← Адаб

Адаб · id 10496

لباب الآداب لأسامة بن منقذ

أسامة بن منقذ

Полный текст (498 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الى رسول الله ﷺ لأزداد من العلم، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟ فقال: يا حرملة، إيت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر إلى الذي تحب أن يقوله القوم من الخير إذا قمت من عندهم فأته، وانظر إلى الذي تكره أن يقوله القوم من الشر إذا قمت من عندهم فاجتنبه. قال حرملة: فلما قمت من عند رسول الله ﷺ نظرت، فاذاهما أمران لم يتركا شيئا من إتيان المعروف واجتناب المنكر» قال رسول الله ﷺ : «أوصيكم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: أوصيكم بالذكر، فان الله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي «١» أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] ؛ وأوصيكم بالشكر، فان الله تعالى يقول: لَئِنْ «٢» شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧] ؛ وأوصيكم بالدعاء، فان الله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ؛ وأنهاكم عن البغي، فان الله تعالى يقول: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس: ٢٣] ؛ وأنهاكم عن المكر، فإن الله تعالى يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] ؛ وأنهاكم عن النكث، فإن الله ﷻ يقول: فَمَنْ «٣» نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠] » . وقال عيسى ابن مريم صلى الله عليه لأصحابه: «إذا اتّخذكم الناس رؤوسا فكونوا أذنابا» . وقال ﵇: «يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالبعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم» . ٨* عن أنس بن مالك ﵁ قال «٤» : «قدم رسول الله ﷺ المدينة

стр. 37

وأنا ابن ثماني سنين، فانطلقت بي أمي إليه، فقالت: يا رسول الله، إنه ليس أحد من الأنصار إلا وقد أتحفك بهدية، وإني لم أجد شيئا أتحفك به غير ابني هذا، فأحب أن أتحفك به، وتقبله مني، يخدمك ما بدا لك. قال أنس ﵁: فخدمت رسول الله ﷺ عشر سنين؛ فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة قط، ولا انتهرني قط، ولا عبس في وجهي قط. وقال: يا بني، اكتم سري تكن مؤمنا. قال: فكانت أمى تألنى عن الشيء من سر رسول الله ﷺ فلا أخبرها به؛ وإن كانت أزواج رسول الله ﷺ ورحمة الله عليهنّ- يسألنى عن سر رسول الله ﷺ فما أخبرهن به؛ وما أنا بمخبر بسر رسول الله ﷺ أحداً حتى أموت. قال: وقال لي: يا بني، عليك بإسباغ الوضوء يزد في عمرك ويحبّك حافظا. يا بني، بالغ في غسلك من الجنابة، فإنك تخرج من مغتسلك وليس عليك ذنب ولا خطية. قلت يا رسول الله، وما المبالغة في الغسل؟ قال: أن تبل أصول الشعر وتنقّى البشر. يا نبىّ، كن إن استطعت أن تكون «١» على وضوء فافعل، فإنه من أتاه ملك الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة. يا بني، إن استطعت أن لا تزال تصلي «٢» فإن الملائكة تصلي عليك ما دمت تصلي. يا بني، إياك والالتفات في الصلاة «٣» فإنه هلكة. يا بني إذا ركعت فارفع يديك عن جنبيك، وضع كفيك على ركبتيك. يا بنيّ، إذا رفعت رأسك من السجود فأسكن كل عضو موضعه، فإن الله لا ينظر يوم القيامة إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه. يا بنيّ، إذا قعدت بين السجدتين فابسط ظهري قدميك على الأرض، وضع أليتيك على عقبيك، فإن ذلك من سنّتي

стр. 38

ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة. لا تقع كما يقعي «١» الكلب، ولا تنقر كما ينقر الديك. يا بنيّ، إذا خرجت من منزلك فلا يقعن بصرك على أحد من أهل القبلة إلا سلمت عليه، فإنك ترجع وقد زيد فى حسناتك. يا بنيّ، إن استطعت أن تُمسي وتصبح وليس في قلبك غش لأحد فافعل، فإنه أهون عليك في الحساب. يا بني، إن حفظت وصيتي فلا يكونن شيء أحب إليك من الموت» وعن أسامة بن زيد رحمهما الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كرهت أن يراه الناس منك، فلا تعمله إذا خلوت» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه «٢» » قيل: مر عيسى بن مريم صلى الله عليه على قوم يبكون على ذنوبهم فقال: «دعوها يُغْفر «٣» لكم» ١١* وعن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وقال: «يا أبا هريرة، اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب «٤» » .

стр. 39

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطه، وإن استعانك فأعنه، وإن استقرضك فأقرضه، وإن دعاك فأجبه، وإن مرض فعده، وإن مات فشيعه، وإن أصابته مصيبة فعزه، ولا تؤذه بقتار «١» قدرك إلا أن تغرف له منها، ولا ترفع عليه البناء لتسد عليه الريح إلا بإذنه» عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني. قال: عليك بتقوى الله، فإنه جِماع كل خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الاسلام؛ وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور في الأرض وذكر لك في السماء؛ واخزن لسانك إلا من خير، فإنه بذاك تغلب الشيطان «٢» » وعن أبي أمية، قال: سألنا أبا ثعلبة الخشني ﵀، فقلنا: كيف نصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥] ؛ فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «نعم؛ ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا يدان لك به، فعليك بنفسك، ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر «٣» فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن

стр. 40

كأجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله «١» » وعن عبد العزيز «٢» قال: أوحى الله سبحانه إلى داود ﵇: «يا داوود، اصبر على المؤونة، تأتِك المعونة» وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات «٣» » . وعن ابن عباس ﵁ قال، قال موسى ﵇: «يا ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته. قال: فأيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً. قال: يا ربِّ، فأي عبادك أحكَم؟ قال: الذي يحكم على نفسه بما يحكم على الناس» وعن معاذ بن جبل ﵁: «أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن مشى معه أكثر من ميل يوصيه قال: يا معاذ، أوصيك بتقوى الله العظيم، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، وخفض الجناح، ولين الكلام، ورحمة اليتيم، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة. يا معاذ، لا تُفسد أرضاً، ولا تشتم مسلماً، ولا تصدق كاذباً، ولا تَعْصِ إماماً عادلاً. يا معاذ، أوصيك بذكر الله عند كل شجر وحجر، وأن تحْدِثْ لكل ذنبٍ توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية. يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي. يا معاذ، إني لو أعلم أنّا لو نلتقي لقصرت لك من

стр. 41

الوصية، ولكني لا أرانا «١» نلتقي إلى يوم القيامة. يا معاذ، إن أحبَّكم إليّ من لقيني يوم القيامة على مثل الحالة التي فارقني عليها» قال أبو موسى العطار: حدثني رجل قال: «رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، أوصني. فقال: من اعتدل يوماه «٢» فهو مغبون، ومن كان غده شراً من يومه، فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في نقصان، فالموت خيرٌ له» عن عقبة بن أبي الصَّهباء قال: لما ضرب ابن ملجم- لعنة الله- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه دخل عليه الحسن رضوان الله عليه- وهو باكٍ- فقال: ما يبكيك يا بني؟ قال: وما لي لا أبكي، وأنت في أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا؟! قال: يا بني، احفظ عني أربعاً وأربعاً، لا يضرك ما عملت معهن. قال: وما هن يا أبَه؟ قال: «أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العُجب، وأكرم الحسب حسن الخُلق» . قال: يا أبَهْ هذه الأربع فأعطني الأربع. قال: «يا بني، إياك ومصادقة الكذاب؛ فإنه يقرّب عليك البعيد «٣» ، ويبعد عليك القريب. وإياك ومصادقة الأحمق؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. وإياك ومصادقة البخيل؛ فإنه يعقد عنك أحْوج ما تكون إليه. وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك «٤» بالتافه «٥» »

