الحر في الخمر، أربعون، والعبد على النصف، وما فيه التعزير لا يبلغ به
الحد، والعشرون حد فلا يبلغ بالتعزير عشرين جلدة (١) .
هـ- وعند بعض الشافعية أيضاً: يجب النقص في أكثره عن عشرين في حق عبد وعن أربعين جلدة في حق حر (٢) والله أعلم.
دليله (٣) :
استدل أصحاب هذا القول على اختلاف وجهات نظرهم في أدنى الحدود بحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال (من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين) . رواه البيهقي (٤) .
وجه الاستدلال:
هو أن الوعيد في هذا الحديث يفيد المنع من الزيادة على الحد المقدر، فلا يبلغ بالتعزير حداً مقدراً. وقد جاء لفظ (حد) منكراً فيتناول أي حد من الحدود ولهذا صار اختلاف القائلين بهذا على الوجوه المتقدمة والله أعلم.
مناقشة هذا الدليل:
وهذا الدليل مناقش بالمطالبة بثبوته إذ الاستدلال فرع الثبوت وقد حصل بالتتبع أن المحفوظ من هذا الحديث إرساله وأما رفعه فلا يثبت كما نص على ذلك الحافظ البيهقي فانه قال بعد روايته (٥) :
стр. 457
(والمحفوظ في هذا الحديث أنه مرسل) .
ثم ذكر إرساله من الضحاك (١) إلى النبي ﷺ .
ولهذا قرر المحدثون ضعفه: منهم السيوطي (٢) ، والمناوي (٣) ، والألباني (٤) وعليه فلا يتم الاستدلال به لضعفه والله أعلم.
القول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط.
وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) :
(والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال
في مذهب أحمد وغيره) .
وهو المختار لدى جماعة من الشافعية (٦) ، واختاره الشوكاني (٧) ، والصنعاني (٨) .
دليله
عمدة الاستدلال لهذا القول: حديث أبي بردة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) رواه
стр. 458
البخاري (١) ، ومسلم (٢) ، وغيرهما (٣) .
وجه الاستدلال:
أن هذا الحديث ورد بصيغة الحصر التي يمثلها النفي والاستثناء وهذه من أبلغ صيغ الحصر، فهو نص في محل النزاع: على أنه لا عقوبة فوق عشر جلدات إلا فيما ورد فيه من الشارع عقوبة مقدرة كالخمر والقذف ونحوهما لقوله ﷺ في هذا الحديث (إلا في حد من حدود الله) ، أما ما لم يرد فيه من الشارع عقوبة مقدرة فإن العقوبة تكون فيه تعزيراً وهذا التعزير لا يتجاوز عشر جلدات والله أعلم.
مسالك العلماء في الجواب عن هذا الحديث:
إن شدة الخلاف في هذا المبحث تدور على دلالة هذا الحديث على هذا القول سلباً أو إيجاباً، وقد تنوعت مواقف العلماء المخالفين لهذا القول- للجواب عن هذا الحديث على عدة وجوه، وقد سلك ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب عن هذا الحديث مسلكاً جديداً تابع فيه شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى وجرت حوله أبحاث ومناقشات. وإلى بيان أبرز هذه المسالك في الجواب عن هذا الحديث على ما يلي:
المسلك الأول: دعوى النسخ (٤) .
ذهب جماعة من الحنفية والشافعية إلى أن هذا الحديث منسوخ.
стр. 459
دليل النسخ:
ودليل النسخ عندهم: هو إجماع الصحابة ﵃ على العمل على خلافه من غير نكير.
تعقب هذا المسلك:
وهو نقضه من حيث دعوى النسخ بالإجماع فإن الإجماع لا ينسخ السنة، لكن الإجماع إذا ثبت صار دليلاً على نص ناسخ قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلاً على نص ناسخ) .
وقال الحافظ ابن حجر معقباً لدعوى نسخه بالإجماع (٢) :
(نعم لو ثبت الإجماع لدل على أن هناك ناسخاً) .
المسلك الثاني: قصر الحديث على التعزير بالجلد، وأما الضرب بالعصا مثلاً فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا مسلك الإصطخري من الشافعية (٣) كما حكاه الحافظ ابن حجر (٤) .
تعقب هذا المسلك:
وتعقب الحافظ ابن حجر بالرواية الواردة في الضرب بلفظ (لا يضرب.... الحديث) (٥) فقال (وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب) .
стр. 460
وهذه الرواية في صحيح البخاري عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال (لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله) (١) .
المسلك الثالث: مسلك ابن القيم رحمه الله تعالى.
وهو حمل الحديث على التأديب الصادر من غير الولاة في غير معصية كتأديب
الأب ولده ونحو ذلك، إذ المراد بحدود الله في الحديث (حقوق الله) كما تقدم هذا مبسوطاً (٢) .
وابن القيم في هذا قد تابع شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
تعقب ابن دقيق العيد (٣) لهذا المسلك:
والإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى قد تعقب عصريه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا التأويل للحديث، بأن هذا التأويل فيه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه وأورد عليه بقوله (٤) : (ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به، لأن ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمحرم، وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى) .
موقف الحافظ ابن حجر:
والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لإيراد ابن دقيق العيد على رأى
стр. 461
ابن تيمية ذكر أن هذا هو مسلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى. ثم دفع إيراد ابن دقيق العيد بأن المعاصي على ثلاث مراتب هي:
١- معصية فيها عقوبة مقدرة فهذه لا يزاد على المقدر فيها.
٢- معصية من الكبائر ليس فيها عقوبة مقدرة، فتجوز الزيادة فيها على عشر جلدات لدخولها في حقوق الله.
٣- معصية صغيرة ليس فيها عقوبة مقدرة فهذه لا تجوز الزيادة فيها على عشر جلدات وهي المقصودة في الحديث.
فقال رحمه الله تعالى في بيانه (١) .
