Полный текст (304 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مسألة، فأجبتنا عن مسألتين.
قصة العراقي مع المروزيّ:
ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، وذلك: إن رجلا من أهل مرو كان ولا يزال يحجّ ويتّجر، وينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه ويكفيه مؤونته. ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي: «ليت إني قد رأيتك بمرو، حتى أكافئك، لقديم إحسانك، وما تجدّد لي من البرّ في كل مرّة. فأما ههنا فقد أغناك الله عني» .
قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية؛ فكان مما هوّن عليه مكابدة السفر، ووحشة الاغتراب، مكان المروزيّ هناك. فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره، وفي عمامته وقلنسوته «١» وكسائه، ليحطّ رحله عنده، كما يصنع الرجل بثقته، وموضع أنسه. فلما وجده قاعدا في أصحابه، أكبّ عليه وعانقه، فلم يره أثبته، ولا سأل عنه سؤال من رآه قط. قال العراقي في نفسه: «لعل إنكاره إيّاي لمكان القناع» ؛ فرمى بقناعه، وابتدأ مساءلته، فكان له أنكر.
فقال: «لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة» ؛ فنزعها ثم إنتسب، وجدد مساءلته، فوجده أشدّ ما كان له إنكارا. قال «فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة» ؛ وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل، فقال: «لو خرجت من جلدك لم أعرفك» : ترجمة هذا الكلام بالفارسية: «اكرازبوست بارون بيائي نشناستم» «٢» .
стр. 37
المشاركة في طبخ اللحم:
وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا، فتناهدوا «١» وتلازموا في شراء اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه، قبل الطبخ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة «٢» أو بخيط، ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل.
فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه، وقد علّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق، ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط، القطعة بعد القطعة، حتى يبقى الحبل لا شيء فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازمة، أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد تشرّبت الدسم فقد رويت. وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة، ولكن لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأن المؤونة تخفّ أيضا، والحطب والخلّ والثوم والتوابل، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر وإنما يختارون السكباج «٣» لأنها تبقى على الأيام، وأبعد من الفساد.
قصة مقلى الخراساني:
حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام «٤» قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال:
«قد كان لنا مقلى، ولكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش «٥» اللحم في المقلى، وشمّ الطباهج «٦» ،
стр. 38
فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي «١» ، وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.
وكيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، والمقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، وهو في البيت؟!.
طلاق بسبب غسل الخوان:
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا وسمن سلاء «٢» ، ونحن على خوان «٣» ليس عليه إلا ما ذكرت، والخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟ قال: وما عرفت علّته؟ قلت: لا والله. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.
ولقد طلّق إمرأته، وهي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلّا مسحته.
الأكل مع الجماعة تكلّف:
وقال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من عقلائهم وفقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟ قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما
стр. 39
المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلّف. وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل» .
السلام والطعام:
وحدّثني إبراهيم بن السندي «١» قال: كان على ربض الشاذروان «٢» شيخ لنا، من أهل خراسان. وكان مصححا بعيدا من الفساد، ومن الرشا «٣» ، ومن الحكم بالهوى، وكان حفيا «٤» جدا، وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله، وتدنيقه «٥» في نفقاته؛ وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه، ولا يشرب إلا ما بدا منه. غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان «٦» ، وقطع لحم سكباج «٧» مبرّد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان «٨» وأربع بيضات ليس منها بدّ، ومعه خلال. ومضى وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ «٩» ، وينظر موضعا تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فاذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن
стр. 40
هذا مرّة. فإن وجد قيّم «١» ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال:
اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا، رطبا، (إن كان في زمان الرطب) ، أو عنبا (إن كان في زمان العنب) ويقول له: إياك إياك أن تحابيني «٢» ، ولكن تجوّد لي، فإنّك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن فان المغبون لا محمود ولا مأجور» فإن أتاه به أكل كل شيء معه، وكل شيء أتي به، ثم تخلّل، وغسل يديه، ثم تمشّى مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام الى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، ويمصي الى المسجد.
هذا كان دأبه كل جمعة!! قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلّم عليه، فردّ السلام؛ ثم قال: «هلّم عافاك الله» . فلما نظر الى الرجل وقد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعبر النهر، قال له: «مكانك، فإنّ العجلة من عمل الشيطان» . فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: «تريد ماذا» ؟ قال: «أريد أن أتغدّى» .
قال: «ولم ذاك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي» ؟ قال الرجل: «أوليس قد دعوتني» ؟ قال: «ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق، ما رددت عليك السلام. ايحسن فيما نحن فيه أن تكون، إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، أن تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ، مجيبا لك: «وعليكم السلام» . فإن كنت لا آكلا شيئا، سكتّ أنا، وسكتّ أنت، ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي. وإن كنت آكل فههنا وجه آخر، وهو إن أبدأ أنا، فأقول: «هلّم» ، وتجيب أنت فتقول:
«هنيئا» . فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف، وهذا يخرج علينا فضلا كبيرا. قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه.
стр. 41
فشهر بذلك في تلك الناحية، وقيل له: «قد أعفينا من السلام، ومن تكلف الرد» . قال: «ما بي الى ذلك حاجة، إنما هو أن أعفي أنا نفسي من «هلّم» وقد استقام الأمر» .
كذب بكذب:
ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير «١» عن وال كان بفارس، إما أن يكون خالدا خومهرويه، أو غيره، قال:
بينا هو يوما في مجلس، وهو مشغول بحسنابه وأمره، وقد احتجب بجهده، إذ نجم «٢» شاعر من بين يديه، فأنشده شعرا مدحه فيه، وقرّظه «٣» ، ومجّده. فلمّا فرغ قال: «قد أحسنت» . ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم» . ففرح الشاعر فرحا شديدا؛ فلما رأى حاله قال: «وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها ألف درهم» . فكاد الشاعر يخرج من جلده، فلما رأى فرحه قد تضاعف، قال: «وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول؟ أعطه يا فلان أربعين ألفا» . فكاد الفرح يقتله.
فلما رجعت إليه نفسه قال له: «أنت، جعلت فداك، رجل كريم؛ وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحا، زدتني في الجائزة، وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر» . ثم دعا له وخرج.
قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: «سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهما تأمر له بأربعين ألف درهم» ؟ قال: «ويلك! وتريد أن تعطيه شيئا» ؟ قال: «ولم امرت له بذلك» ؟ قال: «يا أحمق، إنما هذا
стр. 42
رجل سرّنا بكلام، وسررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشدّ من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السّنان هل جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به الى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب؟ ولكنه قد سرّنا حين كذب لنا، فنحن أيضا نسرّه بالقول ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذبا، فيكون كذب بكذب وقول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به» .
ويقال: إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوّام من قولهم:
«ينظر إليّ شزرا كأنّي أكلت إثنين، وأطعمته واحدا» إنما هو لأهل مرو.
قال: وقال المروزيّ لولا إنني أبني مدينة لبينت آريّا لدابتي.
قال: وقلت لأحمد بن هشام «١» ، وهو يبني داره ببغداد: «إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلّط عليه الطين والماء» . قال: «وما يصنع بذكر الطين والماء؟ إنما إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف «٢» ، لا والله أن أهلك الناس، ولا أقفر بيوتهم، ولا ترك دورهم بلاقع «٣» ، إلا الإيمان بالخلف، وما رأيت جنة «٤» قط أوقى من اليأس» .
стр. 43
الزكاة والخلف:
قال: وسمع رجل، من المراوزة، الحسن وهو يحث الناس على المعروف، ويأمر بالصدقة، ويقول: «ما نقص مال قطّ من زكاة» ، ويعدهم سرعة الخلف. فتصدّق المروزيّ بماله كله فافتقر، فانتظر سنة وسنة، فلما لم ير شيئا بكر على الحسن، فقال: «حسن ما صنعت بي؟
ضمنت لي الخلف، فأنفقت على عدتك، وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت، لا أرى منه قليلا ولا كثيرا. هذا يحلّ لك؟ اللص كان يصنع بي أكثر من هذا» ؟
والخلف يكون معجّلا ومؤجلا. ومن تصدّق وتشرّط الشروط استحقّ الحرمان. ولو كان هذا على ما توهمّه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة، ولترك الناس التجارة، ولما بقي فقير، ولذهبت العبادة.
وقيل: أصبح ثمامة شديد الغمّ حين احترقت داره. وكان كلما دخل عليه إنسان قال: الحريق سريع الخلف. فلما كثر ذلك القول منهم، قال: «فاستحرق الله «١» . اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شيء لنا» .
الإقتصاد في لبس الاخفاف:
وليس هذا الحديث من حديث المراوزة، ولكنا ضممناه الى ما يشاكله:
قال سجّادة، وهو أبو سعيد سجّادة: ناس من المراوزة إذا لبسوا الخفاف «٢» في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم، يمشون على
стр. 44
صدور أقدامهم ثلاثة أشهر، وعلى أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر حتى يكون كأنهم لم يلبسوا خفافهم إلا ثلاثة أشهر، مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب.
حكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام، عن جاره المروزي: أنه كان لا يلبس خفا ولا نعلا إلى أن يذهب النبق «١» اليابس، لكثرة النوى في الطريق والأسواق. قال: ورآني مرة. مصصت قصب سكر، فجمعت ما مصصت ماءه، لأرمي به، فقال: «إن كنت لا تنوّر لك، ولا عيال عليك، فهبه لمن له تنّور وعليه عيال. وإياك أن تعوّد نفسك هذه العادة في أيام خفّة ظهرك «٢» ، فانك لا تدري متى تأتيك العيال» .
стр. 45
قصة أهل البصرة من المسجديّين
قال أصحابنا من المسجديين «١» :
اجتمع ناس في المسجد، ممن ينتحل الإقتصاد في النفقة، والتثمير للمال، من أصحاب الجمع والمنع «٢» . وقد كان هذا المذهب عندهم كالنسب الذي يجمع على التحابّ، وكالحلف الذي يجمع على التناصر.
وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب، وتطارحوه وتدارسوه، إلتماسا للفائدة، واستمتاعا بذكره:
الحمار والماء الأجاج:
فقال شيخ منهم ماء بئرنا، كما قد علمتم مالح أجاج «٣» ، لا يقربه الحمار، ولا تسيغه الإبل «٤» ، وتموت عليه النخل؛ والنهر منا بعيد، وفي تكلّف
стр. 46
العذب علينا مؤونة «١» . فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه، وانتفض علينا من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. وكنت أنا والنعجة «٢» كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت الى ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، وصهرجتها «٣» ، وملّستها، حتى صارت كأنها صخرة منقورة، وصوّبت اليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء اليها صافيا، لم يخالطه شيء. ولولا التعبّد لكان جلد المتغوّط «٤» أحقّ بالنّتن، من جلد الجنب «٥» ، فمقادير طيب الجلود واحدة، والماء على حاله. والحمار أيضا لا تقزّز «٦» له من ماء الجنابة، وليس علينا حرج في سقيه منه. وما علينا أن كتابا حرّمه، ولا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. وأسقطنا مؤونة عن النفس والمال.
قال القوم: هذا بتوفيق الله، ومنّه.
стр. 47
مريم الصنّاع
: فأقبل عليهم شيخ فقال: «وهل شعرتم بموت مريم الصنّاع؟ فإنها كانت من ذوات الاقتصاد، وصاحبة إصلاح» . قالوا: «فحدثنا عنها» .
قال: نوادرها كثيرة وحديثها طويل، ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية» . قالوا: «وما هي؟ قال:
زوّجت إبنتها، وهي بنت إثنتي عشرة سنة، فحلّتها الذهب والفضّة، وكستها المروي «١» والوشي «٢» والقز «٣» والخز «٤» ، وعلّقت المعصفر «٥» ودقت الطيب، وعظّمت أمرها في عين الختن «٦» ، ورفعت من قدرها عند الأحماء «٧» . فقال لها زوجها: أنّى لك هذا يا مريم؟ قالت:
هو من عند الله. قال: دعي عنك، وهاتي التفسير، والله ما كنت ذات مال قديما، ولا ورثته حديثا، وما أنت بخائنة في نفسك، ولا في مال بعلك «٨» ، إلا أن تكوني قد وقعت على كنز. وكيف دار الأمر، فقد أسقطت عني مؤونة «٩» ، وكفيتني هذه النائبة «١٠» . قالت: إعلم أني منذ يوم ولدتها، إلى أن زوّجتها، كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة؛
стр. 48
وكنّا، كما قد علمت، نخبز في كل يوم مرّة، فإذا اجتمع من ذلك مكوك «١» بعته. فقال لها زوجها: ثبّت الله رأيك وأرشدك، وفقد أسعد الله من كنت له سكنا «٢» ، وبارك لمن جعلت له إلفا. ولهذا وشبهه قال رسول الله، ﷺ : «من الذود «٣» الى الذود إبل» . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح، وسلى مذهبك المحمود. وما فرحي بهذا منك بأشدّ من فرحي بما يثّبت الله بك في عقبي «٤» من هذه الطريقة المرضية.
فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها، وصلّوا عليها. ثم رجعوا إلى زوجها فعزّوه على مصيبته؛ وشاركوه في حزنه.
درهم على درهم
: ثم اندفع شيخ منهم فقال: «يا قوم لا تحقّروا صغار الأمور، فإن أول كل كبير صغير، ومتى شاء الله أن يعظّم صغيرا عظّمه، وأن يكثر قليلا كثّره. وهل بيوت الأموال الا درهم على درهم؟ وهل الدرهم إلا قيراط إلى جنب قيراط؟ أوليس كذلك رمل عالج «٥» وماء البحر؟ وهل اجتمعت أموال بيوت الأموال إلا بدرهم من ههنا، ودرهم من ههنا؟ قد
стр. 49
رأيت صاحب سقط «١» قد اعتقد «٢» مائة جريب «٣» في أرض العرب؛ ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط، والحمّص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل إلا الحبّة والحبّتين، من خشب الفلفل، فلم يزل يجمع من الصغار الكبار، حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب» .
ماء النخالة
: ثم قال: «اشتكيت أياما صدري، من سعال كان أصابني. فأمرني قوم بالفانيذ «٤» السكري، وأشار عليّ آخرون بالخزيرة «٥» تتخذّ من النشاشتج «٦» والسكر، ودهن اللوز، وأشباه ذلك. فاستثقلت المؤونة، وكرهت الكلفة، ورجوت العافية. فبينا أنا أدافع الأيام، إذ قال لي بعض الموفقين: «عليك بماء النخالة، فأحسسه»
حارا» . فحسوت فإذا هو طيّب جدا، وإذا هو يعصم «٨» جدا فما جعت ولا اشتهيت الغداة في ذلك اليوم الى الظهر. ثم ما فرغت من غدائي وغسل يدي حتى قاربت العصر. فلما قرب وقت غدائي من وقت عشائي، طويت العشاء وعرفت قصدي» .
فقلت للعجوز: «لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة؟ فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء وعصمة، ثم تجففين، بعد، النخالة، فتعود كما كانت، فتبيعينه إذا اجتمع بمثل الثمن الأول، ونكون قد ربحنا
стр. 50
فضل ما بين الحالين» . فقالت: «أرجو أن يكون الله قد جمع لك بهذا السعال مصالح كثيرة، لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك، وصلاح معاشك» .
وما أشك أن تلك المشورة كانت من التوفيق» .
قال القوم: «صدقت. مثل هذا يكتسب بالرأي، ولا يكون إلا سماويا» .
الحرّاق والقداحة والعرجون:
ثم أقبل عليهم شيخ آخر فقال: «كنا نلقي من الحرّاق «١» والقدّاحة «٢» جهدا؛ لأن الحجارة كانت، إذا انكسرت حروفها واستدارت، كلّت، ولم تقدح قدح خير، وأصلدت فلم تور «٣» . وربما أعجلنا المطر والوكف «٤» . وقد كان الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة، حتى يدعها كالقوس، فكنت أشتري المرقشيثا «٥» بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع. وكان علينا أيضا في صنعة الحرّاق، وفي معالجة العطبة «٦» مؤونة، وله ريح كريهة. والحرّاق لا يجيء من الخرق المصبوغة، ولا من الخرق الوسخة، ولا من الكتان، ولا من الخلقان «٧» . فكنا نشتريه بأغلى الثمن. فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو
стр. 51
والأعراب، وقدحهم النار بالمرخ «١» والعفار «٢» ، فزعم لنا صديقنا الثوريّ، وهو، ما علمت، أحد المرشدين: أن عراجين الأعذاق «٣» تنوب عن ذلك أجمع، وعلّمني كيف تعالج. ونحن نؤتي بها من أرضنا بلا كلفة. فالخادم اليوم، لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون» .
قال القوم: «قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة، ولهذا ما قال الأول:
«مذاكرة الرجال تلقح الألباب» .
معاذة العنبرية:
ثم اندفع شيخ منهم فقال: «لم أر في وضع الأمور مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية» . قالوا: «وما شأن معاذة هذه» ؟
قال: أهدى إليها العام ابن عمّ لها أضحية «٤» . فرأيتها كئيبة حزينة مفكّرة مطرقة، فقلت لها: مالك يا معّاذة؟ قالت أنا إمرأة أرملة وليس لي قيّم «٥» ، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبّرونه ويقومون بحقّه. وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. وقد علمت أن الله لم يخلق فيها، ولا في غيرها شيئا لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير:
стр. 52
أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطاف «١» ، ويسمّر في جذع «٢» من أجذاع السقف، فيعلق عليه الزّبل «٣» والكيران «٤» ، وكل ما خيف عليه من الفأر، والنمل والسنانير، وبنات وردان «٥» ، والحيّات، وغير ذلك. وأما المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا الى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس، واللحيان، وسائر العظام، فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق، ثم يطبخ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام «٦» وللعصيدة «٧» ، ولغير ذلك، ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منه، وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر، لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب «٨» فالجلد نفسه جراب «٩» . وللصوف وجوه لا تعد. وأما الفرث «١٠» والبعر، فحطب إذا جفّف عجيب» .
ثم قالت: «بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله، ، لم يحرّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها، ولا يمنع منها؛ وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يرضع
стр. 53
موضع لإنتفاع به، وصار كيّة في «١» قلبي، وقذّى «٢» في عيني، وهمّا لا يزال يعودني» .
قال: «فلم ألبث أن رأيتها قط طلّقت وتبسّمت. فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم» . قالت: «أجل ذكرت أن عندي قدورا «٣» شامية جددا. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ «٤» ، ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحار الدسم، وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء موقعه» .
قال: «ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: كيف كان قديد «٥» تلك الشاة» ؟ قالت: «بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد. لنا في الشحم والإلية والجنوب «٦» والعظم المعرّق وفي غير ذلك معاش. ولكل شيء إبّان «٧» » .
فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى، ثم ضرب بها الأرض، ثم قال: «لا تعلم أنك من المسرفين، حتى تسمع بأخبار الصالحين» .
