الخلاف في حكم هذا الحديث:
قبل ذكر بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لوجه الاستدلال من هذا الحديث. أذكر بيانه لمسالك العلماء في الحكم الذي تضمنه هذا الحديث لأن ذكر وجه الاستدلال فرع لتصحيح المسالك الذي يدل عليه هذا الحديث. وهذه بيان مسالك العلماء في هذا الحديث:
أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن للناس في معنى هذا الحديث ثلاثة
مسالك:
المسلك الأول: حمل معنى الحديث على من أقر بحد مبهم فإنه لا يقام عليه الحد.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو أحد المسالك وعليه ترجمة النسائي (١) فقال ابن القيم (٢) :
(ومن تراجم النسائي على هذا الحديث (من اعترف بحد ولم يسمه) .
وهو أيضاً مسلك أبي داود في (سننه) (٣) فقد ترجم عليه بقوله (باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه) .
وهوِ أيضا ظاهر صنيع البخاري في (صحيحه) (٤) فإنه ترجم عليه بقوله (باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟) . قال ابن حجر في كشف مراد البخاري من ترجمته المذكورة (٥) : (وظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر
стр. 72
بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب) .
وعليه فإن من أقر بحد منهم فلا يجب عليه الحد إلا إذا عينه وأصر عليه المقر
به طالباً التطهير به من وراء التوبة. أما إذا لم يعينه أو عينه ولم يصر عليه فلا يقام عليه الحد مع التوبة. قال بن حجر عن ابن القيم: في بيان هذا المسلك (١) (أحدها: أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والإصرار عليه من المقر به) .
توجيه هذا المسلك:
هو أن هذا الرجل: أقر بحد مبهم لم يفسره، والحدود مختلفة المقادير فلا يتمكن الإمام من إقامتها مع الإبهام فستر عليه الشارع ودرأ عنه الحد للإبهام (٢) .
تعقب هذا التوجيه:
هو أن يقال: أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث تفسير الحد بالزنى وأنه أقر به صريحاً فانتفى الإبهام والله أعلم (٣) .
المسلك الثاني: حمله على الخصوصية بذلك الرجل (٤) .
وجه هذا المسلك:
وقد بينه ابن حجر فقال (٥) :
(يحتمل أن يختص بالذكور: لأخبار النبي ﷺ أن الله قد كفر عنه حده
стр. 73
بصلاته، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره إلا فيمن علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي ﷺ .
تعقب هذا المسلك:
ويمكن التعقيب على هذا المسلك من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل يقوم عليها. ولهذا فإن في حديث ابن مسعود ﵁، في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة دون المسيس، وقد جاء إلى النبي ﷺ تائباً، أتبعه ﷺ برجل، فدعاه، فتلى عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل-) إلى آخر الآية (١) ، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس كافة؟ فقال ﷺ : للناس كافة (٢) .
المسلك الثالث: حمله على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (الثالث: سقوِط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك) .
وجه هذا المسلك:
الأول: أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: التصريح بتعيين الحد وهو (الزنى) وذلك من حديث أنس ﵁ قال (٤) : (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إني زنيت فأقم عليّ الحد. الحديث) .
стр. 74
فحديث أنس من هذه الطريق يفسر الرواية المبهمة في حديثه من الطريق الآخر عنه وفي حديث أبي أمامة ﵁. وأن الحد ليس بمبهم وإنما هو معين.
ولذا قال الحافظ بن حجر بعد سياق هذا اللفظ (١) : (وقد يتمسك به من قال:
إنه إذا جاء تائباً سقط عنه الحد) .
الثاني: أن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة فأسقطت الحد.
وهذا الوجه حكاه ابن القيم رحمه الله تعالى في وجه الاستدلال من حديث المغيث الآتي بعده (٢) وفي الواقع أن التوجيه به يشمل الحديثين معاً. وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث ذكر أن ابن القيم رحمه الله تعالى صحح هذا المسلك وقواه بذلك فقال ابن حجر بعد سياقه المسلك المذكور عن ابن القيم (٣) :
(وقواه- أي ابن القيم- بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعاً بخشية الله تعالى وحده تقاوم السيئة التي عملها، لأن حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم) .
المسلك الرابع:
هذه هي المسالك الثلاثة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى. وهناك مسلك رابع للإمام النووي رحمه الله تعالى (٤) وغيره: وهو: أن الذنب الذي فعله هذا
стр. 75
المعترف كان من الصغائر لا الكبائر.
