Полный текст (304 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ...
فقد اتّسم العصر العباسي بثروة فكرية عارمة تمثّلت بالدراسات والعلوم والآداب والآثار الجمّة، التي ظهرت في مرحلة ذهبية، كان لها كبير الأثر في تنمية الأدب وإغناء التراث العربي وتطويره. والملاحظ أن العصر العباسي كان غنيّا بالأدباء والشعراء على اختلاف مراحله، وهذا ناشىء عن الحياة الثقافية التي ازدهرت سواء في كثرة المدارس والعلوم والحلقات التدريسية، أو في تعدّد الأساتذة وكثرة المؤلفين وتضاعف النتاج وانتشار الثقافة.
وإذا عرف العصر العبّاسى بالعصر الذهبي، فإن ذهبيّته تلك رصّعت بولادة رجل كبير، استطاع أن يشكّل قفزة واسعة في ميادين الأدب واللغة والإجتماع والتأليف والكتابة، ألا وهو الجاحظ أحد أعلام الكتابة في العصر العبّاسي الثاني.
стр. 2
كنيته أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، من بني كنانة، بن خزيمة من مضر. ولد في البصرة سنة ١٦٠ هـ تقريبا. ولقّب بالجاحظ لجحوظ في عينيه.
نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين. ولم يتحدث الرواة عن أبيه، وإنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة. توفي أبوه وهو طفل، فتعهّدته أمّه، فكان لا بد أن يحيا في عوز وضيق.
وراح يبيع السمك والخبز ارتزاقا على ضفاف نهر سيحان في البصرة.
كان ميّالا منذ حداثته الى الدراسة والعلوم، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة، فصار يختلف الى بعض الكتاتيب، وحلقات المسجديينّ في البصرة، ثم في المربد، وهو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية. وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء.
فاكتسب الجاحظ علما وثقافة ومعرفة. وتلقى العلوم والآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر وأدبائه ومفكرّيه، فغدا طالب علم للأخفش، والأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد الأنصاري، يدرس عليهم، ويتعمّق بعلومهم ومن ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به، ويضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظّام البلخي أحد أئمة المفكرين، وشيخا للمعتزلة في ذاك العصر.
وكانت لمعتزلة تؤمن بالعقل، كما كان علم الكلام والجدل موضوع كل مجلس، وكل منتدى، فنزع الجاحظ نزعة إعتزالية ... وإذا كان اساتذة عصره قد طبّعوا الجاحظ بميزات فكرية وأدبية ولغوية وعلمية فريدة، فإن المعتزلة تركت آثارها العقلية عميقة في كتاباته، وطرائق تفكيره وتآليفه. وبات له نمط واضح ثابت، يستدلّ عليه من كتبه، ومن موضوعاته.
стр. 3
ولم يمض وقت طويل حتى إذا أحس باكتمال القوى، قصد بغداد، وأقام فيها. وهناك بزغ فجر الجاحظ، وأخذ يتألّق، واضعا كتبه الأولى منسوبة إلى عبد الله بن المقفّع، وسهل بن هارون، ليقرأها الناس وتشيع بينهم. فأصبح اسم الجاحظ يتردّد على كل شفة ولسان. وكثر الحاسدون، فأرادوا تقليد أسلوب الجاحظ، والإنتقاص منه، إلّا أنّهم لم يفوزوا.
وقرأ له الخليفة المأمون بعض كتبه في الإمامة، فأعجب بها، وقدم إليه أبو عثمان كتاب «العباسيّة» فنال ثوابه. وما كان من الخليفة المأمون إلّا أن أسند إليه ديوان الكتّاب، الذي لم يطل الإقامة فيه، وبعد ثلاثة أيام طلب الجاحظ من الخليفة إعفاءه من هذه المسؤولية التي تحتّم على صاحبها طبعا رصينا، ومسلكية صارمة لا تتلاءم ومزاج الجاحظ وطبائعه. وتوطّدت روابطه بكبار رجال عصره، فاتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير المعتصم، وكتب له ومدحه، وأهداه كتاب «الحيوان» فأجازه الوزير بخمسة آلاف دينار، ثم أغدق عليه مالا كثيرا جعله يقوم برحلات عديدة إلى دمشق وأنطاكيا ومصر ...
ولما صارت الخلافة الى المتوكل، نكب الوزير ابن الزيات بيد القاضي محمد بن أبي دؤاد، فهرب الجاحظ، ثم أعيد الى القاضي مقّيدا، مغلول العنق، معتذرا عن فراره، وقد أبدى إبن أبي دؤاد إعجابه به، فقال «أنا أثق بظرفه، ولا أثق بدينه» . وقدم إليه الجاحظ كتابه «البيان والتبيين» ، بعد أن انقطع إليه عاما كاملا. وتدرّجت إتصالاته حتى بلغت الفتح بن خاقان، فقدم له بعض كتبه. وجعله المتوكل مؤدبا لأولاده. ولما رأى بشاعته صرفه. وقد حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه، فقال: «ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني» .
واتصل أبو عثمان أيضا بإبراهيم بن العبّاس الصولي، وقد أهدى
стр. 4
إليه كتابه «الزرع والنخل» فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار.
وفي أخباره أنه زار سامرّاء أيضا، واللاذقية، وحلب، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه وكتاباته، وفيها شرع يصنّف ويؤلف، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى، ومن الصنعة الى الإنتشار، حتى ذاع صيته وملأ دنياه.
كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة، قصيرا، دميما، جاحظ العينين، قبيح المنظر. إلى أن قيل فيه:
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ
وهو نفسه كان يتحدث عن قبحه. فقد روي أن إمرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة، فلما وصلت هناك قالت للصائغ: «مثل هذا» ، وانصرفت. فسأل الجاحظ الصائغ، ماذا قد عنت المرأة بقولها ذاك، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها، فاصطحبتك لتمثيل صورته. وهذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها.
ومهما تكن تلك البشاعة، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل، وإنما كان لطيفا محبوبا، عذب اللسان، قوي الشخصية. إستطاع بصفاء قلبه، وصدق واقعيته، ونفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته ويزيل ما فيها من قرف واشمئزاز.
