وأبو المظفّر الهرويّ- واسمه محمّد بن آدم بن كمال- وقد ألّف من الكتب: شرح الحماسة، وشرح إصلاح المنطق لابن السّكّيت، وشرح أمثال أبي عبيد، وشرح ديوان أبي الطيّب المتنبّي. وكانت وفاته سنة ٤١٤ هـ[١١٨] .
وأبو نصر أحمد بن عليّ بن أبي بكر الزّوزني، فقد ورد نيسابور، وتلمذ له، ثم صار من شعراء عضد الدولة، ومات وهو شاب [١١٩] .
وأبو الفتح النحويّ اللغويّ، واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن أشرس، وهو فاضل أديب، شاعر من أهل نيسابور [١٢٠] .
وآخر سمّاه أبوبكر- في رسائله- أحمد بن عليّ [١٢١] ، ولا نعرف عنه أكثر من اسمه.
على أنّ في رسائله من الكتب التي خاطب بها تلاميذه أو التي أجاب بها عن كتبهم الواردة إليه ما جعل الدكتور شوقي ضيف يتوهم أن هنالك منصبا لتخريج التلاميذ في نيسابور كان يتولّاه أبوبكر [١٢٢] .
هذا ما كان من أمره أستاذا، أمّا ما كان من أمره مؤلفا فقد اتفّق
стр. 37
الذين ترجموا له من القدماء والمحدثين على كتابين له هما: ديوان رسائله وديوان شعره، رغم أن البديع الهمذاني قد اعترف له بالنحو «واللغة ... والعروض ... والأمثال ... » [١٢٣]
وإذا، فإن المذكور في كتب التراجم من كتبه كتابان هما:
- ديوان رسائله [١٢٤] ، وقد طبع باسم «رسائل الخوارزمي» في كوبريلي سنة ١٢٧٤ هـ؛ وفي بولاق سنة ١٢٧٩ هـ؛ وفي إستانبول ١٢٩٧؛ وفي بومباي سنة ١٣٠١ هـ ١٨٩١ م [١٢٥] . ثم طبعت هذه الرسائل باسم «رسائل أبي بكر الخوارزمي» في دار مكتبة الحياة ببيروت سنة ١٩٧٠ م وهي طبعة ملأى بالأخطاء المطبعيّة. على أن رسائل الخوارزمي لم تحقّق في أيّ من هذه الطبعات رغم وفرة نسخها المخطوطة.
- ديوان شعره، وقد سمّاه حاجّي خليفة: «ديوان أبي بكر الخوارزمي» [١٢٦] . وألمح جرجي زيدان إلى ضياع هذا الديوان [١٢٧] ، على حين اضطرب كارل برو كلمان في أمره فقال: « ... لم يبق لنا من شعر الخوارزميّ إلّا نماذج رواها صاحب اليتيمة» [١٢٨] ثم قال بعد ستة
стр. 38
عشر سطرا: إنّ ديوانه قد « ... طبع في القاهرة ١٩٠٣» [١٢٩] . ولم يقدّر لي أن أرى هذا الديوان مما يجعلني أحجم عن تقرير شيء في أمره. وأما الكتب الأخرى فهي:
- الرسائل القديمة، ذكرها الثعالبي فقال: «وقرأت فصلا للخوارزميّ من رسائله القديمة: لو كنّا نعمل على قدر النيّة لحملنا إليك خراج فارس، وعشر الأهواز ... » [١٣٠] ، ولعلّ من هذه الرسائل القديمة الفصل الذي كتبه «في ذكر إلّا ولولا» [١٣١] . ويغلب على الظنّ أن هذه الرسائل هي التي كتبها في صدر شبابه، وأنّها لم تصل إلينا.
- شرح ديوان المتنّبي، وقد ذكره الشيخ يوسف البديعي في حديثه عن شروح ديوان المتنّبي» [١٣٢] ، ولم يشر الأستاذ كور كيس عوّاد إليه في «رائد الدراسة عن المتنبّي» . على أنّ هذا الشرح لا يعرف مصيره، لأن هنالك شروحا كثيرة مخطوطة لديوان المتنّبي لا يعرف شارحوها فلعل شرحه أن يكون أحدها، أو لعله من الكتب الضائعة.
- أمالي الخوارزمي، فقد قال الميداني وهو يفسّر: «لا أفعل كذا ما غبا غبيس» : « ... ورأيت في أمالي الخوارزميّ أن معنى غبا: أظلم،
стр. 39
والغبيس: من أسماء الليل» [١٣٣] فلعل الخوارزمي المذكور هو أبوبكر فقد رأينا أنّه كان عالما باللغة وأن مثل هذه الأمالي اللغوية مما يليق باهتماماته وبدروسه التي يتلقّاها عنه تلاميذه، هذا إلى أن صاحبنا من مصادر الميداني كما سيتضح.
- الأنساب، وقد نسبه إليه الشهاب الخفاجيّ «١» ولم يذكر كنيته.
- المكارم والمفاخر، وقد نشره عزّت العطّار في القاهرة، ١٣٥٤ ١٩٣٥.
- الأمثال، وقد ذكره أبو الحسن البيهقي في كتابه «غرر الأمثال» ، فقال عند ذكره أبابكر الخوارزميّ: «إنّه ألّف كتابا في الأمثال المولدة» [١٣٤] ، وذكره الشهاب الخفاجيّ في «شفاء الغليل» مرّتين، الأولى حين تحدّث عن «الرّزّاق» فقال: « ... قاله أبوبكر الخوارزميّ في أمثاله» [١٣٥] ، والثانية وهو يتحدّث عن قولهم: «يدهن من قارورة فارغة» فقال مثل قوله الأول [١٣٦] . ثم ذكره من المعاصرين المستشرق الألمانيّ رودلف زلهايم، ولكنّه كان يعتقد أنّه ضائع [١٣٧] على الرّغم من أن نسخته المخطوطة محفوظة في إستانبول وأنّه كان اطّلع «على
стр. 40
مجموعة من مخطوطات الأمثال [١٣٨] أثناء زيارته لإستنبول في سبتمبر (أيلول) من عام ١٩٥١ م. والأمثال هو هذا الكتاب الذي أقدّم له بعد أن حقّقته.
هذا ما استطعت جمعه من أسماء مؤلفات أبي بكر، ولعلّ له مؤلّفات أخرى لم أوفّق إلى العثور على أسمائها، وبحسبي من ذلك أنني استدركت ستّة كتب على كتابيه، لم يذكرها أحد ممن اطّلعت على ترجمتهم له.
