← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10500

الحدود والتعزيرات عند ابن القيم

بكر أبو زيد

Полный текст (492 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الحدود والتعزيرات عند ابن القيم]ـ المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ) الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

حقوق النشر محفوظة النشرة الثانية ١٤١٥ هـ دار العاصمة المملكة العربية السعودية الرياض - ص ب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١ هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨- فاكس ٤٩١٥١٥٤

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على توالي نعمه وعظيم إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته. وأشهد أن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى. صلى الله وسم عليه وعلى آله وأصحابه وبعد: فإنه في ليلة الخامس والعشرين من شهر الله المحرم من عام أربعمائة وألف من الهجرة النبوية منَّ الله تعالى علي بمناقشة رسالتي باسم (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) (١) وذلك في قاعة المعهد العالي للقضاء بمدينة الرياض، وكانت هذه الرسالة تقع في ثمان وثمانمائة صفحة بقسميها. وقد طبعت القسم الأول منها باسم (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره) في كتاب مستقل. ثم أعدته مع زيادات هامة في مقدمة كتابي الموسوعي لفقه ابن قيم الجوزية (٢) . والآن أحتسب عند الله تعالى تقديم كتابي هذا، الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة. والذي يمثل الموضوع الرئيسي للرسالة. راجياً من

стр. 4

الله تعالى أن ينفعني به ومن شاء من عباده. وإن هذا الموضوع في دراسته التحليلية هو في الواقع واحدة من ثمار تتبعي لفقه ابن قيم الجوزية من كتبه المطبوعةِ والتي تبلغ واحداً وثلاثين كتاباً في قرابة ستين مجلداً في نحو عشرين ألف صحيفة. والآن أضع إمام الناظر في هذا الكتاب طلائعه المثلة لمفاتيح التصور للبحث ودوافعه، وتفسير عنوانه. ومسالك البحث فيه. وتبيانها كالآتي: موضوع البحث: لقد تحصّل لي من السير في ذلك المشروع المبارك (التقريب لفقه ابن قيم الجوزية) . أن لابن القيم رحمه الله تعالى مباحث عزيزة المطلب: في الحدود والتعزيرات منتشرة في أربعة عشر كتاباً من مؤلفاته (١) عالجها من ناحيتين: أولاهما: من ناحية حكمتها وأسرارها التشريعية. والثانية: من ناحية أحكامها الفقهية. وقد أولى ذلك عناية فائقة، وبسط الكلام في الكثير منها أشد البسط فنالت من تحقيقاته وآرائه وتحريراته: النصيب الأوفى والحظ الأوفر. وحسبي في هذه الدراسة أن أتناول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في هذه الجزئية من مباحثه بالدراسة

стр. 5

والتحقيق والموازنة والترجيح بين رأيه وغيره من المذاهب. مبيناً ما التقى فيها مع غيره وما انفرد به عن المذاهب الفقهية المشهورة: الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . وبذلك تبرز مكانته (٥) العلمية بجلاء. دوافع البحث: والغاية التي دفعتني الى اختيار مباحث " الحدود والتعزيرات" من بين عامة مباحثه، لتكون موضوعاً لهذه الرّسالة، هي في وجوه متعددة منها ما يلي:- الأول: أن القاضي أحوج ما يكون الى مباحث ابن القيم في ذلك، إذ أنه رحمه الله تعالى من أولئك العلماء الأفذاذ الذين انطلقوا من ربقة التقليد ونهجوا في

стр. 6

البحث والتحقيق منهج الاستدلال والمناقشة. وهذا ما يتطلبه القاضي المنصف المتطلب للصواب والحكم بين الناس بالحق. الثاني: أن أحكام الحدود والتعزيرات هي من أهم أعمال القضاء إذ عليها المدار لحفظ الضروريات: ففي حد الردة حفظ الدين. وفي حد الزنا حفظ الأنساب. وفي حد الخمر حفظ العقل. وفي حد القذف حفظ الرض. وفي حد السرقة حفظ المال. وابن القيم رحمه الله تعالى قد أفصح عن جل أحكام هذه الحدود وحكمها وأسرارها وتحقيق ما يلائم سياسة الأمة بالعدل وحالة العمران في كل زمان ففي تقريبها تحقيق لذلك. الثالث: أنه رحمه الله تعالى لم يؤلف في ذلك تأليفاً مستقلاً- حسب التتبع بل هي أبحاث متناثرة في كتبه المتكاثرة. والوقوف على الكثير منها قد يكون صعباً لذلك ولوجود طائفة منها في غير مظنته. إذ أنه رحمه الله تعالى يكثر الاستطراد لأدنى مناسبة، لسيلان ذهنه وفقه نفسه. ومن هنا يعم الناظر شدة الحاجة ومبلغ الأهمية لجمعها في صعيد واحد وترتيبها على النسق المعروف في المدونات الفقهية تيسيراً للقارئ وتوفيراً لجهده الرابع: أنه قد كثر الشغب في الأزمان المتأخرة من المستشرقين وتلامذتهم بالتنديد بالعقوبات الإسلامية المقدرة على الجرائم الأخلاقية من أنها: وحشية

