Полный текст (498 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تدبير النهار. قال: أحسن «١» . فكيف يعمل في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ماله عفواً. قال: فكيف عطاياه؟ يمنع حتى يبخل، ويعطي حتى يقال جواد. قال: أحسن «٢» . إن البذل رضيع العدل. فكيف الشفاعة عنده؟ قال:
ليس فيها مطمع، وما فعل من خير فلك وله.
عن المدائني قال: لما هلك معاوية، وملك ابنه يزيد، أتته بنو أمية، فأظهر لهم يقظةً وتفقداً لأمور الرعية، حتى بلغ خسيسها، فأعجبهم ما رأوا منه، وظهر على ألسن العامة حزمه، فقال لهم عبد الملك بن مروان: ما رأيتم منه؟ فقال أحدهم:
أنساني معاوية. فقال: وأي أموره أنساكم معاوية؟ فقال: من تفقده أمور الرعية ما كان أغفله معاوية. قال: إن معاوية لم يكن يغفل من الأمور مهما؛ فهل يتفقد خسيسها؟ قال: نعم. قال: أزرى بالمهم، لأنه إذا استكفى بالخسيس لم تفرغ نفسه للمهمّ.
وقالت الحكماء: إنّ الملوك حقيقون باختيار الأعوان فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم، من غير ان يكرهوا على ذلك أحداً، فان المكره لا يستطيع المبالغة في العمل.
وقالوا: ينبغي للملك أن يجتنب السكر، لأنه حارس المملكة، ومن القبيح أن يحتاج الحارس إلى من يحرسه! وقالوا: إن السلطان إذا كان حارساً «٣» ووزراؤه وزراء سوء منعوا خيره من الناس، فلم يجتر «٤» عليه أحد ولم يدن منه، وإنما مثله في ذلك كالماء الصافي
стр. 72
الطيب الذي فيه التماسيح فلا يستطيع أحد- وإن كان سابحاً وكان إلى الماء محتاجاً-:
أن يدخله، وإنما حلية الملوك وزينتهم أصحابهم: إن يكثروا ويصلحوا.
قالوا: ويجب على الملوك تعاهد عمالهم، والتفقد لأمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسان محسنٍ، ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسناً بغير جزآء، ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل.
وقالوا: ينبغي للملك أن يحصن دون المتّهم أسراره وأموره، ولا يدنيه من مواضع أسراره، ولا من ماء الحوض الذي يعد لغسله، ولا من فرشه ودثاره، ولا من كسوته، ولا من مراكبه، ولا من سلاحه، ولا من طعامه وشرابه، ولا من دهنه وطيبه.
وقالوا: إنّ اللئيم الجاهل لا يزال باصحا حتى يرفع إلى المنزلة التي ليس لها بأهلٍ، فإذا بلغها التمس ما فوقها بالغش والخيانة؛ وإن اللئيم لا يخدم السلطان وينصح له إلا عن فرقٍ أو حاجةٍ، فإذا أمن وذهبت الحاجة عاد إلى جوهره، كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم، فلا يزال مستقيماً ما دام مربوطا، فاذا حل عاد إلى أصله فانحنى.
وقالوا: إنما يؤتى السلطان من قبل ست خلالٍ: الحرمان، والفتنة، والهوى والفظاظة، والزمان، والخرق. فأما الحرمان فأن يحرم من الأعوان والنصحاء والساسة «١» أهل الرأي والنجدة والأمانة، أو يقصد «٢» بعض من هو كذلك
стр. 73
منهم. وأما الفتنة فتحزب الناس ووقوع الحرب بينهم. وأما الهوى فالإغرام «١» بالنساء والدعة والشراب، أو بالصيد وما أشبه ذلك. وأما الفظاظة فإفراط الشدة حتى ينبسط اللسان بالشتم، واليد بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان فهو ما يصيب الناس من السنين والموتان «٢» ونقص الثمرات والغرق وأشباه ذلك.
وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، واللين في موضع الشدة.
وقالوا: إن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي لهم مباشرته بأنفسهم ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم.
وقالوا: إذا ضيع الملك الفرصة، وترفع عن الحيلة، وأنف من التحرز، وظن أنه يكتفي بنفسه-: فهنالك من سدد إليه سهمه وجد عورته واضحةً، ومقاتله باديةً. وينبغي أن تكون الملوك أغلب «٣» على الدين من المدعين له، ويحذروا مبادرة السفل»
إياهم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه، لئلا يحدث في الناس رياسات مستسرة في من قصد صغّروا قدره من سفل الرعية وحشو العامة، فإنه لم يجتمع قط رئيس دينٍ ورئيس ملكٍ إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس من الملك.
وقالوا: إذا عرف الملك من الرجل أنه قد ساواه في الرأي والمنزلة والهيبة والمال والتبع فليصرعه، وإلا كان هو المصروع.
وقالوا: ينبغي للملك أن يقل الإذن للعامة، لأنهم إذا لم يروه هابوه، وإذا
стр. 74
رأوه كثيراً هان عليهم؛ كما أن الأسد يهابه كل من رآه، إلا الرعاة، فإنهم من كثرة ما يرونه قد هان عليهم.
وقيل: سلطانٌ تخافه الرعية خيرٌ من سلطان يخافها، وخير الملوك ما أشبه النّسر حوله الجيف، لا ما أشبه الجيفة حولها النسور.
وقال أبرويز لابنه: استكثر القليل مما تأخذ، واستقل الكثير مما تعطي؛ واعلم أن قرة أعين الكرام في الإعطاء، وقرة أعين اللئام في الأخذ. والملك إذا كان على رأس الكرماء فهو جدير أن يعطي ما وجد، ويمتنع من الأخذ ما استطاع.
وقال أيضا: املك الرعية بالإحسان إليها، تظفر بالمحبة منها، فإن ذلك بإحسانك أدوم منه باعتسافك، وليس الملك سلك الأبدان. واعلم أن الرعية إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل.
وقال الحكيم: إذا تناصرت عليك الخصوم فلن يدفع ذلك غير الله سبحانه، ثم عزمٌ لا يشوبه وهن، وصدق لا يطمع فيه التكذيب، ومضاء لا يقارنه الشك، وصبرٌ لا يختانه جزع، ونيةٌ لا يتقسمها عجزٌ.
وقال الحكيم: يجب على الملك الفاضل أن يحصن عقله من العجب، ووقاره من الكبر، وعطاءه من السرف، وصرامته من العنف، وحياءه من البلادة، وحمله من التهاون، وإمضاءه من العجلة، وعقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل الحقوق، وصمته من العي، واستئناسه من البذآء، وخلواته من الإصاعة، وعزماته من اللجاجة، وأناته من الملالة، وفرحاته من البطر، وروعاته من الاستسلام.
стр. 75
وقالت حكماء الهند: الملك إذا لم يقبل من نصحائه ما يقبل عليه مما ينصحون «١» له به-: لم يحمد غبّ أمره، كالعليل الذى يدع ما يصف له الطبيب ويعود إلى استعمال ما يشتهي، فمن التمس الرخصة من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء، عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة-: أخطأ الرأي، وازداد مرضاً، واحتمل وزراً.
وقالت حكماء الهند: الملوك ثلاثة: حازمان وعاجز. فاحد الحازمين: من إذا نزل به الأمر المخوف لم يدهش، ولم يذهب قلبه شعاعاً «٢» ، ولم يعي برأيه وحيلته ومكيدته التي بها يرجو النجاة. والثاني- وهو أحزم من هذا-:
ذو العدة «٣» الذي يعرف الأمر متقدماً قبل وقوعه فيعظمه إعظامه «٤» به، ويحتال له حيلته، كأنه رأي عينٍ، فيحسم الداء قبل أن يبتلى «٥» به، ويدفع الأمر قبل وقوعه. وأما العاجز: فهو الذي لا يزال في التردّد والتمني حتى يهلك نفسه.
