← Адаб

Адаб · id 10508

الفاضل

المبرد

Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.

стр. 106

وكان يقال لعلىّ بن الحسين: ذو الخيرتين «١» ، لأنّ أمّه كانت ابنة يزدجرد، وتأويل ذلك أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن لله من خلقه خيرتين: من العرب قريش، ومن العجم فارس» . وكان الأصمعىّ يحدّث أن ابنة يزدجرد جاءت علىّ بن أبى طالب فى مائة وصيفة، فقال علىّ: أكرموها فإنها حديثة عهد بنعمة فقال لها: تزوّجى بالحسين ابنى، فقالت: بل أتزوّجك أنت، فقال لها: الحسين شابّ، وهو أحق بالتزويج منّى، قالت: مثلى لا يملكه من يملك. وزعم عمر ابن الخطاب أنه ليس أحد أذكى من أولاد السرارىّ، لأن لهم عزّ العرب وتدبير العجم. ويقال لولد السّرّية الهجين، وهو الّذى أمّه أمة وأبوه عربىّ شريف. وأنشدنى الرياشىّ «٢» : إن أولاد السّرارى ... كثروا يا ربّ فينا ربّ أدخلنى بلادا ... لا أرى فيها هجينا فصل آخر حدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد متصل قال: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث بباب بشر بن مروان بالكوفة، فدخل عليه داخل فأخبره بمكانهم، وأعلمه أنه لم ير مثلهم بباب ملك قطّ، فأذن للفرزدق ثم لجرير ثم للأخطل، وأمسك عن البعيث، فقال له الرجل: إن البعيث معهم، فقال: إنه ليس كهؤلاء، ثم أذن للبعيث، فلما دخل مثل بين يديه فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تحدّثوا بالباب أنك أذنت لهؤلاء لفضل رأيته لهم علىّ، قال: أو ما تعلم ذاك؟ قال: لا والله ولا الله يعلمه، قال: فأنشدنى، [قال] : أو أخبرك من معايبهم بما تستغنى به عن

стр. 107

الإنشاد، فقال: هات، قال: أما هذا القرد- يعنى الفرزدق- فقد قال «١» فى هجائه ابن المراغه- يعنى جريرا-: فما لك بيت الزّبرقان وظلّه ... ولا لك بيت عند قيس بن عاصم بأىّ رشاء يا جرير وماتح ... تدلّيت فى تلك البحور الخضارم «٢» فجعله تدلّى عليهم، وإنما أتاهم من تحتهم لو كان يعقل. وأما هذا- يعنى ابن «٣» المراغه- فقال فى هجائه هذا القرد يعنى الفرزدق: لقومى أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبّار والنقع ساطع وأوثق عند المرهقات «٤» عشيّة ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع فجعل نساءه قد أردفن وفضحهنّ ووثقن باللحاق. وأما هذا الكافر- يعنى الأخطل «٥» - فقال فى وقعة نجا «٦» منها أسيرا، وأقرّ على نفسه وقومه بالذّلّ: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل «٧»

стр. 108

فوصله يومئذ وحرمهم. فخلف جرير أنه لم يقل: «وأوثق عند المردفات» ، وإنما قال: «عند المرهقات» «١» . والشىء يذكر بالشىء، أنشدنى مسعود بن بشر «٢» لأحمد أخى أشجع السلمىّ يمدح نصر بن شبث: لله سيف فى يدى نصر ... فى متنه ماء الردى يجرى أوقع نصر بالسواجير ما ... لم يوقع الجحّاف بالبشر أبكى بنى بكر على تغلب ... وتغلبا أبكى على بكر «٣» وقيل لبشر بن مروان: أيّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثا، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريرا سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعى يقول: قال أبو عمرو ابن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبى عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريرا والله لشاعر، قال لها: أتقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حلوه وشاركك فى مرّه. وسئل ابن دأب «٤» عن جرير والفرزدق فقال: الفرزدق أشعر عامّة

