وهي: كفر من أتى ما يوجب رجوعه وردته عن دين الإسلام وتختلف من حيث الشمول لما يتصور وقوعه من المكلف، من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك. فتعريف المالكية: أتى على القول والفعل دون الاعتقاد والشك.
وتعريف الشافعية: اشتمل على القول. والفعل. والاعتقاد. دون الشك. وتعريف الحنابلة: اشتمل على القول. والاعتقاد. والشك. دون الفعل.
وأما تعريف الحنفية: بقولهم (الردّة الرجوع عن الإيمان) .
فينقصه الوضوح والبيان لموجبات الردّة الجامعة من قول أو فعل ونحو ذلك. والتعاريف مبناها على الوضوح والبيان لا على الغموض والإبهام. وإن كان التعريف بعمومه الذي يتضمنه لفظ (الرجوع) يشمل كل موجبات الردَّة، ويكون التعريف بذلك جامعاً لجميع أفراد الردّة. لكن ينبني أن يكون التعريف جامعاً واضحاً. لهذا فإن التعريف الذي أراه مانعاً جامعاً واضحاً هو أن يقال:
(الردّة: هي الإتيان بما يوجب الرجوع عن دين الإسلام من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك) .
стр. 422
مباحِث ابن القيم ﵀ في الردَّة
حصل بالتتبع أن مباحثه فيها كالآتي:
المبحث الأول: في ردّة من سبّ النبي ﷺ .
المبحث الثاني: في ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂.
المبحث الثالث: يا الهازل وردّته.
المبحث الرابع: أثر الإكراه في انتفاء الردّة.
المبحث الخامس: في توبة الزنديق.
والى بيانها على هذا الترتيب.
стр. 423
المبحث الأول:
في ردة من سبّ النبي ﷺ (١)
من قواطع الأحكام في الإسلام أن من سبّ النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل.
وقد حكى ابن القيم (٢) رحمه الله تعالى إجماع المسلمين من الصحابة ﵃ فمن بعدهم.
وهذا إجماع محكي لدى عامة أهل العلم وممن حكاه: الخطابي (٣) وابن تيمية (٤)
بل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شك في كفر ساب النبي ﷺ وعذابه فهو كافر (٦) .
والحكم بردّة ساب النبي ﷺ أمر فطري لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد له، وقد ذكر الله تعالى كفر المستهزئ وهو دون الساب فقال سبحانه (٧) (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . الآية والله أعلم.
стр. 424
المبحث الثاني:
في ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ ؟
من مواطن الإجماع أن من قذف عائشة ﵂ فهو كافر عقوبته القتل، وفي حكاية الإجماع على كفره يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (اتفقت الأمة على كفر قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ .
وقد حكى هذا الإجماع ابن حزم (٢) ، وابن تيمية (٣) والبهوتي (٤) وغيرهم. الحجة في هذا:
والحجة في هذا أن براءتها قد نزلت في كتاب الله تعالى فيكون قادفها مكذباً لنص كتاب الله تعالى كما في آيات براءتها في قصة الإفك إذ قال سبحانه (٥) (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين) .
عقوبته:
وأما عقوبته فهو القتل، لأن من رماها بالقذف فقد خالف صريح القرآن الكريم ومخالفته والحالة هذه كفر، فعقوبته القتل كما قرره مالك وغيره (٦) والله أعلم.
стр. 425
المبحث الثالث:
في الهازل وردته،
تعريف ابن القيم للهازل:
قال رحمه الله تعالى في تعريفه (للهازل) (١) .
(الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) .
ونقيضه الجاد: فاعل من الجدّ بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من (جد فلان) .
إذا عظم واستغنى وصار ذا حظ.
والهزل: من هزل إذا ضعف وضؤل.
نزل الكلام الذي يراد معناه حقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغني. والذي لم يرد معناه وحقيقته: بمنزلة الخالي منِ ذلك.
إذ قوام الكلام بمعناه، وقوام الرجل بحظه وماله.
وابن القيم في هذا التعريف يأتي على معناه الاصطلاحي بقوله:
(الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) .
ولم يذكر رحمه الله تعالى (مخالفة الهازل للمعنى المجازى) لأنه رحمه الله تعالى
стр. 426
لا يرى المجاز في اللغة ولا في الشرع وقد أوسع الكلام في ذلك في كتاب (الصواعق المرسلة) (١) .
وأما مثبتو المجاز فيقولون في حد الهازل:
(هو الذي لا يريد باللفظ معناه لا الحقيقي ولا المجازي) (٢) والله أعلم. كما أتى ابن القيم رحمه الله تعالى على المأخذ اللغوي للفظ (هازل) وهو قوله: (من هزل: إذا ضعف وضؤل) وهذا ما قرره علماء اللغة (٣) والله أعلم. موقف ابن القيم من الهزل في حقوق الله تعالى:
بحث ابن القيم رحمه الله تعالى تصرفات الهازل وعقوده من بيع وشراء ونحوه من حقوق العباد. والهزل فيما هو متضمن لحق الله وحق العبد كالنكاح والطلاق والعتق. والهزل فيما هو محض حق لله تعالى. وقرر رحمه الله تعالى حرمة الاستهزاء والهزل فيما هو محض حق الله تعالى فقال (٤) :
(ليس للعبد أن يهزل مع ربه ولا يستهزئ بآياته، ولا يتلاعب بحدوده وفي حديث أبي موسى (٥) (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته) . وذلك في الهازلين، يعني- والله أعلم- يقولونها لعباً غير ملتزمين لأحكامها وحكمها لازم لهم ...
