← Адаб

Адаб · id 10508

الفاضل

المبرد

Полный текст (126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يا أبا العريان؟ قال: أجدنى صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيضّ منى ما كنت أحبّ أن يسودّ، واسودّ منى ما كنت أحبّ أن يبيضّ، واشتدّ منى ما كنت أحبّ أن يلين، ولان منى ما كنت أحبّ أن يشتدّ، ثم قال: إنى سأنبيك بآيات الكبر ... تقارب المشى وضعف فى البصر وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطّعم إذا الزاد حضر وتركى الحسناء فى قبل الطّهر ... وكثرة النسيان فيما يدّكر والناس يبلون كما يبلى الشجر ... فهذه أعلام آيات الكبر وقال أعرابى: لا بارك الله على وجه الكبر ... فإنه يأمر للمرء بشرّ وخبث ريح وبياض فى الشّعر وقال آخر «١» : إنى وإن أفنى الزمان نحضى «٢» ... وأسرعت أيامه فى نقضى بمنحفات وأمور تمضى «٣» ... حتّى حنت طولى وضمّت عرضى وابتزّنى بعضى وأبقى بعضى ... وقصرت رجلاى دون الأرض وهمّ أهل ثقتى برفضى ... ينفع حبّى ويضرّ بغضى وقال آخر: قد صرت يا عمرو كأنّى نقض ... تسوّر الشّيب وخفّ النّحض «٤» وصار قدّام قيامى نهض ... وصار لا يحمل بعضى بعض

стр. 72

يقول: تسوّر الشيب وأنا غافل، أى كما يفعل اللّص، أى تقحم. وقوله: قدّام قيامى نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤت أوّلا ثم استقللت، أى صرت كبيرا لا أستقل بنهضتين «١» ولا ثلاث. وحدّثنى التوّزىّ قال: رأى رجل «٢» من العرب بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثل ذلك مرّة أو مرتين، فأعجزه الوثوب، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم: يموت منّى كلّ يوم شىّ ... وأنا فى ذاك صحيح حىّ وكم عسى ما قد يدوم الفىّ «٣» ... وآخر الداء العياء الكىّ وحدّثنى الرياشىّ- ولا أحفظ عمن حدّثنيه- قال: دخل أبو الأسود الدّئلىّ على عبيد الله «٤» بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علّقت عليك تميمة! فإنك جميل الوجه، فقال أبو الأسود «٥» : أفنى الشباب الذى أفنيت جدّته ... مرّ الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لى فى طول اختلافهما ... شيئا يخاف عليه لذعة الحدق وأنشد: من يشترى شيخين منّى بفتى ... إنّ الشيوخ فيهم كلّ أذى قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب فى أشعارها إمّا مدحا وإما ذمّا، وشعرهم فى ذمّه أكثر منه فى مدحه. ويروى أنه قيل: ما بال شعركم فى الشيب أحسن أشعاركم فى سائر قولكم؟ قالوا «٦» : لأنا نقوله وقلوبنا قرحة.

стр. 73

وقال يونس النحوى: ما بكت العرب على شىء بكاءها على الشباب، وما بلغت به كنه ما يستحقّ. ويروى أن بعضهم رأى يوما شيبة فى رأسه فقال: شرّ بديل وخير مبدول. وقال ابن قيس الرّقيّات «١» : رأت «٢» بى شيبة فى الرأ ... س منى ما أغيّبها فقالت «٣» : أبن قيس ذا؟ ... وبعض الشيب يعجبها أى تتعجّب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدنى أبو العالية «٤» : يا ربّ بيضاء على مهشّمه ... أعجبها أكل البعير الينمه «٥» بيضاء: امرأة. ومهشّمة: موضع، أعجبها أى تعجّبت منه، كما قال الجعدىّ يصف ثورا: فأراه صورة تعجبه وقال النمر بن تولب: لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى ... خلائق منها لم تكن من شمائلى مطاوعتى من كنت لست أطيعه ... وأنى أرى بثّى عن اللهو شاغلى وبدّل رأسى الشيب بعد سواده ... فأصبحت ذا شغل وأقصر باطلى وأصبحت قد أعرضن عنى وسؤننى ... وأخلفننى عهد الخليل المماطل ألا إن شيب الرأس ليس بأفة ... تضيرك إلا فى النساء الجواهل وحدّثنى الرياشى قال: تزوّج عبد الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر إلى وجهه فى المرآة مع وجهها فرأى شيبة فى لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، الحقى بأهلك،