(قلت: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي مما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها (٢) ، والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده) .
تأمل:
إن الذي ينظر إلى كلام هؤلاء الأجلة من العلماء يجد أن الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر الأدلة القرآنية على أن المراد بحدود الله في لسان الشارع (حقوق الله) وما فيه حق لله تعالى، وأنه يطالب بنص يفيد القصر للفظ حدود الله على معنى (ما فيه عقوبة مقدرة) ، وهذا في نظري ما لم يتحصل الجواب عليه من كلام الحافظ ابن دقيق العيد.
стр. 462
تعقب الشوكاني لهذا المسلك:
لهذا فإن العلامة الشوكاني اعترض على هذا المسلك بالجواب على مساءلة ابن القيم هذه فقرر أنه قد ظهر في لسان الشارع إطلاق لفظ الحدود على العقوبات المقدرة فقال (١) :
(واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف ﵁: إن أخف الحدود ثمانون) (٢) .
وهذا الاعتراض من الشوكاني أيده بقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأقوى منه للتأييد اللفظ المرفوع إلى النبي ﷺ في قوله إلا تقام الحدود في المساجد) (٣) .
فإن الحدود هنا يراد بها العقوبات المقدرة لا مطلق حقوق الله تعالى.
الترجيح:
والذي يظهر لي والله تعالى أعلم- أن حدود الله يراد بها عند الإطلاق (حقوق الله تعالى) وعليه تحمل الآيات التي أوردها ابن القيم رحمه الله تعالى. وأنها لا تنصرف إلى جنس (الجنايات التي قدر عليها عقوبات مخصوصة) إلا بقرينة صارفة كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، وفي حديث (لا تقام الحدود في المساجد) .
وعليه: فإن لفظ (حدود الله) في هذا الحديث (لا يجلد فوق عشرة أسواط
стр. 463
إلا في حد من حدود الله) . قد قامت القرينة على أن المراد بها (الجنايات ذات العقوبات المقدرة) لأن السياق في مقام العقاب، والعقاب من الشارع.
إما مقدر فهو: على جريمة حدية، أو غير مقدر فهو على ما سواها وهو المراد بهذا الحديث والله أعلم.
ولذا فإن المسلك الرابع في الجواب عن هذا الحديث وهو أن عمل الصحابة على خلافه فصار الإجماع على ترك العمل به له وجه في النظر وبيانه كالآتي:
المسلك الرابع: أن إجماع الصحابة على خلاف العمل به فعزروا ﵃ بأكثر من عشر جلدات وتنوعت تعازيرهم في ذلك من غير نكير. وممن حكى إجماع الصحابة ﵃ بالعمل على خلافه من غير إنكار جماعة من المحققين. منهم الأصيلي (١) ، والنووي (٢) ، وحكاه عنه الحافظ ابن حجر فقال (٣) : (وهو المعتمد فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة ﵃ . وحكى الإجماع أيضاً الرافعي (٤) وهو مسبوق بمن ذكر وبغيرهم وكذا قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر كلام الرافعي (٥) :
(وسبق إلى دعوى عمل الصحابة بخلافه الأصيلي وجماعة) .
стр. 464
اضطراب موقف الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
من كلمات الحافظ ابن حجر المتقدمة هذه نرى أنه أقر الإجماع كما حكاه النووي رحمه الله تعالى لكنه في نفس كتابه (فتح الباري) تعقب دعوى الإجماع في معرض رده على القائلين بنسخ الحديث بالإجماع من الصحابة على خلافه (١)
بقوله:
(ورد- أي الإجماع- بأنه قال به بعض التابعين وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار) .
ومعلوم أن الإجماع المذكور محكي عن الصحابة ﵃ فمخالفة الليث رحمه الله تعالى بعد عصر الصحابة ﵃ فكيف ينقض الإجماع بعد انقراض عصره بمخالفة الليث رحمه الله تعالى والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى من أهل التتبع والاستقراء التام والإحاطة بالأثر فلو كان عنده أثر مخالف عن صحابي لذكره والله أعلم.
وللحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مناقشة أخرى للإجماع ذكرها في كتابه (تلخيص الحبير) إذ نقل عن البيهقي أنه روى في مقدار التعزير آثار مختلفة ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (٣) : (فتبين بما نقله البيهقي من اختلاف الصحابة ﵃: أن لا اتفاق على عمل في ذلك ... ) . وتعقب الحافظ ابن حجر بأن هذا غير وارد لأن الاختلاف المروي عن الصحابة ﵃ هو في المقدار لا في حكم الحديث واختلاف العمل به. ولهذا فإن العلامة المناوي رحمه الله تعالى لما ذكر أن عمل الصحابة رضي الله
стр. 465
عنهم على خلاف هذا الحديث قال (١) :
(ونوزع بما لا يجدي) .
فثبت من هذا المسلك أن عمل الصحابة ﵃ على خلاف هذا الحديث وأن الاختلاف الحاصل في الرواية عنهم هو اختلاف تنوع في مقدار التعزير في أحوال مختلفة وليس اختلافاً في مقتضى الحديث. والجواب عن هذا الحديث بهذا المسلك ليس غريباً بل هو محكي في طائفة من الأحاديث تبلغ نحو ثلاثين حديثاً جمعتها في جزء مستقل (٣) والله أعلم.
اختيار ابن القيم في مقدار أكثر التعزير:
ظاهر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى اختياره القول الثاني من هذه الأقوال لقوله في كتابه (الطرق الحكمية) (٣) :
(الثاني- هو أحسنها- أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها) . وهذا الظاهر يخالف ما قرره في موضع آخر من نفس كتابه (الطرق الحكمية) وقرر في مواضع من كتبه، من اختياره القول الأول: وهو أنه لا حد لأكثره بل بحسب المصلحة، فإنه قال في (الطرق الحكمية) (٤) :
(والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ يوافق القول الأول..) .
