← Адаб

Адаб · id 10501

البخلاء للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (304 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أتجافى «١» عنه. فأما أن أدع شيئا يطمع في فضول «٢» ما يبقى على الغرماء «٣» ، فهذا ما لا يجوز» . فقاموا وقالوا بأجمعهم: «لا والله لا سألناك عن مشكلة» . حدّثني أحمد المكي- أخو محمد المكي- وكان متصلا بأبي سعيد، بسبب العينة، وبسبب صنعة المال، ولأعاجيب أبي سعيد وحديثه. قال أحمد: قلت له مرّة: «والله إنك لكثير المال، وإنك لتعرف ما نجهل، وإن قميصك وسخ، فلم لا تأمر بغسله» ؟ قال: «فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف، كيف كان قولك لي؟ إني قد فكرت في هذا منذ ستّة أشهر، فما وضح لي بعد وجه الأمر فيه. أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد. والثوب إذا ترادفه العرق «٤» ، وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد «٥» ، أكل السلك وأحرق الغزل. هذا مع نتن ريحه وقبح منظره. وبعد، فإني رجل آتي أبواب الغرماء، وغلمان غرمائي جبابرة، فما ظنّك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة «٦» وحال حداد «٧» ؟ جبهوا مرة «٨» ، وحجبوا مرة. فيرجع ذلك علينا بمضرّة من إصلاح المال، وأن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه، مع ما يدخل من الغيظ، ويلقى من كان كذلك من المكروه. فاذا اجتمعت هذه الخواطر، هممت بغسلها. فإذا هممت به عارضني

стр. 177

معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل، فقال: أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون. والجارية إذا ازدادت عناء، ازدادت أكلا. والصابون نورة «١» ، والنورة تأكل الثوب وتبلي الخزّ «٢» ، ولا يزال الثوب على خطر حتى يسلم الى القصر والدق. ثم إذا ألقى على الرّسن «٣» ، فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق «٤» . ولا بد من الجلوس يومئذ في البيت. ومتى جلست في البيت، فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات. والثياب لا بد لها من دقّ، فإنّ نحن دققناها في المنزل قطعناها، وإن نحن أسلمناها الى القصار «٥» فغرم على غرم، وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشدّ. وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء «٦» ، وادّعوا عليّ الأمراض والأحداث، وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم. فإذا أنا لبستها، وقد ابيضّت وحسنت وجفّت وطابت، تبيّنت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري، وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض، ففرّقته، فاستبان لي ما لم يكن يستبين، واكترثت لما لم أكن أكترث له. فيصير ذلك مدعاة «٧» الى دخول الحمّام. فإن دخلته فغرم ثقيل، مع المخاطرة بالثياب، ولي امرأة جميلة شابة، إذا رأتني قد اطليت «٨» وغسلت رأسي وبيّضت ثوبي، عارضتني بالتطيّب وبلبس أحسن ثيابها، وتعرضت لي، وأنا فحل، والفحل إذا هاج لم يرد رأسه شيء. فإذا أردت مواقعتها، ورأت حرصي نثرت عليّ الحوائج نثرا. ثم احتجنا إلى تسخين

стр. 178

الماء. وأشد من هذا كله أن تعلق، فتحتاج إلى ظئر «١» ، فنقع في ما لا غاية له. مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد، وبعضها أنا. وكان أبو سعيد هذا، مع بخله، أشدّ الناس نفسا وأحماهم أنفا «٢» . بلغ من أمره ذلك ومن بلوغه فيه، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار، وقد حلّ عليه المال. فكان ربما أطال عنده الجلوس. ويحضر عنده الغذاء فيتغدّى معه، وهو في ذلك يقتضيه. فلما طال عليه المطل، قال له يوما، وهو على خوانه:» إن لهذا المال زكاة مؤداة. وقد علمنا أنّا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا، أنه معرّض للذهاب، وللمنازعة الطويلة، ولأن يقع في الميراث، ثم رضينا منك بالربح اليسير، بالذي ظنناه بك من حسن القضاء، ولولا ذلك لم نرض بهذا المال «٣» . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة، فرفّهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين، ثم مكث عندي، إلى أن أصبت له مثلك، شهرا أو شهرين، محق فضله، وخرج علينا فضل. ومثلك يكتفي بالقليل وقد طال اقتضائي وطال تغافلك» . يقول هذا الكلام، وهو في ذلك لا يقطع الأكل. فأقبل عليه رجل من ثقيف، فعرّض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء. فقطع الأكل، ثم نزا «٤» في وجهه الدم، ونظر إليه نظر الجمل الصؤول «٥» ، ثم كاد يطير «٦» ، ثم أقبل عليه فقال: «لا أمّ لك! أنا إنما

стр. 179

اصطبغت من دنّ خلّ «١» حتى فني من حسن العقل، وأحببت الغنى بغضي للفقر، وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذلّ. تعرّض لي لا أمّ لك بأني أرغب في غدائه؟ والله ما أكلت معه إلا ليستحيي من حرمة المؤاكلة، وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة «٢» » . ثم نهض بالصك «٣» ، وعليه طينته، فاعترض بها الحائط حتى كسرها. ثم تفل في الكتاب وحكّ بعضه ببعض، ثم مزّقه ورمى به. ثم قال لكلّ من شهد المجلس: «هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا على أني قد قبضت منه، وأنه بريء من كل شيء أطالبه به، ثم نهض. فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: «ما دعاك إلى هذا الكلام؟ لم تقوله لهذا الرجل على مائدتي، وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه؟ وبعد، فقد والله أردت مطله الى أن أبيع الثمر، ورجونا حلاوته. فقد أحسنت إليه، وأسأت إلينا وعجّلت عليه ماله. اذهب يا غلام، فاضرب بذلك الثمر السوق «٤» ، فبعه بما بلغ، فيأخذ ماله كملا «٥» » . ثم ركب إليه، فأبى أن يأخذه، فلما كثر الأمر في ذلك قال: «أظن الذي دعا صاحبك الى ما قال إنه عربيّ وأنا مولى «٦» . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه» . فجمع الثقفي كل شعوبيّ «٧» بالبصرة حتى طلبوا إليه «٨» أخذ المال.