стр. 427
وحاصل الأمر: أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله تعالى غير جائز، فيكون جد القول وهزله سواء- بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح مع الصحابة ويباسطهم. وأما مع ربّه تعالى فيجد كل الجد.
ولهذا قال للأعرابي يمازحه (من يشتري مني العبد؟ فقال: تجدني رخيصاً يا رسول الله فقال: بل أنت عند الله غال) (١) . وقصد ﷺ أنه عبد الله. والصيغة صيغة استفهام) .
ردة الهازل:
هو ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى في تعريف الهازل. وبيان عدم جواز الهزل
في حقوق الله تعالى.
وهو رحمه الله تعالى لم يبين حكم الهازل وعقوبته وهو معذور في ذلك لأن هذا المبحث استطرادي دعاه إليه الحديث عن (الهازل في العقود) . فما هو إذا حكم الهازل في حقوق الله تعالى. وما هي عقوبته:
من أتى هازلاً ما يوجب ردّته: فهو مرتد وعقوبته القتل. كما قرره غير واحد من أهل العلم (٢) .
الأدلة:
استدلوا بأدلة منها ما يلي:
стр. 428
١- الأصل في هذا قوله تعالى (١) (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآية.
وجه الاستدلال من الآية:
بينه القاضي أبو بكر العربي بقوله (٢) :
(لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً. وهو كيفما كان
كفر فإن الهزل بالكفر: كفر لا خلاف فيه بين الأمة. فإن التحقيق أخو العلم والحق. والهزل أخو الباطل والجهل) .
٢- عموم قوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري (٣) وأبو داوود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث ابن عباس ﵃.
وجه الاستدلال:
هو أن الهازل بما يوجب ردّته مبدل لدينه. والهازل في حقوق الله غير معذور فيكون بهزله بذلك مبدلاً لدينه فيكون مرتداً يجب قتله والحديث بعمومه يتناول المبدل جاداً والمبدل هازلاً والله أعلم.
стр. 429
المبحث الرابع:
أثر الإكراه (١) في انتفاء الردّة.
التلفظ بكلمة الكفر يوجب الحكم بالردّة، لكن في حال الإكراه ينفي وجوب الحكم بردّة المكره، كما قال تعالى (٢) (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرحَ بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) .
وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) :
(لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان) .
ويقول أيضاً في بيان علة انتفاء الحكم عنه (٤) :
(المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه، لكونه غير قاصد له وإنما قصد رفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ) .
وهذا الحكم متفق عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) .
стр. 430
لكن حصل النزاع في الأفضل للمكره، هل هو التكلم بكلمة الكفر أم الصبر ولو أتى ذلك على نفسه، والذي عليه الأكثر: هو أن الأفضل للمكره على كلمة الكفر أن يصبر ولا يقوله ولو أتى ذلك على نفسه (١) . بل حكى ابن حجر رحمه الله تعالى عليه الإجماع (٢) ، واختار رحمه الله تعالى أن المفاضلة بين الصبر للمكره، والتلفظ تختلف باختلاف النفع الظاهر المتعدى فمن كان في مصابرته نفع ظاهر متعد للمسلمين كان الأفضل له الصبر، ومن لم يكن كذلك فالأفضل له التلفظ للإبقاء على نفسه والله أعلم.
المبحث الخامس:
في توبة الزنديق (٣) .
الزنديق أخص من المرتد، فكل زنديق مرتداً، وليس كل مرتد زنديقاً. هذه من مسائل العلم التي اشتهر فيها الخلاف بين الأئمة وقد حكى ابن القيم فيها الخلاف وساق الأدلة، وبيّن الرأي المختار (بأعلام الموقعين) (٤) .
بيان محل الخلاف:
وليعلم قبل الدخول في مناقشة هذه المسألة أن محل الخلاف هو قبول توبتهم في
стр. 431
الدنيا التي يخص بها دينهم تترتب عليها أحكام الإسلام في حقهم أما في الباطن وهو قبول الله تعالى لتوبته فليس هذا محل خلاف.
قال ابن قدامة (١) :
(وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا
من ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم. وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفران الله تعالى لمن تاب وأقلع ظاهراً وباطنا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين (٢) (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظما) . وإذا تبين محل الخلاف فإلى بيان هذا المبحث على ضوء ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.
القول الأول: عدم قبول توبة الزنديق.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً القائلين به (٣) :
(وهذا مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور
من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنص الروايات عنه) .