وجه هذا المسلك (١) :
هو ما جاء في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة والذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
تعقب هذا المسلك:
وهذا متعقب بأنه جاء في بعض روايات حديث أنس ﵁ تفسير الحد الذي اقترفه بالزنى فثبت كون المعترف به جريمة حدية من الكبائر لا الصغائر والله أعلم.
الترجيح:
هذه مسالك العلماء في هذا الحديث وما يمكن توجيه كلّ مسلك به وما تعقب
به، والذي يظهر والله أعلم- أن ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى من حمل الحديث على سقوط الحد [بالتوبة] (*) قبل القدرة عليه- هو الصواب للأمرين المذكورين في توجيه هذا المسلك وهما أن الحد وقع مفسراً لا مبهماً وأن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة والله أعلم.
وجه الاستدلال:
وبعد تصحيح هذا المسلك من حمل الحديث: على سقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه فإن دلالته على هذا الحكم واضحة ذلك: أن هذا الرجل قد وقع في حد وهو حد الزنى كما صرحت به بعض الروايات وقد جاء إلى النبي ﷺ بنفسه معترفاً به تائباً إلى الله تعالى فأسقط عنه النبي ﷺ الحد ولم يقمه عليه لأن التوبة
стр. 76
قبل القدرة قاومت الجريمة مقاومة الدواء للداء (١) . وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (فهذا لما جاء تائباً بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له- ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به ... ) . والله أعلم.
حديث المغيث (٣) :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤) : (عن وائل (٥) ﵁ أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاؤا به يقودونه إليها: فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله ﷺ ، فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال النبي ﷺ : انطلقوا به فارجموه. فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ : الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك. وقال للذي أغاثها: قولاً حسناً فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله ﷺ فقال: لأنه قد تاب إلى الله) (٦) .
стр. 77
وجه الاستدلال:
هو أن النبي ﷺ أسقط الحد المعترف بالزنى قبل القدرة إذ قد تاب إلى الله تعالى قبل القدرة عليه كما قال ﷺ : (لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل
منهم (١) فالحسنة: وهي اعترافه [طوعا] (*) إلى الله قبل القدرة عليه- دافعت السيئة وهي (الزنى) فدل ذلك على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة. وفي بيان وجه الاستدلال يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(سقوط الحد عن المعترف- يعني في هذا الحديث- إذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر ﵁ فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم فقال (إنه قد تاب إلى الله) . وأبى أن يحده. ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعاً واختياراً خشية من الله وحده وإنقاذاً لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء ذاك الداء، وكانت القوة الصالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك، فأي حكم أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للمرحلة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق) .
٣- حديث ابن مسعود ﵁:
واستدل ابن القيم أيضا بقوله ﷺ : التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٣) .
стр. 78
درجة هذا الحديث:
هذا الحديث من زوائد ابن ماجة في سننه (١) رواه بسنده إلى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ . وهو حديث حسن بمجموع طرقه. كما حكم بذلك الحافظان ابن حجر (٢) ، والسخاوي (٣) .
وجه الاستدلال منه:
ووجه الاستدلال منه هو أن يقال: أن الحديث يفيد بمنطوقه، أن التائب من الذنب يساوي الذي لا ذنب له، والذي لا ذنب له لا عقاب عليه، فلا عقاب إذا على التائب مما يوجب حداً إذا تاب قبل القدرة عليه لتمحض صدقه في توبته والله أعلم.
٤- استدلاله بقياس الأولى:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤) .
(نص الشارع، على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره قبل القدرة عليه، بطريق الأولى، فإنه إذا دفعت عنه توبته حد حرابة مع شدة ضررها وتعديه، فلأن تدفع التوبة عنه ما دون حد الحرابة بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) .
وقال أيضاً (٥) : (وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي
стр. 79
وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك للتنبيه على سقوط ما دون حد الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى) .
وهذا قياس واضح الأولوية جلي الدلالة: فإنه ذكر الفرع المقيس: وهو توبة غير المحارب قبل القدرة عليه. وذكر الأصل المقيس عليه: وهو توبة المحارب قبل القدرة عليه. وذكر العلة الجامعة: وجود التوبة قبل القدرة وإزالتها للجريمة. وذكر الحكم: وهو: سقوط الحد.
وبين أنه قياس الأولى: لأن الحرابة أشد ضرراً من سائر الحدود وقد قبلت وقد أسقطت توبة المحارب حد الحرابة عنه. والضرر في سائر الحدود عدا الحرابة أقل منها ضرراً والله أعلم.
القول الثاني: أن توبة غير المحارب قبل القدرة عليه لا تسقط الحد عنه. وبه قال: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) .
