← Адаб

Адаб · id 10501

البخلاء للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (304 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

دلّت على ما يدّل عليه الإسم الواحد في لغة العرب. فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم. «١» حديث إبراهيم بن عبد العزيز وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز، قال: تغدّيت مع راشد الأعور، فأتونا بجام فيه بيّاح سبخيّ «٢» ، الذي يقال له الدرّاج. فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها، ثم أعزله. ثم أشقّها بإثنين من قبل بطنها، فآخذ شوكة الصّلب والأضلاع، فأعزلها، وأرمي بما في بطنها، وبطرف الذنب والجناح ثم اجمعها في لقمة واحدة وآكلها. وكان راشد يأخذ البيّاحة فيقطعها قطعتين، فيجعل كلّ قطعة في لقمة، لا يلقي رأسا ولا ذنبا. فصبر لي على لقم عدة. فلما بلغت المجهود منه قال: «أي بنيّ إذا أكلت لطعام فكل خيره بشرّه» . الزنجيّ والاصبهاني والتمر قال: وكان يقول: لم أنتفع بأكل التمر قط إلا مع الزنج وأهل اصبهان. فأما الزنجيّ فإنه لا يتخيّر وأنا أتخير، وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا يأكل من غيرها، ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة. وهذا سدل، والتخيّر قرفة وجور «٣» . ولا جرم أن الذي يبقى من لتمر لا ينتفع به العيال إذا كان قدّام من يتخيّر. وكان يقول: ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق، وإنما هو تمر وما أصاب.

стр. 247

حديث سرّي بن مكرم وزعم سرّي بن مكرم، وهو ابن أخي موسى بن جناح، قال: كان موسى يأمرنا ألّا نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه. فلما رآنا لا نطاوعه دعا ليلة بالماء، ثمّ خطّ بإصبعه خطا في أرزّة كانت بين أيدينا فقال: هذا نصيبي، لا تعرضوا له، حتى انتفع بشرب الماء. وأحاديثه في صدر الكتاب، وهذا منها. وقال المكيّ لبعض من كان يتعشّى ويفطر عند الباسياني: ويحكم! كيف تسيغون طعامه، وأنتم تسمعونه يقول: «إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا» . ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء، ولا يقرأ غير هذه الآية؟ أنتم والله ضد الذي قال: ألبان إبل تعلّة بن مساور ... ما دام يملكها عليّ حرام وطعام عمران بن أوفى مثله ... ما دام يسلك في البطون طعام إن الذين يسوغ في أعناقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام قال: فمتى تعجب فأعجب من خمسين رجلا من العرب فيهم أبو رافع الكلابي، وهو شاعر نديّ «١» ، يفطرون عند أبي عثمان الأعور. فإفطاري من طعام نصراني أشدّ من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق. حديث أبي المنجوف السدوسي وحدثني أبو المنجوف السّدوسي «٢» ، قال: كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحيّ فمررنا على نهر الأبلّة، ونحن تعبون، فجلسنا إليه. فلم

стр. 248

يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسران «١» أسود، فوضعه بين أيدينا. فأكل الشيخ الذي كان معنا. فلما رأيت أبي لا يأكل لم آكل، وبي إلى ذلك حاجة. فأقبل الناطور على أبي، فقال: «لم لا تأكل» ؟ قال: «والله إني لأشتهيه، ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك إطعام الناس من الغريب. فلو جئتنا بشيء من السهريز والبرنيّ «٢» لأكلنا» ، فقال مولانا، وهو شيخ كبير السنّ: «ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قطّ» . إسماعيل بن غزوان قال المكيّ: دخل إسماعيل بن غزوان الى بعض المساجد يصلّي، فوجد لصف تاما، فلم يستطع أن يقوم وحده، فجذب ثوب شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه. فلما تأخر الشيخ، ورأى إسماعيل الفرج «٣» ، تقدّم فقام في موضع الشيخ وترك الشيخ قائما خلفه ينظر في قفاه، ويدعو الله عليه. ثمامة وقاسم التمّار كان ثمامة يحتشم «٤» أن يقعد على خوانه من لا يأنس به، ومن رأيه أن يأكل بعض غلمانه معه. فحبس قاسم التمّار يوما على غدائه بعض من يحتشمه فاحتمل ذلك ثمامة في نفسه. ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها، ففعل ذلك مرارا حتّى ضجّ ثمامة، واستفرغ صبره. فأقبل عليه فقال: «ما

стр. 249

يدعوك إلى هذا؟ لو أردتهم لكان لساني مطلقا، وكان رسولي يؤدي عني. فلم تحبس على طعامي من لا آنس به» ؟ قال: «إنما أريد أن أسخّيك، فأنفي عنك التبخيل وسوء الظنّ» . فلما أن كان بعد ذلك، أراد بعضهم الانصراف، فقال له قاسم: «أين تريد» ؟ قال: «قد تحرّك بطني، فأريد المنزل» قال: «فلم لا تتوضأ ههنا؟ فإن الكنيف «١» خال نظيف، والغلام فارغ نشيط، وليس من أبي معن «٢» حشمة، ومنزله منزل إخوانه» ، فدخل الرجل يتوضأ؛ فلما كان بعد أيام حبس آخر، فلما كان بعد ذلك حبس آخر، فاغتاظ ثمامة، وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن على مثله قط، ثم قال: «هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخّيني. يحبسهم على أن يخرأوا عندي لمه؟ لأن من لم يخرأ عنده فهو بخيل على الطعام؟ وقد سمعتهم يقولون فلان يكره أن يؤكل عنده، ولم أسمع أحدا قط قال: فلان يكره أن يخرأ عنده» . وكان قاسم شديد الأكل، شديد الحبط «٣» قذر المؤاكلة. وكان أسخى الناس على طعام غيره، وأبخل الناس على طعام نفسه، وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمّل قط. فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة، حتى يجر معه إبنه إبراهيم. وكان بينه وبين إبراهيم إبنه في القذر بقدر ما بينه وبين جميع العالمين. فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظّ في الطّيبات. فأتوه يوما بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة باكليل من عراق، بأكثر ما يكون من العراق «٤» . فأخذ قاسم الذي يستقبله، ثم