стр. 42

وقال محمد بن علي «١» رضوان الله عليهما لابنه: يا بني، لا تكْسَلْ، فإنك إن كسِلتَ لم تؤدِّ حقاً؛ ولا تضجر، فإنك إن ضجِرت لم تصبر على حق؛ ولا تمتنع من حقٍ، فإنه ما من عبد يمتنع من حق إلا فتح الله عليه باب باطل فأنفق فيه أمثاله. قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن؛ ومن كتم سره كانت الخيرة بيده. وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه. ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من امرىء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير مخرجاً «٢» ؛ وعليك بإخوان الصدق فَكِسْ «٣» في اكتسابهم، فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء. ولا تهاون في الحلف بالله فيهينك. وعليك بالصدق ولو قتلك، ولا تعتز إلى من لا يغنيك «٤» ؛ واعتزل عدوك؛ واحذر صديقك إلا الأمين: والأمين من خشي الله تعالى. ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك فيفضحك. وتخشَّع عند القبور؛ وآخ الإخوان على قدر التقوى؛ ولا تستعن على حاجتك من لا يحب نجاحها لك؛ وشاور في أمرك الذين يخافون الله » ومن عجيب الوصايا ما روي عن قتادة قال: أخبرني محمد بن ثابت بن قيس ابن شماس الأنصاري ﵀، قال: «كان ثابت بن قيس رجلاً «٥» جهير

стр. 43

الصوت، يحب الجمال والشرف، وكان قومه قد عرفوه بذلك. فلما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] انصرف ثابت بن قيس بن شماس ﵀ من عند النبي ﷺ وهو ينتحب؛ فدخل بيته وأغلق عليه وطفق يبكي، ففقده رسول الله ﷺ فسأل عنه بشير بن سعد ﵀ فأخبره خبره. فأرسل إليه النبي ﷺ فسأله عن أمره، فقال: أنزل الله تعالى عليك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وأنا أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي. فقال رسول الله ﷺ : إنك لست منهم. إنك تعيش بخير، وتموت بخير وتدخل الجنة. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ خرج من بيته، وسرّ بما قاله رسول الله ﷺ . فلما أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [الحجرات: ٢] «١» رجع ثابت ابن قيس بن شماس ﵀ إلى بيته ينتحب؛ فدخل بيته وأغلق عليه. فافتقده رسول الله ﷺ فسأل عنه أبا مسعود الأنصاري «٢» ﵀ فأخبره خبره. فأرسل إليه رسول الله عليه ﷺ فسأله، فقال: إن الله أنزل عليك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ وأنا جهير الصوت، فأخاف أن يكون قد حبِط عملي. فقال رسول الله ﷺ : لست منهم، إنك تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، ويدخلك الله الجنة. فكان ثابت ﵀ يتوقع الشهادة في حياة رسول الله ﷺ فلم يرزقها. فلما قُبض رسول الله ﷺ وارتدَّت العرب، وبعث أبو بكر الصديق- رضوان الله عليه- خالد بن الوليد

стр. 44

رضي الله عنه إلى اليمامة «١» ، انتدب «٢» ثابت بن قيس بن شماس، فعقد له أبو بكر الصديق ﵁ لواءً على الأنصار ﵃. ثم سار مع خالد إلى أهل الردة، فشهد وقعة طُلَيحة بن خويلد «٣» وأصحابه، ثم شهد اليمامة، فلما رأى انكشاف المسلمين، قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ﵃: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ، فحفرا لأنفسهما حفرتين وقاما فيهما «٤» - مع سالم مولى أبي حذيفة راية المهاجرين، ومع ثابت بن قيس راية الأنصار- حتى قتلا ﵄، وعلى ثابت درع له نفيسة كانت لآبائه، فمر به رجل من الضاحية «٥» فأخذها عنه، وهو قتيل ﵀، فأري بلال بن رباح- ﵀ ثابت بن قيس يقول له في منامه: إني أوصيك بوصية، فإياك ان تقول هذا حلم فتضيعها. إني لما قتلت بالأمس جاء رجل من ضاحية نجد، وعليّ درعي فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمةً، وجعل على البرمة رحلاً، وخباؤه في أقصى العسكر، إلى جانب خبائه فرس يستن في طوله «٦» . فأْتِ خالد بن الوليد فخبِّره، فليبعث إلى درعي فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأخبره أن عليّ من الدين كذا، ولي من الدين كذا؛ وسعد ومبارك غلاماي حرَّان: فإياك أن تقول هذا حلم فتضيِّعه. فلما أصبح بلال ﵀ أتى خالداً ﵀ فخبره الخبر؛ فبعث خالد نفراً إلى الدرع فوجدوها كما قال، فلما قدم بلال ﵀ المدينة، أتى أبا بكر الصديق رضوان الله عليه فأخبره

стр. 45

بوصية ثابت بن قيس بن شماس ﵀ فأجازها. فلا نعلم أحداً من المسلمين أُجيزت وصيته بعد موته على هذا الوجه إلا ثابت بن قيس بن شماس ﵀» «١» . عن الشعبي عن ابن عباس ﵄، قال: قال لي أبي: إني أرى أمير المؤمنين- يعني عمر بن الخطاب رضوان الله عليه- يدنيك دون أصحاب محمد ﷺ ، فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجرّبَنَّ عليك كذباً، ولا تغتابنَّ عنده أحداً، ولا تفشينَّ له سراً. قال: فقلت: يا أبا عباس «٢» كل واحدة خير من ألف دينار، قال: كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف دينار «٣» . قال عبد الله بن الحسن بن الحسين «٤» رضوان الله عليهم لابنه محمد ﵁: يا بني، احذر مشهورة الجاهل وإن كان ناصحاً، كما تحذر العاقل إذا كان عدواً؛ فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته في بعض اغتراره «٥» ، فيسبق إليك مكروه فكر العاقل. وإياك ومعاداة الرجال، فإنها لن تعدِّيك مكرَ حليم أو مفاجأة جاهل. كتب إلى عبد الله بن الحسن ﵄ صديقٌ له: أوصيك بتقوى الله ، فإنه جعل لمن اتقاه من عباده المَخْرَجْ مما يكره، والرزق من حيث لا يحتسب. دخل كعب الأحبار يوماً على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فأمره بالجلوس إلى جانبه، فتنحَّى «٦» كعب قليلاً، فقال له عمر: ما منعك من

