← Адаб

Адаб · id 10501

البخلاء للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (304 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

درّ الحارث إبن كلدة «١» حين زعم أن الدواء هو الأزم «٢» ، وأن الداء هو إدخال الطعام في إثر الطعام. أي بنيّ! لم صفت أذهان العرب، ولم صدقت إحساس الأعراب، ولم صحّت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقّرس «٣» ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلا لقلة الرزء «٤» من الطعام، وخفة الزاد والتّبلغ باليسير؟ أي بنيّ! إن نسيم الدنيا وروح الحياة، أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون بقصر العمر خليقا. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعاد، وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة. أي بنيّ! لم صار الضب «٥» أطول شيء عمرا، إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم؟ ولم زعم الرسول ﷺ أن الصوم وجاء «٦» ، إلا ليجعل الجوع حجازا دون الشهوات؟ افهم تأديب الله فإنه لم يقصد به إلا الى مثلك. أي بنيّ! قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا تحرّك لي عظم، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت دنين أذن ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علّة إلا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحب

стр. 142

الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم» . هذه كانت وصيته في يوم الرؤوس وحده. فلم يكن لعياله إلا التقمّم «١» ومصّ العظم. وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ. وكان لا يشتري إلا رأس فتى لوفارة الدماغ، لأن دماغ الفتى أوفر، ويكون مخه أنقص، ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص. ويزعمون أن للأهلّة والمحاق في الأدمغة والدماء عملا معروفا، وبينها في الربيع والخريف فضلا بينا. وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم، في أول الهلال، خرج الولد قويا ضخما، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا شختا «٢» . وأنشد قول الشاعر: لقحت في الهلال عن قبل الطّهر ... وقد لاح للضياء بشير ثم نمى ولم يراضع فلوّا «٣» ... ورضاع المحجّ عيب كبير «٤» وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رأآسي بغداد، إلا من رأآسي مسجد ابن رغبان. وكان لا يشتريه إلا يوم سبت. واختلط عليه الأمر فيما بين الشتاء والصيف، فكان مرّة يشتريه في هذا الزمان. وأما زهده في رؤوس مسجد ابن رغبان، فان البصريين يختارون لحم الماعز الخصيّ على الضأن كله، ورؤوس الضأن أشحم وألحم رخصا وأطيب. ورأس التيس أكثر لحما من رأس الخصيّ، لأن الخصيّ من الماعز يعرق جلده، ويقلّ لحم رأسه ولا يبلغ جلده وإن كان ما عزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس، ولا يكون رأسه إلا دونا. ولذلك تخطاه إلى غيره.

стр. 143

وما اختيار شراء الرؤوس يوم السبت، فإن القصّابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، فتكثر الرؤوس يوم السبت على قدر للفضل فيما يذبحون، ولأن العوام والتجار والصنّاع لا يقرمون «١» إلى أكل الرؤوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة، ولأن عامّتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة. ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرؤوس واللحم. وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف، فوجه ذلك أن العلل كانت تتصوّر له، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته، صيفا وافق ذلك أم شتاء. فإن اللحم في الصيف أرخص، والرؤوس تابعة للحم، ولأن الناس في الشتاء لها آكل، وهم لها في القيظ «٢» أترك. فكان يختار الرخص على حسن الموقع. فإذا قويت دواعيها في الشتاء، قال: «رأس واحد شتوي كرأسين صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية، وما أكل الكسب في الحبس موثقا، غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقا» . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته وبدنه، وفي شك من استبقائه في الصيف، لنقصان شهوات الناس للرؤوس في الصيف، فكان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة. وكان يقول إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب «٣» وإن تركتها لهم في الصيف، ولم يعرفوا العلة، طلبوا ذلك مني في الشتاء!. طرائف العنبري: حدثني المكّي «٤» قال: كنت يوما عند العنبريّ، إذا جاءت جارية

стр. 144

أمّه، ومعها كوز «١» فارغ، فقالت: «قالت أمك: بلغني أنّ عندك مزمّلة «٢» ، ويومنا يوم حارّ، فابعث إليّ بشربة منها في هذا الكوز» قال: «كذبت! أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونردّه ملآن. إذهبي فاملئيه من ماء حبّكم، وفرّغيه في حبنا «٣» ، ثم املئيه من ماء مزمّلتنا، حتى يكون شيء بشيء» . وقال المكّي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر، وعرضا بعرض، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحرّ، فأما عدد الجواهر والأعراض، فمثلا بمثل. وقال المكّيّ: دخلت عليه يوما، وإذا عنده جلّة «٤» تمر، وإذا ظئره «٥» جالسة قبالته فكلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها، فأخذتها فمصّتها ساعة ثم عزلتها. فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا؟ قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتّها، فصاح بها صيحة، لو كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك. وما كانت إلا في أن تبادله الإعراض وتسلّم إليه الجوهر. وكانت تأخذ حلاوة النواة، وتودعها ندوة الريق. طرائف أبي قطبة: قال الخليل: كان أبو قطبة يستغلّ ثلاثة آلاف دينار. وكان من البخل يؤخرّ تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد، وسيل المتاعب،

стр. 145

ليكتري «١» رجلا واحدا فقط، يخرج ما فيها، ويصبّه في الطريق، فيجترفه السيل، ويؤديه إلى القناة. وكان بين موضع بئره والصبّ قدر مائتي ذراع، فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الإنتظار شهرا أو شهرين. وإن هو جرى في الطريق، وأذي به الناس. وقال: ونظر يوما إلى الكسّاحين «٢» ، وهو معنا جالس في رجال من قريش، وهم يخرجون ما في بالوعته، ويرمون به في الطريق، وسيل المثاعب «٣» يحتمله، فقال: أليس البطّ والجداء والدجاج والفراخ والدرّاج «٤» وخبز الشعير والصحناء «٥» والكرّاث «٦» والجواف «٧» جميعا تصير إلى ما ترون؟ فلم يغالي بشيء يصير هو والرخيص في معنى واحد؟. قال الخليل: وسمعته يقول: إياكم والفساء في ثيابكم التي تخرجون فيها، وفي لحفكم التي تنامون فيها، فإن الفساء يدرّ القمل. إني والله ما أقول إلا بعلم. ثم قال: علمتم إن الصوت يدبغ؟ قلنا: وكيف صار الصوت يدبغ؟ قال: الفسوة هي الضرطة بلا صوت، وإنما تخرجان جميعا من قارورة واحدة، فكيف تكون واحدة طيبة وأخرى منتنة؟ فهذا الذى يدلّكم أن الصوت هو الذي يدبغها. قال: وهم ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وباني، من ولد عتّاب بن أسيد. واحد منهم كان يحجّ عن حمزة، ويقول: «استشهد قبل أن