أدلته:
استدل لهذا القول بأدلة أهمها ما يلي:
١- من القرآن الكريم:
استدل بعموم آيات إقامة الحدود في القرآن نحو قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الآية وقوله تعالى (٣) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقوله تعالى (٤) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
стр. 80
شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) . فهذه الآيات عامة في التائبين وغيرهم، إذا فالتوبة قبل القدرة لا تسقط الحد عن التائب والله أعلم (١) .
مناقشة هذا الدليل:
وهذا الدليل مناقش بأن هذا من العموم المخصّص، وقد قام الدليل على المخصّص من السنة بسقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه والله أعلم. ٢- من السنة (٢) :
واستدل من السنة بأحاديث الذين جاءوا إلى النبي ﷺ تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد كماعز (٣) ﵁ والغامدية ﵂ [فأقام] (*) ﷺ عليهم الحد وهم تائبون قبل القدرة عليهم فلو كانت التوبة قبل القدرة مسقطة للحد لم يحدهم ﷺ .
مناقشة هذا الاستدلال:
وقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاستدلال وبين ضعف هذا المسلك في فهم أحاديث هؤلاء، وأن كلّ واقعة منها لا تدل إلا على أن النبي ﷺ حد صاحبها باختياره حيث اختار التطهير بالحد، ولم يكتف بالتطهير بالتوبة. فالحد غير. متعين والحالة هذه، ولو كان متعيناً لما قال في حق ماعز (هلاّ تركتموه) . وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٤) : (فإن قيل: فماعز جاء تائباً، والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهم الحد.
стр. 81
قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبما احتج أصحاب القول الآخر، وسألت شيخنا (١) عن ذلك، فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة وها اختارا التطهر بالحد على التطهير بالتوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز (هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) . ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به (اذهب فقد غفر الله لك) وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي ﷺ مراراً وهما يأبيان إلا إقامته عليهما.
وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم) .
الترجيح والاختيار:
يتبين للقارئ أن أدلة التفريق بين المحارب وغيره لا تثبت دلالتها أمام النقد ومنه يتبين أيضاً أنه لا دليل على التفريق، وأن الأدلة من السنة الصحيحة والقياس الأولى تدل بوضوح على سلامة اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى للقول بعدم التفريق: فتقبل توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه وتسقط عنه الحد. وهذا كما تقتضيه أدلة الشريعة فهو الموافق لروح التشريع وتقتضيه رحمة ربّ العالمين واتساعها للعفو عن المذنبين ورفع العقاب عن التائبين والله أعلم.
стр. 82
باب حد الزنى
стр. 83
توطئة
في تعريف (الزنى) في اللسانين اللغة والشرع.
تعريفه لغة: (١)
فيه لغتان:
الأولى: أنه اسم ممدود فيقال: الزناء. وهي لغة أهل نجد، وقيل [لبني] (*) تميم منهم خاصة ومنه:
أما الزناء فإني لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان
الثانية: أنه اسم مقصور، فيقال: الزنى. وهي لغة أهل الحجاز. وبها ورد القرآن الكريم.
والأصل أن تكتب هكذا (الزنى) بألف مقصورة. وعليه جرى الرسم في القرآن في قوله تعالى (٣) (ولا تقربوا الزنى) الآية.
стр. 84
ويجوز لغة أن تكتب هكذا (الزنا) بألف.
وعلى كلا اللغتين: القصر والمد: فهو مصدر، زنى يزنى زناء بالمد أو زنى بالقصر والنسبة إليه: زنوى.
وجعه: زناة.
واسم الفاعل منه: زان.
؟ يقال للرجل (زاني) وللمرأة (زانية) ومنه قوله تعالى (١) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة) الآية.
هذه هي المادة من حيث تصريفها اللغوي أما من حيث معناها في لغة العرب فهي تطلق على معان:
الأول: الزنى بمعنى: الضيق (٣) .
ومنه قيل للحاقن (زناء) بوزن (جبان) لأنه يضيق ببوله.
ومنه أيضاً، يقال زنأ في الجبل يزنأ إذا صعد لأنه يضيق بذلك نفسه.
الثاني: يطلق (الزنى) على ما دون مباشرة المرأة الأجنبية من غير عقد شرعي. فزنا العين: النظر.
وزنا اللسان: النطق.
وزنا اليد: اللمس.
َهكذا.
كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (كتب على
стр. 85
ابن آدم نصيبه من الزنى لا محالة العينان: زناهما النظر، والأذنان: زناها الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد: زناها البطش، والرجل: زناها الخطى، والقلب يهوى؟ يتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه) رواه مسلم (١) .