стр. 46

الجلوس إلى جانبي؟ قال: يا أمير المؤمنين، وجدت في حكمة لقمان مما أوصى به ابنه أن قال له: يا بني، إذا قعدت إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجلٍ، فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك، فيريد أن تنحَّى «١» له عن مجلسك، فيكون ذلك نقصاً عليك وشيناً. قال المدائني: قال زيد بن علي ﵄ لأصحابه: أوصيكم بتقوى الله، فإن الموصي «٢» بها لم يدخر نصيحة، ولم يقصر في الإبلاغ. فاتقوا الله في الأمر الذي لا يفوتكم منه شيء وإن جهلتموه؛ وأجملوا في الطلب، ولا تستعينوا بنِعَم الله على معاصيه. وتفكروا وأبصروا: هل لكم قِبَلَ خالقكم من عمل صالح قدَّمتموه فشكره لكم؟ فبذلك جعلكم لله تعالى أهل الكتاب والسنة، وفضلكم على أديان آبائكم. ألم يستخرجكم نُطفاً من أصلاب قوم كانوا كافرين، حتى بثكم في حجور أهل التوحيد، وبث من سواكم في حجور أهل الشرك؟ فبأي سوابق أعمالكم طهَّركم؟ إلا بمنّه وفضله الذي يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. كان أبو الدرداء ﵁ يقول لأصحابه: لا تكلفوا «٣» من أمور الناس ما لم تُكلَّفوا «٤» ، ولا تحاسبوهم دون ربهم تعالى. ابن آدم، عليك نفسك: فإنه من يُكثِر تتبُّع الناس لما يرى في أيديهم يطل حزنه، ويكثر فكره، ولا يُشْفَى «٥» غيظه. قال معاذ بن جبل ﵁ في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينتظمه انتظاماً، ويزول «٦» معك حيث مازلت.

стр. 47

عن الأحنف بن قيس ﵀ قال، قال لي عمر رضوان الله عليه: يا أحنف، من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح استخف به، [ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثُر كلامه كثُر سقطُه، ومن كثُر سقطُه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه] «١» لا تله عن أمر وهَى منه جانب ... فيتبعه في الوَهْيِ- لا شكَّ- سائره إذا طَرَفٌ من حَبْلك انحَلَّ صدرُه ... تداعت وشيكَا بانحلالٍ مرائره «٢» وقال آخر «٣» : اقضِ الحوائجَ ما استطعت، وكُنْ لهمِّ أخيك فارِجْ فَلَخَيْرُ أيامِ الفتى يومٌ قَضى فيه الحوائجْ كتب بعض الحكماء إلى أخ له: أما بعد، فاجعل القنوع ذخراً تبلغ به إلى أن يفتح باب يحسن بك الدخول فيه؛ فإن الثقة من القانع لن تخذل، وعون الله سبحانه مع ذي الأناة. وما أقرب الصنع من الملهوف! وربما كان الفقر نوعاً من آداب الله ، وخيرةً في العواقب. والحظوظ مراتب. فلا تعجل على ثمرة لم تُدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبة. والمدبر لك أعلم بالوقت الذي تصلح فيه لما توصل [به] «٤» ؛ فثق بخيرته لك في الأمور كلها. وقال المهلَّب بن أبي صفرة ﵀ لولده: إذا سمع أحدكم العوراء فليتطأطأ لها تخطَّه.

стр. 48

قال أبو حازم ﵀: رأيت الدنيا شيئين: لي ولغيري: فما كان لغيري فلا سبيل إليه، وما كان لي فلو جهدت لم أقدر عليه قبل وقته. ففيم أتعب نفسي؟ قال المدائني: لقي رجل راهباً فقال له: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال. يُخلِق الأبدان، ويُجدِّد الآمال، ويُقرِّب المَنيّة. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. قال: فما المغني؟ قال: قطع الرجاء. قال: فأي الأصحاب آثر وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: فأيهم أضرَّ وأردى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال: وما هو؟ قال: ترك الراحة وبذل المجهود. قال: أوصني، قال: قد فعلت «١» عن الشعبي قال: قلت لابن هبيرة: عليك بالتُؤَدة فإنك على رد ما لم تفعل أقدر منك على رد ما فعلتَ. عن العتبي، قال: حدثني بعض علماء الفرس أن أردشير قال لابنه: يا بني، إن المُلك والدِّين أخوان، ولا غِنى بأحدهما عن صاحبه، ولا قوِام له إلا به. الدين أُسٌ، والمُلك حارس؛ فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. يا بني، اجعل مرتبتك «٢» مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين، وسرك لمن يعنيه ما عناك من أهل العقل «٣» . وعن سعد بن عبد العزيز ﵀ «٤» قال: من أحسن فليرجُ الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزاً بغير حق أورثه الله تعالى ذلاً بحق، ومن جمع مالاً بظلم أورثه الله فقرا بغير ظلم.

стр. 49

ووصى حكيم ابنه فقال: يا بني، إن المُدْبِر لا يوفَّق لطرق المراشد. فإياك وصحبة المدبر؛ فإنك إن صحبته علق بك إدباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتبعت نفسك آثاره. وقال الحكيم: من التوفيق حفظ التجربة. وقال بعض العلماء: صُنْ عفتك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك «١» بمجانبة الخيلاء، وجهدك بالإجمال في الطلب. كتب حكيم إلى حكيم: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن لم يحلم ندم، ومن صبر غنيم، ومن خاف رحِم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم. قال أنو شروان لابنه: يا بني، إن من أخلاق الملوك العز والأنفة. وإنك ستُبلى بمداراة أقوام، وإن سَفَهَ السفيه ربما تُطْلَعُ «٢» منه فإن كافأته بالسفه فكأنك رضيت بما أتى. فاجتنب أن تحتذي على مثاله، فإن كان سفهه عندك مذموماً فحقِّق ذمَّك إياه بترك معارضته بمثله. عن عطاه بن مسلم الخَفَّاف قال، قال لي سفيان ﵁ «٣» : يا عطاء، احذر الناس، وأنا فاحذر بي. فلو خالفت رجلاً في رمَّانة، قال: حامضة، وقلت: حلوة؛ أو قال «٤» : حلوة، وقلت: حامضة-: لخشيت أن يشيط بدمي. «٥» أوصى رجل ابنه فقال: إن وصيتي مع وصية الله لهجنة، وإنّ

стр. 50

في التذكرة لَيقظة، وعَوْدُ الخير محمود. وأنا أسترعي لك- بعد وفاتي- الذي أحسن إليك في حياتي. تحرَّ في كل أمرك طاعة الله تنجك، وإيّاك والأخرى فتُردك «١» . وابذل لِجِلَّةِ الناس إكرامَك تنصرف إليك أبصارهم، وابذل لسائرهم بشْرَك يطِبْ ذكرُك في أفواههم. وأصلِح بكلِّ الأدب «٢» لسانك، واستعمل في إصلاحها بدنك؛ فإن الأدب أول مدلول به على عقلك. وأوصى بعض الحكماء بنيه فقال: أصلحوا ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة فيستعير من أخيه ثوبه، ومن صديقه دابته، ولا يجد من يعيره لسانه. قال الصولي: كاتبت أبا حنيفة ﵀ «٣» فأغفلت التاريخ، فكتب إلي. وصل كتابك مبهم الأوان، مظلم البيان، فأدى خبراً ما القرب فيه بأولى من البعد منه. فإذا كتبت- أعزك الله- فلتكن كتبك موسومة بالتاريخ، لأعرف أدنى آثارك وأقرب أخبارك قال أبو العيناء: سمعت الحسن بن سهل يقول: من أحبَّ الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند السلطان فليعظه، ومن أحب بقاء عزه فليتواضع، ومن أحب السلامة فليدم الحذر. قال لقمان لابنه: إياك وصاحب السوء، فإنه كالسيف المسلول: يعجب منظره، ويقبح أثره، ولا يهوننَّ عليك من قبح منظره ورثّ لباسه، فإن الله تعالى إنما ينظر إلى القلوب ويجازي بالأعمال.