стр. 7

وتعسف إلى أمثال هذا الطيش وتلك القلاقل والبداءات بغياً من أنفسهم للصد عن دين الله وشرعه وتحكيمه في أموال الناس وأعراضهم وسائر أحوال مدنيتهم. وإن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أبان من حكمة التشريع وأسراره لهذه العقوبات ما أماط اللثام وأزهق الباطل، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. وقد نظرت في مباحث حكمة التشريع عند جماعة من أهل العلم فلم أر عالماً يفري فريه قد ضرب من الحق بعطن أمثال هذا الإمام: في مباحثه العزيزة وتحقيقاته المنيفة. فكأنما أعطى رحمه الله تعالى نسخة من إيراداتهم، فكر عليها بالنقض حتى أصبحت في حساب الوساوس والأحلام الرديئة. ومن المعلوم أن تقرير ذلك من أهل العلم لم يكن الا رداً للباطل وزيادة في تثبيت الإيمان، وإلا فمقتضى الإيمان وموجب الإسلام: التسليم لأوامر الله ونواهيه سواء علمنا حكمة التشريع أم لا. هذه جملة من الأسباب التي دفعتني الى اختيار "الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية" موضوعاً للرسالة. وأرجو أن تكون أسباباً مقنعة للتدليل على سلامة الاختيار وأحقيته عند أنصار ابن القيم وخصومه على السواء تسمية الرسالة: ولما كانت تسمية الكتاب أو الرسالة من المتعين على أهل الإسلام أن يراعوا في ذلك الأصالة في اللسانين: لسان الشريعة المطهرة، واللغة العربية الكرمة كالشأن في سائر محرراتهم وألفاظهم. ولما كانت تسمية الرسالة ينبغي أن توحي بموضوعها وفلكة مغزلها الذي تدور عليه حتى تكون التسمية كالإطار العام للرسالة.

стр. 8

لما كان الأمر لا بد أن يكون كذلك فقد وسمت هذه الرسالة بما يلي: (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) . إيضاح هذه التسمية: فلفظ (الحد والتعزير) لفظان جاريان في اللغة والاصطلاح (١) وجعلهما الفصل الأول في عنوان الرسالة يفيد موضوعها. ولفظ (عند ابن قيم الجوزية) يقيد الإطلاق في الفصل الأول. فيتقيد الموضوع بحدود ما ذكره ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. ولفظ (دراسة) من ألفاظ القرآن الكريم في بضع آيات (٢) كما في قوله تعالى: (٣) (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) والدراسة هنا تعني القراءة ومعاهدة المقروء والتفهم (٤) . وأما لفظ (موازنة) : فهي تأتي في اللغة بمعنى المقارنة بين الشيئين والمحاذاة. قال الرازي (٥) : (وازن بين الشيئين موازنة ووزاناً، وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان محاذيه) .

стр. 9

قال ابن فارس (١) : (هذا يوازن ذاك أي هو محاذيه، ووزين الرأي: معتدلة، وهو راجح الوزن إذا نسبوه إلى رجاحة الرأي وشدة العقل) . وهذا المدلول اللغوي (موازنة) يوافق المعنى المراد من ذكرها في عنوان هذه الرسالة وهو: ذكر خلاف (٢) العلماء بجانب آراء ابن القيم واختياراته حتى تحصل المعرفة لمدى قوة اختيار ابن القيم وانتخابه للرأي الذي رآه في مسألة ما من بين الآراء والمذاهب. سبب العدول عن لفظ (مقارنة) إلى لفظ (موازنة) : تبين من بيان معنى لفظ (موازنة) لغة وإيضاح مدلولها في عنوان الرسالة أن هذا يعني ذكر (خلاف العلماء في المسألة بجانب رأي ابن القيم) . وعلم خلاف الفقهاء: فن مستقل بنفسه اشتهر باسم (علم خلاف الفقهاء) واشتهرت كتبه باسم (كتب الخلافيات) (٣) .

стр. 10

وقد اشتهر في لسان هذا العصر باسم (الفقه القارن) وكتبه باسم (كتب الفقه المقارن) . وهذا إطلاق سليم من حيث مدلوله اللغوي فإن المقارنة في اللغة جمع شيء إلى شيء فتقول قارنت بين الشيئين (١) . لكنها في عرف الوقت الحاضر من مصطلحات (علم الحقوق الحديث) (٢) ، يقصد بها مقارنة شريعة رب الأرض والسماء بقوانين البشر الموضوعة المختلقة المصنوعة (٣) . فانتقل هذا الاصطلاح الحقوقي من المقارنة بين الشريعة والقانون إلى المقارنة بين أقوال فقهاء الإسلام. فأصبح هذا الاصطلاح من المشترك المعنوي وفي ضوء هذا يمكن لنا أن نقوم حكم نقل هذا الاصطلاح بهجر اسم (علم خلاف الفقهاء) واستبداله باسم (علم الفقه المقارن) . فنقول: أن هذه بلوى وقع في شراكها كثير من أهل الإسلام حيث استبدلوا الكثير من مصطلحات العلوم الإسلامية. وامتحنوا المسلمين بأسماء جديدة تبعدهم عن تراثهم وتوحي بغرابة كتب أسلافهم على أفهامهم وعلومهم وثقافتهم. وقد وقع من هذا الشيء الكثير وعمت البلوى بانتشاره وإدخاله في مؤلفات علماء الإسلام.