الثالث: الزنى، بمعنى: وطء المرأة من غير عقد شرعي (٢) .
وهذا هو المعنى المراد منه في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (٣) (يا أيها النبي
إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين) الآية.
وقوله تعالى (٤) (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة) الآية.
وعلى هذا المعنى عامة نصوص الوعيد على الزنى في السنة المشرفة (٥) وهو المعنى المراد عند أهل العلم من المحدثين والفقهاء في قولهم (باب حد الزنى) أو (باب الزنى) .
تعريفه في الاصطلاح:
وهذا التعريف: اللغوي لماهية الزنى من أنه (وطء المرأة من غير عقد شرعي) . هو أصل في تعاريف أهل الاصطلاح.
والاختلاف الحاصل في التعاريف إنما هو من حيث القيود الواردة شرعاً فمنها
ما هو مطلوب التحقق في الفاعل ومنها ما هو مطلوب تحققه في الفعل نقسه. ومن
стр. 86
حيث أيضاً شموله للوطء في الدبر من رجل أو امرأة أو عدم شموله. إذا علم ذلك فهذا طرف من التعريفات المذهبية للزنى:
الحنفية:
قال ابن الهمام (١) :
(الزنا: إدخال المكلف الطائع قدر حشفة، قبل مشتهاة حالاً أو ماضياً بلا ملك وشبهته، أو تمكينه من ذلك أو تمكينها) .
وقال الجرجاني (٣) :
(الزنا: الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة)
المالكية:
قال خليل (٣) :
(الزنا: وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمداً) .
وقال ابن عرفة (٤) :
(الزنا:- الشامل للواط - مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمداً) .
стр. 87
الشافعية:
قال النووي (١) :
(إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال من الشبهة مشتهى طبعاً) .
الحنابلة
قال المجد ابن تيمية (٢) :
(الزنا: هو تغييب حشفة في قبل أو دبر حراماً محصناً) .
الترجيح:
وهذه التعاريف لدى المالكية والشافعية والحنابلة تشمل الوطء في الدبر (اللواط) وسيأتي في أخريات المباحث إن شاء الله تعالى أن الوطء في الدبر لا يسمى زنى، وأن حكمه مغاير لحكم الزنى فهو (القتل بكل حال) .
وعليه فإن أقرب التعاريف لحد الزنى من حيث المصادر (لحد الزنى شرعاً)
هو تعريف الحنفية كما ذكره ابن الهمام والجرجاني وأولى التعريفين تعريف الجرجاني لأن الزوائد في تعريف ابن الهمام من باب الشروط والشروط لا دخل لها في التعاريف.
فتحرر إذاً أن أمثل التعاريف للزنى هو أن يقال:
(الزنى: هو الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة) والله أعلم.
стр. 88
مباحِث ابن القيم في الزّنى
جرت عادة العلماء بحث أحكام اللواط ووطء البهيمة في باب حد الزنى بجامع الوطء المحرم في كلّ منها.
وبالتتبع حصل أن مباحث ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا على ما يلي:
المبحث الأول: في الاعتراض على عقوبة الزنى ورده.
المبحث الثاني: حكمة التشريع في تحريم الزنى.
المبحث الثالث: سد الذرائع الموصلة إلى الزنى.
المبحث الرابع: في خصائص حد الزنى.
المبحث الخامس: حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة.
المبحث السادس: في اشتراط الإسلام في الإحصان.
المبحث السابع: في عقوبة الزاني المحصن.
المبحث الثامن: في عقوبة من زنى بجارية امرأته.
المبحث التاسع: في عقوبة من زنى بذات محرمة.
المبحث العاشر: في إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة.
стр. 89
المبحث الحادي عشر: في ذكر حيل لإبطال حد الزنى وإبطالها.
المبحث الثاني عشر: في ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى.
المبحث الرابع عشر: في مفاسد اللوطية الصغرى.
المبحث الخامس عشر: في مفاسد اللواط وإن مفسدته أعظم من كلّ ذنب بعد الشرك.
المبحث السادس عشر: في عقوبة اللواط.
المبحث السابع عشر: في عقوبة من وطئ بهيمة.
стр. 90
المبحث الأول
في الاعتراض على عقوبة الزنى ورده (١) .
تختلف عقوبة الزنى باختلاف حال الزاني، فالجلد والتغريب عقوبة الزاني البكر، والرجم عقوبة الزاني المحصن.