وينبغي لي أن أتحدث عن أهميّة هذا الكتاب فأقول: لعلّ هذا الكتاب هو أوّل كتاب انعقد برمّته على أمثال المولّدين لم يسبقه إليه أحد، إذ أنّ جميع الكتب التي تحدّث عنها زلهايم، والتي تناولت أمثال المولّدين متأخّرة عنه [١٣٩] . أمّا الكتب التي سبقته فهي في الأمثال العربّية الفصيحة.
ولقد بلغ الاعتداد بأبي هلال العسكري- معاصر الخوارزمي- لدي جمعه هذه الأمثال أن عاب حمزة بن الحسن الأصبهاني المتوفى في حدود ٣٥٠ هـ بما تسرّب إلى كتابه «الدرّة الفاخرة في الأمثال السائرة» من أمثال المولّدين حتى صارت «العلماء تلغيه، وتسقطه وتنفيه» [١٤٠]
стр. 41
وإذا كان مصدر أبي بكر في هذا الكتاب ما كانت قد وعته حافظته أثناء إقامته- وهو شاب- في العراق والشام، وما يمكن أن يكون قد دوّنه، فإنّ الذي يغلب على الظنّ أنه ألّفه على دفعات يبتعد بعضها عن بعض شيئا ما، وآية ذلك ما نراه من تكرار طائفة من هذه الأمثال، فقد تكرّر في الكتاب ثمانون مثلا- تزيد وتنقص- أسوق منها على سبيل التمثيل المثل الذي رقمه ٣٥٧ فقد أعاده في ٤٦٢ والمثل ٧٨٥ في ٨١١، و ٤٧٢ في ٨١٢، و ٥٣٤ في ٨٢٢، و ٤٠٩ إلى هذا التكرار يغنيني عن التعداد. ومن آيات ذلك اضطراب منهج الكتاب شيئا ما. وأوّل ما يلاحظ ذلك على تبويب الكتاب، فهو يبوّبه على أساس الموضوعات كما في بابي «ما يجري مجرى العظة ... » ،
و « ... المواعظ والأمثال» ، وكما في « ... الشتم للرجل ... » ، و « ...
مدح الرجل ... » ، ولكنّه يخرج عن هذا الأساس إلى أساس آخر بلاغيّ في «تفاريق المجون والتشبيه» ، و « ... تناول المولدين واستعاراتهم» وفي « ... الهزل في الاستعارة» ، و « ... التشبيه في كأنّ وكأنّما» ، ثم يعرض عن الأساسين معا إلى آخر هو البيئة كما في « ... أمثال السّؤال» ، و « ... الأمثال التي تفرّد بها أهل بغداد» وترتّب على هذا شيء آخر يتعلق بتوزيع الأمثال على هذه الأبواب، فقد ذكر المثل ١١٨ في «باب المواعظ ... » وهو آية من القرآن الكريم، وكذلك ٤٦٤، و ٦٨٩، ٨٦٦ فكان من حقّ هذه الأمثال
стр. 42
جميعا أن تدرج في «باب ما جاء ... في القرآن فضربت به الأمثال» .
وذكر في «بابي مدح الرّجل والشفقة عليه» جملة أمثال تبدأ ب ٥٠٦ وتنتهي ب ٥٢٤، وكلّها تبدأ ب «كأنّ» مما يجعل لها حقا أن تذكر مع أخواتها في «باب آخر من التشبيه في كأنّ وكأنّما» . وجاءت في «باب مدح الرجل» أمثال على صيغة «أفعل» مثل ٤٨٤، ٤٨٥- ٤٩٢- ٤٩٦- ٤٩٧، وكان من حقّها أن ترد في «باب أفعل من كذا» . وهنا لك أشياء أخرى كان من حقّها أن تنقل من أماكنها إلى أماكن أخرى، ولم أذكرها، لأنني أمثّل ولا أستقصي.
ومن آيات جناية الذاكرة على هذا الكتاب أن أبابكر نسي تدوين بعض الأمثال مما يعرفه هو، مثل: «جصّصت الدار بعد ما خربت» [١٤١] ، ومثل «مخلّط خراسان» [١٤٢] ، و «يقع في البئر من حفر» [١٤٣] ، وإذا كان يمكن أن يقال: إنّه من المحتمل ألا يكون المثلان الأوّلان مستعملين في العراق والشام، فإن الثالث ما يزال مستعملا في العراق إلى اليوم. ولا بدّ أن تكون هنالك أمثال أخرى سوى ما ذكرت قد غابت عن ذاكرة أبي بكر فغابت عن هذا الكتاب.
стр. 43
ولكن كلّ ذلك لا ينقص من أهميّة هذا الكتاب، ولا يقدح في قيمته كتابا رائدا في بابه فهو وثيقة اجتماعيّة تؤرخ لوجدان المجتمعين العراقيّ والشاميّ، وللوجدان العربّي الإسلاميّ بصورة عامّة من ورائهما. فإذ يمرّ ذكر البطّال عابرا- عدا تأريخ ابن عساكر. في حوادث سنة ١٢٢ هـ لدى بعض المؤرّخين نجده قد اتخذ مكانا في الذاكرة الشعبية فضرب المثل بشجاعته في: ١٢٣٤. وإذ تسكت كتب التاريخ وسواها عن الرّنداق صاحب شرطة أنطاكية نجد الذاكرة الاجتماعيّة قد ضربت المثل بشدّته في: ١١٦٢. وإذ تسكت كتب التاريخ عن علاقة واضحة بين خليفة المسلمين ورعاياه نستشف من المثل ١٠٩٩ شيئا أقرب إلى الضجر من طول أعمار الخلفاء- رغم قصرها-، ولعل هذا الموقف من الخلافة هو الذي صوّر سجون الخلفاء على الغاية من الاكتظاظ بالناس- ينظر: ١٢٢٦، ودواوين خراجهم على الغاية أيضا من الاكتظاظ بالمال [١٤٤] . ولعله هو الذي غيّب القرامطه والزنج عن ذاكرة المجتمع رغم أحاديث التاريخ المستفيضة عمّا صوّرته على أنّه من الفظائع.