стр. 250

أخذ يمنة، وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة، حتى لم يدع إلّا عرقا قدّام ثمامة، ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع. وعارضه ابنه وحكاه. فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع، مسلوبة عارية، واللحم كله بين يده وبين يدي إبنه، إلا قطعة واحدة بين يديه، تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه. فلم يدفعها واحتسب بها في الكرامة والبرّ. فقال قاسم لما فرغ من غدائه: «أما رأيتم إكرام ثمامة لإبني، وكيف خصّه» فلما حكي هذا لي، قلت: «ويلك أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه. هذا أخرجه الغيظ، وهذا الغيظ لا يتركه حتّى يتشفّى منك. فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت، وإن لم يقدر عليه أقدره لك الغيظ. وأبواب التجنّي كثيرة، وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت تجعله ذنبا جعلته، فكيف ذنوب من قرنك إلى قدمك» ! وكان ثمامة يفطر، أيام كان في أصحاب الفساطيط «١» ، ناسا، فكثروا عليه، وأتوه بالرقاع «٢» والشفاعات. وفي حشوة المتكلمّين «٣» أخلاق قبيحة، وفيهم على أهل الكلام، وعلى أرباب الصناعات، محنة عظيمة. فلما رأى ثمامة ما قد دهمه، أقبل عليهم وهم يتعشون فقال: «إن الله لا يستحي من الحق، كلكم واجب الحق، ومن لم تجئنا شفاعته فالحرمة كمن تقدمت شفاعته. كما أنا لو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ لم يكن بعضكم أحق بذلك من بعض، فكذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم بالحرمان من بعض، أو بالحمل عليه «٤» ، أو بالإعتذار اليه، من بعض. ومتى قرّبتكم وفتحت بابي لكم، وباعدت

стр. 251

من هو أكثر منكم عددا، وأغلقت بابي دونهم، لم يكن إدخالي إياكم عذرا لي، ولا في منع الآخرين حجّة» . فانصرفوا ولم يعودوا. قال أبو محمد العروضّي: وقعت بين قوم عربدة، فقام المغنّي يحجز بينهم، وكان شيخا معتلا بخيلا، فمسك رجل بحلقه فعصره، فصاح: معيشتي معيشتي، فتبسم. وحدثني ابن أبي كريمة، قال: وهبوا للكناني المغنّي خابية فارغة؛ كان عند انصرافه وضعوها له على الباب، ولم يكن عنده كراء حمّالها، وأدركه ما يدرك المغنّين من التّيه، فلم يحملها، فكان يركلها ركلة «١» ، فتتدحرج وتدور بمبلغ حميّة الركلة. ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان، ويرى ما تصنع، ثم يدنو منها ثم يركله أخرى، فتتدحرج وتدور، ويقف من ناحية. فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ بها المنزل. عبد النور قالوا: كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن «٢» قد استخفى بالبصرة، في عبد القيس «٣» ، من أمير المؤمنين أبي جعفر وعمّاله. وكان في غرفة قدامها جناح «٤» . وكان لا يطلع رأسه منها. فلما سكن الطلب شيئا، وثبت عنده حسن جوار القوم، صار يجلس في الجناح، يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص، لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة، فلما طالت به الأيام، ومرّت أيام السلامة،

стр. 252

جعل في الجناح خرقا بقدر عينه. فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسمورا. ثم ما زال يفتحه الأول فالأول، إلى أن صار يخرج رأسه، ويبدي وجهه. فلما لم ير شيئا يريبه، قعد في الدهليز، فلما ازداد في الأنس، جلس على باب الدار، ثم صلّى معهم في مصلاهم ودخل، ثم صىّ بعد ذلك وجلس. والقوم عرب، فكانوا يفيضون في الحديث، ويذكرون من الشّعر الشاهد والمثل، ومن الخبر الأيام والمقامات. وهو في ذلك ساكت، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم، خرج عن أدبهم، وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم، فقال له: «يا شيخ إنا قوم نخوض في ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، وأنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك. ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كها، وأخبار المثالب «١» بأسرها، لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك. فلو عرّفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك، ومن مدح عدوّك» . فلطمه شيخ منهم وقال: «لا أمّ لك! محنة كمحنة الخوارج، وتنقير كتنقير العيّابين «٢» . ولم لا تدع ما يريبك الى ما لا يريبك، فسكت إلا عما توقن بأنه يسرّه» ؟ قال: وقال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر، فتحولت الى شقّ بني تميم. فنزلت برجل، فأخذته بالثقة، وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم. وكان للرجل كنيف إلى جانب داره، يشرع في طريق لا ينفذ، إلا من مرّ به في ذلك الشارع رأى مسقك الغائط من خلاء ذلك الجناح. وكان صاحب الدار ضيّق لعيش، فاتّسع بنزولي عليه. فكان القوم إذا مرّوا به، ينظرون إلى موضع الزبل والغائط، فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه. فبينا أنا جالس ذات يوم، إذ أنا

стр. 253

بأصوات ملتفّة على الباب، وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر، وإذا الجيران قد اجتمعوا إليه، وقالوا: ما هذا الثلط «١» الذي يسقط من جناحك، بعد أن كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك. وهذا ثلط يعبّر عن كل غضّ. ولولا أنك انتجعت «٢» على بعض من تستر وتوارى لأظهرته. وقد قال الأول: السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى. فلسنا نأمن من أن يجرّ على الحيّ بليّة، ولست تبالي إذا حسنت حالك في عاجل أيامك الام يفضي بك الحال، وما تلقى عشيرتك. فأمّا أن تخرجه إلينا، وإما أن تخرجه عنا» . قال عبد النور: فقلت: «هذه والله القيافة، ولا قيافة بني مدلج «٣» . إنا لله! خرجت من الجنة إلى النار» . وقلت: «هذا وعيد وقد أعذر من أنذر» . فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء، ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك «٤» . الأصمعي وجلساؤه شهدت الأصمعي يوما، وأقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم، وعمّا يأكلون ويشربون. فأقبل على الذي عن يمينه، فقال: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: «اللحم» ، قال: «أكل يوم لحم» ؟ قال: «نعم» ، قال: «وفيه الصفراء البيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرّة» ؟ قال: «نعم» . قال: «بئس العيش! هذا ليس عيش آل