لقد تمتّع بطلاوة الحديث، ورطوبة الفكاهة، ورقة الدعابة. ومنح أبو عثمان ذكاء فائقا، وملاحظة دقيقة، وصراحة مطلقة، وعقلا راجحا، وثقة وتفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه، ومحبّبا غير محتقر.
ينتظر الناس فرحه الحاضر، وبديهته اليقظة، إنتظارهم كتاباته ونوادره وطرائفه.
ظلّ الجاحظ عطاء يفيض، وفكرا يدفق، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس. وقد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة والإنسان.
стр. 5
وفي أواخر حياته، سعى إليه المتوكّل طالبا إيّاه، فأجابه الجاحظ: «وما يصنع أمير المؤمنين بامرىء ليس بطائل، ذي شقّ مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟» . وقال المّبرد: «دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له:
كيف أنت؟ قال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير لا يشعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه» .
ولم يهجره الألم؛ بل تفاقم. وظل يرافقه مرافقة الكتب له. وما كاد يطوي صفحة من صفحاتها، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه، مشكّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق والأحرف والكلمات.
وهكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة ٢٥٥ هـ.
للجاحظ أكثر من مئة وسبعين كتابا بين رسالة صغيرة ومؤلف، إلا أن معظم هذه الآثار لم يسلم. وإن عوامل كثيرة كانت سببا في ضياع مؤلفات عديدة لعباقرة عرب كالجاحظ. وبقي لنا بقية مما ألّفه أبو عثمان وأودعه خزائن التراث العربي، نذكر منها: كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان، وكتاب البخلاء الذي نخصّصه هنا بالتفصيل. وإنك إذا قرأته قراءة عميقة وجدت، ما يرمي إليه صاحبه من أبعاد تتناول حياة العصر العباسي، وشؤون الناس، وما أحاط بها من تغيّرات طارئة، وعادات دخيلة، وتقاليد غريبة، وأفكار جديدة على الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والفكرية.
إذن ما هو هذا الكتاب، وما غايته، وماذا يتضمن؟
هو كتاب يصوّر أحوال فئة من الناس اتخذت لنفسها منهجا معيّنا في التفكير والتصرّف والسلوك. وباتت مقتنعة به اقتناعا كاملا، تبدّدت في ظله كل الأشياء الأخرى. فإذا البخل هو واقعهم ومفهومهم وحياتهم التي يسيرون عليها، محاولين إسدال ستار من العلم عليه، علّهم في ذلك يقنعون الناس إيهاما بأنهم أصحاب فكر ومنطق، ورجال تدبير، وذو واقتصاد وتوفير.
كان الجاحظ في كتاب البخلاء عالما شأنه في جميع مؤلفّاته. كان عالما طبيعيا
стр. 6
في كتاب «الحيوان» ، وعالما نقديا في «البيان والتبيين» ، وها هو عالم إجتماعي وناقد في كتاب البخلاء، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم ومعاشهم، يحلّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة.
إستهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل ونوادره. وقد صدّره بمقدمة طويلة، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء، وأن يشعرهم بشيء من الرغبة والتشويق. ومن المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه، الذين اتّهموه بالبخل. وعمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء وسرد قصصهم، بادئا بأهل مرو، وأهل خراسان، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم «أصحاب الجمع والمنع» ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه ومعاصريه كزبيدة بن حميد، وأحمد بن خلف اليزيدي، وخالد بن يزيد، وأبي محمد الخزامي، والحارثي، والكندي، وابن أبي بردة، واسماعيل بن غزوان، وموسى بن عمران، والأصمعي، والمدائني وطرائف شتّى، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة، وكل نادرة بأسلوب قصصي طريف، وبراعه فنيّة رائعة. وبعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني، ولهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان.
وللبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شيء موضعه، في إظهار منافع المأكولات وأضرارها، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن، وقشور الباقلاء تحتوي الغذاء «إن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله» .
وأما غاية الكتاب هذا، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس، وإضحاك القارىء. ولكن مهما يكن من أمر، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلّفه هذا قد وضع من أجل الهزل والتسلية، إنما له فيه أيضا غاية جليلة؛ وهي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات والأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا. وإن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في
стр. 7
عادات العرب وتقاليدهم، فكان منها إنتشار البخل، وخاصة في العراق إبّان القرن الثالث الهجري.
والحقيقة، فإن غاية الكتاب تتعدّى الضحك والمرح، لتغدو أعمق وأشد، فإذا هي أقرب الى الردع والتأنيب، والهزء والسخرية، وذلك من أجل المنفعة العامة والإستفادة من أعمال البخلاء الشاذة إستفادة تجعلهم يميلون الى الكرم من غير إسراف، وإلى الجود في غير إقتصاد.
وهناك فريق آخر من الدارسين رأى أن كتاب «البخلاء» ما وضع إلا لأن الجاحظ كان واحدا من أولئك البخلاء، ولذلك تمكّن من معرفة أحوالهم بدقة، كاشفا حقائقهم كما هي بصدق وواقعية.
والواقع أن كتاب البخلاء يعتبر من الكتب النفيسة بمكان، لأنه دراسة واقعية لردة فعل إقتصادية. ومن أجل ذلك أفرد الجاحظ كتابا خاصا بالبخل صوّر هذه الحالة، وتغلغل أيضا بين طوايا النفس البشرية، وتفهّم نزعاتها، وحلّل أعمالها، ودرس نفسياتها، وقد قال: «ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة» .
لقد اتّبع الجاحظ أسلوبا قصصيا إخباريا يربط الأخبار بعضها ببعض.
وكانت أقصوصة البخيل قصيرة، لكنها جمعت عناصر القصة الكاملة، من مقدمة وعرض وعقدة، الى حل وخاتمة.
