Полный текст (117 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
* مقدمة*
ألف الجاحظ كتاب «البغال» ليضمه إلى كتاب الحيوان، بحيث يكون قسما منه متمما لسائر أقسامه. وقد أفصح عن نيته تلك بقوله:
«كان وجه التدبير في جملة القول في البغال أن يكون مضموما إلى جملة القول في الحافر كله، فيصير الجميع مصحفا تاما، كسائر مصاحف كتاب الحيوان» .
يبدو أن عقبات عدة حالت دون تحقيق نيته ذكرها في مطلع كتاب «البغال» منها الهم الشاغل، ومنها المرض الذي عانى منه في شيخوخته.
ويبدو أنه نشر كتاب الحيوان قبل تأليف «البغال» فحاول أن يستدرك النقص الذي يعتوره، وأعتذر بالمرض والشواغل الكثيرة.
وإذا كان الجاحظ التمس لنفسه عذرا فتعلل بالمرض والهم الشاغل، فما هي علة ناشري كتب الجاحظ الكثّر في عدم ضم «البغال» إلى سائر «الحيوان» بحيث يكمل واحدهما الآخر؟ إني أرغب إلى الناشرين في ضم «البغال» إلى «كتاب الحيوان» أو إلحاقه به تلبية لرغبة المؤلف ذاته وخدمة للعلم.
لقد نشر كتاب «البغال» للمرة الأولى سنة ١٩٥٥ م على يد
стр. 2
المستشرق الفرنسي شارل پلّا وذلك في مطبعة الحلبي بالقاهرة. وبعد عشر سنوات نشره عبد السلام هارون ضمن «رسائل الجاحظ» وتولت طبعه مكتبة الخانجي بالقاهرة، واعتمد على نسخه مكتبة داماد، ٩٤٩. وأشار الناشران إلى أن للكتاب أصلا آخر موجودا في مخطوطات الموصل رقم ٢٦٥.
وقد نشرنا «رسائل الجاحظ» التي انتهت إلينا في ثلاث مجموعات مستقلة: «مجموعة الرسائل الكلامية» ، «ومجموعة الرسائل السياسية» ، و «مجموعة الرسائل الأدبية» . ولم ندرج فيها كتاب «البغال» كما فعل عبد السلام هارون، لأنه ليس رسالة سياسية أو كلامية أو أدبية. وآثرنا جعله ملحقا بكتاب «الحيوان» لأنه يشكل في الواقع جزءا لا يتجزأ منه. وبذلك نكون قد أكملنا عمل كل من پلّا وعبد السلام هارون ووضعنا الأمر في نصابه.
ثم أننا قمنا بعمل آخر هو إعادة النظر بتبويب الكتاب. أن العناوين التي وضعت لأبوابه في طبعة عبد السلام هارون غير دقيقة ولا تنطبق جيدا على الأفكار التي تندرج تحتها، فرأينا من الخير إجراء تعديل فيها.
*** إن كتاب «البغال» كسائر أجزاء «الحيوان» يعكس لنا ثقافة الجاحظ الموسوعية ومناحيه الفكرية المتنوعة. فهو يجمع بين العلم والأدب وبين الجد واللهو، وبين الفلسفة والدين، وبين اللغة والكلام، وقد أشار إلى هذه الخاصة بقوله في مقدمة كتاب الحيوان «وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربيا إعرابيا، وإسلاميا جماعيا، فقد أخذ من طرف الفلسفة وجمع معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين
стр. 3
وجدان الحاسة وإحساس الغريزة، ويشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو كما يشتهيه المجدّ ذو الحزم، ويشتهيه الغفل كما يشتهيه الأريب، ويشتهيه الغبي كما يشتهيه الفطن» .
تتمثل الناحية العلمية في الكتاب بالوصف المسهب لطباع البغل ومنافعه. إن البغل نتاج مركب من العير والفرس وقد ورث عن أبويه خصائصهما المميزة على التساوي، فأخذ عن الخيل السرعة وشكل العنق والصدر، وأخذ عن العير القدرة على العمل والصبر وصلابة الحافر. ولكن البغل لا يعيش له نسل، وهو أطول عمرا من جميع الحيوانات الأليفة. وإذا حرن البغل أو غضب صرع راكبه. وقد جمع أحدهم مساوىء «البغل» في قوله: «لا لحم ولا لبن؛ ولا أدب ولا لقن، ولا فوت ولا طلب، إن كان فحلا قتل صاحبه، وإن كانت انثى لم تنسل ... والبغلة والبغل يعتيريهما من الشبق ما لا يعتري أناث السنانير، ثم هي مع ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في الندرة أخدجت» أي جاء ولدها ناقصا.
ومع ذلك كلف الأشراف بها فاقتنوها لكثرة منافعها وتنوع الإرتفاق بها وقالوا فيها أنها «نزلت عن خيلاء الخيل وارتفعت عن ذلة العير، وخير الأمور أوساطها» . وهي خير الحيوانات والأثقال؛ وسيرها أعدل واقصد من سواها. وكانت تستعمل للبريد. وكان الرسول يركب بغلة شهباء، وكان لعثمان بغلة بيضاء، وكان هشام بن عبد الملك أكثر الناس ركوبا لها.
وبما أن البغل نتاج مركب نلفي الجاحظ يتوقف عند هذه الظاهرة ويمعن النظر فيها محاولا استجلاء حقيقتها. فيلاحظ أن البغل ليس سوى حالة من النتاج المركب وأن ثمة حالات أخرى يذكرها منها الدجاج
стр. 4
الخلاسي المتولد من النبطي والهندي، ومنها الكلاب الخلاسية المتولدة من الكلاب المردية والسلوقية، ومنها الحمام الورداني والحمام الراعبي. وهذه الأجناس من المركبات عرفها الجاحظ وتحقق منها. ولكن ثمة أجناس أخرى مركبة لم يتحقق منها أمثال: السمع والعسبار والديسم والعدار والزرافة واللخم والكوسج والدلفين والشبوط وبلقيس إلخ. وكل ما يعلمه عنها إنما سمعه في الأشعار ومن أفواه رجال لا يعرفون بالتحصيل والتثبت، وليسوا بأصحاب توق وتوقف. ولذا نراه ينتقد بعض الأخبار الواردة بشأنها. فهو مثلا يغلّط أياس بن معاوية القاضي الذي يزعم أن الشبوطة خلقت من بين الزجر والبني مستدلا على دعواه بأن جوف الشبوطة يخلو من البيض فيقول: «فأنا رأيت في جوفها البيض مرارا ... والشبوط جنس يكون ذكرانه أكثر، فلا يكاد إنسان يقل أكله للشبوط يرى بيض الشبوط. فإذا كان أياس يغلط هذا الغلط، فما ظنك بمن دونه» .
وكذلك يشك الجاحظ بتلاقح الجن والإنس وبالزعم أن بلقيس ملكة سبأ أمها جنية وأبوها إنسي، وذلك لبعد الشبه بين الإنس والجن ولأن الملاحظة لا تؤيد هذا الزعم. أسمعه يوضح رأيه: «فاحسب أن التناكح يكون بين الجن والإنس، من أين أوجبوا التلاقح، ونحن نجد الإعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا كثيرة فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء، ألقح منها شيء من هذه الأجناس، والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا. وأصل الإنسان من طين، والجان خلق من نار السموم، فشبه ما بين الجن والإنس، أبعد من شبه ما بين الإنسان والقرد، وكان ينبغي للقردة أن تلقح من الإنسان» . ثم يردف قائلا أن
стр. 5
ما نسمعه عن بلقيس قد يكون «قص به القصاص وسمروا به عند الملوك» .