وتنبيء هذه الأمثال أيضا عن تحوّل في الذوق الأدبيّ، فإذا تصوّر لنا مصادر الأدب الشعر الجاهليّ والأمويّ على أنهما الغاية التي بلغها الشعر العربيّ، وأنّه بديء الشعر بامريء القيس وختم بذي الرّمة- كما يقول الأصمعيّ- نجد الضيق بشعر امريء القيس في: ١١٨٥، وبشعر
стр. 44
الكميت في ١٢١١. مما يدلّ على أن الصراع بين القدماء والمحدثين من الشعراء قد حسم لصالح المحدثين.
وتنبيء هذه الأمثال أيضا، على خلاف اهتمام العلماء باللغة في هذا العصر مثل ابن جنّي، وأبي عليّ الفارسيّ، وابن خالويه، ومن إليهم، أقول: تنبيء عن ضيق الناس بالنحو واستعماله في بعض جوانب الحياة كما في: ١٢٥٤.
ولا أريد أن أطيل في الجوانب الاجتماعيّة التي ضمّها هذا الكتاب، وإنما أردت أن أنبّه الدارسين المهتمين بدراسة المجتمع العربي في العصور الإسلاميّة إلى ما يمكن أن يقدّم كتاب الأمثال من أشياء اجتماعيّة.
ولقد كان من الممكن أن يكون هذا الكتاب وثيقة أخرى تقدّم لنا لغة المولّدين وتراكيبها النحويّة، لو أن أبابكر قيّد نفسه أن ينقل الأمثال على هيآتها التي كانت تتداول بها، ولكنّه لم يشعرنا في المقدمة أنّه تقيّد بهذا. وإذ نحن نعرف تخفّف الناس من الإعراب في هذا العصر تخفّفا جعل المتنبّي يقول:
وكلمة في طريق خفت أعربها ... فيهتدى لي، فلم أقدر على اللّحن [١٤٥]
لا نجد في الأمثال شيئا من اللحن الذي وصف أبو الطيّب فشوّه في ألسنة الناس. على أننا إذا تجاوزنا أوضاع النحو، وهي سليمة، في هذا الكتاب وجدنا الخيال فيها- أعني في الأمثال- خيالا مولّدا حتى
стр. 45
لتلتبس هذه الأمثال بكثير من الشعر العباسي مما يفرض علينا أن نولي اهتماما أكبر لهذه العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الشعر العباسيّ والأمثال، فلقد نقرأ قول حمّاد عجرد يهجو بشارا:
إنّ بشّار بن برد ... تيس اعمى في سفينه
ونحسب أن المشاكلة بين بشّار والتيس هي في الهيأة الجسمانية، ولكنّ المثل: ٦٩٦ يقول: «وتذكر المتهوّر الأحمق فتقول: تيس في سفينة» مما يدلنا أن حمّادا لم يشبّه وإنّما كنّى عن حمق بشار وعن تهوّره.
ومن هذا الالتباس في الخيال بين الشعر والأمثال قول اللحّام الحرّاني:
هذا زمانك فاختم ... بالطين والطين رطب [١٤٦]
فقوله نظم للمثل: ٩١، ثم توسّع بدلالته.
وقوله:
كن ذكورا يا أبا يح ... يى إذا كنت كذوبا [١٤٧]
فهو أيضا نظم للمثل: ١٣٩٣.
وهناك ناحية دقيقة في الالتباس بين الخيال في هذه الأمثال، والخيال الشعريّ عند العباسيّين هي هذا الميل الشديد إلى التشخيص مما يعني
стр. 46
أنّه من طبيعة البنية الفكرية لأبناء العصر، فلقد نجد شيئا مشتركا بين قول الحمدويّ في طيلسان ابن حرب:
طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى [١٤٨]
وقول المولّدين في: ٧٣٧ « ... لو ضاعت صفعة ما وجدت إلّا على قفاه» مما يعني أنّ هنالك تصورا مشتركا بين الشاعر ومجتمعه في تناول الأشياء، وفي النظر إليها، وفي التعبير عنها.
وثمة العشرات من هذه النماذج التي تؤكّد العلاقة الوثيقة- كما قلت- بين الشعر العباسيّ وأمثال المولّدين مما يمكن أن يكتشفه القاريء بنفسه في ثنايا الكتاب، ومما يجعلني- وأنا أقرأ هذه الأمثال- أسأل نفسي عمّا إذا كان المجتمع قد تبنّى الشعر فجعله مثلا، أم أن الشاعر قد تبنّى المثل فصاغه شعرا.
وأحبّ الآن أن أقف وقفة قصيرة عند أصول هذه الأمثال فأقول: لم يكن من المقدّر لهذه الأمثال- وقد نشأت طائفة كبيرة منها في العراق والشام- أن تكون بمنأى عن ثقافة العراق القديم، إذ لم يكن العراق يوم دخله الإسلام الحنيف خاليا من سكاّنه بناة حضارة بابل، وسومر، وأكد، فكان لا بدّ للعرب المسلمين يوم استوطنوه أن يتأثروا بثقافته مثلما يؤثرون فيه، هذا إذا لم يكن العراق القديم قد أثّر- وهذا هو الراجح- في الجزيرة العربيّة قبل ظهور الديانات السماويّة مما يجعل دراساتنا في الأدب العربيّ ناقصة ما لم تعن بتأثير الثقافات العراقية
стр. 47
القديمة فيه.
وإذا، كان من الطبيعيّ أن تتأثّر هذه الأمثال بثقافة العراق القديم، فكان المثل: ٩٤٨ القائل: «قال الفيل للبقّة: لم أحسّ بك إذ وقعت عليّ، فأحسّ بك إذا طرت؟ - كما يبدو لي- تلخيصا للقصّة السومريّة القائلة: «وقفت مرّة بعوضة فوق ظهر فيل وهو يمشي، فقالت له: هل أثقلت عليك يا أخي؟ فإن كنت فعلت ذلك فإنّني سأنزل عند بلوغنا مورد الماء، فأجابها الفيل: من أنت؟ لم أحسّ أنّك كنت فوق ظهري ولن أعرف عندما تنزلين» [١٤٩] . وكان المثل: ١٨٩٧ القائل: «إن الغريب- وإن أعزّ- ذليل» قريبا- كما هو ظاهر- من المثل السومريّ «ساكن البلد الغريب مثل العبد» [١٥٠] لا يختلف عنه إلّا قليلا. وتعمد بعض هذه الأمثال إلى قلب الأمثال السومريّة مثل:
٢١٠ القائل «جزاء مقبّل الوجعاء ضرطة» إذ هو- كما يغلب على ظنّي- السومريّ: «أن تضرط الشابّة في أثناء عناق زوجها لها أمر لم يحدث منذ القدم» [١٥١] ، وكذلك ١٠١: «ليس الجمال بالثياب» إذ هو أيضا- كما يبدو- معكوس المثل السومريّ «العيون تتّجه لأحسنهم ملبسا» [١٥٢] . وقد يكتشف المختصون بالحضارة السومرّية
стр. 48
أمثالا أخرى انحدرت من أصول تلك الحضارة، أمّا من هو مثلي فحسبه التمثيل والتنبيه.
