← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 104

المدخل إلى صحيح البخاري

محمد أبو الهدى اليعقوبي

Полный текст (291 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤. الإمام أبو الهيثم محمد بن مكيٍّ الكُشمِيهَنِيُّ (-٣٨٩) ٥. الإمام الفقيه أبو زيدٍ محمد بن أحمدَ المروزيُّ (٣٠١ - ٣٧١) سمع منه الصحيح سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. أشهر أصول الجامع الصحيح: تفرعت عن رواية الفربري نسخ صارت فيما بعد أصولًا، منها ما اعتمد على رواية واحدة، ومنها ما جَمع بطريق السماع أو المقابلة أو كليهما بين عدة روايات. واخُتصَّت بعض هذه النسخ بالانتشار في بعض البلاد دون سواها. ومن أشهر الأصول التي اعتنى بها ومقابلتها على ما اطلعوا عليه من الأصول القديمة للجامع الصحيح: ١. أصل الإمام العلامة الحافظ أبي ذرٍّ عبدِ بن أحمد الأنصاريِّ الهروي المالكي المولود سنة ٣٥٥ أو ٣٥٦ المتوفَّى سنة ٤٣٤. وروايته هي طريقة المكيين والمغاربة. وهي أشهر النسخ القديمة وأصحُّها، فإنه عارضها بأصول ثلاثة هي: أصل ابن حَمُّويَهْ السَّرَخسِي، وأصلُ أبي إسحاق المُستملي، وأصلُ أبي الهيثمِ الكُشْمِيهَنِيِّ. وعلى هذا الأصل اعتمد الحافظ العسقلاني في شرحه فتح الباري، وقال فيه: "أتقن الروايات عندنا هي رواية أبي ذرٍّ عن مشايخه الثلاثة، لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها". ٢. أصل الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبي الوقت عبدِ الأول بنِ عيسى السِّجْزيِّ الصوفيِّ الهرويِّ (٤٥٨ - ٥٥٣): رحل مع أبيه ماشيًا على قدميه وهو ابن عشر سنين من هَراةَ إلى مدينة بُوشَنْجَ ليسمع الجامع الصحيح من الإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن المظفر الداودي. ورواية أبي الوقت هي طريقة الشاميين والبغداديين، وهي الرواية المنتشرة الآن في معظم أرجاء العالم الإسلامي.

стр. 107

٣. أصل الشيخة المسندة العالمة أم الكرام كريمةَ بنتِ أحمدَ بن محمد بن حاتم المَرْوَزِيِّة (-٤٦٣).: سمعت الجامع الصحيح على أبي الهيثم الكُشميهني، وروايتها هي طريق المصريين. وعُمِّرت حتى بلغت مائة سنة. ٤. أصل الإمام الحافظ أبي علي الحسين بن محمد الصدفي المولود سنة ٤٥٤ المتوفَّى شهيدًا مفقودًا في وقعةِ قَتَنْدَةَ سنة ٥١٤، سمعه على القاضي أبي الوليد سليمان بن خلفٍ التُّجيبيِّ الباجيِّ الأندلسيِّ (٤٠٣ - ٤٧٤) بسماعه على أبي ذرٍّ الهروي، لازمه القاضي أبو الوليد الباجي في مكة ثلاث سنوات. وهو أصل عظيم بخط الصدفي، عليه سماعات نفيسة أحدها للقاضي عياض، احتفى به العلماء لجلالة قدر الصدفي، وعلو رتبته، وإجماع الناس على إمامته.، وقد ألف القاضي عياض في أخباره كتاب: المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي. ومن آيات سَعة علمه قوله لأحد الفقهاء: "خُذِ الصحيح فاذكُر أيَّ متنٍ أردت تدقيقَه أَذكرْ لك سندَهُ، وأيَّ سندٍ أردتَ أَذكرْ لك مَتْنَهُ". وقد انتقل أصل الصدفي من بلد إلى بلد، ووصفه العلماء، ونظموا فيه الأشعار، ونقلوا بعض ما عليه من السماعات، وانتهى به المطاف عند السيد الإمام محمد بن علي السنوسي (-١٢٧٦) في زاويته بجُغْبوبٍ. وفي مطلع سنة ١٣٨٨ زار السفير الأستاذ عبد الهادي التازي ﵀ زاوية جغبوب، وبذل جهدًا في البحث عنه بين نحو ألف مخطوط في مكتبة الزاوية، ولم يعثر له على أثر، إلى أن تبين أن العلامة الطاهر بن عاشور قد استعاره من مكتبة بنغازي، وبقي عنده عشر سنوات. فأرسل الملك إدريس السنوسي مبعوثًا بطائرة خاصة أحضره، وفرح الملك بعودته أكثر من فرحه باكتشاف النفط، وبقي الأصل في إقامة الملك بطبرق، ثم فقد بعد رحيل الملك إلى القاهرة. وبقيت رواية الصدفي متداولة في المغرب من طريق أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة عن الصدفي، وأحيانًا بواسطة عمه أبي عمران عن الصدفي.

стр. 108

٤. نسخة الحافظ أبي عمران موسى بن سعادة الأندلسي المتوفى بعد سنة ٥٢٢، نسخها بيده سنة ٤٩٢، رواها عن صهره أبي علي الصَّدَفيِّ. وعليها كان اعتماد المغاربة فيما مضى. وفي وصفها وبيان مكانتها ألف السيد محمد عبد الحي الكتاني رسالته: (التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة)، فذكر أنها كانت في خمسة أسفارٍ، فقد منها الأول ثم الثالث، وما زالت بقيتها في الخزانة العامة بالرباط، وطبع المستشرق بروفنسال الجزء الثاني منها طبق الأصل سنة ١٩٢٨. ومن هذه النسخة نُقلت عدة نسخ أهمها نسخة لأبي المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (-١٠١٣)، عليها حواشٍ بخط العارف أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي (-١٠٣٦)، تُعرف بالنسخة الشيخة، اطلعنا عليها في خزانة السيد أحمد بنسليمان في الرباط، إلا أنها تنقص جزءًا. واطلعنا في شهر شوال من سنة ١٤٤٠ في سوق الكتب بإستنبول على جزءين من نسخة خماسية نسخها الشيخ عبد القادر بن علي الفاسي (-١٠٩١) من نسخة أبي عمران. وفي مكتبة مراد ملا في السليمانية بإستنبول فرعٌ عنها برقم ٥٧٧ كتب سنة ٥٥٠ وقوبل على أصول الصدفي وأبي عمران وأبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن الدباغ (٤٨١ - ٥٤٦)، عليها خط محمد بن يوسف بن سعادة (٤٩٦ - ٥٦٥)، سنة ٥٥٥، وهو ابن أخي أبي عمران. وهي كنز ثمين، نشره طبق الأصل مركز البحوث الإسلامية في إستنبول ورئاسة المخطوطات وقدم لها بمقدمات نفيسة الشيخ محمد مجير الخطيب الحسني والأستاذ الدكتور عرفات أيدين، جزاهما الله تعالى خيرا. ٥. نسخة الإمام أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (-٣٩٢)، روى الصحيحَ عن الإمام أبي زيد محمد بن أحمد المروزي عن الفربري، قرأه عليه بمكة سنة (٣٥٣)، ثم رواه عنه ببغداد بين سماع وقراءة سنة ٣٥٩. ورواه أيضًا عن القاضي أبي أحمد محمد ابن محمد بن يوسف الجرجاني (-٣٧٣).

стр. 109

٦. نسخة الإمام رضي الدين محمد بن الحسن الصَّغَّاني (٥٧٧ - ٦٥٠) وتعرف بالنسخة البغدادية، رواها عن أصحاب أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي. وقد اطلع على النسخة التي كانت عند الفربري، وقابل نسخته عليها. ونسخة الصَّغَّاني من النسخ التي اطلع عليها الحافظ أبو الفضل العسقلاني واستفاد منها. ويجب التنبيه هنا إلى أن الرواية بالسماع أعلى من الرواية بالوجادة، وغاية شأو المقابل أن يقول: وجدت بخط فلان، ولكن الراوي بالسماع يقول: حدثنا فلان قال حدثنا فلان، ولهذا البحث تتمة وفيه تفصيل لا يتسع له هذا المقام. وقد أشارت دراسة صدرت عن الطبعة التي نشرها الشيخ أحمد علي السهارنفوري (١٢٢٥ - ١٢٩٧) للصحيح في دلهي سنة ١٢٦٩ إلى أنه اعتمد على نسخة الصغاني هذه، والناشر من كبار تلامذة الشيخ عبد الغني المجددي، وقد نشر مع الصحيح حاشية له ساعده في إتمام آخر خمسة أجزاء منها الشيخ محمد قاسم النانُوتَوِي (١٢٤٨ - ١٢٩٧). ٧. نسخة الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي (-٥٧١) .. ٨. نسخة الإمام الحافظ شرفِ الدِّينِ أبي الحُسينِ عليِّ بنِ مُحمَّدٍ اليُونِينيِّ الحنبليِّ (٦٢١ - ٧٠١). وهي أصح النسخ على الإطلاق. وقد أصبحت عمدة المحدثين من بعده في المشرق والمغرب، وعليها اعتمد الإمام شهاب الدين القسطلاني (-٩٢٢) في شرحه إرشاد الساري. وهي آخر النسخ المحررة من صحيح البخاري، ولم يقم أحد بعد اليونيني بعمل يطاول عمله أو يقرب منه، بل أصبحت نسخته هي الأصل الذي يعتمد عليه العلماء، وسنفردها بمزيد من الكلام فيما بعد، وأعظم الفروع المستنسخة منها فرعُ الإمام عبد الله بن سالمٍ البصري المكي (-١١٣٤).