وعلى أي من الحالين فقد أورد نفاة المعاني والقياس اعتراضاً على عقوبة الزنى، فقالوا: هذا تفريق في الشرع بين المتماثلات، فكيف يعاقب الشارع السارق بقطع يده، ويترك معاقبة الزاني بقطع فرجه والفرج هو العضو الذي باشر فيه معصية الزنى كما أن اليد هي الآلة التي باشر فيها معصية السرقة (٢) .
وقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاعتراض، وأتى عليه بالنقض والرد
له من وجوه متعددة مبيناً أن هذا من أفسد القياس وأبطله، وإن عين الحكمة والكمال: هي فيما رتبه الشارع على كلّ جريمة بما يناسبها من عقاب. ونستطيع أن نستخلص وجوه الرد والتعقب لهذا الاعتراض فيما يلي:
١- أن الفرج عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل بقطعه مقصود الشارع بالحد من الزجر والردع للغير، وهذا بخلاف السارق بقطع يده.
٢- أن في قطع العضو التناسلي قطع للنسل وتعريض للهلاك وقضاء على النوع الإنساني وهذا بخلاف قطع يد السارق.
٣- أن لذة الزنى سرت في جميع البدن كلذة العضو المخصوص فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن الذي نالته اللذة المحرمة.
٤- أن السارق إذا قطعت يده بقيت له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج فإنه
стр. 91
إذا قطع لم يبق له ما يقوم مقامه لتتميم مصالحه بتنمية النوع الإنساني.
٥- أن قطع العضو التناسلي مفض إلى الهلاك، وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك، والمحصن يناسب جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع
بعض أعضائه. فافترقا.
لهذه الوجوه ولغيرها من أسرار التشريع- التي أبدى ابن القيم رحمه الله تعالى الكثير منها - يتبين للمنصف أن عقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأقومها بالمصالح وأوفقها للعقل كما في عقوبة الزنى، وإن الشارع لم يفرق بين متماثلين قط، كما أنه لم يجمع بين ضدين أبداً، بل وضع كلّ حكم موضعه المناسب له ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
وهذه الوجوه قد أبداها ابن القيم رحمه الله تعالى مختصرة ومبسوطة، فيحسن
بنا بعد هذا السياق ذكر كلامه الشامل في ذلك إذ يقول (١) :
(وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كلّ جان كلّ عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى محرم، وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدواناً، ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها.
وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف
عدوانه أقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحاً، وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة.
إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.
стр. 92
ثم إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سراً كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون (فلان ينظر إلى فلان مسارقة) إذا كان ينظر إليه نظراً خفياً لا يريد أن يفطن له، والعازم على السرقة كاتم مختف خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء ... وأما الزاني: فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب
من فعله وقوعه برضاء المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة.
ولما كان الزنى من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب
الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا إهلاك الحرث والنسل، فشاكل معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتاع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم
الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة.
ثم إن للزاني. حالتين:
إحداهما: أن يكون محصناً قد تزوج، فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من
جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.
والثانية: أن يكون بكراً، لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له
من العذر بعض ما أوجب له التخفيف، فحقن دمه، وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى
أنواع الجلد ردعاً عن المعاودة للاستمتاع بالحرام وعوناً له إلى القناعة بما رزقه
الله من الحلال.
وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه، والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟.
стр. 93
ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرّب تعالى، من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم. وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنى بجميع أجزائه، فكان من العدل أن تعمه العقوبة، ثم أنه غير مقصور في حق المرأة، وكلاها زان، فلا بد أن يستويا في العقوبة فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين ... ) .
المبحث الثاني:
حكمة التشريع في تحريم الزنى (١)
تناول ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المبحث بالبسط والتتبع لأسرار التشريع مجلياً له بإبراز مفاسد الزنى، وإظهار آثاره السيئة. ومضاره على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم.
وقد لهج به في مواطن من كتبه فرأيت أن أستخلصها برقم تسلسلي يضم مفردات هذه الحكم والأسرار واحدة إثر واحدة، مع المحافظة على مقوله فيها وهي على ما يلي:
١- مناقضة الزنى لصلاح العالم، في أنسابهم وأعراضهم.
قال رحمه الله تعالى (٢) :
(مفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس.
стр. 94
وإن حملت من الزنى: فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل وإن حملته على
الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبياً ليس منهم فورثهم وليس منهم، ورآهم
وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها.
وأما زنى الرجل، فانه يوجب اختلاط الأنساب أيضاً، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والمفاسد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين ... فكم في الزنى
من استحلال لحرمات وفوات حقوق. ووقوع مظالم) .