стр. 254

الخطاب. كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا، وكان يقول: مدمن اللحم كمدمن الخمر» . ثم سأل الذي يليه، قال: «أبا فلان ما إدامك» «١» ؟ قال: «الآدام الكثيرة والألوان الطيّبة» ، قال: «أفي إدامك سمن» ؟ قال: «نعم» ، قال: «فتجمع السمن والسمين على مائدة» ؟ قال: «نعم» . قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا. وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدّرها في قدر واحدة، وقال إن العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا» . ثم يقبل على الآخر، فيقول: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: «اللحم لسمين، والجداء الرضع» . قال: «فتأكله بالحوّاري «٢» » ؟ قال: «نعم» قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان بن الخطاب يضرب على هذا. أو ما سمعته يقول: أتروني لا أعرف الطعام الطّيب؟ لباب. البرّ بصغار المعزى. ألا تراه كيف ينتفي من أكله، وتنتحل معرفته» ؟ ثم يقبل على الذي يليه، فيقول: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول: «أكثر ما نأكل لحوم الجزور، ونتخذ منها هذه القلايا، ونجعل بعضها شواء» ، قال: «أفتأكل من أكبادها واسنمتها، وتتخذ لك الصباغ «٣» » ؟ قال: «نعم» . قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب يضرب على هذا، أو ما سمعته يقول: «أتروني لا أقدر أن اتخذ أكبادا وأفلاذا «٤» وصلائق «٥» وصنابا «٦» » ؟ ألا تراه كيف ينكر أكله، ويستحسن معرفته» ؟

стр. 255

ثم يقول للذي يليه: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول: «الشبارقات «١» والأخبصة والفالوذجات «٢» » . قال: «طعام العجم، وعيش كسرى، ولباب البرّ، بلعاب النحل، بخالص السمن» ، حتى أتى على آخرهم؛ كل ذلك يقول: «بئس العيش هذا. ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب. يضرب على هذا» . فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم، فقال: «يا أبا سعيد ما أدمك» ؟ قال: «يوما لبن، ويوما زيت، ويوما سمن، ويوما تمر، ويوما جبن ويوما قفار، ويوما لحم. عيش آل خطاب» . ثم قال: قال أبو الأشهب: كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما. فإن غلا فبدرهم، فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم. ونبّئت عن رجل من قريش أنه كان يقول: «من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطي» وإنه قال لابنه: «أي بني؛ إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطى» . ثم أقبل علينا، فقال: هل علمتم أن اليأس أقلّ من القناعة وأعزّ؟ إن الطمع لا يزال طمعا، وصاحب الطمع لا ينتظر لأسباب، ولا يعرف لطمع الكاذب من الصادق. والعيال عيالان: شهوة مفسدة وضرس طحون «٣» ، وأكل الشهوة أثقل من أكل الضرس؛ وقد زعموا أن العيال سوس المال، وأنه لا مال لذي عيال. وأنا أقول إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس، وتأتي على ما

стр. 256

يقصّر دونه العيال وقد قال الحسن: «ما عال أحد قط عن قصده» . وقيل لشيخ من أهل البصرة: «مالك لا ينمى لك مال» ؟ قال: «لأني اتخذت العيال قبل المال، واتخذ الناس المال قبل العيال» ، وقد رأيت من تقدم عياله ماله فجبره الإصلاح، ورفده الإقتصاد، وأعانه حسن التدبير، ولم أر لشهواتي تدبيرا، ولا لشرهي صبرا. وقال إياس بن معاوية «١» : «إن الرجل يكون عليه ألف فيصلح فتصلح له الغلة، ويكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح فتصلح له الغلة، فيكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيبيع العقار في فضل النفقة «٢» » . وذكر الحديث عن أبي لينة «٣» ، قال: كنت أرى زيادا وهو أمير يمرّ بنا على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج «٤» على عنقها» . وكان سلم بن قتيبة يركب بغلة وحده، ومعه أربعة آلاف مرابطة «٥» . ورآه الفضل بن عيسى على حمار، وهو أمير، فقال: «قعود نبي وبذلة جبار «٦» » ، ولو شاء أبو سيّارة «٧» أن يدفع بالعرب على جمل مهريّ «٨» ، أو فرس عتيق لفعل، ولكنه أراد هدي الصالحين. وحمل عمر على برذون فهملج «٩» تحته، فنزل عنه، فقال لأصحابه: «جنّبوني هذا الشيطان» . ثم قال لأصحابه: «لا تطلبوا العز بغير ما أعزّكم الله به» .

стр. 257

قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال: «ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا الأذان» ، وأنا أقول ذلك، ولم يزل الناس في هبوط ما ترفّعوا بالإسراف وما رفعوا البنيان للمطاولة. وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سلمان في أيهما كان أسبق الى ركوب البراذين. وما للتاجر وللبرذون «١» ؟ وما ركوب التجار للبراذين إلا كركوب العرب للبقر. لو كانوا إذا جلسوا في الخيوش «٢» ، واتخذوا الحمامات في الدور، وأقاموا وظائف الثلج والريحان، واتخذوا القيان والخصيان، استردّ الناس ودائعهم، واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم، لعادوا الى دينهم وعيشهم. واقتصادهم. وإذا رآهم أصحاب الغلّات وأهل لشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا دونهم في البزّة والهيئة، فهلكوا وأهلكوا. زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى «٣» أراد يوما حاجة كان طريقه اليها على باب الأصمعي، وأنه دفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار، وقال له: «سأنزل في رجعتي الى الأصمعي، وسيحدّثني ويضحكني. فإذا رأيتني قد ضحكت، فضع الكيس بين يديه» . فلما دخل فرأى حبّا «٤» مقطوع الرأس، وجرّة مكسورة العروة. وقصعة مشعّبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلّى بال، وعليه برّ كان «٥» أجرد، غمز غلامه بعينه ألا يضع الكيس بين يديه، ولا يدفع اليه شيئا. فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه، فما تبسّم.

стр. 258

فقال له أنس: «ما أدري من أي أمريك أعجب: أمن صبرك على الضحك، وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله، أم من تركك إعطاءه، وقد كنت عزمت على إعطائه، وهذا خلاف ما أعرفك به» ؟ قال: «ويلك! من استرعى الذئب فقد ظلم، ومن زرع سبخة «١» حصد الفقر. إني والله لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل، لما احتفلت بنشره له باللسان. وأين يقع مديح اللسان من مديح آثار الغنى على الإنسان. فاللسان قد يكذب، والحال لا تكذب. لله در نصيب حيث يقول: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب أعلمت أن ناووس أبرويز «٢» امدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة «٣» ؛ لأن الشاعر يكذب ويصدق، وبنيان المراتب لا يكذب مرة ويصدق مرة. فلست بعائد إلى هذا بمعروف أبدا. كان الأصمعي يتعوّذ بالله من الإستقراض والإستفراض «٤» ، فأنعم الله عليه، حتى صار هو المستقرض منه، والمستفرض ما عنده. فاتفق أن أتاه في يوم واحد رجلان، وكان أحدهما يطلب الفرض، والآخر يطلب القرض، هجما عليه معا، فأبعله ذلك وملأ صدره ثم أقبل على صاحب السلف، فقال: تتبدّل الأفعال بتبّدل الحال. ولكلّ زمان تدبير ولكل شيء مقدار، والله