стр. 51

كان قسّ بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره، فقال له: يا قس، ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه قال: فما أفضل المروءة؟ «١» قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل المال؟ قال ما قضي به الحق «٢» . لما حضرت أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- الوفاة دعا عثمان بن عفان، رضوان الله عليه، وقال: اكتب. بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافة، في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها؛ حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدِّق الشاك المكذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً. فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكلّ امرىء ما اكتسب، والخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧] والسلام عليكم ورحمة الله. «٣» روي أن عمر- رضوان الله عليه- أوصى ابنه عبد الله عند الموت، فقال: عليك بخصال الإيمان. قال: وما هنَّ يا أبَه؟ قال: الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردْغًة الخَبَال «٤» . قال [فقال] : وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر..... «٥» وقال: إذا قبضت فغمضني، واقتصد

стр. 52

في الكفن، ولا تخرجن معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس فيّ، فإن الله تعالى [هو] أعلم بي. وأسرعوا بي في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خيرٌ قدَّمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شراً [تحملونه] . لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمداً فقال له «١» : يا بني، أرى داعي الموت لا يقلِع، ومن مضى منَّا لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزِع، وليس أحد عليه بممتنع «٢» ؛ وإني أوصيك- يا بني- بوصية [فاحفظها] : عليك بتقوى الله [العظيم] ، وليكن أولى الأمور بك الشكر لله «٣» وحسن النية «٤» في السر والعلانية. واعلم بأنّ الشاكر مزاد «٥» ، والتقوى خبر زاد. وكن- يا بني- كما قال [الحطيئة] : ولست أرى السعادة جمع مالٍ، ... ولكن التقيَّ هو السعيدُ وتقوى الله خير الزاد ذخراً، ... وعند الله للأتقى مزيدُ وما لا بد أن يأتي قريبٌ ... ولكن الذي يمضي بعيدُ ثم قال: يا بني، لا تزهدن في معروف؛ فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب. فكم «٦» من راغب كان مرغوباً إليه، وطالب قد أصبح «٧» مطلوباً مالديه. واعلم بأن «٨» الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى «٩» الهوان. وكن كما قال أخو بني الدئل «١٠» [أبو الأسود الدؤلى] :

стр. 53

وعَدِّدْ «١» من الرحمن فضلاً ونعمةً ... عليك، إذا ما جاء للخير «٢» طالبُ وإن امرأً «٣» لا يرتجى الخير عنده ... يكن هيِّناً ثِقْلاً على من يصاحبُ فلا تمنعنْ ذا حاجة جاء طالباً؛ ... فإنك لا تدري متى أنت راغبُ رأيتُ تصاريف الزمان بأهله «٤» ... وبينهم فيه تكون النوائبُ ثم قال: يا بني، كن جواداً بالمال في مواضع الحق، بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق؛ فإن أحمد جود الحر «٥» الإنفاق في وجوه «٦» البر؛ [وإن أحمد بخل الحر] ، الضَن بمكتوم السر «٧» ، وكن- يا بني- كما قال [قيس بن] الخطيم [الأنصاري] : أجود بمضنون التلاد وإنني ... بسرك «٨» عمن سالني لضنين إذا جاوز الاثنين سرٌ، فإنه ... بنَثٍّ «٩» وتكثير الحديث قمينُ وإن ضيَّع الإخوان «١٠» سراً فإنني ... كتوم لأسرار العشير «١١» أمينُ «١٢» وعندي له يوماً إذا ما ائتُمِنتهُ ... مكانٌ بسوداءِ الفؤاد مكينُ ثم قال: يا بني، وإن غلبت يوماً عن المال فلا تدع الحيلة بكل مكان «١٣» ؛ فإن الكريم محتال، واللئيم مغتال «١٤» . وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً-: أقل ما تكون في الباطن مالاً. واعلم أن الكريم من كرمت عند الحاجة

стр. 54

طبيعته [وظهرت عند الإنفاد نعمته] وكن كما قال الشاعر [ابن خذّاق العبدي] : [وجدتُ أبي قد أورثه أبوهُ ... خلالاً قد تعدُّ من المعالي] فأكرمُ «١» ما تكون عليَّ نفسي ... إذا ما قل في الأزمات مالي [فتحسن سيرتي، وأصون عِرْضي ... ويجمُلُ عند أهل الرأي حالي] فإن نلت الغنى لم أغلُ فيه ... ولم أخصُصْ بجفوتي الموالي ثم قال: يا بني، وإن سمعت كلمةً من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، [فإنك] إن «٢» أمضيتها حيالها «٣» ، وقع العيب على من قالها. وقد كان يقال: إن الأريب العاقل هو الفطن المتغافل. وكن كما قال حاتم الطائي: وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت، فقلتُ: مرّي فانفذيني فعابوها عليَّ ولم تعِبْني ... ولم يعْرَق لها يوماً جبيني وذو اللونين «٤» يلقاني طليقاً ... وليس «٥» إذا تغيَّب يأتليني «٦» بصُرْتُ بعيبهِ فكفَفْتُ عنه «٧» ... محافظةً على حسبي وديني ثم قال: يا بني، لا تواخِ أخاً حتى تعاشره وتعرف أمره، وتتفقد موارده ومصادره؛ فإذا استطبت العشرة، ورضيت الخِبرة، فآخه «٨» على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة «٩» . وكن- يا بني- كما قال [المقنَّع] الكندي:

стр. 55

أُبْلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءهم ... وتوسَّمَنَّ فَعَالهم «١» وتفقَّدِ فإذا «٢» ظفرتَ بذي الأمانة والتُّقى ... فَبِهِ اليَدَيْنِ- قريرَ عَيْنٍ- فاشْدُدِ وإذا رأيتَ «٣» - ولا محالةَ- زلَّةً ... فعلى أخيك بفضلِ حِلْمِكَ فارْدُدِ ثم قال: يا بني، وإذا أحببت حبيباً فلا تفرط، وإذا أبغضت بغيضاً فلا تشطط، فإنه قد قال أمير المؤمنين رضوان الله عليه «٤» : «أحبب حبيبك هو نامّا، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما «٥» » . وكن كما قال الشاعر [هدبة بن الخشرم العذري] : وكنْ معقِلاً للخير، واصفحْ عن الخَنَى «٦» ... فإنك راءٍ- ما حييتَ «٧» - وسامعُ وأحبِبْ- إذا أحببت- حباً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت نازعُ وأبغض- إذا أبغضت- بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى الود «٨» راجع وعليك- يا بني- بصحبة الأخيار وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار [فإنه عار] . وكن كما قال الدارمي: صاحب «٩» الأخيار وارغب فيهم ... رُبَّ من صاحبته مثلُ الجَرَبْ [ودَع الناس فلا تشتمهم، ... وإذا شاتمت، فاشتم ذا حسبْ إن من شاتم وغداً كالذي ... يشتري الصفرَ بأعيان الذهب]

