الاستثناء لم أر من سبقه إليه، أما تقريره القاعدة المذكورة فهي مذهب أحمد، وإسحاق (١) ، والأوزاعي (٢) وغيرهم.
وقد أوضحه ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (٣) :
(وقد نص أحمد، وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي (٤) في مختصره (٥) فقال (٦) : لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو) .
وعدم إقامته في أرض العدو يعني تأخيره حتى يعود إلى أرض الإسلام فيقام الحد إذاً على مرتكب موجبه. وهو كذلك مصرحاً به عند من حكى مذهب هؤلاء أو بعضهم كالترمذي وابن قدامة، وابن الهمام. وغيرهم.
قول الترمذي (٧) :
стр. 37
قال بعد سياق الحديث في النهي عن القطع في الغزو (١) :
(والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد
في الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه) .
قوِل ابن قدامة (٢) :
قال في بيان مذهب الإمام أحمد (٣) :
(من أتى حداً من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه الحد وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق) .
قول ابن الهمام (٤) :
قال بعد سياق قول الترمذي المتقدم (٥) :
(واعلم أن مع الأوزاعي أحمد وإسحاق فمذهبهم تأخير الحد إلى القفول) .
стр. 38
أدلة اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:
عرفنا أن اختياره رحمه الله تعالى هو: تأخير الحد وأنه لا يسقط إلا عن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: الأدلة على تأخير الحد كما ذكر دليل الاستثناء المذكور في اختياره.
لهذا فإني أسوق أدلة اختياره وما يرد عليها من مناقشات على ما يلي:
أولاً: الأدلة التي استدل بها على تأخير الحد:
وهي من السنة (١) . وقضاء الصحابة (٢) ﵃ والإجماع (٣) والقياس (٤) وبيانها على ما يلي:
١- استدلاله من السنة:
استدل بحديث النهي عن القطع في الغزو فقال (٥) :
стр. 39
(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو رواه أبوِ داود) .
علّة النهي:
قال في بيانها (١) :
(فهذا حد من حدود الله وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هوِ أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضباً، كما قال عمر (٢) ، وأبو الدرداء (٣) وحذيفة (٤) وغيرهم..) .
وجه الاستدلال:
دلالة هذا الحديث نصية على النهي عن إقامة حد السرقة على مرتكبها من
الغزاة في الغزو.
لكن ابن القيم رحمه الله تعالى فهم منهم العموم في النهي عن إقامة كافة الحدود
في أرض العدو، للاشتراك في علّة النهي فطرد هذا الحكم في سائر الحدود فقال (٥) :
стр. 40
(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم) (١) .
وهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى: أخذ بروح التشريع، ونظر إلى مقاصد الشريعة، ومراعاة لعلل الأحكام، وبعد عن الجمود مع ظاهر النص.
إيراد وجوابه:
وهو أنَ يقال: اين الاستدلال من هذا الحديث على تأخير الحد فإن ظاهره
. سقوط الحد لا تأخيره والحال يقِتضي البيان؟
والجواب عن هذا من وجهين:
١- إن الحديث نهى عن إقامة حد القطع في ظرف خاص وهو (الغزو) فهذا نهي عن إقامة الحد في حالة الغزو وليس إسقاطا له. يوضحه الوجه بعده:
٢- وهو أن الصحابة ﵃ الذين وقع التشريع في عصرهم وفي مواجهتهم أخروا إقامة الحدود عن مرتكبيها في المغازي في قضايا متعددة
كما سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى هم أقرب الأمة لفهم كلام نبيها، ومعرفة مراده، وبهذا أخذ ابن القيم وجعل ما وقع من الصحابة ﵃ من تأخير الحد- تفسيراً للنص وكشفاً عن مراد الشارع صلى
الله عليه وسلم.
стр. 41
مناقشة هذا الدليل:
بعد أن رأينا هذا الحديث نصاً ودلالة والتسليم لها، فما هي منزلة هذا الحديث ودرجته من الصحة أو الضعف أو غيرهما من درجات الحديث الصناعية (١) . إذ أن التسليم لدلالة الحديث مترتبة على التسليم لثبوته. وبيان ذلك على ما يلي:
منزلته عند ابن القيم:
لم يتكلم عليه ابن القيم رحمه الله تعالى بتصحيح أو تضعيف لكن ذكره له بصيغة الجزم (٢) كما تقدم واستدلاله به على ما رآه وعدم تعقبه له يعتبر تسليما منه لحجية إسناده.
هذا ما يتضح للناظر من سياق ابن القيم لهذا الحديث في (أعلام الموقعين) (٣) لكنا نراه في مبحث لاحق من نفس الكتاب، يشير إلى ضعف الحديث في معرض ردّه على من قال الزيادة على ما في القرآن نسخ فيقول (٤) : (إنكم أخذتم بخبر ضعيف (لا تقطع الأيدي في الغزو) وهو زائد على القرآن، وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب..) .
فمن هنا يبدو تضارب في منزلة هذا الحديث عند ابن القيم بين الحجية والتضعيف. لكن بعد التأمل يجد الناظر لكلامه محملاً ينفي عنه التضارب وهو أن يقال:
стр. 42
إن الحديث في نظر ابن القيم رحمه الله تعالى ضعيف ضعفاً محتملاً، يتقوى بما يشهد له من أقضية الصحابة ﵃ والقياس الصحيح. بما يفيد النهي عن الحد حال الغزو وتأخيره بعد القفول منه، أما أن يريد به الضعيف ضعفاً غير محتمل، وهو ما كان في سنده من تكلم في عدالته بحيث لا يصح معه اعتبار ولا شاهد فهذا ما لم يظهر من كلامه والله أعلم.