стр. 11

كما في تسمية (أحكام النكاح وتوابعه) باسم (الأحوال الشخصية) (١) . وتسمية (وضع الجوائح) باسم (نظرية (٢) الظروف الطارئة) . إلى غير ذلك من ألفاظ الاصطلاح الناشئة لدى الفرنجة تنقلها الأقلام المنهزمة إلى علوم الإسلام وهي من الغرابة بمكان؟. ومن المؤسف جداً أن تأتي هذه المصطلحات في رسائل الشهادات العالية والشهادات العالمية من طالب يتلقى دروسه في معاهد الإسلام وفي ديار الإسلام ومنازله، وتحت إشراف أساتذة في علوم الإسلام. ولا يعار لهذا انتباهاً بل يرى الكثير أن هذا من المرونة وسعة الأفق والاطلاع المدهش. وأقول بكل ثبات إنها تسميات آثمة وخطط مأجورة ساقنا إليها دافع الغفلة والسبات العميق عما يراد بنا. وإن من أخشى ما أخشاه أن تورث هذه المشابهة في الظاهر التفاتة في الباطن فتشتبك الروح بالهيكل، وتنفخ فيه روح أصله وحينئذ يقع المسلمون في الاحتكام إلى غير ما أنزل الله.

стр. 12

ونضرع إلى الله أن لا يقع هذا. فليتق الله أهل الإسلام في إسلامهم وفي أمتهم ولينشروا العلم في قالبه السليم في الشكل والمضمون والظاهر والباطن (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (١) . وليحذر المسلمون الطاعة في بعض الأمر والملاحنة في القول فقد توعد الله الفعلة لذلك بقوله: (٢) (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكليف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) . مسلك البحث الإجمالي: وفي إطار هذا العنوان للرسالة سلكت في إبراز موضوعها مسلكاً أرجو أن يكون مثمراً للفائدة المرجوة. مرتباً على مسلكين اثنين في تضاعيفهما مباحث تفصيلية تساعد على الوضوح والتجلية وإبعاد الغموض والتعمية. ولما كان الحكم فرع التصور فقد جعلت بين يدي ذلك مقدمة مفصلة في التعريف بابن قيم الجوزية، تكشف عن كثير من الجوانب، للتعريف بشخصيته وبيئته وعلومه وآثاره. حتى يحصل تمام المطابقة بين الذات وآثارها. وفي ذلك أيضاً- أن شاء الله تعالى- تبصير وتنوير للذين في نفوسهم اعتلال وفي قلوبهم مرض صدهم عن الاستفادة من علوم مؤسسي المدرسة السلفية ومحيي السنة

стр. 13

المحمدية، وباعثي النهضة الإسلامية. عسى أن ينتهي بهم المطاف إلى الحكم العادل والقول الحق فيثوبوا لرشدهم ويناصروا الحق وأعوانه، فينهلوا ويرتووا من علوم ابن القيم وإخوانه من علماء المدرسة السلفية في الحاضر والغابر (١) . هذا إن نظروا إلى ذلك بعين الإنصاف والتجرد من الهوى والتبعية (٢) .

стр. 14

ثَانيا: موضوع الرسَالة الحدود والتعزيرات عَندَ ابن القيم "دراسة وموازنة" والبحث في هذا في مسلكين اثنين: المسلك الأول: عرض كلام ابن القيم على الترتيب الفقهي المشهور على ما يلي:- كتاب الحدود. وفيه ذكر الأحكام والمباحث العامة للحدود. باب حد الزنا. باب حد القذف. باب حد السكر. باب حد السرقة. باب حكم المرتد. باب التعزير (١) . المسلك الثاني: مسلك الموازنة بين رأي ابن القيم وبين آراء المذاهب الفقهية الأخرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. مع بيان ما يلتقي فيها مع غيره وما ينفرد بها دونهم.