الأدلة:
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بعدد من وجوه الأدلة على ما يلي:
стр. 432
١- أنه لا سبيل إلى العلم بتوبة الزنديق والحال أنه يظهر الإسلام ويستسر الكفر. فكيف تقبل؟.
وفىِ هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(إنه لا سبيل إلى العلم بها، فإن الزنديق قد علم أنه لم يزل مظهراً للإسلام فلم يتجدد له بإسلامه الثاني حال مخالفة لما كان عليه. بخلاف الكافر الأصلي: فإنه إذا أسلم فقد تجدد له بالإسلام حال لم يكن عليها. والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام.
وأيضاً فالكافر كان لكفره غير مستتر به ولا مخف له. فإذا أسلم تيقنا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفاً من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مخفياً لكفره مستتراً به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مظهراً له غير خائف من إظهاره وإنما رجع خوفاً من القتل) .
٢- قياس الزنديق على المحارب.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(وأيضاً فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم أن تابوا قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم.
ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه.
стр. 433
وهذا بخلاف الكافر الأصلي فإن أمره كان معلوماً، وكان مظهراً لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه وجاهروه بالعداوة والمحاربة) وهذا القياس هو من قياس الأولى وهو مستوف لأركانه وشرائطه:
فقد ذكر المقيس: وهو الزنديق.
وذكر المقيس عليه: وهو المحارب.
وذكر العلة الجامعة: وهي الإفساد في كل منهما.
وذكر الحكم: وهو عدم قبول التوبة.
٣- أن الزنديق محارب لله ورسوله.
قال رحمه الله تعالى (١) :
(وأيضاً فإن من سبّ الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً: فجزاؤه القتل حداً.
والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقاً.
ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ولرسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفساداً فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم لذمي أو على بدنه، ولا تقبل توبته، ولا تأتي بقتل من دأبه الصول على كتاب الله وسنة رسوله والطعن في دينه وتقبل توبته بعد القدرة عليه) . فابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الاستدلال يجعل (الزنديق) واحداً من أفراد (المحاربين) الذين قال الله فيهم (٢) (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا
стр. 434
ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) .
فالزنديق: محارب لله ورسوله ساع في الأرض فساداً على الناس في أديانهم فلا تقبل توبته بعد القدرة عليه والله أعلم.
٤- أن في قبول توبة الزنديق تسليطاً له على دين الله وشرعه والشريعة لا تأتي بهذا فتعين عدم قبولها.
قال رحمه الله تعالى (١) :
(وأيضاً فإن الزنديق هذا دأبه دائماً فلو قبلت توبته لكان تسليطاً له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه ولا سيما وقد علم أنه أمن بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزعه خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله، فلا ينكف عدوانه عن الإسلام إلا بقتله) .
٥- أن قاعدة الشريعة المطردة: العمل بالظاهر حتى يعارضه ما هو أقوى منه، فإذا عارضه ما هو أقوى منه وجب المصير إليه وترك الظاهر. فالزنديق قد أظهر ما يبيح دمه. وما أظهره دليل قوي على إباحة دمه. فإظهاره التوبة بعد القدرة عليه، دليل ضعيف على صدقه لا يقوى على دفع ذلك الظاهر القوى المبيح لدمه.
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الدليل ووجه ضعف المعارضة فقال (٢) :
стр. 435
(وههنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره بالإسلام، لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به، لأنه مقتضى لحقن الدم، والمعارض منتف. فأما الزنديق، فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه، دلالة قطعية ولا ظنية أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن، فلأن الظاهر إنما يكون دليلاً صحيحاً إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن، لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن بخلافه) .
القول الثاني:
وهو قبول توبته فيستتاب فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أصحاب هذا القول (١) :
(وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب. وهو قول الشافعي. وعن أبي يوسف روايتان: أحداهما أنه يستتاب وهي الرواية الأولى عنه) (٢) .
الأدلة:
لم يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة هذا القول. والظاهر أنه رغب عن ذلك لأنه لم يورد دليلاً مقنعاً في الدلالة لما ذهبوا إليه.
وقد تتبعت ذكر أدلة هذا القول، فرأيت أن جماعة من أهل العلم منهم ابن
стр. 436
قدامة (١) وابن حجر (٢) يجمعون بين الأدلة في خصوص الزنديق وبين الأدلة في عموم المرتد.
لهذا فإني لا أذكر هنا إلا ما يمكن الاستدلال به في خصوص الزنديق أو دخوله
في دلالته. ومنها ما يلي:
١- ما حكاه الحافظ ابن حجر (٣) من (الإجماع على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر) .
أي فإن الزنديق إذا استتيب فتاب تقبل توبته ويحقن دمه بها إجراء للحكم على الظاهر منه وهو: الرجوع إلى الإسلام.
مناقشة هذا الاستدلال:
للمانع أن يقول: نسلم أن أحكام الدنيا تجري على الظواهر: لكن هذا إذا لم يعارض الظاهر ما هو أقوى منه. وإظهاره التوبة بعد القدرة عليه لا يقاوم إظهاره ما أباح دمه من الكفر والفساد والتكذيب بالدين واستهانته به بما أظهره من الزندقة. بل هذا هو الظاهر وهو دليل قوى فلا يمكن إلغاءه بإعمال إظهاره التوبة وهو دليل ضعيف.