стр. 259

في كل يوم شأن. كان الفقيه يمر باللقطة «١» فيتجاوزها ولا يتناولها، كي يمتحن بحفظها سواه، إذ كان جلّ الناس في ذلك الدهر يؤدون الأمانة ويحوطون اللقطة، فلما تبدّلوا وفسدوا، وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها، وأن يصبر على ما نابه من المحنة واختبر به من الكلفة. وقد بلغني أن رجلا أتى صديقا له يستقرض منه مالا، فتركه بالباب، ثم خرج اليه، مؤتزرا «٢» . فقال له: مالك؟ قال: جئت للقتال واللطام والخصومة والصخب. قال: ولم؟ قال: لأنك في أخذ مالي بين حالين: إما أن تذهب به، وإما أن تمطلني به. فلو أخذته، على طريق البرّ والصلة، لا عتددت عليك بحق، ولوجب عليك به شكر. وإذا أخذته من طريق السلف، كانت العادة في الديون والسيرة في الإسلاف الرد أو التقاضي. وإذا تقاضيتك أغضبتك أسمعتني ما أكره، فتجمع عليّ المطل وسوء اللفظ والوحشة وإفساد اليد في الإسلاف، وأنت أظلم. فأغضب كما غضبت، فإذا نقلتني إلى حالك فعلت فعلك، وصرت أنا وأنت كما قال العربي: «أنا تئق وصاحبي مئق» «٣» . فما ظنّك بتئق من الغيظ مملوء من الغضب، لأني متأق من الموق «٤» مملوء من الكفران. ولكني أدخل الى المنزل فأخرج اليك مؤتزرا، فأعجّل لك اليوم ما ادّخرته الى غد. وقد علمت أن ضرب الموعظة دون ضرب الحقد والسخيمة «٥» ، فتربح صرف ما بين الألمين، وفضل ما بين الشتمين. وبعد، فأنا أضنّ «٦» بصداقتي لك، وأشح على نصيبي منك، من أن

стр. 260

أعرّضه للفساد، وأن أعينك على القطيعة، فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا من أهل عصرك. فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيدا من مذهبهم، فلا تكلّف الناس علم الغيب فتظلمهم. ثم قال: وما زالت العارية مؤدّاة، والوديعة محفوظة، فلما قالوا: «أحق الخيل بالركض المعار، بعد أن كان يقال: «أحق الخيل بالصون المعار» ، وبعد أن قيل لبعضهم: «أرفق به» ، فقال: «إنه عارية» ، وقال الآخر: فأقتل، فسدت العارية، واستدّ هذا الباب «١» » . ولما قالوا: شمّر قميصك، واستعدّ لنائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم «٢» واخفض جناحك إن مشيت تخشّعا ... حتى تصيب وديعة ليتيم وحين أكلت الأمانات الأمناء والأوصياء، ورتع فيها المعدّلون والصرّافون «٣» ، وجب حفظها ودفنها، وكان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخؤون الفاجر واللئيم الغادر. وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر: «لو سئلت العارية اين تذهبين» ، قالت: «أكسب أهلي ذمّا» «٤» . وأنا اليوم أنهى عن العارية والوديعة، وعن القرض والفرض. وأكره أن يخالف قولي فعلي. أما القرض فلما أنبأتك «٥» ، وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت المال. ولو وهبت لك درهما واحدا، لفتحت على مالي بابا لا تسدّه الجبال

стр. 261

والرمال. ولو استطعت أن أجعل دونه ردما «١» كردم يأجوج ومأجوج «٢» لفعلت. إن الناس فاغرة أفواههم نحو من عنده دراهم، فليس يمنعهم من النهس «٣» إلا اليأس، وإن طمعوا لم تبق راغية ولا ثاغية، ولا سبد ولا لبد «٤» ، ولا صامت ولا ناطق «٥» ، إلا ابتلعوه والتهموه. أتدري ما تريد بشيخك؟ إنما تريد أن تفقره. فإذا أفقرته فقد قتلته. وقد تعلم ما جاء في قتل النفس المؤمنة. فلم أشبّه قول الأصمعي لهذا الرجل حين قال: «أضن بك، وأشحّ على نصيبي منك، من أن أعرّضه للفساد» ، إلا بقول ثمامة حين قال لا بن سافري: «يا عاضّ بظر أمه. بالنظر مني أقول لك، وبالشفقة منّي أسبك» . وذلك أنه ندم حين أعضّه، فرأى أن هذا القول يجعل ذلك منه يدا ونعمة. وشهدت ثمامة، وأتاه رجلان قال أحدهما: «لي إليك حاجة» . فقال ثمامة: «ولي إليك أيضا حاجة» ، قال: «وما حاجتك» ؟ قال: لست أذكرها لك حتى تضمن لي قضاءها» ، قال: «قد فعلت» ، قال: «فحاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة» ، قال: «إنك لا تدري ما هي» . قال: بلى قد دريت» ، قال: «فما هي» ؟ قال: «هي حاجة. ليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تحوج إلى شيء من الكلفة» ، قال: «فقد رجعت عما أعطيتك» . قال: «لكنّي لا أردّ ما أخذت» . فأقبل عليه الآخر، فقال: «لي حاجة الى منصور بن النعمان» ، قال: «قل: لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس. لأني أنا الذي أقضي لك الحاجة، ومنصور يقضيها لي. فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري يقضيها لي» ، ثم قال: «فأنا لا أتكلم في الولايات ولا أتكلم في الدراهم من قلوب الناس ولأن

стр. 262

الحوائج تقتصّ «١» ، فمن سألته اليوم أن يعطيك، سألني غدا أن أعطي غيرك، فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي. ليس عندي دراهم، ولو كان عندي دراهم لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها. ولكني أؤنب لكم من شئتم عليّ لكم من التأنيب كل ما تريدون» . قلت له: «فإذا أنّبت رجلا في أمر لم تتقدم فيه بمسألة، كيف يكون جوابه لك» ؟ فضحك حتى استند الى الحائط. وجاء مرّة أبو همام السنّوط، يكلمه في مرمّة داره التي تطوّع ببنائها في رباط عبّادان «٢» ، فقال: «ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا. قد كنت عزمت على هدمها حين بلغني أن الجبرية «٣» قد نزلتها» ، قال: «سبحان الله تهدم مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل «٤» » ؟ قال: «فتعجب من ذا؟ قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت قد بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك أن يبنيه في الشارع، وبناه في الرائغ «٥» ، وحين بلغني أنه يخلط في الكلام، ويعين الشمرية «٦» على المعتزلة. فلو أراده أبو همّام وجد من ثمامة مربدا» جميع مساحة الأرض» . وكان حين يستوي له اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها. وتمشّى رجل الى الغاضري قال: «إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق» ، قال: «فأيّ شيء تريد» ؟ قال: «أن تخلف عليه «٨» ، قال:

стр. 263

«فليس عليه قطع الطريق، بل عليّ قطع» . وأتى ابن اشكاب الصيرفي صديق له، يستلف منه مالا. فقال: «لو شئت أن أقول لقلت، وأن أعتلّ اعتللت، وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت، وليس أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا «١» . ليس أفعل. فإن التمست لي عذرا فهو أروح لقلبك، وإن لم تفعل فهو شرّ لك» . وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا، فقال: «والله ما عندنا من شيء نعوّل عليه، وقد بلغ السكين العظم «٢» . والبيع لا يكون إلا مع طول المدة. والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عبّاد «٣» ، فإنه يعرف الحال وصحّة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر. فلو كتبت إليه كتابا لسرّه ذلك ولسدّ منا هذه الخلّة القائمة الساعة» . فتناول القلم والقرطاس، ليكتب اليه كتاب الواثق المدلّ، لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ما كان هو المتلقّي لها منه. ومضى بعض من كان في المجلس الى محمد ابن عبّاد ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه؛ فأتاه أمر لا يقوم له إلا بأن يتقدم بالكتابة، ليشغله بحاجته إليه عن حاجته اليه، فكتب اليه: «مالي يضعف، والدخل قليل، والعيال كثير، والسعر غال، وأرزاقنا من الديوان قد احتسبت، وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب. فإن رأيت أن تبعث إليّ بما أمكنك فعجّل به، فان بنا إليه أعظم الحاجة» .

стр. 264

فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذه كتابه اليه، فلما قرأه استرجع وكتب إليه: «يا أخي تضاعفت عليّ المصيبة، حتى جمعت خلة عيالك الى خلة عيالي. وقد كنت على الاحتيال لهم، وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الأضطراب، وسأتحرّك في بيع ما عندي، ولو ببعض الطرح «١» » . فلما رجع الكتاب الى ابن عبّاد سكن، وألقى صاحبه في أشد الحركة وأتعب التعب. وكان رجل من أبناء الحربية له سخاء وأريحية، وكان يكثر من استزارة «٢» ابن عبّاد، ويتلف عليه من الأموال، من طريق الرغبة في الأدباء وفي مشايخ الظرفاء. وكان يظن بكرمه، أن زيارته ابن عبّاد في منزله زيادة في المؤانسة وقد كان بلغه إمساكه، ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه. فأتاه يوما متطرّئا «٣» ، وقال: «جئتك من غير دعاء، وقد رضيت بما حضر» . قال: «فليس يحضر شيء. وقولك: «بما حضر» لا بدّ من أن يقع على شيء» . قال: «فقطعة مالح» ، قال: «وقطعة مالح ليس هي شيء» ؟ قال: «بلى» ، ثم قال: «فنحن نشرب على الريق» ، قال: «لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس «٤» » ، قال: «فأنا أبعث الى النبيذ» ، قال: «فاذا صرت الى تحويل النبيذ، فحوّل أيضا ما يصلح للنبيذ» . قال: «ليس يمنعني من ذلك، ومن إحضار النقل والريحان إلا لأني أحتسب لك هذه الزورة بدعوة، وليس يجوز ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر» . قال محمد: «فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح، وليس عليّ فيه فساد. في هذه النخلة زوج ورشان «٥» ، ولهما فرخان

стр. 265

مدركان، فان نحن وجدنا انسانا يصعدها، فانها سحيقة منجردة «١» ، ولم يطيرا، فانهما قد صارا ناهضين، جعلنا الواحد طباهجة «٢» ، والآخر كردناجا، فإنه يوم كردناج» . فطلبوا في الجيران انسانا يصعد تلك النخلة، فلم يقدروا عليه؛ فدلوهم على أكّار لبعض أهل الحربية. فما زال الرسول يطلبه، حتى يقع عليه. فلما جاء به ونظر الى النخلة، قال: «هذه لا تصعد ولا يرتقى عليها إلا بالتبليا والبربند «٣» ، فكيف أرومها أنا بلا سبب» ؟ فسألوه أن يلتمس لهم ذلك، فذهب فغبر مليّا، ثم أتاهم به. فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر فكان هو الطباهج والكردناج «٤» ، وهو الغداء وهو العشاء. وكتب إبراهيم بن سيّابة «٥» الى صديق له، يساويه في الأدب، ويرتفع في الحال وكان كثير المال، كثير الصامت، يستسلف منه بعض ما يرتفق به، الى أن يأتيه بعض ما يؤمل. فكتب اليه صديقه هذا يعتذر، ويقول: «إن المال مكذوب له وعليه، والناس يضيفون الى الناس في هذا الباب ما ليس عندهم. وأنا اليوم مضيق «٦» . وليست الحال كما نحب. وأحق من عذر الصديق العاقل» ، فلما ورد كتابه على ابن سيّابة، كتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا» . علم العرب في الطعام: قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار الكتاب

стр. 266

طويلا كبيرا، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون به وما يتهاجمون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب طويلا كبيرا، الى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، يتمادحون به وما يتهاجون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب. الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزلّة «١» . ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. قال الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر «٢» وجاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله» . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن: «أو لم ولو بشاة» ، وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمّان عمرو بن عبيد «٣» ويقولان: «لا يجيب الولائم» . يجعلان طعام الإملاك والإعراس والسبوع «٤» والختان وليمة. والعرس معروف، إلا أن المفضّل الضبّي «٥» زعم أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: «لا عطر بعد عروس» . وكان الأصمعي يجعل العروس

стр. 267

رجلا بعينه، كان بنى على أهله فلم يتعطر له، فسمّي بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الإسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في الخبر. وأما الخرس «١» فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء. وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة، والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء: «تخرسي لا مخرّسة لك» . وفي الخرسة يقول مساور الوراق: إذا أسدية ولدت غلاما ... فبشّرها بلؤم في الغلام تخرّسها نساء بني دبير «٢» ... بأخبث ما يجدن من الطعام قوال ابن القميئة: «٣» شرّكم حاضر وخيركم د ... رّخروس من الأرانب بكر «٤» فالخروس هي صاحبة الخرسة. والأعذار طعام الختان، يقال: «صبي معذور وصبي معذر جميعا» . وقال بعض أصحاب النبي ﷺ ، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: «كنا إعذار عام واحد» . وقال النابغة: فنكحن أبكارا وهنّ بإمّة ... أعجلنهننّ مظنّة الإعذار «٥» فزعموا أنهم سمّوا طعام الإعذار بالاعذار للملابسة والمجاورة.