الدراسة الإسنادية لهذا الحديث:
وهي تتجلى في الخطوات الآتية:
أ- صحابي الحديث:
صحابي هذا الحديث هو: بسر ابن أبي أرطأة ﵁. وهو من مفاريده (١) عن النبي ﷺ .
ب- مخرجيه:
أخرج هذا الحديث الأئمة: أحمد (٢) ، وأبو داود (٣) ، والترمذي (٤) والنسائي (٥) ، والدارمي (٦) ، والضياء (٧) كلهم من حديث بسر ﵁.
стр. 43
ج- ألفاظه:
أما ألفاظه عند من خرجه فهي على ما يلي:
أ- قال ﷺ (لا تقطع الأيدي في السفر) رواه أبو داود. والنسائي، والضياء.
ب- قال (نهانا رسول الله ﷺ أو قال ﷺ لا تقطع الأيدي في الغزو) رواه أحمد. والترمذي والدارمي.
ج- عند أحمد وأبي داود بإسناديهما عن جنادة بن أبي أمية (١) قال: كنا مع بسر ابن أبي أرطاة (٢) في البحر، فأتى بسارق يقال له (مصدر) قد سرق بختية (٣) فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا تقطع الأيدي في الغزو) .
الجمع بين روايتي (السفر) و (الغزو) :
رواية النهي عن قطع الأيدي (في السفر) لا تعارض رواية (في الغزو) ذلك أن السفر المذكور يراد به سفر الغزو فهو من باب العام المخصص على ما ذكره جماعة الشراح لهذا الحديث (٤) .
٤- التعريف بأسانيد هذا الحديث إلى راويه بسر:
أما رجال إسناده عند أبي داود فكلهم ثقات إلى بسر كما قاله الشوكاني (٥) .
стр. 44
ومدار أسانيده عند أحمد والترمذي على ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة المصري المتوفى سنة ١٧٤ هـ. ومنزلته الصدق وقد اختلط بعد احتراق كتبه (١) ، وهو مدلس (٢) لكنه قد صرح بالتحديث في هذا الحديث.
فيعلم من حاله إذا أن حديثه يتابع عليه، وقد تابعه (حيوة ابن شريح) عند أبي داود والنسائي وحيوة بن شريح الحضرمي المتوفى سنة ٢٢٤ هـ من ثقات المحدثين (٣) .
وحيوة وابن لهيعة يرويانه: عن عياش بن عباس القتباني المصري المتوفى سنة ٢٣٣ هـ. وعياش من الأئمة الثقات (٤) .
فتحصل أن أسانيد هذا الحديث إلى بسر، ترقى إلى درجة الصحة حسب أصول الصناعة الحديثية والله أعم.
٤- التعريف ببسر راوي الحديث عن النبي ﷺ (٥) :
هو بسر ابن أبي أرطأة: عمير بن عويمر القرشي العامري. قيل مات أيّام معاوية ﵁. وقيل في أيّام عبد الملك بن مروان (٧) . وقيل في أيّام ابنه الوليد سنة ٨٦ هـ (٨) .
стр. 45
وليس له عن النبي ﷺ سوى ثلاثة أحاديث (١) هذا أحدها، وهو من مفاريده فقد تفرد بروايته له عن النبي ﷺ . ولا يعلم أن أحداً شاركه في رواية هذا الحديث عن النبي ﷺ
وقد تكلم الحفاظ في بسر هذا من ثلاث جهات: في صحبته وفي سماعه من النبي ﷺ ، وفي عدالته. وبيان هذا فيما يلي:
أ- الخلاف في صحبته:
اختلف في صحبة بسر للنبي ﷺ على قولين حكاها المنذري فقال فيه (٢) :
(اختلف في صحبته، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له. وإن مولده قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين (٣) ، لا يحسن الثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، والله أعلم، وقد غمزه الدارقطني (٤)) . والمنذري حكى الخلاف ولم يجزم بواحد من القولين. وهذا صنيع المزي في (تحفة الأشراف) (٥) والذهبي في (الميزان) (٦) وابن حجر في (الإصابة) (٧) وفي (تهذيب التهذيب) (٨) .
стр. 46
بينما نجد الذهبي نفسه في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) (١) يذكره في عداد الصحابة ولا يتعقبه بشيء ينبئ بخلاف صحبته والحافظ ابن حجر في كتابه (التقريب) (٢) يجزم بصحبته فيقول فيه: (من صغار الصحابة مات سنة ٨٦ هـ. روى له أبو داود، والترمذي والنسائي) .
فهذان الحافظان الذهبي وابن حجر اختلفت كلمتهما في صحبة بسر هذا بين الجزم بصحبته وبين التوقف فيها. كما توقف فيها أيضاً الشوكاني في (نيل الأوطار) (٣) .
ب- الخلاف في سماعه من النبي ﷺ :
ثم أن المزي، والذهبي، وابن حجر، لما ذكروا الخلاف في صحبة بسر للنبي ﷺ ذكروا الخلاف أيضاً في سماعه من النبي ﷺ ولم يجزموا بواحد من القولين في سماعه أو عدمه.
وللقائلين بصحبته: (الجزم بسماعه عن النبي) لأنه قد صرح في بعض روايات هذا الحديث بسماعه له من النبي ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقطع الأيدي- الحديث (٤) . وقال الشوكاني (٥) : (ونقل عبد الغني أن حديثه في الدعاء فيه التصريح بسماعه من النبي ﷺ .