ولم تكن أقاصيص الجاحظ خاوية فارغة؛ بل كانت نابضة مليئة بالحياة تستمد موضوعاتها من وحي فريق من الأشحاء المسجديين والخراسانيين وغيرهم، إختاروا أحاديثهم، وانتقوا ألفاظهم بأنفسهم. من هنا نضجت أقصوصة البخيل عند أبي عثمان، واستمرت حارة دافئة يقظة، تدفىء النفس فتثيرها، وتوقظ العقل فتحركه تارة بين الاسترخاء والاستمتاع، وطورا بين التصوير والتحكيم.
وقد تمّيز كتاب «البخلاء» بخصائص هامة كان منها الموضوعية التي برزت
стр. 8
جليّة في كتابه، إذ إن الجاحظ تجرّد من ذاته، وترك البخلاء أنفسهم يتحدثون عن قضاياهم، دون أن يدخل نفسه شريكا أو موجها في الصورة، أو في الموضوع.
ولم تجر أقاصيصه على وتيرة واحدة؛ بل كانت كل منها تطغى على الأخرى من حيث النكهة والموضوع والأسلوب. ويقيننا أن أسلوبه الصامت هذا، كان من الأساليب التي أدّت إلى نجاح نوادره وتحليل نفسيات بخلائه.
لقد رسم أبو عثمان بخلاءه بريشته الماهرة الساخرة التي يصعب على المتقدمين والمتأخرين استعمالها، أو إجادة التصوير بها، لأنها ريشة متميزة لها خصائصها الأسلوبية والذوقية والنفسية التي طبعت أدب الجاحظ بطابع خاص متفرّد.
كان الجاحظ في كتاب «البخلاء» فنانا بطبعه اعتمد لونا أساسيا، وهو الذات البشرية. فغاص الى أعماقها، يستنبط ما في جوانبها من عقد وغرابة وغموض. فهو لم يقص حكاياته لإثارة تلك الغرابة، وإنما للدلالة على تلك المواقف النفسية والتعقيدات التي كان يعانيها البخلاء في عصره.
وبالإضافة الى ذلك، فإننا لا نغفل الأسلوب المسرحي الذي تحقق له في كل نادرة، وخاصة في أقصوصة «مريم الصنّاع» و «شيخ النخالة» و «معّاذة العنبرية» ، فإننا وبحق نجد أنفسنا أمام خشبة مسرح تقوم عليها هذه الشخصيات وتنهض وتتحرك كأنها من لحم ودم.
ومما ينبغي أن نقوله في كتاب «البخلاء» إن صاحبه لم يصل من خلاله إلى غاية واحدة، بل بلغ به غايات أخرى أكثر شمولية وإحاطة بدراسة الفرد والمجتمع والإنسان.
فإذا كان كتاب «البخلاء» قمة في النقد الإجتماعي والأخلاقي، وصورة ترسم حقيقة طبقة معينة، فإن كتب الجاحظ كلها توازي قمة «البخلاء» شموخا.
ولهذا قال ابن العميد: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا» .
стр. 9
وجل ما نريد قوله إننا لا نريد التعريف بمؤلفات أبي عثمان التي كتب لها الخلود؛ وإنما نريد أن نكون بهذا العمل المتواضع قد أكدنا من جديد، تقديرنا للأدب الجاحظي وفكره، وأن نكون أيضا قد اهتدينا الى السبيل الصحيح لخدمة الفكر، والأدب، والحضارة، والإنسان. والله وليّ التوفيق ...
عباس عبد الساتر- ١٩٨٣-
стр. 10
توطئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
تولّاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت، حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص «١» النهار، وفي تفصيل حيل سرّاق الليل، وأنك سددت به كل خلل «٢» ، وحصّنت «٣» به كل عورة «٤» ، وتقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، ونبّهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا يبلغه كيد، ولا يجوزه مكر.
وذكرت أن قدر نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب. وقلت:
أذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، والراحة جماما «٥» ، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بدّ لمن التمس نفعه من مراجعته.
стр. 11
وذكرت ملح «الحرامي» «١» ، واحتجاج «الكندي» «٢» ، ورسالة «سهل بن هارون» «٣» ، وكلام «ابن غزوان» «٤» ، وخطبة «الحارثي» «٥» ، وكلّ ما حضرني من أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم؛ ولم سموا البخل اصلاحا والشحّ اقتصادا، ولم حاموا على المنع «٦» ، ونسبوه إلى الحزم؛ ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع؟ ولم جعلوا الجود سرفا، والأثرة جهلا «٧» ؟ ولم زهدوا في الحمد، وقلّ احتفالهم بالذم؟ ولم استضعفوا من هش «٨» للذكر، وارتاح للبذل؟ ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل الى ثناء «٩» ، ولا ينحرف عن هجاء؟ ولم احتجوا لظلف العيش «١٠» على لينه، ولمرّه على حلوه؟ ولم لم يستحيوا من رفض الطيّبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم؟ ولم تتابعوا في البخل؟ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الإسم، مع أنفتهم من ذلك الإسم؟ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؟ ولم عملوا، في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى؟ ولم وفروا نصيب
стр. 12
الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة، وشمول العافية؟
والمعافى أكثر من المبتلى؛ وليست الفوائد أقل من الحوائج «١» .
بل كيف يدعو الى السعادة من خصّ نفسه بالشقوة، فكيف ينتحل نصيحة العامة، من بدأ بغشّ الخاصة؟ ولم احتجوا، مع شدة عقولهم، لما أجمعت الأمة على تقبيحه؟ ولم فخروا، مع اتساع معرفتهم، بما أطبقوا على تهجينه «٢» ؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل «٣» عند الاحتجاج عنه، إلى الغايات عنه، الى الغايات البعيدة والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، وخمول ذكره وسوء أثره على أهله.
وكيف، وهو الذي يجمع له بين الكد، وقلة المرزئة «٤» ، وبين السهر، وخشونة المضجع، وبين طول الاغتراب، وطول قلة الانتفاع، ومع علمه بأن وارثه أعدى له من عدّوه، وأنه أحقّ بماله من وليّه، أوليس هو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل الغفلة والحماقة، ثم احتجّ لذلك بالمعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة الإختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، فكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذّبا لما ظهر من جهله ونقصانه. ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، ويغبى عن القريب الجليل؟!.