إن الجاحظ يبدو لنا عالما يتحرّى الحقيقة ولا يقبل المعلومات التي يتلقاها من أي مصدر كان إلا إذا أيدتها التجربة أو اقتنع بها العقل، أو رواها رجال يعرفون بالتحصيل والتثبت والتوقي والتوقف.
*** والناحية الفلسفية في الكتاب تبدو في المنحى الطبيعي والمنحى النقدي والمنحى العقلي الإعتزالي.
فالمنحى الطبيعي يقول أن الله طبع الأشياء على خصائص تغلب عليها وتظهر في هيئاتها وسلوكها وأعراقها وأخلاقها. وجعل للطبيعة التي تعيش عليها تأثيرا في ألوانها وأجسامها وطباعها. فهو مثلا يرفض رأي من يقول أن الحمير الأخدرية هي نتاج خيل لكسرى توحشت وضربت في الغابات. ويرى أنه لا يجيء بين الخيل والحمير إلّا البغال التي لا تتناسل لأنه لا يعيش لها نسل «فكيف لقحت هذه الأنثى من تلك الخيل حميرا طبقت تلك الصحارى بالحمر الخالصة» . والأقرب إلى العقل هو القول أن الحمير الوحشية اكتسبت خصائصها المميزة من العظم والتمام بتأثير البيئة التي تعيش فيها. لقد كان الأكاسرة إذا اصطادوا عيرا وسموه بأسمائهم وأطلقوه في الصحارى «فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصقع الذي هذا صفته، فإن للماء والتربة والهواء في هذا عملا ليس يخفى على أهل التجربة» .
ويؤيد الجاحظ مذهبه بأمثلة آخرى يضربها: مثل العربي الذي ينتقل من الجزيرة إلى خراسان، فإن البيئة الجديدة تترك فيه أثرها فيغدو أحمر اللون مفطوح القفا. ومثل حرة بني سليم التي تطبع كل ما يعيش فيها باللون الأسود فأهلها سود وطيورها سود وهوامها سود وسبعها سود
стр. 6
إلخ. ومثل القمل الذي يتلون بلون شعر الرؤوس، «فنرى قمل رأس الشاب الأسود الشعر أسود، ونراه في رأس الشيخ الأبيض الشعر أبيض، ونراه في رأس الخاضب بالحمرة أحمر، نعم حتى أنك ترى في القملة شكلة إذا كان خضاب الشيخ ناصلا، وهكذا طبع الله الأشياء» .
*** والمنحى النقدي عند الجاحظ يتمثل في نزعته إلى الشك بحيث لا يسلم بأي أمر أو خبر إلّا بعد أن يمحصه ويختبر مدى صحته، وهو القائل: أجعل الشك طريقا إلى اليقين؛ وهو الذي عرف بميله إلى التهكم والسخرية حتى أنه كان يسخر من نفسه ومن قبح منظره.
فهو يورد الخبر ثم يعقب عليه مبينا ما فيه من صحة أو خطأ متبعا في ذلك مناهج النقد الدقيقة. لنسمعه ينتقد خبر عائشة أم المؤمنين التي خرجت على بغلتها لتصلح بين حيين، فلقيها ابن عتيق وسألها عن سبب خروجها فقالت له: أصلح بين هذين الحيين، فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل: يوم البغل! فضحكت وانصرفت. إن هذا الخبر برأي الجاحظ مصنوع، ومن توليد الروافض للأسباب التالية:
أولا: لأنه أضيف إلى أن ابن عتيق وجعل نادرة ليشيع بين الناس.
ثانيا: لأن عائشة عرفت بطاعة الناس لها باعتراف علي نفسه فهي ليست بحاجة إلى أن تركب وتخرج من بيتها لتذهب إلى حيين وتصلح بينهما ويكفي أن ترسل إليهما فييجيئان إليها وتحكم بينهما.
ثالثا: لم يعرف أن حربا نشبت بين حيين من قريش، وتدخلت عائشة لإصلاح البين ودفع الشر. وإلا «فمن هذان القبيلان؟ وفي أي ضرب كان هذا الشر، وفي أي شيء كان، وما سببه إلخ ...
стр. 7
رابعا: ليس للحديث إسناد.
ويخلص الجاحظ إلى اعطاء حكم في الأخبار والمخبرين في عصره: «أن ثمة مخبرين كذا بين يصنعون الأخبار أو يولدونها أو يحرفونها لأسباب مذهبية أو دينية أو سياسية أو عنصرية من هؤلاء أبو مخنف والشرقي بن القطامي، والكلبي، وابن الكلبي، ولقيط المحاربي، وشوكر وعطاء الملط، وابن دأب، وأبو الحسن المدائني، وحماد الذي قال عنه يونس بن حبيب: «يا عجبا للناس كيف يكتبون عن حماد وهو يصحف ويكذب ويلحن ويكسر» .
وثمة رواة عرفوا بصدقهم وأمانتهم وتوقفهم منهم قتادة وأبو عمرو بن العلاء، وابن جعدبة، ويونس بن حبيب، وأبو عبيدة، ومسلمة بن محارب، وأبو عاصم النبيل، وأبو عمر الضرير، وخلاد بن يزيد الأرقط، ومحمد بن حفص، وعبد الله بن محمد، وسحيم بن قادم.
إن الجاحظ مفكر اعتزالي حكم العقل في جميع الأمور ووقف موقفا وسطا بين مختلف الفرق الدينية، وبين الصحابة، ولا سيما أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كما يتضح من رسائله العديدة كالثابتة والعثمانية والحكمين. ونحن في كتاب «البغال» نلمح هذا الموقف من سياق النص. فهو مثلا يعلن موقفه من الشيعة وعلي بن أبي طالب، فينتقد الشيعة ويؤيد عليا من خلال الخبر التالي «قالوا: وكان علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يكثر ركوب بغلة عبد الله بن وهب الشهباء، التي غنمها يوم النهروان. هذا من قول الشيعة، وأما غيرهم فينكرون أن يكون علي كرم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئا من أموال أهل الصلاة، كما لم يغنم في أموال أصحاب الجمل» .
стр. 8
وفي كتاب «البغال» تستوقفنا ناحية أخرى هي الناحية اللغوية. وهذه الناحية نجدها في كثير من مؤلفات الجاحظ ولا سيما في «البيان والتبيين» و «الحيوان» . وهو يحاول ثمة أن يضع أساس فلسفة اللغة.
أما هنا فيقتصر عمله على وضع مادة معجمية أو فقه لغوية. فهو يورد مشتقات اسم البغل ويقول: «ومما اشتق من اسم البغل الدرهم البغلي، وفي بني تغلب رأس البغل، وهو رئيس من رؤوسهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هاني الخليع نسب إليه. وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقبوه رأس البغل. والبغلات: جوار من رقيق مصر، نتاج ما بين الصقالية وجنس آخر، والواحدة منهن يقال لها بغلة، ولهن أبدان ووثارة وحدارة. قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا ما هي إرّ بغلة، وما رأس فلان إلّا رأس بغل، وما أيره إلّا أير بغل، وما خلقه إلّا من أخلاق البغال ... ومن سير الإبل سير يسمى التبغيل ...
والبغيلة اسم ناقة كانت لجميل بن معمر» .