стр. 110

سبب اختلاف روايات الجامع الصحيح: يرجع السبب الأهم في اختلاف بعض روايات الجامع الصحيح إلى أن البخاري رحمه الله تعالى ترك بياضًا في مواضع متعددة من نسخته، وكأنه أراد أن يزيد فيه، وأدخل في مواضع متعددة زيادات في الهوامش، منها أحاديث، ومنها أبواب، فاجتهدَ مَن نَقَلَ مِن نسخته بعد ذلك في إلحاقِ كل باب أو حديث بموضعه، فحدث لذلك الاختلاف. قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٠٣ - ٤٧٤) في مقدمة كتابه التعديل والتجريح لمن خرَّج عنه البخاري في الجامع الصحيح: "وقد أخبرنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ الهروي الحافظ ﵀ قال: حدثنا أبو إسحاقَ المُسْتَمْلي إبراهيمُ بن أحمدَ قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يَتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجِمُ لم يُثبِت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق ورواية أبي محمد ورواية أبي الهيثم ورواية أبي زيد - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم، فيما كان في طرةٍ أو رقعة مضافةٍ أنه من موضع ما.، فأضافه إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلةً ليس بينها أحاديث" .. وقد اعترض القسطلاني على كلام الباجي بعد أن نقله بقوله: "وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر، من حيث أن الكتاب قُرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يُقرأ إلا مرتَّبًا، مبوَّبًا .. فالعبرة بالرواية، لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها". وهو يقرر بذلك أن الاعتماد عند اختلاف السماع والخط يكون على السماع لا على الخط، لأن الرواية بالخط إن لم تقترن بالسماع تعد روايةً بطريق الوِجادة، وهي أضعفُ طرق تحمل الحديث.

стр. 111

الفصل السابع: النسخة اليونينية المبحث الأول: ترجمة اليونيني هو الإمام الحافظ المحدث، الفقيه الأوحد، بقية السلف، شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله اليونيني الحنبلي. ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين سبط سيدنا رسول الله ﵌. ولد ببعلبكَّ في رجب سنة ٦٢١ في بيت علم وفقهٍ وحديث. فوالده هو الشيخ الفقيه المحدث الزاهد أبو عبد الله محمد تقي الدين اليونيني الحنبلي (٥٧٢ - ٦٥٨). وله أخ مؤرخ اسمه قطب الدين موسى هو مؤلف ذيل مرآة الزمان، طبع في دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد بالهند في أربعة مجلدات. واليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بعلبك اسمها يونين، ويونان. تلقى العلم على أشهر شيوخ الشام ومصر فقد دخل دمشق وأقام بها، ودخل مصر خمس مرات، وحدَّث في دار الحديث الظاهرية بدمشق ومن الكتب التي حدث بها.: مسند الشافعي وسنن الشافعي والمحدث الفاصل للرامهرمزي. سمع صحيح البخاري على أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزَّبيديِّ الرَّبَعِيِّ سنة ٦٣٠ وعمره تسع سنين، يقول في وصف هذا السماع: "وهي أصل سماعي من صحيح البخاري، الذي أخبرني به الإمام العالم الثقة، أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر عبد الله بن المبارك بن محمد بن يحيى ابنُ الزَّبيديِّ الربعيُّ السُّلاميُّ بقراءة سيدي ومولاي والدي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله

стр. 112

اليونينيِّ، والحافظ الإمام العلامة، مفتي الشرق، رئيس الأصحاب، حجة العلماء: تقيِّ الدين أبي العباس أحمدَ بن الإمام العلامة الحافظ عز الدين محمد بن الإمام العلامة حجة الحفاظ الحافظ تقيِّ الدين أبي محمد عبد الغنيِّ بنِ عبد الواحد ابن علي ابن سرور، وقراءة ابن عمه الإمام العالم شرفِ الدين بن أبي محمد الحسن ابن الإمام الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغنيِّ، والإمام العالم المحدث سيف الدين أبي / [١] العباس أحمدَ بن عيسى بن الإمام العلامة موفَّقِ الدين أبي محمد عبد الله بنِ أحمدَ بن محمد بن قدامةَ المقدسيِّينَ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بدمشق المحروسة في قلعتها". له مشيخة خرَّجها تلميذه محمد بن أبي الفضل البعلبكي (-٧٠٩) وهي ثبت شيوخه ومروياته. ومن شيوخه: - الحسن بن الحسن الجواليقي (-٦٢٥) - محمد بن عبد الله بن المبارك البندنيجي (-٦٢٥) - عبد الله بن عمر بن علي اللتي أبو المنجا (-٦٣٥) - زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (٥٨١ - ٦٥٦) - والده الشيخ الفقيه المحدث الزاهد أبو عبد الله محمد تقي الدين اليونيني الحنبلي (٥٧٢ - ٦٥٨) ومن تلاميذه: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (-٧٢٨)، والحافظ القاسم بن محمد البِرزالي (-٧٣٩)، والحافظ شمس الدين الذهبي (-٧٤٨). وهذا نموذج من خط الإمام اليونيني، من مخطوط للجمع بين الصحيحين للحُميدي،

стр. 113

تحتفظ به مكتبة جامعة برنستون في ولاية نيوجرسي الأمريكية برقم (٢٢١٣ Y) . ويغلب على ظننا أن المخطوط دمشقي، وأنه اشتُري من دمشق وضُم إلى مجموعة (غاريت) في المكتبة، فقد رأينا خلال زياراتنا للمكتبة عددًا من نفائس المخطوطات التي كانت في بيوتات دمشقية عريقة، ورأينا عليها تملكات بعض كبار العلماء. اللوحة (١) نموذج من خط الإمام اليونيني (كتاب الجمع بين الصحيحين للحُميدي من مكتبة جامعة برنستون بأمريكا)

стр. 114

توفي اليونيني شهيدًا في رمضان ليلة الجمعة سنة ٧٠١ حيث دخل خزانة الكتب في مسجد الحنابلة ببعلبك، فدخل عليه شخص يدعى موسى المصري الناشف، وُصف بالفقير، فضربه بعصًا على رأسه عدة ضربات، ثم أخرج سكينًا صغيرة، فجرحه في رأسه أيضًا.، فاتقى الشيخ بيده فجرحه فيها. وأُمسك الضارب وأخذ إلى متولي بعبلك وضُرب ضربًا مبرِّحًا وحُبس فأظهر الجنون. وحُمل الشيخ إلى داره وأتم صيامه، ثم حصل له حُمَّى واشتد مرضه، حتى توفي يوم الخميس، وصُلِّيَ عليه بالجامع الأموي بدمشق صلاةَ الغائب. قال الصلاح الصفدي في أعوان النصر: "عُني بالحديث وضبطه، وبالفقه واللغة. وحصَّل الكتب النفيسة، وكان في وقته عديم النظير في بابه، ليس له مشارك في عشرته لأصحابه". وقال الذهبي في السير: "واستنسخ صحيح البخاري، وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة وأسمعه إحدى عشرة مرة. وروى الكثير، وكان شيخًا مَهيبًا مُنوَّرًا، حلوَ المجالسة، كثيرَ الإفادة، قويَّ المشاركة في العلوم، حَسَنَ البِشر، مَليحَ التواضع". قرأ عليه الذهبي القراءاتِ العشرَ، والأحكام الكبرى للحافظ عبد الغني المقدسي، بسماعه من أبيه، بسماعه من مؤلفه. المبحث الثاني: وصف النسخة اليونينية هي نسخة خطية من الجامع الصحيح للإمام البخاري تُنسب للإمام الحافظ شرفِ الدِّينِ أبي الحُسينِ عليِّ بنِ مُحمَّدٍ اليُونِينيِّ الحنبليِّ (٦٢١ - ٧٠١). اتفق العلماء على أنها أصح نسخ الجامع الصحيح، لأسباب عديدة تتعلق بالجهود التي بذلها الحافظ اليونيني في مقابلة هذه النسخة على أهم الأصول المتوافرة في عصره، وذكر الفروق والاختلافات بين هذه الأصول، ثم لاعتنائه الشديد برواية الصحيح وإقرائه، خصوصًا في المجلس