стр. 109

وجرير أشعر خاصّة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. قال يونس: ما شهدت مشهدا قطّ ذكرا فاتفق أهل ذلك المجلس على أحدهما. وحدّث أبو عبد الله «١» محمد بن سلّام الجمحى قال: رأيت أعرابيّا من بنى أسيّد أعجبنى ظرفه وروايته، فقلت: أيهما أشعر عندك؟ فقال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومدح وهجاء ونسيب، وفى كلها غلب جرير، فالفخر قوله «٢» : إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا والمدح قوله «٣» : ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح والهجاء قوله «٤» : فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا والنسيب قوله «٥» : إنّ العيون التى فى طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وقال أبو عبد الله: والنسيب عندى قوله «٦» : ولما التقى الحيّان ألقيت العصا ... ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله

стр. 110

فقلت للأسيدىّ «١» : والله لقد أوجعكم (يعنى فى الهجاء) ، فقال: يا أحمق أو ذاك يمنعه من أن يكون شاعرا! ويروى أن الفرزدق كان حسن التديّن محمود السيرة، وأنه كان إذا ضحك فاستغرب فى الضّحك التفت كأنه يخاطب ملكيه، فقال: أما والله لأسمعنّكما خيرا: لا إله إلا الله والحمد لله وأستغفر الله. ويروى «٢» أنه اجتمع هو والحسن البصرى فى جنازة فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، أتدرى ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع فى هذه الجنازة خير الناس وشرّ الناس، فقال الحسن: كلّا لست بخيرهم ولست بشرّهم، ولكن ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين «٣» سنة، فقال الحسن: خذها والله من غير فقيه، ثم أنشأ الفرزدق يقول «٤» : أخاف وراء القبر إن لم يعافنى ... أشدّ من القبر التهابا وأضيقا إذا قادنى نحو القيامة قائد ... عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا «٥» يقاد إلى نار الجحيم مسربلا ... سرابيل قطران لباسا ممزّقا إذا شربوا فيها الصديد «٦» رأيتهم ... يذوبون من حرّ الجحيم تحرّقا

стр. 111

فلمّا مات الفرزدق رؤى فى المنام فقيل: ما صنع بك ربّك؟ فقال: غفر لى، فقيل: بماذا؟ قال: بالكلمة التى نازعنيها الحسن على شفير القبر. ويروى «١» أن أبا هريرة قال له: إنى أرى لك قدمين لطيفين فانظر أن تجعل لهما موضعا لطيفا يوم القيامة، ومهما صنعت من شىء فلا تقنط من رحمة الله. وحدّثنى الرياشىّ قال: هجا الفرزدق ابن هبيرة لما ولّى فقال: أمير «٢» المؤمنين وأنت برّ ... بذاك ولست بالطّبع الحريص «٣» أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحدّ يد القميص ولم يك قبلها راعى مخاض ... ليأمنه «٤» على وركى قلوص تفيهق فى العراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص «٥» فبينما ابن هبيرة قاعد ينظر وجهه فى المرآة قالت له الجارية: أصلح الله الأمير، قد قدم أمير آخر، فقال: لا إله إلا الله، هكذا تقوم الساعة، وكان القادم خالد بن عبد الله القسرىّ، فأراد خالد أن يعذّب ابن هبيرة، فقال ابن هبيرة: أنشدك الله أن تستنّ فىّ سنّة هى تستنّ فيك غدا، إن القوم الذين ولوك هم القوم الذين عزلونى، فقال: لا حاجة لى فى عذابك، فحبسه. وكان لابن هبيرة مولى من الدّهاة، فنقب من داره إلى حبس ابن هبيرة، وهرب به إلى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به، فدخل مسلمة على أخيه يزيد أو هشام، فقال: يا أمير المؤمنين إن لى حاجة- وكانت تقضى