стр. 146

يحجّ» . والآخر كان يضحّي عن أبي بكر وعمر، ويقول: «أخطأ السنة في ترك الضحية. وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق «١» ، ويقول: «غلطت رحمها الله في صومها أيام العيد. فمن صام عن أبيه وأمه، فأنا أفطر عن عائشة» . طرائف فيلويه: حدّثتني امرأة تعرف الأمور، قالت: كان في الحيّ مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي، فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة، اعتزلن وتحدّثن. فبينا هنّ في حديثهنّ، إذ ذكرن برّ الأبناء بالأمهات، وإنفاقهم عليهنّ. وذكرت كلّ واحدة منهنّ ما يوليها إبنها. فقالت واحدة منهنّ، وأم فيلويه ساكتة، وكانت امرأة صالحة، وإبنها يظهر النسك يدين بالبخل، وله حانوت في مقبرة بني حصن يبيع فيها الأسقاط «٢» . قالت: فأقبلت على أم فيلويه، قالت لها: ما لك لا تحدّثين معنا عن إبنك كما يتحدّثن؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه؟ قالت: كان يجري عليّ في كل أضحى درهما. ثم قالت: وقد قطعه أيضا. فقالت لها المرأة: وما كان يجري عليك إلا درهما؟ قالت: ما كان يجري عليّ إلا ذاك، ولقد ربما أدخل أضحى في أضحى. فقالت: فقلت: يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى؟ قد يقول الناس: إن فلانا أدخل شهرا في شهر، ويوما في يوم، وأمّا أضحى في أضحى، فهذا شيء لإبنك لا يشركه فيه أحد.

стр. 147

قصة تمّام بن جعفر: كان تمّام بن جعفر بخيلا على الطعام، مفرّط البخل؛ وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علّة «١» ، ويطالبه بكل طائلة «٢» ؛ وحتى ربما استخرج عليه أنه كان حلال الدم. وكان إن قال له نديم: «ما في الأرض أحد أمشي مني، ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر «٣» مني» قال: «وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة؟ وهل يحمل الرجل إلا البطن؟ لا حمد الله من يحمدك» . فإن قال: «لا والله إن أقدر أن أمشي لأني أضعف الخلق عنه. وإني لأنبهر من مشي ثلاثين خطوة» . قال: «وكيف تمشي، وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمّالا؟ وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل؟ وأي بطين «٤» يقدر على الحركة؟ وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود، فكيف بالمشي الكثير» ؟ فإن شكا ضرسه، وقال: «ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه «٥» » قال: «عجبت كيف اشتكيت واحدا، وكيف لم تشتك الجميع؟ وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكّة؟ وأي ضرس يقوى على الضرس والطحن؟ والله إن الأرحاء السورية لتكلّ، وإن المنحاز الغليظ ليتبعه الدقّ. ولقد استبطأت لك هذه العلة. أرفق فإن الرّفق يمن، ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم» . وإن قال: «لا والله إن اشتكيت ضرسا لي قط، ولا تحلحلت لي سنّ عن موضعها، منذ عرفت نفسي» . قال: «يا مجنون لأن

стр. 148

كثرة المضغ تشدّ العمور «١» وتقوّي الأسنان وتدبغ اللثة وتغذو أصولها، وإعفاء الأضراس من المضغ يريّخها «٢» ، وإنما الفم جزء من الإنسان. وكما أن الإنسان نفسه إذا تحرّك وعمل قوي، وإذا طال سكوته تفتّخ واسترخى، فكذلك الأضراس. ولكن رفقا، فإن الأتعاب ينقض القوة. ولكلّ شيء مقدار ونهاية. فهذا ضرسك لا تشتكيه، وبطنك أيضا لا تشتكيه» ؟ فإن قال: «والله إن أروي «٣» من الماء، وما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب مني للماء» قال: «لا بدّ للتراب من ماء، ولا بد للطين من ماء يبلّه ويرويه. أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلّته. والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك، مع ما أرى من شدّة أكلك وعظم لقمك. تدري ما قد تصنع؟ أنت والله تلعب. أنت لست ترى نفسك فسل عنك من يصدقك، حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك» . فإن قال: «ما شربت اليوم ماء البتّة، وما شربت أمس بمقدار نصف رطل. وما في الأرض إنسان أقلّ شربا مني للماء» ، قال: «لأنك لا تدع لشرب الماء موضعا، ولأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء معه مدخلا. والعجب لا تتخم، لأن من لا يشرب الماء على الخوان، لا يدري مقدار ما أكل، ومن جاوز مقدار الكفاية كان حريّا بالتخمة» . فإن قال: «ما أنام الليل كلّه. وقد أهلكني الأرق «٤» » قال: «وتدعك الكظّة «٥» والنّفخة والقرقرة أن تنام؟ والله لو لم يكن إلا العظش الذي ينبّه الناس لما نمت. ومن شرب كثيرا بال كثيرا. ومن كان الليل

стр. 149

كلّه بين شرب وبول، كيف يأخذه النوم» ؟ فإن قال: «ما هو إلا أن أضع رأسي، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح» ، قال: «ذلك لأن الطعام يسكر ويخدّر ويختر «١» ويبلّ الدماغ ويبلّ العروق ويسترخي عليه جميع البدن. ولو كان في الحقّ لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار» . فإن قال: «أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا» ، قال: إياك أن تأكل قليلا ولا كثيرا، فإن أكل القليل على غير شهوة أضرّ من الكثير مع الشهوة، قال الخوان: «ويل لي مّمن قال لا أريد. وبعد، فكيف تشتهي الطعام اليوم، وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة» ؟ وكان كثيرا ما يقول لندمائه: «إياكم والأكل على الخمار «٢» . فإن دواء الخمار الشراب. الخمار تخمة، والمتخم إذا أكل مات لا محالة. وإياكم والإكثار في عقب الحجامة «٣» والفصد «٤» والحمّام. وعليكم بالتخفيف في الصيف كله. واجتنبوا اللحم خاصّة» . وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس. هذا الذي يضرط ويتكلم الكلام البارد وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له، وبعض من يشكره ويتضاحك له، أو ليس هو عنده إلا أن يظهر العجب به، لما ضرط الضارط، ولما تكلف النوادر إلا أهله. قول الناس للأكول النّهم وللرّغيب الشرّة: «فلان حسن الأكل» هو الذي أهلكه وزاد في رغبه، حتى جعل ذلك صناعة، وحتى ربما أكل، لمكان قولهم وتقريبهم وتعجّبهم، ما لا يطيقه فلا يزال قد هجم على قوم، فأكل زادهم وتركهم