стр. 115

الشهير الذي حضره عدد من كبار العلماء على رأسهم إمام العربية جمال الدين محمد بن عبد الله ابن مالك الطائي الجَياني الأندلسي (-٦٧٢). وهي النسخة التي اعتمد عليها الحافظ شهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري. قال الحافظ شمس الدين الذهبي في وصف عمل الإمام اليونيني: "استنسخ صحيح البخاري وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة وأسمعه إحدى عشرة مرة. وقد ضبط رواية الجامع الصحيح، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العزيِّ خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرٍّ الهروي، وبأصل مسموع على الأَصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصل مسموع عن أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام اللغوي النحوي جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الطَّائيِّ الجَيَّانيِّ الشَّافعيِّ صاحب الألفية في النحو. وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرَّ بلفظٍ يتراءى له أنه مخالفٌ لقوانين العربية قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه". وكتب الإمام ابن مالك على النسخة اليونينية بخطه هذا السماع الذي نقله لنا الإمام شهاب الدين القسطلاني: "سمعت ما تضمنه هذا المجلدُ من صحيح البخاري ﵁، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونينيِّ ﵁ وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال بَيَّنتُ فيه الصواب، وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية .. وما افتقر إلى بسط عبارة وإقامة

стр. 116

دلالة أخَّرْتُ أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد، ليكون الانتفاع به عامًّا.، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمد بن عبد الله ابن مالك حامدًا لله تعالى". وهذا مثال ما كتبه الحافظ شرف الدين اليونيني نفسه في آخر نسخته بعد انتهاء مجالس السماع بالمدرسة السميساطية الملاصقة لجامع بني أمية بدمشق: "بلغْتُ مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا بين يدَي شيخنا شيخ الإسلام، حجة العرب، مالك أزمة الأدب، الإمام العلامة أبي عبد الله ابن مالك الطائي الجَيَّانيِّ أمدَّ الله تعالى عمرَه.، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يُراعي قراءتي، ويلاحظُ نطقي. فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححتُ عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة كتبت عليه معًا، فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي، ما خلا الجزءَ الثالثَ عشر والثالث والثلاثين فإنهما معدومان، وبأصل مسموع على الشيخ أبي الوقت، بقراءة الحافظ أبي [كذا والصواب ابن وهو أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور] منصور السمعاني وغيره من الحفاظ، وهو وقف بخانكاه السميساطي، وعلاماتُ ما وافقت أبا ذرٍّ: (هـ)، والأصيلي: (ص)، والدمشقي: (ش)، وأبا الوقت: (ظ) فيعلم ذلك. وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة لتُعلَم الرموز. كتبه علي بن محمد الهاشمي اليونيني عفا الله عنه". وشرح اليونيني منهجه في المقابلة بين الأصول التي قابل عليها، ومزايا كل أصل، والطرق التي روي بها، والأصول التي قدمها على غيرها، والرموز التي استعملها، لكل أصل، شرح كل ذلك كما ذكر في بضع ورقات، هي بمثابة مقدمة للنسخة اليونينية. وهذه الورقات عزيزة الوجود، منها بضع نسخ خطية، إحداها في آخر نسخة من

стр. 117

الصحيح في مكتبة نور عثمانية برقم (٧٠١) تمت كتابتها في الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة ١١٢١. وهي في أربع صفحات تبدأ من الصفحة المقابلة لآخر الصحيح. إن عمل اليونيني هذا لأوضح مثال على سبق المسلمين في ميدان التحقيق للنصوص والتوثيق للاختلافات والتحرير للأصول وفق منهج عملي يحترم مبادئ الدقة والأمانة والصواب. قال الدكتور شوقي ضيف في وصف عمل اليونيني: "وإخراج اليونيني لصحيح البخاري على هذا النحو يدل بوضوح على أن أسلافنا لم يُبقوا لنا ولا للمستشرقين شيئًا مما يمكن أن يضاف بوضوح في عالم تحقيق النصوص". وقول الذهبي: "استنسخ صحيح البخاري وحرره" يشير إلى أمرٍ دقيق، وهو أن النسخة اليونينية على شهرتها ليست بخط اليونيني، ولذلك قال الذهبي: "استنسخ" أي كلَّف ناسخًا، وسبب ذلك أنه أراد أن تكون بخط حسنٍ، فكلَّف ناسخًا يكتبها له بخط حسن واسم هذا الناسخ: أبو عبد الله محمد بن عبد المجيد بن أبي الفضل بن عبد الرحمن بن زيد، فنسخها من أصل الحافظ عبد الغني المقدسي الذي هو في ست مجلدات المسموع على الزبيدي. فشهرة اليونينية ليست لأنه كتبها بخطه، وإنما بسبب التحريرات التي أضافها إليها والمقابلات التي قام بها، والاختلافات التي أثبتها، حتى قال النويري في آخر نسخته: "وقد اعتنى بمقابلة هذا الأصل الذي نقلت منه وقابلت به، وتحريره وضبطه وإتقانه الشيخ الإمام العلامة شرف الدين أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام تقي الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني أثابه الله الجنة.، حتى صار مفزعًا يُلجَأُ إليه، وأصلًا يُعتمد عليه". والأصول التي قابل عليها اليوينيني أربعة: أصلٌ مسموع على أبي ذرٍّ الهروي، وأصل بخط الأصيلي عليه حواشٍ بخط ابن عبد البر، وأصل أبي القاسم بن عساكر، وأصل

стр. 118

ابن الحطيئة المسموعُ على أبي الوقت. وقد فصَّل الكلام على هذه الأصول وروايته له في الفرخة التي تعد مقدمة لنسخته. المبحث الثالث: مكان النسخة اليونينية: من المؤكد أن النسخة اليونينية وصلت إلى يد الحافظ أبي الفضل العسقلاني (-٨٥٢)، فقد ذكر اطلاعه عليها في مواضع من شرحه، لكنه اعتمد رواية أبي ذر الهروي. غير أن الإمام القسطلاني (-٩٢٢) رتع في رياض النسخة اليونينية فقابل نسخته عليه، وحكى قصته معها في مقدمة إرشاد الساري فقال: "ثم وقفت في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة، بعد ختمي لهذا الشرح.، على المجلد الأخير من أصل اليونيني المذكور.، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصه ... " وساق السماع المتقدم آنفًا ثم قال: "وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوله إلى آخره حرفًا حرفًا.، وحكيته كما رأيته حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة، نفع الله تعالى به. ثم قابلته عليه مرة أخرى. فعلى الكاتب لهذا الشرح وفقه الله تعالى أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشرح واختلاف الروايات بالألوان المختلفة.، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما يراه. ثم رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصه ... " وساق سماع ابن مالك المتقدم. ثم تابع حكايته مع أصل اليونيني بقوله: "ثم وُجد الجزء الأول من أصل اليونيني يُنادى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرف وأُحضر إلي بعد فقده أزيد من خمسين سنةً.، فقابلت عليه متن شرحي هذا فكملت مقابلتي عليه جميعه حسب الطاقة، ولله الحمد". ووقع هذا الأصل اليونيني بعد ذلك في يد مسند الحجاز الإمام عبد الله بن سالم