وقلت: فبيّن لي ما الشيء الذي خبّل «٥» عقولهم، وأفسد أذهانهم، وأغشى تلك الأبصار، ونقض ذلك الإعتدال؟ وما الشيء الذي له
стр. 13
عاندوا الحق، وخالفوا الأمم «١» ؟ وما هذا التركيب المتضاد، والمزاج المتنافي؟ وما هذا الغباء الشديد الذي الى جنبه فطنة عجيبة؟ وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح، وأدرك به الجليل الغامض؟! وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل، وأبدى صفحته للذمّ، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم، ولا من الإحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله، مسخّر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، وعرف إفراط شحّه، وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغالب طبعه، ولربما ظن أن قد فطن له، وعرف ما عنده، فموّه شيئا لا يقبل التمويه، ورقع خرقا لا يقبل الرقع. فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، وعن تقويم أخلاقه، وعن استرجاع ما سلف من عاداته، وعن قلبه أخلاقه المدخولة «٢» إلى أن تعود سليمة، لترك تكلّف ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمّه، ولما وضع على نفسه الرقباء، ولا أحضر مائدته الشعراء، ولا خالط برد «٣» الآفاق، ولا لابس الموكلين بالأخبار، ولاستراح من كدّ الكلفة، ودخل في غمار الأمة.
وبعد، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم؟ وإن كان عيبه مكشوفا، وعيب من أطعمه مستورا؟
ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر «٤» ، وشحّت بالقليل من الطعم؟ وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، وأنه، لو شاء أن
стр. 14
يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيدا «١» ، ويسيرا موجودا.
وقلت: ولا بدّ من أن تعرفني الهنات «٢» التي نمت على المتكلفين «٣» ، ودلّت على حقائق المتموهّين، وهتكت عزّ أستار الأدعياء، وفرّقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين المقهور المنزجر «٤» ، والمطبوع المبتهل «٥» ، لتقف، كما زعمت، عندها، ولتعرض نفسك عليها ولتتوهّم مواقعها وعواقبها.
فإن نبّهك التصفّح بها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته، فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك، نظرت؛ فإن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم؛ وإن كان اكتراثك غامر الإجتهاد، سترت نفسك وانفردت بطيّب زادك، ودخلت مع الغمار «٦» وعشت عيش المستورين. وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا، وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا، أجبت الحزم الى ترك التعرّض، وأجبت الإحتياط إلى رفض التكلّف، ورأيت أنّ من حصّل السلامة من الذمّ، فقد غنم؛ وأنّ من آثر «٧» الثقة على التغرير، فقد حزم.
وذكرت أنك الى معرفة هذا الباب أحوج، وأنّ ذا المروءة الى هذا العلم أفقر؛ وإني إن حصّنت من الذمّ عرضك، بعد أن حصّنت من
стр. 15
اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، ولا أم رؤوم.
وسألت أن أكتب لك علّة «خبّاب» «١» في نفي الغيرة، وأن بذل الزوجة داخل في باب المؤاساة والأثرة؛ وأن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ وأن الزوجة في كثير من معانيها كالأمّة، وأنّ الأمة مال كالذهب والفضة، وأن الرجل أحقّ ببنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد؛ وأن البعيد أحقّ بالغيرة، والقريب أولى بالأنفة، وأنّ الإستزادة في النسل كالإستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، والديانة هي التي حرّمته، ولأن الناس يتزيّدون أيضا في استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
وعلّة «الجهجاه» «٢» في تحسين الكذب في مواضع، وفي تقبيح الصدق في مواضع، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، وفي حطّ الصدق الى موضع الكذب. وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه «٣» ، وتذكّر مثالبه «٤» ، ويحابون «٥» الصدق بتذكّر منافعه، وبتناسي مضارّه.
وأنهم لو وازنوا بين مرافقهما، وعدّلوا بين خصالهما، لّما فرّقوا بينهما هذا التفريق، ولما رأوهما بهذه العيون.
ومذهب «صحصح» «٦» في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأن الغباء، في الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، وأنّ عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، من عيش العقلاء؛ وأنك لو أسمنت بهيمة، ورجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل وهمّة، وأخرى ذات غباء وغفلة،
стр. 16
لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمّة أبطأ؛ ولأن العقل مقرون بالحذر والإهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو «١» شحما في الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء، وأن سلم منه، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء. ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصوّرة في كتابي الذي سمّي «كتاب المسائل» «٢» لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.
فأما ما سألت من احتجاج الأشحّاء، ونوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في قصصهم، إن شاء الله تعالى، مفرّقا وفي احتجاجهم مجملا، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي، دون ما انتهى إليّ من أخبارهم، على وجهها. وعلى أن الكتاب أيضا يصير أقصر، ويصير العار فيه أقل.
ونبتدىء برسالة «سهل بن هارون» ثم بطرف أهل «خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان.
ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه، إذا شئت، وفي لهو، إذا مللت الجدّ.
وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبّة «٣» ، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، وربما عدّ من الوفاء، وشدّة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون.
стр. 17
وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبيّ له: لا تجزع، فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره.
وضرب «عامر بن عبد قيس» «١» بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة «٢» ، لا تندى «٣» .
وقيل: «لصفوان بن محرز» «٤» ، عند طول بكائه، وتذكّر أحزانه:
«إن طول البكاء يورث العمى» ؛ فقال: «ذلك لها شهادة» فبكى حتى عمي.
وقد مدح بالبكاء ناس كثير، منهم «يحيى البكّاء» ، وهيثم البكّاء» .
وكان «صفوان بن محرز» يسمى: «البكاء» . وإذا كان البكاء (وما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء، وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السّخف، وقضي على صاحبه بالهلع، وشبّه بالأمة اللكعاء «٥» وبالحدث الضّرع) «٦» كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، الى أن ينقطع عنه سببه.
ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك، وقبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنيّ: «كأنه يضحك ضحكا» .