стр. 47
ج- عدالته:
قد تكلم في عدالة بسر بكلام خشن ذكره الذهبي (١) وابن حجر (٢) والشوكاني (٣) والمناوي (٤) . وذكروا من أحواله: أن معاوية ﵁ وجهه إلى اليمن والحجاز ففعل الأفاعيل وقتل: عبد الرحمن (٥) وقثم (٦) ابني العباس، وقال ابن معين: أنه رجل سوء.
والذهبي لما أدخله في الميزان وهو محط المتكلم فيهم لم ينتصر له فيه بل حكى وسكت وكذا ابن حجر والمناوي.
لكن من تكلم فيه لم يغمز في صدقه ومدار الرواية على تحري الصدق وعدم الكذب وفي هذا يقول الشوكاني (٧) .
(لكن إذا كان المناط في قبول الرواية هو تحري الصدق وعدم الكذب فلا ملازمة بين القدح في العدالة وعدم قبول الرواية) .
الخلاصة والترجيح:
هذه كلمة الحفاظ في هذا الحديث رواية ودراية، وقد تبين من دراسته الإسنادية: صحة الإسناد إلى بسر. وإن مدار الكلام في هذا الحديث على (بسر) ،
стр. 48
ومما تقدم يعلم أن الكلام في بسر لا ترد بمثله الرواية إذ أن من تكلم فيه لم يغمزه في صدقه ومدار الرواية على الصدق. وهو قد صرح بالسماع في هذا الحديث وفي غيره فدل تصريحه بالسماع على: صحبته وسماعه من رسول الله ﷺ .
ولهذا صحح الأئمة هذا الحديث:
فقال الذهبي: الحديث جيد لا يرد بمثل هذا. أحد: بمثل الكلام في بسر (١) . وظاهر صنيع ابن القيم تصحيحه لهذا الحديث كما تقدم.
وقال ابن حجر: إسناده قوي مصري (٣) .
ورمز السيوطي لصحته (٣) .
وقال الألباني: إسناده صحيح على ما قيل في ابن أبي أرطأة (٤) . فالحديث إذا سليم الدلالة رواية ودراية لصراحة لفظه وصحة إسناده والله أعلم.
٢- استدلاله بالمأثور عن الصحابة ﵃ في ذلك:
واستدل على اختياره تأخير الحد بأنه فتيا جماعة من الصحابة ﵃ وعلم منهم:
عمر ﵁، وأبو الدرداء ﵁، وحذيفة بن (٥) اليمان رضي
стр. 49
الله عنه، وبسر ابن أبي أرطاة ﵁. وساق أخبارهم في هذا. وبيانها كما يلي:
أ- أثر عمر ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(روى سعيد بن منصور (٢) في سننه (٣) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر ﵁ كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حداً وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلاً لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار) .
درجة هذا الأثر:
وهذا الأثر ضعيف بهذا الإسناد لأنه من رواية الأحوص بن حكيم ابن عمر العنسي الحمصي عابد وهو ضعيف من قبل حفظه (٤) .
وهو أيضاً يرويه عن والده وهو صدوق لكنه يهم (٥) .
والراوي له أيضاً عن الأحوص هو: إسماعيل بن عياش الحمصي المتوفى سنة ١٨٢ هـ. وهو مدلس وقد عنعن إلا أن المقرر لدى المحققين كابن القيم (٧) ، وابن
стр. 50
حجر (١) : أن روايته عن الشاميين مقبولة ولو عنعن وهو هنا يرويه عن شامي مثله وهو الأحوص بن حكيم. بل هذا إسناد كله حمصي.
إذاً فضعف هذا الأثر بهذا الإسناد لضعف الأحوص. والأحوص قد توبع كما في (مصنف ابن أبي شيبة) (٢) و (السنن الكبرى) (٣) للبيهقي.
كما أن إسماعيل ابن عياش أيضاً قد توبع عند من ذكر. فصار مدار هذا الأثر على: حكيم بن عمير الحمصي. وتفرده لا يضر لأن منزلته الصدق، وقد تعددت مخارجه إليه وعدلت نقلته فظهر إذاً: أن هذا الأثر حسن الإسناد والله أعلم.
وجه الدلالة:
ودلالة هذا الأثر على تأخير الحد عن الغزاة نصية لنهيه ﵁ عن إقامة الحد على غاز إلا إذا قطع الدرب قافلاً إلى بلاد الإسلام مبيناً ﵁ علة النهي بقوله: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار والله أعلم.
ب- أثر أبي الدرداء ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤) :
(وعن أبي الدرداء مثل ذلك) .
стр. 51
أي رواه سعيد بن منصور في (سننه) بنحو أثر عمر ﵁. والأمر كذلك وهذا لفظه (١) :
(عن أبي الدرداء- ﵁: أنه كان ينهي أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم) .
وقد رواه أيضاً ابن أبي شيبة (٢) .
وهذا الأثر عند سعيد وابن أبي شيبة من رواية إسماعيل بن عياش عن أبي بكر ابن أبي مريم وقد عنعن إسماعيل وهو مدلس لكنه في روايته عن شامي فيقبل حديثه (٣) . فيبقى مدار السند على أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي المتوفى سنة ١٥٦ هـ. وهو ضعيف كما في (التقريب) (٤) .