стр. 112

فى كل يوم ثلاث حوائج- فقال: نعم كلّ حاجة لك مقضيّة ما خلا ابن هبيرة، فقال: ما عوّدنى أمير المؤمنين أن يستثنى علىّ، فلم يزل به حتى أجابه. وقدم خالد بن عبد الله فأمر مسلمة بتلقّيه، وكان فيمن تلقّاه ابن هبيرة، فقال خالد: يابن هبيرة أإباق كإباق الأمة! فقال ابن هبيرة: أنوم كنوم العبد! وفى ذلك يقول الفرزدق «١» : ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها ... ولم يبق إلّا بطنها لك مخرجا دعوت الذى ناداه يونس بعد ما ... ثوى فى ثلاث مظلمات ففرّجا خرجت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا «٢» فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق، هجانى أميرا ومدحنى أسيرا. فصل آخر فى الفصاحة حدّثنى الرّياشىّ عن الأصمعىّ قال: قلت لعيسى بن عمر: أنا أفصح من معدّ بن عدنان، قال لى: تجاوزت، فأنا أفصح منك، فقلت له: كيف ينشد هذا البيت «٣» : قد كنّ يكنّن الوجوه تستّرا ... فالآن حين بدأن للنّظّار أو بدين؟ فقال لى: بدأن، فقلت له: لم تصب، لأنه يقال بدا يبدو، وبدأ الشىء يبدؤه إذا أنشأه واستأنفه، والصواب «حين بدون» .

стр. 113

وحدّثنى هارون بن عبد الله المهلبى قال حدّثنى نصر بن على بن عبد الله عن أبيه- وكان أبوه «١» قرين سيبويه- قال سمعت الخليل بن أحمد يقول: أفصح الناس أزد السّراة. وحدّثنى هارون عن نصر بن علىّ عن الأصمعى قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أفصح الناس سافلة قريش وعالية تميم، قال: وكنا نسمع أصحابنا يقولون: أفصح الناس تميم وقيس وأزد السّراة وبنو عذرة. وحدّثنى علىّ بن القاسم الهاشمىّ قال: رأيت قوما من أزد السراة لم أر أفصح منهم، وكانوا يلبسون الثياب المصبّغة، قلت لأحدهم: ما حملك على لبس المصبّغ؟ قال: ابتغاء الحسن. وحدّثنى على بن القاسم عن أبى قلابة الجرمىّ «٢» قال: رأيت قوما من بنى الحارث ابن كعب لم أر أفصح منهم. وفى الحديث أن رسول الله ﷺ ورد عليه الوفود فأقرأ الأخماس «٣» كلّ خمس على لغته فكان أعرب القوم تميم. وعنه ﵇ أن عمر بن الخطاب قال له: ما رأيت أفصح منك، قال: «بيد أنّى من قريش ونشأت فى بنى بكر بن سعد بن هوازن» . ويروى غير «بيد أنّى» ، «من أجل أنّى» . قال أبو العباس: وكلّ عربىّ لم تتغيّر لغته فصيح على مذهب قومه، وإنما يقال: بنو فلان أفصح من بنى فلان، أى أشبه لغة بلغة القرآن ولغة قريش، على أن القرآن نزل بكل لغات العرب. ويروى عن ابن عباس أنه قال: كنت لا أدرى ما الفتّاح حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لخصم لها: هلّم فاتحنى، أى حاكمنى، فعلمت أن الحاكم

стр. 114

الفتّاح. وكنت لا أدرى ما فاطِرِ السَّماواتِ حتى سمعت أعرابيّا ينازع فى بئر فقال: أنا فطرتها، يريد أنشأتها. وكان «١» أبو «٢» محلم من أفصح من رأيت لسانا، وحدّثنى قال: جئت يونس بن حبيب النحوىّ فسألته عن هذا الحديث «٣» : «خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة «٤» » فقال: هذا من لغاتكم يا بنى سعد، ويقال: خير المال نتاج أو زرع، فأنشدته «٥» : لهفى على شاة أبى السّباق ... عتيقة من غنم عتاق مرغوسة مأمورة معناق «٦» ... تحلب رسلا طيّب المذاق فكتبه يونس على ذراعه وقال: إنك لجيّاء بالخير. قال أبو محلّم: المرغوسة النامية «٧» ، وأنشد للعجّاج «٨» : إمام رغس فى نصاب رغس ... من نسل مروان قريع الإنس وابنة «٩» عباس قريع عبس وحدّثنى عن الأصمعىّ قال: رأيت امرأة من بنى تميم لم أر أفصح منها، فسمعتها تدعو على أخرى وتقول: إن كنت كاذبة فحلبت قاعدة. قال: رعية الغنم عندهم ضعة فإنما تتمنّى لها ذلك.