ومن باب التنبيه أيضا أن أشير إلى أن بعض هذه الأمثال- على ما يبدو- من أصول إغريقية، كقولهم في: ٣٥٣ «ما أشبه السفينة بالملّاح» ففي التراث الإغريقي أن ديوغانس «نظر إلى طوف شوك يجري به الماء- وعليه حيّة- فقال: ما أشبه السفينة بالملّاح» [١٥٣] ، وقولهم في: ١٣٢ «نعم الصّهر للمرأة القبر» فهو ينطلق- كما يغلب على الظن- من نظرة أبقراط إلى المرأة في قوله: «للمرأة ستران: بعلها وقبرها» [١٥٤] .
أمّا الكثيرة الكاثرة من هذه الأمثال فهي- كما هي طبيعة الأمور- من أصول عربيّة ولكنها تتفاوت في أزمانها. ولا أريد الآن أن أؤرّخ لهذه الأمثال، ولكن أريد أن أشير إلى صدق ما قاله المؤلّف من أنه «كان الرجل في صدر الإسلام، والآخر في الجاهلية يرسل الكلمة، فتترك ولا يتمثّل بها إلّا في أيام هذه الدولة العباسيّة» [١٥٥] . فقد وجدت أن طائفة من هذه الأمثال يعود إلى العصر الجاهليّ مثل: ٧٥؛
стр. 49
٧٧- ١٧٤- ١٨٩ وبعضها إسلامي مثل: ٢٢٣- ٢٦١- ٢٦٨- ٢٩٥، وشيئا منها يرجع إلى أيام الأمويين مثل: ١٣٠- ١٣٨٦- ١٤١٧- ١٤٣٨، ولكنّ الغالب- كما هو منتظر- المثل العباسيّ. على أنّ الذي يلفت النظر أن بعض الأمثال العباسيّة استحدثت في عصر المؤلّف- أعني القرن الرابع- مثل: ٤٦٦- ٦٤٥- ١٤٨٧ وسواها.
ولست أطيل في تاريخ ما استطعت تأريخه من الأمثال، لأن في حواشي التحقيق ما يكشف ذلك، ولأنني أريد أن أنصف الخوارزميّ في كتابه هذا من الثعالبيّ والميدانيّ، فقد ألّف الثعالبيّ كتابه «التمثيل والمحاضرة» بعد وفاة أستاذه أبي بكر، وأخذ أشياء من هذا الكتاب- أعني الأمثال المولدة- فأدرجها في كتابه مثل: ٣٥، ٣٨، ٤٤، ٤٥، ٥٢، ٥٨، ٦٤، ٦٦، ٧٦، ٨٩، ٩٠، ٩٤، ٩٨، ١٠١، ١٢١، ١٢٢، ١٤٣، ١٦٨، ١٨٨، ١٩١، ٢١٠، ٢٢٩، ٢٣٨ وسوى ذلك مما هو واضح من حواشي التحقيق، ولم يذكر هذا الكتاب في طول كتابه وعرضه حتى لكأنّ أبا بكر أستاذه لم يؤلّفه. ثم عاد الثعالبيّ فأفاد من هذا الكتاب في «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» فأفاد من ٣٧٢، ٣٨٣، ٤١٧، ٤٦١، ٤٨٥، ٦٥٥، ٦٨٨، ٧١٢، ٧٢٤ ومن سواها ثم نقل منه فنسب النقل إلى أبي بكر، وأغفل ذكر الكتاب [١٥٦] .
أما الميدانيّ فأمره آخر، فقد تحدّث عن مصادره التي رجع إليها في
стр. 50
مقدّمة كتابه «مجمع الأمثال» ، ولم يذكر أبابكر في هذه المقدّمة، ولم يذكر كتابه رغم أنه- أعني الكتاب- كان من مصادره المهمة في سرد أمثال المولدّين، فقد كان يأخذ منه- في أحيان- أمثاله حرفا بحرف كما فعل في «لا أفعل ذلك حتى يؤوب المثلّم» فقد نقله، ونقل قصّته بتمام حروفها إلّا في جملة واحدة هي قول الخوارزمي « ... فلما توسّطها حكّموا ... » [١٥٧] فقد شرح الميداني هذه الجملة بقوله: « ... فلمّا توسّطها رفعوا أصواتهم: أن لا حكم إلا الله» [١٥٨] وكما صنع ب ١٤١٢ فهو عند الخوارزميّ: «إنّ السّنّور الصّيّاح لا يصطاد شيئا. أى الفأر يأخذ منه حذره فيفوته» ، وهو عند الميداني «السّنّور الصيّاح لا يصطاد شيئا. لأنّ الفأر يأخذ منه حذره» [١٥٩] فقد أخذه الميدانيّ إلّا في شيئين هما «إنّ» لأنه يريد إدراجه في حرف السين، و «فيقوته» ؛ لأنه رآها- كما يبدو- تحصيل حاصل. وكذلك صنع ب: ١٥٤١ فقد فسّره أبو بكر بقوله: «ويقولون في الفاسق النكد في كل أحواله» ، وفسّره الميداني بقوله: «يضرب للفاسق النكد في جميع أحواله» [١٦٠] . وكما صنع في سوى هذه الأمثال مما هو واضح في حواشي التحقيق.
стр. 51
وكان ينقل الميدانيّ طائفة من هذه الأمثال فيتصرّف قليلا في مضرب المثل كما فعل- على سبيل المثال- في ٦٢٩، ٦٦٥، ٨٩٨، ٩٣٧، ٩٥٦، ٩٥٩، ١٠٠٧، ١٥٣٥، وهكذا.