وقالت الحكماء: الطمأنينة مقرونةٌ بالمضار، والحذر مقرون بالنجاة.
ومن ضيع الحزم وهو غني عنه ضيعه الحزم حين يفتقر إليه.
وقالوا: من أخذ بالحزم وقدم الحذر وجاءت المقادير بخلاف مراده-: كان أحمد رأياً وأظهر عذراً ممن عمل بالتفريط، وإن اتفقت له الأمور على ما يريد.
стр. 76
فليس على العاقل النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه، وما ينصرف عنه؛ ولكن عليه العمل بالحزم في أمره ومحاسبة نفسه في ذلك.
وقال الحكماء: الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة، والهم بالحادثة عن الحيلة لدفعها.
وقالوا: الحزم: الحذر عند الأمن. والعاقل من حذر الليل والنهار، فإن فيهما مكمن الآفات.
وقالوا: إياك أن يطمعك الاغترار: بالتهاون بالعدو الضعيف، فإن العدو الضعيف المحترس من العدو [القوي] «١» -: أحرى بالظفر من العدو القوي المغتر بالعدو الضعيف.
وقالت الحكماء: العجز عجزان: عجز عن طلب الأمر وقد أمكن، والجد في طلبه وقد فات.
وقالت الحكماء: من كانت فيه ثلاث خلالٍ لم يستقم له أمرٌ: التواني في العمل، والتضييع للفرص، والتصديق لكل مخبرٍ.
وقد قيل: أربعة أشياء لا يستقل قليلها: المرض، والنار، والدين، والعداوة.
وقالوا: إن العاقل وإن كان واثقا بقوته وعقله-: فليس ينبغي أن يحمله ذلك على أن يجني على نفسه العداوة والبغضاء اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة.
كما أن العاقل إذا كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالا على ما عنده.
стр. 77
وقالوا: احذر معاداة الذليل، فربما شرق العزيز بالذّبابة «١» .
وقالت الحكماء: لا تنم عن عدوك، فإنه غير نائم عنك، ولا تتغافل عنه، فإنه غير متغافل عن تتبع عثراتك، وكيف لا يكون كذلك، وهو يرى أن بحياتك يكون موته، وبغناك يكون فقره، وبقوتك يكون ضعفه؟! وقد قال مؤلف الكتاب:
لا تَحْقِرَن مِنَ الضعيفِ عداوَةً ... فالنار يَحرِقُ جمرُها وشَرارُها
واحذَرْ مداجاةَ العدو وكَيدَهُ ... إن العداوةَ لَيسَ تَخْبُو «٢» نارُهَا
وقال العربي:
لِلِهِ درك؛ ما تَظُن بثائر ... حرانَ «٣» ليس عن التِرَاتِ «٤» برَاقد؟!
أيقظْتَهُ- ورقدتَ عنه- ولم ينم ... حَنَقاً عليك؛ وكيفَ نَوْمُ الحاقدِ؟!
إن تُمْكِنِ الأيام منك «٥» - وعلها ... يوماً- يكِلْ لك بالصوَاعِ «٦» الزَائِدِ
وقالت الحكماء: إياك والثقة بعدوك إذا صالحك وأظهر لك غاية النصيحة، فإن صلح العدو لا يسكن إليه، ولا يغتر به؛ فإن الماء لو أسخن فأطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها. وإنما صاحب العدو المصالح كصاحب حية يحملها في كمه.
وقالوا: إذا أحدث لك عدوك صداقةً- لعلةٍ ألجأته إلى ذلك- فبعد
стр. 78
زوال تلك العلة ترجع العداوة إلى ما كانت عليه؛ كالماء الذي يطال إسخانه، فإذا رفع عن النار عاد بارداً.
وقالوا: إن الأحقاد مخوفةٌ حيث كانت، وأشدها ما كان في أنفس الملوك؛ فإن الملوك يدينون بالانتقام، ويرون الطلب بالوتر مكرمةً. فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بسكون الحقد، فإنما مثله في القلب- ما لم يجد محركاً- مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطباً. ولا يزال الحقد يتطلع إلى العلل كما تبتغي النار الحطب؛ فإذا وجد علّة استعر استعار النار، فلا يطفئه ماءٌ ولا كلامٌ ولا لينٌ ولا رفقٌ ولا خضوعٌ ولا تضرعٌ، ولا شيءٌ دون الأنفس.
وقد قيل: أحزم الملوك من لم يلتمس الأمر بالقتال، وهو يجد إلى غير القتال سبيلاً، لأن النفقة في القتال من الأنفس؛ وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من الأموال والقول.
وقالوا: أضعف حيل الحرب اللقاء. وصرعة اللين والمكر أشد استئصالا للعدو من صرعة المكابرة. والحازم إذا نابه الأمر العظيم المفظع «١» الذي يخاف منه الجائحة المخوفة على نفسه وقومه-: لم يجزع من شدةٍ يصبر عليها، لما يرجو «٢» من حميد عاقبتها، ولم يجد لذلك مسا، ولم يشمخ بنفسه عن الخضوع لمن هو دونه، حتى يبلغ حاجته ومقصوده، وهو حامل لغب أمره، لما كان من رأيه وحسن اصطباره.