стр. 119

البصري المكي (-١١٣٤) فنقل منه وقابل عليه. ثم انقطعت أخباره إلى أن ورد ذكره في الطبعة السلطانية، وأن السلطان أرسله من خزانته الملوكية الخاصة. وقد وردت خاتمة الأصل اليونيني في نسخة محفوظة في مكتبة يوسف آغا في تركيا رقمها ٥٥٥٥ لم يُذكر اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها، ولكن مفهرسها قدَّر أنها نسخت في القرن الحادي عشر، وعليها خط سالم بن عبد الله البصري، وهي في مجلد واحد و ٦١١ ورقة. جاء في آخرها: "في آخر اليونينية ما نصه: آخر الجزء وهو آخر كتاب الصحيح الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي الأميِّ وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه آمين نقله محمد بن عبد المجيد في مدة آخرها يوم الأحد ثامن عشري شهر رمضان المعظم من سنة تسع وستين وستمئة". المبحث الرابع: أشهر فروع النسخة اليونينية: ما أن انتشر السماع عن النسخة اليونينية حتى نقل العلماء منها نسخًا، وقد تفاوتت هذه النسخ في الجودة بحسب إتقان ناسخيها، ومن هذه النسخ: ١. نسخة شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (-٧٣٣) قال ابن تَغْرِي بَرْدِي: "كان فقيهًا فاضلًا، مؤخرخًا بارعًا، وله مشاركة جيدة في علوم كثيرة، وكتب الخط المنسوب، قيل: إنه كتب صحيح البخاري ثماني مراتٍ، وكان يبيع كل نسخة بخطه من البخاري بألف درهم، وكان يكتب في كل يوم ثلاث كراريس". وهذه النسخة محفوظة في مكتبة كوبريلي باشا، وقد طبعها بطريقة الفاكسيميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وكتب لها مقدمة نفيسة. ٢. نسخة الغزولي: وهو شمس الدين محمد بن أحمد المقرئ الغزولي (٦٩٧ - ٧٧٧) ، فرغ من نسخها يوم الثلاثاء ١٢ جمادى الآخرة سنة ٧٣٥ وصفه الحافظ العسقلاني بأنه كان

стр. 120

حسن الخط. وهي النسخة التي اعتمد عليها القسطلاني في شرحه قبل أن تصل إليه النسخة اليونينية الأصل. ولا يزال النصف الثاني من هذه النسخة محفوظًا في دار الكتب المصرية بالقاهرة. وهي إحدى النسخ التي اعتمدت عليها الطبعة السلطانية، ويسمونها: الفرع التِّنْكِزِيَّ، لأنها كانت وقفًا على المدرسة التنكزية بالقاهرة. ٣. نسخة المتصوف: وهو محمد بن إلياسَ بنِ عثمانَ المتصوفُ ، فرغ من كتابتها في ٢٠ ربيع الأول سنة ٧٤٨. وهي مقابلة على نسخة قوبلت على الأصل اليونيني، وعلى نسخة صححها الذهبي والمِزِّي، وعلى نسخة صححها تقي الدين السبكي. وهي محفوظة في دار الكتب المصرية. وهي من النسخ التي اعتمدت عليها الطبعة السلطانية. ووجدنا بخط محمد بن إلياسَ نسخة نفيسة مقابلةً من عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي نسخها سنة ٧٤٥، تحتفظ بها المكتبة الوطنية بباريز. ٤. نسخة البصري: وهو الإمام عبد الله بن سالم البصري المكي (-١١٣٤) ، أشهر من اعتنى من المتأخرين بصحيح البخاري رواية وتدريسًا ونسخًا وشرحًا، وسمى شرحه ضياء الساري، ولم يتمه، طبع حديثًا في ثمانية عشر جزءًا. واشتُهر البصري بإقراء الكتب الستة، وقرأ صحيح البخاري في جوف الكعبة مرارًا. وقضى عشرين سنةً من عمره في تصحيح نسخته من صحيح البخاري. وكانت هذه النسخة في مطلع القرن الرابع عشر الهجري في المدينة المنورة بيد السيد محمد طاهر سنبل (١٣٤٣ - ١٢٤٥)، رآها السيد محمد عبد الحي الكتاني وقال في وصفها.: "ثُمانيَّةٌ، وهي نهايةٌ في الصحة والمقابلة والضبط والخط الواضح". وهي إحدى النسخ التي اعتمدت عليها الطبعة السلطانية، وقد صرح المصححون باسم صاحبها أحيانًا، وسموها أحيانًا أخرى بالفرع المكي.

стр. 121

ونقل السيد صديق حسن خان (-١٣٠٧) عن كتاب (تسلية الفؤاد من قصائد آزاد) للسيد غلام علي بن نوح البلجرامي (١١١٦ - ١٢٠٠) قوله: "وله شرح على البخاري سار في الأنفُس والآفاق سَيرَ الروح، ولعمري لقد عزَّ أن يُلفى له مثل في سائر الشروح، لكن ضاق الوقت عن إكماله، وضنَّ الزمانُ بإفاضة نواله، والنسخة التي نسخها الشيخ بيده الشريفة هي أصل الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق، رأيتها عند مولانا محمد أسعد الحنفي المكي من تلامذة الشيخ تاج الدين المكي، ببلدة أركات، كان أخذها الشيخ عن ولد المصنف بالاشتراء، فقلت للشيخ محمد أسعد: هذه النسخة المباركة حقُّها أن تكون في الحرمين، ولا ينبغي أن تُنقل منها إلى مواضع أخرى، لا سيما إلى الديار الشاسعة، فقال الشيخ: هذا الكلام حسنٌ، ولكن ما فارقتها لفَرْطِ محبتي لها. ثم أرسل الشيخ كتبه من أركات إلى أورنقاباد احتياطًا، لِمَا رأى من هيجان الفتنة بتلك البلاد، فوصلت النسخة إلى أورنقاباد، وهي موجودة بها إلى الآن حفظها الله". والبلجرامي صاحب هذا الكلام رحل إلى الحجاز سنة ١١٥٠ وقرأ البخاري على محمد حيات السندي (-١١٦٣)، وكتابه تسلية المصاب في تراجم علماء الهند وأعيانها، هو الفصل الثاني من كتابه (سُبْحَةُ المَرجان في آثار هِندوستان) ألفه بالعربية. وقد رجعنا إلى الطبعة الحجرية للكتاب، فرأينا الكلام فيه عن الشرح لا عن الصحيح، ولم يتعرض السيد البلجرامي لنسخة الصحيح على الإطلاق. وقبل ذلك النقل: "وله شرح على صحيح البخاري سماه ضياء الساري، سار في الأنفُس إلخ". [سبحة المرجان ص ٩٩]. وذكر وفاة محمد أسعد الحنفي المكي في الحرب شهيدًا بعد أن أصابته ستة أسهم في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١١٦٤. وبتحرير هذا النقل يتبين لنا أن وصف نسخة البصري من الصحيح بأنها "هي أصل

стр. 122

الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق" هو في الحقيقة وصف لنسخة شرحه على الصحيح ضياء الساري. وبالمقارنة ما بين خبر السيد صديق حسن خان وخبر السيد عبد الحي نرى أنهما غير متعارضين، لتواردهما على كتابين مختلفين، فالبلجرامي يتحدث عن نسخة شرح البخاري التي بخط البصري وهو ضياء الساري، والسيد عبد الحي يتحدث عن نسخة البخاري، ولا يمكن أن يخطئ السيد عبد الحي في وصفه لما رآه، لأنه كان خبيرًا بالمخطوطات، فالعمدة على كلامه. وبهذا التحرير يكون الجدال حول انتقال نسخة البصري من الصحيح إلى الهند قد رسا على شاطئِ اليقين. ومالك النسخة هو الشيخ طاهر بن عمر سنبل، سليل بيت علم ورواية، كان طبيبًا ماهرًا، جمَّاعة لنوادر الكتب، وكانت عنده مكتبة نفيسة، ورد في ترجمة له للسيد أنس الكتبي أنه عندما قامت الحرب العالمية الأولى (١٣٣٢/ ١٩١٤) وحوصرت المدينة المنورة هاجر الشيخ وأسرته إلى إستنبول، ولما عاد بعد انتهاء الحرب وجد أن مكتبته قد نُهبت. ولقاءُ السيد عبد الحي الكتاني به كان في رحلة الكتاني الأولى إلى الحج آخر سنة ١٣٢٤ وأول سنة ١٣٢٥، بعد صدور الطبعة السلطانية وقبل الحرب العالمية الأولى. ومن النسخ التي حُفظت وصورت حديثًا نسخة إسماعيل بن علي البقاعي (-٨٠٦)، في مكتبة كوبريلي برقم ٣٣٥. اعتمد ناسخها على عدة نسخ كانت اليونينية إحداها. ولم يقتصر انتشار النسخة اليونينية على المشرق، بل امتد إلى المغرب، واشتغل المغاربة بروايتها إلى جنب رواية ابن سعادة عن الإمام الصدفي. جاء في ترجمة الإمام أبي العباس أحمد بن الشيخ محمد ابن ناصر الدرعي (١٠٥٧ - ١١٢٩) أنه هو الذي أدخل النسخة اليونينية من الصحيح للمغرب، اشترى فرعًا منها بثمانين دينارًا ذهبًا من مكة المكرمة، وهو نسخة عُشارية بخط مشرقي فرغ من نسخها إبراهيم بن علي