стр. 180

وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من دون السكان، وتلقيها على كساحتهم «١» . فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل «٢» ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذ. «٣» وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف «٤» ، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز «٥» وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين «٦» . وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير «٧» الجدد: وما كان من اشكنج «٨» فهو مجموع للبناء، ثم يحرّك ويثار ويخلّل، حتى يجتمع

стр. 181

قماشه «١» ، ثم يعزل للتنور. وما كان من قطع القار «٢» ، بيع من القيّار. فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه، لم يتكلّف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا عليه، فإذا ابتلّ ضربه لبنا. وكان يقول: من لم يتعرف الاقتصاد تعرّفي، فلا يتعرّض له. وذهب من ساكن له شيء، كبعض ما يسرق من البيوت. فقال لهم: اطرحوا الليلة ترابا، فعسى أن يندم من أخذه، فيلقيه في التراب، ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان، لكثرة من يجيء لذلك. فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب. وكانوا يطرحونه على كناسته، فرآه قبل أن يراه المسروق منه. فأخذ منه كراء الكساحة. فهذا حديث أبي سعيد. الأصمعي: تمشّى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته، لخسران كان ناله. وسأله حسن النظر والحطيطة «٣» . فقال الأصمعي: «أسمعتم بالقسمة الضيزى «٤» ؟ هي والله ما تريدون شيخكم عليه. اشترى مني على أن يكون الخسران عليّ، والربح له. هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس «٥» . اذهبوا فاشتروا عليّ طعام العراق على هذا الشرط؛ على أني

стр. 182

والله ما أدري أصادق هو أم كاذب. وهاهنا واحدة، وهي لكم دوني، ولا بدّ من أن أحتمل لكم، إذ لم تحتملوا لي: والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه وتوجبون رفده «١» . لو كنت أوجب له مثل ما توجبون، لقد كنت أغنيته عنكم. وأنا لا أعرفه ولا يضربني بحق «٢» ، فهلمّوا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسويّة. هذا حسن ممّن احتمل حقا لا يجب عليه، في رضى من يجب ذلك عليه» . فقاموا ولم يعودوا؛ فخرج إليه التاجر من حقه، وأيس «٣» مما قبله. حديث جعفر عن أبي عيينة: حدّثني جعفر ابن أخت واصل، قال: قلت لأبي عيينة «٤» : قد أحسن الذي سأل إمرأته عن اللحم، فقالت أكله السنّور «٥» ، فوزن السنور، ثم قال: «هذا اللحم فأين السنّور» ؟ قال: «كأنك تعرّض بي» . قال؛ قلت: «إنك والله أهل ذلك. شيخ قد قارب المائة، وغلته فاضلة «٦» ، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، والعلم لذّته وصناعته، ثم يرقى إلى جوف منزله. وأنت رجل لك في البستان، ورجل في أصحاب الفسيل «٧» ، ورجل في السوق،

стр. 183

ورجل في الكلّاء «١» . تطلب من هذا وقر «٢» جصّ «٣» ، ومن هزا وقر آجرّ، ومن هذا قطعة ساج «٤» ، ومن هذا هكذا. ما هذا الحرص؟ وما هذا الكدّ؟ وما هذا الشغل؟ لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون؟ ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار» . قال: «كم أجمجم؛ بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة عنها، فقيل لك أكلها السنّور، فرميت بباقي القطعة قدّام السنّور، لتمتحن صدقهم من كذبهم، فلما لم يأكله، غرّمتهم ثمن البطّيخة كما هي. قالوا لك كان الليل، فإن لا تكن التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت اليه بالقطعة وهو شبعان منه. فأنظرنا «٥» ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه. فأبيت إلا إغرامهم» . قال: «ويلك إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض الفساد. وقد قال زياد في خطبته «٦» : «والله إنّي ما أصل منكم الى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا» . وأما ما لمتني عليه آنفا فإنما ذهبت الى قوله: «لو أن في يدي فسيلة، ثم قيل لي إن القيامة تقوم الساعة، لبادرتها فغرستها» . وقد قال أبو الدرداء «٧» في وجعه الذي

стр. 184

مات فيه: «زوّجوني، فإني أكره أن ألقى الله عزبا» «١» . والعرب تقول: «من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء» . قال مكرز «٢» : «العجز فراش وطيء، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور «٣» » . وقال عبد الله بن وهب «٤» : «حبّ الهوينا يكسب النصب «٥» » . وقال عمر بن الخطّاب ﵁: «إياكم والراحة، فإنها عقلة «٦» » وقال: «لو أن الصبر والشكر بعيران، ما باليت أيهما أركب» . وقال: «تمعددوا واخشوشنوا «٧» » ، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا «٨» » . وقال لعمرو بن معدي كرب «٩» ، حين شكا إليه الحقاء «١٠» : «كذبت عليك الظهائر» «١١» ، وقال: «احتفوا، فانكم لا تدرون متى تكون الجفلة «١٢» » . وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة» . وقال