وقال الشاعر «٣» :
إذا المرء أولاك الهوانَ فأَوْلِهِ ... هَواناً، وَإِن كانت قريباً أَوَاصِرُهْ «٤»
стр. 79
فإِنْ أَنتَ لم تَقدِرْ على أن تهِينَه ... فذَرْهُ إلى اليوم الذي أَنْتَ قادِرُهْ «١»
وقاربْ إذا ما لم تكُنْ لكَ قُدْرَةٌ ... وَصَمم إذا أَيْقَنْتَ أَنكَ فاقِرُهْ «٢»
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر: «إنك قد أصبحت ملكاً على ذوي جنسك، وأوتيت فضيلة الرئاسة عليهم، فمما تشرف به رئاستك وتزيدها نبلاً-: أن تستصلح العامة، لتكون رأساً لخيار محمودين، لا لشرارٍ مذمومين. ورئاسة الاغتصاب- وإن كانت تذم لخصالٍ شتى- فإن أول ما فيها [من] «٣» المذمة أنها تحط قدر الرئاسة. وذلك: أن الناس في سلطان الغاصب كالعبيد لا كالأحرار، ورئاسة الأحرار أشرف من رئاسة العبيد، ومن تخير رئاسة العبيد على رئاسة الأحرار كمن تخير رعي البهائم على رعي الناس، وهو يظن أنه قد أصاب وغنم. فحال الغاصب- فيما يركب من الغصب- هذه الحال؛ لأنه يطلب محل الملك وشرفه، وليس شيءٌ أبعد من شرف الملك من الاغتصاب، لأن الغاصب في شكل المولى، والملك في شكل الأب اللطيف. ومما يضع قدر الرئاسة ما كان يصنع ملك فارس: فإنه كان يسمي أباه وكل أحدٍ من رعيته: «عبيداً» . والرئاسة على الأحرار والأفاضل خير من
стр. 80
التسلط على العبيد وإن كثروا؛ وهي عند الناس جميعاً أولى، ولا سيما لذوي الفهم والأخطار. وأنت حقيقٌ أن تسل سخيمة «١» العامة، بما تذيفهم من رفق تدبيرك، وتضعه عنهم من مكروه العنف والخصاصة «٢» ؛ فإن العبيد إذا عرضوا على المشترين لا يسألون عن يسارهم وجاههم، وإنما يسألون عن أخلاقهم،: وهل فيهم فظاظة؟ فالأحرار أجدر أن يتعرفوا ذلك، وأن يعروا منه إذا كان ذلك في السلطان؛ ولذلك ما يصيرون «٣» إلى خلعه والوثوب عليه. وإذا ظهرت على فئةٍ فضع من أوزار الحرب وأوزار الغضب، لأنهم في تلك الحال كانوا عدوا، وفي هذه الحال صاروا خولاً. فقد ينبغي أن تبدلهم من الغضب رحمةً وعطفاً. وقد ينبغي للسلطان أن يعرف مقدار الغضب، فلا يكون غضبه شديداً طويلاً، ولا ضعيفاً قصيراً، فإن ذلك من أخلاق السباع، وهذا من أخلاق الصبيان. ومن كبر الهمة أن يكون الملك متعطفاً على الناس، فإنه بالعطف والرحمة ينبل ويبعد صيته. وأنا أعرفك على هذا المذهب، ولكني لا آمن أن تتوانى «٤» فيه، مما جرى عليك من ناسٍ كثيرٍ من سوء المشورة؛ فإن كثيراً من الناس يشيرون- إذا استشيروا- بغير ما يشاكل المشار عليه، بل بما يشاكلهم، وليس بما ينتفع به في الأمر الحادث، ولكن بما يخصهم نفعه في أنفسهم. وأنا أحب لك أن تقتدي برأي أسندوس حيث يقول: إن فعل الخير في الجملة أفضل من فعل الشر، ومن يستطيع أن يغلب الشر بالخير دون الشر، فهي أشرف الغلبتين؛ لأن الغلبة بالشر جلدٌ «٥» ، والغلبة بالخير فضيلةٌ. واعلم أنه قد أمكنك أن تودع
стр. 81
الناس من حسن أثرك ما ينشر ذكره في آفاق البلاد، ويبقى على وجه الدهر-: فافترصْ «١» ذلك في أوانه. واعلم أن الذي يتعجب منه الناس:
الجزالة وكبر الهمة؛ والذي يحبون عليه: التواضع ولين الجانب. فاجمع الأمرين، تستجمع محبة الناس لك، وتعجبهم منك. ولا تمتنع أن تتكلم بما يطيب قلوب العامة؛ فإن الناس ينقادون للكلام أكثر من انقيادهم بالبطش.
ولا تحسب «٢» أن ذلك يضع من قدرك، بل يزيده نبلاً: أن تنطق بالخير إذ أنت على الشر قادر. واعلم أن التودد من الضعيف يعد ملقاً، والتودد من القوي يعد تواضعاً وكبر همةٍ؛ فلا تمتنع أن تتودد إلى العامة لتحصل لك محبتهم، وتنال الطاعة منهم. واعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الأفعال، وتمحو الآثار، وتميت الذكر، إلا ما رسخ في قلوب الناس، لمحبةٍ تتوارثها الأعقاب. فاجتهد أن نظفر بالذّكر الذي لا يموت، بأن تودع قلوب الناس محبة يبقى بها ذكر مناقبك، وشرف مساعيك. ولا ينبغي للمدبر أن يتخذ الرعية مالاً وقنيةً «٣» ، ولكن يتخذهم أهلاً وإخواناً. ولا ترغب في الكرامة التي تنالها من العامة كرهاً، ولكن التي تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير» .
قيل: بلغ بعض الملوك حسن سياسة ملكٍ آخر، فكتب إليه: «قد بلغت من حسن السياسة ما لم يبلغه ملك، فافدني: ما الذي بلغكه؟» فكتب
стр. 82
إليه: «لم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعيد، واستكفيت للكفاية، وأثبت على الغناء لا على الهوى، واودعت القلوب هيبة لم يشبها مقتٌ، ووداً لم يشبه كذب، وعممت بالقوت، ومنعت الفضول» «١» .
قيل: لما أراد الإسكندر الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطا طاليس:
أخرج معي؛ قال: قد نحل بدني، وضعفت عن الحركة، فلا تزعجني. قال:
فأوصني في عمالي خاصةً. قال: أنظر من كان منهم له عبيد فاحسن سياستهم.
فوله الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج.
عن عوانة قال: قال زياد بن أبيه: ما غلبني معاوية في شيء من أمر السياسة إلا في شيء واحدٍ، وذاك: أنني استعملت رجلاً على دست ميسان، فكسر الخراج ولحق بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعثه إلي، فكتب إلي:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنه ليس ينبغي لمثلي ومثلك أن نسوس الناس جميعاً بسياسةٍ واحدةٍ: أن نشتد جميعاً فنخرجهم «٢» ، أو نلين جميعاً فنمزجهم؛ ولكن تكون أنت تلي الفظاظة والغلظة، وأكون أنا ألي الرأفة والرحمة؛ فإذا هرب هارب من بابٍ، وجد باباً فدخل فيه. والسلام» .
قال بعض الحكماء: منازل الرأي أربعة: التقدم في الأمر قبل حلوله، فإن قصر فيه فالجد عند وقوعه، فإن قصر عن ذلك فالسعي في التخلص منه، فإن قضر فيه فليس إلا بذهاب الزمان الذي يذهب بنفع صواب الرأي.
روي أن بعض ملوك الفرس سأل حكيماً من حكمائهم: ما شيءٌ يعزّ به
стр. 83
السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما سبب الطاعة؟ قال: التودد إلى الخاصة، والعدل على العامة. قال: فما صلاح الملك؟ قبل: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم في غير مشقّة، وأداؤه إليهم عند أو انه، وسد الفروج، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، وأن لا يفرط القوي على الضعيف. قال: فما صلاح الملك؟ قال: وزراؤه أصوله؛ فإن هم فسدوا فسد وإن صلحوا صلح.
قال: فأية خصلةٍ تكون في الملك أنفع؟ قال: صدق النية.
وقال بعض الحكماء: لا تصغر أمر عدوٍ تحاربه؛ فإنك إن ظفرت به لم تحمد، وإن عجزت عنه لم تعذر.
وقال الحكيم: يجب على السلطان أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث؛ فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في الطاعة من الرعبة، وفي الأناة انفساح الرأي واتّضاح الصواب.
وقال أنو شروان: الناس ثلاث طبقاتٍ، تسوسهم ثلاث سياساتٍ:
طبقةٌ من خاصّة الأبرار، وتسوسهم بالعطف واللين والإحسان، وطبقةٌ من خاصة الأشرار، تسوسهم بالغلظة والشدة، وطبقةٌ- وهم العامة- تسوسهم باللين والشدة، لئلا تحرجهم «١» الشدة ولا يبطرهم اللين.
روي ان ملكاً من ملوك اليمن أوصى من يخلفه من بعده، فقال: أوصيك بتقوى الله، فإنك إن تتقه يهدك ويكفك ويرض عنك، ومتى يرضى ربّ
стр. 84
عن عبد يرضه. وآمرك أن لا تعجل فيما تخاف فيه الفوت؛ فإن العجلة مندمةٌ.
وإذا شككت في أمرٍ فشاور من ينصح لك، وإن اتهمت فاستبدل، وإذا استكفيت فاختر، واذا قلت فاصدق، وإذا وعدت فأنجز، وإذا أوءدت في حق فأنفذ. واعلم أنك إن ضبطت حاشيتك ضبط قاصيتك.