وقد قال الله جل ذكره: «وأنه هو أضحك وأبكى وأنه قد أمات وأحيا» ، فوضع الضحك بحذاء الحياة «٧» ، ووضع البكاء بحذاء الموت؛
стр. 18
وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص.
وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، ومن مصلحة الطباع كبيرا، وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب؟ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وبه تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علّة سروره، ومادة قوّته.
ولفضل خصال الضحك عند العرب، تسمّي أولادها «بالضحّاك» و «ببسام» و «بطلق» و «بطليق» .
وقد ضحك النبي، ﷺ ، ومزح، وضحك الصالحون ومزحوا، وإذا مدحوا قالوا: «هو ضحوك السنّ، وبسّام العشيّات «١» ، وهشّ الى الضيف، وذو أريحية «٢» واهتزاز، وإذا ذموا قالوا: «هو عبوس، وهو كالح «٣» ، وهو قطوب، وهم شتم المحيا، وهو مكفهّر أبدا، وهو كريه، ومقبّض الوجه، وحامض الوجه، وكأنما وجهه بالخجل منضوج» !.
وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصّر عنهما أحد، صار الفاضل خطلا «٤» ، والتقصير نقصا.
فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، والضحك وقارا.
وهذا كتاب لا أغرّك منه، ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن
стр. 19
يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقّه، كما ينبغي له. لأنّ ههنا أحاديث كثيرة، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها، وإن لم نسمّهم، ولم نرد ذلك بهم وسواء سميّناهم، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق والوليّ والمستور والمتجمّل، وليس يفي حسن الفائدة لكم، بقبح الجناية عليهم.
فهذا باب يسقط البتّة، ويختلّ به الكتاب لا محالة، وهو أكثرها بابا، وأعجبها منك موقعا. وأحاديث أخر ليس لها شهرة، ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها، ولا هي مقيّدة أصحابها، وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها، واللائقين بها؛ وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها، سقوط نصف الملحة «١» ، وذهاب شطر النادرة.
ولو أن رجلا ألزق نادرة «بأبي الحارث جمّين» «٢» ، «والهيثم بن مطهر» «٣» ، و «بمزبّد» «٤» ، و «ابن أحمر» «٥» ، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون.
ولو ولّد نادرة حارّة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى «صالح بن حنين» «٦» والى «ابن النواء» «٧» ، والى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فان الفاتر شرّ من البارد.
وكما أنك لو ولّدت كلاما في الزهد، وموعظة الناس، ثم قلت: هذا
стр. 20
من كلام «بكر بن عبد الله المزنىّ» و «عامر بن عبد قيس العنبري» ، و «مؤرق العجلي» و «يزيد الرقاشي» «١» ، لتضاعف حسنه، ولا حدث له ذلك النسب نضارة «٢» ورفعة لم تكن له.
ولو قلت: قالها «أبو كعب الصوفي» «٣» ، أو «عبد المؤمن» «٤» أو «أبو نواس» «٥» الشاعر أو «حسين الخليع» «٦» ، لما كان لها إلا ما لها في نفسها، وبالحري أن تغلط في مقدارها، فتبخس «٧» من حقّها.
وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، أما بالخوف منهم، وأما بالإكرام لهم.
ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلّفته، ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة، فإن كانت لائمة أو عجز، فعليك، وإن كان عذر، فلي دونك.
стр. 21
رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد والى بني عمه من آل زياد
حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب «بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلّمكم الخير، وجعلكم من أهله.
قال الأحنف بن قيس «١» : يا معشر بني تميم، لا تسرعوا الى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلّهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون:
إذا أردت أن ترى العيوب جمّة، فتأمّل عيّابا، فإنه إنما يعيب، بفضل ما فيه من العيب؛ وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب؛ وقبيح أن تنهي عن مرشد، أو تغري بمشفق. وما أردنا، بما قلنا، إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم. ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية، فيما بيننا وبينكم. ثم قد تعلمون أنّا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، فما كان أحقّكم، في تقديم حرمتنا بكم- أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم، فلا
стр. 22
العذر المبسوط «١» عرفتم، ولا بواجب الحرمة قمتم.
ولو كان ذكر العيوب برّا وفضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا.
وإنّ من أعظم الشّقوة، وأبعد من السعادة، ألّا يزال يتذكر زلل «٢» المعلمين، ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غاط العاذلين «٣» ولا يحفل بعمد «٤» المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب لطعمه؛ وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطّاب، ﵁ ورحمه، لأهله: املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين.
وعبتم عليّ قولي: من لم يعرف مواقع السرف «٥» في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الإقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية وأشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، والى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الإقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون به في إبتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذلك، وشنّعتموه بجهدكم وقبّحتموه. وقد قال الحسن «٦» عند ذكر السّرف: إنه ليكون في الماعونين «٧» : الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء،
стр. 23
حتى أردفه بالكلأ.
وعبتموني حين ختمت على سدّ «١» عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة لكعاء «٢» ، وزوجة خرقاء. «٣»
وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فنّ، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات.
وكيف وهم لا يفقدون، من ذلك، وما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن وأعلف حماره السمسم المقشّر.
فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وختم على كيس فارغ، وقال: «طينة خير من طنّة «٤» » . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء.
وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين التأدّم «٥» باللحم والمرق، ولنجمع، مع الارتفاق «٦» ، بالمرق
стр. 24
الطيب؛ وقد قال النبي ﷺ : إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا.
وعبتموني بخصف النعال «١» ، وبتصدير القميص «٢» ، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى، وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الإجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع.
وقد كان النبي ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع «٣» إصبعه، ويقول: لو أتيت بذراع لأكلت، ولودعيت الى كراع لأجبت «٤» . ولقد لفّقت سعدى إبنة عوف إزار طلحة، وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض «٥» .
وكان في ثوب عمر رقاع أدم «٦» . وقال: من لم يستحي من الحلال، خفّت مؤونته، وقلّ كبره. وقالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» .