وقال أيضاً (١) :
(لما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في
حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العدواة، والبغضاء بين الناس، من إفساد كلّ منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته
وأمه، وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها الله
سبحانه بها في كتابه لرسوله ﷺ في سننه.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنى،
وقد أكّد سبحانه حرمته بقوله (٢) (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون
النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له
العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب) الآية.
فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال
تعالى (٣) (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلاً) فأخبر سبحانه عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول
стр. 95
حتى عند كثير من الحيوان كما ذكر البخاري في صحيحه (١) عن عمرو بن ميمون
الأودي (٢) قال (رأيت في الجاهلية قرداً زنى بقردة، فاجتمع القرود عليها
فرجموها حتى ماتت) .
ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلاً، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا،
وعذاب وخزي ونكال في الآخرة ... ) .
٢- الزنى يجمع خلال الشر كلها:
قال رحمه الله تعالى (٣) :
(الزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانياً معه ورع، ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث، ولا
محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء،
وعدم الأنفة للحرم، وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته) .
٣- الزنى يفتح على العبد أبواباً من المعاصي:
وفي بيان هذا يقول رحمه تعالى (٤) :
(ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسراً إلى سفك الدم الحرام، وربما
استعان عليه بالشرك وبالسحر، وهو يدري ولا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا
بأنواع من المعاصي قبلها وبعدها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها.
فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا
стр. 96
والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه، وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى، وقتيلها لا يودى، وقد وكلها الله تعالى بزوال النعم فإذا ابتلى بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، وقال الله تعالى (٢) (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) . وقال تعالى (٢) وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)
٤- الزنى يولد الأمراض النفسية والقلبية.
وفي بيانها يقول رحمه الله تعالى (٣) :
(ومن خاصيته أيضاً - أي الزنى - أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان) . وقال أيضاً (٤) :
(ومنها ظلمة القلب وطمس نوره)
وقال أيضاً (٥) :
(ومنها الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .
وقال أيضاً (٦) :
стр. 97
(ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه الله [بنقيض] (*) قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قط. ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف ما حصل له) .
٥- الزنى يورث الفقر والمسكنة.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(ومنها أنه يورث الفقر اللازم. وفي أثر يقول الله تعالى (٢) (أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة) .
٦- الزنى يورث نفرة العباد من الزناة وسقوطهم من أعينهم.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٣) :
(ومنها، أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربّه ومن أعين عباده ... ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء
في نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة.
ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده) .
٧- الزنى: يولد سيماء الفساد في وجه فاعله.
وفي بيان ذلك يقول رحمه الله تعالى (٤) :
стр. 98
(ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو للناظرين.... فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .
٨- الزنى: يولد رائحة كريهة بغيضة.
قال رحمه الله تعالى (١) :
(ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة، لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل:
كلّ به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال) .
٩- الزنى: يورث العقاب الأليم في البرزخ وفي يوم القيامة.
وفي كشف هذا يقول رحمه الله تعالى (٢) :
(سبيل الزنى أسوأ سبيل، ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم
في البرزخ تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا، ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي ﷺ في منامه (٣) ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها) .
هذا ما أبرزه ابن القيم رحمه الله تعالى من لطائف الحكم ودقائق الأسرار التشريعية في بيان حكمة تحريم الزنى بإظهار أضراره ومفاسده وآثاره السيئة المناقضة لصلاح العالم أفراداً وجماعات ومنه يقف الناظر على جملة من الحكم
стр. 99
التشريعية الجليلة في سبب حرمة الزنى، لا يجد الكثير منها عند كثير من الكاتبين في هذا المجال (١) . وهذا تدليل على ما لدى ابن القيم رحمه الله تعالى من السعة والشمول وفقه النفس والوقوف العميق على أسرار التشريع ومحاسنه والله المستعان.
المبحث الثالث:
في سد الذرائع (٢) الموصلة إلى الزنى (٣)
قاعدة التشريع التي لا تنخرم أن الله إذا حرم شيئاً حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سداً للذريعة وكفاً عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرذائل والطرائق
الموصلة إليها حتى يلقى الله تعالى وهو على هدى من الله وصراط مستقيم.
ولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل
قاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كلّ لحظة وآن، تلك هي: قاعدة (سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات) .
وابن القيم رحمه الله تعالى قرر هذه القاعدة، واستدل لها من وجوه الأدلة بما
стр. 100
يقارب مائة وجه من الكتاب والسنة (١) ، وبيّن أن قاعدة سد الذرائع، أحد أرباع التكليف، فإنه وجه ذلك فقال (٢) :
(وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين) .