وأوصى ملك من ملوك حمير أخاه، فقال: لا تتجاوز بالأمور حدودها، ولا يكن الإفراط من شأنك في نكان ولا نوال؛ فإنه في النوال يجحف ويكثر فيه عليك، وفي النكال ما يؤثمك ويحنق عليك ويبغضك. وإذا أنكرت نفسك فأمسك وغالب هواك، فإنه أضر ما اتبعت، واعمل بالحق فإنه لا يضيق معه شيءٌ، ولا يتعب منه عاقل، ولا يتعقب منه تبعةٌ. وليكن خوف بطانتك منك أشد من أمنهم بك.
وقال الحكيم: ما استعين على العزم بمثل مجانبة الهوى.
وقال آخر: من جعل ملكه خادما لدينه انقادا له كل سلطان، ومن جعل دينه خادماً لملكه طمع فيه كل إنسان.
وقال آخر: من تمام الكرم أن تذكر الخدمة لك، وتنسى النعمة منك؛ وتفطن «١» للرغبة إليك، وتتغابى «٢» عن الجناية عليك.
وقال آخر: ما أقبح منع الإحسان مع حسن الإمكان.
وقال آخر: كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت، جميل العفو إذا قدرت، كثير الشكر إذا ظهرت.
стр. 85
وقال الآخر: أحسن إلى من كان له قدمةٌ «١» في الأصل، وسابقة في الفضل.
ولا يزهدنك فيه سوء الحالة منه، وإدبار الدولة عنه، فإنك لا تحلو «٢» - في اصطناعك له وإحسانك إليه-: من نفس حرةٍ تملك رقها، أو مكرمةٍ حسنةٍ توفي حقها، فإن الدنيا تجبر كما تكسر، والدولة تقبل كما تدبر.
وقال آخر: بالراعي تصلح الرعية، وبالعدل تملك البرية. «٣»
وقال آخر: من ظلم يتيماً ظلم أولاده، ومن أفسد أمره أفسد معاده.
وقال آخر: أفضل الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيته «٤» ؛ وأعظم الملوك من ملك نفسه وبسط عدله.
وقال آخر: سلطان السّوء يخيف البريء ويصطنع الدّنيّ.
وقال الحكيم: ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق. فالحق أقوى معين، والصدق أفضل قرين.
وقال: استعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وشدة الورع.
وقال آخر: لا تعودن نفسك إلا ما يكتب لك أجره، ويحسن عنك نشره.
وقال آخر: ارفق بإخوانك، واكفهم غرب لسانك؛ فطعن اللسان أشد من طعن السنان، وجرح الكلام أصعب من جرح الحسام.
قال العتابي: مما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطراح من يقبل الرشا، واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاف من يشفق على الرعية.
وقال أردشير: حقيق على كل ملكٍ أن يتفقد وزيره ونديمه وحاجبه
стр. 86
وكاتبه: فإن وزيره قوام ملكه، ونديمه بيان معرفته «١» ، وكاتبه وكيل معرفته «٢» ، وحاجبه برهان سياسته.
وقال بهرام جور: لا شىء أضرّ بالملك من استخبار من لا يصدق إذا خبر، واستكفاء من لا ينصح إذا دبر.
وقال أبرويز: من اعتمد على كفاة السوء ما ينجو من رأي فاسد، وظن كاذب، وعدو غالب. وإن مما يعود بنصح الولاة ويؤمنهم عذر الكفاة-:
ربهم «٣» لسالف النعم، وحفظهم لواجب الذمم، وتعففهم عن أموال الخدم، وتصرفهم على شرط الكرم. فمن خافه وزيره سآء تدبيره، ومن طمع في أموال عماله الجأهم إلى اقتطاع أمواله.
وقال الحكيم: بالراعي تَصْلُح الرعية. وبالعدل تُملك البرية. ومن مال إلى الحق، مال إليه الخلق. ومن سلّ سيف العدوان، سُلِبَ عز السلطان. ومن أحسن الملكة، أمن الهلكة. وأفضل الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيته. «٤»
قال الحكيم: الأدب أدبان: أدب شريعةٍ، وأدب سياسةٍ. فأدب الشريعة ما انتهى إلى قضاء «٥» الفرض، وأدب السياسة ما أعان على عمارة الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل، الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان، وصلاح الرعية، وكمال المزية، لأن من ترك الفرض ظلم نفسه، ومن خرّب الأرض ظلم غيره.
стр. 87
وقال أفلاطون: بالعدل ثبات الأشياء، وبالجور زوالها، لأن المعتدل هو الذي لا يزول.
وقال الإسكندر: لا ينبغي لمن تمسك بالعدل أن يخاف أحداً، فقد قيل:
إن العدول لا يخافون الله تعالى، أي: لا خوف عليهم منه، إذ «١» اتبعوا رضاه وانتهوا إلى أمره.
وقال ذيو جانس للإسكندر: أيها الملك، عليك بالاعتدال في الأمور، فإن الزيادة عيبٌ، والنقصان عجزٌ.
وقال الإسكندر لقومٍ من حكماء الهند: أيما أفضل: العدل أو الشجاعة؟
قالوا: إذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة.
وقال بزرجمهر: العدل هو ميزان الباري جلَّ وعزَّ، وذلك هو مبرَّاٌ «٢» من كل زيغ وميل.
وقيل لأردشير: من الذي لا يخاف «٣» أحداً؟ قال: الذي لا يخافه أحدٌ.
فمن عدل في حكمه وكفَّ عن ظلمه-: نصره الحق، وأطاعة الخلق، وملك القلوب، وأمن الحروب. وإن أول العدل أن يبدأ الإنسان بنفسه، فيلزمها كل خلَّةٍ زكيَّةٍ، وخصلةٍ مرضيَّة، ومذهبٍ سديد، ومكسبٍ حميد، ليسلم عاجلاً ويسعد آجلاً.
وقال أفلاطون: من بدأ بنفسه أدرك سياسة الناس.
وقال: أصلحوا أنفسكم تصلح لكم آخرتكم.
стр. 88
وقال أرسطاطاليس: أصلح نفسك لنفسك، يكن الناس تبعاً لك.
وقال بزرجمهر: من حق الملك أن يستوزر من يحفظ دينه، ويستبطن من يحفظ سره.
وقال أبرويز: أجهل الناس من يعتمد في أموره على من لا يأمل خيره، ولا يأمن شره.
وقال الحكيم: من عدل في سلطانه، استغنى عن أعوانه.
وقال: لأن تحسن وتكفر، خيرٌ من أن تسيء وتشكر. فمن أحسن فبنفسه بدا، ومن أساء فعلى نفسه اعتدى.
وقال الحكيم: من أحب نفسه اجتنب الآثام، ومن أحب ولده رحم الأيتام.
وقال: إذا بني الملك على قواعد العدل- أو دعم بدواعم العدل- وحصَّن بدوام الشكر، وحرس بإعمال البصر-: نصر الله وإليه، وخذل معاديه، وعضده بالقدر، وسلمه من الغير. فاعدل فيما وليت، واشكر الله على ما أوليت، يمدك الخالق، ويودّك الخلائق.
وقال الحكيم: حاجة السلطان إلى صلاح نفسه، أشد من حاجته إلى صلاح رعيته. وفائدته في إحسان سيرته، وأعظم من فائدته في ثبات وطأته. لأنه إذا اصلح نفسه صلحت «١» رعيته، وإذا أحسن سيرته ثبتت وطأته، ثم يبقى له جميل الأحدوثة والذكر، ويتوفر عليه جزيل المثوبة والأجر. لأن السلطان خليفة الله في أرضه، والحاكم في حدود دينه وفرضه، قد خصّه الله بإحسانه،
стр. 89
وأشركه في سلطانه، وندبه لرعاية خلقه، ونصبه لنصرة حقه. فإن أطاعه في أوامره ونواهيه تكفَّل بنصره، وإن عصاه فيهما وكله إلى نفسه.