стр. 268

كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتدلت تلك المعاني لم يتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: «ساق إليها صداقها» . وإنما كان هذا يقال حين كان الصّداق إبلا وغنما. وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه» . قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: «قد بنى فلان البارحة على أهله» وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبّته وخيمته، وذلك هو بناؤه. ولذلك قال الأول: لو نزل الغيث لأبنين امرءا ... كانت له قبّة سحق بجاد «١» وكان الأصمعي يعدّ من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه. ومن طعامهم الوكيرة، وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه تبرّك بإطعام أصحابه ودعائهم. ولذلك قال قائلهم: خير طعام شهد العشيرة ... العرس والإعذار والوكيرة ويسمّون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم: «النقيعة» . قال الشاعر: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدّام «٢» و «العقيقة» دعوة على لحم الكبش الذي يعقّ عن الصبي «٣» . والعقيقة اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقّوا عنه

стр. 269

أي احلقوا عقيقته. ويقولون. عقّ عنه، وعقّ عليه. فسميّ الكبش لقرب الجوار وسبب الملتبس: «عقيقة» . ثم سمّوا ذلك الطعام باسم الكبش. وكان الأصمعي يقول: لا يقولنّ أحدكم: «أكلت ملّة» . بل يقول: «اكلت خبزة» وإنما الملّة موضع الخبزة «١» . وكذلك يقول في الراوية والمزادة. يقول: الراوية هو الجمل، وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك «٢» . فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم النقري، والممدوح الجفلي. وذلك أن صاحب المأدبة ووليّ الدعوة إذا جاء رسوله، والقوم في أحويتهم «٣» وأنديتهم، فقال: أجيبوا إلى طعام فلان، فجعلهم جفلة «٤» واحدة، وهي الجفالة، فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان، وقم أنت يا فلان، فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر. قال الهذلي: وليلة يصطلي بالفرث «٥» جازرها ... يخصّ بالنقرى المثرين داعيها يقول: لا يدعو فيها إلا أصحاب الثروة وأهل المكافأة، وهذا قبيح وقال في ذلك بعض ظرفائنا: آثر بالجدي وبالمائدة ... من كان يرجو عنده العائدة لو كان مكوكان في كفه ... من خردل ما سقطت واحدة «٦» وقال طرفة بن العبد: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر

стр. 270

ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته «١» عاصم بن خليفة الضبيّ، شدّ عليه فطعنه وهو يقول: «هذا وفي الحفلة لا يدعوني» ويروي: «في الجفلة لا يدعوني» . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه. والطعام المذموم عندهم ضربان، أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت «٢» واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء. من ذلك الفث «٣» والدعاع «٤» والهبيد «٥» والقرامة والقرّة والعسوم ومنقع البرم «٦» والقصيد والقدّ «٧» والحيّات. فأما الفظ فانه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا الباب، وكذلك المجدوح. فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفاوز؛ وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الابل وتلقوا ألبابها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء؛ فاذا برد الدم ضربوه بأيديهم، وجدحوه «٨» بالعيدان جدحا حتى ينقطع، فيعتزل ماؤه من ثقله، كما يخلص الزبد بالمخض والجبن بالأنفحة «٩» ، فيتصافنون «١٠» ذلك الماء ويتبلّغون به، حتى يخرجوا من المفازة. وقال الشاعر:

стр. 271

لم تأكل الفثّ والدّعاع ولم ... تجن هبيدا يجنيه مهتبده قال أميّة ابن أبي الصلت: «١» ولا يتنازعون عنان شرك ... ولا أقوات أهلهم العسوم ولا قرد يقزز من طعام ... ولا نصب ولا مولى عديم وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، في القرّة، وهو يعيّر بني أسد وناسا من هوازن «٢» وهما ابنا القملية «٣» : ألم تر جرما أنجدت وأبوكم ... مع القمل في حفر الأقيصر شارع «٤» إذا قرّة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل، إني من هوازن ضارع «٥» و «القرامة» : نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها. و «العلهز» : القردان ترضّ وتعجن بالدم «٦» . و «القرّة» : الدقيق المختلط بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا على رأسه قبضة من دقيق، ليكون صدقة على الضرائك، وطهورا له. فمن أخذ ذلك الدقيق للأكل فهو معيب. وفي أكل الحيّات يقول ابن مناذر: فإيّاكم والريف لا تقربنّه ... فان لديه الحتف والموت قاضيا وهم طردوكم عن بلاد أبيكم ... وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا

стр. 272

وقال القطامي «١» في أكلهم القدّ: تعمّمت في طلّ وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب «٢» الى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظلماء من كل جانب «٣» . فسلمت، والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حق على كل جانب «٤» فلما تنازعنا الحديث سألتها: ... من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب «٥» من المشتوين القد في كل شتوة ... وإن كان ريف الناس ليس بناصب «٦» وقال الراعي: «٧» بكى معوز من أن يضاف وطارق ... يشدّ من الجوع الإزار على الحشا الى ضوء نار يشتوى القدّ أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار، فيمدحون من آثر صاحبه، ولا يذمّون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة «٨» . و «المصافنة» : مقاسمة هذا الماء بعينه؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الريّ اقتسموه بالسواء، ولم يكن للرئيس ولصاحب المرباع والصفيّ وفضول المقاسم «٩» فضل على أخسّ القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء. قال الفرزدق:

стр. 273

فلما تصافنّا الإدواة أجهشت ... إليّ غضون العنبريّ الجراضم «١» على ساعة لو أنّ في القوم حاتما ... على جوده ضنّت به نفس حاتم وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن مامة «٢» ، حين آثر بنصيبه رفيقه النمري، فقال: ما كان من سوقة أسقى على ظمأ ... خمرا بماء إذا ناجودها بردا «٣» من ابن مامة كعب ثم عيّ به ... زوّ المنية إلا حرة وقدا «٤» أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب، إنك ورّاد فما وردا وفي المصافنة يقول الأسدي «٥» : كأن أطيطا يابنة القوم لم ينخ ... قلائص يحكيها الحنّي المنقّح «٦» ولم يسق قوما فارسيّ على الحصى ... صباب الأداوي والمطيّات جنّح «٧» ويزعمون أنّ الحصاة التي إذا غمرها الماء في الاناء كانت نصيب أحدهم تسمى «المقلة» «٨» . وهذا الحرف سمعته من البغداديين، ولم أسمعه من أصحابنا، وقد برئت إليك منه. وقال ابن جحوش في المصافنة: ولما تعاورنا الإدواة أجهشت ... الى الماء نفس العنبريّ الجراضم