فاستدلال المانع إذا بظاهر زندقته أقوى كما تقدم نقله في أدلتهم من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 437
٢- قوله تعالى عن المنافقين (١) (اتخذوا أيمانهم جنة) الآية.
وجه الاستدلال:
قال ابن حجر (٢) :
(من حجة من استتابهم هذه الآية، على قول أن إظهار الإيمان يحصن من القتل) .
والزنديق يجتمع مع المنافق في استسرار الكفر وإظهار الإسلام وقد صارت الأيمان جنة أي سترة لهم عن القتل مع كفر قلوبهم. فتكون التوبة نافعة إذا لحقن دم الزنديق.
مناقشة هذا الاستدلال:
من إفادات شيخ الإسلام ابن تيمية التي قذف بها موج بحره الزخار في كتابه (الصارم المسلول) (٣) أنه قرر أن آية المجادلة ونظائرها (٤) تدل على النقيض من ذلك فهي تدل على قتل المنافق إذا ثبت نفاقه بلا استتابة فقال (٥) :
(دلت هذه الآيات على أن المنافقين كانوا يرضون المؤمنين بالأيمان الكاذبة وينكرون أنهم كفروا، ويحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر) .
وذلك دليل على أنهم يقتلون إذا ثبت ذلك عليهم بالبينة لوجوه:
стр. 438
أحدها: أنهم لو كانوا إذا أظهروا التوبة قبل ذلك منهم لم يحتاجوا الى الحلف والإنكار ولكانوا يقولون: قلنا، وقد تبنا. فعلم أنهم كانوا يخافون إذا ظهر ذلك عليهم أنهم يعاقبون من غير استتابة.
الثاني: أنه قال تعالى (اتخذوا أيمانهم جنة) واليمين إنما تكون جنة إذا لم تأت بينة عادلة تكذبها، فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة، فجاز قتلهم ولا يمكنه أن يجتن بعد ذلك إلا بجنة من جنس الأولى وتلك جنة مخروقة.
الثالث: أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دمائهم الكذب والإنكار، ومعلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم بينة بخلافه ولذلك لم يقتلهم النبي ﷺ .
القول الثالث:
التفصيل هو: أنه أن تاب قبل القدرة عليه فتقبل توبته ويحقن دمه. وأما بعد القدرة عليه فلا يستتاب بل يقتل من غير استتابة وإن تاب بعد القدرة عليه فلا تحقن دمه.
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو الرواية الثانية عن أبي يوسف والرواية الثالثة عن الإمام أحمد (١) . وحكاه الحافظ عن مالك وبعض الشافعية (٢) .
الاستدلال (٣) :
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى على أن توبة الزنديق لا تحقن دمه بقوله تعالى (٤)
стр. 439
(قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) .
وجه الاستدلال:
ثم بيّن وجه الاستدلال من الآية فقال (١) :
(قال السلف في هذه الآية: (أو بأيدينا) بالقتل أن أظهرتم ما في قلوبكم. وهو كما قالوا: لأن العذاب على ما يبطنوه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل. فلو قبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم، لم يكن للمؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة: أن يصيبهم الله بأيديهم، لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قط.
والأدلة على ذلك كثيرة جداً (٢) . وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنعين علينا بخلافها، وبالله التوفيق) (٣) .
اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:
اختار ابن القيم رحمه الله تعالى القول الثالث: وهو القول بالتفصيل فقال (٤) : (نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه، لم يقتل، كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات عنه. وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة) .
стр. 440
وقفة وتأمل:
ظاهر ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى للخلاف على هذه الأقوال الثلاثة أن أرباب القول الأول لا يقولون: بقبول توبة الزنديق إذا جاء تائباً من تلقاء نفسه قبل القدرة عليه.
وظاهر سياق ابن القيم لأدلة القول الأول: أنهم يقولون بهذا التفصيل فإنه في معرض سياقه لأدلتهم يذكر تعليق عدم قبول التوبة في حال: بعد القدرة عليه بل يقول في معرض الاستدلال لهم (١) :
(ولهذا لو جاء- يعني الزنديق- من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله) .
وإضافة إلى هذا فإن كتب الخلافيات لم يذكر أربابها أن أصحاب القول الأول: لا يقبلون توبة الزنديق إذا تاب قبل القدرة عليه. وإنما يحكون الخلاف في (استتابته بعد القدرة عليه) . وقد استقصى الحافظ بن حجر الخلاف في المسألة ولم يذكر ذلك عن أي من المخالفين (٢) .
لهذا فإن القول الأول والثالث كما يلتقيان في عدم قبول توبة الزنديق بعد القدرة عليه فالظاهر أيضاً التقائهما في قبول توبته قبل القدرة عليه والأدلة المسوقة للرأي الأول تؤيد هذا وتنصره.