стр. 115

وحدّثنى الزيادىّ قال: قالت امرأة: مررت بالبادية فرأيت أبياتا، فقصدتها فقامت امرأة هنا لك، وإذا نسوة يتضاحكن، فقلت: ما يضحككن؟ قلن: هذه التى توارت مىّ صاحبة ذى الرمّة. قالت: فقلت: فقد والله كنت أشتهى أن أراها، فالآن لا أبرح حتى أراها، فدعونها فلم تجبهنّ، فأقسمن عليها فخرجت وهى تقول: شهّرنى غيلان شهّره الله. فلم أكبرها حين «١» رأيتها، فلما تكلّمت ورأيت فصاحتها علمت أن ذا الرمّة قصّر فى وصفها. وحدّثنى علىّ بن القاسم قال: قلت لأعرابى فصيح: ما معنى قولهم فى المثل: «كاد العروس أن تكون أميرا «٢» » لم كاد ذاك؟ قال: لأن الأكفاء يخدمونها فى تلك الحال. ومن أمثالهم- روى ذلك أبو عبيدة- أن إبليس تصوّر لابنة الخسّ «٣» فقال لها: أسألك أو تسأليننى؟ فقالت له: سل، قال لها: كاد، فقالت: «كاد النعام أن يطير» ، فقال لها: كاد، قالت: «كاد المنتعل أن يكون راكبا» . قال لها: كاد، قالت: «كاد العروس يكون أميرا «٤» » . ثم قال لها: سلينى، قالت: عجبت، قال: من الحجارة لا يشيب صغيرها ولا يهرم كبيرها، قالت: عجبت، قال: من السّبخة لا يجفّ ثراها ولا ينبت مرعاها، قالت: عجبت، قال: من حرك لا يبلغ حفره، ولا يدرك قعره، قالت: اعزب عليك لعنة الله. ويروى أن ابنة الخسّ كانت بليغة فصيحة.

стр. 116

وحدّث محمد بن سلّام عن يونس «١» النحوى قال: النحويّون يغلطون فى ثلاثة أشياء، يقولون فى نكاح أمّ خارجة «٢» : «خطب» فتقول: «نكح» «٣» ، وإنما هو نكح، «٤» ويقولون: ابنة الخسّ، وإنما هو الأخسّ، مثل الأرزّ، ويقولون: «ليس لحاقن «٥» رأى» ، وإنما هو ذهن. ويقال: رجل خسّ ورجال أخسّ، من الخسة. وحدّثنى المازنىّ وغيره قال: أمّ خارجة امرأة ولدت زهاء عشرين حيّا من العرب، وآخر من نكحها عمرو بن تميم، وذلك أنه أتاها فسبق أهلها الذين أرادوا أن يمنعوه منها مثل ما يسبق الراكب الراجل، فقال لها: خطب، قالت: نكح، فى قول يونس فجاءوها فوجدوها قد تزوّجت. فصل آخر فى الجمال يروى عن ابن كناسة قال: الجمال فى الأنف، والحسن فى العينين، والملاحة فى الفم. وقال ابن عباس وقد سئل عنه «٦» المحدّثين (كذا) وعن بنى أمية فقال: نحن أصبح وأسمح وأفصح، وقال آخر: يروى حديث عن نبىّ الهدى ... يحكيه عن أسلافنا حاملوه

стр. 117

أن رسول الله فى مجلس ... قال وقد حفّ به حاضروه إذا سألتم أحدا حاجة ... فالتمسوها من صباح الوجوه وكان يقال: إن الجمال كان من قريش فى ثلاثة: مصعب بن الزبير، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن سعيد بن العاص «١» ، إلا أن ابن الرقيّات» قال لما أنشد عبد الملك: يعتقد «٣» التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب فقال: أما مصعب بن الزبير فتقول «٤» فيه: إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلّت عن وجهه الظلماء ويروى أنه كان يقال له الدّيباج. وكان يقال: لم ير أزواج قطّ أحسن من ثلاثة: عائشة بنت طلحة ومصعب بن الزبير، ولبابة «٥» بنت عبد الله والوليد بن عتبة، وجعفر بن أبى طالب وأسماء بنت عميس «٦» . ويروى أن لبابة قالت: ما نظرت وجهى قطّ فى مرآة ونظرت معى امرأة إلا رحمتها من حسن وجهى، حتى تزوّجت الوليد بن عتبة فنظر معى فى المرآة فرحمت نفسى من حسن وجهه. ويروى عن