стр. 185

لسعيد بن حاتم: «احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي» . وقال: «أحذّركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل» . وقال أكثم بن صيفي «١» : «ما أحبّ أني مكفّي كل أمر الدنيا» . قالوا: «وإن أسمنت وألبنت «٢» » ؟ قال: «نعم أكره عادة العجز» . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟! طرائف شتى وتغدّى محمد بن الأشعث «٣» عند يحيى بن خالد، فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن، وفضل ما بين الانفاق وزيت الماء «٤» . فقال محمد: «عندي زيت لم ير الناس مثله» . قال يحيى: «لا يؤتى منه بشيء» ؟ فدعا محمد غلامه فقال: «إذا دخلت الخزانة، فانظر الجرّة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه بشيء» . قال يحيى: «ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه» . وقرّب خبّاز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجا. وكان يعجبه ما رطب «٥» من الشواء؛ فقال لخبّازه: «أتظنّ أن صنيعك يخفى عليّ؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه» . فبلغت أخاه فقال: «ربّ جهل خير من علم» .

стр. 186

وكان رجل يغشى طعام الجوهريّ، وكان يتحرّى وقته ولا يخطيء. فإذا دخل، والقوم يأكلون وحين وضع الخوان، قال: «لعن الله القدرية «١» ، من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ إني سآكله» ؟ فلما أكثر من ذلك، قال له رياح: «تعال بالعشيّ أو بالغداة فإن وجدت شيئا فالعن القدريّة والعن آباءهم وأمهاتهم» «٢» . وجاء غلام إلى خالد بن صفوان «٣» بطبق خوخ؛ إمّا أن يكون هدية، وإما أن غلامه جاء به من البستان؛ فلما وضعه بين يديه قال: «لولا أني أعلم أنك أكلت منه لأطعمتك واحدة» . وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية «٤» ، وكنت في الذّنب وكان في الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة وفرخا واحدا مبرّدا، وأقبل بأكل ويتحدث ولا يعرّض عليّ. وليس في السفينة غيري وغيره. فرآني أنظر اليه مرة، وإلى ما بين يديه مرة. فتوهم أني أشتهيه واستبطئه، فقال لي: «لم تحدّق النظر؟ من كان عنده أكل مثلي، ومن لم يكن عنده نظر مثلك» . قال: ثم نظر إليّ وأنا أنظر إليه، فقال: «يا هناه أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيّب الطعام

стр. 187

وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة. وعين مثلك سريعة، فاصرف عني وجهك» قال: فوثبت عليه، فقبضت على لحيته اليسرى، ثوم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى، فما زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي. ثم تحوّل إلى مكاني، فمسح وجهه ولحيته، ثم أقبل عليّ فقال: «قد أخبرتك أن عينك مالحة «١» ، وأنك ستصيبني بعين» . قلت: «وما شبه هذا من العين» ؟ قال: «إنما العين مكروه يحدث. فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه» . فضحكت ضحكا ما ضحكت مثله، وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا، وحتى كأني لم أفرط عليه «٢» . هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا. فأما أحاديث الأصمعي، وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد فيها ما يصلح لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب، وهي بضعة عشر حديثا: قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي «٣» ، وهو على الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسّه، إذ كان هو لا يمسّه. فأقدم عليه إعرابي يوما، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه، فلم يرض بأكل لحمه، حتّى تعرّق عظمه. فقال له المغيرة: «يا هذا، تطالب عظام هذا الجدي بذحل «٤» ؟ هل نطحتك أمّة» ؟ وكان الأصمعي يقول: إنما قال: «يا هذا تطالب عظام هذا البائس بذحل؟ هل نطحتك أمه» ؟

стр. 188

قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق، فقال لرجل من الشرط: «إن أقدمت على جدي الأمير، أسقطت عنك نوبة سنة «١» » . فبلغه ذلك، فشكاه إلى الحجّاج «٢» فعزله، وولى مكانه زياد بن جرير فكان أثقل عليه من عبد الرحمن. ولم يقدر على عزله، إذ كان قبل الحجاج. فكان المغيرة إذا خطب قال: «يا أهل الكوفة من بغاكم الغوائل «٣» وسعى بكم إلى أميركم، فلعنه الله ولعن أمه العوراء» . وكانت أمّ زياد عوراء. فكان الناس يقولون: «ما رأينا تعريضا قظ أطيب من تعريضه» . قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسّه، ولا يمسّه أحد. فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب. فعرض أشعب «٤» للجدي من بينهم. فقال زياد: «أما لأهل السجن إما يصلي بهم» ؟ قالوا: «لا» . قال: «فليصلّ بهم أشعب» . فقال أشعب: «أو غير هذا أصلح الله الأمير» . قال: «وما هو» ؟ قال: أحلف بالمحرجات «٥» أن لا آكل لحم جدي أبدا» . قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل البصرة، وكان عبد الملك بخيلا على الطعام جوادا بالدراهم،

стр. 189

فاستصحب الرجل شاكرا «١» ، فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا. فأقبل عليه، فقال له: «ألف درهم خير لك من احتباسك علينا» . فاحتمل غرم ألف درهم، ولم يحتمل أكل رغيف. وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك «٢» دجاجة، فقال له: «يكفيك ما بين يديك وما يليك» . قال الأعرابي: «ومنها شيء حمى «٣» » ؟ قال: «فخذها لا بورك لك فيها» . قالوا: وكان معاوية تعجبه القبة «٤» . وتغدّى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان «٥» ، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية؛ قال معاوية: «إنك لبعيد النّجعة «٦» » . قال صعصعة: «من أجدب انتجع «٧» » .

