مقاتل البغدادي قال حدثني العباس بن يوسف الشكلى حدثنى أحمد ابن محمد الصوفي قال سمعت السري بن المغلس يقول: انقطع من انقطع عن الله بخصلتين، واتصل من اتصل بالله بأربع خصال: فأما من انقطع عن الله بخصلتين فيتخطى إلى نافلة بتضييع فرض، والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطئ عليه صدق القلوب. وأما الذي اتصل به المتصلون فلزوم الباب، والتشمير في الخدمة والصبر على المكاره، وصيانات الكرامات.
• حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب البغدادي - في كتابه ولقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني عبد الله بن ميمون قال سمعت أبا الحسن السري بن المغلس يقول: معنى الصبر أن تكون مثل الأرض تحمل الجبال وبني آدم، وكل ما عليها، لا تأبى ذلك ولا تسميه بلاء، بل تسميه نعمة وموهبة من سيده، لا يراد فيها أداء حكم بها عليه.
• سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت عبد الله بن شاكر يقول قال سري السقطي: صليت ليلة وردي ومددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سري كذا تجالس الملوك؟ قال فضممت رجلي ثم قلت: وعزتك لا مددت رجلي أبدا.
• حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ثنا جعفر ثنا أحمد بن خلف قال: دخلت يوما على السري فرأيت في غرفته كوزا جديدا مكسورا. فقال: أردت ماء مبردا في كوز جديد فوضعته على هذا الرواق ليبرد ونمت فرأيت فى منامى جارية مزينة فقالت: يا سري من يخطب مثلي يبرد ماء؟ ثم رفسته برجلها،
стр. 3603
فاستيقظت من نومي فإذا هو مطروح مكسور.
• حدثنا أبو نصر ظفر بن أحمد الصوفي ثنا علي بن أحمد الثعلبي ثنا أحمد ابن فارس الفرغاني قال سمعت علي بن عبد الحميد الحلبي يقول سمعت سريا السقطي يقول: من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط.
• سمعت أبا نصر النيسابوري الصوفي يقول سمعت علي بن أحمد الثعلبي يقول سمعت أحمد بن فارس يقول سمعت علي بن عبد الحميد يقول سمعت السري يقول: ينبغي للعبد أن يكون أخوف ما يكون من الله، آمن ما يكون من ربه.
• حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن العطار حدثني أبو الحسين بن أبي العباس الزيات حدثني جدي محمد بن المفضل قال سمعت سريا السقطي يقول:
لا تركن إلى الدنيا فينقطع من الله حبلك، ولا تمش في الأرض مرحا فإنها عن قليل قبرك.
• حدثنا أبو الحسن بن مقسم قال سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: قال بعض الأنبياء لقومه: ألا تستحيون من كثرة ما لا تستحيون. وبه سمعت السري يقول: أصفى ما يكون ذكري إذا كنت محجوبا.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن الحسن قال سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: قلوب المقربين معلقة بالسوابق، وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، هؤلاء يقولون بماذا يختم لنا، وأولئك يقولون ماذا سبق من الله لنا. وبإسناده قال سمعت السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت السري يقول قال عبد الله بن مطرف: تخليص العمل حتى يخلص أشد من العمل والاتقاء على العمل بعد ما يخلص أشد من العمل.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت السرى يقول:
стр. 3604
تصفية العمل من الآفات أشد من العمل.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو عثمان الخياط قال سمعت السري يقول: من اشتغل بمناجاة الله أورثته حلاوة ذكر الله تعالى مرارة ما يلقي إليه الشيطان.
• حدثنا أبو الحسن بن مقسم حدثني أبو الحسن بن العباس ثنا جدي محمد بن الفضل قال قال السري السقطي: تبقى الإخوان ولا تأمنهم على سرك، احذر أخدان السوء واتهم صديقك كما تتهم عدوك.
• سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا بكر النساج يقول سمعت السري يقول: لو علمت أن جلوسي في البيت أفضل من خروجي إلى المجلس ما خرجت، ولو علمت أن جلوسي معكم أفضل من جلوسي في البيت ما جلست، ولكني إن دخلت اقتضاني العلم لكم، وإن خرجت ناقدتني الحقيقة، فأنا عند مناقدتى مستحيى، وأنا عند اقتضاء العلم محجوج.