стр. 118

ابن عباس رحمة الله عليه قال: قدم الوليد بن عتبة المدينة «١» فكأنّ وجهه ورقة مصحف، وكأن منطقه نظم خرز، فلم يبق بها راجل إلا حمله، ولا فقير إلا أعطاه. وذكر النّسابون أن لبابة بنت عبد الله بن عباس كانت عند عباس «٢» بن على بن أبى طالب فولدت له عبيد الله بن العباس، ثم قتل عنها مع الحسين بن على صلوات الله عليهما، فتزوّجها الوليد بن عتبة وهو يومئذ أمير المدينة ومكة، فولدت له القاسم ابن الوليد، وملك عنها الوليد، فتزوّجها زيد بن حسن بن على بن أبى طالب ﵈ «٣» . ويروى أن عبد الله «٤» بن جعفر والحسين بن على وعبد الله بن عمر ومصعب ابن الزبير وجّهوا بحبّى «٥» المدنيّة الى أربع نسوة تخطبهن لهم: عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وأمّ البنين، وامرأة ذهب عنى اسمها، فأتتهن حبّى وأعلمتهن بما قصدت له، فكلّ قال [ما] فيمن ذكرت أحد يرغب عنه، قالت لهن: ولكن بينى وبينكن شريطة، قلن: وما هى؟ قالت: تمشى كل واحدة منكن بين يدىّ متجرّدة، فأبين عليها، فأدلّت عائشة بنت طلحة بما عندها من الجمال، فتجرّدت

стр. 119

ومشت. فلما رجعت حبّى إليهم أعلمتهم بما رجعت به منهن ومن عائشة، فقالوا: كيف رأيتها حين تجرّدت؟ قالت: مشت فما بقيت فى بدنها شحمة إلا تحرّكت، فتزوّجها مصعب بن الزبير، فشرطت عليه ألّا تستر وجهها عن أحد، وقالت: لا أخفى ما رزقنيه الله من الجمال. وقال الهيثم بن عدىّ «١» : أخبرنا يونس «٢» بن إسحاق قال: كان الجمال من أهل الكوفة فى ثلاثة نفر: الأشعث بن قيس الكندىّ، وعدىّ بن حاتم الطائىّ، وجرير ابن عبد الله البجلىّ، فدخلت مأدبة فى السّبيع «٣» فرأيت هؤلاء الثلاثة، فما رأيت بيض نعام ولا طريدة ظبى ولا تمثالا إلا وما رأيت من هؤلاء الثلاثة أحسن. وقال الهيثم: وكلّ أعور. قال يونس: فأما الأشعث بن قيس فأصيبت عينه يوم اليرموك، وأما عدىّ بن حاتم فأصيبت عينه يوم الجمل، وأما جرير فأصيبت عينه بهمذان «٤» . فصل آخر حدّثنى الرّياشىّ عن الأصمعى قال: كانت أم البنين «٥» بنت يزيد بن معاوية عند عبد الملك ابن مروان، وكانت من أحسن الناس وجها وأتمّهم خلقا، ويروى أنه وقع بينها وبينه هجرة فى أمر الدخول إليها، فمنعته من ذلك، فعسر عليه رضاها، فشكا أمره