وقال في (أعلام الموقعين) (٥) :
стр. 466
(إن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم بل هو بحسب الجريمة في جنسها وصفتها وكبرها وصغرها) .
وفيه أيضاً بعد كلامه على حكمة الحدود قال (١) :
(ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة- وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة- جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع، واختلفت عليه أقوال الصحابة، وسير الخلفاء الراشدين وكثير من النصوص، ورأى عمر قد زاد في حد الخمر على أربعين والنبي ﷺ إنما جلد أربعين، وعزر بأمور لم يعزر بها النبي ﷺ ، وأنفذ على الناس أشياء عفا عنها النبي ﷺ ، فيظن ذلك تعارضاً وتناقضاً وإنما أتى من قصور علمه وفهمه وبالله التوفيق) .
وفي (إغاثة اللهفان) ذكر أن الأحكام على نوعين: نوع لا يتغير بحال الحدود المقدرة على الجرائم. ونوع يتغير حسب المصلحة كمقادير التعزيرات فقال فيها (٢) :
(النوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زماناً ومكاناً وحالاً كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة ... ) .
فهذه النقول المتعددة تؤيد اختياره القول الأول: وهو أن التعزير بحسب المصلحة وهو أظهر في الترجيح والاختيار من القول الثاني والله أعلم.
стр. 467
الترجيح:
بعد هذا التطواف والوقوف على أقوال العلماء في أكثر التعزير وما استدل به لكل قول وما جرى حوله من مناقشات يظهر ترجيح القول الأول المختار لدى الإمام ابن القيم وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك لسلامة أدلته ومراعاته لحكم الشريعة ومقاصدها والله أعلم.
المبحث الثاني:
في أنواع العقوبات التعزيرية (١) .
العقوبات التعزيرية كثيرة ومتنوعة لكن نستطيع أن نصنفها حسب متعلقاتها على ما يلي:
١- ما يتعلق بالأبدان كالجلد والقتل.
٢- ما يتعلق بالأموال كالإتلاف والغرم.
٣- ما هو مركب منهما، كجلد السارق من غير حرز مع اضعاف الغرم عليه. ٤- ما يتعلق بتقييد الإرادة كالحبس والنفي.
٥- ما يتعلق بالمعنويات كإيلام النفوس بالتوبيخ والزجر.
وهذه الأنواع ونحوها متفق عليها كأصول للتعزير، وإنما وقع الخلاف فيبعض مفرداتها.
стр. 468
وقد تناول ابن القيم رحمه الله تعالى أهمها وأكثرها شيوعاً مما تشتد الحاجة إليه
منها في أقسامها الآتية:
القسم الأول: التعزيرات البدنية. وفيها نوعان:
أ- التعزير بالجلد.
يتخرج على اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى المتقدم: من أنه لا حد لأكثر التعزير، أن التعزير بالجلد عنده لا حد لأكثره والله أعلم.
ب- التعزير بالقتل:
امتداداً لاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: القول بأن التعزير يكون حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة، اختار أيضاً جواز أن يبلغ بالتعزير القتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به فقال (١) :
(يسوغ التعزير بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي الى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
تنديد ابن القيم بالتعزير بالقتل ظلماً:
وهو رحمه الله تعالى بجانب هذا الاختيار يندد باستحلال ولاة الجور: القتل باسم السياسة والرهبة، وأن هذا من باب تسمية الباطل باسم الحق والأسماء لا تغير المسميات عن حقائقها إذ العبرة في الشريعة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فيقول رحمه الله تعالى في ذلك: (قال شيخنا (٢) ﵁: وقد جاء حديث
стр. 469
مرفوعاً وموقوفاً من حديث ابن عباس ﵄ (يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء، يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنى بالنكاح، والربا بالبيع) .....
وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموساً وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر) .
موقف العلماء من التعزير بالقتل:
وقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى موقف العلماء من جواز البلوغ بالقتل تعزيراً، فبين أن أوسع المذاهب في ذلك مذهب المالكية، وأبعدها عن التعزير بالقتل مذهب الحنفية وأنهم مع ذلك جوزوا التعزير به للمصلحة وأن طائفة من الشافعية وأخرى من الحنابلة أجازوا القتل تعزيراً في بعض الجرائم.
وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى (١) :
(وأبعد الأئمة عن التعزير بالقتل: أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوز التعزير به للمصلحة، كقتل المكثر من اللواط (٢) وقتل القاتل بالمثقل (٣) .
ومالك: يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى أيضاً هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي: قتل الداعية إلى البدعة) . وقال أيضاً (٤) :
стр. 470
(وعلى القول الأول- (وهو أن التعزير حسب المصلحة) - هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل؟ قيه قولان:
أحدهما: يجوز، كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد، واختاره ابن عقيل، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة، كالتجهم، والرفض، وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى غيلان القدري (١) لأنه كان داعية إلى بدعة، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيراً وكذلك إذا قتل بالمثقل قالوا للإمام أن يقتله، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جهور الأئمة) . فترى من هذه النقول أن القتل تعزيراً موجود في عامة المذاهب إما في قضايا معينة أو في قضايا متعددة وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يختار جواز أن يبلغ بالتعزير القتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به.
الأدلة (٢) :
وقد أيد ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاختيار بعدة قضايا ورد في السنة قتل مرتكب الجريمة فيها تعزيراً في نظره وهي:
١- قتل شارب الخمر في الرابعة.
٢- قتل الجاسوس.
стр. 471
٣- قتل من اتهم بأم ولده ﷺ
وقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى كل قضية من هذه القضايا على انفرادها محتجاً بها على سبيل الإجمال للتعزير بالقتل!
وهذه القضايا هي مورد النزاع بين أهل العلم في مشروعية القتل تعزيراً فإلى بيانها حتى يتضح مدى قوة اختيار ابن القيم في ذلك.