وفي خضم هذا المبحث ذكر ضروباً ووجهاً مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا، وعرضها بأسلوبه العلمي الأخاذ الخالي من التعقيد والجفاف وبيانها على ما يلي:
١- نهى النساء عن الضرب بالأرجل.
قال رحمه الله تعالى (٣) :
(قال الله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) . فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزاً في نفسه لئلا يكون سبباً إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن) .
وهذا المنهي عنه- من وسائل الإغراء والإشارة- هو نهي تحريم كما فهمه ابن القيم وهو محل اتفاق من علماء التفسير.
وابن القيم في مقام دلالة النص على قاعدة سد الذرائع، وإلا فإن الآية تفيد أيضاً النهي عن كلّ حركة من شأنها أن تثير الغريزة وتلهب داعي الشهوة، وفي ذلك يقول ابن كثير رحمه الله تعالى (٨) : (وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن)
стр. 101
الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن) إلى آخره) .
٢- وهذا الأمر بغض البصر (١) .
وهذا أمر مطلوب من الجنسين الرجال والنساء لقوله تعالى (٢) (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " الآية.
وابن القيم رحمه الله تعالى قد أبدى في هذه الذريعة عجباً فأبدى كلاماً يزع الأبصار الخائنة، والأعين الفاجرة عن غوايتها إن كان لديها بقية من إيمان واستجابة لداعي الرحمن. وقد أكثر اللهج برعاية حرمات الله، وأنا في هذا المقام أسوق للقارئ شذرة من كلامه المنثور والمنظوم إذ يقول (٣) :
(أما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وقال النبي ﷺ " لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى ".
وفي المسند عنه ﷺ (٤) "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه " هذا معنى
стр. 102
الحديث. وقال (١) " غضّوا أبصاركم واحفظوا فروجكم " وقال (٢) (وإياكم والجلوس على الطرقات قالوا يا رسول الله مجالسنا، ما لنا بدّ منها، قال: إن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقّه؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى، ورد السّلام".
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل " الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده ".
قال الشاعر
كلّ الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه (٣) .
قال الشاعر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً، أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابر
стр. 103
وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه، فإن قوله " لا كله أنت قادر عليه" نفي لقدرته على الكلّ الذي لا ينفى إلا بنفي القدرة عن كلّ واحد واحد.
وكم من أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلاً كما قيل: يا ناظراً، ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلاً
ولي من أبيات:
ملّ السّلامة فاغتدت لحظاته ... وقفاً على طلل يظن جميلاً
ما زال يتبع إثره لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلاً
ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكاناً من "قلب الناظر، ولي من قصيدة:
يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له ... احبس رسولك، لا يأتيك بالعطب
وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحاً، فيتبعها جرحاً على جرح، ثم
لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضاً في هذا المعنى:
مازلت تتبع نظرة في نظرة ... في إثر كلّ مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ ... تحقيق تجريح على تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح أي ذبيح
وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات) .
٣- النهي عن الخلوة بالأجنبية.
: وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى (١) :
стр. 104
(أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن) .
وقال أيضاً (١) :
(نهى ﷺ الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة) .
وهذا محل إجماع ولو في باب من أبواب الخير والرشاد كإقراء القرآن وتعليم العلم، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظان ابن حجر والشوكاني (٢) .
٤- النهي عن سفر المرأة بلا محرم.
قال رحمه الله تعالى (٣) :
ونهى ﷺ عن السفر بلا محرم وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها) .
٥- النهي عن خروج المرأة متطيبة.
وفي ذلك يقول (٤) :
(ونهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخوراً وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوقهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة ولا تتطيب ... كلّ ذلك سداً للذريعة وحماية عن المفسدة) .
٦- النهي من أن تصف المرأة المرأة لزوجها.
وفي هذا يقول (٥) :
стр. 105
(نهى ﷺ أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها، ولا يخفى أن ذلك سداً للذريعة، وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها
في نفسه، وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية) .
٧- الأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(أمر ﷺ أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وإن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما: المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول. والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضاً من ألطف سد
الذرائع) .
٨- النص من الشياع
قال رحمه الله تعالى في ذلك (٢) :
(أنه ﷺ حرّم الشياع: وهو المفاخرة بالجماع، لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشهي، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه عن الحلال فيتخطى إلى الحرام. ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي، فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما
لا يعلمه إلا الله) .
٩- إبطال أنواع من الأنكحة التي يتراضاها. الزوجان.