стр. 123

القيصري المكي الحنفي سنة ١١١٧ تجاه الكعبة المعظمة.، وذكر فيها أن ناسخ الأصل اليونيني أتمه سنة ٦٦٩. المبحث الخامس: مقدمة النسخة اليونينية هي مقدمة مشهورة سماها اليونيني (فَرْخَةً)، قال أحمد بن علي القلقشنديُّ (-٨٢١): "ثم المراد بالطومار الورقة الكاملة، وهي المعبر عنها في زماننا بالفرخة". وقد اشتهرت بذلك، ورجحنا تسميتها بالمقدمة، لأنها في منزلة المقدمة لنسخة اليونيني. فقد تكلم فيها الإمام اليونيني على الأصول التي قابل عليها، والأسانيد التي روى بها هذه الأصول، والرموز التي استخدمها في الإشارة إلى كل أصل، ومنهجه في المقابلة. وهو عملٌ فريد يفوق عمل كلِّ محقق، قديمًا وحديثًا، ويشهد لمؤلفه بالوصول إلى درجة عالية من التحقيق في العلم والتدقيق في المسائل، والصبر والجلد والإخلاص. وقد آتى عمله أُكُله، وأينعت ثماره، فصارت النسخة اليونينية معتمد الحفاظ من بعده. وقد وجدنا المقدمة في آخر نسخة من الصحيح بمكتبة نور عثمانية رقمها ٧٠١، جاءت في أربع ورقات، فنسخناها، ووضعنا بجانب الأسماء بين قوسين مضلعين تاريخ الولادة والوفاة، بقدر ما تيسر لنا ذلك، وأصلحنا بعض ما وجدناه من التصحيف مثل (غياث) صوابه (عتاب). وأرفقنا صورة ظهر آخر ورقة من نسخة نور عثمانية من الصحيح، وفيها تاريخ النسخ، وصورة وجه أول ورقة صفحة من مقدمة اليونيني.

стр. 124

اللوحة (٢) الصفحة الأخيرة من الجامع الصحيح، مكتبة نور عثمانية رقم ٧٠١

стр. 125

اللوحة (٣) الصفحة الأولى من الفرخة اليونينية مكتبة نور عثمانية رقم ٧٠١

стр. 126

نص مقدمة اليونيني قد وجد في نسخة الحافظ اليونيني تغمده الله برحمته ما مثاله: يقول أفقر خلق الله إلى رحمته علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني المكنى بأبي الحسين عفا الله عنه ولطف به آمين: الأصول المشار إليها، مما أحلت عليه في هوامش نسختي من صحيح البخاري، وما أعلمت عليه في نفس الكتاب في الأصلين بين الأسطر: فما وقع عليه اتفاق أئمة الحفاظ الأربعة وهم: - الحافظ محمد أبو عبد الله بن إبراهيم الأصيلي [-٣٩٢ هـ] - والحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهروي [٣٥٥ أو ٣٥٦ - ٤٣٤ هـ] - والحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر الدمشقي [٤٩٩ - ٥٧١ هـ] - والأصل المسموع على أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني [٥٠٦ - ٥٦٢ هـ] كتبت عليه: (هـ ص س ظ) هكذا. وما اتفق عليه ثلاثة منهم أسقطتُ رسمَ أحدهم. وكذلك إن اتفق عليه اثنان منهم فأجعله رسمًا لهما .. وإن لم يكن عندهم: فإما أكتب في الهامش سقط عند (هـ ص س ظ)، أو أكتب عليه (لا) وأرقم رسم من ليس عنده. مثاله: أنه وقع في أصل سماعي في حديث بدء الوحي: (جمعه لك في صدرك) ووقع عند

стр. 127

(هـ ص س ظ): (جمعه لك صدرك) بإسقاط (في)، فإما أرقم على (في): (لا)، أو أرقم فوقها أو إلى جانبها (هـ ص س ظ)، هذا إن وقع الاتفاق على سقوطها. وإن كانت عند أحدهم وليست عند الباقين رقمت رسمه وتركت رسمهم. وكذلك إن لم تكن عند واحد وكانت عند الباقين كتبت عليها (لا) ورقمت فوقها الحرف المصطلح عليه. وعلى ذلك فقس في كل ما تراه مرقومًا عليه، فافهم الرسم واحذر من الغلط. وراعيتُ رقم أبي ذَرٍّ ومشايخِه الثلاثة: الحَمُّويي والمُستملي وأبي الهيثم. فما خالف أصل سماعي، فإن كانت المخالفة من الجميع كتبت في الهامش ورقمت عليه (هـ) هكذا، وصححت عليه (صح) هكذا. وإن وافق أحدُ مشايخه أصلَ سماعي كتبت الذي خالف إما في الأصل بين الأسطر ورقمت عليه ما تقرر من الاصطلاح أنه قد رسم له، أو في الهامش وكتبت فوقه الرقم.: فالحَمُّويِيُّ رقمه حـ هكذا والمُسْتَمْلي سـ هكذا والكُشْمِيهَنِيُّ هـ هكذا فإن كانت عند الحَمُّويِيِّ والمُسْتَمْلي رقمت عليه حسـ هكذا وإن كانت عند الحَمُّويِيِّ وأبي الهيثم رقمت عليه حهـ هكذا وإن كانت عند المُسْتَمْلي وأبي الهيثم رقمت عليه سهـ وإن كان ثابتًا عند أحدهم دون الآخر رقمت عليه رسمه إما في الأصل أو في الهامش.

стр. 128

وقد وقع شيء كثير من التراجم والأحاديث والكلمات ويرقم عليها في رواية أبي ذر أنها عند المُسْتَمْلي وحده. وهي أصل سماعي من صحيح البخاري الذي أخبرني به الإمام العالم الثقة أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر عبد الله بن المبارك بن محمد بن يحيى ابنُ الزَّبيديِّ الرَّبَعيِّ السلامي بقراءة سيدي ومولاي والدي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني والحافظِ الإمام العلامة، مفتي الشرق، رئيسِ الأصحاب، حجة العلماء: تقي الدين أبي العباس أحمد بن الإمام العلامة الحافظ عز الدين محمد بن الإمام العلامة حجة الحفاظ الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور وقراءةِ ابن عمه الإمام العالم: شرف الدين بن أبي محمد الحسن بن الإمام الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني والإمامِ العالم المحدث سيف الدين أبي / العباس أحمد بن عيسى بن الإمام العلامة موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيِّينَ وذلك في شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بدمشق المحروسة في قلعتها على الشيخ الثقة الصدوق، الصالح السديد، بقية الأشياخ: أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي الهروي، قراءة عليه في شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بنُ محمد بنِ المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداوديُّ قراءةً عليه ببُوشَنْجَ في ذي القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة، قال: أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الله بنُ أحمدَ بنِ حَمُّويَه

стр. 129

ابن أحمد بن يوسف بن أعين السَّرَخْسِيُّ قراءة عليه في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة عن الفربري عن البخاري. وإنما سقتُ سندي حتى يُعلم أنه عن الحَمُّويِي، وقد خالفَتْ روايةُ الحافظ أبي ذَرٍّ عبدِ ابنِ أحمدَ بن غُفير الهَرَوِيِّ عن الحَمُّويِيِّ لرواية أبي الحسن الداوديِّ عن الحَمُّويِيِّ في أشياءَ ثابتةٍ عند الحَمُّويِيِّ .. وكذلك يُرْقَمُ على ترجمته أنها ليست عند الحَمُّويِيِّ من روايته، وهي ثابتةٌ في أصل سماعي من رواية الداودي عن الحَمُّويِيِّ، أو يُرقم فوقها بما اصطلح الحافظ أبو ذَرٍّ عليه من (هـ) هكذا أنها عنده، وهي ثابتةٌ عند الحَمُّويِيِّ من روايتي (حـ) هكذا أو سين (سـ) هكذا فيعلم ذلك. وليس ما أعلمت عليه من أنه عند أبي الهيثم على ما أرقم عليه أن ذلك ليس روايتي، وإنما رقمت فوقه أو نبهت عليه إما في الأصل أو في الهامش حتى يُعلم أنه عند الحافظ أبي ذَرٍّ كذلك.، وهو ثابت عند الحَمُّويِيِّ من طريق الداودي فيعلم ذلك. وعُنيت برواية الإمام الحافظ أبي ذَرٍّ لأمرين: أحدهما: أني قرأت جميع صحيح البخاري ﵁ على الشيخ الإمام العالم المحدث، شيخ القراء وكبيرهم بالديار المصرية أبي الحسن علي بن شجاع بن سالم العباسي الضرير المنعوت بكمال الدين، في شهور سنة إحدى وستين وستمائة، بالقاهرة المحروسة من أصل سماعه، بحق روايته له عن المشايخ الثلاثة الثقات المسندين: - أبي القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت بن غالب بن هاشم الأنصاري الخزرجي المعروف بالبوصيري [٥٠٦ - ٥٩٨]