وكان حين يقع في باب من أبواب كتابنا على أمثال توافق ترتيبه الهجائي ينقلها بتسلسلها كما في: ١٠٩، وفي: ٣٠١؛ ٣٠٥؛ ٣٠٦؛ وفي أمثال أخرى، وكان تتبّع هذا التسلسل على أوضح ما يكون في نقله أيّام الإسلام من هنا، فقد كاد يطابقها بأسمائها وبشروحها إلّا ما كان منها فيه شيء، فقد نقل- على سبيل المثال- يوم عين التمر، ويوم جواثى متسلسلين، وكان من المنتظر أن يذكر بعدهما يوم النّجير ولكنّه لم يفعل، فقفز عليه إلى الذي بعده أعني:
يوم صنعاء [١٦١] ؛ لأنّ النّجير قد تصحّف في الأصل على «الحير» فلم يطمئن- كما يبدو- إليه فأهمله، وكذلك فعل في «يوم الراهب؛ لأنّه يوم غير معروف، وما يقال عن يوم الراهب يمكن أن يقال عن «يوم الهنيّ» . ولا أحبّ أن أتحدث عمّا تصحّف من هذه الأيام في المجمع لأنني أحبّ أن أميل إلى أن المحقق هو الذي صحّف، فقد ورد يوم «جبابة السّبيع» والصواب أنّه «جبّانة السّبيع» ، و «يوم النجراء» والصواب: يوم البخراء، و «يوم دشنبى» [١٦٢] والصواب: يوم دستبى، و «يوم سكن» والصواب: يوم مسكن، و «يوم تل مجرى» والصواب:
стр. 52
تل محرى. على أنه من الأمانة أن أقول: إنّ يومي مسكن وتل محرى قد وردا مصحّفين في مخطوتنا كما تصحّفتا في المجمع. فهل كان أصل نسختنا المخطوطة بين يدي الميداني أم أن المحقق هو الذي صحّف؟
هذا إلى أن فكرة ذكر أيام العرب في كتاب ينعقد على الأمثال هي- كما يبدو- من بدوات الخوارزميّ، إذ لم نجد بابا للأيام في كتب الأمثال التي سبقت هذا الكتاب.
وإذا، فقد نخل الميدانيّ هذا الكتاب فأخذ منه أكثر أمثاله، ولم يذكره إلّا مرّة واحدة ذكرا أقرب إلى التضليل منه إلى الاعتراف، وذلك حين عرض إلى تفسير «أجور من قاضي سدوم» فقد قال: «قالوا:
سدوم ... مدينة ... قال الطبريّ: هو ملك من بقايا اليونانيّة غشوم» [١٦٣] .
وقلت أقرب إلى التضليل، لأنني لو لم أجد النصّ في: ١٢٠٠ من كتابنا لما ظننت، ولا ظنّ أحد أنه يعني بالطبريّ أبابكر؛ لأنّ هذا اللقب من أقلّ ألقابه شهرة نعم لو قال: محمد بن العباس الطبريّ لكان ذلك أقرب إلى الحق، وأدنى إلى التعريف به. هذا إلى أنّه- وقد ذكره- أهمل ذكر كتابه، وكأنه يريد أن يعشي العيون أن تعرف مصادره في أمثال المولّدين وإلّا فما معنى أن يذكر أماليه- كما رأينا- ويهمل ذكر أمثاله؟
وإذ فرغت مما كنت أريد قوله، ينبغي لي الحديث الآن عن المخطوطة
стр. 53
الفريدة التي اعتمدتها في تحقيق الكتاب وعن عملي فيه فأقول:
إن مخطوطة الكتاب قد جاءت ضمن مجموع فيه كتب للثعالبيّ كتب عليه: «كتاب الأمثال وكتاب منتخب سنن العرب، وكتاب تحسين القبيح وتقبيح الحسن، وكتاب تحفة الوزراء، وكتاب المبهج ومواسم العمر، وسرّ الحقيقة كلّها للثعالبيّ رحمه الله تعالى» .
وهذا المجموع من أوقاف شيخ الإسلام فيض الله أفندي على مدرسته بقسطنطينية ورقمه في مكتبة فيض الله ٢١٣٣، ومنه نسخة مصوّرة في معهد إحياء المخطوطات بجامعة الدول العربية.
والكتاب يقع في ٦٦ ورقة مسطرتها ١٥ ٢١ سم. وقد كتب في أواسط شهر شعبان من سنة ١٠٢٨ هـ بخط نسخيّ غير مشكول إلّا نادرا، وغير معجم في أحيان. وكان الأصل الذي كتبت عليه هذه النسخة قد وقع الفراغ منه «في التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة» أي بعد مضيّ تسع وخمسين سنة على وفاة مؤلّفه، ولكن النسخة- رغم قرب أصلها من عصر المؤلف- فيها من التصحيفات والتحريفات شيء غير قليل.
ولحق بالنسخة أثناء التصوير آفتان أولهما: رداءة التصوير- وهو تصوير بدائي شمسيّ يعود إلى عام ١٩٤٩ م- مما يجعل القراءة على شيء غير قليل من الصّعوبة، وثانيهما: نقص ورقتين في التصوير هما ظهر الورقة ٢٦ ووجه الورقة ٢٧، والورقة ٦٤ بوجهيها، وانحراف عدسة التصوير عن متون بعض الأوراق إلى جوانبها مما جعل الصديق
стр. 54
محمود صالح الضمّور- يوم حصل على المصوّرة- يرحل إلى إستانبول يستدرك ذلك بنسخ ما أخلّت به المصوّرة من المخطوط نفسه في مكتبة فيض الله. ولقد كان على الغاية من الأمانة- كما بدالي- في النسخ.
وإذ ذكرت الصديق الضمّور فلا بدّ لي أن أذكر أنه هو الذي سعى إلى تصوير المخطوط- كما قلت- وإذا حصل على المصوّرة، وأتمّ رسالته عن أبي بكر الخوارزميّ، أطلعني على تلك المصوّرة، فاستقرّ الرأي أن نشترك في تحقيقها إذا اقتنعت بضرورة ذلك. وجاء بعد ذلك سفري إلى الجزائر- الوطن الأرحب- وأنا شبه موقن أنّ إقامتي فيها لن تمتدّ إلى أكثر من ثلاث سنوات، أعود بعدها إلى عملي في جامعة بغداد ومعي رأيي بالمخطوطة وما أنجزته فيها فإن لم ألق الضمّور فيها فما أسهل أن ألقاه في محل إقامته في الأردنّ، ولكن جرت الرياح لا بما تشتهيه السّفن وحدها وإنّما بما لا تشتهيه البحار أيضا، فقد حيل بيني وبين بغداد، حتى توهّمت أنه لو قدّر لأحد أنه يستطيع أن يحول بين بغداد وأحلامي كما هي لفعل.