فهذا الأثر إذاً ضعيف الإسناد لضعف الغساني المذكور، لكن هذا الأثر ليس هو العمدة وحده في الاستدلال بل سياقه من باب المتابعات والشواهد فيسلم الاستدلال به إذاً ودلالته نصية على تأخير الحد كأثر عمر سواء والله أعلم.
ج- أثر حذيفة ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) :
стр. 52
(وقال علقمة (١) : كنا في جيش في أرض الرّوم، ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁، وعلينا الوليد بن عقبة (٣) ، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم) .
درجة هذا الأثر:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الأثر عرياً من التخريج، وقد خرجه أبو يوسف (٣) ، وعبد الرزاق (٤) وسعيد ابن منصور (٥) . وابن أبي شيبة (٦) كلهم بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم (٧) .
وجه دلالته:
ووجه الاستدلال منه على تأخير الحد عن الغزاة ظاهر، فإن حذيفة لم يسقطه ولكن استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فهذا ينبئ عن أن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو خشية طمعه فيهم فدل على أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته وعليه فإن قول حذيفة ﵁ دالّ على التأخير لا غير والله أعلم.
стр. 53
د- أثر بسر ابن أبي أرطاة ﵁:
وقد تقدمت فتواه بذلك في سياق حديثه عن النبي ﷺ في بعض رواياته والله أعلم.
٣- استدلاله بالإجماع:
واستدل رحمه الله تعالى على تأخير الحد بالإجماع فقال (١) : (وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة ﵃ (٢)) .
والمراد بالإجماع هنا والله أعلم- الإجماع السكوتي (٣) ، فإن القول بهذا قد ورد
عن جملة من الصحابة ﵃ في مواجهة آخرين منهم فلم يظهر في سياق الأخبار خلاف أحد منهم فصار إذاً إجماعاً على تأخير الحد والله أعلم.
٥- استدلاله بقياس الأولى (٤) :
وفي خضم هذه الأدلة التي ساقها ابن القيم رحمه الله تعالى: من السنن. وعمل الصحابة ﵃، والإجماع يستدل عليه بقياس الأولى فيبين أن قاعدة الحدود تأخير الحد لعارض لمصلحة المحدود وتأخير الحد هنا لمصلحة الإسلام فيكون تأخيره لمصلحة الإسلام أولى وفي هذا يقول (٥) :
стр. 54
(وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة أما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخره لمصلحة الإسلام أولى) .
وهذا قياس مسلم يفيد مطابقة صريح المعقول لصحيح النقول، قد استوفى شرائط القياس وأركانه:
فذكر المقيس: وهو تأخير الحد في الغزو.
وذكر المقيس عليه: وهو تأخير الحد في غير الغزو.
وذكر العلة الجامعة: وهي المصلحة.
وذكر الحكم: وهو الجواز.
وبين أنه قياس الأولى: لأن المصلحة العارضة في المقيس لمصلحة الإسلام، وفي المقيس لمصلحة المحدود، فإذ كانت المصلحة الخاصة علة للتأخير تكون المصلحة العامة أولى بذلك لأنها أقوى في الاعتبار والله أعلم.
ثانياً: استدلاله على تقرير الاستثناء:
سبق في صدر هذا المبحث بيان أن اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: هو تأخير الحد عن المسلم في أرض العدو وأنه استثنى من هذا، أن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية (١) .
وقد سبق أيضاً بيان أدلته على تأخير الحد، أما دليله على تقرير هذا الاستثناء فإنه استدل بما يلي:
стр. 55
قصة أبي محجن ﵁ (١) :
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى على تقرير الاستثناء المذكور بقصة أبي محجن ﵁ مع سعد ابن أبي وقاص (٢) ﵁ فقال (٣) :
(أتي سعد ابن أبي وقاص ﵁ بأبي محجن ﵁ يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا.
فقال لابنة حفصة امرأة سعد (٤) : أطلقيني ولك والله على أن سلمني
الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد. فإن قتلت استرحتم مني. قال: فخلته حتى التقى الناس. وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. قال وصعدوا به فوق العذيب (٥) ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة (٦) . فوثب أبو محجن على فرس لسعد. يقال لها البلقاء. ثم أخذ رمحاً ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم. وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الضبر. ضبر البلقاء (٧) . والظفر ظفر أبي محجن. وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو
стр. 56
محجن حتى وضع رجليه في القيد. فأخبرت ابنة حفصة سعداً بما كان من أمره. فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهم. فخلى سبيله فقال أبو محجن: قف كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها. أما إذ بهرجتني (١) فوالله لا أشربها أبداً) .
درجة هذه القصة:
ساق ابن القيم رحمه الله تعالى هذه القصة مرسلة من غير تخريج لها وقد ذكرها على سبيل الجزم بصحتها والأمر كذلك فإن هذه القصة المشهورة صحيحة الإسناد كما قرره الحافظ ابن حجر (٢) ولعل ابن القيم ﵀ اكتفى باشتهار صحتها عن تخريجها. وقد رواها سعيد بن منصور في (سننه) (٣) وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (٤) في مصنفيهما (٥) .
وجه الاستدلال:
ودلالة هذا الأثر نصية على سقوط الحد عن الغازي إذا كانت حاله كحال أبي محجن من الإبلاء في الإسلام والنكاية بالعدو وظهور مخايل التوبة النصوح منه فإن سعداً قد قال: (لا والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى
стр. 57
سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام على الحد وأطهر منها أما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبداً) .