стр. 130

- والإمام المقرئ الصالح أبي عبد الله محمد بن حميد بن حامد بن مفرح الأرتاحي الحنبلي المصري [-٦٠١] - والثقة المسند أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله عتيق بن باقا البغدادي [-٦٠٨]. قال البوصيري: أنا الإمام العلامة اللغوي النحوي أبوعبد الله محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد السعيدي الصوفي ﵀ [٤٢٠ - ٥٢٠]. وقال الأرتاحي: أنا الشيخ المسند أبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفرا إجازة قالا: أخبرتنا الحرة العالمة أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية [توفيت سنة ٤٦٣ عن نحو مائة سنة]. وقال البوصيري أيضا: أخبرنا الشيخ المسند أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم بن علي بن خلف بن محمد بن خلف بن زَعبل المازني المدني [-٥١٧] إجازةً إن لم يكن سماعًا قال: أخبرتنا كريمة المروزية، قال السعيدي: بقراءتي عليها سنة ستٍّ، وقال أبو صادق.: قراءةً عليها وأنا أسمع في شوال سنة سبعٍ، ثم اتفقا فقالا: وخمسين وأربع مائة.، بمكة شرفها الله تعالى .. قالت: أخبرنا أبو الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن المكي ابن زراع الكشماهني قراءةً عليه وأنا أسمع في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة قال: أنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري / بفربر قراءة عليه وأنا أسمع في شهر ربيع الأول سنة عشرين وثلاثمائة ثنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف الجعفي مولاهم البخاري بصحيحه مرتين مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومرة سنة اثنين وخمسين ومائتين.

стр. 131

وقال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله عتيقِ بن باقا: أنا أبو الوقت قال: أنا الداودي أنا الحَمُّويِيُّ أنا الفربري قال: ثنا البخاري. قال الشيخ شرف الدين اليونيني: الأمر الثاني: أن أصل سماعي الوقفَ [أي الموقوف] بخانكاه الشيخ أبي القاسم السميساطي، الذي سُمع على الشيخ أبي الوقت ببلاد خراسان، بقراءة الإمام الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني.، فإنه مسموع من رواية كريمة المروزية، وقد جمع فيه بين روايتي أبي الوقت وكريمة المروزية، فعُنيت برواية أبي ذر لأن أحد مشايخه وهو أبو الهيثم شيخ كريمة المروزية، وقد خالفت كريمة المروزية في روايتها عن الكشماهني للحافظ أبي ذر في أشياء من روايته عن الإمام أبي الهيثم الكشماهني. والأصل الذي قابلت به من طريق الحافظ أبي ذر هو مسموع على الشيخ الإمام الثقة العالم الفقيه المسند أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحُطَيئة [٤٧٨ - ٥٦٠ هـ]، عن الشيخ الفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن منصور الحضرمي عن الشيخ الفقيه أبي القاسم عبد الجليل بن أبي سعد عن الحافظ أبي ذر الهروي. وهي نسخة صحيحة مَعنِيٌّ بها حُجَّةٌ، قال الإمام الحافظ العارف الزاهد العابد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر الصَّرِيفِيني شيخُنا: هذه النسخة من صحيح البخاري مَفزعٌ يُلجأ إليه لصحتها وإتقانها. وأما الأصل المعزو إلى الأصيلي فإنه وقفٌ في مدرسة شيخنا الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، وعليه حواشي بخط الحافظ أبي عمر يوسف ابن عبد البر النمَري، وهو أصل صحيح يظهر عليه مخايلُ النباهة والصحة.

стр. 132

وأما الأصل المعزو إلى الحافظ أبي القاسم مؤرخ الشام علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر فإنه أصل سماعه، وقد سُمع عليه غير مرة. وأما الأصل المعزو إلى الحافظ أبي سعد السَّمعاني فإنه أصلٌ أصيل، وهو أحد أول سماعات دمشق المحروسة وخراسان ردها إلى المسلمين، وهو قد سُمع على جماعة من الحفاظ، وسمع بقراءة جماعة من الحفاظ. واخترت لأبي ذر: (هـ) على هذا الشكل علامةً، لأنه غلب عليه النسبةُ إلى بلده، فلا يقال إلا الحافظ الهروي. وللأصيلي: (ص) هكذا، لأنه غلب عليه النسبةُ إلى بلده وهو أزيلة، فقلبت إلى الصاد وغلبت على الزاي. وللحافظ الدمشقي مؤرخ الشام: (س) هكذا، لأنه لا يقال له إلا ابنُ عساكر. وأما ابن السمعاني فاخترت له الظاء لحفظه وإتقانه، وتقدمه على أقرانه، فيعلم ذلك .. وكذلك ربما وقع الخلاف في حرف واحد من الكلمة، مثل أن يكون في أصل سماعي: (فقال)، وفي غيره: (وقال) بالواو، أو بالعكس، فربما كتبت الحرف المختلف فيه فقط، ورقمت فوقه أو إلى جانبه بالحرف المصطلح عليه. وكذلك إذا كان الخلاف في الياء والتاء أو غير ذلك من الحروف. وقد أخبرني بالجامع الصحيح من رواية الإمام الحافظ أبي محمد الأصيلي ﵀ فأخبرني سيدي ومولاي والدي أبو عبد الله محمد ﵀ / إذنًا، قال: أنا الشيخ الفقيه المسند أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات الخشوعي إجازةً قال: أنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب [٤٣٣ - ٥٢٠] إذنًا قال: أخبرني والدي [٣٨٣ - ٤٦٢] عن أحمد بن ثابت الواسطي وغيره عن الأصيلي عن

стр. 133

أبي زيد محمد بن أحمد المروزي [٣٠١ - ٣٧١] وأبي محمد بن يوسف الجرجاني [-٣٧٣] كلاهما عن الفربري. قال أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب: وأخبرني بالجامع الصحيح أبو عبد الله بن ثابت إجازةً عن الأصيلي. وأما رواية الحافظ أبي القاسم مؤرخ الشام للجامع الصحيح فحدثني بها إجازة الشيخ السديد المكيُّ بن غيلانَ القيسي وزينُ الأمناء بحق سماع شيخنا زينِ الأمناء من عمه مؤرخ الشام. وهذا الرسم الذي أشرت إليه وجعلته مضافًا إلى رواية الحافظ أبي ذر فهو رسم روايتي في الأصل الذي رواه الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن السمعاني على أبي الوقت. وإنما وقع اختياري على هذه النسخة المنسوبة إلى أبي ذر لتحقُّق ضبطها وتحريره، وما قاله شيخنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن الأزهر الصريفيني من جَودة ضبطها، وأنها مَفزع يُرجَع إليه وإن خالفتها النسخة الوقف السميساطي في بعض رسمٍ مَّا فيعلم ذلك .. وقد أخبرني نازلًا برواية الحافظ أبي ذَرٍّ بدرجاتٍ الشيخُ المقرئ أبو جعفرٍ الهمداني إجازة عن الحافظ أبي طاهر السِّلفي إجازةً عن الإمام أبي الفضل عياض إجازةً قال القاضي عياض: أخبرني القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الصَّدَفيُّ عن القاضي أبي الوليد سليمان بن خلفٍ الباجي عن أبي ذر رحمه الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وعترته الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا نقله كما شهده أحمد بن حسين الهيثمي بلدًا الشافعي مذهبًا في سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وثمان مائة أحسن الله عاقبتهما آمين. هكذا في الأصل المنقول منه.