• سمعت ابن مقسم يقول سمعت أبا بكر النساج يقول سمعت السري يقول:
من استعمل التسويف طالت حسرته يوم القيامة. وسمعت ابن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: قال ابن المبارك للفضيل بن عياض. يا أبا علي خزن الناس علينا العلم وخزنت علينا الحكمة.
• حدثنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه ابن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السري يقول: اعتللت بطرسوس علة الزرب، فدخل على ثقلاء القراء يعودونني، فجلسوا فأطالوا جلوسهم، فآذاني. ثم قالوا:
إن رأيت أن تدعو الله، فمددت يدي وقلت: اللهم علمنا أدب العيادة.
• حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عقيل الوراق النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم البلاذري يقول سمعت العمري يقول سمعت أبا بكر العطشي يقول قلت لسري السقطي: ماذا أراد أهل الجوع بالجوع؟ فقال: ماذا أراد أهل الشبع بالشبع؟ إن الجوع أورثهم الحكم، وإن الشبع أورثهم التخم.
стр. 3605
• حدثنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عمر بن أحمد بن عثمان قال أحمد بن خلف: دخلت يوما على السري فقال لى: ألا أعجبك من عصفور يجئ فيسقط على هذا الرواق فأكون قد أعددت له لقيمة فأفتها في كفي فيسقط على أطراف أناملي فيأكل، فلما كان في وقت من الأوقات سقط على الرواق ففتت الخبز في يدي فلم يسقط على يدي كما كان، ففكرت في سر العلة في وحشته مني، فوجدتني قد أكلت ملحا طيبا، فقلت في سري: أنا تائب من الملح، فسقط على يدي فأكل وانصرف.
• سمعت أبا حفص عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ يقول قال عبد الله بن عبيد الله سمعت السري يقول: هذا الذي أنا فيه من بركات معروف الكرخي انصرفت من صلاة العيد فرأيت مع معروف صبيا شعثا فقلت: من هذا؟ قال:
رأيت الصبيان يلعبون وهذا واقف منكسر فسألته لم لا تلعب؟ فقال: أنا يتيم، فقلت: ما ترى أنك تعمل به؟ فقال: لعلي أخلو فأجمع له نوى يشترى به جوزا يفرح به. فقلت له: أعطينيه أغير من حاله. فقال لى:
أوتفعل؟ فقلت نعم. فقال لي: خذه أغنى الله قلبك، فساوت الدنيا عندي أقل من كذا.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني ثنا أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري ثنا إسماعيل بن عبد الله الشامي قال قال سري السقطي: ثلاث من أخلاق الأبرار: القيام بالفرائض، واجتناب المحارم، وترك الغفلة. وثلاث من أخلاق الأبرار يبلغن بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار، وخفض الجناح، وكثرة الصدقات. وثلاث من أبواب سخط الله اللعب، والمزاح والغيبة. والعاشر من هذه الثلاث عمود الدين وذروته وسنامه حسن الظن بالله.
• أخبر محمد بن عبد الله الرازي - في كتابه - وحدثنى عنه عبد الواحد ابن بكر قال سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت أحمد بن عمر الخلقاني يقول: خرج معي سري السقطي يوم العيد من المسجد فلقي رجلا جليلا
стр. 3606
فسلم عليه سلاما ناقصا، فقلت له: إن هذا فلان. قال: قد عرفته. قلت: فلم نقصته في السلام؟ قال لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال:
«إذا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشهما» فأردت أن يكون معه الأكثر.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد يقول: ما أرى لي على أحد فضلا. قيل: ولا على المخنثين؟ قال: ولا على المخنثين. قال وسمعت السرى يقول: إذا فاتنى جزء من وردي لا يمكنني أن أقضيه أبدا.
• حدثني محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت الفضل بن حمدان يقول سمعت علي بن عبد الحميد الغضائري يقول سمعت السري يقول: من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم، ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها.
قال وسمعته يقول: اجعل فقرك إلى الله تستغن به عمن سواه. قال وسمعته يقول: الأدب ترجمان العقل، ولسانك ترجمان قلبك، ووجهك مرآة قلبك، يتبين على الوجه ما تضمر القلوب. وقال: القلوب ثلاثة: قلب مثل الجبل لا يزيله شيء، وقلب مثل النخلة أصلها ثابت والريح تميلها، وقلب كالريشة يميل مع الريح يمينا وشمالا. وقال: أقوى القوة غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز، ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه.