وقال الحكيم: من ملَّكه الله من أرضه وبلاده، وائتمنه على خلقه وعباده، وبسط يده وسلطانه، ورفع محلَّه ومكانه-: فحقيقٌ عليه أن يؤدي الأمانة، ويخلص الديانة، ويجمل السيرة، ويحسن السريرة، ويجعل الحق دأبه المعهود، والأجر غرضه المقصود، فالظلم يزل القدم، ويزيل النعم، ويجلب النقم، ويهلك الأمم.
وقال: من أبلى جدَّته في خدمتك، وأفنى مدته في طاعتك-: فارعَ ذمامه في حياته، وتكفل أيتامه بعد وفاته. فإن الوفاء لك، بقدر الرجاء فيك.
أفضِ على جيشك سَيْب عطائك، وأصرف إليهم أحسن عنايتك وإرعائك «١» ، فإنهم أهل الأنفة والحمية، وحفظ «٢» الحوزة والرعية، وسيوف الملك، وحصون الممالك والبلدان، وأوثق الأصحاب والأعوان، بهم تدفع العوادي وتقهر الأعادى، ويزال الخلل، ويضبط العمل. قوّضعيفهم يقوِّ أمرك، وأغن فقيرهم يشد أزرك، وامنحهم قبل الفرض، واختبرهم عند العرض، ولا تثبت منهم إلا الوفي الكمي الذي لا يعدل عن الوفاء، ولا يجبن لدى الهيجاء وفانّ المراد منهم قوة العدة، لا كثرة العدة. وإن أصاب أحدهم في وقعة تندبه لها، أو حملة تبرز فيها، ما يعطله عن اللقاء، ويؤخره عن الأكفاء-:
стр. 90
فلا تمح اسمه، ولا تمنعه رسمه. وإن قُتل في طاعتك، واستشهد تحت رايتك-:
فاكفل بنيه، وذب عن أهله وذويه، فإن ذلك يزيدهم رغبة في خدمتك، ويسهل عليهم بذل المهج والأرواح في نصرة دولتك ودعوتك.
وقال الحكيم: من أبرم الأمر بلا تدبير، وصيّره الدهر إلى تدمير. ومن أخلد إلى التواني، حصل على الأماني. وزوال الدول، باصطناع السفل.
وقال الحكيم: الصبر على ما تكرهه وتجتويه «١» ، يؤديك إلى ما تحبه وتشتهيه.
وقال: من اغتر بحاله، قصر في احتياله. ومن اغتر بمسالة الزمن، عثر بمصادمة المحن.
وقال: من أعجبته آراؤه، غلبته أعداؤه. ومن ساء تدبيره، كذب تقديره. ومن جهل مواطيء قدمه، عثر بدواعي ندمه.
وقال: من أتم النصح، الإشارة بالصلح. ومن أضر الغدر، الإشارة «٢» بالشر.
وقال: من استصلح عدوه زاد في عدده. ومن استفسد صديقه نقص من عدده.
وقال: لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا توقع بالعدو قبل القدرة.
وقال: لا تفتح باباً يُعييك سَدُّه، ولا ترم سهماً، يعجزك رده، ولا تفسدنَّ أمراً يعييك إصلاحه، ولا تغلق باباً يعجزك افتتاحه.
وقال: الكسل يمنع من الطلب، والفشل يدفع إلى العطب. ومن حق
стр. 91
العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء، ويجمع إلى عقله عقل الحكماء، ويديم الاسترشاد، بترك الاستبداد، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفذ ربما ضل.
من أعرض عن الحزم والاحتراس، وبنى على غير أساس-: زال عنه العز، واستولى عليه العجز، وصار من يومه في نحس، ومن غده في لبس.
تاج الملك وحصنه إنصافه، وسلاحه كُفاته، وماله رعيته.
إذا أنشأت حرباً فأرهجها «١» ، وإذا أوقدت ناراً فأججها، واستعمل في الضعفاء حسن الحراسة، واستعمل في الأقوياء حكم السياسة، فمن لم تقمعه بسياستك، أطمعته في رياستك، وعُدَّ أضعف أعدائك قوياً، وأجبن أضدادك جرياً تكف الغيلة «٢» ، وتأمن الحيلة.
من استعان بصغار رجاله، على كبار أعماله-: ضيَّع العمل، وأوقع الخلل.
الخطأ مع العجلة، والصواب مع التؤدة «٣» ، ففوَّض كل أمر إلى أهله، واتئد في عقده وحله، تأمن الزلل وتبلغ الأمل.
الشركة في الرأي تؤدي إلى صوابه، والشركة في الملك تؤدي إلى اضطرابه.
أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيراً، وأجل الأمراء من لم يكن الهوى عليه أميراً. فمن حق السائس أن يسوس نفسه قبل جنده، ويقهر هواه قبل ضده.
من جدَّ في حرب عدوه وقتاله، واحتال في قتله واستئصاله-: يشغل
стр. 92
بذلك قلبه، ويسخط ربه، وينفق عليه ماله، ويكد فيه نفسه ورجاله، ثم يكون من أمره على غرر، ومن حربه على خطر. ولو استعطفه بلطف مقاله، واستصلحه بحسن فعاله، واتخذه ولياً صفياً يشاركه في الخير والشر، ويساهمه في النفع والضر، ويعضده في الأحداث والعوادي، وينجده على الأضداد والأعادي-: لكان أصلح له في دينه ودنياه، وأعود عليه في بدئه وعقباه.
لا تصطنع «١» من خانة الأصل، ولا تستنصح من فاته العقل، لأن من لا أصل له يغش من حيث ينصح، ومن لا عقل له يفسد من حيث يصلح، وذلك مما يعز توقيه، ويفوت تداركه وتلافيه.
وإذا ولّيت فولّ الملئ الوفي الذي يحسن كفايته غناؤه «٢» ، ويجمل رعايته وفاؤه، ويعلم بواطن الأمور وظواهرها، ويعرف مواردها الأعمال ومصادرها.
فالولاة أركان الملك، وخُزَّان المِلك، وحصون الدَّولة، وعيون الدعوة، وبهم تستقيم الأعمال، وتجتمع الأموال، ويقوى «٣» السلطان، وتعمر البلدان.
فإن استقاموا استقامت الأمور، وإن اضطربوا اضطرب الجمهور.
وأما من يتصل بنسبك، أو يجب حقه عليك-: فأدِم له بِشرك وإقبالك، وأفض عليه برَّك وإفضالك. فتكون قد قضيتَ واجبه، وأمنت جانبه، ووليت العمل من يقيم ميله، ويزيل خلله، ويجنيك ثماره، ويكفيك انتشاره.
وقالوا: الأمور التي يشرف «٤» بها المَلِك ثلاثةٌ: سن السنن الجميلة،
стр. 93
وفتح الفتوح المذكورة، وعمارة البلدان المعطلة.
العفو احتمال الذنب الذي لا يكون عن عمد، ولا يقصد بحد، ولا ينقض سنة، ولا يولِّد جرأةً. فأما الذنب الذي يرتكب عمداً، ويوجب جراءةً «١» -:
فالاحتمال له ترخيصٌ في الذنوب، والتجاوز عنه إبطالٌ للحدود، وذلك مما لا تحتمله السياسة، ولا تطلقه الشريعة. فلا يكونن عفوك وتجاوزك وحلمك وإغضاؤك سبباً للجراءة عليك، وعلةً للإساءة إليك. فإن الناس رجلان:
عاقلٌ يكتفي بالعدل والتأنيب، وجاهلٌ يحوج إلى الضرب والتأديب، فمن عفا عمن «٢» يستوجب العقوبة، كمن عاقب من يستوجب المثوبة.