стр. 190

وقالوا: دخل هشام بن عبد الملك «١» حائطا له «٢» ، فيه فاكهة وأشجار وثمار، ومعه أصحابه؛ فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة. فقال هشام: «يا غلام اقلع هذا واغرس مكانه زيتون» . قالوا: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه. فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النوى في طست، فسمع صوت نواتين فقال: «من هذا الذي يلعب بالكعبين «٣» » ؟ وقالوا: باع حويطب بن عبد العزّى «٤» دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار؛ فقيل له: «أصبحت كثير المال» . قال: «وما منفعة خمسة وأربعين ألفا مع ستة من العيال» ؟ وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهما، فاستقله السائل. فقال: «يا أحمق إن الدرهم عشر العشرة، وإن العشرة عشر المائة، وإن المائة عشر الألف، وإن الألف عشر العشرة آلاف. أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى ديّة «٥» مسلم» ؟

стр. 191

قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام، وهو والي البصرة. فوصفوا له الإستنقاع «١» في السمن. فكان إذا فرغ من الجلوس فيه أمر ببيعه. فاجتنب الناس في تلك السنة أكل السمن. وكان يفطر الناس في شهر رمضان، فكانوا يجلسون حلقا «٢» ، وتوضع لهم الموائد، فإذا أقام المؤذن نهض بلال الى الصلاة، ويستحي الآخرون. فإذا قاموا الى الصلاة جاء الخبّازون فرفعوا الطعام. قالوا: واحتقن عمرو بن يزيد الأسدي «٣» هو أحد الزعماء المشهورين في أيام الأمويين بحقنة فيها أدهان؛ فلما حرّكته بطنه، كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك الأدهان، فكان يجلس في الطست ويقول: «صفوا هذا، فإنه يصلح للسّراج» . قالوا: وخبرنا جار له، قال: «رأيته يتخلل «٤» من الطعام بخلال واحد شهرا، كلما تغدّى حذف من رأسه شيئا، ثم تخلّل به، ثم وضعه في مجرى دواته. وقالوا: كان ذراع الذرّاع مع خالد بن صفوان، فوضعوا بين يديه دجاجة، وبين يديه شيء من زيتون. فجعل يلحظ الدجاجة، فقال: «كأنك تهم بها» ، قال: «ومن يمنعني» ؟ قال: «إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء» . قالوا: مدّ يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرّة السعدي، فقال: «إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره» .

стр. 192

قالوا: ومات وعليه للدقّاق «١» وحده ثمانون ألف درهم، لكثرة طعامه. وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجّاج على البصرة، فاستعمل على العرق «٢» جرير بن بيهس المازني، ولقب جرير العطرّق. فخرج الحكم يتنزه، وهو باليمامة «٣» ، فدعا العطرّق الى غدائه، فأكل معه، فتناول درّاجة «٤» كانت بين يديه، فعزله، وولى مكانه نويرة المازنّي، فقال: نويرة، وهو ابن عم العطرّق: قد كان في العرق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن درّاجة الحكم وفي عوارض لا تنفكّ تأكلها ... لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم «٥» وفي وطاب مملّاة مثمّمة ... فيها الصريح الذي يشفي من القرم فلما ولى مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له فعزله، فقال نويرة: أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ... ونصحي، إذا ما بعتني بالمحلّق «٦» ولا أنهل سرّاق العراقة صالح ... عليّ، ولا كلّفت ذنب العطرّق «٧» فذهبت مثلا.

стр. 193

وتناول رجل من قدّام أمير كان لنا «١» ضخم، بيضة، فقال: «خذها فإنها بيضة العقر «٢» » . فلم يزل محجوبا حتى مات. وأتى ضيعة له يتنزه اليها، ومعه خمسة رجال من خاصّته، وقد حملوا معه طعام خمسمائة. وثقل عليه أن يأكلوا معه؛ واشتد جوعه؛ فجلس على مشارة «٣» بقل، فأقبل ينتزع الفجلة، فيطوي جزرتها بعرقها، ثم يأكلها من غير أن تغسل، من كلب «٤» الجوع، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا: «لو قد ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا» . قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة «٥» على خوان معاوية، فرأى لقم «٦» عبد الرحمن. فلما كان بالعشّي، وراح إليه أبو بكرة، قال: ما فعل ابنك التّلقامة «٧» » ؟ قال: «مثله لا يعدم العلة» . وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقما منكرا، وهاله ما يصنع. قال له: «ما اسمك» ؟ قال: «لقمان» . قال: «صدق أهلك. أنت لقمان» «٨» .

стр. 194

قالوا: «وكان له دكان لا يسع إلا مقعده، وطبيقا «١» يوضع بين يده. وجعله مرتفعا، ولم يجعل له عتبا، كي لا يرتقي اليه أحد. قالوا: فكان أعرابي يتحيّن وقته، ويأتيه على فرس، فيصير كأنه معه على الدكان. فأخذ دبّة وجعل فيها حصى، واتكأ عليها. فإذا رأى الأعرابي قد أقبل، أراه كأنه يحوّل متكأه، فإذا قعقعت الدبّة «٢» بالحصى نفر الفرس. قالوا: فلم يزل الأعرابي يدنّيه ويقعقع هو به، حتى نفر به فصرعه. فكان لا يعود بعد ذلك إليه.