стр. 134

الفصل الثامن: الطبعة السلطانية لصحيح البخاري تمهيد في أهم الطبعات قبل الطبعة السلطانية ليس غرضنا في هذا التمهيد استقصاءَ طبعات صحيح البخاري، فقد تكفل بذكرها عدد من المعاجم والدراسات، بل تقديم وصف لأهم الطبعات التي صدرت في مصر والهند وإستنبول، مما هو في خزانتنا، نظرًا لندرة بعضها وانعدام وجودها في كثيرٍ من المكتبات العامة.، وبسبب الخلط بين الطبعات في بعض الأحيان، وسنرتبها حسب تاريخ صدورها: ١. طبعة بومبي في الهند ، على الحجر سنة ١٢٧٠، في ثمانية أجزاء رقيقة من القطع الكبير (٢٣/ ٣٦ سم)، عدد صفحاتها على الترتيب: (٩٤، ٩٨، ١٢٠، ١١٠، ٩٠، ١٠٨، ٩٢، ٨٨)، في الصفحة ٣٣ سطرًا، ومجموع صفحات الأجزاء الثمانية ٨٠٠ صفحة .. ابتُدئ بكتابتها سنة ١٢٦٨ ونجز طبعها سنة ١٢٧٠، وانظر الصور المرفقة. ٢. الطبعة الحجرية سنة ١٢٧٩ بالمطبعة المصرية في عشرة أجزاء، قام بطبعها العلامة الشيخ حسن العدوي الحمزاوي (١٢٢١ - ١٣٠٣)، وطَبع بهامشها كتابه: النور الساري من فيض صحيح الإمام البخاري، وهو شرح على بعض المواضع من الصحيح على طريقة الحاشية. قال في طالعة الطبعة: "فخَلَجَ في صدري أن أَلويَ عِنانَ الهمة إلى التشرف بطبع صحيح البخاري الشريف وكتاب الشفا، وأخدمهما على الهامش بشرح يسير يكون للقلب شفا. مقتصرًا على حلِّ رموز المشكلات، وكشف المعضلات.، على قدر الطاقة حسب ما نص عليه الشراح ... ثم صرفت عِنان الهمة لخدمة طبع البخاري الشريف، وخدمته على هامشه بشرح يسير على وسع الطاقة، مع بذل الجهد في

стр. 135

التصحيح، وقد أعانني على شرف تلك الخدمة بعض السادة الفضلاء فجاء بحمد الله تعالى في غاية التنقيح". وقد طبع الشفا قبل ذلك سنة ١٢٧٦ مع شرح وجيز عليه سماه المدد الفياض شرح الشفا للقاضي عياض. ٣. طبعة دار الطباعة العامرة في بولاق سنة ١٢٨٦، في أربعة مجلدات، بتصحيح السيد إبراهيم عبد الغفار الدسوقي رئيس قسم التصحيح في دار الطباعة العامرة، وهي طبعة غير مشكولة. ومطبعة صاحب السعادة، والمطبعة السنية، ومطبعة عبد الرحمن رشدي، ودار الطباعة العامرة، والمطبعة الأميرية، هي أسماء مختلفة لمطبعة واحدة اشتهرت باسم مطبعة بولاق، نسبة إلى المكان الذي أنشئت فيه. ٤. طبعة بولاق سنة ١٢٨٩ في أربعة أجزاء، على نفقة الشيخ صالح محمد باعيسى رئيس التجار الحضارمة والشيخ منصور أحمد شبانة، بتصحيح الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي. كتب خاتمة الطبع الشيخ طه محمود قطرية الدمياطي، وهو أحد كبار المصححين بالمطبعة. وهي الطبعة الثالثة بمطبعة بولاق. وفي حواشي هذه النسخة تعليقات نفيسة بحرف أصغر من الحرف المستعمل في الصلب، اختصت بضبط بعض الكلمات بالخط، وهي مستفادة غالبًا من إرشاد الساري للقسطلاني. ٥. طبعة بولاق سنة ١٢٩٦ في ثمانية أجزاء، وهي طبعة مشكولة الكلمات بالشكل التام، اعتمدت على نسخة القسطلاني، حيث وردت في مقدمتها العبارة التالية: "وقد أجرينا الطبع على ما شرح عليه إمام المحققين وخاتمة المحدثين العلامة أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني ﵀ إلا ما ندر فليُعلم". صحح هذه الطبعة السيد محمد قاسم رئيس المصححين بدار الطباعة العامرة المشتهرة باسم مطبعة بولاق في مصر، وقد طبعت بتصحيحه كتب لا تحصى.، منها في خزانتنا:

стр. 136

آثار الأُول في ترتيب الدول، والمعراج الكبير ١٢٩٥. شرح ديوان الحماسة ١٢٩٦. عجائب الآثار للجبرتي وحاشية الدسوقي على أم البراهين ١٢٩٧. تفسير الخطيب الشربيني وفوات الوفيات وتكملة حاشية ابن عابدين ١٢٩٩. وطبع بتصحيحه في المطبعة الأزهرية كتاب تزيين الأشواق ١٣٠٢، كما صحح تاج العروس المطبوع بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٠ ٦ - ١٣٠٧. ٦. طبعة المطبعة البهية للسيد محمد مصطفى سنة ١٣٠٠ في أربعة أجزاء، مع حاشية العلامة أبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (-١١٣٨) وتعليقاتٍ منتخبة من شرح العسقلَاني والقسطلَّاني. وهي الطبعة الثانية في هذه المطبعة، وهي خِلْوٌ من الضبط، واشتغل بتصحيحها الشيخ أحمد بن مصطفى المكتبي، وقد طبعت بتصحيحه عدة كتب في هذه المطبعة، وصَحح بعدها عدة كتب في المطبعة الخيرية. ٧. طبعة دار الطباعة العامرة في إستنبول سنة ١٣١٥ في ثمانية أجزاء. وهي طبعة مشكولة الكلمات بالشكل التام، اعتمدت على نسخة القسطلاني، وصُححت وفق طبعتي بولاق الصادرتين في أواخر القرن الثالث عشر. قال مصححها السيد محمد ذهني في آخرها: "قد تم بحمد الله جَلَّ ثناؤُه طبعُ هذا الجامع الصحيح مع الشكل الجميل على وجهٍ صحيح، إلا أغلاطًا منها ما في بعض الهوامش، أغلبها مغتفَرٌ غير فاحش، بدار الطباعة العامرة الغراء، الكائنة في الفِناء الشرقي من فُروق البَخْرَاء، صينت مع سائر البلاد الإسلامية عن البأساء والضارُوراء، وصارت مأوى كلِّ رَخاء وساروراء، مصحَّحًا بالمقابلة مع المتنين المطبوعين في مصر والقاهرة.، المشكول وغير المشكول بالمطبعة الزاهرة الفاخرة إلخ" .. ويجد القارئ تتمة النص في الصور الملحقة بآخر هذا الفصل.

стр. 137

والبَخْراء: من ألقاب القسطنطينية. والمصحح السيد محمد ذهني عالمٌ كبير، ومصحح مشهور في دار الطباعة العامرة بإستنبول، طبعت بتصحيحه عدة كتب منها شرح الشافية للرضي الأَسْتَراباذِيِّ. ولا يصح أن نمرَّ على طبعات صحيح البخاري دون الإشارة إلى الطبعات الأولى لشرحه إرشاد الساري للقسطلاني لعدة أسباب هي: ١. صحة نسخة القسطلاني التي شرح عليها لمقابلته لها على النسخة اليونينية. ٢. اعتماد المصححين في طبعات الصحيح بعدُ على طبعات إرشاد الساري. ٣. أن مصححي الطبعات الأولى لإرشاد الساري كانوا من كبار العلماء الخبراءِ في الضبط والتصحيح، وأشرفوا على تصحيح أمهات الكتب المطبوعة في بولاق في تلك الفترة، وهي فترة شهدت في مصر نهضةً لا مثيل لها في طباعة الكتب في مختلف مجالات العلوم الدينية والكونية. وقد نشأنا في طلب العلم وبأيدينا مطبوعات بولاق والمطبعة الكستلية ومطبعة شاهين والمطابع الوهبية والخيرية والعثمانية والبهية والميمنية وغيرها، ولا نزال نعتمد على معظم هذه الطبعات. ومن مشاهير هؤلاء المصححين الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني مصحح القاموس المحيط ومؤلف الكتاب النفيس: المطالع النصرية، والشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي. - إرشاد الساري طبعة بولاق الثانية سنة ١٢٧٥: جاء في آخر المجلد الخامس منها: "قد تم طبعه ثانيًا وتصحيحه بالمقابلة على أصله المطبوع على يد الفقير نصر الوفائي الهوريني بالمطبعة الكبرى ببولاق في شهر جمادى الآخرة. وهي ذات قطع كبير جدًا (٢٤/ ٣٤ سم). وفي آخر المجلد السادس: "تم الجزء السادس بحمد الله وعونه وحسن

стр. 138

توفيقه ويتلوه في الجزء السابع أوله كتاب تفسير القرآن. صححه وما قبله الفقير نصر الهوريني في ص [صفر] ١٢٧٦ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعترته وأحبابه آمين. خالص الكمرك". وهذه الطبعة إعادة للطبعة الأولى التي صدرت سنة ١٢٦٧ في المطبعة ذاتها، ولم يذكر يوسف سركيس في معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة طبعة بولاق الأولى. - إرشاد الساري طبعة بولاق الثالثة سنة ١٢٨٥: صدرت بتصحيح الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي، وجاء فيما كتبه في خاتمة الطبع: "وهذه الطبعة الثالثة المباركة.، لِمَا حصل فيها من كثرة المشاركة، مع كونها أحسن من سابقتَيها، أقلُّ مهرًا من أختَيها، فلذا تمت بيعًا في ثاني مُدد بيعها، قبل الوصول إلى تمام طبعها". - إرشاد الساري طبعة بولاق سنة (١٢٨٨ - ١٢٨٩): صدرت بتصحيح الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي، شيخ التصحيح بدار الطباعة، كما وُصف في آخر الطبعة. وقد طبع بعد ذلك عدة مرات بمطبعة بولاق آخرها في خزانتنا الطبعة السادسة سنة ١٣٠٤ بهامشها شرح النووي على صحيح مسلم. ومما تجدر الإشارة إليه أن طبعة فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ شهاب الدين أبي الفضل العسقلاني ظهرت في مطبعة بولاق سنة طبعة بولاق ١٣٠١ في ١٤ مجلدا واحد منها للمقدمة والباقي مرقمة من واحد إلى ١٣. وقد رجع إليه المصححون في بعض المواضع اليسيرة.