وفي الكتاب نقع على شيء من فقه اللغة يعتبر الجاحظ رائدا فيه لمن جاء بعده كابن فارس وابن جني والزمخشري. فهو مثلا يذكر الأسماء التي تتعلق بالجنس عند الحيوانات والإنسان فيقول: «ويقال لأير الإنسان: ذكر، وأير. وجردان الحمار والبغل وغرمولهما والجمع جرادين وغراميل. ويقال نضي الفرس ومقلم البعير ... ويقال قضيب التيس، وقضيب الثور، وعقدة الكلب. وتقول العرب:
صرفت البقرة فهي صارف، وسوست البغلة. ويقال: هي امرأة هذمى، وغلمة، وقال أكثر العلماء: ما يقال مغتلمة. وشاة حرمى، وناقة ضبعة، وضرس وحريق، وكلبة مجعل. ويقال: حر المرأة، والفرج، وطبية الفرس، وكذلك من الحافر، وحياء الشاة وكذلك من الخف كله؛ وثفر الكلبة، وكذلك من السباع كلها، وتستعير الشعراء
стр. 9
بعض هذه من بعض إذا احتاجت إلى إقامة الوزن. فإذا حملت الشاة فهي حامل، والبقرة كذلك. والفرس عقوق، وكذلك الرمكة. والأتان جامع، وبغلة جامع، وكلبة مجح، وكذلك السباع» .
*** وفي الكتاب ناحية رابعة هي الناحية الأدبية. وتتمثل هذه الناحية بالخبر ورواية الشعر والفكاهة والطبع والأسلوب المميز ويسوق الجاحظ في «كتاب البغال» مجموعة ضخمة من أخبار البغل تبين منافعه وخصائصة المميزة عن سائر الحيوانات. والخبر ضرب من القصة القصيرة، ينطوي على ما تنطوي عليه القصة من تسلسل أحداث، ومكان وزمان معنيين، وأبطال يضطربون في تلك الأحداث، وفكرة يبغي المخبر الإفصاح عنها. إن البطل الرئيسي في معظم الأخبار هو البغل، والفكرة التي يريد الجاحظ إيضاحها طباع البغل وظاهرة الخلق المركب، والبيئة التي تجري فيها الأحداث هي عصر الجاحظ والعصور الإسلامية السابقة.
وإذا كان الخبر قليل الحدوث أو طريفا سمي نادرة. وإذا أثار الضحك دعي فكاهة. وكان الجاحظ مولعا بهذا النوع من الفن، بل كان من طباعه، لا ينفك عنه حتى أثناء معالجته الموضوعات العلمية أو الفكرية الرصينة. وقد برر مزجة الجد بالهزل برغبته في الترويح عن نفس القارىء وطرد الملل عنه. وفي كتاب البغال يورد طائفة من النوادر المضحكة المتعلقة بالبغل. منها نادرة اللحياني الذي قيل له: علمت أن برذون صاحب الحبس نفق؟ قال: وألهفاه! أكنت أرجو أن يكسد فيخسر، فإذا هو قد باع وربح. فظن أن قوله: قد نفق من نفاق السلعة؟ ومنها نادرة نميلة بن عكاشة النميري الذي كان متكايسا،
стр. 10
ودخل دار بلال بن أبي بردة، فرأى ثورا محللا، فقال: سبحان الله، ما افرهها من بغلة لولا أن حوافرها مشقوقة!.
وكثيرا ما تتناول الفكاهة الناحية الجنسية، ونلفي الجاحظ هنا يتنكب الحياء والإختشام ويسمي الأشياء بأسمائها عملا بمذهبه الطبيعي والتزاما بالواقعية فيورد مثلا النادرة التالية: «وتفاخر ناس يكبر الأيور، وشيبخ جالس لا يخوض معهم، فلما أكثروا قال الشيخ: لو كان كبر الأيور مجدا كان البغل من بني هاشم!» .
ويحتوي كتاب البغال على كمية كبيرة من الأشعار استشهد بها الجاحظ على المعلومات التي يحشدها حول البغل. لقد كان الشعر منهلا هاما من المناهل التي عبّ منها الجاحظ، فهو لا يورد فكرة أو يعالج موضوعا إلّا روى الأشعار التي تمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة، ويمكن القول أنه روى لمعظم الشعراء العرب الذين عاصروه أو سبقوه ابتداء من العصر الجاهلي حتى القرن التاسع الميلادي، أمثال النابغة الجعدي ورؤية وأبي السمط والجماز وربيعة الرقي وأبي نواس والحكم ابن عبدل وحنظلة بن عبادة وأبي العتاهية وابن أبي أمية والوليد بن يزيد ابن عبد الملك والكميت وأيمن بن خريم الأسدي وعروة بن أذينة الليثي ويزيد بن معاوية ومحمد بن سيرين والنمر بن تولب وأبي دلامة وإبراهيم ابن داحة وغيرهم. وكثيرا ما يروي الشعر دون ذكر اسم صاحبه فيقول:
قال الشاعر، وقال آخر، وانشدني إبراهيم بن داحة لرجل ذهب عني اسمه، وقال بعض الشعراء وأنشد إبراهيم بن داحة لأبي الوزير المعلم كلمة لم أحفظ منها إلا هذه الأبيات.
إن غزارة الأشعار التي رواها الجاحظ في كتبه تجعل من تلك
стр. 11
الكتب مصدرا كبيرا من مصادر الشعر العربي يمكن الدارسين والباحثين الإفادة منها في أعمالهم.
*** وثمة خاصة أخيرة في كتاب «البغال» تسيء إلى قيمته العلمية هي فوضى التأليف. هذا العيب يسم سائر كتاب «الحيوان» ، كما يسم كتاب «البيان والتبين» وهما أكبر كتب الجاحظ. وأبرز صوره الإستطراد أو الخروج عن الموضوع والعودة إلى بحث المسألة الواحدة في أكثر من مكان في الكتاب. فهو مثلا يبدأ كتاب «البغال» بالكلام على ولع الأشراف بالبغال فيذكر من هؤلاء الأشراف الذين اقتنوا البغال وآثروها ومدحوها روح بن عبد الملك بن مروان، ومسلمة بن عبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن المطلب الملقب برواض البغال لشغفه بها وحذقه بركوبها، والنبي ﷺ ، وعلي ابن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعائشة، وقطري بن الفجاءة، وخالد ابن عبد الله القسري، واسماعيل بن الأشعث إلخ. وعند ما يصل إلى عائشة والبغلة التي تمتطيها وهي ذاهبة لإصلاح حيين من قريش يستطرد إلى موضوع لا علاقة له بالبغال هو رواية الأخبار وما يعتورها من صنع وتوليد وذكر الرواة الكذابين والرواة الصادقين، ثم يعود إلى متابعة الأشراف الذين عنوا بالبغال واقتنوها.
والباب الثاني يخصصه لنوادر البغال فيورد أكثر من عشرين نادرة مضحكة تدور حول البغال أو تمت إليها بصلة كما يروي مقطعات شعرية لأبي نواس والحكم بن عبدل وحنظلة بن عبادة وأبي العتاهية ومسلم بن الوليد وغيرهم يغلب عليها روح الفكاهة والمرح.
ويدور الباب الثالث حول طباع البغال وأهمها الفتك بأصحابها
стр. 12
وتلونها وحرنها، وفضح البغلة لمن يكومها.
ويتناول الباب الرابع استعمال البغال في البريد وأهمية انتظام البريد في أمن الدولة، ويستطرد من ذلك إلى تفسير منام البغال كما يستطرد إلى مسألة لغوية حول اشتقاقات اسم البغل ثم يعود إلى الحديث عن بريد البغال.