стр. 150

بلا زاد. فلو قالوا بدل قولهم: «فلان حسن الأكل» ، «فلان أقبح الناس أكلا» ، كان ذلك صلاحا للفريقين. ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب «١» البطن، واتخذ له الطعام الطيّب، لينفي عن نفسه المقالة، وليكذّب عن نفسه تلك الظنون. ولو كان شدّة الضرس يعدّ في المناقب «٢» ويمدح صاحبه به في المجالس، لكانت الأنبياء آكل الخلق، ولخصّهم الله جلّ ذكره من الرغب بما لم يعطه أحدا من العالمين. وكيف وفي مأثور الحديث «إن المؤمن يأكل في معى واحد، وأن المنافق يأكل في سبعة أمعاء» . أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم وبالرّغب وبكثرة الأكل، ويمدحون بالزّهادة وبقلّة الطعم؟ أوليس قد قال النبي ﷺ : «من أدلّه على الحسناء القتين «٣» » ؟ وقد ساب «٤» رجل أيوب بن سليمان بن عبد الملك، فقال في بعض ما يسبّه: «ماتت أمّك بغرا «٥» ، وأبوك بشما «٦» » . وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه، فقال: «أنا ابن آكل العرب» ؟ بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يمتدحون بكثرة الشرب، كما يتدحون لقلّة الرّزء. وكذلك قالت العرب. قال الشاعر: تكفيه فلذة كبد إن الّم بها ... من الشّزء ويكفي شربه الغمر

стр. 151

وقال: لا يتأرّى «١» لما في القدر يطلبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر «٢» وقال: لا يغمر «٣» الساق «٤» من أين «٥» ولا وصم «٦» ... ولا يعضّ على شرسوفه «٧» الصفّر والصفر هي حيّات البطون، إنما تكون من الفضول والتخم، ومن الفساد والبشم وشرب مرة النبيذ، وغنّاه المغنّي، فشق قميصه من الطرب، فقال المولى له، يقال له «المحلو» ، وهو إلى جنبه: «شق أيضا أنت، ويلك، قميصك» والمحلول هذا من الآيات «٨» قال: «لا والله لا أشقّه، وليس لي غيره» . قال: «فشقه، وأنا أكسوك غدا» . «فأنا أشقّه غدا» . قال: «أنا ما أصنع بشقّك له غدا» ؟ قال: «وأنا ما أرجو من شقّه الساعة» ؟ فلم أسمع بإنسان قط يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص

стр. 152

من غلبة الطرب، غيره وغير مولاه «محلول» . عليّ الأعمى دخل عليّ الأعمى على يوسف بن كل خير، وقد تغدّى، فقال: «يا جارية هاتي لأبي الحسن غداء» . قال: «لم يبق عندنا شيء» . قال: «هاتي، ويلك، ما كان، فليس من أبي الحسن حشمة «١» » . ولم يشك عليّ أنّه سيؤتى برغيف ملطخ، وبرقاقة ملطخة، وبسكر وبقية مرق، وبعرق وبفضلة شواء، وببقايا ما يفضل في الجامات «٢» والسكرجات «٣» . فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل «٤» ، لا شيء معه غيره. فلما وضعوا الخوان بين يديه، فأجال «٥» يده فيه، وهو أعمى، فلم يقع إلا على ذلك الرغيف. وقد علم أن قوله: «ليس منه حشمة» لا يكون إلا مع القليل. قلم يظن أن الأمر بلغ ذلك، فلمّا لم يجد غيره، قال: «ويلكم ولا كل هذا بمرّة. رفعتم الحشمة كلّها. والكلام لم يقع إلا على هذا» ؟ الغزّال: حدثني محمد بن حسان الأسود، قال: أخبرني زكريّا القطان قال: كان للغزّال قطعة أرض قدّام حانوتي. فأكرى «٦» نصفها من سمّاك، يسقط عنه ما استطاع من مؤونة الكراء.

стр. 153

قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل، وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه، فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم، فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوّافة بحبّة «١» وأثبت عليها فلسا في حسابه. فإذا أراد أن يتغدّى أخذ الجوافة، فمسحها على وجه الرغيف، ثم عضّ عليه. وربما فتح بطن الجوافة فبّطن جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة. فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم بطنها، طلب من ذلك السمّاك شيئا من ملح السمك. فحشا جوفها لينفخها، وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملّحت به. ولربما غلبت شهوته، فكدم «٢» طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته. وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخرها لقمة، ليطيب فمه بها، ثم يضعها في ناحية، فإذا اشترى من إمرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل، من طريق إدخال العروض، وحسبها عليها بفلس. فيسترجع رأس المال، ويفضل الأدم. ابن المقفع وابن جذام: وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال: كان ابن جذام الشبي يجلس إليّ، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغدى معنا ويقيم إلى أن يبرد. وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألحّ علي في الاستزارة «٣» ، وصمّمت عليه في الإمتناع. فقال: جعلت فداك أنت تظن أنّي ممن يتكلّف وأنت تشفق عليّ؟ لا والله إن هي إلا كسيرات «٤» يابسة، وملح، وماء الحب. فظننت أنه يريد

стр. 154

اختلابي «١» بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام أطعمنا كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه. وما أظن أن أحدا يدعو مثلي إلى الخريبة «٢» من الباطنة «٣» ، ثم يأتيه بكسرات وملح. فلما صرت عنده، وقرّبه إليّ، إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون، أطعمكم الله من طعام الجنّة. قال: بورك فيك. فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول. فأعاد عليه السائل، فقال: إذهب، ويلك فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة، والطعام بين يديه. قال إذهب ويلك، وإلا خرجت إليك، والله، فدققت ساقيك. قال السائل: سبحان الله، ينهي الله أن ينهر «٤» السائل، وأنت تدق ساقيه؟ فقلت للسائل: إذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين، بعد ردّه إيّاك. أبو يعقوب الدقنان وكان أبو يعقوب الدقنان «٥» يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال. وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم، واشترى بصلا بدانق «٦» ، وباذنجانا بدانق، وقرعة بدانق، فإذا كان أيام الجزر فجزرا

стр. 155

بدانق، وطبخه كله سكباجا. فأكل وعياله، يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر، وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم. فإذا كان يوم السبت ثرّدوا «١» خبزهم في المرق. فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل؛ فإذا كان يوم الإثنين أكلوا الجزر، فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع، فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان، فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم. فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال. أهل الجزيرة قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة، وإذا هم في بلاد باردة، وإذا حطبهم شرّ حطب، وإذا الأرض كلّها غابة واحدة طرفاء «٢» . فقلنا: «ما في الأرض أكرم من الطرفاء» . قالوا: «هو كريم، ومن كرمه نفّر» . قالوا: فقلنا: «وما الذي تفرّون منه» ؟ قالوا: «دخان الطرفاء يهضم الطعام، وعيالنا كثير» . أهل المازح والمديبر وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكنانهم «٣» من دقيق شعير، وحشوه- الذي يكون فيه الجوز والسكر، من دقيق خشكار. وأهل المازح لا يعرفون بالبخل، ولكنهم أسوأ الناس حالا، فتقديرهم على قدر عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب «٤» . فأما من يضيّق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق، فليس سبيله سبيل القوم.