وقال: لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تدعه دون استعتاب، ومن علامة المعرفة بالله القيام بحقوق الله وإيثاره على النفس فيما أمكنت فيه القدرة، ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس. ومن قلة الصدق كثرة الخطأ.
وخير الرزق ما سلم من خمسة: من الآثام في الاكتساب، والمذلة في الخضوع في السؤال، والغش في الصناعة، وإثبات آلة المعاصي، ومعاملة الظلمة.
وأحسن الأشياء خمسة: البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة علام الغيوب، وجلاء الرين عن القلوب، وأن لا تكون لما تهوى ركوب. وقال:
خمسة أشياء لا يسكن في القلب معها غيرها: الخوف من الله وحده، والرجاء
стр. 3607
من الله وحده، والحب لله وحده، والحياء من الله وحده، والأنس بالله وحده.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول: إذا ابتدأ الإنسان ثم كتب الحديث فتر وإذا ابتدأ بكتبه الحديث ثم تنسك نفذ. وقال السري: لن يحمد رجل حتى يؤثر دينه على شهوته. ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه. قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول: كنت أعود السري في كل ثلاثة أيام عيادة السنة، فدخلت عليه وهو يجود بنفسه فجلست عند رأسه فبكيت وسقط من دموعي على خده، ففتح عينيه ونظر إلي فقلت له: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.
• أخبرنا جعفر - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السري يقول: من عرف السبب انقطع عن الطلب.
• أخبرنا جعفر - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال حدثني الجنيد قال سمعت السري يقول - وقد ذكر له أهل الحقائق من العباد - فقال أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى.
• أخبرنا جعفر - في كتابه - وحدثني عنه محمد حدثني الجنيد قال سمعت السري يقول خفيت علي علة ثلاثين سنة وذلك أنا كنا جماعة نبكر إلى الجمعة ولنا أماكن قد عرفت بنا لا نكاد أن نخلو عنها، فمات رجل من جيراننا يوم جمعة فأحببت أن أشيع جنازته، فشيعتها وأضحيت عن وقتي، ثم جئت أريد الجمعة، فلما أن قربت من المسجد قالت لي نفسي: الآن يرونك وقد أضحيت وتخلفت عن وقتك. فشق ذلك علي، فقلت لنفسي: أراك مرائية منذ ثلاثين سنة وأنا لا أدري. فتركت ذلك المكان الذي كنت آتيه، فجعلت أصلى في أماكن مختلفة لئلا يعرف مكاني هذا أو نحوه. قال وسمعت السري وكان يعجب بهذا ويقول:
ما في النهار ولا في الليل لي فرح … فما أبالي أطال الليل أم قصرا.
• سمعت أبي يقول سمعت أبا عبد الله المقرى - بالكوفة - يقول قال
стр. 3608
السري بن المغلس قال رجل لديراني: ما بالكم تعجبكم الخضرة؟ فقال: إن القلوب إذا غاصت في بحار الفكرة غشيت الأبصار، فإذا نظرت إلى الخضرة عاد إليها نسيم الحياة.
• حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت أبا بكر بن الباقلاني يقول سمعت أبي يقول سمعت السري يقول: لا يقوى على ترك الشهوات إلا من ترك الشبهات.
• أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السري يقول إني إذا نزلت أريد صلاة الجماعة أذكر مجيء الناس إلي فأقول: اللهم هب لهم عبادة يجدون لذتها تشغلهم بها عني. قال وسمعت السري وقد ذكر الناس قال: لا تعمل لهم شيئا ولا تترك لهم شيئا، ولا تكشف لهم عن شيء. يريد بهذا القول أن تكون أعمالك كلها لله . قال وسمعته يقول: كل من ذكرني بسوء فهو فى حل إلا رجل تعمدني بشيء هو يعلم مني خلافه. قال: وحدثني الجنيد قال سمعت الحسن البزاز يقول: كان أحمد بن حنبل هاهنا، وكان بشر بن الحارث هاهنا، وكنا نرجوا أن يحفظنا الله بهما، ثم إنهما ماتا وبقي السري، وإني أرجو أن يحفظنا الله بالسري. قال وسمعت أبا علي الحسن البزاز يقول: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال أبو عبد الله: أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء؟ قلت: بلى. قال: هو على سيره عندنا قبل أن يخرج. وقد كان السري يعرف بطيب الغذاء وتصفية القوت، وشدة الورع، حتى انتشر ذلك عنه، وبلغ ذلك أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقال:
الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء؟. قال: وحدثني الجنيد قال كان السري يقول لنا ونحن حوله: أنا لكم عبرة، يا معشر الشباب اعملوا فإنما العمل في الشبوبية. وكان إذا جن عليه الليل دافع أوله ثم دافع ثم دافع، فإذا غلبه الأمر أخذ في النحيب والبكاء. قال وسمعت السري يقول: من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر، ولا أحسبني إلا منهم. وسمعت
стр. 3609
السري وذكر له شيء من الحديث فقال: ليس من زاد القبر.