стр. 139

اللوحة (٤) بداية الجزء الثامن من صحيح البخاري طبعة الهند سنة ١٢٧٠ (من خزانة المؤلف)

стр. 140

اللوحة (٥) آخر الجزء الثامن من صحيح البخاري طبعة الهند سنة ١٢٧٠ (من خزانة المؤلف)

стр. 141

اللوحة (٦) بداية الجزء الأول من صحيح البخاري، بولاق مصر ١٢٩٦ (من خزانة المؤلف)

стр. 142

اللوحة (٧) بداية الجزء الأول من صحيح البخاري، إستنبول ١٣١٥ (من خزانة المؤلف)

стр. 143

المبحث الأول: التعريف بالطبعة السلطانية ترك السطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى مآثر عظيمة في مجالات واسعة من العلوم والفنون والعمارة والطباعة، لعل من أعظمها طباعتَه للجامع الصحيح للإمام البخاري على النسخة اليونينية، وجعله جميع نسخ الطبعة وقفًا عامًّا للمسلمين. وهي هذه النسخة التي تعاد طباعتها اليوم، إحياءً لذكراه وتخليدًا لمآثره، واستجلابًا للدعاء له.، واستدعاءً للترحم عليه. صدر الأمر السلطاني بالطباعة في ٤ شعبان سنة (١٣١١)، كما يُستفاد من رسالة من الغازي أحمد مختار باشا إلى الديوان الهمايوني للسلطان. وفي السنة ذاتها ابتدأ الاشتغال بالطباعة، في المطبعة الأميرية الكبرى ببولاق قرب القاهرة، وتمت طباعة الصحيح في بداية سنة ١٣١٣. وصدرت في تسعة أجزاء بتنضيد جميل وإخراج بديع، وحلة قشيبة. وقد لقيت كل الاهتمام، وفرح بها المسلمون، واحتفل بها العلماء، وأصبحت منذ صدورها مُعْتَمَدَ العلماء والمحدِّثين، ومَفْزَعَ الطلاب والباحثين، وأجمع العلماء من ذلك الوقت على أنها أصحُّ طبعة للجامع الصحيح. وقد أنفق السلطان عليها من ماله الخاص، وجعلها وقفًا في سبيل الله تعالى للمسلمين، لا تُباع ولا تُشرَى.، فوُزِّعت على المكتبات والمعاهد والمساجدِ الكبرى والمفتين والعلماء في أرجاء العالم الإسلامي. وهنا نلاحظ أن السلطان لم يرد الاستئثار بطبعه وإخراجه في إستنبول عاصمة الخلافة الإسلامية، رغم جَودة الطباعة فيها وتقدمها، فقد دخلت الطباعة إستنبول قبل مصر بمدة طويلة، وطبع أول كتاب عربي إسلامي فيها سنة (١٢٠٠) هجرية، وهو

стр. 144

مُعْرِبُ الكافية لحسين بن أحمد الشهير بزيني زاده (-١١٦٨)، وطبع قبله سنة (١١٤١) باللغة العثمانية ترجمة الصحاح، وكلاهما من نفائس خزانتنا. ولكنَّ السلطان أراد أن تجري هذه المأثرة الخالدة على أيدي العرب، وكانت إحدى وسائله لتوحيد كلمة المسلمين خلف قيادته، لإعادة الاعتبار للدولة العثمانية، ومحاولة إنقاذها وإيقاف أطماع الأجانب فيها. كما أنه أراد أن يستفيد من الأزهر الشريف في إخراج أصح نسخة من الجامع الصحيح. وقد بذل في سبيل ذلك كل غال ونفيس من الأموال والأعلاق، فأرسل إلى مصر بالنسخة اليونينية، وهي كنزٌ لا يقدر بثمن.، وسُلِّم هذا الكنز إلى شيخ الأزهر، ثم أُعيد بعد انتهاء المقابلة إلى إستنبول .. وقد فُقد هذا الكنز منذ ذلك الوقت ولم يُعثر له على أثر .. وهذا يزيد في قيمة هذه الطبعة السلطانية، لأنها هي الطبعة الوحيدة التي قوبلت على الأصل اليونيني الذي فُقد منذ ذلك الوقت ولم يعد يعرف مكانه. وقد أكدت صور المراسلات المستخرجة من الأرشيف العثماني بين الغازي أحمد مختار باشا مندوب السلطان في مصر وحاجب السلطان أن الطبع جرى وفق النسخة اليونينية الأصلية. وطبقًا للوثائق التي اطلعنا عليها، فإن عدد النسخ التي أمر السلطان بطبعها من صحيح البخاري ابتداءً هو ٥٠٠ نسخة. وعلمنا من هذه المراسلات أن وزارة المعارف في مصر قد طلبت ٥٠٠ نسخةٍ خاصة بها، ولكن السلطان أبى إلا أن تكون جميع النسخ باسمه وعلى نفقته. ونجد في رسالة أخرى أن أحمد مختار باشا يطلب إعادة مائتين منها إلى مصر، لنصرة أهل السنة وإعانتهم على قطع ألسنة المرجفين. وتهافت الناس على الطبعة السلطانية منذ صدورها، لكنها نفِدت في بضعة أشهر، لأنها كانت وقفًا توزع على العلماء. وأعادت المطبعة الأميرية بمصر طباعتها ابتداءً من

стр. 145

سنة ١٣١٤، وانتهت سنة ١٣١٥، ونفدت تلك الطبعة الثانية بعد مدة وجيزة.، لاشتهار الطبعة السلطانية الأولى ومعرفة العلماء بصحتها ودقتها. وهكذا صارت الطبعة السلطانية للبخاري تحفة نادرة، يَتفاخر العلماء باقتنائها، وتبذل في سبيل تحصيلها الأموال الطائلة، ويُرحَل في البحث عنها وطلبها إلى أقاصي البلاد. ونظرًا لما لصحيح البخاري من أهمية في الإسلام، ومكانة في قلوب المسلمين، فإن أهم ما كان يحذره السلطان هو وقوع التحريف والخطأ فيه، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، ولذلك أصدر السلطان الأمر بتكليف شيخ الأزهر في ذلك الوقت الإمام الأكبر الشيخ حسونة النواوي بالإشراف على تصحيح المطبوع ومقابلته وتدقيقه. ولكن رسالة مندوب السلطان، تكشف عن أن تكليف شيخ الأزهر كان باقتراح منه زيادة في الاحتياط، وأكد المكاوي هذا في مقدمة تصحيحاته. أَبلغ مندوبُ السلطان شيخَ الأزهر بالأمر السلطاني في ١٩ رمضان سنة ١٣١٢، فشكل شيخ الأزهر على الفور لجنة من ستة عشر من كبار العلماء من المذاهب الأربعة، ثلاثة منهم صاروا شيوخًا للأزهر الشريف فيما بعد: هم السيد علي الببلاوي والشيخ سليم البشري والشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، وجميعهم جهابذة في العلوم النقلية والعقلية، وأئمة في علوم اللغة العربية وآدابها، ستأتي تراجمهم مفصلة فيما بعد .. ويستخلص من تقرير شيخ الأزهر ومقدمة المَكاوي ورسالة مندوب السلطان أنَّ طبع صحيح البخاري كان قد تمَّ وقت تكليف شيخ الأهر بالمراجعة، فقد أُرسلت النسخ المطبوعة إليه، وتم تسليمه النسخة اليونينية بيد عبد السلام باشا المويلحي، وهو سياسي مصري مرموق.
следующие страницы →