وفي إيضاح وجه الاستدلال يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وقوله (إذ بهرجتني) أي أهدرتني بإسقاط الحد عني، ومنه (بهرج دم ابن الحارث) أي أبطله، وليس في هذا ما يخالف نصاً ولا قياساً ولا إجماعاً بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب، قال الشيخ في (المغنى) (٢) : وهذا اتفاق لم يظهر خلافه) .
مسلك الموازنة:
هذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذه أدلته، ولا ينجلي الترجيح لقوله أو قول مخالفه إلا بعد سياق الخلاف وأدلته، ومعرفة ثبوتها أمام النقد من عدمه. وابن القيم رحمه الله تعالى لم يذكر الخلاف في هذا المبحث وإنما أشار إلى خلاف الحنفية في قولهم بإسقاط الحد مطلقا (٣) . وهو معذور في هذا لأن غرضه سياق المثال (لما تتغير به الفتوى بتغير الزمان والأحوال) . فإلى ذكر الخلاف وأدلته:
مذهب الحنفية:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى سقوط الحد عن المسلم في دار الحرب (٤) .
وهو في هذا قد تابع ابن قدامة في حكايته لمذهب أبي حنيفة إذ قال (٥) : (وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع) .
стр. 58
وهذا الإطلاق يخالف ما ذكره علماء الحنفية وغيرهم (١) من تقييد ذلك: بشرط أن لا يكون الخليفة مع المسلمين في دار الحرب فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبس بها، ولا تؤخر إلى حين القفول من دار الحرب أما إن لم يكن معهم فيسقط الحد. ولم أر من حكى السقوط مطلقاً مذهباً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى سوى ما تقدم عن ابن القيم وابن قدامة والله أعلم.
أدلة أبي حنيفة:
استدل لمذهب أبي حنيفة بأدلة منها ما يلي:
١- حديث (لا تقام الحدود. في دار الحرب) (٢) .
وجه الاستدلال:
بيّن البابرتي، من الحنفية وجه الاستدلال منه فقال (٣) :
(ووجه التمسك به أنه ﷺ لم يرد به حقيقة عدم الإقامة حساً لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد) .
مناقشة الاستدلال:
وهذا الاستدلال مناقش بما يلي:
١- أن الاستدلال به على خلاف الدعوى، فإن مذهب أبي حنيفة سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع المعسكر، والحديث لا إشارة فيه إطلاقاً إلى
стр. 59
وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر بدار الحرب بل ينافيه.
٢- أن هذا الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه بل تحتمل التأخير إلى القفول من الغزو، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. بل إن معناه في تأخير الحد أظهر ويدل عليه أقضية الصحابة ﵃.
فيتبين من هذا أن دلالته دراية على مذهب أبي حنيفة غير سليمة والله أعلم.
درجة هذا الحديث:
إن دلالة الحديث دراية فرع لثبوت الحديث رواية. وكما أن هذا الحديث لا يدل لفظه على مذهب أبي حنيفة، فإن الاستدلال به من أصله لا ينهض لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ولهذا قال ابن الهمام الحنفي (١) : (لا يعلم له وجود) . أي أن هذا حديث لا أصل له رواية، فبطل الاستدلال به إذاً رواية ودراية والله أعلم.
٢- قصة أبي محجن ﵁ (٢) :
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن قد يتمسك به من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كأبي حنيفة.
وجه الاستدلال:
ودلالة هذا الأثر على سقوط الحد عمن كان في دار الحرب من الغزاة دلالة نصية فإن سعداً ﵁ أسقط الحد حد الخمر عن أبي محجن فخلى سبيله وقال (والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهم) فأسقط عنه الحد.
стр. 60
مناقشة هذا الاستدلال:
وقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى فيما تقدم أن هذا الأثر لا يعني سقوط الحد بالكلية وإنما سقوط مقيد لن كانت حاله وصفته كأبي محجن ﵁. ولهذا تعقب من يستدل به على إسقاط الحد بالكلية فقال رحمه الله تعالى (١) : (لا حجة فيه - أي لأبي حنيفة- والظاهر أن سعداً ﵁ اتبع في ذلك سنة الله تعالى. فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن وجهاده وبذل نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد. لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة. وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر. ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال. إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت. وأيضاً فإنه لتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختياراً قد استحق أن يوهب له حده كما قال (٣) النبي ﷺ للرجل الذي قال له (يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي. فقال هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم. قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك) - وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته. فقال: والله لا أشربها أبداً. وفي رواية (أبد الأبد) وفي رواية (قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذا تركتموني فوالله لا أشربها أبداً) . وقد بريء النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة (٣) لحسن بلائه وقال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.
ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب) .
стр. 61
٣- تعذر إقامة الحد لانقطاع ولاية الإمام عن دار الحرب:
قالوا: إن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام على مسلم تلبس بالحد في دار الحرب فلا حد إذاً، أما لو كان الإمام معه في المعسكر فيقام الحد، لأنه تحت يده فالقدرة ثابتة عليه (١) .
مناقشة هذا الدّليل:
نسلم أن مناط إقامة الحد هي القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية حتى ولو عاد إلى دار الإسلام فإن المسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم عليه الحدود أهدرنا مقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخيره فقد راعينا المصلحة ولم نهدر الحد بالكلية. أما قولهم: بإقامة الحد إذا كان الإمام في المعسكر لوجود القدرة فيقال: هذا
غير مسلم لأنه ليس مناط إقامة الحد وجود القدرة فحسب، بل معها أيضاً عدم وجود المعارض، وهو هنا قد وجد لحاجة المسلمين إلى تكثير الصف أو خوفاً من ارتداده ولحوقه بالكفار كما علله الصحابة ﵃ بذلك.