هذا ما ظهر لي بعد التأمل، وأستغفر الله من تحميل آراء الأئمة ما لا تحتمله وعذري إن أخطأت أني بذلت الوسع وهذا منتهى ما توصلت إليه في التحري والله أعلم.
стр. 441
باب التعزير
стр. 442
تعريف التعزير في اللسانين اللغة والشرع:
لغة: مصدر، عزره، بفتحات ثلاث، مخففاً، يعزره عزراً أو تعزيراً (١) وأصله مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع هذا أصل معناه في اللغة كما قرره غير واحد منهم (٣) .
وقالوا أيضاً: أنه من أسماء الأضداد (٣) :
فالتعزير: النصرة والتعظيم ومنه قوله تعالى (٤) (وآمنتم برسلي وعزرتموهم)
الآية. وقوله (وتعزروه) (٥) .
والتعزير: التأديب.
стр. 443
لكن الراغب الأصفهاني بين أن المعنى الثاني وهو (التأديب) يؤول للمعنى الأول وهو (النصرة والتعظيم) (١) .
تنبيه:
قد ذكر غير واحد من أهل اللغة أن من معاني التعزير بمعنى التأديب لغة. إطلاقه لغة على (الضرب بما دون الحد المقدر) (٢) .
لكن الرملي من علماء الشافعية تعقب ذلك مبيناً أن هذا وضع شرعي لا لغوي تجمعهما حقيقة التأديب لغة، ويفترقان في القيد الشرعي وهو قولهم (بما دون الحد المقدر) ، لأنه قبل ورود الشرع ليس ثمت حدود مقدرة فقال رحمه الله تعالى مشيراً إلى رد هذا الإطلاق لغة (٣) :
(والظاهر أن هذا الأخير غلط، إذ هو وضع شرعي لا لغوي لأنه لم يعرف إلا
من جهة الشرع فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله والذي في (الصحاح) بعد تفسيره بالضرب: ومنه سمى ضرب ما دون الحد تعزيراً، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد: هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة، والزكاة ونحوهما، المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها. بزيادة) .
ولقوة هذا التوجيه والتعقب من الرملي رأيت سياقه حتى لا يغتر الناظر بما قاله أهل اللغة في ذلك والله أعلم.
стр. 444
التعزير شرعاً:
تختلف كلمة أهل الاصطلاح في تعريفه على وجوه منها ما يلي:
الحنفية:
قال الجرجاني (١) ، وابن الهمام (٢) :
(التعزير: هو تأديب دون الحد) .
المالكية:
أما المالكية فلم أر لهم تعريفاً للتعزير، لأنهم لا يعقدون للتعزير باباً ولا فصلا مستقلا بل يدرجون أحكامه في أخريات (باب الشرب) مع أحكام الصيال، والضمان ونحو ذلك.
لكن نستطيع أن نأخذ تعريفهم له من بيانهم لمواضع التعزير على ما ذكره خليل (٣) ، وابن عرفة (٤) ، فيقال:
(التعزير: هو التأديب لحق الله أو لآدمي غير موجب للحد) .
الشافعية:
قال الماوردي (٥) ، وعنه نقل النووي (٦) :
стр. 445
(التعزير: هو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود) .
وقال الرملي (١) :
(التعزير: هو التأديب في كل معصية لله أو لآدمي لا حد لها ولا كفارة) . الحنابلة:
اختلفت كلمة الحنابلة في حد التعزير على وجوه منها ما يلي:
الأول: مثل تعريفه لدى الحنفية سواء (٢) .
الثاني: تعريفه بمطلق التأديب. قال البهوتي (٣) :
(التعزير اصطلاحاً: هو التأديب) .
الثالث: نحو تعريف الماوردي لدى الشافعية، وفيه يقول ابن قدامة (٤) : (التعزير: هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها) .
الرابع: تعريف المجد ابن تيمية إذ يقول (٥) :
(التعزير: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .
مناقشة هذه التعريفات:
هذه جملة من التعريفات للتعزير لدى نقلة المذاهب المشهورة والمتأمل فيها يرى ما يلي:
اتفاق هذه التعاريف في الفصل الأول من التعريف وهو (التأديب) . وهذا
стр. 446
الفصل هو حقيقة لغوية للتعزير، فصارت هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية.
لكن هذه الحقيقة في الشرع لا تتم إلا بزيادة قيد، وهذا القيد هو محل الخلاف
في تعاريف أهل الاصطلاح:
فنجد الحنفية والبعلي من الحنابلة يوردون القيد على (ذات التأديب) فيقولون (التعزير تأديب دون الحد) أي أن التأديب لا يبلغ به مقدار العقوبة الحدية، المقدرة.
ونجد بقية التعاريف تورد القيد على موضع التعزير ومحله وموجبه ولا يعتبرون ذات التأديب في تعاريفهم. وهم في هذا القيد مختلفون على ما يلي: فالمالكية وبعض الشافعية كالماوردى وبعض الحنابلة كابن قدامة يقيدون محل التأديب وموضوعه بأن يكون في (معصية لا حد فيها) .