стр. 54
زبيدة بن حميد:
وأما زبيدة بن حميد الصيرفيّ «١» ، فإنه استسلف من بقال، كان على باب داره، درهمين وقيراطا، فلما قضاه بعد ستة أشهر، قضاه درهمين وثلاث حبات شعير. فاغتاظ البقّال، وقال: «سبحان الله! أنت رب مائة ألف دينار؛ وأنا بقال لا أملك مائة فلس، وإنما أعيش بكدّي وباستفضال»
الحبة والحبتين. صاح على بابك جمّال، وحمال، ولم يحضرك، وغاب وكيلك، فنقدت عنك درهمين، وأربع شعيرات، فقضيتني بعد سنة أشهر درهمين، وثلاث شعيرات» ! فقال زبيدة: «يا مجنون أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء، وثلاث شعيرات شتوية ندية، أرزن «٣» من أربع شعيرات يابسة صيفية، وما أشك أن معك فضلا» «٤» .
وحدثني أبو الإصبغ بن ربعي «٥» قال: «دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم، فقلت له: ما هذا الضرب المبرّح، وهذا الخلق السيء؟
هؤلاء غلمان، ولهم حرمة وكفاية وتربية، وإنما هم ولد. هؤلاء كانوا الى غير هذا أحوج. قال: «إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن «٦» كان عندي» .
قال أبو الإصبغ: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: «ويلك! ما لك وللجوارشن؟ وما رغبتك فيه» قال: «جعلت فداك! ما أقدر أن
стр. 55
أكلّمك من الجوع إلا وأنا متكيء. الجوارشن ما أصنع به؟ هو نفسه ليس يشبع، ولا يحتاج الى الجوارشن، ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعا من أفواه الناس، وما نصنع بالجوارشن؟.
واشتد على غلمانه في تصفية الماء، وفي تبريده وتزميله «١» ، لأصحابه وزوّاره. فقال له غازي أبو مجاهد: «جعلت فداك! مر بتزميل الخبز وبتكبيره، فإن الطعام قبل الشراب» .
وقال مرة: «يا غلام هات خوان النرد» ، وهو يريد تخت النرد.
فقال له غازي: «نحن الى خوان الخبز أحوج» .
وسكر زبيدة ليلة، فكسا صديقا له قميصا؛ فلما صار القميص على النديم خاف البدوات «٢» . وعلم أن ذلك هفوة من هفوات السكر.
فمضى من ساعته الى منزله، فجعله برنكانا «٣» لامرأته؛ فلما أصبح، سأل عن القميص، وتفقّده. فقيل له: «إنك قد كسوته فلانا» فبعث إليه، ثم أقبل عليه، فقال: «ما علمت أن هبة السكران، وشراءه وبيعه، وصدقته، وطلاقه لا يجوز؟ وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد، وأن يوجّه الناس هذا مني على السكر، فردّه عليّ حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس، فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلا» . فلما رآه صمّم أقبل عليه فقال: «يا هناه «٤» ! إن الناس يمزحون، ويلعبون، ولا يؤاخذون بشيء من ذلك، فردّ القميص عافاك الله» . قال له الرجل:
«إني والله قد خفت هذا بعينه، فلم أضع جنبي الى الأرض حتى جيّبته
стр. 56
لامرأتي. وقد زدت في الكمّين وحذفت المقاديم «١» . فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه» . فقال: «نعم آخذه، لأنه يصلح لأمرأتي كما يصلح لأمرأتك» . قال: «فإنه عند الصبّاغ» . قال: «فهاته» . قال:
«ليس أنا أسلمته إليه» . فلما علم أنه قد وقع، قال: «بأبي أنت وأمي، رسول الله، ﷺ ، حيث يقول: جمع الشّر كلّه في بيت، وأغلق عليه، فكان مفتاحه السكر» .
ليلى الناعطية:
وأما ليلى الناعطيّة، صاحبة الغالية من الشيعة، فإنها ما زالت ترقع قميصا لها وتلبسه، حتى صار القميص الرّقاع، وذهب القميص الأول.
ورفت «٢» كساءها ولبسته، حتى صارت لا تلبس إلا الرفو، وذهب جميع الكساء. وسمعت قول الشاعر:
إلبس قميصك ما اهتديت لجيبه ... فإذا أضلّك جيبه فاستبدل
فقالت: «إني إذن لخرقاء. أنا، والله، أحوص «٣» الفتق، وفتق الفتق، وأرقع الخرق، وخرق الخرق» .
وليد القرشي:
ومضيت أنا وأبو إسحاق النظّام وعمرو بن نهيوي، نريد الحديث في الجبّان «٤» ، ولنتناظر في شيء من الكلام. فمررنا بمجلس وليد القرشي، وكان على طريقنا، فلما رآنا تمشى معنا. فلما جاوزنا الخندق، جلسنا في
стр. 57
فناء حائط له ظل شديد السواد، بارد ناعم، وذلك لثخن الساتر، والكتناز الأجزاء، ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه. فطال بنا الحديث، وجرينا في ضروب من الكلام. فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف، ونحن في يوم قائظ «١» . فلما أردنا الرجوع، ووجدت مس الشمس ووقعها على الرأس، أيقنت بالبرسام «٢» . فقلت لأبي إسحاق (والوليد إلى جنبي يسمع كلامي) : «الباطنة «٣» منا بعيدة، وهذا يوم منكر، ونحن في ساعة تذيب كل شيء؛ والرأي أن نميل الى منزل الوليد فنقيل «٤» فيه، ونأكل ما حضر، فإنه يوم شديد فإذا أبردنا تفرّقنا. وإلا فهو الموت، ليس دونه شيء» . قال الوليد رافعا صوته: «أما على هذا الوجه لا يكون والله أبدا، فضعه في سويداء قليك» . فقلت له: «ما هذا الوجه الذي أنكرته علينا رحمك الله؟ هل ههنا إلا الحاجة والضرورة» ؟ قال: «إنك أخرجته مخرج الهزء» . قلت: «كيف أخرجه مخرج الهزء، وحياتي في يدك، مع معرفتي بك» ؟ فغضب ونتريده من أيدينا، وفارقنا. ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة، ولم أر من يجعل الأسى في المنع إلا هو، وإلا ما كان من أبي مازن إلى جبل العمّيّ.
جبل وأبو مازن:
وكان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه، فخاف العسس «٥» ، ولم يأمن أحد يتبعه فيضرّه. فقال: «لو دققت الباب على أبي مازن، فبتّ
стр. 58
عنده في أدنى بيت أو في دهليزه، ولم ألزمه من مؤنتي «١» شيئا، حتى إذا انصدع عمود الصبح «٢» خرجت في أوائل المدلجين «٣» » .