стр. 15

ومن ثم ترجيح ما يؤيده الدليل. خطوات العرض والدراسة في هذين المسلكين: حصل بالتتبع لمنهج ابن القيم في الحدود والتعزيرات ما يلي: أن ابن القيم قد يذكر التعريف الاصطلاحي للجريمة وقد لا يذكره. وابن القيم قد يذكر حكمة التشريع من وجوه متعددة وقد يذكرها من وجه واحد. وابن القيم قد يذكر المسألة مفصلة بذكر الخلاف وأدلته مع بيان وجوه الاستدلال ومناقشتها. وقد يعرض المسألة بصفة دون ذلك. وقد يذكر المسألة بمجرد الإشارة إليها. وابن القيم لا يعنى بذكر العناوين التفصيلية للمسألة. وابن القيم أيضاً: قد يذكر المسألة في بحث واحد وقد يبحثها في موضعين فأكثر من كتاب فأكثر. وعلى أي من هذه الأحوال فإنني سقت الحديث في كل باب من أبواب الحدود في جملة مباحث على هذا الطرد والنسق. ١- تعريف الجريمة في اللسانين اللغة والشرع. ٢- مبحث حكمة التشريع في حدود ما ذكره ابن القيم. ٣- مباحث الأحكام الفقهية. وفي كل مبحث ما يلي: أ- ذكر الخلاف والقائل به. ب- ذكر أدلته. ج- ذكر وجوه الاستدلال منها.

стр. 16

هـ- الترجيح لما يظهر بدليله. والمنطلق في كل مبحث مما ذكره ابن القيم في ذلك المبحث من عامة كتبه المطبوعة والله الموفق. مسارد الرسالة: وقد أتبعت هذه الرسالة بمسارد تكشف عن أهم المصادر والمراجع وعن موضوعات الرسالة. وأثبات بالآيات والأحاديث والأعلام. هذه تقدمة لعلها تكشف للقارئ موضوع الرسالة وهيكلها العام واستميحه العذر في الإطالة فلعل نقاطاً هامة استدعت ذلك كما يظهر للمطلع الفطن وأرجو من الله أن يكون حائزاً للرضا مقبولاً عند أولي النهي. ولا يجول في خلدي أنني بلغت أدنى درجة الكمال فضلاً عن الكمال إذ هذا أمر لله وحده. والخطأ من لوازم البشر (لانقطاع العصمة بانقطاع عالم النبوة والأنبياء) ومما يفسح ميدان الأمل أن الله تجاوز لنا عن الخطأ. والمرء نفسه إذا كتب شيئاً في يومه ثم عاوده بعد أمد قدم فيه وأخر وغير وبدل إذ الأمر كما قيل (ما ألف أحد في يومه إلا قال في غده لو قدمت أو أخرت وهذا مما يدل على ضعف القوى والقدر وكمالها لواهبها سبحانه) . وختاماً أدعو بدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأقول: " اللهم أجعل عملنا هذا صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً". وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 17

كتاب الحدود جرت عادة العلماء خاصة علماء الحنابلة أن يجعلوا بين أبواب الحدود المباحث التي تشترك فيها الحدود، كبيان من يجب عليه الحد ونحوه من المسائل، ونحن بصدد دراسة آراء ابن القيم في الحدود والتعزيرات، سوف نقصر الكلام في هذه التقدمة على المباحث التي تناولها ابن القيم منتظمة لأبواب الحدود بالاتفاق أو على الراجح من الخلاف في نظره، مقفياً ذلك بمسلك الموازنة والترجيح.

стр. 18

توطئة الحدود توطئة في تعريف الحد في اللسانين: اللغة والشرع: لغة: الحد: جمعه حدود، وهو في أصل الوضع العربي بمعنى المنع (١) ومنه قول نابغة ذبيان (٢) . إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند (٣) ولذا قيل للحاجز بين الشيئين حداً، لأنه يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر (٤) . ومنه: حدود الأرض، وحدود الحرم، ونحوهما، كتسميهَ أهل الاصطلاح المعرف للماهية بالزانيات حداً (٥) ، إذ الحد يمنع أفراد غير المعرف من الدّخول في

стр. 19

التعريف ويمنع أفراد المعرف من الخروج عن التعريف. ومنه أيضاً للإشارة إلى المنع (١) : (سمّي الحديد حديداً لأنه يمنع من وصول السّلاح إلى البدن وسمّي البوّاب والسّجّان: حداداً، لأنه يمنع من في الدّار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدّخول فيها) . ومنه أيضاً سمّيت الحاد في العدّة، لأنها تمنع من الزينة (٢) . وعليه سمّيت العقوبات المقدرة: حدوداً (٣) . فالحد إذا على كثرة إطلاقاته وسعة مدلولاته لا يخرج عن معناه الأصلي الذي وضع له وهو (المنع) . لماذا سمّيت العقوبات المقدرة (حدوداً) : لا خلاف في أن العقوبات المقدرة إنما سمّيت حدوداً لعلة المنع وإنما حصل الخلاف في تعليل مورد المنع في ذلك على أقوال ثلاثة هي: ا- لأن هذه العقوبات تمنعه المعاودة في مثل ذلك الذّنب وتمنع غيره أن يسلك مسلكه (٤) . ٢- لأنها عقوبات مقدرة من الشارع، تمتنع الزيادة فيها أو النقصان (٥) .