ويزيد الرملي من الشافعية والمجد من الحنابلة تقييد محل التأديب من أن يكون
في (معصية لا حد فيها ولا كفارة) بزيادة (ولا كفارة) .
وهذا التقييد وإن لم يكن مصرحاً به في التعريف لدى الحنفية وبعض الحنابلة فهو معتبر عندهم إذ أن تعاريفهم في أحكام التعزير تقتضيه..
التعريف الجامع المانع:
فنخلص من هذه التعاريف والمناقشة لها أن نقول أن: الفصل الأول من التعريف وهو (التأديب) محل اتفاق لدى الجميع في التعريف.
والفصل الثاني وهو قولهم (في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) ينبغي أن يكون محل اتفاق أيضاً.
стр. 447
فيكون التعريف المتفق عليه أن يقال:
(التعزير هو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .
يبقى قولهم (فيما دون الحد) هل يضاف إلى التعريف فيقال:
(التعزير هو: التأديب فيما دون الحد في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) . وكون التعزير يبلغ به الحد المقدر أو لا يكون إلا دونه محل خلاف بين العلماء. وقد ناقشه ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يأتي من بحوثه في التعزير إن شاء الله تعالى. والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا من باب الشروط في التعزير لا من باب التعاريف والشروط لا دخل لها في التعاريف فيكون التعريف المختار كالآتي: (التعزير هو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) . والله أعلم.
تعريف ابن القيم للتعزير:
إن هذه النتيجة التي حصل التوصل إليها في تعريف التعزير نستطيع أن نقول هي التعريف المختار لدى إمامنا ابن القيم رحمه الله تعالى. وذلك من بيانه لموضع التعزير ومحله إذ يقول (١) :
(التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .
وقد عرفنا أن كون التعزير تأديباً هو محل اتفاق فيكون تعريفه لدى ابن القيم إذاً:
(وهو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) والله أعلم.
وقد تقدم في مقدمة (كتاب الحدود) ما يزيد هذا إيضاحاً من كلام ابن القيم
في بيانه لأنواع المعاصي وعقوباتها والله أعلم.
стр. 448
مباحث ابن القيم في التعزير
تحصل بالتتبع أن ابن القيم رحمه الله تعالى أتى على جلّ مباحث التعزير الرئيسية، وناقش الكثير من قضاياه، ونستطيع تصنيف مباحثه فيها على ما يلي:
المبحث الأول: في مقدار التعزير.
المبحث الثاني: في أنواع العقوبات التعزيرية.
стр. 449
المبحث الأول
في مقدار التعزير (١)
يتكون البحث عن مقدار التعزير في فرعين:
الفرع الأول: في أقل التعزير.
الفرع الثاني: في أكثر التعزير.
وقد تكلم ابن القيم عن مقدار التعزير في فرعيه المذكورين وبيان ذلك على ما يلي:
الفرع الأول: في أقل التعزير.
يقرر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ليس لأقل التعزير حداً مقدراً ولم يحك في ذلك خلافاً وفي هذا يقول (٢) :
(ليس لأقله- أي التعزير- حد مقدر) .
وابن القيم رحمه الله تعالى قد تابع الإمام ابن قدامة في هذا إذ ذكر ذلك ولم يحك خلافاً وعلله بقوله (٣) :
(لأنه لو تقدر لكان حداً) .
стр. 450
خلاف القدوري (١) من الحنفية:
لكن قد وجد خلاف في ذلك للقدوري من الحنفية إذ قدر أدنى التعزير بثلاث جلدات. كما ذكر ذلك صاحب (الهداية) معللاً له فيقول (٢) :
(ثم قدر الأدنى- في الكتاب (٣) - بثلاث جلدات، لأن ما دونها لا يقع به الزجر) .
الترجيح:
والذي يظهر والله أعلم- هو عدم التقدير لأقل التعزير كما حكاه الحافظ ابن القيم من غير خلاف لأن التقدير لا يكون إلا بنص من الشارع يجب المصير إليه، ولا نص على التعزير لأقله، فيبقى على التفويض بحسب ما يراه الحاكم زاجراً ورادعاً والله أعلم.
الفرع الثاني: في أكثر التعزير.
حكى ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في أكثر التعزير على أربعة أقوال ودلل على قولين منها، واختلف اختياره رحمه الله تعالى. وبيان ذلك على ما يلي: القول الأول: أنه لا حد لأكثر التعزير بل هو مفوض إلى رأي الحاكم حسب المصلحة.
стр. 451
وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(أحدهما - أي أحد الأقوال- أنه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة فيجتهد فيه ولي الأمر) .
وابن القيم رحمه الله تعالى لم يذكر القائلين لهذا: وهو المعتمد من مذهب مالك (٢) والوجه المقدم من مذهب الشافعي (٣) . واختاره أبو يوسف من الحنفية (٤) . وشيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة (٥) .
أدلته:
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بما وسعه من ذكر جملة وافرة من أقضية النبي ﷺ في التعزير، ثم أقضية الصحابة ﵃ حيث تنوعوا في التعازير حسب المصلحة فقال رحمه الله تعالى (٦) :
(إن الشارع ينوع فيها - أي في التعزيرات- بحسب المصلحة) :
فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة (٧) .