أما الباب الخامس فيتحدث عن مسألة هامة هي الخلق المركب التي يشكل البغل حالة من حالاته، ويذكر حالات أخرى مثل الحمام الراعبي والسمع والكوسج واللخم والدجاج والخلاسي والكلب الخلاسي. ويستطرد إلى بغلة عكرمة بن ربعي التي مر ذكرها سابقا وإلى أشعار مختلفة تتعلق بالبغل وصفاته.
وفي باب سادس يبحث في أعمار البغل والحيوانات.
وينتقل في باب سابع إلى علاقة القضاء بركوب البغل. ويعقد بابا للكلام على أثر البيئة في الحيوان، ويليه باب في الكلام على سفاد البغل وسائر الحيوانات. وفي باب عاشر طويل يجمع الجاحظ متفرقات تتناول ذم البغال ومدحها تتخللها أخبار وأحاديث وأشعار كثيرة.
وفي باب أخير يعود إلى الكلام على الخلق المركب ويبدي رأيه فيه.
لقد برر الجاحظ فوضى التآليف تلك بطول الكتاب وقلة الأعوان والمرض والهم وتشتت الفكر كما برره برغبته في طرد السأم عن القارىء وذلك بعدم الإطالة في الكلام على الموضوع الواحد، وبالإنتقال من موضوع إلى آخر، لأن الإطالة برأيه تبعث الملل في النفس، والتنويع والإستطراد يبعثان فيه النشاط ويثيران الإهتمام. وإذا كان أبناء عصره
стр. 13
يتقبلون منه هذا التبرير فإننا أبناء القرن العشرين نجد من العسير علينا استساغة هذه الفوضى أو اغتفارها.
بيروت في ١/٧/١٩٨٨ علي بو ملحم
стр. 14
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وعلى اسم الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلّى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.
* [مقدمة] *
كان وجه التدبير في جملة القول في البغال، أن يكون مضموما إلى جملة القول في الحافر كله، فيصير الجميع مصحفا، كسائر مصاحف «كتاب الحيوان» . والله المقدّر والكافي.
وقد منع من ذلك ما حدث من الهمّ الشاغل، وعرض من الزّمانة، ومن تخاذل الأعضاء، وفساد الأخلاط، وما خالط اللسان من سوء التّبيان، والعجز عن الإفصاح، ولن تجتمع هذه العلل في إنسان واحد، فيسلم معها العقل سلامة تامّة.
وإذا اجتمع على الناسخ سوء إفهام المملي، مع سوء تفهّم المستملي، كان ترك التكلّف لتأليف ذلك الكتاب أسلم لصاحبه من تكّلف نظمه على جمع كلّ البال، واستفراغ كلّ القوى.
فأمّا الهمّة وتشعّب الخواطر المانعة من صحة الفكر، واجتماع البال، فهذا ما لا بدّ من وقوعه «١» .
стр. 15
فليكن العذر منك على حسب الحال، والخيرة فيما صنع الله.
وقد علمنا أن الخيرة مقرونة بالكره، وبالله التوفيق.
стр. 16
* [باب ولع الاشراف بالبغال] *
نبدأ إن شاء الله، بما وصف الأشراف من شأن البغلة، في حسن سيرتها، وتمام خلقها، والأمور الدالّة على السرّ الذي في جوهرها، وعلى وجوه الإرتفاق بها، وعلى تصرّفها في منافعها، وعلى خفّة مئونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها؟ وكيف اغتفروا مكروه ما فيها، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها؟ حتى صار الرجل منهم ينشد العذّال «١» فيها كقول السّعديّ:
أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا علىّ خطوبها
إذا عبت منه خصلة فهجرته ... دعتني إليه خصلة لا أعيبها
ولقد كلف بارتباطها الأشراف. حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب «روّاض البغال» ، ولقّبوا آخر: ب «عاشق البغل» ؛ هذا مع طيب مغارسهم، وكرم نصابهم، ولذلك قال الشاعر:
стр. 17
وتثعلب الرّوّاض بعد مراحه ... وانسلّ بين غرارتيه الأعور
وهجاه أيضا الفرزدق بأمر الحجّاج، ففحش عليه، حتى قال:
وأفلت روّاض البغال ولم تدع ... له الخيل من أحراح زوجيه معشرا
وقال لشريف آخر:
ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا ... حتّى رميت بعاشق البغل
لو كان شاور ما عبأت به ... يوم الرّهان وساعة الحفل
وشاور هذا: رائض كان ببغداد، والشاعر رجل من بني هاشم؛ ولم يعن بقوله: «ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا» : أنه جاء ثاني اثنين، وإنما ذهب إلى أنه جاء متمهّلا، وقد ثنى من عنانه.
وكتب روح بن عبد الملك بن مروان إلى وكيل له: «أبغني بغلة حصّاء «١» الذّنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها أمامها» .
وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: «ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار، طويلة العنان» .
وقال صفوان بن عبد الله بن الأهتم، لعبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن المطّلب، وكان ركّابا للبغلة: «مالك وهذا المركب الذي لا تدرك عليه الثار، ولا ينجيك يوم الفرار» ؟ قال:
«إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة العير، وخير الأمور أوساطها» . فقال صفوان: «إنّا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم!.
وهو الذي كان يلقّب: «روّاض البغال» لحذقه بركوبها، ولشغفه
стр. 18
بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: «أريدها واسعة الجفرة «١» ، مندحّة «٢» السّرّة، شديدة العكوة «٣» ، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، مكربة «٤» الرّسغ، سفواء «٥» جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء» .
وقال ابن كناسة «٦» : سمعت رجلا يقول: «إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق، نجدة في نجائها «٧» مشرفة الهادي «٨» نجدة في طباعها، ضخمة الجوف، نجدة في صبرها» .
والعرب تصف الفرس بسعة الجوف. قال الراجز:
غشمشم يعلو الشّجر ... ببطنه يعدو الذّكر
قال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة قطّ أهضم «٩» .
وقال يونس: كان النابغة الجعديّ «١٠» أوصف النّاس لفرس، قال فأنشدت رؤبة قوله:
стр. 19
فإن صدقوا قالوا: جواد مجرّب ... ضليع، ومن خير الجياد ضليعها
فقال: ما كنت أظنّ المرهف منها إلا أسرع «١» .
قالوا: ولم يكن رؤبة وأبوه صاحبي خيل.
وقال سليمان بن عليّ لخالد بن صفوان، ورآه على حمار: ما هذا يا أبا صفوان؟ قال: أصلح الله الأمير، ألا أخبرك عن المطايا؟
قال: بلى. قال: الإبل للحمل والزّمل «٢» ، والبغال للأسفار والأثقال، والخيل للطّلب والهرب، والبراذين للجمال والوطاءة، وأما الحمير فللدّبيب والمرفق» .
قالوا: وكانت للنبيّ ﷺ بغلة تسمّى «دلدل» ، وحمار يسمّى «يعفور» ، وفرس يسمّى «السّكب» ، وله ناقتان: «العضباء» ، «والقصواء» .
قالوا: وكان عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يكثر ركوب بغلة عبد الله بن وهب «٣» الشهباء، التي غنمها يوم النّهروان. هذا في قول الشيعة، وأما غيرهم فينكرون أن يكون عليّ، كرّم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئا من أموال أهل الصلاة، كما لم يغنم من أموال أصحاب الجمل.