стр. 120

إلى خريم «١» ، فضمن له أن ترضى عنه، وضمن له عبد الملك قضاء جميع ما يسأله إن وقع ذلك، فمضى خريم إلى بابها وشقّ جيبه وجعل التراب على رأسه، فسئل عن خبره فذكر أن أحد ابنيه وثب على أخيه ليضربه فقتله إما عمدا أو خطأ، فبلغ الخبر عبد الملك فحكم بقتل القاتل، فيذهب منه ابنان، وهو بتأديب ابنه أحقّ، وذكر لها حرمته بيزيد وبها، فأرسلت إليه تعلمه أنها مغاضبة لعبد الملك، فازداد عويلا وبكاء، فرحمته، وأرسلت بخادم يتعرف خبر عبد الملك، فسرّ وسرّى عنه، وأقبلت أمّ البنين تتهادى بين وصائفها حتى تمثلت بين يديه، ثم قالت له: [ما كان من حقّك أن أبتدئك بالكلام، ولكن] جور حكمك حملنى على ذلك، لم حكمت بقتل ابن خريم، لأنه قتل أخاه؟ أليس أبوه أحقّ بتأديب ابنه منك؟ ففطن عبد الملك للحيلة، فقال لها: إنى لا أمكن رعاياى من أن يقتل بعضها بعضا، قالت: فهبه لى، قال فادخلى البيت، فدخلت، وألقى السّتر، قال خريم فجئت عبد الملك فقلت: كأنى بها قد قالت كذا، قال: نعم وألقى الستر، قال خريم: الوعد، قال: فما حاجتك؟ قال: تقطعنى كذا، قال: نعم أفعل، وتثبت ابنى فى العطاء، قال: أفعل، وقضى حاجته. وحدثنى مسعود بن بشر أن عبد الملك وجّه بخادم له «٢» إلى أمّ البنين يسألها أن تصير إليه، فأخذت فى زينتها، وطال اختلاف الخادم إليه، فبصرت به عثامة

стр. 121

جارية عبد الملك، فسألته عن خبره، فأعلمها انتظار عبد الملك لأمّ البنين واحتباسها عنه، فقالت له: إن أدّيت اليه ما أقول فلك عشرة آلاف درهم، فقالت: قل له: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى فأخبر الخادم عبد الملك، فأرسل إليها وخلابها دون أمّ البنين. وتحدّث عمر بن شبّة «١» عن رجاله أن عليّة «٢» بنت المهدى كانت من أحسن النساء وجها وأتمّهن خلقا وأسهلهنّ شعرا، ولم يكن فيها عيب «٣» غير سعة فى جبينها، فاتّخذت العصائب من الجوهر وغيره، واستعملها الناس بعدها. وكانت تحبّ خادما للرشيد يقال له طلّ، فبلغه الخبر، فحلف عليها ألّا تسمّى باسمه، فقرأت يوما: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فالذى نهاها عنه أمير المؤمنين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . فبلغه ذلك فقال: أبت إلا ظرفا وكانت تحب خادما له يقال له رشأ، فصحّفت اسمه وقالت «٤» فيه: وجد الفؤاد بزينبا ... وجدا شديدا متعبا «٥»

стр. 122

فجعلت زينب سترة «١» ... وكتمت أمرا معجبا ويقال إنها مشت على ميزاب طوله عشرون ذراعا وكتبت إلى الخادم «٢» : قد كان ما حمّلته زمنا ... يا طلّ من كلف بكم يكفى حتى أتيتك زائرا عتما «٣» ... أمشى على حتف إلى حتف ويروى أن الموكّل بالقصر منع طلّا من الدخول لأجلها فقالت «٤» فى ذلك: متى يلتقى من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن تهوى إليه دخول ويروى: «سبيل» . عسى الله أن يرتاح منه برحمة ... فيشفى جوّى من مدنف وعويل ولها فى الرشيد: سلام على من لا يردّ سلامى ... ومن لا يرانى موضعا لكلام وماذا عليه أن يردّ مسلّما ... إذا كان يقضى بالسلام ذمامى ويروى أنها إذا وعظت وخوّفت ما ينالها من نكير الرشيد إن صحّ عنده خبرها أنشدت «٥» : تالله أترك مهجتى تبلى ... وأطيع رأيك فى الهوى عقلا. ثم تقول: قال النبىّ ﷺ : «حبّك الشىء يعمى ويصمّ» . [

стр. 123

وعلى ذلك ما يروى عن أحد «١» الحكماء أنه قال: الهوى يقظان والرأى نائم. وأنشد لمحمود الورّاق: هواك «ولا تكذب» عليك أمير ... وأنت رهين فى يديه أسير يسومك عصيانا وأنت تطيعه ... وطاعته عار عليك كثير ويروى عن بزرجمهر أنه قال: الهوى غالب والمغلوب مستعبد. وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم. ويروى «٢» لهشام بن عبد الملك ولم يقل غيره: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال وقال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدى. وقال معاوية: لا رأى لذى هوّى. وقال أمير المؤمنين علىّ ﵇: إنما أخشى عليكم الهوى. وقالوا: أصبر الناس من كان رأيه رادّا لهواه. وقالوا: إنما سمى الهوى لأنه يهوى بصاحبه. وأنشد لبعض «٣» المحدثين: ترانى تاركا باللّ ... هـ ما أهوى لما تهوى أنا أعلم أن الح ... بّ من قلبى إذا دعوى