وفي بيانها وبيان وجه الإبطال يقول (٣) :
стр. 106
(أنه ﷺ أبطل أنواعاً من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سداً لذريعة الزنى: فمنها: النكاح بلا ولي، فانه أبطله سداً لذريعة الزنى، فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: انكيني أنكحيني نفسك بعشرة دراهم) ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سداً لذريعة الزنى.
ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل وطر فيما يفضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة.
ومن ذلك تحريم نكاح المتعة، الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها.
فحرم هذه الأنواع كلها سداً لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقداً مؤبداً يقصد
فيه كلّ من الزوجيين المقام مع صاحبه، ويكون بأذن الولي وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان.
فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها) .
١٠- النهي عن اختلاط الجنسين.
وقد ورد بذلك جملة الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ (باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء)
وفي بيان الذريعة يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو
من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنى، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة ... فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنى
стр. 107
بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات
ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعاً لذلك..) .
هذه جملة من المناهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سداً لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حماية للمجتمع وصيانة له من الوقوع في جريمة الزنا وهذا باب في الشريعة مطرد: إذا حرّم الله شيئاً سد الأبواب الموصلة إليه والله أعلم.
المبحث الرابع:
خصائص حد الزنى (١)
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خص حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص وهي على ما يلي (٣) :
الأولى: تغليظ العقوبة
قال رحمه الله تعالى في بيانها:
(أحدهما: أن القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة) . وهذه الخصيصة قد تضافرت النصوص على بيانها: فالقتل عقاب مشترك بين عدد من الجرائم: كالبغاة، والمحاربين، والقاتل المتعمد، لكن كونه رجماً بالحجارة حتى تزهق النفس لا يكون هذا عقاباً مرضياً لأي جريمة سوى جريمة الزناة المحصنين كما دلت عليه النصوص الشرعية. والجلد أيضاً عقوبة مشتركة بين جملة من الحدود: فالقاذف عقوبته الجلد والسكير عقوبته الجلد، لكن الزاني البكر وإن كانت عقوبته الجلد
стр. 108
إلا أنها تخالف غيرها من ناحيتين:
أولاهما، أن الجلد مائة جلدة وليس في الحدود ما يبلغ ذاك حداً.
الثانية: أن من تمام الحد التغريب، ولا يكون التغريب عقوبة حدية في غير: حد الزاني البكر والله أعلم.
الثانية: التنصيص على نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة.
قال رحمه الله تعالى في بيانها (١) :
(الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد
عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم، ولم
تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من
إقامة أمره) .
وهذه الخصيصة قد نبه الله تعالى عليها في محكم تنزيله إذ يقول (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .
حكمة التشريع في هذه الخاصية:
ثّم يبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن النهي للعباد عن أن تأخذهم رأفة بالجرمين عام في حق كلّ مجرم أو بغيره لكنه ذكر في حد الزنى خاصة لأسرار تشريعية
نوه عنها بقوله (٣) :
وهذا - وإن كان عاماً في سائر الحدود- لكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما
стр. 109
يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والواقع شاهد بذلك: فنهى أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله) .
سبب هذه الرحمة
ثم يستطرد ابن القيم ﵀ في أسباب وجدان هذه الرحمة في نفوس العباد-
في حق المحدودين في هذه الفاحشة فيقول (١) :
وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب
مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته، طاعة وقربة، وإن كانت
الصورة المعشوقة محرمة عليه، ولا يستنكر هذا الأمر فإنه مستقر عند ما شاء الله
من أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيئاً كثيراً- نقاص العقول كالخدم والنساء.
وأيضاً، فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه.
وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان.
وكمال الإيمان أن تقوم به قوّة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقاً لربه تعالى في أمره ورحمته) .
الثالثة
ثم ذكر الخصيصة الثالثة. فقال (٢) :
стр. 110
(أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلو بحيث
لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر) .
وهذا هو ما عرف عند العلماء باسم: التشهير (١) .
وهذه الخصيصة والتي قبلها قد انتظمهما قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .
المبحث الخامس:
في حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة (٣)
من شروط الإحصان الموجب لحد الرجم في الزنى: أن يطأ الرجل الحر العاقل
امرأة عاقلة حرة في نكاح صحيح. فلو كان الزوج مثلا غير حر ثم زنى لم يكن
محصناً في قول جهور أهل العلم (٤) وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة
المعاني والقياس ذكروا في اعتراضهم المشهور على نفي القياس أن الشرع قد فرّق
بين المتماثلين حيث جعل الحرة الشوهاء تحصن الرجل دون الأمة الجميلة.
وقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك مبرزاً حكمة التشريع في هذا التفريق فقال (٥) :
(وأما قولهم: وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل، والأمة البارعة