قال البقطريّ، ويكنى أبا عثمان، واسمه فهدان:
لقي رجل بكر بن عبد الله المزنيّ، فقال له: رأيتك على فرس
стр. 20
كريم، ثم رأيتك على غير لئيم، ثم رأيتك قد أدمنت ركوب هذه البغلة! قال: البغال أعدل، وسيرها أقصد.
عليّ بن المدينيّ «١» قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم «٢» قال:
حدّثني أبي عن أبي إسحاق، قال: حدثني حكيم بن حكيم «٣» ، عن مسعود بن الحكم «٤» ، عن أمه، قالت: كأني أنظر إلى عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، في شعب الأنصار» .
ويروى عن عبد الرحمن بن سعد، قال: رأيت عثمان بن عفّان ﵁، على بغلة بيضاء، يضفر لحيته.
ومن حديث الزّهريّ وغيره، عن كثير بن العبّاس، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين على بغلته الشّهباء» في حديث طويل في المغازي.
وفي هذا الحديث: فحضّهم رسول الله ﷺ ، وقال: «الآن حمي الوطيس» . وهذه كلمة لرسول الله ﷺ ، لم يسبقه إليها أحد، وكذلك قوله: «مات حتف أنفه» ، وكذلك قوله: «كلّ الصيد في جوف الفرا» ، وكذلك قوله: «هدنة على دخن» ، وكذلك قوله: «لا
стр. 21
يلسع المؤمن من جحر مرّتين» . فصارت كلها أمثالا.
قالوا: وكان ابن أبي عتيق يركب البغال، وكذلك ابن أبي ربيعة وكان هشام بن عبد الملك أكثر الناس ركوبا لها.
وعن أبي الأشهب، عن الحسن قال: قال قوم وعثمان ﵁ محصور: لو بعثتم إلى أمّ المؤمنين ﵂ فركبت، فلعلّهم أن يكفّوا» فأرسلوا إلى أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فجاءت على بغلة شهباء في محفّة. قالوا: من هذه؟ قالوا: أمّ المؤمنين، أمّ حبيبة. قالوا: لا- والله- لا تدخل، فردّوها.
وقالوا: وقع بين حيّين من قريش منازعة، فخرجت عائشة أم المؤمنين ﵂ على بغلة، فلقيها ابن أبي عتيق، فقال: إلى أين- جعلت فداك؟ قالت: أصلح بين هذين الحيّين. قال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل: يوم البغل! فضحكت وانصرفت.
هذا- حفظك الله- حديث مصنوع، ومن توليد الرّوافض، فظنّ الذي ولّد هذا الحديث، أنه إذا أضافه إلى ابن أبي عتيق، وجعله نادرة وملحة، أنه سيشيع، ويجري عند الناس مجرى الخبر عن أمّ حبيبة وصفيّة. ولو عرف الذي اخترع هذا الحديث طاعة الناس لعائشة- ﵂ لما طمع في جواز هذا عنه.
وقال عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-: «منيت بأربعة:
منيت بأشجع الناس، يعني الزّبير، وأجود الناس، يعني طلحة؛ وأنضّ الناس «١» ، يعني يعلى بن منية، وأطوع الناس في الناس، يعني
стр. 22
عائشة» .
ومن بعد هذا، فأيّ رئيس قبيل من قبائل قريش كانت تبعث إليه عائشة- ﵂ رسولا فلا يسارع، أو تأمره فلا يطيع، حتى احتاجت أن تركب بنفسها؟ وأيّ شيء كان قبل الركوب من المراسلة والمراوضة والمدافعة والتقديم والتأخير، حتى اضطرّها الأمر إلى الرّكوب بنفسها؟ وإنّ شرّا يكون بين حيّين من أحياء قريش، تفاقم فيه الأمر، حتى احتاجت عائشة- ﵂ إلى الركوب فيه، لعظيم الخطر، مستفيض الذّكر؛ فمن هذا القبيلان؟ ومن أيّ ضرب كان هذا الشرّ؟ وفي أيّ شيء كان؟ وما سببه؟ ومن نطق من جميع رجالات قريش فعصوه وردّوا قوله، حتى احتاجت عائشة فيه إلى الركوب؟ ولقد ضربوا قواديم الجمل، فلما برك ومال الهودج صاح الفريقان: «أمّكم! أمّكم» .
فأمر عائشة أعظم، وشأنها أجلّ، عند من يعرف أقدار الرجال والنساء، من أن يجوّز مثل هذا الحديث المولّد، والشرّ المجهول، والقبيلتين اللتين لا تعرفان.
والحديث ليس له إسناد؛ وكيف وابن أبي عتيق شاهد بالمدينة، ولم يعلم بركوبها، ولا بهذا الشرّ المتفاقم بين هذين القبيلتين؟ ثم ركبت وحدها، ولو ركبت عائشة لما بقي مهاجريّ ولا أنصاريّ، ولا أمير ولا قاض إلّا ركب؟ فما ظنّك بالسّوقة والحشوة، وبالدّهماء والعامّة.
وما هو إلّا أن ولّد أبو مخنف «١» حديثا، أو الشّرقيّ بن
стр. 23
القطاميّ «١» ، أو الكلبيّ «٢» ، أو ابن الكلبيّ «٣» ، أو لقيط المحاربيّ «٤» ، أو شوكر «٥» أو عطاء الملط «٦» ، أو ابن دأب «٧» ، أو أبو الحسن المدائنيّ «٨» ، ثم صوّره في كتاب، وألقاه في الورّاقين، إلّا رواه من لا يحصّل ولا يتثبّت ولا يتوقّف. وهؤلاء كلّهم يتشيّعون.
وكان يونس بن حبيب يقول: «يا عجبا للناس، كيف يكتبون عن حمّاد وهو يصحّف ويكذب ويلحن ويكسر» !.
ومن أراد الأخبار فليأخذها عن مثل قتادة، وأبي عمرو بن العلاء وابن جعدبة «٩» ، ويونس بن حبيب، وأبي عبيدة، ومسلمة بن محارب، وأبي عاصم النّبيل «١٠» ، وأبي عمر الضّرير، وخلّاد بن يزيد
стр. 24
الأرقط «١» ، ومحمد بن حفص- وهو ابن عائشة الأكبر، وعبيد الله بن محمد- وهو ابن عائشة الأصغر، ويأخذها عن أبي اليقظان سحيم بن قادم. فإنّ هؤلاء وأشباههم مأمونون، وأصحاب توقّ وخوف من الزوائد، وصون لما في أيديهم، وإشاق على عدالتهم.
ولما خرج قطريّ بن الفجاءة، أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلا، ليجريّ ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال الأحنف: «أما إنّهم إن حنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم» .
قالوا: فلا نرى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا نرى صاحب السّلم يستغني عنها، ونرى صاحب السّفر فيها كصاحب الحضر.
قال الأصعميّ عن جرير بن حازم عن الزّبير بن الخِّيريت «٢» ، عن أبي لبيد- واسمه لمازة بن زبّار «٣» - قال: مرّ بنا زياد في سكّتنا هذه، وهو على بغلة قد لوى رسنها على عنقها تحت اللّجام، ومعه رجل أو رجلان.
هذا وزياد على العراق أجمع.