وزيد على السنوات الثلاث في الجزائر- كما قدّرتها- سبع والمخطوطة تنتظر، فخيّرت نفسي بين أمرين أولهما: أن أنتظر العودة ولقاء الضمّور الذي انقطعت أخباره عني منذ غادرت العراق إلى اليوم فأحرم الدراسات الأدبيّة من كتاب أراه مهمّا في مكتبة الأمثال، وثانيهما أن أنفرد بتحقيقه ذاكرا ما قام به الضمّور ففضّلت- بعد لأي- هذا، وبي أمل وطيد أنه أوّل من يفرح به.
стр. 55
وهكذا حقّقت الكتاب فكان عملي فيه:
تحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه بما تعقّبته من نقول الكتاب، فثبت عندي أنه «الأمثال المولّدة» [١٦٤] لأبي بكر الخوارزمي.
ثم تحقيق النصّ وضبطه وشرح ما انبهم منه على قدر ما استطعت.
وكان من جملة عملي فيه تخريج نصوصه- لا سيمّا أن النسخة التي اعتمدتها فريدة- فخرّجت أغلب نصوصه إلّا حيث سكتّ، فقد كان معنى سكوتي أنني لم أعثر في المصادر التي بين يديّ على هذا النصّ أو ذاك. على أن المشكلة التي اعترضتني في التخريج هي قلّة المصادر في حين وانعدامها في حين آخر، فقد كنت أودّ أن أخرّج «باب أفعل من كذا» من «الدّرة الفاخرة» رغم علمي أنّ الميداني قد نقله برمّته إلّا قليلا [١٦٥] . فكانت تلك الرغبة معلّقة على محال، لأن الكتاب لم يدخل إلى الجزائر كاملا.
ومن مذهبي في التخريج أنني حين أجد مثلا هو في أصله من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب- مثلا- أن أرجع إلى نهج البلاغة أخرّجه
стр. 56
منه، وألّا أعنى بما يقوله السيوطيّ- على سبيل المثال- عنه وعن نسبته وعن روايته لأمرين: أولّهما ألّا يكون السيوطي شاهدا على الإمام عليّ وبينهما تسعة قرون، وثانيهما أنني لا أرى- بعد ضبط رواية النصّ، وضبط نسبته- أن يكون التخريج مباهاة بمعرفة المصادر كما يفعل كثير من المحقّقين دونما ضرورة.
على أنّ الذي يحزّ في نفسي، لأنه كلّفني مشقّة واضطرني إلى مخالفة مذهبي، هو معرفتي أن هنالك من المصادر ما كان يكفيني الرّجوع إلى سواه، ومن الدواوين ما يجنّبني البحث في مصادر الشعر، فلم أستطع أن أستنطق تلك المصادر أو هاتيك الدواوين، لأنها ليست بين يديّ.
وأمر آخر هو أنني أهملت ترجمة الأعلام الذين ظننتهم معروفين مشهورين، فترجمت لمن ظننت بهم حاجة إلى التعريف. على أنه لا بدّ أن يكون هذا الأمر موضع خلاف، فما أظنّه أنا مشهورا قد يتصورّه الآخر مغمورا، ومن باب وضع الحقّ في نصابه أن أقول أيضا:
إنه كان بودّي ترجمة بعض الأعلام شبه المغمورين- عند بعض الناس- فمنعني من ذلك قلّة المصادر، وخوف الركون إلى الذاكرة.
وما ذكرت هذا إلّا ليلتمس لي القاريء الناقد عذرا، فما فعلت- وهو قليل- جهلا بأصول التحقيق، وإنّما أضرعتني الحمّى.
ومن عملي أيضا أنني رقّمت الأمثال، وأفردت بعضها عن بعض، فقد كان الناسخ يضع خطّا قصيرا على رأس كلّ مثل حينا، ويهمل
стр. 57
ذلك حينا آخر، مما جعلني أجتهد في فرز الأمثال فرزا يقع عليّ وزره إذا أخطأت.
ولقد كنت أتمنّى صنع فهرس هجائي لهذه الأمثال ييسّر على الباحثين الاستفادة منها فمنعني من ذلك أنني لو صنعته لكان معنى ذلك أنني أعيد تأليف الكتاب مرّة أخرى، فلا يكون الفهرس- حينذاك- أقلّ حجما من الكتاب نفسه.
ولا أريد أن أفيض في الحديث عن عملي في هذا الكتاب، فقد عملت فيه ما يعمله أيّ محقّق، ولكنني أريد أن أقول: إنني لا أشك- ولا أكاد أشك- في أنّ هنالك أشياء قد فاتتني، وأخرى يختلف معي فيها الآخرون، فرحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي فيه. على أنني لم أقصّر في الذي قصّرت فيه عن عمد، وإنّما «هذا جناي وخياره فيه» .
ولا أريد أن أمتنّ على الكتاب بما أحييت منه، وما ينبغي لي أن أفعل، ولكنني أريد أن أمتنّ عليه بما شققت به على أصدقائي الأفاضل من أمره. وإذا كنت قد تحدّثت عن فضل الضمّور عليه فضلا لا يسعه الشكر، فإنّه يسرّني كثيرا أن أثني ثناء حارّا على صديقيّ الكريمين الأستاذين: الدكتور أبي العيد دودو، وعبّود عليوش اللذين لم يبخلا عليّ بمشورة، ولم يضنّا عليّ بكتاب من مكتبتيهما العامرتين، فلهما مني أصدق الشكر وأجمل الثناء. ويزيد من ثقل ما طوّقنيه الدكتور دودو من فضل في هذا الكتاب أنه نظر فيه بعد إذ أنجزته فخرج بملاحظات أفدت منها، فكان من حقه عليّ أن أشكره مرّتين.