стр. 56

وأصدق الناس إذا حدّثتهم ... ومدع الكذب فمن شاء كذبْ «١» رُبَّ مهزولٍ سمينٌ عِرْضُه ... وسمينِ الجسم مهزولُ الحسَبْ ثم قال: يا بني، وإذا آخيت فآخ من يعد لنوائب الزّمان. وعليك بذوي الألباب الذين ثقفتهم «٢» الآداب، ووثَّقتهم الأحساب، فإنهم أطيبُ مختبر، وأكرم محْتضر، وأعذب معتصر. واحذر إخاء كلِّ جهول، وصحبة كل عجول؛ فإنه لا يغفر الزَّلَة، وإن عرف العلَّة، سريعٌ «٣» غضَبه، عالٍ لهبه، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، يرى ما يعطيك غُرماً، وما يأخذ منك غُنْماً «٤» ؛ فهو يرضيك، ما طمع فيك؛ فإذا يئس من خيرك، مال إلى غيرك. وفي مثله يقول الشاعر «٥» : لا تواخ- الدهر- جِبْساً راضعاً ... مُلْهَبَ «٦» الشرّ، قليل المنفعهْ ما ينلْ منك فأحلى مغنمٍ ... ويرى ظرفاً به أن يمنعهْ «٧» يسألُ الناس ولا يعطيهمُ ... ثكِلتْهُ أُمُّهُ، وما أطمَعَهْ «٨» ! ثم قال: يا بني، من عتب على الزمان، وتتبع عثرات الإخوان، قطعهُ صديقه، وملَّه رفيقه، واحتماه الأهلون، وظفر به الشامتون، ومن سار في البلاد ثمَّر المراد. وطالب «٩» الكفاف- بالقناعة والعفاف-: يعيش حميداً، ويموت فقيداً. وقد قال النابغة «١٠» :

стр. 57

إذا المرء لم يطلُب «١» معاشاً لنفسِه ... شكا الفقر، أو لام «٢» الصديق فأكثرا وصارَ على الأدنينَ كلاًّ، وأوشكتْ ... صلاتُ ذوي القربى له أن تنكَّرا فسرْ في بلاد الله والتمسِ الغنى، ... تعِشْ ذا يسارٍ أو تموتَ فتُعذرَا وما طالبُ الحاجاتِ في كل وجهة «٣» ... من الناس، إلا من أجدَّ وشمَّرا «٤» ولا ترْضَ «٥» من عيشٍ بدونٍ، ولا تنمْ ... وكيف ينامُ الليلَ من باتَ مُعْسِرا «٦» ؟ ثم قال: وليكن إخوانك وأهل بطانتك أولِي الدين والعفاف، والمروءات والأخلاق الجميلة؛ فإني رأيت إخوانَ المرء يده التي يبطش «٧» بها، ولسانه الذي يصول به، وجناحه الذي ينهض به. فاصحب هؤلاء تجدهم إخواناً، وعلى الخير أعواناً. واجتنب الصِّغار الأخطار، اللئام الأقدار، الذين لا يحامون على حسب، ولا يرجعون إلى نسب، ولا يصبرون على نائبةٍ، ولا ينظرون في عاقبةٍ؛ فإنهم إن رأوك في رخاءٍ سألوك، وإن رأوك في شدةٍ أسلموك؛ ولعلهم أن يكونوا عليك مع بعض الأعداء. واعلم بأن الرجل بلا خدِين، كذي الشِّمال بلا يمين. واخلِطْ نفسك مع الأبرار، وطهرها من الفجَّار، فالمرء يُعرف بقرينه. وقد قال الشاعر «٨» : وقارن- إذا قارنتَ- حراً، فإنما ... يزينُ ويُزري بالفتى قرناؤه

стр. 58

ولن يهلك الانسانُ إلا إذا أتى ... من الأمر [ما لم يرضهُ نُصَحَاؤهُ] «١» إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُ ... ولا خيرَ في وجه إذا قلَّ ماؤُهُ ثم قال: يا بني، قد جمعت لك مصالح نفسك، فاستفتح الله بمسامع عقلك؛ وتفهَّم ما وصفت لك بالتجارب، تحُزْ «٢» صلاح العواقب. واعلم أن من حاسب نفسه تورَّعْ، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم؛ وفي التواني تكون الهلكة، وفي التأني السلامة. وزارع البر يحصد السرور. والقليل مع القناعة في القصد، خير من الكثير مع السرف في المذلة. والتقوى نجاة، والطاعة ملك؛ وحليف الصدق موفق، وصاحب الكذب مخذول؛ وصديق الجاهل تعب، ونديم العاقل مغتبط. فإذا جهلت فسلْ، وإذا ندمت فأقلع، وإذا غضبت فأمسك. ومن لاقاك بالبشر فقد أدّى إليك الصنيعة، ومن أقرضك الثناء فاقضِهِ الفضل. وضع- يا بني- الصنائع عند الكرام ذوي الأحساب، ولا تضعَنَّ معروفك عند اللئام فتضيعه، فإن الكريم يشكرك ويرصدك بالمكافأة، وإن اللئيم يحسب ذلك حتماً، ويؤول أمرك معه إلى المذلة. وقد قال الشاعر: إذا أوليتَ معروفاً لئيماً ... فعدَّك قد قتلتَ له قتيلا فعُدْ- من ذاك- معتدراً إليه ... وقلْ: «إني أتيتك مستقيلا فإن تغفر فمجترمٌ عظيمٌ ... وإن عاقبت لم تظلم فتيلا» وإن أوليت ذلك ذا وفاءٍ ... فقد أودعته شكراً طويلا

стр. 59

لما حضرت المهلب بن أبي صفرة ﵀ الوفاة، قال لولده وأهله: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم: فإن تقوى الله تعقب الجنّة؛ وإن صلة الرّحم تنسىء الأجل، وتثري المال، وتجمع الشمل، وتكثر العدد وتعمر الديار، وتعز الجانب. وأنهاكم عن معصية الله تعالى، فإن معصية الله تعقب النار؛ وإن قطيعة الرحم تورث الذلة والقلة، وتقل العدد، وتفرّق الجمع، وتذر الديار بلاقع، وتذهب المال، وتطمع العدو، وتبدي العورة. يا بنيّ، قومك قومك: إنه ليس لكم فضل عليهم، بل هم أفضل منكم، إذ فضلوكم وسودوكم، أوطؤا أعقابكم، وبلغوا حاجتكم فيما أردتم وأعانوكم؛ فإن طلبوا فأطلبوهم، وإن سألوا فأعطوهم، وإن لم يسلوا فابتدئوهم، وإن شتموا فاحتملوهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم ولا تغلق دونهم. يا بني، إني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله. يا بني، اتقوا الجواب، وزلة اللسان: فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من زلته وينتعش منها سوياً، ويزل لسانه فيوبقه ويكون فيه هلكته. يا بني، إذا غدا عليكم رجل وراح فكفى بذلك مسألة وتذكرة بنفسه. يا بني، ثيابكم على غيركم أجمل منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أجمل منها تحتكم. يا بني، أحبوا المعروف، وأنكروا المنكر واجتنبوه؛ وآثروا الجود على البخل؛ واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك،