стр. 20

٣- لأنها زواجر عن محارم الله (١) . وفي الواقع أن هذه التعليلات ليس هناك ما يمنع التعليل بها مجتمعة لاشتمالها على هذه المعاني الثلاثة: فهي عقوبات مقدرة على مرتكبي محارم الله وحقوقه تمنعهم من العود لمثلها، وهي موانع وزواجر عن محارم الله، ويمتنع الزيادة عليها أو النقصان منها. الحد في الاصطلاح (٣) : تكاد تتفق كلمة أهل الاصطلاح على أن تعريف الحد اصطلاحاً: عقوبة مقدرة في الشرع لأجل حق الله تعالى. شرح التعريف: لفظ عقوبة: جنس في التعريف تشمل المقدرة وغير المقدرة. ولفظ مقدرة: تخرج غير المقدر وهو ما عرف باسم: التعزيرات ولفظ في الشرع: يفيد أنها توقيفية على لسان الشارع ﷺ . فتخرج العقوبات المقدرة في القوانين الموضوعة المختلقة المصنوعة. فلا تسمى حدوداً. لأجل حقّ الله تعالى: يخرج به ما كان حقاً للعبد، وهو: القصاص في نفس أو طرف. والله أعلم.

стр. 21

موقف ابن القيم من هذا الاصطلاح: رأينا أن الفقهاء يقصرون في اصطلاحهم لفظ " الحد " على العقوبة المقدرة في الشرع لحقّ الله تعالى. لكنا نرى ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرتضى القصر في هذا الاصطلاح الفقهي فيقدر أن هذا اصطلاح حادث وأنه في لسان الشرع أعم وأشمل فيعم العقوبة مقدرة أو غير مقدرة كما يشمل نفس الجناية أيضاً كلّ هذا في نظره يسمى (حداً) على لسان الشارع. وأوضح هذا المعنى في كتابه (الأعلام) في معرض ردّه على من فهم من قوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى) (١) - أن الحدود هنا يراد بها ما ترتب عليه عقوبات مقدرة فقال (٢) : (الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود: عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة. والحد في لسان الشارع أعم من ذلك. فإنه يراد به هذه العقوبة تارة. ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى (٣) (تلك حدود الله فلا تقربوها) وقوله تعالى (٤) (تلك حدود الله فلا تعتدوها) . ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة. فقوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود

стр. 22

الله) . يريد به الجناية التي هي حق الله) . وإن هذا الموقف من ابن القيم رحمه الله تعالى هو من فقه الكتاب والسنة فهذا العموم للفظ (الحد) في لسان الشارع تؤيده النصوص التي ساقها رحمه الله تعالى. وقصر (الحد) على العقوبة المقدرة للجنايات يحتاج إلى دليل يفيد القصر. وبعد التحري لم أر دليلاً على هذا القصر. وإنما هو محض اصطلاح دعاهم إليه- والله أعم- أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها لأهميتها وتميزها بأحكام خاصة بها. تقريباً للأذهان، وتيسيراً على الطالبين ولا مشاحة في الاصطلاح. وهذا ما يقرره ابن القيم في موضع آخر إذ يقول (١) : (والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة) . فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف (الحد) ولكن يعارض بكل شدّة أن يقضي بالاصطلاحات الحادثة على نصوص الشرع، فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها ولاشك أن هذا من الغلط البيّن على نصوص الكتاب والسنة. ومن هذا الغلط غلط من فسر لفظ (حدود الله) في الحديث المذكور بمعنى (ذات العقوبة المقدرة) فهذا قضاء على عموم معنى النص باصطلاح حادث. وإنما معناه ما حرم لحق الله فإن (حدود الله) هي (حقوق الله) وهذا يشمل ويعم المقدر وغيره. وابن القيم في تقرير هذا المعنى له سلف من أهل العلم منهم شيخه أبو العباس ابن تيمية في طائفة من أهل العم، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢) :

стр. 23

(والحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله، ما حرم لحق الله فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام مثال: آخر الحلال وأول الحرام. فيقال في الأول (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (١) . ويقال في الثاني (تلك حدود الله فلا تقربوها) (٢) . وأما تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث. ومعنى الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات) . وهذه الإفادة عن ابن القيم التي قذف بها موج بحره الزخار تكسبنا إنارة في تقويم المفهوم عن الله وعن رسوله ﷺ ومعرفة لحدود لكلام الله وكلام رسوله ﷺ . ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى أن ابن القيم له مبحث نفيس في هذه القاعدة وهي معرفة حدود كلام الله ورسوله ﷺ في أعلام الموقعين (٣) والله أعلم.

стр. 24

مَبَاحث الحدود العَامة عَندَ ابن القيم رحمه الله تعَالى حصل بالتتبع أن مباحثه في ذلك على ما يلي: المبحث الأول: في آثار المعاصي شرعاً وقدراً. المبحث الثاني: في حكم إقامة الحد بدار الحرب. المبحث الثالث: في تأخير الحد لعارض. المبحث الرابع: في إقامة الحد بالقرينة الظاهرة. المبحث الخامس: في أثر التوبة في الحدود. وإلى بيانها على هذا النسق والترتيب.