١- قتل شارب الخمر في الرابعة تعزيراً:
تقدم بيان حكم هذه العقوبة وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن أمر النبي ﷺ بقتل الشارب في الرابعة حكم تعزيري وليس حداً له وأنه محكم غير منسوخ، ولهذا فإنه من أدلة مشروعية التعزير بالقتل لدى ابن القيم رحمه الله تعالى (١) . وقد استظهرت فيما تقدم أن الحديث منسوخ، وأن قتل المدمن في الخمر تعزيراً للمصلحة ودفع المفسدة. وعليه فلا يتم الاستدلال به لابن القيم والله أعلم.
٢- قتل الجاسوس (٢) :
الجاسوس له حالتان:
الأولى: الجاسوس غير المسلم.
فهذا يقتل تعزيراً عند عامة الفقهاء (٣) .
стр. 472
دليله:
هو ما ثبت عنه ﷺ من أنه قتل جاسوساً من المشركين وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
وهو يشير إلى حديث سلمة ابن الأكوع (٢) ﵁ قال (أتى النبي ﷺ عين من المشركين- وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : اطلبوه واقتلوه فقتله، فنفله سلبه) رواه البخاري (٣) وأبو داوود (٤) . ودلالة هذا الحديث واضحة فإن هذا المشرك كان عيناً أي جاسوساً للمشركين على المسلمين للمشركين فأمر ﷺ بقتله لهذا ترجمه أبو داوود بقوله (باب الجاسوس المستأمن) والله أعلم.
الثانية: الجاسوس المسلم.
أما الجاسوس المسلم فقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف فيه على قولين: القول الأول (٥) :
جواز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للكفار على المسلمين. وهو مذهب مالك،- وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختاره ابن عقيل من الحنابلة.
القول الثاني: أنه لا يقتل.
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وظاهر مذهب أحمد (٦) .
стр. 473
دليل الخلاف:
يبين ابن القيم رحمه الله تعالى أن دليل الخلاف هو: قصة حاطب ابن أبي بلتعة
لما جس على النبي ﷺ لقريش بكتاب أرسله مع امرأة، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم وفيه: فاستأذن عمر ﵁ النبي ﷺ في قتل حاطب فقال ﷺ : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (١) .
وجه الاستدلال:
ثم يوضح ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الاستدلال فيه لكل من- القولين فيقول (٢) :
(استدل به من لا يرى قتل الجاسوس المسلم، لأن النبي ﷺ لم يقتل حاطباً.....) .
واستدل به من يرى قتله فقالوا:
لأنه ﷺ علله بعلة مانعة من القتل منتفية في غيره ولو كان الإسلام مانعاً من قتله لم يعلل ﷺ بأخص منه لأن الحكم إذا علل كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى والله أعلم) .
اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:
وقد اختار رحمه الله تعالى القول بجواز قتل الجاسوس المسلم تعزيراً إذا جس للأعداء على المسلمين متى رأى الإمام المصلحة في قتله فقال (٣) : (والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم) .
стр. 474
الترجيح:
والذي يظهر لي والله أعلم هو سلامة اختيار ابن القيم، وأن قصة حاطب لا تدل على المنع لأنها واقعة فعل أحاط بها مانع خاص، وخطر التجسس على المسلمين عظيم قد لا يندفع إلا بقتله فللإمام قتل الجاسوس تعزيراً إذا لم تتحقق المصلحة إلا بقتله والله أعلم.
النتيجة:
وعليه فقد سلم لابن القيم استدلاله على جواز القتل تعزيراً، بقتل الجاسوس المسلم تعزيراً والله أعلم.
٣- قتل من اتهم بأم ولده ﷺ :
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى على مشروعية القتل تعزيراً بأمر النبي ﷺ الذي اتهم بأم ولده مارية القبطية (١) أم إبراهيم (٢) ﵇ حيث اتهم بها ابن عمها فلما ظهرت براءته أمسك عنه. وذكر الحديث (٣) فقال:
(روى ابن أبي خيثمة (٤) ، وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت عن أنس ﵁ أن ابن عم مارية كان يتهم بها. فقال النبي ﷺ لعلي ابن أبي طالب ﵁: اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو في
стр. 475
بركة يبترد فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف عنه علي كرم الله وجهه ثم أتى ﷺ فقال: يا رسول الله أنه مجبوب ما له ذكر. وفي لفظ آخر: أنه وجده في نخلة يجمع تمراً وهو بخرقة، فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له) (١)
موقف الناس من هذا الحديث:
بين ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا الحديث مما أشكل على كثير من الناس فذكر في الجواب عنه ثلاثة مسالك على ما يلي:
المسلك الأول: تضعيف الحديث.
وابن القيم رحمه الله تعالى يذكر هذا ويرفضه فيقول (٢) :
(طعن بعض الناس في الحديث ولكن ليس في إسناده من يتعلق عليه) . والحديث أصله في صحيح مسلم في آخر كتاب التوبة من تراجم النووي وعليه ترجم بقوله (باب براءة حرم النبي ﷺ (٣) .
المسلك الثاني: أنه ﷺ لم يرد حقيقة القتل وإنما أراد التخويف والزجر. وفي هذا يقول أبن القيم رحمه ألله تعالى (٤) :
(وتأوله بعضهم على أنه ﷺ لم يرد حقيقة القتل إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها.... فأحب ﷺ أن يعرف الصحابة براءته وبراءة مارية ﵂، وعلم أنه إذا عاين السيف كشف عن حقيقة حاله فجاء الأمر كما قدره ﷺ .
стр. 476
المسلك الثالث: أن النبي ﷺ أمر بقتله تعزيراً.
واستحسن ابن القيم هذا المسلك وفضله على سابقه فقال (١) :
(وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي ﷺ أمر علياً ﵁ بقتله تعزيراً لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده فلما تبين لعلي حقيقة الحال وأنه برىء من الريبة كف عن قتله، واستغنى عن القتل بتبين الحال، والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجوداً وعدماً) .