وبعث زياد رجلا يرتاد «٧» له محدّثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: «أكنت ذا معرفة به» ؟ قال: «لا ولا رأيته قبل ساعته» . قال: «أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور، قبل أن توصله إليّ» ؟ قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته» ؟
قال: «يومنا يوم قائظ، ولم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا «٨» ، فظننت به الحزم» .
стр. 25
وقد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا وبوّأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا بالسمّ، وأمات بالغذاء، وأغصّ بالماء، وقتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع، مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع، مع الإسراف، التكبر. وقد زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف يد عنز، وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة، قال: إن كان لا بدّ فاجعلها بيّاضة. وعد أبو الدرداء «١» العراق «٢» جزر البهيمة «٣» .
وعتموني حين قلت: «لا يغترّنّ أحد بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقة عظمه، ووهن «٤» قوته، أن يرى أكرومته، ولا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمرّا، وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبّات الدهور، مما لا يخطر على البال، ولا تدركه العقول، فيستردّه ممن لا يرّده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب وأقبح ما يكون به الكسب» . فعبتموني بذلك، وقد قال عمرو بن العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك من يموت غدا» «٥» .
وعبتموني حين زعمت أن التبذير الى مال القمار، ومال الميراث،
стр. 26
وإلى مال الإلتقاط، وحباء «١» الملوك، أسرع، وأن الحفظ الى المال المكتسب والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب «٢» البدن، واهتمام القلب أسرع، وأن من لم يحسب ذهاب نفقته، لم يحسب الدخل، فقد أضاع الأصل، وأن من لم يعرف قدره، فقد أذن بالفقر وطاب نفسا بالذّل.
وزعمت أن كسب الحلال مضمّن بالإنفاق في الحلال؛ وأن الخبيث ينزع الى الخبيث؛ وأن الطيّب يدعو الى الطيّب؛ وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق؛ وأن الإنفاق في الحقوق، حجاز دون الهوى. فعبتم عليّ هذا القول؛ وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا والى جانبه حق مضيّع. وقد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث ينفق في السّرف.
وقلت لكم، بالشفقة مني عليكم، وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم، ولما يحب في جواركم، وفي ممالحتكم، وملابستكم: «أنتم في دار الآفات، والجوائح «٣» غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال عمر ﵁، في العبد والأمة، وفي ملك الشاة والبعير، وفي الشيء الحقير اليسير: «فرّقوا بين المنايا» . وقال ابن سيرين لبعض البحريين: «كيف تصنعون بأموالكم» ؟
قال: «نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أنّ السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر» . قال ابن سيرين: تحسبها «خرقاء «٤» وهي صناع» «٥» .
стр. 27
وقلت لكم، عند إشفاقي عليكم: «إنّ للغنى سكرا، وان للمال نزوة، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى، فقد أضاعه؛ ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد أهمله» .
فعبتموني بذلك؛ وقال زيد بن جبلة «١» : «ليس أحد أفقر من غنّي أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر» .
وقلتم: «قد لزم الحثّ على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره، بعد رسائلة، وفي خطبه، بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما!
ومن ذلك قوله في محمد بن زياد:
وخليقتان: تقى وفضل تحرّم ... وإهانة، في حقه، للمال!
وعبتموني حين زعمت أنّي أقدم المال على العلم؛ لأن المال به يغاث العالم، وبه تقوم النفوس، قبل أن تعرف فضيلة العلم. وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأني قلت: «وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلّة «٢» نعمى» . وقلتم: «وكيف تقول هذا، وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم» . فقلت: حالهما هي الفاصلة بينهما؛ وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه، وشيء يغني بعضهم فيه عن بعض» ؟.
وعبتموني حين قلت: «إن فضل الغني على القوت، إنما هو كفضل الآلة
стр. 28
تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدّة» .
وقد قال الحضين بن المنذر «١» : «وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء» . قيل: «فما ينفعك من ذلك» ؟ قال: «لكثرة من يخدمني عليه» .
وقال أيضا: «عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما» .
ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب الأهواء. كان رسول الله ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقالوا: «درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك» . فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع، الدرهم. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه ورضوانه: «إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم» ، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين «٢» . وكان هشام يقول: «ضع الدرهم على الدرهم، يكّون مالا. ونهى أبو الأسود الدؤلي «٣» ، وكان حكيما أديبا، وداهيا أريبا، عن وجودكم هذا المولّد، وعن كرمكم هذا المستحدث، فقال لإبنه: «إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض «٤» ، ولا تجاود «٥» الله، فإن الله أجود منك» . وقال: «درهم من حلّ يخرج في حق، خير من عشرة آلاف قبضا» . وتلقّط عرجدا «٦» من برم فقال: «تضيعون مثل هذا، وهو قوت امرىء مسلم يوما إلى الليل» ؟! وتلقط أبو الدرداء حبّات حنطة، فنهاه بعض المسرفين، فقال: «إيها، ابن العبسية، إن فقه المرء رفقه في معيشته» .
стр. 29
فلستم عليّ تردّون ولا رأيي تفندون «١» ، فقدّموا النظر قبل العزم، وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. والسلام» .
стр. 30
أهل خراسان
«نبدأ بأهل خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل «مرو» «١» ، بقدر ما خصوا به:
قال أصحابنا: يقول المروزي «٢» للزائر، إذا أتاه، وللجليس، إذا طال جلوسه: «تغدّيت اليوم» ؟ فإن قال «نعم» ، قال: «لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بغداء طيب» ؛ وإن قال: «لا» . قال: «لو كنت تغديت، لسقيتك خمسة أقداح» . فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير.
وكنت في منزل «ابن أبي كريمة» «٣» وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز «٤» خزف، فقال: «سبحان الله تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة» ؟ قلت: «ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر» . قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة» . فلم أدر كيف أتخلص منه.