стр. 25

المبحث الأول: في آثار المعاصي شرعاً وقدراً (١) أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى أن للوقوع في معاصي الله وانتهاك حرماته آثاراً عقابية شرعاً وقدراً، تحيط بالعاصي وتلم به، وهي في مجموعها تنقسم إلى عقوبتين: الأولى: قدرية. والثانية: شرعية. وقد تناول كلا منهما في. بحوث طويلة الذيل، واسعة الأطراف، تشرق بالحيوية، وتفهم روح الشريعة الإسلامية، والوقوف على نصوصها وفقه أحكامها. فإلى الوقوف على خلاصة مباحثه في كل منهما على ما يلي: الأثر الأول: العقوبات القدرية يقصد بالعقوبات القدرية ما ينتج من انتهاك حرمات الله وارتكاب معاصيه من الآثار العقابية القدرية- المذمومة المضرة بالدين والقلب والبدن وغير ذلك مما يحيط بالعاصي ويلم به في مراحل سفره: في الدنيا، والبرزخ والآخرة وهي متفاوتة بحسب تفاوت المعاصي في درجاتها ومفاسدها.

стр. 26

أنواعها: ومن آثار المعاصي العقابية القدرية: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما يزيد عن خمسين نوعاً من آثارها وقد تناولها بالبيان والتفصيل في (الداء والدواء) (١) . وفي معرض كلامه عن أسباب الصبر عن معاصي الله تعالى في (طريق الهجرتين) ساق جملة منها على سبيل الإجمال فقال (٢) (منها: سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وألمه وانحصاره، وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته بالثوب الذي جعله الله وزينه به، والعصرة التي تناله والقسوة والحيرة في أمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولي عدوه المبين له، وتوارى العلم الذي كان مستعداً له عنه، ونسيان ما كان حاصلاً له أو على ضعفه ولا بد ومرضه الذي استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلب، ومنها ذلة بعد عزة. ومنها أنه يصير أسيراً في يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفاً يخافه أعداؤه. ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ في غيرهم. ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة. ومنها زوال الأنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة. ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط. ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه ومنها وقوعه في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته

стр. 27

نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها إن قضى وطره، منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه. فيا لها ناراً قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنياً بما معه من رأس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيراً معدماً فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير (أولا) فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله. ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه. ومنها ضعف بدنه. ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة. ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس. ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه، ولا يعود إليه أبداً. ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقاداً مستجيباً لما يأمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دون مولاه الحق. ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال الله تعالى (١) : (كلاّ بل ران على قلوكم ما كانوا يكسبون) .

стр. 28

ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتاً مضيعاً حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، ما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة. ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه. ومنها أن الذنب يستدعي ذنباً آخر ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثاً، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعاً وهم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته، قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة. كما قال الله تعالى (١) : (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) ، فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. وأمّا الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا.

стр. 29

ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته فإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته. ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه. ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها. وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث يستقر به، قال الله تعالى (١) : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى (٢) : (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها. وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين. ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على مدخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهماً للصوص وقطاع الطرق. فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة، إلى خربة وحشة هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئاً من متاعه؟ ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته. وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً، فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته، وفي بعض الآثار يقول الله : " من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي؟ ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي".

стр. 30

تقسيم هذه العقوبات القدرية: وقد ذكر رحمه الله تعالى تقسيم هذه العقوبات القدرية وتنويعها باعتبارات ثلاثة هي: ١- تقسيمها باعتبار العموم والخصوص. ٢- تقسيمها باعتبار المحل الذي تقع فيه. ٣- تقسيمها باعتبار المكان الذي تقع فيه. وبيانها على هذا النسق كما يلي: ١- تقسيمها باعتبار العموم والخصوص: هذه العقوبات القدرية إما أن تقع على المتلبس بالمعصية خاصة ولا تتعداه إلى سواه وإما أن تتعداه إلى غيره فيكون لها بالغ الأثر في مجتمعه وفي ظل هذا التنويع يبين ابن القيم رحمه الله تعالى مجال كل منهما فيقول (١) : أما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه) . فالعقوبات القدرية إذا تنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: الأول: خاصة، بمعنى وقوعها على المتلبس بالمعصية دون غيره فيما إذا كان العمل. بها خفيا لم تقع المجاهرة به. الثاني: عامة، بمعنى وقوعها على العاصي وغيره. ومجال عمومها: إذا أعلنت وجاهر. المذنبون بمعاصيهم ولم ينكر المسلمون ذلك، والله أعلم.