هذه المسالك التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى مسلكاً واحداً في الجواب عن هذا الحديث وهو الآتي:
المسلك الرابع: أن النبي ﷺ أمر بقتله لنفاقه.
قال النووي رحمه الله تعالى (٢) :
(قيل لعله كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى، وكف عنه علي ﵁ اعتماداً على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم) .
وعندي في هذا الوجه بعد لأن القصة في الحديث من أوله إلى آخره تتركز على اتهام هذا الرجل بحرم النبي ﷺ ، وهذا هو الباعث في القصة لبعث علي ﵁ فكيف يعدل عن الظاهر من غير دليل.
الترجيح:
والذي يظهر لي والله أعلم هو المسلك الثالث الذي ذكره ابن القيم واستحسنه من أن الأمر بقتله كان تعزيراً لأن الأمر مجرد تهمة لكنها في جانب حرم النبي ﷺ
стр. 477
أما لو كان ثمة بينة أو اعتراف لكان الأمر بقتله حداً لازماً والله أعلم- والحمد لله على براءة حرم نبيه ورسوله محمد ﷺ من الشك والريبة.
نهاية المطاف في هذا القسم: التعزير بالقتل:
يظهر من مباحث القتل تعزيراً على سبيل الإجمال والتفصيل: أن القتل تعزيراً مشروع عند عامة الفقهاء على التوسع عند البعض والتضييق عند آخرين في قضايا معينة
وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع وحماية مصالح الأمة وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها: هو القول بجواز القتل تعزيراً حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة إذا لم يندفع الفساد إلا به على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.
وأن الأدلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى للتدليل على جواز أن يبلغ القتل تعزيراً لا يسلم له منها إلا قتل الجاسوس المسلم تعزيراً وقتل من اتهم بأم ولده ﷺ وأن قتل الشارب في الرابعة هو من باب التعزير بناءً على هذا القول والله أعلم.
القسم الثاني: التعزيرات المالية (١) .
انتصر ابن القيم رحمه الله تعالى للقول بمشروعية التعزيرات المالية واستدل عليها بأقضية النبي ﷺ وأقضية الصحابة ﵃ من بعده في ذلك. وذكر قول المخالف المانع وناقش أدلته، وفي خضم هذا المبحث قسم العقوبات المالية باعتبارين، فصارت مباحثة في ثلاثة فروع:
الفرع الأول: تنويع العقوبات المالية باعتبار الانضباط وعدمه.
الفرع الثاني: تنويعها باعتبار أثرها في المال .
стр. 478
الفرع الثالث: الخلاف في مشروعية التعزير بالمال مع التدليل والمناقشة. وبيانها
على هذا الترتيب كما يلي:
الفرع الأول: في تنويعها باعتبار الانضباط وعدمه.
يوضح ابن القيم رحمه الله تعالى أن العقوبات المالية تنقسم من حيث الانضباط وعدمه إلى قسمين:
الأول: نوع منضبط، وهو ما قابل المتلف لحق الخالق: كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق المخلوق كإتلاف ماله.
الثاني: نوع غير منضبط: وهو ما يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح فهو لا يتقدر بمقدار لا يقبل الزيادة أو النقص، مثل اجتهاد عمر ﵁ في تحريق قصر سعد لما احتجب عن الرعية.
وفي بيان هذا التنوع يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(وهذا الجنس من العقوبات- أي المالية- نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط: فالمضبوط: ما قابل المتلف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق آدمي كإتلاف ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبهَ بقوله (ليذوق وبال أمره) ، ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه.
وعقوبة المدبر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره.
وعقوبة الموصي له ببطلان وصيته.
ومن هذا الباب: عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها.
وأما النوع الثاني، غير المقدر: فهو الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح ولذلك لم تأت به الشريعة بأمر عام، وقد لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود) .
стр. 479
الفرع الثاني: تنويعها باعتبار أثرها في المال.
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في التعزيرات المالية وذكر تقسيمه لها إلى ثلاثة أقسام هي:
١- التعزير بإتلاف المال. مثل شق أوعية الخمر، وتحريق أمكنة الخمارين (٢) .
٢- التعزير بتغيير المال. مثل تقطيع الستر الذي فيه صورة إلى وسادتين (٣) . ٣- التعزير بتمليك المال. مثل أضعاف الغرم على السارق من غير حرز (٤) . وهذه الأقسام الثلاثة نستطيع تصنيفها على سبيل الاختصار إلى قسمين:
١- عقوبة في المال: وتشمل، الإتلاف والتغيير.
٢- عقوبة بالمال: وتشمل، التمليك للمال فقط. والله. أعلم.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى العديد من الأمثلة من السنة النبوية وذكرها
في معرض الاستدلال لمشروعية التعزير بالمال وهذا ما تراه إن شاء الله في الفرع الآتي والله أعلم.
الفرع الثالث: الخلاف في مشروعية التعزير بالمال (٥) .
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في جواز التعزيرات المالية على قولين حكاها واختار رحمه الله تعالى استمرار مشروعيتها ودلل على ذلك بأدلة من السنة المشرفة وعمل الخلفاء الراشدين ﵃ ومن بعدهم من الأئمة ثم ناقش
стр. 480
دليل الممانع وجمع خلاصة مبحثه هذا بقوله (١) :
(اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت، والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة، في كل زمان ومكان حسب المصلحة إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة) . وبيان الخلاف وأدلته ومناقشته مفصلاً على ما يلي:
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في مشروعية التعزيرات المالية على قولين بيانهما كالآتي:
القول الأول: مشروعية التعزيرات المالية فيجوز التعزير بها.
وفي بيان القائلين به يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(وأما التعزير بالعقوبات المالية: فمشروع أيضاً في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد، وأحد قولي الشافعي) .