стр. 60

ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه في احتماله لها وشكره، والوفاء منه لصاحبها؟ يا بني، سودوا أكابركم، واعرفوا فضل ذوي أسنانكم؛ وارحموا صغيركم وقربوه وألطفوه، وأجبروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم؛ ثم خذوا على أيدي سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم بما قدرتم عليه؛ واصبروا للحقوق ونوائب الدهور؛ واحذروا عار غدٍ؛ وعليكم في الحرب بالأناة والتؤدة في اللقاء، وعليكم بالتماس الخديعة في الحرب لعدوكم؛ وإياكم والنزق والعجلة، فإن المكيدة والأناة والخديعة أنفع من الشجاعة والشدة. واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان اللقاء، نزل القضاء المبرم. فإن ظفر المرء وقد أخذ بالحزم قال القائل: قد أتى الأمر من وجهه؛ وإن لم يظفر قال: ما ضيَّع ولا فرَّط، ولكن القضاء غالب. يا بني، الزموا الحزم على أي الحالين وقع الأمر؛ والزموا الطاعة والجماعة؛ وتواصلوا وتوازروا وتعاطفوا، فإن ذلك يثبت المودة، وتحابوا؛ وخذوا بما أوصيكم به بالجد والقوة، والقيام به والتعهد له، وترك الغفلة عنه، تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوة إلا بالله. يا بني، وليكن أول ما تبدؤن «١» به أنفسكم إذا أصبحتم تعلم «٢» القرآن والسنن، وأداء الفرائض؛ وتأدبوا بأدب الصالحين من قبلكم من سلفكم؛ ولا تقاعدوا أهل الدعارة «٣» والريبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعن في ذلك منكم. وإياكم والخفة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه. وأدوا حق الله

стр. 61

تعالى عليكم؛ فإني قد أبلغت إليكم في وصيتي، واتخذت الله حجة عليكم. وتوفي بمرْوٍ الروذ بعد ولاية خراسان أربع سنين. وفيه يقول نهار بن توسعة [التميمي] : ألا ذهب الغزو المقرِّبُ للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلَّبِ أقاما بمرو الروذ رهن ترابه «١» ... وقد غيبا عن كل شرقٍ ومغربِ قال الشاعر من وصية عبد الملك بن مروان لبنيه: انفوا الضغائن والتخاذل عنكمُ ... عند البعيد، وفي الحضور الشُهَّدِ بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مدَّ في عمري وإن لم يمددِ فَلِمثل ريب الدهر ألفةُ بينكم ... بتواصلٍ وتراحمٍ وتوددِ وانفوا الضغائن والتخاذل عنكم ... بتكرم وتوسع وتغمدِ «٢» حتى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسودٍ منكم وغير مسودِ إن القداحَ إذا اجتمعنَ فرامَها ... بالكسْرِ ذو بطشٍ شديد أيِّدِ «٣» -: عزَّتْ فلم تُكْسر؛ وإن هي بدِّدَتْ ... فالوهنُ والتكسيرُ للمتبددِ وقال آخر: وادنُ ليدنو منك مَنْ كان نائياً ... وَشُبْ منك بعض اللين والبذل في العُدْمِ تنلْ بارتجاءِ القوم والخوف طاعةً ... فتوصف في التدبير بالحزم والعزمِ وقال آخر: نظيرك لا تُظهر عليه تطاولاً ... فتملأَ ضِغْناً صدره بالتّطاول

стр. 62

ولكن له لِنْ، وارعَ- إن كنت راعياً- ... له الحق وارمم حاله بالنوافلِ «١» وقال آخر: ولا تهدمنَّ بنيان من قد وجدتهُ ... بنى «٢» لك بنياناً، وكن أنت بانيا وقال آخر: ولا تأمننَّ الدهر حراً وترتَهُ «٣» ... ولا تحسبنه ليله «٤» عنك نائما

стр. 63

٢- باب السياسة [مما ورد فى الكتاب العزيز] من سورة آل عمران: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [١٥٩] ومن سورة حم السجدة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٣٣] وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [٣٤] وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [٣٥] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٣٦] . ومن سورة حم عسق: فَلِذلِكَ فَادْعُ، وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [١٥] . ومن سورة المزمل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [٨] رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [٩] وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا [١٠] .

стр. 64

ومن الأحاديث ١٨* عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يومٌ من إمام عدل خيرٌ من عبادة ستين سنة، وحدٌ يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحاً «١» » . ١٩* وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من رفق بأمتي رفق الله تعالى به، ومن شق على أمتي شق الله عليه «٢» » . ٢٠* وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من الناس أعظم أجراً من وزير صالح مع سلطان يأمره بذات الله فيطيعه» . ٢١* وعن أبي رجاء العطاردي ﵀ قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالي العادل المتواضع ظلُّ الله في أرضه، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله حشره الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله، ومن غشه في نفسه وفي عباد الله خذ له الله يوم القيامة. ويرفع للوالي العادل المتواضع في كل يوم وليلة عمل ستين صديقاً كلهم عابد مجتهد في نفسه» . ٢٢* وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الناس إلى الله وأقربهم منه مجلسا-: الإمام العادل «٣» » .

стр. 65

وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة درجة* ٢٣ لا ينالها إلا ثلاثة: إمامٌ عادلٌ، وذو رحم وصول، وذو عيال صبور. فقال علي رضوان الله عليه: وما صبر ذي العيال؟ قال: لا يمن على أهله بما أنفق عليهم» . وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، * ٢٤ عدل ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها. يا أبا هريرة، جور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة «١» » . وعن عبد الله بن مغفلٍ ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله* ٢٥ رفيق يحبّ الرّفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف «٢» » وقال زياد بن أبيه: جمال الولاية شدة في غير إفراط، وأيمنٌ في غير إهمال. وقال معاوية ﵀ لعمرو بن سعيد: ما بين أن تملك الملك رعيته وبين أن يملكها إلا الحزم والتواني. وعن المدائني قال: قال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبه، ما السياسة؟ قال: هيبة الخاصة مع صدق محبتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصّنائع فإن شكرها أقرب للأيدي منها «٣» .

стр. 66

وقالت عائشة أم المؤمنين ﵂: من أراد الله به خيراً جعل الله له وزير صدقٍ صالحاً؛ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه «١» . عهد بعض الملوك إلى وصية فقال: كن بالحق عمولاً قؤولا، وعما جهلت سؤولا، وافحص عن الأمور تنجل «٢» ، واستبطن «٣» أهل التقوى وذوي الأحساب، تزن نفسك وتحكم أمرك. وإياك وقبول التزكية فيما لا تشكّ أنك فيه مكذوب، فإنها خدعة تتبعها صرعة. ولا تختص بسرك إلا من يكتمه، ولا تول أمرك إلا من يهمه، ولا تثق برجل تتهمه، ولا تعود لسانك الخنا وكثرة التألي «٤» ، ولا تكلف نفسك مالا تقوى عليه، وإذا هممت بخير فعجله، وإذا هممت بخلافه فتأن فيه، وارحم ترحم. وعهد آخر إلى وصية فقال: اتق من فوقك، يتقك من تحتك؛ وكما تحب أن يفعل بك فافعل برعيتك، وانظر كل حسنٍ فالزمه واستكثر من مثله، وكل قبيح فارفضه؛ وبالنصحاء يستبين «٥» لك ذلك، وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب. ولا تستنصح غاشا، ولا تستغش ناصحاً؛ فربما غش العاقل إذا وتر أو حرم أو كان ضعيف الورع. ولكل طبقة مهنة، وكل ذي علم بأمر فهو أولى به. وإنما رأيت آفة الملوك في ثلاثة أمور، فاحسم عنك واحداً وأحكم اثنين-: اتباع الهوى، وتولية من لا يستحق، وطي أمور الرعية عن الراعي، فإنك إن ملكت هواك لم تعمل إلا بالحق، وإن وليت المستحق كان عونا لك على ما يجب، ولم تضع الأمور على يديه. وإذا تناهت إليك الأمور