إذا عقدت فأحكم، وإذا دبَّرت فأبرم، وإذا قلت فاصدق، وإذا فعلت فارفق. ولا تستكف إلّا الكفاة النصحاء، ولا تستبطن إلا الثقات الأمناء. وإذا استكفيتهم شغلاً، أو وليتهم أمراً-: فأحسن الثقة بهم، وأكد الحجة عليهم، ولا تتهمهم فيه، ولا تعارضهم في توليه، ما لم يعدلوا «٣» عن نصح وأمانة، ولم يقصروا عن ضبط وكفاية. فإن رأيت منهم عذراً «٤» ، أو تبينت منهم عجزاً-: فاستبدل بهم، واستوف مالك عليهم، ولا تقلد منهم أحداً، ولا تعتمد عليهم أبداً. فمن عارض مع الاستقلال والأمانة، قبض كُفاته وعمَّاله. ومن قلد مع العجز والخيانة، ضيَّع ماله وأعماله.
تجرَّع من عدوك الغُصَّة، إلى أن تجد الفرصة، فإذا وجدتها فانتهزها قبل
стр. 94
أن يفوتك الدرك، أو يعينه الفلك، فإن الدنيا دولٌ تقلبها الأقدار، ويهدمها «١» الليل والنهار.
تفقد أمر عدوك قبل أن يمتد باعه، ويطول ذراعه، وتكثر شكته «٢» ، وتشتد شوكته. وعالجه قبل أن يعضل»
داؤه، ويصعب دواؤه. فكل أمرٍ لا يداوى قبل أن يعضل «٤» ، ولا يدبر قبل أن يستفحل-: يعجز عنه مداويه، ويصعب تداركه وتلافيه. ولا تشغل نفسك بإصلاح ما بعد عنك، حتّى تفرغ من إصلاح ما قرب منك.
اعلم أن السعاية نارٌ، وقبولها والعمل بها دناءة، والثقة بأهلها غباوة. لأن الذي يحمل الساعي على سعايته قلة ورع، أو شدة طمع، أو لؤم طبع، أو طلب نفع. فأعرِض عن السعاة، وعدَّهم من جملة العداة، لأنهم يفسدون دينك، ويزيلون يقينك، وينقضون عهدك ونيّتك، ويحنقون خدمك «٥» ورعيتك، ويحملونك على اكتساب الآثام، ويعرضونك لاجتلاب الملام.
واعتمد في أعمالك على أهل المروءة، وفي قتالك على أهل الحمية، ولا تباشر الحرب بنفسك، فإنك لا تخلو في ذلك من ملكٍ تخاطر به، أو هُلْكٍ تبادر إليه.
ولتكن مشاورتك بالليل، فإنه أجمع للفكر، وأعون على الذكر، ثم شاور في أمرك من تثق بعقله ووده.
стр. 95
أي ملك أحسن إلى كفاته وأعوانه، استظهر لملكه وسلطانه. وأي ملك عدل في حكمه وقضيته، استغنى عن جنده ورعيته. وأي ملك نفذ في ملكه حكم النساء، نفذ في دولته حكم الأعداء. وأي ملك ملكته حاشيته وأصحابه، اضطربت عليه أموره وأسبابه. وأي ملك عمي عن سياسة داره ودانيته، عمي عن سياسة أقطاره وقاصيته. وأي ملك خفت وطأته على أهل الفساد، ثقلت عليه وطأة الأعداء والأضداد.
أربعة لا يزول معها ملك: حفظ الدين. واستكفاء الأمين. وتقديم الحزم. وإمضاء العزم.
وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير. وسوء التدبير. وخبث النية.
وظلم الرعية.
أربعة تولِّد المحبة: حسن البِشْرِ. وبَذْلُ البر. وقَصْد الوِفاق.
وترك النفاق.
أربعة من علامات الكرم: بذل الندى. وكف الأذى. وتعجيل المثوبة. وتأخير العقوبة.
أربعة يزلن بأربعة: النعمة بالكفران. والقدرة بالعدوان. والدولة بالإغفال. والحظوة «١» بالإدلال.
أربعة تدل على صحة الرأي: طول الفكر. وحفظ السر. وفرط الاجتهاد.
وترك الاستبداد.
أربعة توصل إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب. والجد إلى المطلوب.
стр. 96
والزهد إلى التُقى. والقناعة إلى الغنى.
أربعة لا تستغني عن أربعة: الرعيّة عن السياسية. والجيش عن القادة.
والرأي عن الاستشارة. والعزم عن الاستخارة.
ومن أمن المكائد، لقي الشدائد. ومن أمن المكر، لقي الشر.
لا تقطع قريباً وإن كفر. ولا تأمن عدواً وإن شكر.
ضعف «١» النظر يورث العثار، وضعف الرأي يورث الدمار.
قال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صفْ لي عمر بن الخطاب؟ فقال: كان عالماً برعيته، عادلاً في قضيته، عارياً من الكبر، قبولاً للعذْر، سهل الحجاب، مصون الباب، متحرياً للصواب، رفيقاً بالضعيف، غير محاب للقريب، ولا جاف للغريب.
دخل حكيم على بعض الملوك، فقال له: ما أقدمك؟ قال: حوادث الدهر، وخذلان الصبر. قال: فعندنا درك ما قصدت له، فأفدنا شيئاً.
قال: أذكر حسرات التفريط تلذَّ «٢» الحزم، والحظ مصارع الهزل تؤثر الجد، وألقِ خطرات الهوى تذكر عواقبها. إن الدهر قد نبهك من رقدتك، وأظهر لك ما كان استتر عنك، فلا حين «٣» أحين من سلامة مع تضييع، ولا عدو أقتل «٤» من أمن الاغترار، ولا تخاذل أخذل من
стр. 97
رأي ينتجته قدره «١» .
قال الحكيم: إذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد.
قال الحكيم: الحازم فيما أشكل عليه، من الرأي مثل الذي أضل جوهرة فجمع ما حول مسقطها من التراب فنخله حتى وجدها. كذلك الحازم يجمع أصناف الرأي في الأمر المشكل ثم يخلصه ويسقط بعضه حتى يحصل منه الرأي الخالص.
وذلك في كتاب الله قوله سبحانه وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
[آل عمران ١٥٩] .
قال أبو الحسن علي بن محمد الصغاني في كتاب «الفرائد والقلائد «٢» » في الاستعانة على حسن السياسة: آفة الملوك سوء السيرة. وآفة الوزراء خبث السريرة. وآفة الجند مخالفة القادة. وآفة الرعية مخالفة الطاعة. وآفة الزعماء ضعف السياسة. وآفة العلماء حب الرياسة. وآفة القضاة شدة الطمع. وآفة العدول قلة الورع. وآفة العدل ميل الولاة. وآفة الملك تضادد «٣» الحماة. وآفة الحرب إضاعة الحزم. وآفة القوي استضعاف الخصم.
وقال: الحزم الأسدّ «٤» الآراء، والغفلة أضر الأعداء. ومن قعد عن حيلته أقامته الشدائد، ومن نام عن عدوه أنبهته «٥» المكائد. ومن سالم الناس
стр. 98
سلم، ومن قدّم الحزم غنم. ومن لزم الحلم لم يعدم السلم. ومن ضعف رأيه قوي ضده، ومن ساء تدبيره أهلكه جده «١» . والغرة «٢» ثمرة الجهل، والتجربة مرآة العقل. والصبر على الغُصَّة، يؤدي «٣» إلى الفرصة. ومن استرشد غوياً ضل، ومن استنجد ضعيفاً ذل. ومن ضل مشيره قلَّ نصيره.