وحكاه الشوكاني مذهباً لآل البيت بلا خلاف بينهم (٣) ، وهو مروي أيضاً عن
أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٤) .
أدلته:
استدل له ابن القيم رحمه الله تعالى بأقضية متنوعة من النبي ﷺ ومن أصحابه
في ذلك فقال (٥) :
стр. 481
(وقد جاءت السنة بذلك عن النبي ﷺ وعن أصحابه بذلك في مواضع:
منها: إباحته ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده (١) .
ومثل: أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفها (٢) .
ومثل، أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين (٣) .
ومثل: أمره ﷺ يوم خيبر- بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الأنسية
ثم استأذنوه في غسلها، فأذن لهم، فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر (٤) .
ومثل: هدمه مسجد الضرار (٥) .
ومثل: تحريق متا الغال (٦) .
ومثل: حرمان السالب الذي أساء على نائبه (٧) .
ومثل: إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر (٨) .
ومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة (٩) .
ومثل: أخذه شطر مال مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب تعالى (١٠) .
ومثل: أمره ﷺ لابس خاتم الذهب بطرحه، فطرحه، فلم يعرض له أحد.
стр. 482
ومثل: قطع نخل اليهود، إغاظة لهم (١) .
ومثل: تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر (٢) . ومثل: تحريق عمر ﵁ قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية (٣) ..
وهذه قضايا صحيحة معروفة، وليس يسهل دعوى نسخها.
وجه الاستدلال:
أنه ثبت عن النبي ﷺ التنوع في العقوبات المالية على وجه الإتلاف: كما في كسر دنان الخمر وشق ظروفها، والتحريق لمتاع الغال والثوبين المعصفرين، وتغييراً كما في قصة الستار، ومضاعفة للغرم على السارق من غير حرز، وعلى كاتم الضالة ونحو ذلك في أقضية الصحابة ﵃ على حسب اختلاف الأحوال ومراعاة المصالح ودفع المفاسد والله أعلم.
القول الثاني: عدم جواز التعزير بالمال.
وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن والشافعي في قوله الأخير (٤) .
أدلته:
ادعى أرباب هذا القول أن التعزيرات المالية منسوخة وأن الإجماع قد قام على نسخها فلا تشرع العقوبة بها (٥) .
стр. 483
مناقشة ابن القيم لهذا الدليل:
أبطل ابن القيم رحمه الله تعالى دعوى النسخ هذه بأنه لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع يدل على صحة دعوى النسخ فأين الدليل الناسخ؟ وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالا، فأكثر هذه المسائل: سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك. وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل أيضاً لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها فمذهب أصحابه عيار للقبول والرد؟ وإذا ارتفع عن هذه الطبقة: ادعى أنها منسوخة بالإجماع. وهذا خطأ أيضاً، فإن الأمة لم تجمع على نسخها ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ) .
والنووي رحمه الله تعالى وهو من كبار الشافعية قد نفى الإجماع على النسخ ورفض النسخ فقال (الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ) (٢) .
الترجيح:
هذه هي آراء العلماء وأدلتهم وأرجح القولين فيما يظهر لي والله أعلم- هو جواز التعزير بالمال إذا تحققت المصلحة التعزيرية كما اختاره الإمام ابن القيم والله أعلم.
стр. 484
الخاتمة
في خلاصَة البحث ونتائجه
الحمد لله أولا وآخراً وظاهراً وباطناً وبعد:
فهذه خاتمة تضم خلاصة معتصرة للبحث ونتائجه المنثورة بين دفتي هذه الرسالة لنضع الرسالة أمام القارئ على طرف الثمام.
في هذا المضمار جمعت ما تناثر في كتب ابن القيم من مباحثه في ذلك التي بلغت
ما يقرب من خمسين مبحثاً، يدخل في تضاعيفها مباحث أخرى تقارب عشرين مبحثاً فيها تجليته لحكمة التشريع ودفع إيرادات المعترضين على الكثير من هذه العقوبات، وفيها معرفة مدى وقوفه على مذاهب الناس واختلافهم، وما يستدل لهم به ومناقشتها، وفيها كيفية تخليصه الاختيار في المبحث عن قناعة ودراية ودربة في منهجه اللطيف المنبئ عن شفوف النظر ودقة الفهم.
ومن وراء هذه الاختيارات فقد تحصل لي نتيجة هامة وهي أنه ليس في اختياراته رحمه الله تعالى مسألة خرق فيها الإجماع، وأن هذه دعوى عريضة طالما شغب عليه بها خصومه- ويتكشف زيفها في أمثال هذه الدراسات. وعليه فإن اختياراته رحمه الله تعالى في ذلك يمكن تصنيفها على ما يلي:
١- اختيارات وافق فيها الجماهير بما فيهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. ب- اختيارات خالف فيها الأئمة الأربعة لكن الخلف فيها محكي عن بعض الصحابة أو التابعين.
стр. 485
ج- اختيارات وافق فيها الجمهور لكن خالف فيها مذهب الإمام أحمد.
د- اختيارات وافق فيها المذهب أو المشهور منه وخالف الجمهور.
هـ- مباحث حكى الخلاف فيها ولم يجزم برأي له فيها.
ومواقع مباحثه من هذه الفقرات على ما يلي:
أ- الاختيارات التي وافق فيها الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى وهي على ما يلي:
اختياره أن الزاني المحصن لا يجمع له بين الجلد والرجم بل حده الرجم فقط. وهذا مذهب الجمهور منهم الأئمة الأربعة والرواية الثانية عن الإمام أحمد: الجمع.
اختياره: أن عقوبة الخمر حدية لا تعزيرية.
اختياره: اشتراط الحرز في السرقة. اختياره: شرط انتفاء الشبهة في حد السرقة.
اختياره: أن من سرق من شيء له فيه حق درئ عنه الحد.
تقريره: ردة ساب النبي ﷺ وقتله كفراً.