وعزم ﷺ على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا
стр. 452
ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية (١) .
وعزر ﷺ بحرمان النصيب المستحق من السلب (٢) .
وأخبر ﷺ عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله (٣) .
وعزر ﷺ بالعقوبات المالية في عدة مواضع (٤) :
وعزر ﷺ من مثل بعبده، بإخراجه عنه وعتقه عليه (٥) .
وعزر ﷺ بتضعيف الغرم على السارق لما لا قطع فيه (٦) .
وكاتم الضالة (٧) .
وعزر ﷺ بالهجر ومنع قربان النساء (٨) .
وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده:
فكان عمر ﵁ يحلق الرأس (٩) ، وينفي (١٠) ، ويضرب (١١) ، ويحرق حوانيت الخمارين (١٢) ، والقرية التي يباع فيها الخمر.
وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية) .
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ودلالة هذه الأدلة واضحة على ما استدل بها عليه من أن التعزير لا يتحدد أكثره بقدر معين بل حسبما يراه الإمام أدعى لتحقيق المصلحة، ونفي المفسدة فإن
стр. 453
فيها ما جاوز الحد كالقتل للشارب في الرابعة، وفيها ما ليس من جنس الحد كالنفي للشارب، وحلق رأسه، وفي هذا التنوع دلالة ظاهرة على هذا القول والله أعلم.
القول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد المقدر فيها.
وابن القيم رحمه الله تعالى يحكي هذا القول مبيناً القائل به مقرراً اختياره فيقول (١) :
(الثاني- وهو أحسنها- أنه لا يبلغ في التعزير في معصية قدر الحد فيها فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة: حد الزنى، ولا على السرقة من غير حرز: حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف: حد القذف.
وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي (٢) وأحمد) .
وابن القيم يعزو هذا القول لطائفة من أصحابه أحمد، وهو في الواقع: رواية عن الإمام أحمد رحمه- الله تعالى كما حكاها: ابن هبيرة (٣) وابن قدامة (٤) وابن الهمام (٥) والله أعلم.
دليله:
ساق ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول واستحسنه ولكنه لم يذكر أدلته وعمدة استدلال أرباب هذا القول ما يلي:
стр. 454
هو: حديث النعمان بن بشير ﵁ في الرجل الذي رفع إليه وقد وقع على جارية امرأته فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ ، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له فجلدوه مائة (١) .
وجه الاستدلال:
استدل ابن قدامة رحمه الله تعالى بهذا الحديث لهذا القول ثم قال في وجه
الاستدلال (٢) :
(وهذا تعزير، لأنه في حق المحصن وحده إنما هو الرجم) .
فهذا المواقع للجارية كان محصناً وحد المحصن الرجم فلما وجدت الشبهة الدارئة للحد جلده النعمان ﵁ مائة جلدة تعزيراً، فلم يبلغ بالتعزير قدر الحد في المحصن وقد ذكر أن هذا هو قضاء رسول الله ﷺ . فكان في هذا دلالة على أن التعزير في عقوبة في جنسها حد مقدر لا يبلغ بها الحد المقدر والله أعلم.
مناقشة هذا الدليل:
وقد تقدمت (٣) مناقشة هذا الحديث من ناحية إسناده، وأن الحفاظ قد حكموا باضطرابه فما لم يصح سنده لا يسلم الاستدلال به.
وعلى فرض ثبوته: فإن هذه واقعة عين يختص حكمها بمن وقع على جارية امرأته فلا تفيد العموم كما قرره القاضي أبو يعلى من الحنابلة واستحسنه العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى (٤) .
стр. 455
القول الثالث: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود.
وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(والقول الثالث: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود، إما أربعين وإما ثمانين وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة) .
التفصيل في هذا القول:
يختلف القائلون به لاختلاف أدنى الحدود بين الأحرار والعبيد، وهل الاعتبار بأدنى الحدود في الأحرار أم العبيد، وتفصيل مذاهبهم في هذا على ما يلي:
أ- فعند أبي حنيفة ومحمد، أن أكثره تسعة وثلاثون سوطاً، لأن أدنى الحدود حد الرقيق، وحده أربعون جلدة في القذف وأربعون في الخمر على النصف من الحر فيهما (٢) .
ب- وعند أبي يوسف من الحنفية: أن أكثره خمسة وسبعون سوطاً، لأن أقل الحد في الأحرار ثمانون، والحرية هي الأصل فصار الاعتبار به (٣) .
ج- وعند زفر من الحنفية وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً وحكى مذهباً لمالك: أن أكثره تسعة وسبعون سوطاً، لأن أقل الحد في الأحرار ثمانون والحرية هي الأصل (٤) .
د- وعند بعض الشافعية يجب النقص في أكثره عن عشرين جلدة، لأن حد
стр. 456
الحر في الخمر، أربعون، والعبد على النصف، وما فيه التعزير لا يبلغ به
الحد، والعشرون حد فلا يبلغ بالتعزير عشرين جلدة (١) .