ومن القواعد المقررة: أنه إذا وجد المانع والمقتضي قدم المانع على المقتضي، فإذا زال المانع بأن رجعوا إلى دار الإسلام أقيم الحد لوجود المقتضي وانتفاء المعارض. وهذا له نظائر في الحدود كما في تأخير الحد لمصلحة المحدود كتأخيره عن الحامل ونحوها (٢) .
ولعله تبين من سياق أدلة الحنفية ومناقشتها أنه ليس لدى الحنفية ما تسلم دلالته على سقوط الحد عن الغزاة. ولهذا نرى الإمام أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة
стр. 62
وخريجه يجنح إلى القول بتأخير الحد فيقول (١) :
(ولا ينبغي أن تقام الحدود في المساجد ولا في أرض العدو- ثم ذكر قولي أبي حذيفة وعمر ﵄ في تأخير الحد حتى القفول إلى دار الإسلام) . والله أعلم.
مذهب المالكية (٢) :
هو إقامة الحد في كلّ زمان وفي كلّ مكان: دار حرب أو إسلام أو غيرهما. ومعهم على هذا أبو ثور (٣) ، وابن المنذر (٤) .
أدلتهم (٥) :
استدلوا بأن أوامر الله بإقامة الحدود مطلقة في كلّ مكان وزمان كما في قوله تعالى (٦) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة) وقوله تعالى (٧) (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وغيرهما من النصوص الآمرة بإقامة الحدود غير مقيدة بمكان دون آخر أو بزمان دون زمان.
مناقشته:
هي أن يقال أن من المناهج والقواعد الأصولية المقررة لدى المالكية وغيرهم
стр. 63
من أهل العلم: أن العام يخص، والمطلق يقيد. ولهذا قال المالكية كغيرهم: أن الحد يؤخر لمصلحة المحدود لعارض كحر أو برد شديدين (١) ، وهذا تقييد لإطلاق النص، فما الذي يمنع من تأخيره هنا مع أن المصلحة أظهر وأشمل فهي لمصلحة المحدود خوفاً من لحوقه بالكفار وارتداده عن الإسلام، ولمصلحة المسلمين تكثيراً لصفهم ومحافظهَ على سلامة وحدتهم وهذا هو محض فقه الصحابة ﵃.
إذاً: فيكون ورود هذا القيد أولى من تقييد مطلق الأمر بنحو حر أو برد شديدين والله أعلم.
مذهب الشافعية:
اختلفت حكاية أهل العلم لمذهب الشافعي على ما يلي:
الأول: أنه كمذهب مالك سواء: من إقامة الحد في كلّ زمان ومكان: دار حرب أو إسلام. حكاه البيهقي (٢) ، وابن هبيرة (٣) ، وابن الهمام (٤) .
الثاني: إقامة الحد بدار الحرب إذا كان أمير الجيش الإمام أو أمير الإقليم، وإلا فيؤخر حتى يأتي إلى الإمام، وكذلك يؤخر أن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به. حكاه ابن قدامة (٥) وهو يوافق مذهب الحنفية في إقامته إذا كان مع الجيش الإمام أو أمير الإقليم كما تقدم (٦) .
стр. 64
الترجيح:
بعد ذكر الخلاف وأدلته وما ورد عليها من مناقشات فإن الذي يظهر والله أعلم سلامة اختيار ابن القيم لأن به تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وهو الذي يساير روح التشريع ومراعاة الحكم والمصالح وتسنده الأدلة شرعاً وعقلا وعليه:
فإن من قارف موجباً لحد من الحدود وهو في دار الحرب صار تأخيره إلى حين عودته إلى دار الإسلام فيقام عليه موجبه المقدر شرعاً: من قتل أو قطع أو جلد. وإن من كانت حاله كحال أبي محجن: له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح: فإنه يخلى سبيله والله أعلم.
المبحث الثالث:
في تأخير الحد لعارض (١)
يقرر العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل منثورة من أبواب الحدود خاصة في بابي (الزنى) و (السرقة) تأخير الحد لعارض من حر أو برد أو حمل أو رضاع أو نحو ذلك (٢) .
وابن القيم رحمه الله تعالى يشير في معرض كلامه عن تأخير الحد عن الغزاة
الى أن تأخير الحد لعارض أمر يشكل قاعدة شرعية: وهي تأخير الحد لعارض يترتب عليه مصلحة للإسلام أو للمحدود أو لمصلحة من تعلق به كالحمل والرضيع.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٣) :
стр. 65
(تأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد، والمرض لمصلحة المحدود) .
الدّليل:
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى على ذلك بما جاء في حديث الغامدية فقال (١) :
(وفي صحيح مسلم (٢) ، جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني وأنه ردها فلما كان من الغد، قالت: يا رسول الله، لم تردني، لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فوالله أني لحبلى، قال: أما الآن، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي، وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها ﷺ فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها ... ) .
وجه الاستدلال:
وقد قرر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا الحديث يدل على تأخير الحد أي حد من الحدود لأي من المصالح المترتبة على تأخيره فقال (٣) :
(فيه: أن الحد لا يقام على الحامل، وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه وتفطمه) ولهذا نراه يقرر هذه القاعدة وهي تأخير الحد لعارض فيه مصلحة للمحدود أو لغيره، وعليه طرد تأخيره لكلّ مصلحة تترتب على التأخير، ومنه
стр. 66
جعل هذه القاعدة من مؤيدات تأخير الحد عن الغزاة بل هو أولى كما تقدم والله أعلم.