تقريره: كفر من قذف عائشة ﵂ وردته.
تقريره: أن التوبة بعد القدرة لا تسقط الحد اتفاقا.
تقريره: أن توبة المحارب قبل القدرة تسقط عنه الحد اتفاقاً.
ب- اختيارات خالف فيها الأئمة الأربعة لكن الخلف فيها محكي وهذه على ما يلي:
١- إنكاره قصر معنى لفظ " الحد " على العقوبات المقدرة كما هو مدون لدى أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم. وبيانه أن لفظ " الحد" في لسان الشارع
стр. 486
أعم: فيفيد ذا تارة ويفيد لفظ "حدود الله" بمعنى حقوق الله، والله أعلم.
٢- اختياره: قتل الشارب في الرابعة بالنص تعزيراً. وأن هذا قول جماعة من السلف وهو اختيار ابن تيمية، بل قال ابن حزم: يقتل حداً. وروى قتله
عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، والأئمة الأربعة على خلافه فلا يقتل، والله أعلم.
وهذا منشأ الغلط على ابن القيم وغيره من أهل العلم إذا خالف المحقق في مسألة
ما هو مدون في المذاهب الأربعة قالوا: خرق الإجماع: بينما المسألة قد تجاذبتها النصوص والخلاف.
ج- اختيارات خالف فيها مذهب الإمام أحمد أو المشهور من مذهبه ووافق فيها الجمهور، وهي على ما يلي:
١- اختياره: وجوب حد القذف بالتعريض، وهذا مذهب مالك والثلاثة على خلافه.
٢- اختياره: إقامة حد الزنى بالحبل، وهذا مذهب مالك وأحمد في الرواية الثانية عنه، والجمهور على خلافه.
٣- اختياره: أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان: وهذا مذهب الشافعي وهو الرواية الثانية عن أحمد، والجمهور على خلافه.
٤- اختياره: أن عقوبة الشارب أربعون حداً والأربعون الزائدة عليها تعزيراً وهذا مذهب الشافعي والرواية الثانية عن أحمد.
٥- اختياره: إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة: وهذا مذهب مالك والرواية الثانية عن الإمام أحمد، والجمهور على خلافه.
стр. 487
٦- اختياره: أن من تمام توبة السارق ضمان قيمة المسروق إن كان قادراً، وهذا مذهب المالكية، والخلاف للجمهور.
٧- اختياره: مشروعية التعزيرات المالية. وهذا مذهب المالكية، وعن الشافعية والحنابلة في مواضع، والخلاف للحنفية.
د- اختيارات وافق فيها المذهب أو المشهور منه وخالف الجمهور، وهي على ما يلي:
اختياره: قبول توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، والخلاف للجمهور.
اختياره: أن من وطئ جارية امرأته فيعزر بمائة جلدة إن كانت أحلتها له. وهذا مذهب أحمد، والجمهور على خلافه.
اختياره: أن نكح ذات محرمه فحده القتل. وهو الرواية عن أحمد والجمهور على خلافه.
اختياره: أن عقوبة اللواط القتل بكل حال محصناً أو غير محصن. وهذا مشهور المذهب وأحد القولين عند الشافعي.
اختياره: قتل من وطئ بهيمة فحكمه حكم اللوطي، على ما يظهر من سياق كلامه. وهذا هو الرواية عن أحمد، والجمهور على خلافه.
اختياره: أن الإقرار في السرقة لا بد من تكراره مرتين. وهذا مذهب الحنابلة خلافاً للثلاثة.
اختياره: قطع جاحد العارية. وهو الرواية المقدمة في المذهب، والثلاثة على خلافه.
стр. 488
هـ- مباحث حكى الخلاف فيها ولم يجزم باختيار له فيها، وهي:
١- القاذف المحدود إذا تاب هل تقبل شهادته: حكى الخلاف ولم يجزم فيه بشيء.
٢- الإتيان على أطراف السارق: تكلم على هذا المبحث ولم يفصح عن اختيار له فيه، والله أعلم.
هذه إلماعة موجزة عن اختيارات ابن القيم في الحدود والتعازير يقف القارئ من خلالها على نتيجتين:
الأولى: أنه ليس له فيها اختيار خرق فيه الإجماع.
الثانية: أنه لم يكن متعصباً لمذهب الإمام أحمد، بل قبلة مقصده وجهة جهده: نحو الدليل وما دل عليه، والله أعلم.
(٢)
هذا وإن محبتي للشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وإعجابي بشخصه وعلومه وملازمتي الدائبة لكتبه لم يمنعني ذلك من إبداء التنبيه على ما ينبغي التنبيه عليه من تقييد رأي أطلقه، أو أثر سكت عن درجته. كما لم يمنعني ذلك من إبداء ما يخالف اختياره أو التوقف حيث لم يظهر لي الوقف بجلاء وهذه المواقف أبينها على ما يلي:
١- تقييد ما أطلقه:
في معرض بحثه لإقامة حد الزنى بالحبل: ذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.. وبينت أن هذا ليس على إطلاقه عند من ذكر بل هو مقيد عندهم بأمرين على ما أوضحتهما.
стр. 489
وفي معرض بحثه للحد بالتعريض: رأى رحمه الله تعالى وجوب الحد بالتعريض،
ولم يقيده فيما إذا احتف بقرائن تدخل التعريض بالقذف أو لا. وقد استظهرت أن رأيه وإن لم يقيده صراحة لكن يستفاد من عموم بحثه تقييده بذلك.
وفي مبحث النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية: قررت أن رأيه هو نسخ النهي، وأن ما ذكره في بعض المواضع من النهي عن ذلك إنما ذكره للتدليل على قاعدة سد الذرائع، وهذا سائغ حين كان وقت النهي- فلا عتب على ابن القيم في هذا والله أعلم..