فدقّ عليه الباب دقّ واثق، ودقّ مدلّ، ودقّ من يخاف أن يدركه العسس أو أحد يتبعه، وفي قلبه من الخوف ما يزيد عن الكفاية. فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هديّة، فنزل سريعا.
فلما فتح الباب، ونظر لجبل، أبصر الموت. فلما رآه جبل واجما «٤» لا يحير كلمة، قال له: «إني خفت معرّة العسس وخوف أحد يضرني أو يتبعني، فملت إليك لأبيت عندك. فتساكر أبو مازن، وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر. ففتح فاه، وحرّك لسانه، وقال: «سكران والله، أنا والله سكران» . قال له جبل: «كن كيف شئت. نحن في أيام الربيع، لا شتاء ولا صيف، ولست أحتاج إلى سطح فأغمّ عيالك بالحر، ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار «٥» . وأنا كما ترى ثمل «٦» من الشراب، شبعان من الطعام، ومن منزل فلان خرجت، وهو أخصب الناس رحلا. وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة، ثم أقوم في أوائل المبكرين» . قال أبو مازن (وأرخى عينيه وفكيه ولسانه) ثم قال: «سكران، والله، أنا سكران، لا والله ما أعقل أين أنا، والله ما أفهم ما تقول» .
ثم أغلق الباب في وجهه، ودخل، لا يشكّ أن عذره قد وضح، وأنه قد ألطف النظر حتى وقع على هذه الحيلة.
стр. 59
وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب، ولفظا معدولا عن جهته فاعملوا أنّا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغّض هذا الباب، ويخرجه من حدّه إلا أن ما حكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء، وأشحّاء العلماء، كسهل بن هارون، وأشباهه.
أحمد بن خلف اليزيدي:
ومن طيّاب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي «١» . ترك أبوه في منزله، يوم مات، ألف ألف درهم، وستمائة ألف درهم، ومائة وأربعين ألف دينار. فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه، فأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم، وسبعين ألف دينار، ذهبا عينا مثاقيل «٢» وازنة جيادا، سوى العروض «٣» .
فقلت له، وقد ورث هذا المال كله: ما بطّأ بك الليلة؟ قال: لا والله إلا أنّي تعشيت، البارحة، في البيت. فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته، وإن ذلك لغريب منه، لما احتاج إلى هذا الإستثناء، وإلى هذه الشريطة. وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم؟ وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة: لا والله إلا أن فلانا حبسني، لا والله إلا أن فلانا عزم عليّ. فأما ما يستثنى ويشترط، فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه، من قبل.
وقال لي مبتدئا مرة، عن غير مشورة وعن غير سبب جرى:
أنظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثّة «٤» ، فإنها عظيمة
стр. 60
البركة كثيرة الفوائد، وهي تنوب عن الغداء، ولها نفخة تغني عن العشاء. وكل شيء من الإحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء.
ومن تحسّى الحار عرق، والعرق ينفض «١» الجلد ويخرج ضرّ الجوف «٢» .
وهي تملأ النفس وتمنع من التشهّي. وهي أيضا تدفيء، فيقوم ذلك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج. وحسو الحار يغني عن الوقود، وعن لبس الحشو. والوقود يسوّد كل شيء وينتّنه. وهو سريع في الهضم، وصاحبه بعرض حريق، ويذهب في ثمنه المال العظيم. وشرّ شيء فيه أن من تعوّده لم يدفئه شيء سواه. فعليك يا أبا عثمان بالمثلثّة، واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة، وأصحاب التجربة. فخذها من حكيم مجرّب ومن ناصح مشفق.
وكان لا يفارق منازل إخوانه، وإخوانه مخاصيب متاريب «٣» ، أصحاب نفح «٤» وترف، وكانوا يتحفونه»
ويدلّلونه، ويفكهّونه ويحكمونه، ولم يشكّوا أنه سيدعوهم مرّة، وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة فلما طال تغافله، وطالت مدافعته، وعرّضوا له بذلك فتغافل، وصرّحوا له. فلمّا امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت. فلمّا بلغ منه ومنهم المجهود، اتخذ لهم طعيما خفيفا، شهيا مليحا، لا ثمن له، ولا مؤونة فيه. فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالذي لا شيء أعظم منه، أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي؟
قالوا: ما نشكّ أنك، حين كنت والطعام في ملكك، أغنى وأيسر. قال:
فأنا الساعة أقرب الى الفقر، أم تلك الساعة؟ قالوا: بل أنت الساعة أقرب الى الفقر. قال: فمن يلومني على دعوة قوم قرّبوني من الفقر،
стр. 61
وباعدوني من الغنى، وكلما دعوتهم أكثر، كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد؟! وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء، أو تناول من حائطه تينة، ومن خليط دابته عودا.
ومر بأصحاب الجداء، وذلك في زمان التوليد، فأطعمه الزمان في الرّخص، وتحركت شهوته على قدر إمكان عنده. فبعث غلاما له، يقال له «ثقف» ، وهو معروف، ليشتري له جديا، فوقف غير بعيد. فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر «١» ، وهو يشير بيده، ويوميء برأسه، أن:
اذهب ولا تقف. فلم يبرح. فلما دنا منه قال: ويلك! تهرّبني كأني مطلوب؟ قال: هذا طرفة: الجدي بعشرة. أنت من ذي البابة «٢» ؟ مرّ الآن، مرّ مرّ. فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم، والجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة، لكثرة الخير ورخص السعر. فأمّا في العساكر فإن أنكر ذلك منكر، فإنما ينكره من طريق رخصه وقلة ثمنه، لا لغير ذلك.
ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه، بل ما تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه. ومن كانت هذه صفته، وهذا مذهبه، فغير مأمون على جليسه. وأيّ الرجال المهذّب «٣» ؟ هذا والله الشنوع والتبوع، والبذاء وقلة الوفاء «٤» .
стр. 62
اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته، وطلب رضاه ومحبته. ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله، وكمينا من كمائنه. وذلك أن أحبّ الأصحاب اليه، أبلغهم قولا في إيأس الناس مما قبله، وأجودهم حسما لأسباب الطمع في ماله. على أني أحسنت بجهدي، فسيجعل شكري موقوفا؛ فإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر، وإلا أمسك. لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم، وقد أغناه عن التنويه والتنبيه على مذهبه. وكيف، وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان، كانا من المسرفين؟ وأن الثوري والكنديّ يستوجبان الحجر؟ وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم «١» بالنفقة، ولا بقول العيال: «هات هات» لعرفتم حالهم ومنزلتهم.