стр. 58
ورحم الله أبابكر الذي أهداني فرصة ثمينة تعلّمت فيها منه ما لم أجده عند سواه من المؤلفين، فقد تلمذت له في هذا الكتاب تلمذة أرجو أن يكون رضيها بما استنطقت من كتابه، وبما أنصفته من الآخرين الذين عدوا على حقّه وعلى علمه. والله وحده الموفّق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
محمد حسين الأعرجي معهد اللغة العربيّة وآدابها جامعة الجزائر
стр. 59
الصفحة الأولى من المخلوط
стр. 60
الصفحة الأخيرة من المخطوط
стр. 61
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. أللهمّ إنّا نسألك قولا بالحقّ، وعملا به، وطلبا للرّشد وانتهاء إليه، ونعوذ بك من أن يشغلنا الهزل عن الجدّ، وأن يستحوذ علينا الباطل دون الحقّ، وأن نهرب إلى دعة الجهل وحلاوته عن تكلّف العلم ومرارته، وأن يغرّنا ثناء الناس علينا عن أنفسنا، ويغلبنا حسن ظنونهم على يقيننا، وأن نقنع من العلم بالتظرّف، ونرضى من الأدب بالاسم، ومن الفهم بالرّسم، فقد كثر المدّعون، وقلّ المتحقّقون، وتراضى النّاس بأن يقرّ بعضهم لبعض بما هم عارون منه، وقنعوا بأنّ يتسمّوا بما هم خالون منه، فصار العلم بالمجادلة، وأصبح الأدب بالشّغب والمصايحة، وجلس في كلّ زاوية عالم لم يعلم، ومفهّم لم يفهم، يتسلّل من العلم لواذا، ويداخل أهل الحقائق بالمخاريق، ويسبح في أودية الدّعوى بكفّ الباطل، فإن طولب ببرهان تترّس بالعربدة، وإن سئل عن شيء تأخّر [١] وتشاغل بالمعارضة.
وما أخوفني أن أذمّ الزّمان وأنا آلته، وأقع في المدلّسين وأنا منهم، وأشكو الزّمان وأنا هنته [٢] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ
стр. 62
بِالسُّوءِ
[١] .
ثمّ إنّ هذا كتاب صنّفناه نداري به الزّمان، ونجانس بتأليفه الوقت، ولكلّ زمان تصنيف يحكيه، وفي كلّ وقت علم يقتضيه، وربّما ضاق الوقت عن صرف الجدّ، وجلّ عن كلّ الهزل، فاحتيج إلى سلوك طريقة بينهما، ولكلّ مقام مقال، ونحن نخرج من عهدة هذا الكتاب، ونبرأ إلى النّاظر فيه من عيبه عنده، ونكشف له عن صورته فيه، ليكون نظره فيه عن بصيرة، وتركه له عن معرفة، فإنّه إن طلبه غير عارف بفضله كان مقلّدا، وإن رفضه دون إقامة الحجّة كانّ متحاملا متعصّبا.
هذا- أرشدك الله- كتاب التقط من أفواه الشّطار والعيّارين، وجمع في مجالس المغنّين والمضحكين، وروي من البمّ والزّير، وحصل في أثناء البرابط والمزامير، وسمع أكثر ما فيه من السّؤّال والسّابلة، وتلقّف من كلام الظّرفاء والصّوفيّة، فإن طالبتنا في أسانيده باسم الحسن البصريّ وبالرّواية عن بكر بن عبد الله المزني [٢] والمراسيل عن فرقد السّبخي [٣] ، والسّماع عن محمّد بن كعب
стр. 63
القرظيّ [١] ، وقتادة بن دعامة السّدوسي [٢] ، وأخذتنا في أبياته برواية الأصمعيّ، واختيار المفضّل الضّبّي، وتصحيح أبي عثمان المازنيّ، وإجازة محمّد بن المستنير النّحويّ [٣] ، وأبي [٤] عبد الله بن الأعرابيّ، أو أردت منّا [٢ و] في أمثاله أن يكون من حكم أكثم بن صيفيّ [٥] ،
стр. 64
أو أمثال بيهس الفزاري [١] ، أو نوادر عامر بن الظّرب العدوانيّ [٢] ، وعمرو بن حممة الدّوسي [٣] ، كنت قد طالبتنا بما نعيى به [٤] ، وتحكّمت علينا بما نعجز عنه، وكلّ شيء من معدنه يجلب، وكلّ متاع في قرارته يطلب.
ونحن نعتذر إليك من الحاجة إلى جمع هذا الكتاب بما عليه جلّ أهل الزّمان، وخدم السّلطان من الميل إلى الأدب الرّطب لسهولته، والنّفور عن الأدب اليابس لوعورته، حتّى إنّ أحدهم يتطيّر من شعر أهل الجاهليّة، ويتبرّم بعويص النّحو واللغة، ويضرب «قفا نبك» مثلا لكلّ مبتذل، ويجعل «عفت الدّيار» معيارا لكلّ متروك مهمل. قال بعضهم [من الطويل] :
стр. 65
خلقنا على باب الأمير كأنّنا ... «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» [١]
وقال آخر [من الوافر] :
خلقنا عنده حتّى كأنّا ... «ألا هبّي بصحنك فاصبحينا» [٢]
وقال آخر [من الطويل] :
وأرزاقنا لا تستبين وجوهها ... «لما نسجتها من جنوب وشمأل» [٣]
وإنّما الأدب- أرشدك الله- لسان، واللّسان آلة تنفق بطلب الطّالب لها، ورغبته بها، كما تكسد برغبته عنها، وانزوائه منها، فالمهمل إذا احتيج إليه مستعمل، والمستعمل إذا استغني عنه مهمل، ولذلك من الشأن ترك النّاس ذكر الشّيح والقيصوم، وأقبلوا على ذكر النّرجس،
стр. 66
والورد، وطووا ذكر الأثافي والرّماد والوقوف على الأطلال والأوتاد إلى ذكر البساتين والأنهار، والتعلّل بالأنوار والأزهار، وأغبّوا ذكر «زينب» و «عثمة» وأكثروا ذكر «تحيّة» و «نزهة» ، إذ كان هذا أجرى على لسانهم، وأشبه بحكم زمانهم، وقد قال أمير المؤمنين [١] : «الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» ، فبالجملة أنّ الناس بالزّمان، والزّمان بالسلطان، والسّلطان متصرّف على حكم حاشيته وبطانته، وناظر بأعين كتّابه وكفاته، وجلّهم بل كلّهم مائل عن مرارة [٢] الجدّ إلى حلاوة الهزل، يستبشع الإعراب ويلعن الأعراب، ويتطيّر من شعر الشماخ والطّرمّاح إذا رووه، وينفر من كلام قسّ [٣] و [ابن] الأهتم [٤] إذا حكوه، فإن فاوضه مستعطف ببيت لحاتم طيّء زوى وجهه، وصعّر
стр. 67
خدّه، وسدّ أذنه، وجعل حرمان من أنشده جزاءه، هذا إذا لم يتعدّ ذاك إلى شتم الحيّ، ولعن الميت.