والأناة حسنٌ، والتودد يمن. من نام عن نصرة وليه، انتبه بوطأة «٤» عدوه. ومن دام كسله، خاب أمله. والعجول مخطىء وإن ملك، والمتئد مصيب وإن هلك. ومن بان عجزه، زال عزه. ومن استبد برأيه، خفَّت وطأته على أعدائه. وعلَّة الأمن، سوء الظن. ومن أمارة الخذلان، معاداة الإخوان. ومن علامات الإقبال، اصطناع الرجال. ومن كثرت مخافته، قلَّت آفته. ومن طلب الرياسة، أحسن السياسة. واستفساد الصديق، من عدم التوفيق. والرفق مفتاح الرزق. ومن نظر في العواقب، سلم من النوائب.
وفضيلة السلطان، عمارة البلدان.
من استحلى معاداة الرجال، استمر ملاقاة القتال. ومن فعل ما شاء، لقي ما ساء. من خانه الوزير، فاته التدبير. من كتم سره، أحكم أمره. ومن كثر اعتباره، قلَّ عثاره، ومن عمل بالرأي اعتلى مناره. ومن أحكم التجارب، أحمد «٥» العواقب. ومن أمارات الجد حسن الجِدّ «٦» . وزوال الدّول،
стр. 99
باصطناع السُّفَّل «١» . القليل مع التدبير، أبقى من الكثير مع التبذير، عزيمة الصبر، تطفىء نار الشر، فإن الصبر على ما تكرهه وتجتويه، يؤديك إلى ما تحبه وتشتهيه. من وثِق بإحسانك، أشفق على سلطانك.
إذا استشرت الجاهل، اختارَ لك الباطل. ومن اغتر بحاله، قصّر في احتياله.
ومن اغترّ بمسللة الزمن، عثر بمصادمة المحن. ومن اقتحم الأمور، لذي المحذور. ومن ترك ما يعنيه، امتُحِن بما لا يعنيه «٢» . ومن استعان بذوي العقول، فاز بدرك المأمول. ومن استشار ذوي الألباب، سلك سبيل الصواب.
ومن ضيَّع أمره ضيَّع كل أمر، ومن جهل قدره جهل كل قدر. والحازم من حفظ ما في يده، ولم يؤخر شغل يومه إلى غده. ومن طلب ما لا يكون طال به تعبه، ومن فعل ما لا يجوز كان فيه عطبه. لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا توقع بالعدو قبل القدرة. وإذا أشكلت عليك الأمور، وتغير عليك الجمهور-:
فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة النصحاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد، فلأن «٣» تسأل وتسلم، خيرٌ من أن تستبد وتندم. ومن نصحك فلا تستبدل به، ومن وعظك فلا تستوحش منه، فمن نصحك أحسن إليك، ومن وعظك أشفق عليك.
واعلم أن الأيدي بأصابعها، والملوك بصنائعها، فلا يغرّك كبر الجسم، ممن صغر في المعرفة والعلم، ولا طول القامة، ممن قصَّر في الكفاية والاستقامة، فأن الدرة على صغرها-: أعود من الصّخرة على كبرها.
стр. 100
واعلم أن سبب هلاك الملوك والممالك اطراح ذوي الفضائل، واصطناع ذوي الوسائل، والاستخفاف بعظة الناصح، والاغترار بتزكية المادح.
واعلم أن عمال الولاة بمنزلة سلاحهم في القتال، وسهامهم في النضال.
ومن ولي الملك بلا كفاة، كمن لقي الحرب بلا حماة. ومما يديم لك نصحهم ووفاءهم، ويحفظ عليك ودهم وولاءهم-: قلة الطمع فيهم، وحسن المقابلة لمساعيهم.
واعلم أنك إن طمعت منهم في ذرة، طمعوا منك في بُدْرة، وإن ارتجعت من رفقهم «١» ديناراً، اقتطعوا من ملكك قنطاراً، ثم أساءوا القول فيك، وأنكروا بِيض صنائعك وأياديك. وإذا اصطنعت فاصطنع من ينزع إلى أصل وأبوة، ويرجع الى عقل ومروّة، فإن الأصل والأبوَّة تمنعانه من الغدر والخيانة، والعقل والمروّة يبعثانه على الوفاء والأمانة، فإن كل فرع يرجع إلى أصله، وكل شيء يعود إلى طبعه.
وقالت الحكماء: الملك كالبحر الأعظم: تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذباً عذُبت، وإن كان ملحاً ملُحت.
وقالوا: مهما كان في الملك فإنه لا ينبغي أن يكون فيه خمس خصال:
لا ينبغي أن يكون كذاباً، فإنه إذا كان كذاباً فوعد خيراً لم يرجَ، أو توعد بِشرٍّ لم يُخَفْ. ولا ينبغي أن يكون بخيلاً، فإنه إذا كان بخيلاً لم يناصحه أحد، ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة. ولا ينبغي أن يكون حديداً، فإنه إن كان حديداً- مع المقدرة «٢» - هلكت الرعية. ولا ينبغي أن يكون حسوداً، فإنه
стр. 101
إن كان حسوداً لم يشرِّف أحداً، ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم. ولا ينبغي أن يكون جباناً، فإنه إن كان جباناً اجترأ «١» عليه عدوه، وضاعت ثغوره.
وقالوا: لا ينبغي للملك أن يكون جائراً، ومن عنده يلتمس العدل.
ولا سفيهاً، ومن عنده يلتمس الحلم. ولا غضوباً، لأن القدرة من وراء حاجته. ولا كذوباً، لأنه ليس يقدر أحد على استكراهه على ما لا يريد.
ولا حقوداً، لأن قدره قد جلَّ عن المكافأة.
وقالوا: أفضل الملوك من بقي بالعدل ذكره، واستملى منه من يأتي بعده.
وقالوا: من ملك فقد استوفى من رعاياه وشريعته أجرته «٢» ، وهو التملك، وبقي عليه ما يجب لهما من الخدمة، وهو إقامة السنن والدين، والعدل على الرعية، ومنع من قوي فيها عمن ضعف منها.
أي «٣» ملك أحسن إلى كفاته وأعوانه، استظهر لملكه وسلطانه.
وإذا عدل في حكمه وقضيته، استغنى عن جنده ورعيته. وأي ملك نفذ في ملكه حكم النساء، نفذ في دولته حكم الأعداء. وأي ملك ملكته حاشيته وأصحابه، اضطربت عليه أموره وأسبابه. وأي ملك خفت وطأته على أهل الفساد، ثقلت عليه وطأة الأعداء والأضداد «٤» .
إذا بُني الملك على قواعد العدل، ودعائم العقل، وحصّن بدوام الشّكر،
стр. 102
وحرس بأعمال البر-: نصر الله واليه، وخذل معاديه، وعضده بالقدر، وسلمه من الغير.
وقالت الحكماء: السلطان خليفة الله في أرضه، والحاكم في حدود دينه وفرضه، قد خصة الله تعالى بإحسانه، وأشركه في سلطانه، وندبه لرعاية خلقه، ونصبه لنصرة حقه، فإن أطاعه في أوامره ونواهيه تكفل نصره «١» ، وإن عصاه فيهما وكله إلى نفسه.