стр. 67

من أمور الرعية على حقائقها، عاش الوضيع، وحذر الرفيع، وأمسك الظلوم، وأمن المظلوم. قال كسرى: إني ضبطت ملكي بأني لم أهزل في أمر ولا نهي قط؛ وأعطيت للغناء لا للرضى «١» ، وعاقبت للأدب لا للغضب، وصدقتهم الوعد والوعيد، وعممت بالعدل والإنصاف، وكففت يدي عن دمائهم وأموالهم إلا بحقها. وغضب كسرى على رجل من أصحابه فأمر بحبسه وقطع ما كان جاريا عليه، فقال له بزرجمهر: إن الملوك تؤدب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان. لما قدم محمد بن عبد الله بن خالد أذربيجان- أميراً عليها- جاء قوم إلى كاتبه، فقالوا له: هاهنا أموال قد أخفيت، وحقوق قد بطلت. فكتب الكاتب بذلك رقعة إلى الأمير، فأجابه الأمير في ظهرها: أجر الناس على دواوينهم، وما صح من قوانينهم، واعلم أني ما وردت الناحية لإحياء الرسوم الردية، والاستماع من سقاط «٢» الرعية، فلا تركن إلى الفضول، وتدع الذي توجبه العقول، فإنما هي أيام تمضي، ومدة تنقضي؛ فإما ذكر جميل، وإما خزى طويل. وإياك وقول جرير: وكنتَ إِذا نزلتَ بدارِ قومٍ ... رَحَلتَ بخزيةٍ وتركتَ عاراً «٣» واعمل على أن يكون الدعاء لنا لا علينا. وقع بعض العمال إلى كسرى قباذ في أنطاكية: للملك، جماعة قد فسدت نياتهم، وخبثت ضمائرهم، وقد هموا بما لم يفعلوا، وهم غير مأمونين على المملكة؛

стр. 68

وهم: فلان وفلان وفلان، فإن رأى الملك أن يعاجلهم فعل. فوقع في رقعته: إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. روي أن الموبذ سمع ضحك الخدم في مجلس أنو شروان، فقال له: أما تمنع هؤلاء الغلمان؟ فقال له أنو شروان: إنما يهابنا أعداؤنا. أوصى الاسكندر صاحب جيش له، فقال: حبب إلى العدو الهرب. قال: نعم. قال: فكيف تصنع؟ قال: إن ثبتوا جددت في قتالهم، وإذا انهزموا لم أطلبهم. قال: أصبت. وقال قتيبة بن مسلم: ملاك السلطان الشدة على المريب، والإغضاء عن المحسن، ولين القول لأهل الفضل. قال ابن الكلبي: بلغني أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه سأل كبيراً من كبراء فارس: أي ملوككم أحمد عندكم؟ فقال: لأردشير فضيلة السبق في المملكة، غير أن أحمدهم سيرةً أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة؛ فقال علي رضوان الله عليه: هما توأمٌ «١» ينتجهما علو الهمة. وقالت أم جبغويه ملك «٢» طخارستان لنصر بن سيار: ينبغي للأمير

стр. 69

أن يكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفضي إليه بسره، وحصن يلجأ إليه، إذا فزع أنجاه، تعني فرساً جواداً، وسيفٌ إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبةٌ حملها، وامرأة إذا دخل عليها أذهبت همه، وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشتهيه. وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بصفو المودة، وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة، وعاملوا السفلة بالمخافة صراحاً «١» . وقال بعض ملوك الفرس لحكيم من حكمائهم: أي الملوك أحزم؟ قال: من ملك جده هزله، وقهر لبه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن حظه، ولا غضبه عن كيده. وقيل لملك قد زال عنه ملكه: ما الذي سلبك ما كنت فيه؟ قال: دفع عمل يومٍ إلى غد، والتماس عذرٍ بتضييع عمل. وكتب بعض الحكماء إلى ملك زمانه: لا تستكفينّ في مهامك مخدوعاً عن عقله. والمخدوع عن عقله من بلغ به قدرٌ لا يستحقه، وأثيب ثواباً لا يستوجبه. كتب بعض ملوك العجم إلى بعض حكمائهم: إن الحكماء قد أكثروا في وصف خلال أسباب الفتن، فاكتب إلي بما ينشئها ويميتها، فكتب إليه: تنشئها ضغائن، وتنتجها أثرة وأطماع لم يقمعها ذعرٌ، وجرأة عامةٍ ولدها استخفافٌ بخاصةٍ، وأكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسرٍ، وأمل معسر، وغفلة متلذذٍ، ويقظة محرومٍ. ويميتها ذل مسلوبٍ وعز

стр. 70

سالبٍ، ودرك بعيدٍ وموت أملٍ، وذهاب ذعرٍ وتمني رغبٍ. فكتب إليه: الذي وصفت كما وصفت. فأي الامور أدفع لما ذكرت؟ فكتب إليه: أخذ العدة لما تخاف حلوله، وإيثار الجد حتى تبيد الهزل، والعمل بالعدل في الغضب والرضا. قال المدائني: لما ولي زياد بن أبيه صعد المنبر بعد صلاة الظهر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني رأيت خلالاً ثلاثاً نبذت إليكم فيها بالنصيحة: رأيت إعظام ذي الشرف، وإجلال ذي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، وإني أعاهد الله لا يأتيني شريف بوضيع لم يعرف له شرفه- على ضعته-: إلا عاقبته، ولا يأتيني عالم بجاهل لاحاه «١» في علمه ليهجنه عليه-: إلا عاقبته «٢» ، فإنما الناس بأعلامهم وذوي أسنانهم. ثم تمثل: تُهدَى الأُمورُ «٣» بأهل الرأْي ما صلحتْ ... فإن تولتْ فبالأشرارِ تنقادُ لا يصلحُ القومُ فوضى لا سراةَ لهمْ ... ولا سَرَاةَ إذا جُهالُهم سَادُوا قال أبو الحسن المدائني: أوفد زياد بن أبيه عبيد بن كعب النميري إلى معاوية، فقال له معاوية: أخبرني عن زياد؟ قال: يستعمل على الخير والأمانة، دون الهوى، ويعاقب على قدر الذنب، ويسمر فيستحزم «٤» بحديث الليل

стр. 71

تدبير النهار. قال: أحسن «١» . فكيف يعمل في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ماله عفواً. قال: فكيف عطاياه؟ يمنع حتى يبخل، ويعطي حتى يقال جواد. قال: أحسن «٢» . إن البذل رضيع العدل. فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها مطمع، وما فعل من خير فلك وله. عن المدائني قال: لما هلك معاوية، وملك ابنه يزيد، أتته بنو أمية، فأظهر لهم يقظةً وتفقداً لأمور الرعية، حتى بلغ خسيسها، فأعجبهم ما رأوا منه، وظهر على ألسن العامة حزمه، فقال لهم عبد الملك بن مروان: ما رأيتم منه؟ فقال أحدهم: أنساني معاوية. فقال: وأي أموره أنساكم معاوية؟ فقال: من تفقده أمور الرعية ما كان أغفله معاوية. قال: إن معاوية لم يكن يغفل من الأمور مهما؛ فهل يتفقد خسيسها؟ قال: نعم. قال: أزرى بالمهم، لأنه إذا استكفى بالخسيس لم تفرغ نفسه للمهمّ. وقالت الحكماء: إنّ الملوك حقيقون باختيار الأعوان فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم، من غير ان يكرهوا على ذلك أحداً، فان المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وقالوا: ينبغي للملك أن يجتنب السكر، لأنه حارس المملكة، ومن القبيح أن يحتاج الحارس إلى من يحرسه! وقالوا: إن السلطان إذا كان حارساً «٣» ووزراؤه وزراء سوء منعوا خيره من الناس، فلم يجتر «٤» عليه أحد ولم يدن منه، وإنما مثله في ذلك كالماء الصافي