стр. 156

سليمان الكثريّ قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري سمّي بذلك لكثرة ماله. وكان يقرّبني وأنا صبي إلى أن بلغت. ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط. وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء. فدخلت عليه يوما، وإذا قدّامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطا؛ فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ قطعة، فلما نظر إليّ قبضت يدي، فقال: «لا تنقبض وانبسط واسترسل وليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب، فخذه كله، فهو لك بزوبره «١» ، وبحذافيره، وهو لك جميعا؛ نفسي بذلك سخيّة. والله يعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير» . فتركته بين يده، وقمت من عنده وجعلته وجهي، كما أنا، إلى العراق. فما رأيته وما رآني حتى مات. وقال المكيّ: سمعني سليمان، وأنا أنشد شعر امرىء القيس: «٢» لنا غنم نسوقها غزار ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ «٣» فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ «٤» قال: لو كان ذكر مع هذا شيئا من. الكسوة لكان جيدا. وهو الذي قال ليحيى بن خالد، حين نقب في أبي قبيس، وزاد في داره: عمدت الى شيخ الجبال فزعزعته وثلمت فيه. وقال: حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه.

стр. 157

محفوظ النقّاش صحبني محفوظ النقّاش من مسجد الجامع ليلا. فلما صرت قرب منزله، وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي، سألني أن أبيت عنده، وقال: «أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة وليس معك نار، وعندي لبأ «١» ، لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له» . فملت معه. فأبطأ ساعة ثم جاءني بجأم لبأ وطبق تمر، فلما مددت قال: «يا أبا عثمان إنه لبأ وغلظه، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفا، وما زال الغليل «٢» يسرع إليك، وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء. فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلا ولا تاركا، وحرشت طباعك «٣» ، ثمن قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. وإن بالغت بتنا في ليلة سوء، من الإهتمام بأمرك. ولم نعدّ لك نبيذا ولا عسلا. وإنما قلت هذا الكلام، لئلا تقول غدا: كان وكان. والله قد وقعت بين نابي أسد. لأني لو لم أجئك به، وقد ذكرته لك، قلت: «بخل به وبدا له فيه» ؛ وإن جئت به، ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كل ما عليك فيه، قلت: «لم يشفق عليّ ولم ينصح» . فقد برئت إليك من الأمرين جميعا فإن شئت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال، ونوم على سلامة» . فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعا فما هضمه الا الضحك والنشاط والسرور، فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم لأتي عليّ الضحك، أو لقضي عليّ ولكن ضحك من كان وحده

стр. 158

لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب. حديث أبي القماقم قال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يردّ ما صار في يدي لك، فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي، وإن لم يكن لي فأنا أحقّ به مّمن صيّره في يدي. ومن أخرج من يده شيئا إلى غيره، من غير ضرورة، فقد أباحه لمن صيّره إليه. وتفريقك إياه مثل إباحته. وقالت له إمرأة: ويحك يا أبا القماقم إني تزوجت زوجا نهاريّا «١» ، والساعة وقته، وليست عليّ هيئة فاشتر لي بهذا الرغيف آسا «٢» ، وبهذا الفلس دهنا، فانك تؤجر. فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه. فيرزقني على يدك شيئا أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني؛ فأخذهما وجعلها وجهه؛ «٣» فرأته بعد أيام، فقالت: سبحان الله أما رحمتني مما صنعت بي؟ قال: ويحك سقط والله مني الفلس، فمن الغمّ أكلت الرغيف. وتعشق واحدة، فلم يزل يتبعها، ويبكي بين يديها، حتى رحمته. وكانت مكثرة وكان مقلا «٤» فاستهداها هريسة، وقال: أنتم أحذق بها. فلما كان بعد أيام تشهى عليها رؤوسا، فلما كان بعد قليل طلب منها حيسة فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشيلة «٥» . قالت المرأة: رأيت

стр. 159

عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء، وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك. وقال أبو الأصبغ: ألحّ أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم، يسأل عن مال المرأة ويحصيه. ويسأل عنه. فقالوا: قد أخبرناك بمالها، فأنت أيّ شيء مالك؟ قال: وما سؤالكم عن مالي؟ الذي لها يكفيني ويكفيها. سمعت شيخا من مشايخ الأبلّة «١» يزعم أنّ فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء أهل الأبلّة. قلت: بأيّ شيء فضّلتهم؟ قال: هم أشدّ تعظيما للأغنياء وأعرف بالواجب. بين رجلين ابليّين ووقع بين رجلين أبليّين كلام. فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا، فردّ عليه مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارا شديدا، ولم أر لذلك سببا. فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال؟ قالوا: لأنه أكثر منه مالا. وإذا جوّزنا هذا له، جوزّنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله. وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح «٢» يسمعني ولا أسمعه؟ أفهو أكثر مالا مني؟ ثم سكت. قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبليّ مقيما مطمئنا، فإذا جاء المدّ قالوا: «ما رأينا مدّا قط ارتفع ارتفاعه، وما أطيب السير في المدّ، والسير في المد إلى البصرة أطيب من السير في الجزر الى الأبلّة» . فلا يزالون به حتّى يرى أنّ من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه.

стр. 160

أحمد بن الخاركي كان أحمد بن الخاركي بخيلا، وكان نفّاجا «١» . وهذا أغيظ ما يكون. وكان يتخذّ لكل جبّة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبّتين. ويشتري الأعذاق «٢» والعراجين «٣» والسعف «٤» من الكلّاء، فإذا جاء به الحمّال إلى بابه تركه ساعة يوهم الناس أنّ له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها. وكان يكتري قدور الخمّارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرّى أعظمها، ويهرب من الحمالين بالكراء» ؟ كي يصيحوا بالباب: «ويشربون الداذيّ «٥» والسّكر، ويحبسون الحمّالين بالكراء» وليس له في منزله رطل دبس. وسمع قول الشاعر: رأيت الخبز عزّ لديك حتى ... حسبت الخبز في جوّ السحاب وما روّحتنا «٦» لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب فقال: ولم ذبّ عنهم لعنه الله؟ والله ما أعلم إلا أنه شهيّ اليهم الطعام، ونظف لهم القصاع «٧» ، وفرّغهم له، وسحرّهم عليه. ثم ألا تركهم تقع في قصاعهم وتسقط على انافهم وعيونهم؟ هو والله أهل لما هو أعظم من هذا. كم ترون من مرّة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى يتقزّر «٨» بعضهم، أو يكفي الله شرّه.