стр. 195

من أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد، فإن جلوسك الى الأصمعي، وعجبك بسهل بن هارون، واسترجاحك «١» إسماعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك «٢» بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التّوأم «٣» ، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه واصطناعه «٤» ، وإطنابك في وصف الترويج والتثمير؛ وحسن التعهد والتوفير، دليل خبيء سوء، وشاهد على عيب ودبر «٥» بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجّب من مذهبهم وتسرف في ذمهم. وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد عزم على الجمع «٦» ، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء.

стр. 196

في تحفظّك قول سهل بن هارون في «الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ بالثقة، وإن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة «١» ، وإن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان «٢» ، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءا دون صروف الزمان، فانّا لا ننسب الى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنّة. «٣» » ، شاهد على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله. وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنّة البله والأغنياء، وأن أرباب الدثور «٤» هم الذين ذهبوا بالأجور «٥» ، برهان على صحّة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك. وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال: «تنعمّتم بالطعام الطيّب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعزّ الثروة وبصواب النظر في العاقبة، وبكثرة المال والأمن من سوء الحال، ومن ذلّ الرغبة إلى الرجال «٦» والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذّتكم، وهذه لذتنا. وهذا رأينا في التسّلم من الذم، وذاك رأيكم في التعرّض للحمد. وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحسّ. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم

стр. 197

الحمد. والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا «١» ، والشارب يصير بولا، والبناء يعود نقضا «٢» ، والغناء ريح هابّة ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنّة تسير «٣» . فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن في بناء وأنتم في هدم، ونحن في إبرام وأنتم في نقض «٤» ، ونحن في التماس العزّ الدائم مع فوت بع اللذة وأنتم في التعرّض للذل الدائم مع فوت كل المروءة» . وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به روايتك. والدليل على انتقاض طباعك «٥» وإدبار أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، وعشقك لما كنت لم تزل تمقت، فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم. والشاعر أبصر بكم حيث يقول: فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودي «٦» تراثه جنّة للوارثين إذا ... أودى، وجثمانه للتّرب والدّود وقال آخر: تبلى محاسن وجهه في قبره ... والمال بين عدوّه مقسوم والحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا في مالك «٧» ، وأجيرا لوارثك. وأما أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود في

стр. 198

غير لذة «١» . وهل يزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه في عياله، وظهر فقره وشمت به عدوّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله «٢» ، وعلى خشونة الملبس، وجشوبة المأكل «٣» وهذا كله مجتمع في مسك «٤» البخيل، ومصبوب على هامة «٥» الشحيح، ومعجّل للئيم، وملازم للمنوع. إلا أن المنفق قد ربح المحمدة، وتمنّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة، ووفى كل خصلة من هذه حقها، ووفر عليها نصيبها، والممسك معذب بحصر نفسه، وبالكدّ لغيره، مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة، والتعرّض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرّة السوداء في نفسه «٦» ، وتسليطها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه. ولقد سرى إليك عرق، ولقد أدخل أعراقك خور «٧» ، ولقد عمل فيها قادح، ولقد غالها غول. وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف «٨» ، ولا شيم أعرقت فيها قريش. ولقد عرض لك إقراف، ولقد أفسدتك هجنة «٩» . ولقد قال معاوية: «من لم يكن من بني عبد المطلّب جوادا فهو جميل، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق «١٠» ، ومن لم

стр. 199

يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد «١» » . وقال سلم بن قتيبة: «إذا رأيت الثقفي يعزّ من غير طعام «٢» ، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه ثم بهرجه ثم بهرجه «٣» » ، وقال ابن أبي بردة: «لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال» . إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفيّ لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم. وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر. فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم يزجرنا «٤» إلا عما لم يرضه لنفسه وقد قالوا بأجمعهم: «إن الله أجود الأجودين «٥» وأمجد الأمجدين» . كما قالوا: «ارحم الراحمين وأحسن الخالقين» . وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: «لا تجاودوا الله فإن الله جل ذكره أجود وأمجد» وذكر نفسه، ﷻ وتقدست اسماؤه فقال: «ذو الفضل العظيم» و «ذي الطّول لا إله إلا هو» وقال: «ذو الجلال والإكرام» . وذكروا النبي ﷺ فقالوا: لم يضع درهما على درهم، ولا لبنة على لبنة، وملك جزيرة العرب، فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال ما بين عذار «٦» العراق، إلى شحر عمان «٧» ، إلى أقصى مخاليف «٨» اليمن، ثم توفي وعليه دين، ودرعه مرهونة. ولم يسأل حاجة قطّ فقال: «لا» ؛

стр. 200

وكان إدا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع، كان وعده كالعيان، وإطماعه كالانجاز. ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسماح. ولقد يهب للرجل الواحد الضاجعة «١» من الشاء، والعرج «٢» من الإبل. وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير، فيقال وهب هنيدة «٣» . وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح. ولقد وهب لرجل ألف بعير، فلما رآها تزدحم في الوادي قال: «أشهد أنك نبيّ، وما هذا مما تجود به الأنفس» . وفخرت هاشم على سائر قريش، فقالوا: «نحن أطعم للطعام، وأضرب للهام» وذكرها بعض العلماء، فقالوا: «أجواد مجّاد ذوو ألسنة حداد» «٤» . وأجمعت الأمم كلها، بخيلها وسخيّها وممزوجها، على ذمّ البخل وحمد الجود، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق. وقالوا: «أفضل الجود الجود بالمجهود» . وحتى قالوا في جهد المقل «٥» ، وفيمن أخرج الجهد، وأعطى الكلّ، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله، فقال الفرزدق «٦» : على ساعة لو كان في القوم حاتم ... على جوده ضنّت له نفس حاتم ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة «٧» ، وقد