стр. 72

الطيب الذي فيه التماسيح فلا يستطيع أحد- وإن كان سابحاً وكان إلى الماء محتاجاً-: أن يدخله، وإنما حلية الملوك وزينتهم أصحابهم: إن يكثروا ويصلحوا. قالوا: ويجب على الملوك تعاهد عمالهم، والتفقد لأمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسان محسنٍ، ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسناً بغير جزآء، ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل. وقالوا: ينبغي للملك أن يحصن دون المتّهم أسراره وأموره، ولا يدنيه من مواضع أسراره، ولا من ماء الحوض الذي يعد لغسله، ولا من فرشه ودثاره، ولا من كسوته، ولا من مراكبه، ولا من سلاحه، ولا من طعامه وشرابه، ولا من دهنه وطيبه. وقالوا: إنّ اللئيم الجاهل لا يزال باصحا حتى يرفع إلى المنزلة التي ليس لها بأهلٍ، فإذا بلغها التمس ما فوقها بالغش والخيانة؛ وإن اللئيم لا يخدم السلطان وينصح له إلا عن فرقٍ أو حاجةٍ، فإذا أمن وذهبت الحاجة عاد إلى جوهره، كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم، فلا يزال مستقيماً ما دام مربوطا، فاذا حل عاد إلى أصله فانحنى. وقالوا: إنما يؤتى السلطان من قبل ست خلالٍ: الحرمان، والفتنة، والهوى والفظاظة، والزمان، والخرق. فأما الحرمان فأن يحرم من الأعوان والنصحاء والساسة «١» أهل الرأي والنجدة والأمانة، أو يقصد «٢» بعض من هو كذلك

стр. 73

منهم. وأما الفتنة فتحزب الناس ووقوع الحرب بينهم. وأما الهوى فالإغرام «١» بالنساء والدعة والشراب، أو بالصيد وما أشبه ذلك. وأما الفظاظة فإفراط الشدة حتى ينبسط اللسان بالشتم، واليد بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان فهو ما يصيب الناس من السنين والموتان «٢» ونقص الثمرات والغرق وأشباه ذلك. وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، واللين في موضع الشدة. وقالوا: إن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي لهم مباشرته بأنفسهم ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. وقالوا: إذا ضيع الملك الفرصة، وترفع عن الحيلة، وأنف من التحرز، وظن أنه يكتفي بنفسه-: فهنالك من سدد إليه سهمه وجد عورته واضحةً، ومقاتله باديةً. وينبغي أن تكون الملوك أغلب «٣» على الدين من المدعين له، ويحذروا مبادرة السفل» إياهم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه، لئلا يحدث في الناس رياسات مستسرة في من قصد صغّروا قدره من سفل الرعية وحشو العامة، فإنه لم يجتمع قط رئيس دينٍ ورئيس ملكٍ إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس من الملك. وقالوا: إذا عرف الملك من الرجل أنه قد ساواه في الرأي والمنزلة والهيبة والمال والتبع فليصرعه، وإلا كان هو المصروع. وقالوا: ينبغي للملك أن يقل الإذن للعامة، لأنهم إذا لم يروه هابوه، وإذا

стр. 74

رأوه كثيراً هان عليهم؛ كما أن الأسد يهابه كل من رآه، إلا الرعاة، فإنهم من كثرة ما يرونه قد هان عليهم. وقيل: سلطانٌ تخافه الرعية خيرٌ من سلطان يخافها، وخير الملوك ما أشبه النّسر حوله الجيف، لا ما أشبه الجيفة حولها النسور. وقال أبرويز لابنه: استكثر القليل مما تأخذ، واستقل الكثير مما تعطي؛ واعلم أن قرة أعين الكرام في الإعطاء، وقرة أعين اللئام في الأخذ. والملك إذا كان على رأس الكرماء فهو جدير أن يعطي ما وجد، ويمتنع من الأخذ ما استطاع. وقال أيضا: املك الرعية بالإحسان إليها، تظفر بالمحبة منها، فإن ذلك بإحسانك أدوم منه باعتسافك، وليس الملك سلك الأبدان. واعلم أن الرعية إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. وقال الحكيم: إذا تناصرت عليك الخصوم فلن يدفع ذلك غير الله سبحانه، ثم عزمٌ لا يشوبه وهن، وصدق لا يطمع فيه التكذيب، ومضاء لا يقارنه الشك، وصبرٌ لا يختانه جزع، ونيةٌ لا يتقسمها عجزٌ. وقال الحكيم: يجب على الملك الفاضل أن يحصن عقله من العجب، ووقاره من الكبر، وعطاءه من السرف، وصرامته من العنف، وحياءه من البلادة، وحمله من التهاون، وإمضاءه من العجلة، وعقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل الحقوق، وصمته من العي، واستئناسه من البذآء، وخلواته من الإصاعة، وعزماته من اللجاجة، وأناته من الملالة، وفرحاته من البطر، وروعاته من الاستسلام.

стр. 75

وقالت حكماء الهند: الملك إذا لم يقبل من نصحائه ما يقبل عليه مما ينصحون «١» له به-: لم يحمد غبّ أمره، كالعليل الذى يدع ما يصف له الطبيب ويعود إلى استعمال ما يشتهي، فمن التمس الرخصة من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء، عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة-: أخطأ الرأي، وازداد مرضاً، واحتمل وزراً. وقالت حكماء الهند: الملوك ثلاثة: حازمان وعاجز. فاحد الحازمين: من إذا نزل به الأمر المخوف لم يدهش، ولم يذهب قلبه شعاعاً «٢» ، ولم يعي برأيه وحيلته ومكيدته التي بها يرجو النجاة. والثاني- وهو أحزم من هذا-: ذو العدة «٣» الذي يعرف الأمر متقدماً قبل وقوعه فيعظمه إعظامه «٤» به، ويحتال له حيلته، كأنه رأي عينٍ، فيحسم الداء قبل أن يبتلى «٥» به، ويدفع الأمر قبل وقوعه. وأما العاجز: فهو الذي لا يزال في التردّد والتمني حتى يهلك نفسه. وقالت الحكماء: الطمأنينة مقرونةٌ بالمضار، والحذر مقرون بالنجاة. ومن ضيع الحزم وهو غني عنه ضيعه الحزم حين يفتقر إليه. وقالوا: من أخذ بالحزم وقدم الحذر وجاءت المقادير بخلاف مراده-: كان أحمد رأياً وأظهر عذراً ممن عمل بالتفريط، وإن اتفقت له الأمور على ما يريد.
следующие страницы →