стр. 274

وآثرته لما رأيت الذي به ... على النفس أخشى لا حقات الملاوم «١» فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب حظّ القوم بين الصرائم «٢» وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وأن أحدهم ليجوع حتى يشدّ على بطنه الحجارة، وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار «٣» ، وينزع عمامته من رأسه فيشدّ بها بطنه. وإنما عمامته تاجة، والأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان حاسرا «٤» ، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيّها وتضاعف أثنائها. ولربما اعتمّ بعمامتين، ولربما كانت على قلنسوة خدرية «٥» . وقال مصعب بن عمير الليثي: سيروا فقد جنّ الظلام عليكم ... فبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم دفعنا اليه وهو كالذيخ خاطيا ... نشدّ على أكبادنا بالعمائم «٦» وقال الراعي في ذلك: يشبّ لركب منهم من ورائهم ... فكلهم أمسى الى ضوئها سرى الى ضوء نار يشتوي القدّ أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى فلما أناخوا واشتكينا اليهم ... بكوا وكلا الخصمين مما به بكى «٧» بكى معوز من أن يضاف وطارق ... يشدّ من الجوع الإزار على الحشا

стр. 275

ومما يدل على ما هم فيه من الجهد، وعلى امتداحهم بالأثرة، قول الغنوي «١» : لقد علمت قيس بن عيلان أننا ... نضار، وأنا حيث ركّب عودها «٢» إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ... ببعض، ويبلى شحّ نفس وجودها «٣» وأنّا مقار حين يبتكر الغضا ... إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها «٤» وقال في ذلك العجير السلولّي «٥» : من المهديات الماء بالماء بعد ما ... رمى بالمقاري كل قار ومعتم «٦» وقال آخر في مثل هذا: لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع تمدّهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع على أنها تغشى أولئك بيتها ... على اللحم حتى يذهب الشر أجمع وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ﷺ أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: «من يستعفّ «٧» يعفّه الله، ومن يستعن يعنه الله، رجعت ولم أسأله» .

стр. 276

قال أعرابي: «جعت حتى سمعت في مسامعي دويا. فخرجت أريغ «١» الصيد، فإذا بمغارة، وإذا جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادّهنت وأحتذيت» . ولما قدم المغيرة «٢» القادسيّة «٣» على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ضيق شديد من الحال، نحروها، وأكلوا لحومها، وأدّهنوا مشحوبها، واحتذوا «٤» جلودها. وذكر الأصمعي عن عثمان الشحّام، عن أبي رجاء العطاردي «٥» ، قال: «لما بلغنا أن النبي ﷺ قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفينا «٦» وألقينا عليها جمالتنا «٧» . فلا أنسى تلك الأكلة» . وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: «نعم الأدام الجوع. ونعم شعار المسلمين التخفيف» . وذكروا عن عبد الملك بن عمير، «٨» عن رجل من بني عذرة، قال: خرجت زائرا لأخوال لي بهجر «٩» ، فاذا هم في برث. «١٠» أحمر، بأقصى

стр. 277

حجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو «١» بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصّفة والمعوة «٢» . فتنكبت قوسي، وتقلدت جفيري «٣» . فإذا هي قد أقبلت، فرميتها فخرّت لفيها. فأدركت فقوّرت سرّتها ومعرفتها «٤» ، فقدحت ناري، وجمعت حطبي، ثم دفنتها. ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم، فما استيقظت إلا بحرّ الشمس في ظهري. ثم كشفت عنها، فإذا لها غطيط «٥» من الودك «٦» ، كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم قمت إلى الرطب، وقد ضربه برد السحر، فجنيت المعوة والحلقان فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة، ثم سلاءة. وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطود. وأنا اتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب. وهو من أحاديث الهيثم «٧» . وقال مديني لأعرابي: «أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون» ؟ قال: «نأكل ما دبّ ودرج إلا أم حبين «٨» » ، فقال المديني: «لتهن أم حبين العافية» .

стр. 278

وقال الأصمعي: تعرّق أعرابي عظما، فلما أراد أن يقليه، وله بنور ثلاثة، قال له أحدهم: «أعطنيه» قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أتعرّقه، حتى لا تجد فية مقيلا» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثاني: «أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أتعرّقه، حتى لا يدرى ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثالث: «أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أجعله مخّة إدامه» ، قال «أنت له» . وقال الآخر: فإنك لم تشبه لقيطا وفعله ... وإن كنت أطعمت الأرزّ مع التمر وقال الآخر: إذا أنغاض منها بعضها لم تجد لها ... دوّيا لما قد كان منها مدانيا «١» وإن حالوا أن يشعبوها رأيتها ... على الشعب لا تزداد إلا تداعيا «٢» معوّذة الأرحال، لم ترق مرقبا، ... ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «٣» ولا اجتزعت من نحو مكة شقة ... إلينا، ولا جازت بها العيس واديا «٤» ولكنها في أصلها موصلية ... مجاورة فيضا من البحر جاريا «٥» أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا، ... وتعقب فيما بين ذاك المراديا «٦» فقلت: لمن هذي القدور التي رأى ... تهيل عليها الريح تربا وسافيا؟ «٧» فقالوا: وهل يخفى على كل ناظر ... قدور رقاش أن تأمّل رائيا «٨»

стр. 279

فقلت: متى باللحم عهد قدوركم؟ ... فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا ألاضحى الى الأضحى، وإلا فانها ... تكون كنسج العنكبوت كما هيا فلما استبان الجهد لي في وجوههم ... وشكواهم أدخلتهم في عياليا فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا ... أشاروا جميعا لجّة وتداعيا «١» ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم ما أنا كاتبه لك. وهم وإن كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن حالا في الخصب. فلا تظنّن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل. وحدثني الأصمعي، قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: «ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة «٢» ، وهي له معرضة، شبعا» . وقال الأفوه الأوديّ «٣» : تهنا لثعلبة بن قيس جفنة ... يأوي إليها في الشتاء الجوّع ومذانب لا تستعار وخيمة ... سوداء عيب نسيجها لا يرقع «٤» وكأنما فيها المذانب حلقة ... وذم الدلاء على دلوج ينزع «٥» وقال معن بن أوس، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص «٦» ، في بعض ما يمدحه: أخو شتوات لا تزال قدوره ... يحلّ على أرجائها ثم يرحل «٧»