стр. 25
قال: وتهيّأ الناس لخالد بن عبد الله «١» مقدمه من الشأم، وركب ابن هبيرة «٢» بغلته، ووقف له في المضيق. فلما طلع خالد غمز ابن هبيرة بغلته غمزة فإذا ابن هبيرة بينه وبين الذي كان يسايره، فقال:
كيف أنت يا أبا الهيثم؟ وليت منّا أمرا تولّى الله أحسنه، ولك منا المكافأة! فقال له خالد: فررت منّي فرار العبد! فقال عمر: حين نمت عن حفظي نوم الأمة! فانتهى الخبر إلى هشام، فقال: «قاتله الله» !.
قالوا: والهدايا النفيسة، والطّرف العجيبة، والكرامات الثمينة، التي أهدتها بلقيس بنت ذي شرح إلى سليمان بن داود، هي الهدايا التي أخبر الله عن سليمان بن داود. ﵉ أنه قال: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
. ولم تكن الملكة تبتهج بتلك الهدايا- وهي إلى سليمان، وسليمان هو الذي أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده- إلّا وهي هدايا شريفة.
قالوا: فهذه الهدايا الشريفة إنّما كانت على البغال الشّهب.
وكان ممن يركبها كثيرا إسماعيل بن الأشعث، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث «٣» .
стр. 26
قال: وقال حوشب بن يزيد بن رويم لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: دعني أهيّج عليك عمّك أبا الفضل إسماعيل بن الأشعث.
قال: لا تعرّضني له، فإنه ضعيف، فأشفق عليه. فقال: يا أبا الفضل، إنّ ابن أخيك زعم أنّ بغلتك جلّالة. قال: لكنّ بغلته لو أفلتت ما تركت بيت زانية ولا بيت خمّار، إلّا وقفت عليه! قال عبد الرحمن: ما كان أغنانا عمّا أظهرت لنا من ضعف شيخنا!.
ولمّا وفدت عائشة بنت طلحة على عبد الملك بن مروان، وأرادت الحجّ، حملها وأحشامها «١» على ستّين بغلا من بغال الملوك؛ فقال عروة بن الزّبير:
يا عيش يا ذات البغال السّتّين ... أكلّ عام هكذا تحجّين
وكان مروان ابو السّمط «٢» يركب بغلة له بالبصرة، لا يكاد يفارقها. فقال الجمّاز «٣» وهو يهجوه:
اجتمع النّاس وصاحوا: الحريق ... بباب عثمان وسوق الرّقيق
فجاء مروان على بغلة ... فأنشد الشّعر فأطفا الحريق
يرمي شعره بالبرد. وكان حسده حين سمع قائلا يقول: لم يصب
стр. 27
شاعر قطّ ما أصاب أبو السّمط، ولا أصاب حجّام ما أصاب أبو حرملة.
وقد هجاه أيضا فقال:
يا أبا السّمط، حزيرا ... ن وتموز وآب
كن لنا منها مجيرا ... لك في ذاك ثواب
بشعير يذهب الح ... - رّ ويهنينا الشّراب
وقال ابن سيرين لرجل: ما فعلت بغلتك؟ قال: بعتها. قال:
ولم؟ قال: لمؤونتها. قال: أفتراها خلّفت رزقها عندك؟.
وذكر يوسف بن خالد السّمتيّ «١» ، عن مجالد «٢» ، فيما أحسب، قال: بال بغلي فتنحّيت. فقال الشّعبيّ: ما عليك لو أصابك.
قال: وكانت لابن سيرين بغلتان: بغلة لخاصّة نفسه، وبغلة للعاريّة.
وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنّ بغلتي قد عجزت، فإن رأيت أن تأمر لي بدابّة فافعل. فكتب إليه: «قد فهمت كتابك، وما ذكرت من ضعف بغلتك، وما ذاك إلّا لقلة تعهّدك «٣» ، فتقّدها، وأحسن القيام عليها. ويرى أمير المؤمنين في ذلك رأيه» .
стр. 28
* [باب نوادر البغال] *
ومن النوادر، قال: ادّعى رجل على الهيثم بن مظهّر الفأفاء أنه سرق بغلا؛ فقال له الوالي: ما يقول؟ قال: ما أعرف مما يقول شيئا! قال: أصلحك الله، إنه سكران فاستنكهه. قال: لأيّ شيء يستنكهني؟ آكلت البغل؟.
وقال آخر يهجو رجلا:
يا حابس الرّوث في أعفاج بغلته ... شحّا على الحبّ من لقط العصافير
وهذا شبيه بقول الشاعر:
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جوّ السّحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذّباب
وهذا ليس من الهجاء الموجع، وإنما الهجاء ما يكون في الناس مثلة.
قالوا لحمدان أبي سهل اللّحيانيّ: علمت أن برذون صاحب الحبس نفق «١» ؟ قال: والهفاه! كنت أرجو أن يكسد فيخسر، فإذا هو
стр. 29
قد باع وربح. فظنّ أنّ قوله: قد نفق، من نفاق السّلعة.
ومثل هذا وليس من ذكر البغال في شيء، ما سمع رجل رجلا ينشد قوله:
وكان أخلّائي يقولون مرحبا ... فلمّا رأوني معدما مات مرحب
فقال: مرحب «١» لم يمت، قتله علي بن أبي طالب ﵇! ونظر أبو الحارث جمّين «٢» إلى أتان وحش ينزى عليها حمار أهليّ، فأنشد:
لو بأتانين جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم
ونظر إلى برذون يستقى عليه الماء، فأنشد:
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
هذا لو هملج «٣» لم يصبه ما أصابه.
قالوا: وكان لأبي الحارث بغل قطوف «٤» ، فلما أعياه استقى عليه الماء؛ فرآه يوما في الطريق، وعليه مزادة ثقيلة، وهو يمشي تحتها مشيا وطيئا؛ فقال: لو مشي تحت الخفيف كما يمشي تحت الثقيل، وكان الإنسان أحبّ إليه من الرّاوية، ربح هو الكرامة، وربحت أنا الوطاءة! قال: ونظر أعرابيّ إلى بغل سقّاء، وقد تفاجّ ليبول، فاستحثّه
стр. 30
بالمقرعة، وقطع عليه البول. فقال الأعرابيّ: إنّها إحدى الغوائل، قطع الله منك الوتين «١» .
قال إبراهيم بن داحة: كان في طريق الموصل سكّة بريد، وبقرب السكّة مسجد ومستراح للمسافر، وفي تلك السكّة بغل لا يرام ولا يمانع، وكان إذا انفلت من قيده وسلسلته، وقد عاين برذونا أو بغلا أو فرسا، اغتصبه نفسه، واقتسره اقتسارا، فلا ينزع عنه حتى يكومه، وربما قتله، لعظم جردانه، وإن كان عليه راكبه صرعه، وربما قتله، حتى جاء شيخ أعرابيّ على فرس له أعرابيّ أعجف بادي الحراقيف، حتى نزل عن فرسه على دكّان ذلك المسجد، وعلّق المخلاة في رأسه، وحلّ حزامه، وترك عليه سرجه، وأخذ مخلاته، وجاء البغل قد أدلى، يريد أن يركب فرس الأعرابيّ، فجمع رجليه، فواتر على جبهة البغل، وعلى حجاج عينيه، فرمحه خمس رمحات أو ستّا متواليات، كلّها يقع حافرا رجليه معا، فنكص البغل شيئا يسيرا، ثم عاوده، فنثر على وجهه وحجاج عينيه مثل ذلك العدد، في أسرع من اللّحظ، وفرس الأعرابيّ في ذلك كلّه واقف لا يتحلحل، والأعرابيّ قد ضحك حتى استلقى، فولّى البغل يريد السكّة، فشدّ عليه فرس الأعرابيّ من بين يديه، فلحقه الفرس فعضّضه، وكامه الفرس، ورجع الفرس إلى موضعه، ودخل البغلّ السكّة، فكبّروا عليه، ونثروا عليه الرّوث اليابس، وشمت به جميع السّاسة، وافترّوا عليه، فترك البغل ذلك الخلق. وقال الأعرابيّ وكأنه يخاطب البغل:
ظننت فريس الشّيخ يا بغل نهزة ... فجئت مدلّا كالهزبر «٢» تطاوله
стр. 31
فولّيت مفلولا وطابقت مذعنا ... كما طابقت للبغل يوما حلائله
قال: وقدّموا إلى سليمان بن عبد الملك جديا سمينا، فقال لأبي السّرايا- وكان من مجانين الأعراب- كل من شحم كليته، فإنه يزيد في الدّماغ. قال: لو كان الأكل من كلي الجدي يزيد في الدّماغ، كان رأس الأمير أعظم من رأس البغل!.