• أسند وسمع من الأعلام والمشاهير، وامتنع من التحديث، ولم يخرج له كثير حديث. روى عن هشيم وسفيان بن عيينة ومروان بن معاوية ومحمد ابن فضيل بن غزوان في آخرين.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد ثنا أبو عبد الله محمد بن عبيد - تلميذ بشر بن الحارث - ثنا السري بن مغلس السقطي ثنا هشيم ثنا عبد الله ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ :
«يمينك على ما يصدقك به صاحبك».
• حدثنا محمد بن علي بن سهل ثنا محمد بن الفضل بن جابر ثنا السري بن مغلس وداود بن عمرو قالا: ثنا مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن المكى عن عبيد بن دفيعة عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ الكفار والمشركون قال رسول الله ﷺ : «استووا حتى أثني على ربي فقال: اللهم لك الحمد كله، لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت». وذكر الدعاء.
• وحدثت عن الحسن بن علي بن شهريار. قال حدثني السري بن المغلس ثنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي: «أن فاطمة بنت قيس قدمت على أخيها الضحاك بن قيس» فذكر حديث الجساسة.
• وحدثت عن الحسن بن علي ثنا السري بن مغلس ثنا ابن فضيل عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولون: هذا الله خلق الخلق فمن خلقه»؟.
• وحدثت عن الحسن بن علي ثنا السري بن مغلس ثنا عبد الله بن ميمون عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ وهو قابض على شيئين فقال: هذا كتاب من الله». وذكر الحديث.
قال الشيخ: إيراد ذكر من أخلصهم الله تعالى بخالص ذكره، وأمدهم بمواد بره، فأطلعهم على مكنون سره، يكثر ويطول، لأن للحق ﵎ في كل قرن وعصر سباقا مشمرين للسباق لما أسمعهم من لذيذ خطابه إذ
стр. 3610
يقول تعالى: ﴿(فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا)﴾ وقد تقدم في استيعاب أسامي بعضهم: أبو سعد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي في كتابه المترجم «بطبقات النساك» فكفى من بعده ممن يعتني بذكرهم وتسميتهم.
وسئلت إيراد تسمية بعضهم بأساميهم مجردا من ذكر أحوالهم وأقوالهم، مقتصرا عليه فاستعنت بالله . ذاكرا أسامي بعضهم ليجمع كتابي ذكرهم وهو خير المعين وبه الحول والقوة.
إبراهيم بن شماس
فممن لم يذكر إبراهيم بن شماس السمرقندي سكن بغداد، بالتعبد الدائم مشهور، وفي المحبة هائم مذكور أسند الحديث.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن على البر بهارى ثنا إبراهيم بن شماس ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن سليمان بن عامر عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أرأيتم ما أعطي سليمان من ملكه فإن ذلك لم يزده إلا تخشعا، وما كان يرفع طرفه إلى السماء تخشعا من ربه».
محمد بن عمرو المغربي
ومنهم محمد بن عمرو المغربي: كان في التعبد بمشاهدة معبوده طاعما وعن مشاركة المتطعمين غائبا.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا إسحاق بن أحمد الفارسي قال سمعت أبا زرعة يقول: كان يأتي على محمد بن عمرو المغربي ثمانية عشر يوما لا يذوق فيها ذواقا، لا طعاما ولا شرابا، ما رأيت بمصر أصلح منه.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا محمد بن يحيى ثنا إبراهيم بن أبي أيوب ثنا محمد بن عمرو المغربي. وكان يأكل في شهر رمضان أكلتين من غير تكلف يأكل في كل خمسة عشر يوما.