وحدثني عمرو بن نهيوي «٥» قال: «تغدّيت يوما عند الكندي،
стр. 31
فدخل عليه رجل كان له جارا، وكان لي صديقا، فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل (وكان أبخل من خلق الله) ، قال: «فاستحييت منه» ، فقلت: «سبحان الله! لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل» . قال:
«قد والله فعلت» . فقال الكندي: «ما بعد الله شيء» . قال عمرو:
«فكتفه، والله كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه، ولو مدّ يده لكان كافرا، أو لكان قد جعل مع الله، جلّ ذكره، شيئا» .
وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول.
وقال ثمامة «١» : «لم أر الديك في بلدة قطّ إلا وهو لا قط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب» . قال: «فعلمت إن بخلهم شيء في طبع البلاد، وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم» .
فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: «كنت عند شيخ من أهل مرو، وصبيّ له صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثا وإما ممتحنا: «أطعمني من خبزكم» . قال: «لا تريده، هو مرّ» . فقلت:
«فاسقني من مائكم» قال: «لا تريده، هو مالح» . قلت: «هات لي من كذا وكذا» قال: لا تريده، هو كذا وكذا» . إلى أن عددت أصنافا كثيرة، كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إليّ. فضحك أبوه وقال: «ما ذنبنا؟
هذا من علّمه ما تسمع» ؟ يعني أن البخل طبع فيهم، وفي إعراقهم، وطينتهم.
وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل، وصبروا عن
стр. 32
الارتفاق «١» بالمصباح ما أمكن الصبر. ثم أنهم تناهدوا «٢» وتخارجوا «٣» ، وأبى واحد منهم أن يعينهم، وأن يدخل في الغرم «٤» معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدّوا عينه بمنديل؛ ولا يزال ولا يزالون كذلك، إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح، فإذا أطفأوه أطلقوا عينيه.
ورأيت أنا حمّارة منهم، زهاء خمسين رجلا، يتغدون على مباقل «٥» بحضرة قرية الأعراب، في طريق الكوفة، وهم حجّاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا، وهم في ذلك متقاربون، يحدّث بعضهم بعضا. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.
حدّثني مويس بن عمران «٦» قال: «قال رجل منهم لصاحبه، وكانا إمّا متزاملين «٧» ، وإما مترافقين، «لم لا نتطاعم «٨» ؟ فان يد الله مع الجماعة، وفي الإجتماع البركة» ؛ وما زالوا يقولون: «طعام الإثنين لا يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة لا يكفي الأربعة» . فقال له صاحبه:
«لولا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة» .
فلما كان الغد، وأعاد عليه القول، قال له: «يا عبد الله معك رغيف، ومعي رغيف؛ ولولا أنك تريد الشرّ، ما كان حرصك على مؤاكلتي.
تريد الحديث والمؤانسة؟ اجعل الطبق واحدا، ويكون رغيف كل منّا قدّام صاحبه. وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك، ونصف رغيفي،
стр. 33
ستجده مباركا. إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا، لا أنت.
وقال خاقان بن صبيح «١» : «دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا، وإذا هو قد أتانا بمسرجة «٢» ، فيها فتيلة في غاية الدقّة، وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح «٣» ، وقد علّق على عمود المنارة عودا بخيط، وقد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرّباط. فكان المصباح، إذا كاد ينطفىء أشخص «٤» رأس الفتيلة بذلك» . قال: «فقلت له: ما بال العود مربوطا» ؟ قال: «هذا عود قد تشرّب الدهن، فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان، فإذا كان هذا دأبنا «٥» ودأبه، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة» . قال: «فبينا أنا أتعجبّ في نفسي، وأسأل الله جلّ وذكره العافية والستر، إذ دخل شيخ من أهل مرو، فنظر الى العود فقال: «يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شيء. أما تعلم أن الريح والشمس تأخذوان من سائر الأشياء؟ أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى «٦» ، وهو عند إسراجك الليلة أعطش «٧» ؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفّقني الله إلى ما هو أرشد! اربط، عافاك الله، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة. وعلى أن العود والخلال «٨» والقصبة ربما تعلّقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها فيشخص لها. وربما كان ذلك سببا لا نطفاء السراج. والحديد أملس، وهو مع ذلك غير نشاف» . قال خاقان: «ففي تلك الليلة عرفت فضل اهل خراسان
стр. 34
على سائر الناس، وفضل أهل مرو على سائر أهل خراسان» .
قال مثنّى بن بشير «١» : دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان، وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف، من هذه الخزفيّة الخضر. فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك، من صالح أبدا. عاتبتك في مسارج الحجارة، فأعتبتني بالخزف. أو ما علمت أن الخزف والحجارة يحسوان «٢» الدهن حسوا؟ قال جعلت فداك! دفعتها إلى حريف «٣» لي، دهّان، فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت، من الدهن، ريّا لا تحتاج معه أبدا الى شيء. قال: ليس هذا أريد؛ هذا دواؤه يسير، وقد وقعت عليه. ولكن ما علمت أن موضع النار من المسرجة، في طرف الفتيلة، لا ينفكّ من إحراق النار، وتجفيفه، ونشف ما فيه؛ ومتى ابتلّ بالدّهن وتسقاه، عادت النار عليه فأكلته؟ هذا دأبهما. فلو قسمت ما يتشرّب ذلك المكان، من الدهن، بما يستمده طرف الفتيلة منه، لعلمت أن ذلك أكثر. وبعد هذا، فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة، لا يزال سائلا جاريا؛ ويقال إنك متى وضعت مسرجة، فيها مصباح، وأخرى لا مصباح فيها، لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهنا.
واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة، والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها، كيف تجدهما ينعصران دهنا. وهذا كله خسران وغبن، لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد. على أن المفسدين إنما يطعمون الناس، ويسقون ناس، وهم على حال يستخلفون «٤» شيئا، وإن كان دونا. وأنت إنما تطعم النار، وتسقي النار، ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار. قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك؟ قال:
стр. 35
تتخذ قنديلا؛ فإن الزجاج أحفظ من غيره، والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف، ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد، أو بإحراق النار؛ وأيهما ما كان، فإنه يعيد المسرجة الى العطش الأول.