стр. 201

جاد بحوبائه عند المصافنة «١» فما رأينا عربيا سفّه حلم حاتم بجوده بجميع ماله، ولا رأينا أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه. بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا، وجعلوا ذلك من حاتم لطيء مأثرة، ثم لعدنان على قحطان «٢» ، ثم للعرب على العجم، ثم لسكان جزيرة لعرب، ولأهل تلك التربة، على سائر الجزائر والترب. فمن أراد أن يخالف ما وصف الله جلّ ذكره به نفسه، وما منح من ذلك نبيّه ﷺ ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه «٣» . ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطّ ولا حقرته، بل أحبّته وأعظمته. بل أحبّت عقبه، وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادا، لمجاوزته حدّ الجود الى السرف، ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه «٤» ، ويدّارسون محاسنه، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه «٥» من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه. ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف، كما تضاعف الحسنات في الآخرة. نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد «٦» ، وكل معروف مجهول الصاحب. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب. وجدناهم يبغضونه مرة، ويحقّرونه مرة،

стр. 202

ويبغضون، بفضل بغضه «١» ، ولده، ويحتقرون، بفضل احتقارهم له، رهطه، ويضيفون اليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء. وعلى أنا لا نجد الجوائح «٢» الى أموال الأسخياء أسرح منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقلّ. والبخيل عن الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحق عندهم اسم البخل، ويستوجب الذمّ، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايتها. وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهدا في كلّ ما أوجب الشكر، ونوّه بالذكر، وأذخر الأجر. وقد يعلّق «٣» البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتّخذ من الجواري والخدم، ومن الدّواب والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البزّة الفاخرة والشارة الحسنة، ما يربي «٤» على نفقة السخيّ المثري، ويضعف على جود الجواد الكريم. فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغير حاله وهو ملوم. وربما غلب عليه حبّ القيان «٥» ، واستهتر بالخصيان «٦» ، وربما أفرط في حبّ الصيد، واستولى عليه حبّ المراكب. وربما كان اتلافه في العرس والخرس «٧»

стр. 203

والوليمة، وإسرافه في الأعذار «١» وفي العقيقة «٢» والوكيرة «٣» . وربما ذهبت أمواله في الوضائع «٤» والودائع. وربما كان شديد البخل، شديد الحبّ للذكر، ويكون بخله أوسخ، ولومه أقبح، فينفق أمواله، ويتلف خزائنه، ولم يخرج كفافا، ولم ينج سليما «٥» . كأنك لم تر بخيلا مخدوعا، وبخيلا مفتونا، وبخيلا مضياعا، وبخيلا نفّاجا «٦» . أو بخيلا ذهب ماله في البناء، أو بخيلا ذهب ماله في الكيمياء «٧» ، أو بخيلا أنفق ماله في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات والدخول في القبالات» ، وكانت فتنته بما يؤمّل من الأمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضّة. قد رأيناه «٩» ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كلّ يوم وعنده في كل يوم عرس «١٠» ، ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن في الرغيف الثاني، ولا شقّ عصا الدين أشدّ عليه من شقّ رغيف. لا يعدّ الثلمة «١١» في عرضه ثلمة، ويعدّها في ثريدته من أعظم الثلم. وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم

стр. 204

أكلب «١» ، لأنهم أقلّ توكّلا وأ سوأ بالله ظنا. والجواد إما أن يكون متوكّلا، وإما أن يكون أحسن بالله ظنا. وهو على كل حال بالمتوكل أشبه، وإلى ما أشبهه أنزع «٢» ، وكيفما دار أمره، ورجعت الحال به، فليس ممّن يتّكل على حزمه، ويلجأ إلى كيسه «٣» ، ويرجع إلى جودة إحتياطه، وشدّة احتراسه. واعتلال البخيل بالحدثان «٤» ، وسوء الظنّ بتقلّب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظنّ بخالق الحدثان وبالذي يحدث، وأهل الزمان. وهل تجري الأحداث إلّا على تقدير المحدث لها، وهل تختلف الأزمنة «٥» إلّا على تصريف من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها، فقد أيقّنا بأنها تجري إلى غاياتها؟ والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو طبيعة فيهم، إنك قد تجد الملك بخيلا، ومملكته أوسع، وخرجه أدرّ «٦» ، وعدوة أسكن، وتجد أحزم منه جوادا، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقل، وعدوّه أشدّ حركة. وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس فكرة وروية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة. فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم «٧» ونقص عقولهم وقلة معرفتهم، لكان ينبغى لفارس أن تكون أبخل من الروم، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة «٨» . وكان ينبغي للرجال، في الجملة، أن يكونوا

стр. 205

أبخل من النساء في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أسدّ الأجواد عقلا. وكان ينبغي للكلب، وهو المضروب به المثل في اللؤم، أن يكون أعرف بالأمور من الديك المضروب به المثل في الجود «١» . وقالوا: «هو أسخى من لافظة «٢» ، وألأم من كلب على جيفة، وألأم من كلب على عرق «٣» » . وقالوا: «أجع «٤» كلبك يتبعك» ، ونعم كلب في بؤس أهله، وأسمن كلبك يأكلك، واحرص من كلب على عقي «٥» صبيّ، وأجوع من كلبة حومل «٦» ، ولهو أبذأ من كلب، وحشّ فلان من خرء الكلب، وأخس كما يقال للكلب، وكالكلب في الأريّ «٧» : لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة تعتلف، وقال الشاعر: سرت ما سرت من ليلها، ثم عرّست ... على رجل بالعرج ألأم من كلب «٨» وقال الله جلّ ذكره: «فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو

стр. 206

تتركه يلهث» . وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة «١» ، أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية. ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السّرف الى الجود، كما نجد البخيل يفرّ من اسم المتهوّر «٢» ، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: «وقاح» «٣» لجزع. فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدره، ويظهر فضله. المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهي على ما منعت حريصة، وللنفوس في المكاثرة «٤» علة معروفة، ولأن من لا فكرة له ولا رويّة، موكّل بتعظيم ذي الثروة، وإن لم يكن منه مناله «٥» . وقد قال الأول: وزادها كلفا بالحبّ أن منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا «٦» وفي بعض كتب الفرس: «كلّ عزيز تحت القدرة فهو ذليل» ، وقالت معاذة العدوية «٧» : «كل مقدور عليه، فمقلّو «٨» أو محقور» . ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون. وهذا بعض ما بغّض بعض المورثّين الى الوارثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف.

стр. 207

ولو كانوا لأولادهم يمهدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما كنز الرهبان الكنوز، ولا ستراح العاقر من ذلّ الرغبة، ولسلم العقيم «١» من كدّ الحرص. وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتلّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع. والعامة لم تقصر في الطلب، والحكرة «٢» والبخلاء لم يحدّوا شيئا من جهدهم، ولا أعفوا بعد قدرتهم، ولا قصرّوا في شيء من الحرص والحصر، لأنهم في دار قلعة، وبعرض نقلة «٣» . حتّى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول. فالبخيل مجتهد، والعاميّ غير مقصّر. فمن لم يستعن على ما وصفنا، بطبيعة قوية، وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عامّيا، وإما شقيّا، فيقيم اعتلالهم بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلّون من أزمنتهم. قال رسول الله ﷺ لوافد كذب عنده كذبة، وكان جوادا: «لولا خصلة ومقك «٤» الله عليها، لشرّدت بك من وافد قوم» . وقيل للنبي ﷺ : «هل لك في بيض النساء، وأدم» الإبل» ؟ قال: «ومن هم» ؟ قيل: «بنو مدلج» «٦» . قال: «يمنعني من ذاك قراهم الضيف، وصلتهم الرحم» . وقال لهم أيضا: «إذا نحروا ثجّوا «٧» ، وإذا لبّوا عجّوا «٨» » . وقال للأنصار: «من سيّدكم» ؟ قالوا: «جد «٩» بن قيس، على أنه يزنّ «١٠» فينا ببخل» . فقال: «وأي داء أدوى

стр. 208

من البخل» ! فجعله داء، ثم جعله من أدوى الداء. وقال للأنصار: «أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع «١» » . وقال: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر «٢» » . وقال: «لو أن لابن آدم واديين «٣» من مال لابتغى ثالثا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . وقال: السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان» . وقال: «إن الله جواد يحبّ الجود» . وقال: «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . وقال: «لا توكيء فيوكأ عليك «٤» . وقال: «لا تحص فيحصى عليك «٥» » . وقالوا: «لا ينفعك من زاد ما تبقّى» . ولم يسمّ الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما، ومن فتنة الناس بهما. وقال لقيس بن عاصم «٦» : «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فللوارث» . وقال النمر بن تولب «٧» : وحثّت على جمع ومنع، ونفسها ... لها في صروف الدهر حقّ كذوب «٨» وكائن رأينا من كريم مرزّأ ... أخي ثقة طلق اليدين وهوب «٩»

стр. 209

شهدت وفاتوني وكنت حسبتني ... فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي «١» أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي وقريبي «٢» ترى أنّ ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أمضيت كان نصيبي «٣» وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في سقيها ودؤوب «٤» غدت وغدا رب سواه يسوقها ... وبدّل احجارا وجال قليب «٥» وقال أيضا: قامت تباكى ان سبأت لفتية ... زقّا وخابية بعود مقطّع «٦» وقريت في مقرى قلائص أربعا ... وقريت بعد قرى قلائص أربع «٧» أتبكيّا من كل شيء هينّ ... سفه بكاء العين ما لم تدمع «٨» فإذا أتاني إخوتي فدعيهم ... يتعلّلوا في العيش أو يلهوا معى «٩» لا تطرديهم عن فراشي، إنه ... لا بدّ يوما ان سيخلو مضجعي «١٠»

стр. 210

هلا سألت بعادياء وبيته ... والخيل والخمر التي لم تمنع «١» وقال الحارث بن حلّزة «٢» : بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج «٣» يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج «٤» لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج «٥» وقال الهذلي: إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلّهم فناهب «٦» أخلف وأتلف، كل شي ... ء ذرعته الريح ذاهب «٧» وقالت إمرأة: أنت وهبت الفتية السّلاهب ... وإبلا يحار فيها الحالب «٨» وغنما مثل الجراد الهارب ... متاع أيام وكلّ ذاهب «٩»