أجهز على الجرحى:
وحدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، وإذا القوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على الجرحى، ولا تعرض للأصحّاء. (يقول: أعرض للدجاجة التي قد نيل منها، وللفرخ المنزوع الفخذ، فأما الصحيح فلا تعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه، وأصابه بعض المرق) .
وقال لي هذا الرجل: أكلنا عنده يوما، وأبوه حاضر، وبنيّ له يجيء ويذهب. فاختلف مرارا، كلّ ذلك، يرانا نأكل. فقال الصبيّ: كم تأكلون، لا أطعم الله بطونكم! فقال أبوه، وهو جدّ الصبي: إبني، ورب الكعبة.
стр. 63
وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ، قال:
قال لي صاحب الحمّام ألّا أعجّبك من صالح بن عفان؟ كان يجيء كل سحر، فيدخل الحمّام، فإذا غبت عن إجّانة النورة «١» ، مسح عانته وأرفاغه «٢» ، ثم يتستر بالمئزر ثم يقوم فيغسله في غمار الناس «٣» . ثم يجيء بعد في مثل تلك الساعة، فيطلي ساقيه وبعض فخذيه، ثم يجلس ويتزر بالمئزر، فإذا وجد غفلة غسله. ثم يعود في مثل ذلك الوقت، فيمسح قطعة أخرى من جسده. فلا يزال يطلّي في كل سحر حتى ذهب مني بطلية.
وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية، ولا تبريد الماء في الجرار المذارية «٤» . لأن هذه ترشح، وتلك تنشف.
حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال:
حدثني أبو الأحوص الشاعر قال: كنا نفطر عند الباسياني، فكان يرفع يديه قبلنا، ويستلقي على فراشه ويقول: إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.
خالد بن يزيد
وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة «٥» ، هو خالويه المكدّي «٦» ، وكان
стр. 64
فد بلغ في البخل والتكدية، وفي كثرة المال، المبالغ التي لم يبلغها أحد؛ وكان ينزل في شقّ بني تميم «١» ، فلم يعرفوه. فوقف عليه ذات يوم سائل، وهو في مجلس من مجالسهم، فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا؛ وفلوس البصرة كبار، فغلط بدرهم بغلي «٢» ، فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل. فلما فطن استردّه، وأعطاه الفلس. فقيل له: هذا لا نظنه يحل، وهو بعد بمثلك قبيح. قال: قبيح عندكم وأما أنا فإني لم أجمع هذا المال بعقولكم، فأفرّقه بعقولكم. ليس هذا من مساكين الدراهم، هذا من مساكين الفلوس. والله ما أعرفه إلا بالفراسة «٣» .
قالوا: وإنك لتعرف المكدّين؟ قال: وكيف لا أعرفهم؟ وأنا كنت كاجار «٤» في حداثة سنّي. ثم لم يبق في الأرض مخطراني «٥» ، ولا مستعرض أقفية «٦» ، ولا شحّاذ ولا كاغاني ولا بانوان، ولا قرسي ولا عوّاء، ولا مشعب، ولا فلور، ولا مزيدي ولا إسطبل إلا وكان تحت يدي. ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة؛ ولم يبق في الأرض كعبيّ ولا مكدّ، إلا وقد أخذت العرافة عليه، حتى خضع إلى إسحق قتال الحر «٧» ، وبنجويه شعر الجمل، وعمرو القوقيل، وجعفر كردي كلك، وقرن أيره، وحمّويه عين الفيل، وشهرام حمار أيوب، وسعدويه نائك أمه «٨» . وإنما أراد بهذا أن يؤسهم من ماله، حين عرف حرصهم
стр. 65
وجشعهم، وسوء جوارهم. وكان قاصّا متكلما بليغا داهيا، وكان أبو سليمان الأعور، وأبو سعيد المدائني القاصّان من غلمانه. وهو الذي قال لابنه عند موته:
«إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته، وما لا تأكله إن ضيّعته.
ولما ورّثتك من العرف الصالح، وأشهدتك من صواب التدبير، وعوّدتك من عيش المقتصدين، خير لك من هذا المال. ولو دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة، ثم لم يكن لك معين من نفسك، لما انتفعت بشيء من ذلك. بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك، وذلك المنع تهجينا لطاعتك.
قد بلغت في البّر منقطع التراب، وفي البحر أقصى مبلغ السفن.
فلا عليك ألا ترى ذا القرنين؛ ودع عنك مذاهب ابن شرية «١» ، فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر. ولو رآني تميم الداريّ «٢» ، لأخذ عنيّ صفة الروم.
ولأنا أهدى من القطا، ومن دعيميص «٣» ، ومن رافع المخش، «٤» إني قد بتّ بالقفر مع الغول، وتزوّجت السّعلاة «٥» ، وجاوبت الهاتف، ورغت «٦» عن الجنّ الى الحنّ «٧» ، واصطدت الشقّ «٨» ، وجاوبت النسناس «٩» ، وصحبني الرئي «١٠» ، وعرفت خدع الكاهن، وتدسيس العرّاف، وإلى ما
стр. 66
يذهب الخطّاط والعيّاف، وما يقول أصحاب الأكتاف «١» ، وعرفت التنجيم والزّجر، والطرق والفكر «٢» .
إنّ هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدّية، ومن احتيال النهار، ومكابدة الليل»
. ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب البحر، أو من عمل سلطان، أو من كيمياء الذهب والفضة، وقد عرفت الرأس «٤» حقّ معرفته، وفهمت كسر الإكسير «٥» على حقيقته. ولولا علمي بضيق صدرك، ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك، لعلّمتك الساعة الشيء الذي بلغ به قارون، وبه تبنكتّ خاتون «٦» . والله ما يتّسع صدرك عندي لسر صديق، فكيف ما لا يحتمله عزم، ولا يتسع له صدر. وخزن سر الحديث، وحبس كنوز الجواهر، أهون من خزن العلم. ولو كنت عندي مأمونا على نفسك، لأجريت الأرواح في الأجساد، وأنت تبصر، إذ كنت لا تفهمه بالوصف، ولا تحقّه بالذكر. ولكني سألقي عليك علم الإدراك، وسبك الرخام، وصنعة الفسيفساء، وأسرار السيوف القلعيّة، وعقاقير السيوف اليمانية «٧» ، وعمل الفرعوني، وصنعة التلطيف على وجهه، إن أقامني الله من صرعتي هذه.