والزجاج أبقى على الماء والتراب، من الذهب الإبريز «١» ؛ وهو مع ذلك مصنوع، والذهب مخلوق، فإن فضله الذهب بالصلابة، فضله الزجاج بالصفاء؛ والزجاج مجلّ، والذهب ستّار. ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه، فلا تحمّى جوانبه بوهج المصباح، كما تحمى بموضع النار من المسرجة. وإذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج، صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، وردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة، أو على وجه الماء، أو على الزجاجة؛ ثم انظر كيف يتضاعف نوره؛ وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه، وربما أعماه. وقال الله جلّ ذكره: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ «٢» فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
. والزيت في الزجاجة نور على نور، وضوء على ضوء مضاعف. هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف.
وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق، وأملحهم بخلا، وأشدهم رياء، أدخل على ذي اليمينين، طاهر بن الحسين، وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام، فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق، يا أبا عبد الله؟ فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة. قال: فضحك طاهر، وقال: سألناك يا أبا عبد الله عن
стр. 36
مسألة، فأجبتنا عن مسألتين.
قصة العراقي مع المروزيّ:
ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، وذلك: إن رجلا من أهل مرو كان ولا يزال يحجّ ويتّجر، وينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه ويكفيه مؤونته. ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي: «ليت إني قد رأيتك بمرو، حتى أكافئك، لقديم إحسانك، وما تجدّد لي من البرّ في كل مرّة. فأما ههنا فقد أغناك الله عني» .
قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية؛ فكان مما هوّن عليه مكابدة السفر، ووحشة الاغتراب، مكان المروزيّ هناك. فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره، وفي عمامته وقلنسوته «١» وكسائه، ليحطّ رحله عنده، كما يصنع الرجل بثقته، وموضع أنسه. فلما وجده قاعدا في أصحابه، أكبّ عليه وعانقه، فلم يره أثبته، ولا سأل عنه سؤال من رآه قط. قال العراقي في نفسه: «لعل إنكاره إيّاي لمكان القناع» ؛ فرمى بقناعه، وابتدأ مساءلته، فكان له أنكر.
فقال: «لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة» ؛ فنزعها ثم إنتسب، وجدد مساءلته، فوجده أشدّ ما كان له إنكارا. قال «فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة» ؛ وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل، فقال: «لو خرجت من جلدك لم أعرفك» : ترجمة هذا الكلام بالفارسية: «اكرازبوست بارون بيائي نشناستم» «٢» .
стр. 37
المشاركة في طبخ اللحم:
وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا، فتناهدوا «١» وتلازموا في شراء اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه، قبل الطبخ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة «٢» أو بخيط، ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل.
فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه، وقد علّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق، ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط، القطعة بعد القطعة، حتى يبقى الحبل لا شيء فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازمة، أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد تشرّبت الدسم فقد رويت. وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة، ولكن لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأن المؤونة تخفّ أيضا، والحطب والخلّ والثوم والتوابل، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر وإنما يختارون السكباج «٣» لأنها تبقى على الأيام، وأبعد من الفساد.
قصة مقلى الخراساني:
حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام «٤» قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال:
«قد كان لنا مقلى، ولكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش «٥» اللحم في المقلى، وشمّ الطباهج «٦» ،
стр. 38
فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي «١» ، وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.
وكيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، والمقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، وهو في البيت؟!.
طلاق بسبب غسل الخوان:
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا وسمن سلاء «٢» ، ونحن على خوان «٣» ليس عليه إلا ما ذكرت، والخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟ قال: وما عرفت علّته؟ قلت: لا والله. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.
ولقد طلّق إمرأته، وهي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلّا مسحته.
الأكل مع الجماعة تكلّف:
وقال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من عقلائهم وفقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟ قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما
стр. 39
المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلّف. وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل» .
السلام والطعام:
وحدّثني إبراهيم بن السندي «١» قال: كان على ربض الشاذروان «٢» شيخ لنا، من أهل خراسان. وكان مصححا بعيدا من الفساد، ومن الرشا «٣» ، ومن الحكم بالهوى، وكان حفيا «٤» جدا، وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله، وتدنيقه «٥» في نفقاته؛ وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه، ولا يشرب إلا ما بدا منه. غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان «٦» ، وقطع لحم سكباج «٧» مبرّد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان «٨» وأربع بيضات ليس منها بدّ، ومعه خلال. ومضى وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ «٩» ، وينظر موضعا تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فاذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن
стр. 40
هذا مرّة. فإن وجد قيّم «١» ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال:
اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا، رطبا، (إن كان في زمان الرطب) ، أو عنبا (إن كان في زمان العنب) ويقول له: إياك إياك أن تحابيني «٢» ، ولكن تجوّد لي، فإنّك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن فان المغبون لا محمود ولا مأجور» فإن أتاه به أكل كل شيء معه، وكل شيء أتي به، ثم تخلّل، وغسل يديه، ثم تمشّى مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام الى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، ويمصي الى المسجد.
هذا كان دأبه كل جمعة!! قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلّم عليه، فردّ السلام؛ ثم قال: «هلّم عافاك الله» . فلما نظر الى الرجل وقد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعبر النهر، قال له: «مكانك، فإنّ العجلة من عمل الشيطان» . فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: «تريد ماذا» ؟ قال: «أريد أن أتغدّى» .
قال: «ولم ذاك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي» ؟ قال الرجل: «أوليس قد دعوتني» ؟ قال: «ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق، ما رددت عليك السلام. ايحسن فيما نحن فيه أن تكون، إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، أن تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ، مجيبا لك: «وعليكم السلام» . فإن كنت لا آكلا شيئا، سكتّ أنا، وسكتّ أنت، ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي. وإن كنت آكل فههنا وجه آخر، وهو إن أبدأ أنا، فأقول: «هلّم» ، وتجيب أنت فتقول:
«هنيئا» . فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف، وهذا يخرج علينا فضلا كبيرا. قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه.
следующие страницы →