стр. 161

قال: وأما قوله: «رأيت الخبز عزّ لديك حتى» قال: فإذا لم أعزّ هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات «١» ، وأمير الأغذية، فأيّ شيء أعزّ. أي والله، إنّي أعزّه، وأعزّه، وأعزّه، وأعزّه، مدى النفس، ما حملت عيني الماء. وبلغ من نفجه مع ذلك ما خبّرني به إبراهيم بن هانيء «٢» قال: كنت عنده يوما، إذ مرّ به بعض الباعة، فصاح: «الخوخ الخوخ» . فقلت: «وقد جاء الخوخ بعد» ؟ قال: «نعم قد جاء، وقد أكثرنا منه» ، فدعاني الغيظ عليه الى أن دعوت البيّاع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: «ويحك نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد اكثرت منه؟ وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك» ، ثم أقبلت على البياع فقلت: «كيف تبيع الخوخ؟» ، فقال: «ستة بدرهم» . قلت: «أنت ممن يشتري ستّ خوخات بدرهم، وأنت تعلم أنه يباع بعد أيام مائتين بدرهم» ؟ ثم تقول: «وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم» . قال: «وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء» . غلام صالح بن عفان كان غلام صالح بن عفّان يطلب منه نفطا لبيت الحمار بالليل، فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس، والطسّوج «٣» أربعة فلوس. ويقول: طسّوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي. وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمّام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسّوجا، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردّك؟

стр. 162

قال أبو كعب: دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه، ليفطروا عنده في شهر رمضان، وكنت فيهم. فلما صلّينا المغرب، ونجز «١» ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جلّ ذكره: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا وقال: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . اسمعوا ما أقول، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة، والبعد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة؛ إذا مدّ أحدكم يده إلى الماء فاستسقى، وقد أتيتم ببهطّة «٢» أو بجوذابة «٣» أو بعصيدة، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء، ولا يحتاج فيه إلى مضغ، وهو طعام يد لا طعام يدين، وليست على أهل اليد منه مؤونة، وهو ممّا يذهب سريعا، فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم. فإنكم تجمعون عليه خصالا، منها: إنكم تنغصّون عليه تلك الشّربة، إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم. ومنها أنكم تحنقونه، ولا يجد بدّا من مكافأتكم، فلعلّه أن يتسرّع الى لقمة حارّة، فيموت، وأنتم ترونه، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: «لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد؟ قال: «لأن اللحم ظاعن «٤» والثريد مقيم» . وأنا وإن كان الطعام طعامي، فإني كذلك أفعل، فإذا رأيتم فعلي يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم» . قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا فمدّ يده إلى القصعة، وقد مد يده صاحبه الى الماء. فيقول له موسى: يدك يا ناسي. ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل. قال: وأتانا بأرزة ولو شاء إنسان أن يعدّ حبّها لعدّه، لتفرّقه ولقلته.

стр. 163

قال: فنثروا عليها لبكة من دبس مقدار نصف أسيكرة، فوقعت ليلتئذ في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي ثم قال: «أجرش «١» يا أبا كعب أجرش» . قلت: «ويلك أما تتقي الله! كيف أجرش جزأ لا يتجزّأ» ؟ قصة ابن العقدي كان ابن العقدي ربما استزار أصحابه الى البستان، وكنت لا أظنه ممّن يحتمل قلبه ذلك على حال. فسألت ذات يوم بعض زوّاره فقلت: «إحك لي أمركم» . قال: «وتستر عليّ» ؟ قلت: «نعم ما دمت بالبصرة» . قال: «يشتري لنا أرزّا بقشره ويحمله معه، ليس معه شيء ممّا خلق الله إلا ذلك الأرز. فإذا صرنا إلى أرضه، كلّف أكاره أن يجشّه في مجشّة «٢» له، ثم ذرّاه «٣» ، ثم غربله. ثم جشّ الواش «٤» منه. فإذا فرغ من الشراء والحمل، ثم من الجشّ، ثم من التذرية، ثم من الإدارة والغربلة، ثم من جشّ الواش، ثم من تذريته، ثم إدارته وغربلته، كلّف الأكّار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه «٥» . فإذا طحنه كلّفه أن يغلي له الماء، وأن يحتطب له، ثم يكلّفه العجن، لأنه بالماء الحارّ أكثر نزلا. ثم كلّف الأكّار أن يخبزه. وقبل ذلك ما قد كلّفهم أن ينصبوا له الشصوص «٦» للسمك، ويسكروا الدرياجة «٧» على صغار السمك لا

стр. 164

يدخلوا في السواقي، فيدخلوا أيديهم في جحرة الشلابي والرمان «١» . فإن أصبنا من السمك شيئا، جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق، حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير. فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كدّ وجوع انتظار. ثم لا يكون عشاؤنا إلا خبز أرزّ أسود غير منخول بالشلابي. ولو قدر على غير ذلك فعل» . قلت له: «فلم لا يتخذ موضع مرازّ «٢» من بعض رقاق أرضه، فيبذر لكم الأرز ثم يكون الخيار في يده، إن أراد أن يعجّل عليكم الطعام أطعمكم الفرد، أو إن أحبّ أن يتأنّى ليطعمكم الجوهريّ» . قال: والله لئن سمع هذا وسرفه ليتكلّفنّه. الله الله فينا، فإنا قوم مساكين، ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء. اسماعيل بن غزوان حدّثني المكّي قال: بتّ عند إسماعيل بن غزوان، وإنما بيّتني عنده حين علم أني تعشّيت عند مويس، وحملت معي قربة نبيذ، فلمّا مضى من الليل أكثره، وركبني النوم، جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي «٣» . وليس في البيت إلا مصلّى له، ومرفقة ومخدّة. فأخذ المخدّة فرمى بها إليّ، فأبيتها «٤» ورددتها عليه، وأبي وأبيت. فقال: «سبحان الله! يكون أن تتوسّد مرفقك، وعندي فضل مخدّة» ؟ فأخذتها فوضعتها تحت خدّي. فمنعني من النوم إنكاري للموضع، ويبس فراشي. وظنّ أني قد نمت، فجاء قليلا قليلا، حتى سلّ المخدّة من تحت رأسي. فلما رأيته قد مضى بها، ضحكت وقلت: «قد كنت عن هذا غنيا» ! قال: «إنّما جئت لأسوّي رأسك» .

стр. 165

قلت: «إني لم أكن أكلّمك حتى ولّيت بها» قال: «كنت لهذا جئت، فلما صارت المخدّة في يدي نسيت ما جئت به. والنبيذ، ما علمت، والله يذهب بالحفظ أجمع» . وحدثني الحزامي والمكيّ والعروضيّ، قالوا: سمعنا إسماعيل يقول: أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة. ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم الناس أنه سخيّ. وفينا من يزعم الناس أنه بخيل. فانظر أيّ الفريقين أعقل؟ هأنذا وسهل بن هارون، وخاقان بن صبيح «١» ، وجعفر بن سعيد، والحزاميّ، والعروضي، وأبو يعقوب الخريمي «٢» . فهل معك إلا أبو إسحاق «٣» ؟. وحدّثني المكّي، قال: قلت لإسماعيل مرّة: «لم أر أحدا قطّ أنفق على الناس من ماله، فلمّا احتاج إليهم آسوه» «٤» . قال: «لو كان ما يصنعون لله رضى، وللحقّ موافقا، لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض. ولو كان هذا الإنفاق في حقه، لما ابتلاهم الله جلّ ذكره من جميع خلقه» . حدّثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار، وكان له عرس. فجعل طعامه كله فالوذق «٥» فقيل له: إن المؤونة تعظم. قال: «احتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة. لعن الله النساء، ما أشك أن من أطاعهن شرّ منهن» . وحديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل

стр. 166

غايته، وصار إماما، وإنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه. وكان مما يقول له: «كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع قد أخملت «١» . لك عندي أن لا تعرى ولا تضحى «٢» » ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذلّ ولا تزعج منه» . وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه. وأن أهله الّحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن ذلك. ثم حمل درهما فقط. فبيناه ذاهب إذ رأى حوّاء «٣» قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه: «اتلف شيئا تبذل فيه النفس، بأكلة أو شربة، والله ما هذا إلا موعظة لي من الله» . فرجع إلى أهله، ورد الدرهم الى كيسه. فكان أهله في بلاء، وكانوا يتمنون موته والخلاص منه بالموت، والحياة بدونه. فلما مات وظن أنهم قد استراحوا منه، قدم إبنه، فاستولى على ماله وداره، ثم قال: «ما كان أدم أبي؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام» . قالوا: «كان يتأدّم «٤» بجبنة عنده» . قال: «ارونيها» «٥» . فإذا فيها حزّ كالجدول من أثر مسح اللقمة. قال: «ما هذه الحفرة» ؟ قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره، فيحفر كما ترى قال: «فهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد. لو علمت ذلك ما صلّيت عليه» . قالوا: «فأنت كيف تريد أن تصنع» ؟ قال: «أضعها من بعيد، فأشير اليها باللقمة» .

стр. 167

ولا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم مثله، أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره. وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من هذه البابة. حديث ابن جهانة قال ابن جهانة الثقفية: عجبت ممّن يمنع النبيذ طالبه، لأن النبيذ إنما يطلب ليوم فصد. أو يوم حجامة، أو يوم زيارة زائر، أو يوم أكل سمك طريّ، أو يوم شربة دواء. ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ، ولا ليدّخره ويحتكره، ولا ليبيعه ويعقد منه. وهو شيء يحسن طلبه، وتحسن هبته، ويحسن موقعه. وهو في الأصل كثير رخيص. فما وجه منعه؟ ما يمنعه عندي إلا من لا حظّ له في أخلاق الكرام. وعلى أني لست أوجل «١» بما أهب منه على نبيذي النّقصان، لأني إذا احتجبت عن ندمائي، بقدر ما اخرجت من نبيذي، رجع إليّ نبيذي على حاله، وكنت قد تحمّدت بما لا يضرّني. فمن ترك التحمّد بما لا يضرّه كان من التحمّد بما يضرّه أبعد. فذكر ابن جهانة ما له من الكرم بهبة نبيذه، ولم يذكر ما عليه بحجب ندمائه. حديث الأصمعي قال الأصمعي أو غيره: حمل بعض الناس مديني على برذون «٢» ، فأقامه على الأريّ «٣» . فانتبه من نومه فوجده يعتلف، ثم نام فانتبه فوجده

стр. 168

يعتلف، فصاح بغلامه: «يا ابن أمّ بعه وإلا فهبه وإلا فردّه وإلا فاذبحه. أنام ولا ينام؟ يذهب بحرّ مالي؟ ما أراد إلا استئصالي» . حديث أبي الحسن المدائني قال أبو الحسن المدائني: كان بالمدائن «١» تمار «٢» ، وكان غلامه إذا دخل الحانوت يحتال فربما احتبس «٣» فاتهمه بأكل التمر. فسأله يوما فأنكر، فدعا بقطنة بيضاء، ثم قال: «امضغها» فمضغها، فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة. قال: «هذا دأبك «٤» كلّ يوم، وأنا لا أعلم؟ أخرج من داري» . وكان عندنا رجل من بني أسد، إذا صعد ابن الأكّار الى نخلة له، ليلقط له رطبا، ملأ فاه ماء. فسخروا به، وقالوا له: «إنه يشربه ويأكل شيئا على النخلة، فإذا أردا أن ينزل بال في يده، ثم أمسكه فيه» . والرطب أهون على أولاد الأكرة، وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه أحد شطر هذا المكروه ولا بعضه. قال: فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أخضر، لكيلا يقدر على مثله في رؤوس النخل. حديث المصري وحدّثني المصري وكان جار الدار دريشي، وماله لا يحصى، قال: فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده، ثم وقف آخر فانتهره، إلا أن ذلك بغيظ وحنق «٥» . قال: فأقبلت عليه فقلت له: «ما أبغض إليك

стр. 169

السؤال» قال: «أجل عامة من ترى منهم أيسر مني» . قال: فقلت: «ما أظنك أبغضتهم إلا لهذا» . قال: «كل هؤلاء لو قدروا على داري هدموها، وعلى حياتي لنزعوها. أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كلما سألوني، كنت قد صرت مثلهم منذ زمان. فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا» . وكان أخوه شريكه في كل شيء، وكان في البخل مثله، فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا، ونحن على بابه، طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين، فبينما نحن نأكل إذ جاء أخوه، فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار. فأنكرنا ذلك، وكان يفرط في إظهار البشر، ويجعل البشر وقاية دون ماله. وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع والكبر قتل. قال: ولم نعرف علته، ولم يعرفها أخوه. فلّما كان الجمعة الأخرى، دعا أيضا أخوه بطبق رطب، فبينا نحن نأكل، إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف، فأنكرنا ذلك، ولم ندر أيضا ما قصته. فلما أن كان في الجمعة، ورأى مثل ذلك، كتب إلى أخيه: «يا أخي كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد، ومع الكثرة يقع الإختلاف. ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه. وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها، وصامت «١» في منزلي وصامت في منزلك، لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض. وإن طرقنا أمر الله، ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية، وطال الصخب بين هؤلاء النسوة. فالرأي أن نتقدّم اليوم فيما يحسم عنهم هذا السبب» . فلما قرأ أخوه كتابه، تعاظمه ذلك وهاله. وقلب الرأي ظهرا لبطن، فلم يزده التقليب إلا جهلا. فجمع ولده وغلّظ عليهم، وقال: «عسى

стр. 170

أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة، أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء» . فلما عرف براءة ساحة القوم، تمشى اليه حافيا راجلا، فقال: «ما يدعوك إلى القسمة والتمييز؟ ادع صلحاء أهل المسجد الساعة، حتى أشهدهم بأني وكيل لك في هذه الضياع. وحوّل كلّ شيء في منزلي الى منزلك. وجرّب ذلك مني الساعة، فإن وجدتني أروغ «١» وأعتّل، فدونك «٢» . فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي» . قال: «مالك من ذنب، وما من القسمة من بد» . فأقام عنده يناشده الى نصف النهار، ثم أقام يومه ذلك الى نصف الليل، يناشده ويطلب إليه. فلما طال عليه الأمر، وبلغ منه الجهد، قال له: «حدّثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك، وإحضارك الماء البارد، وجمعك الناس على بابي في كل جمعة، كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا. إنك إذا أطعمتهم اليوم البرنيّ «٣» أطعمتهم غدا السكر، وبعد غد الهلباثا «٤» . ثم يصير ذلك بعد أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع، ثم يتحوّل الرّطب إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء. ثم تصير الى الكساء ثم الأجداء «٥» ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع. والله إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا، فكيف بمال تاجر جمعه من الحبّات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف؟» ؛ قال: «جعلت فداك تريد أن لا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ذلك؟ وأخرى فلا والله لا كلّمتهم أبدا» . قال: إياك أن تخطىء مرّتين: مرّة في إطماعهم فيك،