وفي مبحث تأخير الحدود في الغزو: ضعف الحديث في ذلك في موضع، واستدل به على التأخير للحد في موضع آخر وساقه بصيغة الجزم. وبينت أنه لا تضارب في هذا لأن الحديث ضعيف ضعفاً محتملا وعليه يحمل قوله بالتضعيف.
ب- وفي مجال التعقب والمناقشة:
في معرض بحثه رحمه الله تعالى لتأخير الحد في الغزو: استدل له من الأثر بأثر عمر ﵁ من رواية سعيد بن منصور في سننه فقط. وهو ضعيف بهذا الإسناد. فبينت أن الأثر ضعيف بهذا الإسناد، وأنه أثر حسن الإسناد لكن من طريق آخر لم يسقها ابن القيم رحمه الله تعالى فذكرتها. وفي مبحث ذكره لحيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى: ذكر الحيلة في مواضع مقرراً جوازها، وفي أخرى مقرراً لمنعها وإبطالها. فنبهت على ذلك، ورجحت جانب المنع على الجواز.
وفي معرض بحثه لحكم قبول شهادة القاذف بعد توبته: بين استدلال الحنفية على منع قبولها من أن هذا هو مقتضى حكمة الشرع في التغليظ والزجر. ثم ذكر رد هذا ومناقشة الحنفية فيه من الجمهور.
стр. 490
وأوضحت أنه لا منافاة بين الاستدلال وما نوقش به وخرجت ذلك على وجه يحسن الوقوف عليه.
وفي هذا المبحث أيضاً: أورد ابن القيم دليلا قياسياً للجمهور على شهادة القاذف بعد توبته وتعقب الحنفية له. وأوضحت أنه لا منافاة بين التعقب وما استدل به الجمهور في ذلك.
وفي مبحث حكمة الشرع في تحريم الخمر: ذكر أن مقر العقل الدماغ، فبينت
أن هذا على خلاف اختياره للقول الذي يدل عليه الكتاب والسنة من أن مقر العقل القلب، وقد ذكره ابن القيم ودلل عليه.
وكلام ابن القيم العارض في أن مقر العقل الدماغ سياق له في غير مساقه، وقد تقرر من القاعدة لدى أهل العلم: أن السياق للشيء في غير مساق له لا يعتبر رأياً لصاحبه.
وفي مبحث أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه: استدل ابن القيم عليه بحديث الترس، وناقشت ابن القيم في هذا لأن الترس ليس من آلات المسجد المعتاد وضعها فيه، وبينت وجه الحديث في ذلك.
وفي مبحث أنه لا قطع على من سرق شيئاً له فيه حق: استدل بحديث ابن عباس عند ابن ماجه ولم يبين درجته. فبينت أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة وأقمت الأدلة من وجوه أخر.
وفي مبحث اختياره لقطع جاحد العارية: استدل عليه بقياس جاحد العارية على السارق فهو أولى بالقطع منه. فأوضحت أن هذا القياس متعقب بعدة أمور فصلت القول فيها.
وفي مبحث توبة السارق: هل من لازم توبته ضمان المسروق: ذكر استدلال
стр. 491
الحنفية على نفي ذلك بحديث " أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد: أنه لا غرم عليه ". وذكر تعقب الجمهور لهذا الاستدلال. فتعقب هذه المناقشة من وجهين يتضح منهما عدم تسليم التعقب عنه والله أعلم.
ج- وفي مجال الترجيح والاختيار:
بعد الوقوف على الخلاف وأدلته واختيارات ابن القيم في ذلك فإن الأمانة تقضي ألا أرجح إلا ما أعتقده، وأن أقف حيث يقف علمي وإدراكي. وإن موقفي من اختيارات ابن القيم رحمه الله تعالى يتمثل في ثلاث نقاط:
الأولى: موافقتي له في الكثير الغالب من اختياراته.
الثانية: مخالفتي له في بعضها.
الثالثة: التوقف في البعض الآخر.
وأن خلاصة البحث تقتضي بيان النقطتين الأخيرتين ومنهما يتضح بيان ما حصلت موافقته فيه، وذلك على ما يلي:
١- ابن القيم رحمه الله تعالى يرى إقامة حد الزنى بالحبل. وقد ظهر لي عدم إقامة الحد بالحبل وفصلت وجهة نظري في ذلك.
٢- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار قتل الشارب في الرابعة تعزيراً بالنص من السنة. وقد ظهر لي ثبوت نسخ دليل القتل في الرابعة، وأن الصحيح قتله تعزيراً بالرجوع إلى قاعدة: القتل سياسة لمن لا يندفع فساده إلا بقتله لا بموجب النص.
٣- ابن القيم رحمه الله تعالى يختار إقامة الحد على الشارب بالرائحة. وقد ظهر لي عدم إقامته في تحليل مسهب.
стр. 492
٤- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار في توبة السارق ضمان المسروق إن كان له مال وقد ظهر لي ضمانه بكل حال وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.
٥- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار القطع بسرقة ما اعتيد وضعه في المسجد فهو حرز لذلك واستدل بحديث الترس. وقد ظهر لي عدم دلالة الحديث ولم أر
في المسألة ما يفيد الجزم بأحد القولين، وهذا مما أستخير الله فيه.
٦- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار القطع بوجود المسروق في حوزة السارق ودلل عليه بقوله:" لم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المسروق مع المتهم.. ". ولم أزل متطلعاً إلى الوقوف على هذه الأقضية ولم يحصل الوقوف على شيء منها فسبيلي الوقف حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين..
وأختتم هذه الخلاصة المختصرة لمباحث الرسالة بما بدأت به رسالتي هذه من دعاء أمير المؤمنين عمر ﵁، فأقول داعياً:
(اللهم أجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً. ولا تجعل لأحد فيه شيئاً) .
واللهم ارحم ابن القيم رحمة واسعة تبل بها ثراه وترحم بها وحدته وتؤنس بها وحشته، وتدخله بها جنتك، وتجمعنا به فيها: آمين. والله الموفق.