وإنما قال «الأمير» ، لأن سليمان كان يومئذ وليّ عهد.
وقد غلط من زعم أنّهم كانوا وضعوا قدّام سليمان جديا، وإنما كان يأكل ملوكهم الحملان، لأنّها هناك أطيب ويسمّونها:
«العماريس» .
ولمّا قدم عبد الملك بالكوفة، وضعوا بين يديه جديا، قال:
فهلا جعلتموه عمروسا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، تلك عماريس الشام؛ فأمّا العراق فجداؤها أطيب وأكرم.
وتفاخر ناس بكبر الأيور، وشيخ جالس لا يخوض معهم؛ فلما أكثروا قال الشيخ: لو كان كبر الأيور مجدا كان البغل من بني هاشم!.
وشهد مزبّد المديني عند قاضي المدينة بشهادة؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدّة، شديد البطش، سريع الطّيرة، فقال له القاضي: أعليّ تجترىء وعندي تشهد؟! جرّا برجليه وألقياه تحت البغلة! فلما أمعنا به نحو البغلة، التفت إلى القاضي فقال: أصلحك الله، كيف خلقها؟ فضحك وخلّى سبيله.
وكان نميلة بن عكّاشة النّميري متكايسا؛ فدخل دار بلال بن أبي
стр. 32
بردة، فرأى ثورا مجّللا، فقال: سبحان الله! ما أفرهها من بغلة لولا أنّ حوافرها مشقوقة!.
قالوا: ورأى الطائف بالليل شخصا عظيما قد انخنس «١» عنه، فشدّ نحوه، فإذا حمدوية المخنّث قد جلس كأنه يخرأ، ولم يكن به خراء، وكان قد جلس على روث؛ فقال له: أنت أيّ شيء تصنع ها هنا هذه الساعة؟ قال خرجت أخرأ. فنظروا فإذا تحته روثة، قالوا: ما لك، صرت بغلا؟ قال: هذا زيادة عليكم؛ كل إنسان يخرأ ما يشاء!.
قال أبو الحسن: نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة، فقال للرجل: الطريق يا حمصيّ! فقال الرجل: ما يدريك أني حمصيّ؟ قال: رأيت حر بغلتك، فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم ورأيت ذنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنّك حمصيّ!.
قالوا: وابتاع عبّاديّ بغلا، فمرّ بالحيّ، فقالوا: بارك الله لك! قال: لا تقولوا هكذا. فكيف نقول؟ قال: قولوا: لا بارك الله لك فيه! قالوا: سبحان الله! أيقول أحد لأحد له فيه رأي؟ قال: قولوا كما أقول لكم! قالوا: لا بارك الله لك فيه! قال: وقولوا: وأعضّك ببظر أمّك! قالوا: نعم، قال: إن أعرتكموه أبدا!.
وهذا يشبه حديث سنديّة الطحّانة، وكانت تطحن بالنهار، وتؤدّي الغّلة وتخدم أهلها بالليل، فانكسفت الشمس يوما، فقالت لها مولاتها: اذهبي يا شهدة، أنت حرّة لوجه الله! قالت: أليس قد صرت حرّة! ثم عدت من بين يديها، فقامت على باب الدار رافعة صوتها
стр. 33
تقول: من قال لي زانية فهي زانية، من قال لي لصّة فهي لصة، من قال لي قوّادة فهي قوادة. هاتي الآن رحى لك!.
وأخبرني أبو الزّبير كاتب محمد بن حسّان-، قال: وقف الهيثم بن مطهّر الفأفاء على باب الخيزران «١» ينتظر رجلا يخرج من عندها، فبعث إليه عمر الكلوذانيّ: قد نهينا أن نجعل ظهور دوابّنا مجالس، فانزل عن ظهر دابّتك؛ فالأرض أحمل لثقلك. فقال للرسول: إني أنتظر رجلا قد حان خروجه، فبعث إليه: أن أنزل عن دابتك، فإذا خرج صاحبك فاركب والحق به. فقال للرسول: أعلمه أنّي أعرج، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم، ولا آمن أن يسبقني الرجل سبقا بعيدا، فلا ألحقه. فردّ الرسول، فقال: يقول لك: إن أنت نزلت، وإلّا أنزلناك صاغرا. فقال الهيثم: قل له: إن كنت إنّما تنظر للبغل، فهو حبيس في سبيل الله؛ إن أنزلتني عنه، إن أقضمته حبّة شعير شهرا، فسله الآن: أيّما أحبّ إليه: ركوبي له ساعة، أو حرمان الشعير شهرا! فلما جاءته الرسالة قال: ويلكم! هذا شيطان! دعوه في لعنة الله.
قال: ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى «٢» ، وهو واقف في ظلّ قصر من قصور الشّمّاسيّة «٣» ، فنظرا إلى شيخ عجيب الخلقة، وإذا تحته بغل أعجف، يكاد يسقط هزالا وضعفا؛ فقالا له: يا شيخ، لولا تعالج
стр. 34
بغلك هذا حتّى يعود سمينا فارها في أيّام يسيرة، بأيسر مئونة؟ قال:
بأيّ شيء أعالجه؟ قال: تأخذ عشرة أمناء مسك وعنبر «١» ، وتعجنها بعشرة أمناء من بان الغالية، وتطليه به طلية واحدة. فتجافى عن سرجه فولّى وجهيهما ظهره، ثم ضرط ضرطة صلبة؛ قالا؛ ما هذا؟ قال:
هذا لكما على الصّفة، ولو قد أنجع الدّواء خرينا عليكم!.
وحدّثونا عن هشام بن حسان، عن محمّد بن سيرين، قال: كان رجل عيّاب، فأبصر بغلة تحت شريح «٢» ، فقال: أبا أميّة، إنّ بغلتك لفارهة! قال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تبعث. قال: لا خير فيها إذن!.
قال أبو الحسن: كان هشام بن عبد الملك يوما على باب يزيد بن عبد الملك ينظر إلى بغال تعرض، فنظر إلى بغل منها لم ير الناس مثله في تمام خلق، وطهارة خلق، ولين سيرة، وحسن صورة، فقال:
ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدوابّ كلّها؟ لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده، لكان مكتفيا.
قال: فلما ولي هشام، اتّخذ البراذين البخاريّة، والبغال الفرهة «٣» ؛ فأذكره رجل ذلك الكلام، فقال: وأنا على الرأي الأول، ولكن تأتينا أشياء نحسد الناس عليها.