стр. 280

إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها ... لو شك قراها وهي بالجزل تشعل سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت ... كهدر الجمال رزّما حين تجفل «١» ترى البازل الكوماء فيها بأسرها ... مقبّضة في قعرها ما تحلحل «٢» كأن الكهول الشمط في حجراتها ... تغطرش في تيارها حين يجفل «٣» إذا التطمت أمواجها فكأنها ... عوائذ دهم في المحلّة قيّل «٤» إذا أحتدمت أمواجها فكأنما ... يزعزها من شدة الغلي أفكل «٥» تظل رواسيها ركودا مقيمة ... لمن نابه فيها معاش ومأكل «٦» وضاف «٧» الفرزدق أبا السحماء، سحيم بن عامر، أحد بني عمرو بن مرثد، فأحمده وذكر في إحماده قدره، فقال: سألنا عن أبي السحماء حتى ... أتينا خير مطروق لساري فقلنا: يا أبا السحماء إنّا ... وجدنا الأزد أبعد من نزار فقام يجرّ من عجل إلينا ... أسابيّ العنّاس مع الإزار «٨» وقام الى سلافة مسلحبّ ... رثيم الأنف مربوب بقار «٩» تدور عليهم والقدر تغلي ... بأبيض من سديف الكوم واري «١٠» كأن تطلّع الترعيب فيها ... عذارى يطلعن إلى عذاري «١١»

стр. 281

وقال الكميت في صفة القدر: إوّز تغمّس في لّجة ... تغيب مرارا وتطفو مرارا كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «١» وأما ما ذكروا من صفات القدور، من تعيير بعضهم بعضا، فهو، كما أنشدني محمد ابن يسير: قال: لما قال الأول: إن لنا قدرا ذراعين عرضها ... وللطول منها أذرع وشبار «٢» قال الآخر: وما هذه؟ أخزى الله هذه قدرا. ولكنّي أقول: بوّأت قدري موضعا فوضعتها ... برابية من بين ميث وأجرع «٣» جعلت لها هضب الرخام وطخفة ... وغولا أثافي دونها لم تنزّع «٤» بقدر كأن الليل سحمة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع يعجّل للأضياف واري سديفها ... ومن يأتها من سائر الناس يشبع قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق: وقدر كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجذال خشب زال عنها هشيمها «٥» قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ولكني أقول: وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل

стр. 282

وقال عبد الله بن الزبير «١» يمدح أسماء بن خارجة: ألم تر أن المجد أرسل يبتغي ... حليف صفاء وأتلى لا يزايله «٢» تخيّر أسماء بن حصن فبطنت ... بفعل العلى أيمانه وشمائله ترى البازل «٣» البختي فوق خوانه ... مقطعة أعضاؤه ومفاصله ومما يجوز في هذا الباب، وإن لم يكن فيه صفة قدر، قول الفرزدق في العذافر بن زيد، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة: لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان العذافر «٤» ولو ضافه الدجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر بعدّة يأجوج ومأجوج جوّعا ... لأشبعهم شهرا غداء العذافر وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم «٥» : لو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر «٦» ولكن بشرا أسهل الباب للتي ... يكون لبشر عندها الحمد والأجر بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر «٧» وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور. قال الرقاشي: لنا من عطاء الله دهماء جونة ... تناول بعد الأقربين الأقاصيا «٨»

стр. 283

جعلنا ألالا والرجام وطخفة ... لها فاستقلت فوقهن أثافيا «١» مؤدية عنا حقوق محمد ... إذا ما أتانا بائس الحال طاويا أتى ابن يسير كي ينفّس كربها ... إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا فأجابه ابن يسير، فقال: وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى ... بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «٢» ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي: ... ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا وقال ابن يسير في ذلك: قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار ... مثل القدور، ولم تفتصّ من غار «٣» لكنّ قدر أبي حفص، إذا نسبت ... يوما، ربيبة آجام وأنهار «٤» فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانيء الحكمي، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا، فقال: ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت ... مركّبة الآذان أمّ عيال «٥» يغصّ بحيزوم البعوضة صدرها ... وتنزلها عفوا بغير جعال «٦» ولو جئتها ملآى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها بعود خلال «٧» هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كل هزال

стр. 284

وقال النمر بن تولب: لها ما تشتهي: عسل مصفّى ... وإن شاءت فحوّاري بسمن ومن أشرف ما عرفوه من الطعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان «١» ، وهو الفالوذق. مدحه بذلك أميّة بن أبي الصلت، فقال: الى ردح من الشيزى عليها ... لباب البّر يلبك بالشّهاد «٢» ولهم الثريد، وهو في أشرافهم عامّ، وغلب عليه هاشم، حين هشم الخبز لقومه، وقد مدح به في شعر مشهور، وهو قوله: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف «٣» ومن الطعام الممدوح الحيس «٤» . وتزعم مخزوم «٥» أن أول من حاس الحيس سويد ابن هرمّي. وقال الشاعر: وإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب والخبز عندهم ممدوح. وكان عبد الله بن حبيب العنبري، أحد بني سمرة، يقال له: آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وكان سيدبني العنبر في زمانه. وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير، يعني ثوب ابن شجمة العنبري. وهم يقدّمون اللحم على اللبن، ولذلك قال شاعرهم:

стр. 285

ولو أنها لم تدفع الرّسل دمها ... رأى بعضها من بعض أنسابها دما ويقدّمون اللحم على التمر، ألا تراه يقول: قرتني عبيد تمرها وقريتها ... سنام مصرّاة قليل ركوبها «١» فهل يستوي شحم السنام إذا شتا ... وتمر جواثا حين يلقى عسيبها «٢» وليس يكون فوق عقر الابل وإطعام السنام شيء. والعقر هو النجدة، واللبن هو الرسل. قال الهذلي: لو أن عندي من قريم رجلا ... لمنعوني نجدة أو رسلا وقال الهذلي: «ألا إنّ خير الناس رسلا ونجدة «٣» » وقال المرّار بن سعيد الفقعسي: لهم إبل لا من ديّات ولم تكن ... مهورا ولا من مكسب غير طائل «٤» ولكن حماها من شماطيط غارة ... خلال العوالي فارس غير مائل «٥» مخيّسة في كل رسل ونجدة ... ومعروفة ألوانها في المعاقل «٦» وقد وصفوا الثريد، فقال الراعي: فبات يعدّ النجم من مستحيرة «٧» ... سريع على أيدي الرجال جمودها
следующие страницы →