стр. 124

وقال رسول الله ﷺ : «حبّب إلىّ النساء والطّيب وجعلت قرّة عينى [فى] الصلاة» . وقال بعض الأعراب: إنى لأعشق الرزق وإنه ليبغضنى. وقال محمد بن واسع «١» : ما بقى شىء أهواه، وألذّه إلا الصّلاة. كمل كتاب فاضل (كذا) المبرّد، والحمد لله الموجب الشاكرين مزيدا كما هو أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الفاضلين وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. استوفاه مطالعة العبد الفقير إلى الله حسن بن أحمد الجوهرى عفا عنه بمنّه.

стр. 125

يقول الميمنى: وتمّ نسخة من نسخة جلبتها مصوّرة من إستنبول لتمثّل للطبع بمنزلى فى عليكرة يوم السبت (خامس ذى القعدة الحرام سنة ١٣٥٦ هـ- ٨ يناير سنة ١٩٣٨ م) . ثم أكملت التعليق فى ٣١ من يناير المذكور. وقع بصرى فى بعض تطوافى بخزائن إستنبول فى خزانة أسعد أفندى من مكاتب السليمانية على نسخة منزوية فى المجلّد رقم ٣٥٩٨ فيها (أمثال الضبى) ، وهذا الكتاب و (الطراز الأسمى) ، ولكل ساقطة- كما قيل- لاقطة، فخالجنى الارتياب أن كلام الناسخ فى الخاتمة: «كمل كتاب فاضل المبرد» ربما تكون كلمة «الفاضل» فيه صفة للمبرّد قدمها الناسخ على طريقة العجم، وسرعان ما زال بعد قراءة فصول منه لأنى كنت أحفظ فى ريعان الشباب معظم (الكامل) ، فجزمت بأنه ليس به ألبتّة وإن لم أكن أذكر للمبرّد تأليفا بهذا الاسم. فصوّرته وجلبته فيما جلبته. ولمّا نقّبت عنه فى كتب التراجم وغيرها بعد رجوعى لم أجد أحدا يكون يعرفه غير ابن النديم ص ٥٩ باسم (كتاب الفاضل والمفضول) . وأما ناسخ نسختنا فإنه لم يذكر الاسم إلا فى الخاتمة. هذا ورأيت فى (جمهرة العسكرى ٢٢٠، ٢: ٣٧٨ لطبعتيه) فى المثل «لا ترضى شانئة إلا بجزرة» تفسير المبرد عن أم الهيثم، ولعله عن هذا الكتاب فانه لا يوجد فى (الكامل) ألبتّة. والنسخة بقطع وسط، ومسطرتها ١٩ سطرا فى الغالب، وصفحاتها ١٠١ يدلّ خطها وورقها أنها لا تجاوز القرن الثامن. والله أعلم. وهى مصحّفة ومحرّفة للغاية، تدل على جهل الناسخ بالعربية، فلم أتبعه فى كل ما أثبته، ورجعت بكلّ شىء إلى أصله، ولم أدلّ على ذلك إلّا نادرا، وظهر لى أن فى الكتاب خرما

стр. 126

صغيرا أو كبيرا فى موضعين ص ٢٠ و ٢٢ غير أن الكلام متصل بعضه ببعض فى هذه النسخة. والكتاب كما ترى للمبرد حقا يشبه (الكامل) من جميع الجهات كأنه كامل صغير، يصلح لأن يدخل فى مناهج الدروس فيتدارسه النشء، وهو أثر ثالث «١» للمبرد يبعث من مرقده على يدى العاجز (عبد العزيز الميمنى) ، لثمان بقين من ذى القعدة الحرام سنة ١٣٥٦ هـ ٢٥ يناير سنة ١٩٣٨ م.