ولما كان الشأن هذا الشأن، والزمان هذا الزّمان، وضعت هذا الكتاب، وجمعت فيه أمثالا استحدثها مولّدو [١] العصر، وأنشاء [٢] الزّمان، وأبناء الدولة العباسيّة من أهل بغداد وغيرها من العراق، ودمشق وذواتها من الحجاز [٣] ، وهي قريبة إلى الفهم، عذبة على اللسان، مقبولة في القلب، لا يجهلها العامّة، [٣ و] ولا يتكبّر عنها الخاصّة، وأكثرها مرسلة لا يعرف أصحابها لإتيان الزّمان على ذلك، ولأنّ كلام العرب لا تقيّده الأفهام، ولا تشغل بتخليده الأقلام، ولا يجري في الضّبط والرواية مجرى كلام العرب الذين حفظوا أنسابهم، وقيّدوا آدابهم، وعلموا أن الأمثال حكمتهم فوعوها، وأيقنوا أنّ الأشعار دواوينهم فرووها، فأخذها الباقي عن الماضي، وتلقّفها المستفيد عن الرّاوي حتى وصلت إلينا فأودعناها الكتب، وشغلنا بها الخواطر.
وإنّما غايتنا في هذه الأمثال أن نلتقطها من أفواه الكتّاب في الدّواوين، والتّجّار في الأسواق، والغرباء في الأسفار، والخلعاء في
стр. 68
مجالس الطّرب، والمتكلّمين في مجالس الجدل، والشّعراء في مواضع المبادهة والمناداة، والملوك والعمّال في مجالس الخلوة والمنادمة، لمّا رأيناها في المحافل أجول، وبالقلوب أعلق، وبالوقت أليق.
وليس كلّ ما قاله رجل يتمثّل به حكيناه، ولا جميع ما استعاره مستعير في صفة أو مدحة أو هجاء أو معاتبة نسقنا [هـ] ، وإنّما قصدنا المثل السائر الذي لم ترسله العرب الأول الحجازيّون، ولا ذكره المصنّفون الذين انتدبوا لجمع هذا الباب كأبي عبيد، والمفضّل الضبّي، وكالأصمعيّ، وعليّ بن الرّبن [٣ ظ] الطبريّ [١] ، وقبلهم عبيد بن شريّة الجرهمي.
وليس كلّ نعت صائب، ولا كلّ كلام فصل يسمّى مثلا، وإنّما المثل ما استعمله غير واضعه وهو يقبله، ووضعه في أثناء كلامهم الخاصّة والعامّة، فقد قال قوم في الجاهليّة وصدر الإسلام أقوالا لو استعملت لكانت أمثالا، بل كانت تربي على كثير ممّا استعملوه،
стр. 69
فدفنت تحت النّسيان، وماتت في أثناء الدّفاتر، وليس لهذا الباب حدّ معلوم، ولا رسم مرسوم، وإنّما هو على حسب ما يعرض للبخت، وينفق في الوقت. قالت الخنساء [من البسيط] :
كأنّه علم في رأسه نار [١]
وقال النابغة [من الطويل] :
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع [٢]
وقال الأخطل [من البسيط] :
كالعرّ يكمن حينا ثمّ ينتشر [٣]
وقال آخر [من الوافر] :
كأنّي بين خافيتي عقاب [٤]
стр. 70
وقال أبو تمّام [من الكامل] :
كتضاؤل الحسناء في الأطمار [١]
وقال الأعشى [من البسيط] :
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل [٢]
وقال القطاميّ [من الوافر] :
كأنّ الناس كلّهم لأمّ ... ونحن لعلّة علت ارتفاعا [٣]
وقال جرير [من الوافر] :
[٤ و] كأنّ بني طهيّة رهط سلمى ... حجارة خاريء يرمي كلابا [٤]
وقال النابغة [من الوافر] :
كأنّك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشنّ [٥]
стр. 71
وقال آخر [من الطويل] :
ويوم كإبهام الحبارى قطعته
وقال الفرزدق [من الكامل] :
والشّيب ينهض بالشّباب كأنّه ... ليل يمرّ بجانبيه نهار [١]
فهذا باب في التشبيه والتمثيل.
وقال زهير [من الكامل]
ولأنت أشجع من أسامة [إذ ... دعيت نزال، ولجّ في الذّعر] [٢]
وقال آخر [من الطويل] :
سرت ما سرت من ليلها ثمّ عرّجت ... على رجل بالعرج [٣] ألأم من كلب
стр. 72
وقال ابن الحكم [من الوافر] :
لأنت زيادة في آل حرب ... أحبّ إليّ من وسطى بناني [١]
وقال آخر [من الطويل] :
حديثك أشهى عندنا من ألوقة ... تخيّرها غرثان شهوان للطّعم [٢]
وقال أبو تمّام [من الكامل] :
غرّاء أحلى في الفؤاد من المنى ... وألذّ من ريق الأحبّة في الفم [٣]
وقال ديك الجنّ [من الوافر] :
[٤ ظ] وأقوام أعزّ من المآقي ... تركتهم أذلّ من الخصاف [٤]
стр. 73
وقال محدث [مخلّع البسيط] :
أحسن من منية التمنّي ... ومن عطاء بغير منّ
وقال آخر [من الطويل] :
وأنطق من قسّ وأمضى إذا مضى ... من البيض إن مسّ النفوس نكالها
وقال الحطيئة [من الطويل] :
فإنّ الذي سالوكم فمنعتم ... لكالتّمر، أو أحلى لديهم من التّمر [١]
وقالت ليلى الأخيليّة [من الطويل] :
стр. 74
وتوبة أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر [١]
وقال أوس بن غلفاء [من الوافر] :
هم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام [٢]
وقال أبو تمام [من البسيط] :
وأنت أنزر من لا شيء في العدد [٣]
وقال حمّاد عجرد [من الهزج] :
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد [٤]
стр. 75
وقالت سكينة: كنت أحسن من السّماء، وأعذب من الماء [١] .
وقالت أخرى: كنت أحسن من النار الموقدة [٢] .
وقال آخر: كلّمني بكلام أحرّ من المرجل، وأخشن من الجندل، وأمرّ من الحنظل. وقال آخر: إنّه لأحرص من ذرّة على الذي تجمعه للشتاء.
وقال الحسن بن هانيء [من الطويل] [٣] .
وأبخل من كلب عقور على عرق
وقال خالد بن صفوان [٤] : هو أثقل من الترنجبين في إثر الحجامة بعقب التّخمة في يوم ومد [٥] . [٥ و] وقال آخر [من الرجز] :