ويجب على السلطان أن لا يلح في تضييع حق ذي الحق، ووضع منزلة ذي المروءة، وأن يستدرك رأيه في صلاح ذلك، ولا يغرَّه أن يرى من صاحبه- المفعول ذلك به- رضىً. فإن الناس في ذلك رجلان: رجل أصل طباعه الشّراسة، فهو كالحيّة التي لو وطئها الواطىء فلم تلدغه-: لم يكن جديدا أن يغره ذلك منها فيعود لوطئها ثانيةً. ورجل أصل طباعه السهولة، فهو كالصندل البارد الذي إذا أُفرط في حكه عاد حاراً «٢» مؤذياً.
وقالوا: قلوب الرعية خزائن مَلِكَها «٣» ، فما استودعها من شيء فليعلم أنه فيها. وإنما سلطان المَلِك على الأجساد دون القلوب، فإن غلب الناس على ذات أيديهم فلن يقدر أن يغلبهم على قلوبهم.
وقالت الحكماء: عمود الدنيا وصلاح الدين: في مملكة عادلة، وسلطان ورع قوي، ورعية طائعة.
قلت: أذكرني قول الحكيم: «إنما سلطان الملك على الأجساد دون
стр. 103
القلوب» أمراً شهدته بمصر في سنة سبع وأربعين وخمس مائة، وهو: أن رسول ملك الحبشة وكتابه وصل إلى الملك العادل «أبي الحسن علي بن السلار «١» » ﵁، فسأله أن يأمر البطرك بمصر أن يعزل بطرك الحبشة- وتلك البلاد كلها مردودة إلى نظر بطرك مصر- فأمر الملك العادل بإحضار البطرك، فحضر وأنا عنده، فرأيت شيخاً نحيفاً مصفرَّاً، فأدناه حتى وقف عند باب المجلس، فسلم، ثم انحرف فجلس على دكلٍ «٢» في الدار، ونفَّذ إليه يقول له: ملك الحبشة قد شكا من البطرك الذي يتولى بلاده، وسألني في التقدم إليك بعزلة. فقال: يا مولاي، ما وليته حتى اختبرته، ورأيته يصلح للناموس الذي هو فيه، وما ظهر لي من أمره ما يوجب عزله، ولا يسعني في ديني أن أعمل فيه بغير الواجب، ولا يجوز لي أن أعزله. فاغتاظ الملك العادل- ﵀ من قوله، وأمر باعتقاله، فاعتقل يومين. ثم أنفذ إليه- وأنا حاضر- يقول له: لا بد من عزل هذا البطرك لأجل سؤال ملك الحبشة في ذلك. فقال: يا مولاي، ما عندي جوابٌ غير ما قلته لك، وحكمك وقدرتك إنما هي على الجسم الضعيف الذي بين يديك، وأما ديني فما لك عليه سبيل، والله ما أعزله ولو نالني كل مكروه. فأمر الملك العادل- ﵀ بإطلاقه، واعتذر إلى ملك الحبشة.
رجع القول إلى السياسة.
стр. 104
قال الحكيم: اعلم أن الملوك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى. فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهله دينهم، كان «١» دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم، ويلحق بهم الذي عليهم-: أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم فإنه يقوم به الأمر، ولا يسلم من الطعن والسخط، ولن يضر طعن مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار الدهر.
وقال الحكيم: أمرُّ «٢» ما يحتاج إليه المَلِك من أمر الدين والدنيا رأيان: رأي يقوي سلطانه، ورأي يزينه في الناس. ورأي القوة أحقهما في التبدية، وأولاهما بالأثرة، ورأي التزيين أحضرهما حلاوة «٣» ، وأكثرهما أعواناً، مع أن القوة من الزينة، والزينة من القوة، ولكن الأمر ينسب إلى معظمه.
وقال الشاعر:
ركوبك الهول ما أيقنتَ فرصتهُ ... جهلٌ، ورأيكَ بالإقحامِ تغريرُ
فاعمل صواباً تجدْ بالحزمِ مأثرةً ... فلن يُذمَّ لأهلِ الحزمِ تدبيرُ
فإن ظفرتَ مصيباً أو هلكتَ بهِ ... فأنت عند ذوي الألباب معدورُ
وإن ظفرتَ على جهلٍ فعشت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير!
стр. 105
وقال آخر:
إذا الأمرُ أشكلَ إنفاذهُ ... ولم ترَ منهُ سبيلا فسيحا
فشاورْ بأمركَ في سترةٍ ... أخاكَ أخاكَ اللبيبَ النصيحا
فرُبَّتما فرَّج «١» الناصحونَ ... وأبدّوا من الرأي رأياً صحيحا
ولا يلبثُ المستشيرُ الرجالَ ... إذا هو شاورَ أن يستريحا
وقال آخر:
تهْدَى الأمورُ بأهل الرأي ما صلحتْ ... فإن تولتْ فبالأشرارِ تنقادُ
لا يصلحُ القومُ فوضى لا سراةَ لهمْ ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا «٢»
стр. 106
٣- باب الكرم
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٢٥٤] .
ومنها: مَثَلُ «١» الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ؛ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [٢٦١] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢٦٢] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [٢٦٧] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [٢٦٨] .
ومنها: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [٢٧٢] .
ومن سورة آل عمران: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 107
فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [١٨٠] .
ومن سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [٣٦] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [٣٧] .
ومن سورة إبراهيم «١» : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [٣١] .
ومن سورة بني إسرائيل: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً [١٠٠] .
ومن سورة سبأ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ «٢» وَيَقْدِرُ لَهُ، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [٣٩] .
ومن سورة يس: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٤٧] .
ومن سورة محمد ﷺ : إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ [٣٦] إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ «٣» تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [٣٧] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
стр. 108
تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «١» ، فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [٣٨] .
ومن سورة الحديد: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [١٠] .
ومنها: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [٢٢] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ «٢» فَخُورٍ [٢٣] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [٢٤] .
ومن سورة التغابن: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[١٦] .
ومن الأحاديث
٢٦* عن علي بن زيد بن جدعان «٣» قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى
стр. 109
ليحب [أن] «١» يُرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه» «٢» .
وعن ابن جريج قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى ليحب البيت* ٢٧ الخصب «٣» » .
وعن عطاء عن عبد الله بن عمر ﵃ قال: أحب الطعام إلى الله تعالى ما كثرت عليه الأيدي «٤» .
وعن شهر بن حوشب قال: كان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع «٥» فقد كمل «٦» كل شيء: إذا كان أوله حلالاً، وذُكر اسم الله تعالى عليه حين يوضع، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله تعالى حين يفرغ منه.
وعن جابر بن عبد الله ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «كفى بالمرء* ٢٨ شراً أن يتسخَّط ما قرِّب إليه «٧» » .
стр. 110
وقال جابر ﵀: هلاكٌ بالرجل يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه له، وهلاكٌ بالقوم أن يحتقروا ما قرِّب إليهم «١» .
وعن الأصمعي عن إسحق بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد ﵀، فقدم إلينا إحدى عشرة تمرةً حمراء، وقال: هذا الجهد «٢» من أخيكم، والله المستعان.
وقال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس فيهن انتظار: الجنازة «٣» إذا وجدت من يحملها. والأيِّم «٤» إذا أصبت لها كفؤاً. والضيف إذا نزل لم يُنتظر له الكلفة.
وعن بكر بن عبد الله المزني «٥» ﵀ قال: إذا أتاك الضيف فلا تنتظر به ما ليس عندك وتمنعه ما عندك، قدِّم له ما حضر، وانتظر بعد ذلك ما تريد من إكرامه.
وقال أبو خلدة «٦» : دخلنا على محمد بن سيرين ﵀ أنا وعبد الله «٧» بن عون فقال: ما أدري ما أتحفكم؟ كل منكم في بيته خبزٌ ولحم، ولكن
следующие страницы →