قال: وكان عند محمد بن سليمان رجل مغفّل؛ فأنشد رجل رجزا
стр. 35
قيل في عمر بن هبيرة:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تردى بنسيج وحده
تقدح قيس كلّها بزنده
فقال الشيخ: بأبي هو وأمي- ﷺ ! لأنّه ظنّ حين سمع بذكر البرد والبغلة، أنه النبي ﷺ .
وإنما هذا كقول أبي دهبل «١» :
تحمله النّاقة الأدماء معتجرا ... بالبرد، كالبدر جلّى ليلة الظّلم «٢»
ومثل قول ابن المولى «٣» لجعفر بن سليمان:
أوحشت الجماء من جعفر ... فجانبا عين أبي مشعر
لمّا غدا تحمله بغلة ... معتجرا كالقمر الأزهر
ولمّا قال المدينيّ وهو بالحجاز، وذكر أبا البختريّ وهو قاض ببغداد وإنما ضرب به المثل ولم تكن قصيدته موجّهة إليه، فلما سمع قوله أبو البختريّ «٤» :
لو كنت تطلب شأو الكرام ... فعلت فعل أبي البختري
تتبّع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر
قال: يا غلام، عليّ بأربعمائة درهم، وتخت فيه أربعون ثوبا،
стр. 36
وبغلة ناجية. فأعطاه، أو فبعث بها إليه.
وقال بعض المحارفين «١» الفقراء، أو الطّياب الشعراء:
أتراني أقول يوما من الدّهر ... لبعض التّجار أفسدت مالي
أو تراني أقول: من أين جاءت ... لدوابي بذا الشّعير جمالي
أو تراني أقول: يا قهرماني ... سل غلامي موفّقا عن بغالي
أو تراني أمرّ فوق رواق ... لي عال في مجلس لي عالي
أسرجوا لي، فيسرجون دوابي ... فأقول: انزعوا السّروج، بدالي
هذيانا كما ترى وفضولا ... دائم النّوك «٢» من عظيم المحال
ومن هذا الباب قول الآخر:
أخيّ قد أوّب الحجيج وما ... أملك لا بغلة ولا فرسا
الله بيني وبين كلّ أخ ... يقول: اجدم وقائل: عدسا
وقال رجل من بني شيبان، واقترض، فندم بعد أن ركب البغال المقصّصة بدلا من النجائب والخيل:
بدّلت بعد نجائبي وركائبي ... أعواد سرج مقصّص هملاج
ووقعت في عدس كأنّي لم أزل ... شنقا «٣» لقولي للنّجائب: عاج
والله لولا أن أضيّع غزوتي ... لرجعت منقلبا لها أدراجي
وقال الحسن بن هانىء:
غنيت بمركب البرذون حتّى ... أطاح الكيس إغلاء الشّعير
стр. 37
فحلت إلى البغال فأعوزتني ... وحلت من البغال إلى الحمير
فأعيتني الحمير فصرت أمشي ... أزجّي المشي كالرّجل الكسير
وما بي، والحميد الله، كسر ... ولكن فقد حملان الأمير «١»
وقال ربيعة الرّقّيّ «٢» :
وبلائي أن أمّي ... أثقلتني بإزاري
فإذا ما قمت أمشي ... همّ خصري بانبتار
كلّ ذا أحمل وحدي ... أين من اّمّي فراري
أمّتا هذا وربّي ... حمل برذون بخاري
أمّتا لست ببرذو ... ن ولا بغل مكاري
وقال الحكم بن عبدل «٣» :
مررت على بغل تزفّك تسعة ... كأنّك ديك مائل الرّأس أعور
تخايلت في جنّيّة لتروعنا ... وأنت إلى وجه يزينك أفقر
وقال حنظلة بن عرادة «٤»
تخيرت الملوك فحطّ رحلي ... إلى سلم ولم يخط اختياري
يقولون اعتذر من حبّ سلمى ... إذن لا يقبل الله اعتذاري
إذا مرّت بجسركم بغالي ... فقوموا فانظروا في شأن داري
стр. 38
وقوموا ظالمين فهدموها ... والقوا من صحيفتكم صغاري
وحمل أبو دفافة بن سعيد بن سلم دعبلا الشاعر على بغل، فوجده- زعم- ذا عيوب فكتب إليه:
حملت على أعرج حارن ... فلا للرّكوب ولا للّثمن
حملت على زمن شاعرا ... فسوف تكافا بشكر زمن «١»
وخرج أبو هرمة الفزاريّ من منزله على بغلة فارهة، فشرب بكلّ ما معه واحتاج، فبادل بالبغلة حمارة، وقال:
خرجت ببغلة من عند أهلي ... فجئت بها وقد صارت حماره
فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... أنا الغاوي خليع بني فزاره
وبادل محمد بن الحارث قينة ببرذون؛ فألفاه صديق له صلاة الغداة وقد ركبه، فقال:
عجت بالسّاباط يوما ... فإذا القينّة تلجم
قينة كانت تغنّي ... مسخت برذونا ادهم
وقال الآخر:
يا فتح لو كنت ذاخزّ أجرّره ... تحتي سليم الشّظا من نسل حلّاب
أو كنت ذا بغلة سفواء ناجية ... وشاكريّين لم أحبس عن الباب
أزري بنا أنّنا قلّت دراهمنا ... والفقر يزري بآداب وأحساب
стр. 39
وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
أخت بني شيبان مرّت بنا ... ممشوطة كورا على بغل
تكنى أبا الفضل فيامن رأى ... جارية تكنى أبا الفضل
وأشعار ذكروا فيها البغال بالتهجين، ولم يقصدوا إلى أعضائها بشيء، ومنها ما أرادوا بها من تحياز ركوبها، قال بعضهم في هجاء الموالي:
تأمّلت أسواق العراق فلم أجد ... دكاكينها إلّا عليها المواليا
جلوسا عليها ينفضون لحاهم ... كما نفضت عجف البغال المخاليا
وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أمثال البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن ثياب وقول غير موزون
وقال بعضهم في تشبيه الشيء بالشيء، وهذا شعر ينبغي أن يحفظ:
وهيّج صوت النّاعجات عشيّة ... نوائح أمثال البغال النّوافر «١»
يمخّطن أطراف الأنوف حواسرا ... يظاهرن بالسّوءات هدل المشافر
بكى الشّجو ما دون الّلهى من حلوقها ... ولم يبك شجوا ما وراء الحناجر
стр. 40
وما سمعنا في صفة النوائح المستأجرات، وفي اللواتي ينتحلن الحزن وهنّ خليّات بال، بأحسن من هذا الشعر.
وها هنا باب من الشعر حسن، وليس من هذا بعينه، ولكنه قد يشاكله من باب. قال الشاعر:
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
وقال آخر:
لا يحفل البرد من أبلى حواشيه ... ولا تبالي على من راحت الإبل
وقال آخر:
أهينوا مطاياكم فإنّي رأيته ... يهون على البرذون موت الفتى النّدب
وقال آخر:
وإنّي لأرثي للكريم إذا غدا ... إلى طمع عند الّلئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطّرف والعلج راكبه
وقال مسلم بن الوليد في برذون ابن أبي أميّة «١» :
قل لابن أميّ: لا تكن جازعا ... لا يرجع البرذون باللّيت
طأمن من جأشك فقدانه ... وكنت فيه عالي الصّوت
وكنت لا تنزل عن ظهره ... ولو من الحشّ إلى البيت «٢»
ما مات من سقم ولكنّه ... مات من الشّوق إلى الموت
следующие страницы →