هـ- وعند بعض الشافعية أيضاً: يجب النقص في أكثره عن عشرين في حق عبد وعن أربعين جلدة في حق حر (٢) والله أعلم.
دليله (٣) :
استدل أصحاب هذا القول على اختلاف وجهات نظرهم في أدنى الحدود بحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال (من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين) . رواه البيهقي (٤) .
وجه الاستدلال:
هو أن الوعيد في هذا الحديث يفيد المنع من الزيادة على الحد المقدر، فلا يبلغ بالتعزير حداً مقدراً. وقد جاء لفظ (حد) منكراً فيتناول أي حد من الحدود ولهذا صار اختلاف القائلين بهذا على الوجوه المتقدمة والله أعلم.
مناقشة هذا الدليل:
وهذا الدليل مناقش بالمطالبة بثبوته إذ الاستدلال فرع الثبوت وقد حصل بالتتبع أن المحفوظ من هذا الحديث إرساله وأما رفعه فلا يثبت كما نص على ذلك الحافظ البيهقي فانه قال بعد روايته (٥) :
стр. 457
(والمحفوظ في هذا الحديث أنه مرسل) .
ثم ذكر إرساله من الضحاك (١) إلى النبي ﷺ .
ولهذا قرر المحدثون ضعفه: منهم السيوطي (٢) ، والمناوي (٣) ، والألباني (٤) وعليه فلا يتم الاستدلال به لضعفه والله أعلم.
القول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط.
وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) :
(والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال
في مذهب أحمد وغيره) .
وهو المختار لدى جماعة من الشافعية (٦) ، واختاره الشوكاني (٧) ، والصنعاني (٨) .
دليله
عمدة الاستدلال لهذا القول: حديث أبي بردة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) رواه
стр. 458
البخاري (١) ، ومسلم (٢) ، وغيرهما (٣) .
وجه الاستدلال:
أن هذا الحديث ورد بصيغة الحصر التي يمثلها النفي والاستثناء وهذه من أبلغ صيغ الحصر، فهو نص في محل النزاع: على أنه لا عقوبة فوق عشر جلدات إلا فيما ورد فيه من الشارع عقوبة مقدرة كالخمر والقذف ونحوهما لقوله ﷺ في هذا الحديث (إلا في حد من حدود الله) ، أما ما لم يرد فيه من الشارع عقوبة مقدرة فإن العقوبة تكون فيه تعزيراً وهذا التعزير لا يتجاوز عشر جلدات والله أعلم.
مسالك العلماء في الجواب عن هذا الحديث:
إن شدة الخلاف في هذا المبحث تدور على دلالة هذا الحديث على هذا القول سلباً أو إيجاباً، وقد تنوعت مواقف العلماء المخالفين لهذا القول- للجواب عن هذا الحديث على عدة وجوه، وقد سلك ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب عن هذا الحديث مسلكاً جديداً تابع فيه شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى وجرت حوله أبحاث ومناقشات. وإلى بيان أبرز هذه المسالك في الجواب عن هذا الحديث على ما يلي:
المسلك الأول: دعوى النسخ (٤) .
ذهب جماعة من الحنفية والشافعية إلى أن هذا الحديث منسوخ.
стр. 459
دليل النسخ:
ودليل النسخ عندهم: هو إجماع الصحابة ﵃ على العمل على خلافه من غير نكير.
تعقب هذا المسلك:
وهو نقضه من حيث دعوى النسخ بالإجماع فإن الإجماع لا ينسخ السنة، لكن الإجماع إذا ثبت صار دليلاً على نص ناسخ قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلاً على نص ناسخ) .
وقال الحافظ ابن حجر معقباً لدعوى نسخه بالإجماع (٢) :
(نعم لو ثبت الإجماع لدل على أن هناك ناسخاً) .
المسلك الثاني: قصر الحديث على التعزير بالجلد، وأما الضرب بالعصا مثلاً فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا مسلك الإصطخري من الشافعية (٣) كما حكاه الحافظ ابن حجر (٤) .
تعقب هذا المسلك:
وتعقب الحافظ ابن حجر بالرواية الواردة في الضرب بلفظ (لا يضرب.... الحديث) (٥) فقال (وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب) .
стр. 460
وهذه الرواية في صحيح البخاري عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال (لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله) (١) .
المسلك الثالث: مسلك ابن القيم رحمه الله تعالى.
وهو حمل الحديث على التأديب الصادر من غير الولاة في غير معصية كتأديب
الأب ولده ونحو ذلك، إذ المراد بحدود الله في الحديث (حقوق الله) كما تقدم هذا مبسوطاً (٢) .
وابن القيم في هذا قد تابع شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
تعقب ابن دقيق العيد (٣) لهذا المسلك:
والإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى قد تعقب عصريه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا التأويل للحديث، بأن هذا التأويل فيه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه وأورد عليه بقوله (٤) : (ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به، لأن ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمحرم، وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى) .
موقف الحافظ ابن حجر:
والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لإيراد ابن دقيق العيد على رأى