стр. 211

وقال تميم بن مقبل: فأخلف وأتلف، إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله «١» وقال أبو ذرّ: «لك في مالك شريكان: الوارث والحدثان» . وقال الحطيئة «٢» : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وفي المثل: «إصنع الخير ولو إلى كلب» . وقال في الحثّ على القليل فضلا على الكثير، قال الله جلّ ذكره: «فمن يعمل مثقال «٣» ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره» ، وقالت عائشة في حبّة عنب: «إن فيها لمثاقيل ذرّ» ، ولذلك قالوا في المثل: «من حقّر حرم «٤» » . وقال سلم بن قتيبة: «يستحي أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأتي أعظم منه» ، وقال: «جهد المرء أكثر من عفوه» . وقدّم رسول الله ﷺ جهد المقلّ على عفو المكثر، وإن كان مبلغ جهده قليلا، ومبلغ عفو المكثر كثيرا. وقالوا: «لا يمنعك من معروف صغره» . وقال النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وقال: «لا تردوا السائل ولو بظلف «٥» محرق» وقال: «لا تردّوه ولو بفرسن «٦» شاة» ، وقال: «لا تحقروا اللقمة، فإنها تعود كالجبل العظيم، لقول الله جلّ ذكره) «يمحق الله الرّبا

стр. 212

ويربي الصدقات» ، وقال: «لا تردّوه ولو بصلة حبل «١» » . وقالت العرب: «أتاكم أخوكم يستتمّكم «٢» ، فأتّموا له» ، وقالوا: «مانع الإتمام ألأم» «٣» . وقالوا: «البخيل إن سأل ألحف «٤» ، وإن سئل سوّف «٥» » وقالوا: «إن سئل جحد، وإن أعطى حقد» ، وقالوا: «يردّ قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم» ، وقالوا: «البخيل إذا سئل ارتزّ «٦» ، وإذا سئل الجواد اهتز» . وقال النبي ﷺ : «ينادي كل يوم مناديان من السماء، يقول أحدهما: اللهم عجّل لمنفق خلفا، ويقول الآخر: اللهم عجّل لممسك تلفا» . وقالوا: «شرّ الثلاثة المليم، يمنع درّه ودرّ غيره «٧» » . وقال الله جل ذكره: «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» . وقالوا في المثل، إذا ألجأه الدهر إلى بخيل: «شرّ ما ألجأك إلى مخة عرقوب «٨» » وقال النبي ﷺ : قل العدل، وأعط الفضل» ، وقال ﷺ : «أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات» «٩» . وقال الله : «ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا» ، وقال: «لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون» وقال: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، «١٠» ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون» . وقالوا في الصبر على النائبة، وفي عاقبة الصبر: «عند الصباح يحمد القوم السّرى «١١» » ،

стр. 213

وقالوا: «الغمرات «١» ثم ينجلينا» وقال الخريمي: ودون الندى في كل قلب ثنّية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل «٢» وودّ الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل «٣» وقالوا: خير الناس خير الناس للناس، وشر الناس شرّ الناس للناس» ، وقالوا: «خير مالك ما نفعك» ، وقالوا: «عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرغبة» ، وقال الراجز: كلّنا يأمل مدّا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل وقال عبيد الله بن عكراش: «٤» : «زمن خؤون ووارث شفون وكاسب حزون «٥» ، فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشفون» ، وقال: يهرم ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص والأمل» . وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: «ما أكل ابن عمر «٦» وحده قط» ، وقالوا: «ما أكل الحسن وحده قط» . وسمع مجاشع الربعي قولهم: «الشحيح أعذر من الظالم» فقال: «أخزى الله أمرين خيرهما الشح» . وقال بكر بن عبد الله المزني: «لو كان هذا المسجد مفعما بالرجال، ثم قيل لي من خيرهم؟ لقلت: خيرهم لهم» . وقال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بشراركم» ؟ قالوا: «بلى يا رسول الله» قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» . وقالت امرأة عند جنازة رجل: «أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك «٧» » .

стр. 214

رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي: فلمّا بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من المنافسة «١» والمباينة «٢» ، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب هذه، وبعث بها الى الثقفي: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا لأنه، إن أجابنا، لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا على قوله الأول، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا، خرجنا الى التهاتر، وصرنا الى التخاير «٣» . ومن خرج الى ذلك، فقد رضي باللجاج «٤» حظا، وبالسخف نصيبا. وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء التكفي وسحفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طبائعه وتساوت خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الإقتصاد، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط، لأن الموزون لا يولد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا. فالمتتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف، والمتكفّي ليس له مأتى، ولا جهة، ولا له رقية «٥» ، ولا

стр. 215

فيه حيلة. وكل متلّون في الأرض فمنحل العقد، ميسّر لكل ربح. فدع عنك خلطة الإمّعة، فإنه حارض «١» لا خير فيه، واجتنب ركوب الجموع فإن غايته قبل الذواق. ولا خير في المتلوّن ذي البدوات، ولا في الحرون «٢» ذي التصميم. والمتلوّن شرّ من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق، لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكة، ومذاهبه محصورة معدودة، وليس لتدبير الأحمق وحيلة جهة واحدة، ومن أخطأها كذب، والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد، والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلوّن قتله بالتعذيب. فإن قلنا فليس إليه نقصد، وإن احتججنا فلسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة. وقد قالوا: «إحفظ سرّك، فإن سرّك من دمك» . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: «ليس بكبير ما أصلحه المال» . وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور، ولهذا قالوا في الإبل: «لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم «٣» » ، فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشدّ من جمعه. ولذلك قال الشاعر: وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشد من الجمع الذي أنت طالبه
следующие страницы →