стр. 171

ومرّة في إكتساب عدواتهم. أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه. وتسلّم تسلم «١» » . أبو الهذيل كان أبو الهذيل «٢» أهدى إلى مويس «٣» دجاجة. وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذّ لمويس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجّب من سمنها وطيب لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد. فقال: «وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة» ؟ قال: «كانت عجبا من العجب» ، فيقول: «وتدري ما جنسها؟ وتدري ما سنّها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسنّ. وتدري بأيّ شيء كنّا نسمنها وفي أي مكان كنا نعلفها؟» . فلا يزال في هذا، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل. وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة. فإن ذكروا دجاجة قال: «أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة؟» ، فإن ذكروا بطة أو عناقا «٤» أو جزروا «٥» أو بقرة قال: «فأين كانت هذه الجزور في الجزر، من تلك الدجاجة في الدجاج؟» ، وان استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم قال: «لا والله ولا تلك الدجاجة» ، وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج» ،

стр. 172

وإن ذكروا ميلاد شيء، أو قدوم إنسان قال: «كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة، إلا يوم» . وكانت مثلا في كل شيء، وتاريخا في كل شيء. وأقبل مرّة على محمد بن الجهم «١» ، وأنا وأصحابنا عنده، فقال: «إني رجل منخرق الكفين «٢» ، لا أليق شيئا. ويدي هذه صناع في الكسب، ولكنها في الإنفاق خرقاء. كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الأخوان في مجلس؟ أبو عثمان يعلم ذلك. أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟» ، فقلت: «يا أبا هذيل ما نشك فيما تقول» . فلم يرض بإحضاري هذا لكلام حتى استشهدني «٣» ولم يرض باستشهادي حتى استحلفني. أبو سعيد المدائني: كان أبو سعيد المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة. وكان من كبار المعيّنين ومياسيرهم، وكان شديد العقل، شديد العارضة «٤» ، حاضر الحجّة «٥» ، بعيد الرويّة. وكنت أتعجبّ من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع، قال أصحابنا: «كلّ لئيم بخيل، وليس كل بخيل لئيما» . لأن اسم اللئيم يقع على البخل، وعلى قلة الشكر، وعلى مهانة النفس، وعلى

стр. 173

أن له في ذلك عرقا متقدما «١» . قال أبو زيد: هو لئيم ملأم، فاللئيم ما فسّرت، والملأم الذي يقوم بعذر اللئيم «٢» . فأما اللئيم الراضع، فالذي لا يحلب في الإناء، ويرضع من الخلف «٣» ، مخافة أن يضيع من اللبن شيء. قال ثوب ابن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية: وحديث مالجة «٤» التي حدّثتني ... تدع الإناء تشرّبا للقادم (القادمان الخلفان المقدمان) ؛ فلما بلغه ذلك عنها طلّقها، فلما طلّقها قيل له: إن البخيل إنما يعيب الرجل، ومتى سمعت بإمرأة هجيت في البخل؟ قال: ليس ذلك بي «٥» . أخاف أن تلد لي مثلها. قال رافع بن هريم «٦» : ...... تحلب قاعدا ... وتملج أحيانا وقعبك حاضر يدعو الله عليه أن يجعله صاحب شاء، ولا يجعله صاحب إبل، وأن يرتضع من الخلف، وإن كان معه إناء. والعربيّ ربما أتلى «٧» على صاحبه فيقول: «إن كنت كاذبا فاحتلبت قاعدا» . أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم. فكيف نتعجّب من لؤم الرّاضع، وقد صنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك: اصطبغ من دنّ خلّ، وهو قائم حتى فني ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا.

стр. 174

وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب العينة والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح. فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الخريبة في كل يوم ليقتضي رجلا هناك دراهم فضلت عليه، وقالوا: «هذا خطأ عظيم وتضييع كثير. وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع. وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء» . فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ والإستفادة منه؛ قالوا: نراك تصنع شيئا لا نعرفه، والخطأ منك أعظم منه من غيرك. قد أشكل علينا هذا الأمر، فأخبرنا عنه، فقد ضاقت صدورنا به. خبرنا عن مضيّك الى الخريبة «١» لتقتضي خمسة دراهم. فواحدة أنا لا نأمن عليك إنتقاض بدنك «٢» ، وقد خلا من سنّك، وان تعتل فتدع القاضي للكثير بسبب القليل. وثانية أنك تنصب هذا النصب «٣» ، فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى، أو تتعشى إن كنت ممن لا يتعشى. وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم. وبعد، فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق، وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك، فمن ههنا نترة «٤» ، ومن ههنا جذبة، فإذا الثوب قد أودى. ومن ذلك أن نعلك تنقب وترّق وساق سراويلك تتسخ وتبلى. ولعلك أن تعثر في نعلك. فتقدّها قدّا، ولعلك تهرتها هرتا «٥» . وبعد، فاقتضاء القليل أدّى بك إلى هذا وما بلغت منه شيئا. وأنك أفضل. إلا أنّا نحبّ أنك تجلّي عن الأمر بشيء، فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء» . قال أبو سعيد: «أما ما ذكرتم من انتقاض البدن، فإن الذي أخاف على بدني من الدعة، ومن قلة الحركة أكثر. وما رأيت أصح أبدانا من الحمّالين

стр. 175

والطوّافين «١» . والقوم قبلي أن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة. وليس يقول الناس: والله لفلان أصح من الجلاوزة «٢» ؟ (يعني اختلاف الجلاوزة في العدو) . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر، فأكثر الصعود والنزول خوفا من قلة الحركة. وأما التشاغل بالبعيد عن القريب، فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب. وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعم فقد أيقنت نفسي، واطمأن قلبي، على أنه ليس لنفسي إلا ما لها، وأنها إن حاسبتني أيام النصب، حاسبتها أيام الراحة. فستعلم حينئذ أين أيام الخريبة من أيام ثقيف «٣» . وأما ما ذكرتم من تلقّي الحمولة، ومن مزاحمة أهل السوق، ومن النّتر والجذب، فأنا أقطع عرض السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم، ثم يكون رجوعي على ظهر السوق «٤» . وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل، فإني من لدن خروجي من منزلي، إلى أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي، وسراويلي في كمّي. فإذا صرت إليه لبستهما، فإذا فصلت من عنده خلعتهما. فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا «٥» وأحسن حالا. بقي الان لكم مما ذكرتم شيء» ؟ قالوا: «لا» ؛ قال: «فههنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم» قالوا: «وما هي» ؟ قال: «إذا علم القريب الدار، ومن لي عليه ألوف الدنانير، شدة مطالبتي للبعيد الدار، ومن ليس لي عليه إلا الفلوس، أتى بحقّي ولم يطمع نفسه في مالي. وهذا تدبير يجمع الى رجوع مالي طول راحة بدني «٦» . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة، لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت. وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير، وموصولا بدين لي مشهور، لجاز أن