ولست أرضاك، وإن كنت فوق البنين، ولا أثق بك، وإن كنت لا حقا بالآباء لأني لم أبالغ في محنتك. إني قد لا بست السلاطين
стр. 67
والمساكين، وخدمت الخلفاء والمكدّين، وخالطت النسّاك والفتّاك «١» وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر، وحلبت الدهر أشطره «٢» وصادفت دهرا كثير الأعاجيب، فلولا أني دخلت من كل باب، وجريت مع كل ريح، وعرفت السراء والضرّاء «٣» ، حتّى مثّلث لي التجارب عواقب الأمور، وقرّبتني من غوامض التدبير، لما أمكنني جمع ما أخلّفه لك، ولا حفظ ما حبسته عليك، ولم أحمد نفسي على جمعه، كما حمدتها على حفظه، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس «٤» ، قد حفظته عليك من فتنة البناء، ومن فتنة النساء، ومن فتنة الثناء، ومن فتنة الرياء «٥» ، ومن أيدي الوكلاء، فإنهم الداء العياء «٦» .
ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك، ولكن بفضل بغضي للقاضي. إن الله، ، لم يسلّط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد، لأن أباه، إن كان غنيا قادرا، أحبّ أن يريه غناه وقدرته، وإن كان فقيرا عاجزا، أحبّ أن يستريح من شينه ومن حمل مؤونته، وإن كان خارجا من الحالين، أحبّ أن يستريح من مداراته، فلا هم شكروا من جمع لهم، وكفاهم، ووقاهم، وغرسهم، ولا هم صبروا على من أوجب الله حقّه عليهم. والحقّ لا يوصف عاجله بالحلاوة، كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة. فإن كنت منهم، فالقاضي لك، وإن لم تكن منهم فالله لك. فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك، وصرت الحافظ على غيرك. وإن خالفت سبيلي صار
стр. 68
مالك وديعة عند غيرك، وصار غيرك الحافظ عليك. وإنك يوم تطمع أن تضيع مالك، ويحفظه غيرك، لجشع الطمع، مخذول الأمل. احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف، فاحتالت القضاة على أولادهم بالإستبحاث «١» ما أسرعهم الى إطلاق الحجر، وإلى إيناس الرّشد، إذا أرداوا الشراء منهم. وأبطأهم عنهم، إذا أرداوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم.
يا ابن الخبيثة، إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان، فإن الكفاية قد مسختك، ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك؛ وزاد في ذلك أن كنت بكرى، وعجزة أمّك «٢» .
أنا لو ذهب مالي لجلست قاصّا، أو طفت في الآفاق، كما كنت، مكدّيا. اللحية وافرة بيضاء، والحلق جهيز طل، والسمت «٣» حسن، والقبول عليّ واقع. إن سألت عيني الدمع أجابت، والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير، وصرت محتالا بالنهار، واستعملت صناعة الليل. أو خرجت قاطع طريق، أو صرت للقوم عينا ولهم مجهرا «٤» . سل عني صعاليك الجبل «٥» وزواقيل «٦» الشام وزطّ الآجام «٧» ، ورؤوس الأكراد، ومردة الأعراب، وفتّاك نهربطّ «٨» ، ولصوص القفص «٩» ، وسل
стр. 69
عني القيقانية «١» والقطرية «٢» ، وسل عني المتشبهة وذبّاحي الجزيرة «٣» ، وكيف بطشي ساعة البطش، وكيف حيلتي ساعة الحيلة، وكيف أنا عند الجولة، وكيف ثبات جناني عند رؤية الطليعة، وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة «٤» ، وكيف كلامي عند السلطان إذا أخذت، وكيف صبري إذا جلدت، وكيف قلة ضجري إذا حبست، وكيف رسفاني في القيد إذا أثقلت. فكم من ديماس «٥» قد نقبته، وكم من مطبق «٦» قد أفضيته، وكم من سجن قد كابدته. لم تشهدني وكردويه الأقطع أيام سندان «٧» ، ولا شهدتني في فتنة سرنديب «٨» ، ولا رأيتني أيام حرب المولتان «٩» سل عني الكتيفية والخربيّة والبلالية، وبقية أصحاب صخر ومصخر، وبقية أصحاب فاس وراس ومقلاس، ومن لقي أزهر أبا النقم. كان آخر من صادفني حمدويه أبو الأرطال. وأنا مجيب مردويه بن أبي فاطمة، وأنا خلفعت بني هانيء. وأنا أول من شرب الغربى حارّا، والبزيل باردا؛ وأول من شرب بالعراق بالكبرة «١٠» ، وجعل القنقل «١١» قرعة. وأول من ضرب «الشاهسبرم» «١٢» على ورق القرع، وأول من لعب باليرمع ١»
стр. 70
في البدو، وأسقط الدفّ المربّع من بين الدفاف، وما كان النقاب إلا هدّاما، حتى نشأت، وما كان الاستقفاء إلا استلابا «١» حتى بلغت.
وأنت غلام، لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق حزمك، لم تعجمك الضرّاء، ولم تزل في السرّاء والمال واسع، وذرعك ضيّق. وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس، فأتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، وخف عباد الله على حسب ما ترجو الله.
فأول ما أوقع في روعي أن مالي محفوظ عليّ، وأن النماء لازم لي، وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي، أني لما غلبتني يوما شهوتي، وأخرجت يوما درهما لقضاء وطري «٢» ، ووقعت عيني على سكّته، وعلى اسم الله المكتوب عليه، قلت في نفسي: إني إذا لمن الخاسرين الضالّين، لئن أنا خرجت من يدي، ومن بيتي شيئا عليه: «لا إله إلا الله» وأخذت بدله شيئا ليس عليه شيء. والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده، وعليه، «حسبي الله» أو: «توكلت على الله» فيظن أنه قد خرج من كنف الله، جلّ ذكره، حتى يردّ الخاتم في موضعه. وإنما هو خاتم واحد، وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو؟ إن هذا لعظيم» .
ومات من ساعته، وكفّنه إبنه ببعض خلقانه، وغسله بماء البئر.
ودفنه من غير أن يضرح له، أو يلحد له «٣» ، ورجع.
فلما صار في المنزل نظر الى جرّة خضراء معلقة. قال: أيّ شيء في هذه الجرّة؟ قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأيّ شيء كان فيها قبل
стр. 71
اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنّا في الشتاء نلقي له في البرمة «١» شيئا من دقيق نعمله له، فكان ربّما برّمة «٢» بشيء من سمن. قال: يقولون ولا يفعلون. السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم الا في السمن والعسل؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره. قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنّا نظن أن فوقه مزيدا.