стр. 31

٢- تقسيمها باعتبار المحل الذي تقع عليه: وقد ذكر أيضاً رحمه الله تعالى أن هذه الآثار العقابية القدرية للمعاصي تنقسم باعتبار المحل الذي تقع عليه إلى قسمين أيضاً: الأول: على الأبدان والأموال. مثل: ارتفاع النعم وحلول النقم. وحدوث الأمراض والآفات في الأبدان والثمار، وتسلط الرعاة على الرعية ونحو ذلك. الثاني: على القلوب والنفوس. مثل إضعاف القلب عن إزالة الطاعة. والطبع عليه. وتوريثها الذلّ. وإفساد العقل وإلغاء نور النفس. وسقوط الجاه والكرامة. ونحو ذلك (١) . وهذه العقوبة هي أصل عقوبة الأبدان والأموال. وهي أشد العقوبتين أثراً ونكاية. وهي أيضاً تتنوع إلى نوعين. وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٢) : (أمّا العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع. على القلوب والنفوس. ونوع على الأبدان والأموال. والتي على القلوب نوعان: أحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب. والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه، وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها. وعقوبة القلب أشد العقوبتين. وهي أصل عقوبة الأبدان وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقاً بها، فظهرت عقوبة القلب

стр. 32

حينئذ وصارت علانية ظاهرة، وهي المسماة بعذاب القبر، ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار) . ٣- تقسيمها باعتبار المكان الذي تقع فيه: وهذا أيضاً تقسيم ثالث لآثار المعاصي العقابية القدرية بالنسبة لظرف وقوعها المكاني. فذكر رحمه الله تعالى انقسامها بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: الأول: عقوبات في دار الدنيا. الثاني: عقوبات في دار البرزخ. الثالث: عقوبات في الآخرة. وينتظم هذه العقوبات الثلاث قول الله تعالى (١) (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) . وفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (قال تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) . وفسرت المعيشة الضنك: بعذاب القبر. ولا ريب أنه من المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من المعيشة الضنك بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النّعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحبّ الدنيا والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو وسكر الهوى وحبّ الدنيا لا يصحو

стр. 33

صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات فالعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه. وفي البرزخ، ويوم معاده. الأثر الثاني: العقوبات الشرعية: ترتب العقوبات الشرعية أثر من آثار التلبس بمعاصي الله واقتراف المآثم ويراد بها: ما رتبه الشارع على ذلك من حد أو كفارة (١) أو تعزير. وهذا الأثر العقابي الشرعي الحكمي هو ما عرف بعد باسم: الحدود والتعازير إذا ما استثنينا ترتب الكفارة. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن المعاصي بالنسبة لترتب هذا الأثر عليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام (٢) : القسم الأول: ما فيه حد مقدر، كالزنى، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر. فهذا القسم لا كفارة فيه ولا تعزير. القسم الثاني: ما فيه كفارة، كالجماع في الإحرام، ونهار رمضان، وولاء المظاهر منها قبل التكفير وقتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك. فهذا القسم لا حد فيه. الجمع بين الكفارة والتعزير (٣) : ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في الجمع بين التعزير والكفارة في

стр. 34

المعصية التي لا حد فيها على قولين للفقهاء هما وجهان لأصحاب أحمد: الأول: يجب التعزير مع الكفارة، وذلك لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية. الثاني: لا تعزير مع الكفارة اكتفاء بها، لأنها جابرة وماحية. هكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى القولين ولم يرجح أحدهما على الآخر والذي يظهر والله أعلم هو عدم وجوب التعزير مع الكفارة لآن الوجوب لا بد له من دليل يقضي بالإيجاب وهذا ما لا يعلم توفره هنا والله أعلم. القسم الثالث: ما ليس فيه حد ولا كفارة. فهذا فيه التعزير. وهذا القسم على نوعين (١) : (أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعياً، كأكل العذرة، وشرب البول.، والدم. والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد، كالنظر والقبلة، واللمس والمحادثة وسرقة فلس، ونحو ذلك) . ومن هذا البحث، نستخلص أن العقوبات الشرعية المترتبة على المعاصي ثلاثة أنواع: ١- حد مقدر. ٣- كفارة مقدرة. ٣- تعزير. وأن المعاصي بالنسبة لترتيب هذه العقوبات الشرعية الحكمية- عليها على أنواع أيضاً وهي: ١- معصية فيها حد مقدرة فلا كفارة فيها ولا تعزير (٢) . ٢- معصية فيها كفارة مقدرة فلا حد فيها بالاتفاق ولا تعزير على أصح القولين. ٣- معصية لا حد فيها ولا كفارة ففيها التعزير.