стр. 176

أتجافى «١» عنه. فأما أن أدع شيئا يطمع في فضول «٢» ما يبقى على الغرماء «٣» ، فهذا ما لا يجوز» . فقاموا وقالوا بأجمعهم: «لا والله لا سألناك عن مشكلة» . حدّثني أحمد المكي- أخو محمد المكي- وكان متصلا بأبي سعيد، بسبب العينة، وبسبب صنعة المال، ولأعاجيب أبي سعيد وحديثه. قال أحمد: قلت له مرّة: «والله إنك لكثير المال، وإنك لتعرف ما نجهل، وإن قميصك وسخ، فلم لا تأمر بغسله» ؟ قال: «فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف، كيف كان قولك لي؟ إني قد فكرت في هذا منذ ستّة أشهر، فما وضح لي بعد وجه الأمر فيه. أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد. والثوب إذا ترادفه العرق «٤» ، وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد «٥» ، أكل السلك وأحرق الغزل. هذا مع نتن ريحه وقبح منظره. وبعد، فإني رجل آتي أبواب الغرماء، وغلمان غرمائي جبابرة، فما ظنّك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة «٦» وحال حداد «٧» ؟ جبهوا مرة «٨» ، وحجبوا مرة. فيرجع ذلك علينا بمضرّة من إصلاح المال، وأن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه، مع ما يدخل من الغيظ، ويلقى من كان كذلك من المكروه. فاذا اجتمعت هذه الخواطر، هممت بغسلها. فإذا هممت به عارضني

стр. 177

معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل، فقال: أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون. والجارية إذا ازدادت عناء، ازدادت أكلا. والصابون نورة «١» ، والنورة تأكل الثوب وتبلي الخزّ «٢» ، ولا يزال الثوب على خطر حتى يسلم الى القصر والدق. ثم إذا ألقى على الرّسن «٣» ، فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق «٤» . ولا بد من الجلوس يومئذ في البيت. ومتى جلست في البيت، فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات. والثياب لا بد لها من دقّ، فإنّ نحن دققناها في المنزل قطعناها، وإن نحن أسلمناها الى القصار «٥» فغرم على غرم، وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشدّ. وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء «٦» ، وادّعوا عليّ الأمراض والأحداث، وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم. فإذا أنا لبستها، وقد ابيضّت وحسنت وجفّت وطابت، تبيّنت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري، وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض، ففرّقته، فاستبان لي ما لم يكن يستبين، واكترثت لما لم أكن أكترث له. فيصير ذلك مدعاة «٧» الى دخول الحمّام. فإن دخلته فغرم ثقيل، مع المخاطرة بالثياب، ولي امرأة جميلة شابة، إذا رأتني قد اطليت «٨» وغسلت رأسي وبيّضت ثوبي، عارضتني بالتطيّب وبلبس أحسن ثيابها، وتعرضت لي، وأنا فحل، والفحل إذا هاج لم يرد رأسه شيء. فإذا أردت مواقعتها، ورأت حرصي نثرت عليّ الحوائج نثرا. ثم احتجنا إلى تسخين

стр. 178

الماء. وأشد من هذا كله أن تعلق، فتحتاج إلى ظئر «١» ، فنقع في ما لا غاية له. مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد، وبعضها أنا. وكان أبو سعيد هذا، مع بخله، أشدّ الناس نفسا وأحماهم أنفا «٢» . بلغ من أمره ذلك ومن بلوغه فيه، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار، وقد حلّ عليه المال. فكان ربما أطال عنده الجلوس. ويحضر عنده الغذاء فيتغدّى معه، وهو في ذلك يقتضيه. فلما طال عليه المطل، قال له يوما، وهو على خوانه:» إن لهذا المال زكاة مؤداة. وقد علمنا أنّا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا، أنه معرّض للذهاب، وللمنازعة الطويلة، ولأن يقع في الميراث، ثم رضينا منك بالربح اليسير، بالذي ظنناه بك من حسن القضاء، ولولا ذلك لم نرض بهذا المال «٣» . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة، فرفّهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين، ثم مكث عندي، إلى أن أصبت له مثلك، شهرا أو شهرين، محق فضله، وخرج علينا فضل. ومثلك يكتفي بالقليل وقد طال اقتضائي وطال تغافلك» . يقول هذا الكلام، وهو في ذلك لا يقطع الأكل. فأقبل عليه رجل من ثقيف، فعرّض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء. فقطع الأكل، ثم نزا «٤» في وجهه الدم، ونظر إليه نظر الجمل الصؤول «٥» ، ثم كاد يطير «٦» ، ثم أقبل عليه فقال: «لا أمّ لك! أنا إنما

стр. 179

اصطبغت من دنّ خلّ «١» حتى فني من حسن العقل، وأحببت الغنى بغضي للفقر، وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذلّ. تعرّض لي لا أمّ لك بأني أرغب في غدائه؟ والله ما أكلت معه إلا ليستحيي من حرمة المؤاكلة، وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة «٢» » . ثم نهض بالصك «٣» ، وعليه طينته، فاعترض بها الحائط حتى كسرها. ثم تفل في الكتاب وحكّ بعضه ببعض، ثم مزّقه ورمى به. ثم قال لكلّ من شهد المجلس: «هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا على أني قد قبضت منه، وأنه بريء من كل شيء أطالبه به، ثم نهض. فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: «ما دعاك إلى هذا الكلام؟ لم تقوله لهذا الرجل على مائدتي، وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه؟ وبعد، فقد والله أردت مطله الى أن أبيع الثمر، ورجونا حلاوته. فقد أحسنت إليه، وأسأت إلينا وعجّلت عليه ماله. اذهب يا غلام، فاضرب بذلك الثمر السوق «٤» ، فبعه بما بلغ، فيأخذ ماله كملا «٥» » . ثم ركب إليه، فأبى أن يأخذه، فلما كثر الأمر في ذلك قال: «أظن الذي دعا صاحبك الى ما قال إنه عربيّ وأنا مولى «٦» . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه» . فجمع الثقفي كل شعوبيّ «٧» بالبصرة حتى طلبوا إليه «٨» أخذ المال.

стр. 180

وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من دون السكان، وتلقيها على كساحتهم «١» . فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل «٢» ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذ. «٣» وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف «٤» ، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز «٥» وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين «٦» . وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير «٧» الجدد: وما كان من اشكنج «٨» فهو مجموع للبناء، ثم يحرّك ويثار ويخلّل، حتى يجتمع
следующие страницы →