المخطراني: الذي يأتيك في زيّ ناسك، ويريك أن بابك «٣» قدقوّر لسانه من أصله لأنه كان مؤذنا هناك. ثم يفتح فاه كما يصنع من يتثاءب، فلا ترى له لسانا البتة. ولسانه في الحقيقة كلسان الثور. وأنا أحد من خدع بذلك. ولا بد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبّر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصتّه.
والكاغاني: الذي يتجنّن ويتصارع ويزبد «٤» ، حتى لا يشكّ أنه مجنون لا دواء له، لشدّة ما ينزل بنفسه، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علّته.
- والبانوان: الذي يقف على الباب ويسل الغلق «٥» ، ويقول: بانوا.
وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي.
- والقرسيّ: الذي يعصب «٦» ساقه وذراعه عصبا شديدا، ويبيت
стр. 72
على ذلك ليلة. فإذا تورّم واختنق الدم، مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين «١» وقطر عليه شيئا من سمن، وأطبق عليه خرقة، وكشف بعضه. فلا يشكّ من رآه أن به الأكلة «٢» ، أو بليّة شبة الأكلة.
- والمشعّب: الذي يحتال للصبيّ حين يولد، بأن يعميه أو يجعله أعسم «٣» أو أعضد «٤» ، ليسأل الناس به أهله. وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم الثقيل، لأنه حينئذ عقدة «٥» وغلّة. فإمّا أن يكتسبا به، وإمّا أن يكرياه بكراء «٦» معلوم. وربما أكروا أولادهم ممّن يمضي إلى أفريقية، فيسأل بهم الطريق أجمع، بالمال العظيم. فإن كان ثقة مليئا، وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا.
- والفلّور: الذي يحتال لخصيته، حتي يريك أنه آدر «٧» . وربما أراك أن بها سرطانا أو خرّاجا أو غربا ... أو ربما أرى ذلك في دبره بأن يدخل فيه حلقوما ببعض الرئة. وربما فعلت ذلك المرأة بفرجها.
- والكاغان: الغلام المكدّي إذا واجر «٨» ، وكان عليه مسحة جمال، وعمل العملين معا.
- والعوّاء: الذي يسأل بين المغرب والعشاء. وربما طرّب، إذا كان له صوت حسن وحلق شجيّ.
стр. 73
- والإسطيل: هو المتعامي: إن شاء أراك أنه منخسف العينين، وإن شاء أراك أن بهما ماء، وإن شاء أراك أنه لا يبصر، لخسف ولريح السبل «١» .
- والمزيدي: الذي يدور ومعه الدريهمات، ويقول: هذه دراهم قد جمعت لي في ثمن قطيفة «٢» ، فزيدوني فيها رحكمك الله. وربما احتمل صبيا على أنه لقيط. وربما طلب في الكفن.
- والمستعرض: الذي يعارضك وهو ذو هيئة، وفي ثياب صالحة.
وكأنه قد مات من الحياء، ويخاف أن يراه معرفة «٣» . ثم يعترضك اعتراضا، ويكلّمك خفيّا.
- والمقدّس: الذي يقف على الميّت يسأل في كفنه. ويقف في طريق مكّة على الحمار الميّت، والبعير الميت فيدعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر «٤» . وقد تعلّم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية، وتعرّف تلك المدن والسكك والرجال. وهو، متى شاء كان أفريقيا، ومتى شاء كان من أهل فرغانة «٥» ، ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء.
- والمكديّ: صاحب الكداء «٦» .
- والكعبي: أضيف إلى إبن أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء.
- والزكوري: هو خبز الصدقة، كان على سجين أو على سائل.
стр. 74
هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط. وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد.
ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء.
طرف شتّى:
رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أميّة بن عبد الله بن أسيد، رغيفا من خوانه «١» بيده، ثم رطله «٢» ، والقوم يأكلون، ثم قال: يزعمون أن خبزي صغار. أي إبن زانية يأكل من هذا الخبز رغيفين؟
وكنت أنا وأبو إسحاق، إبراهيم بن سيّار النظام، وقطرب النحوي «٣» ، وأبو الفتح، مؤدّب منصور بن زياد، على خوان فلان بن فلان. والخوان من جزعة «٤» ، والغضار «٥» صيني ملمّع، أو خلنجية كيماكيّة «٦» ، والألوان طيّبة شهيّة، وغذية قدية، وكل رغيف في بياض الفضة، كأنه البدر، وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على قدر عدد الرؤوس.
فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة. ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يمدّوا بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة. وإنما هم في تنقير وتنتيف «٧» .
فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح، وتحت القصعة رقاقة «٨» ، فقال: «يا أبا الفتح، خذ ذلك الرغيف فقطّعه، واقسمه على
стр. 75
أصحابنا» فتغافل أبو الفتح، ثم أعاد عليه القول: فتغافل، فلما أعاد عيه القول: فتغافل، فلما أعاد عليه القول، الرابعة، قال: مالك، ويلك، لا تقطّعه بينهم؟ قطع الله أوصالك! قال: تبتلى على يدي غيري، أصلحك الله فخجّلناه مرّة، وضحكنا مرة، وما ضحك صاحبنا ولا خجل.
وزرته أنا والمكي، وكنت أنا على حمار مكاريّ، والمكّي على حمار مستعار. فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزّور»
. فكلّم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه، اسقوه ماء فقط. فسقوه ماء بئر، فلم يشربه الحمار، وقد مات عطشا. فأقبل المكّي عليه، فقال:
أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة؛ فهو لا يعرف إلا العذب. قال: فامزجوه له يا غلام.
فمزجوه، فلم يشربه. فأعاد المسألة، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي.
وقال لي مرة: يا أخي، إنّ أناسا من الناس يغمسون اللقمة الى أصبارها «٢» في المري، فأقول هؤلاء قوم يحبّون الملوحة، ولا يعجبون بالحامض. فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة «٣» ، فيغمسها في الخل الحاذق، ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل، بعد التغريق، ساعة، فأقول: هؤلاء قوم يجمعون حبّ الحموضة الى حب الملوحة. ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل.
والخردل لا يرام: قل لي أي شيء طبائع هؤلاء؟ وأي ضرب هم؟ وما دواؤهم؟ وأي شيء علاجهم؟
следующие страницы →