تقسيم العوارض حسب المصلحة الموجبة لتأخير الحد:
ومن هنا نستطيع أن نقسم العوارض الموجبة لتأخير الحد- لدى ابن القيم- على ما يلي:
١- عارض لمصلحة الإسلام والمسلمين، كما في تأخيره عن الغزاة كما تقدم.
٢- عارض لمصلحة المحدود ذاته كما في تأخيره لحر أو برد أو مرض. ٣- عارض لمصلحة المحدود وغيره كما في تأخيره عن الحامل.
٤- عارض لمصلحة الغير كما في تأخيره عن- المرضع حتى يفطم الرضيع وكما في تأخيره عن الحامل إذا كان الحد بالقتل. والله أعلم.
المبحث الرابع:
إقامة الحد بالقرينة الظاهرة (١)
من القضايا الكلية الشرعية التي عالجها ابن القيم رحمه الله تعالى في مواطن كثيرة
من كتبه: (الحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في حقوق الله تعالى وحقوق العباد) . وساق لذلك شتى وجوه الأدلة من أقضية الرسول ﷺ والصحابة ﵃ فمن بعدهم. وأوضح أن القاضي إذا أهمل العمل بالقرائن الظاهرة أضاع الحقوق وتعرض للحكم بالظلم والعدوان. كما يقرر أن الحكم بموجبها هو أولى من الحكم بشهادة الشهود لأن هذا خبر يحتمل الصدق والكذب، أما العمل والحكم بالقرينة الظاهرة فهو أبعد من احتمال الكذب فالحكم به إذاً أولى من الحكم بالشهادة.
стр. 67
وقد ضرب لهذا كثيراً من الأمثلة من أقضية النبي ﷺ والصحابة ﵃ فمن بعدهم من الحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في شتى القضايا والأحكام.
ومن الأحكام بالقرينة الظاهرة في كتاب الحدود ما يلي:
١- إقامة حد الزنى: بالحبل.
٢- إقامة حد السرقة: بوجود المسروق في حوزة السارق.
٣- إقامة حد السكر: بوجود الرائحة أو القيء.
ويأتي إن شاء الله تعالى- بيان الحكم بكل قرينة من هذه القرائن الثلاث في بابها لانفراد كلّ قرينة بأدلة ومناقشة لها والله أعلم.
المبحث الخامس:
أثر التوبة (١) في الحدود (٢)
لابن القيم رحمه الله تعالى في أحكام التوبة مباحث فائقة تناولت الكثير من جوانبها، منها أبحاثه في توبة أصحاب الحدود: في مسائل والذي يعنينا هنا: هو مبحثه العام في أثر التوبة في درء الحد من عدمه. أما مباحثه الخاصة في بعض الحدود فيأتي بيانها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وعليه فقد تبين أن أثر التوبة في الحد درءاً أو إيجابا يكون على حالتين:
стр. 68
الحالة الأولى: أن تكون توبته بعد القدرة عليه، فهذه التوبة لا تسقط- الحد بالاتفاق، كما حكاه رحمه الله تعالى بقوله (١) :
والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقاً) .
الحالة الثانية: أن تكون توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه. وأثر التوبة في سقوط العقوبة الحدية في هذه الحالة ينقسم إلى قسمين:
محل اتفاق.
ومحل اختلاف.
وقد بينهما ابن القيم رحمه الله تعالى على ما يلي:
١- محل الاتفاق:
وهو المحارب (٢) : إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد بالاتفاق (٣) .
الدليل:
والأصل في هذا قوله تعالى (٤) (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف،
стр. 69
أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) .
٢- محل الاختلاف:
وهو: في توبة من عدا المحارب من مرتكبي الجرائم الحدية كالزنى والسرقة ونحوهما - إذا تاب قبل القدرة عليه، في هذا خلاف على قولين.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نفاة المعاني والقياس قالوا: إن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلين، فاعتبرت توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره من مرتكبي الجرائم الحدية. فرفض ابن القيم رحمه الله تعالى هذا التفريق، وقرر طرد الحدود كلها على نسق واحد، فتقبل توبة مرتكبي الجرائم الحدية قبل القدرة عليهم. وذكر أن هذا أحد القولين في المسألة، ونصب الأدلة عليه من السنة والقياس. وذكر القول المخالف القائل بالتفريق وما يستدل به وأجاب عنه. وإلى بيان ذلك مفصلاً:
القول الأول: قبول التوبة قبل القدرة عليه.
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن قبول توبة من ارتكب جريمة حدية قبل القدرة عليه هو إحدى الروايتين عن أحمد وهو القول الصواب (١) .
وهذا هو المعتمد أيضاً من مذهب الشافعية (٢) .
стр. 70
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة والقياس على ما يلي:
١- حديث أنس ﵁ (١) :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(في الصحيحين (٣) من حديث أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علىّ، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ قام إليه رجلُ (٤) فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليّ، قال: ولم يسأل عنه، قال: أليس قد صليت معنا قال: نعم قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك) . وذكره أيضاً من حديث أبي إمامة (٥) ﵁ نحوه عند النسائي (٦) وقد رواه أيضاً: مسلم (٧) . وأبو داود (٨) .