стр. 35

المبحث الثاني: في حكم إقامة الحد بدار الحرب (١) : إذا أصاب المسلم فيها ما يوجب حداً في سرقة أو شرب خمر أو نحوها من موجبات الحدود فهل يقام عليه الحد؟ هذه من مسائل الاختلاف بين أهل العلم، وقد تناولها ابن القيم ﵀ تعالى بالبيان والتفصيل، فحكى الخلاف، ودلّل، ورجح. وضرب بها المثال لتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال. اختياره رحمه الله تعالى (٢) : يظهر جلياً من مباحثه رحمه الله تعالى في ذلك: اختياره قاعدة يرد عليها استثناء واحد ذلك: أن من باشر ما يوجب حداً في دار الحرب، فإنه لا يسقط عنه الحد بالكلية وإنما يؤخر حتى يقفل من دار الحرب ويعود إلى اْرض الإسلام. لكن إن كان لمن وجب عليه الحد من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها، وظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية. سلفه في تقرير هذا الاختيار: اختياره هذا رحمه الله تعالى يتكون من تقرير قاعدة يرد عليها استثناء وهذا (١) أ- انظر في هذا المبحث: أعلام الموقعين ٢/٣٠٧، ٣/١٧- ٢١، ٣/ ١٥٥. ب- دار الحرب، ويقال: دار الكفر. وأرض الكفر. وأرض الحرب كلها بمعنى: دار التباعد والبغضاء. وهي: دار الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان (انظر المطلع ص/٢٢٦) . (٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧- ٣١

стр. 36

الاستثناء لم أر من سبقه إليه، أما تقريره القاعدة المذكورة فهي مذهب أحمد، وإسحاق (١) ، والأوزاعي (٢) وغيرهم. وقد أوضحه ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (٣) : (وقد نص أحمد، وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي (٤) في مختصره (٥) فقال (٦) : لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو) . وعدم إقامته في أرض العدو يعني تأخيره حتى يعود إلى أرض الإسلام فيقام الحد إذاً على مرتكب موجبه. وهو كذلك مصرحاً به عند من حكى مذهب هؤلاء أو بعضهم كالترمذي وابن قدامة، وابن الهمام. وغيرهم. قول الترمذي (٧) :

стр. 37

قال بعد سياق الحديث في النهي عن القطع في الغزو (١) : (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه) . قوِل ابن قدامة (٢) : قال في بيان مذهب الإمام أحمد (٣) : (من أتى حداً من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه الحد وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق) . قول ابن الهمام (٤) : قال بعد سياق قول الترمذي المتقدم (٥) : (واعلم أن مع الأوزاعي أحمد وإسحاق فمذهبهم تأخير الحد إلى القفول) .

стр. 38

أدلة اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: عرفنا أن اختياره رحمه الله تعالى هو: تأخير الحد وأنه لا يسقط إلا عن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: الأدلة على تأخير الحد كما ذكر دليل الاستثناء المذكور في اختياره. لهذا فإني أسوق أدلة اختياره وما يرد عليها من مناقشات على ما يلي: أولاً: الأدلة التي استدل بها على تأخير الحد: وهي من السنة (١) . وقضاء الصحابة (٢) ﵃ والإجماع (٣) والقياس (٤) وبيانها على ما يلي: ١- استدلاله من السنة: استدل بحديث النهي عن القطع في الغزو فقال (٥) :

стр. 39

(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو رواه أبوِ داود) . علّة النهي: قال في بيانها (١) : (فهذا حد من حدود الله وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هوِ أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضباً، كما قال عمر (٢) ، وأبو الدرداء (٣) وحذيفة (٤) وغيرهم..) . وجه الاستدلال: دلالة هذا الحديث نصية على النهي عن إقامة حد السرقة على مرتكبها من الغزاة في الغزو. لكن ابن القيم رحمه الله تعالى فهم منهم العموم في النهي عن إقامة كافة الحدود في أرض العدو، للاشتراك في علّة النهي فطرد هذا الحكم في سائر الحدود فقال (٥) :

стр. 40

(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم) (١) . وهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى: أخذ بروح التشريع، ونظر إلى مقاصد الشريعة، ومراعاة لعلل الأحكام، وبعد عن الجمود مع ظاهر النص. إيراد وجوابه: وهو أنَ يقال: اين الاستدلال من هذا الحديث على تأخير الحد فإن ظاهره . سقوط الحد لا تأخيره والحال يقِتضي البيان؟ والجواب عن هذا من وجهين: ١- إن الحديث نهى عن إقامة حد القطع في ظرف خاص وهو (الغزو) فهذا نهي عن إقامة الحد في حالة الغزو وليس إسقاطا له. يوضحه الوجه بعده: ٢- وهو أن الصحابة ﵃ الذين وقع التشريع في عصرهم وفي مواجهتهم أخروا إقامة الحدود عن مرتكبيها في المغازي في قضايا متعددة كما سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى هم أقرب الأمة لفهم كلام نبيها، ومعرفة مراده، وبهذا أخذ ابن القيم وجعل ما وقع من الصحابة ﵃ من تأخير الحد- تفسيراً للنص وكشفاً عن مراد الشارع صلى الله عليه وسلم.
следующие страницы →