стр. 71
الخلاف في حكم هذا الحديث:
قبل ذكر بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لوجه الاستدلال من هذا الحديث. أذكر بيانه لمسالك العلماء في الحكم الذي تضمنه هذا الحديث لأن ذكر وجه الاستدلال فرع لتصحيح المسالك الذي يدل عليه هذا الحديث. وهذه بيان مسالك العلماء في هذا الحديث:
أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن للناس في معنى هذا الحديث ثلاثة
مسالك:
المسلك الأول: حمل معنى الحديث على من أقر بحد مبهم فإنه لا يقام عليه الحد.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو أحد المسالك وعليه ترجمة النسائي (١) فقال ابن القيم (٢) :
(ومن تراجم النسائي على هذا الحديث (من اعترف بحد ولم يسمه) .
وهو أيضاً مسلك أبي داود في (سننه) (٣) فقد ترجم عليه بقوله (باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه) .
وهوِ أيضا ظاهر صنيع البخاري في (صحيحه) (٤) فإنه ترجم عليه بقوله (باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟) . قال ابن حجر في كشف مراد البخاري من ترجمته المذكورة (٥) : (وظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر
стр. 72
بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب) .
وعليه فإن من أقر بحد منهم فلا يجب عليه الحد إلا إذا عينه وأصر عليه المقر
به طالباً التطهير به من وراء التوبة. أما إذا لم يعينه أو عينه ولم يصر عليه فلا يقام عليه الحد مع التوبة. قال بن حجر عن ابن القيم: في بيان هذا المسلك (١) (أحدها: أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والإصرار عليه من المقر به) .
توجيه هذا المسلك:
هو أن هذا الرجل: أقر بحد مبهم لم يفسره، والحدود مختلفة المقادير فلا يتمكن الإمام من إقامتها مع الإبهام فستر عليه الشارع ودرأ عنه الحد للإبهام (٢) .
تعقب هذا التوجيه:
هو أن يقال: أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث تفسير الحد بالزنى وأنه أقر به صريحاً فانتفى الإبهام والله أعلم (٣) .
المسلك الثاني: حمله على الخصوصية بذلك الرجل (٤) .
وجه هذا المسلك:
وقد بينه ابن حجر فقال (٥) :
(يحتمل أن يختص بالذكور: لأخبار النبي ﷺ أن الله قد كفر عنه حده
стр. 73
بصلاته، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره إلا فيمن علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي ﷺ .
تعقب هذا المسلك:
ويمكن التعقيب على هذا المسلك من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل يقوم عليها. ولهذا فإن في حديث ابن مسعود ﵁، في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة دون المسيس، وقد جاء إلى النبي ﷺ تائباً، أتبعه ﷺ برجل، فدعاه، فتلى عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل-) إلى آخر الآية (١) ، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس كافة؟ فقال ﷺ : للناس كافة (٢) .
المسلك الثالث: حمله على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (الثالث: سقوِط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك) .
وجه هذا المسلك:
الأول: أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: التصريح بتعيين الحد وهو (الزنى) وذلك من حديث أنس ﵁ قال (٤) : (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إني زنيت فأقم عليّ الحد. الحديث) .
стр. 74
فحديث أنس من هذه الطريق يفسر الرواية المبهمة في حديثه من الطريق الآخر عنه وفي حديث أبي أمامة ﵁. وأن الحد ليس بمبهم وإنما هو معين.
ولذا قال الحافظ بن حجر بعد سياق هذا اللفظ (١) : (وقد يتمسك به من قال:
إنه إذا جاء تائباً سقط عنه الحد) .
الثاني: أن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة فأسقطت الحد.
وهذا الوجه حكاه ابن القيم رحمه الله تعالى في وجه الاستدلال من حديث المغيث الآتي بعده (٢) وفي الواقع أن التوجيه به يشمل الحديثين معاً. وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث ذكر أن ابن القيم رحمه الله تعالى صحح هذا المسلك وقواه بذلك فقال ابن حجر بعد سياقه المسلك المذكور عن ابن القيم (٣) :
(وقواه- أي ابن القيم- بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعاً بخشية الله تعالى وحده تقاوم السيئة التي عملها، لأن حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم) .
المسلك الرابع:
هذه هي المسالك الثلاثة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى. وهناك مسلك رابع للإمام النووي رحمه الله تعالى (٤) وغيره: وهو: أن الذنب الذي فعله هذا
стр. 75
المعترف كان من الصغائر لا الكبائر.
وجه هذا المسلك (١) :
هو ما جاء في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة والذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
تعقب هذا المسلك:
وهذا متعقب بأنه جاء في بعض روايات حديث أنس ﵁ تفسير الحد الذي اقترفه بالزنى فثبت كون المعترف به جريمة حدية من الكبائر لا الصغائر والله أعلم.
الترجيح:
هذه مسالك العلماء في هذا الحديث وما يمكن توجيه كلّ مسلك به وما تعقب
به، والذي يظهر والله أعلم- أن ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى من حمل الحديث على سقوط الحد [بالتوبة] (*) قبل القدرة عليه- هو الصواب للأمرين المذكورين في توجيه هذا المسلك وهما أن الحد وقع مفسراً لا مبهماً وأن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة والله أعلم.
وجه الاستدلال:
وبعد تصحيح هذا المسلك من حمل الحديث: على سقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه فإن دلالته على هذا الحكم واضحة ذلك: أن هذا الرجل قد وقع في حد وهو حد الزنى كما صرحت به بعض الروايات وقد جاء إلى النبي ﷺ بنفسه معترفاً به تائباً إلى الله تعالى فأسقط عنه النبي ﷺ الحد ولم يقمه عليه لأن التوبة