стр. 74

فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلك أسأت عشرة زوجك، قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أدرى لم طلّقنى؟ فوجّه إليه معاوية فأحضره، فقال: ما أنكرت من أهلك؟ قال: لا شىء والله يا أمير المؤمنين، إلا أنى نظرت إلى وجهى ووجهها فى المرآة، فرأيت شيئا قد ظهر بى، فكرهت أن يفسد شبابها معى، فطلقتها لتتمتّع بالأزواج. وقال جرير فى كلمة له «١» : يا قلّ خير الغوانى كيف رعن به ... فشربه وشل فيهنّ تصريد أعرضن من شمط فى الرأس مشتعل ... فهنّ عنى إذا أبصرننى حيد قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسنا ... ومفرقا حسرت عنه العناقيد فهنّ ينشدن منى بعض معرفة ... وهن بالودّ لا بخل ولا جود قد كان عهدى حديثا فاستبدّ به ... والعهد متّبع ما فيه منشود فقلن لا أنت بعل «٢» يستقاد له ... ولا الشباب الذى قد فات مردود كأنما باتت الصّردان «٣» تنتفه ... حتى تطاير عنه طيره السود هل الشباب الذى قد فات مردود ... أم هل دواء يردّ الشيب موجود لن يرجع الشّيب شبّانا ولن يجدوا ... عدل الشباب لهم ما أورق العود إن الشباب لمحمود بشاشته ... والشيب منصرف عنه ومصدود وأنشدنى مسعود «٤» بن بشر: قعد «٥» الشيب بى عن اللّذّات ... ورمانى بجفوة القينات فإذا رمت ستره بخضاب ... فضحته طلائع الناصلات

стр. 75

ما رأيت إلّا الشباب إلّا سرابا ... غرّنى لمعه بأرض فلاة فإذا ما دعاك للكأس داع ... قيل ما للكبير والنّشوات لست بعد الشباب ألتذّ بالعيد ... ش فدعنى بغصّة العبرات إنّ فقد الشباب أنزلنى بع ... دك دار الهموم والحسرات ورمانى بحادث الدهر شيب ... قارعتنى أيّامه عن حياتى وقال الطائى «١» : أرى ألفات قد كتبن على راسى ... بأقلام شيب فى صحائف أنقاسى «٢» فأن تسألينى من يخطّ كتابها ... فكفّ الليالى تستمدّ بأنفاسى جرت فى قلوب الغانيات لشقوتى «٣» ... قشعريرة من بعد لين وإيناس وقد كنت أجرى فى حشاهنّ مرّة ... مجارى معين الماء فى قضب الآس وقال أبو العتاهية «٤» فى مثل قوله: فكفّ اللّيالى تستمدّ بأنفاسى الشيب كره وكره أن يفارقنى ... أعجب بشىء على البغضاء مودود يمضى الشباب وقد يأتى له خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود ومثله قول الآخر وهو علىّ بن محمد العلوىّ «٥» : لعمرك للمشيب علىّ ممّا ... فقدت من الشباب أشدّ فوتا تملّيت الشباب فصار شيبا ... وأبليت المشيب فصار موتا

стр. 76

وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعزّ الغنى عن الناس. وأنشدنى مسعود «١» بن بشر فى مدح الشيب لكثيّر فى عبد الملك بن مروان «٢» : رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا «٣» ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما ظن أمرض «٤» أو أصابا وقال إبراهيم بن المهدى «٥» : يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب! لقد جلّ قدر الشّيب إن كان كلّما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب وقال آخر: ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال ضيف فقلت الشّيب قال أجل فقلت أخطأت دار الحىّ قال ألا ... تمّت لك الأربعون الحول ثم نزل لله شيب رمى قلبى بلوعته ... كأنما اعتمّ منه مفرقى بجبل وأنشد إسحاق: كان الشباب كخضاب فنصل ... واختاره الشيب محلّا فنزل فأزعج الشيب الشباب فارتحل ... والشيب داء قاتل وإن مطل ولأبى العتاهية «٦» : يا خاضب الشيب بالحنّاء تستره ... سل المليك له سترا من النار لن يرحل الشيب عن دار ألمّ بها ... حتى يرحّل عنها صاحب الدار

стр. 77

وكان الخضاب يستحبّ. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما. ويروى أنّ قائلا قال للرضىّ: أأخضب؟ قال: نعم، بالحنّاء والخطر «١» ، ثم قال: أما علمت أن لك فى ذلك أجرا؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحبّ أن ترى منك مثل الذى تحبّ أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفّة ما أخرجهن إلّا قلّة هيئة أزواجهن لهن. قال وأنشد: الشيب زهّد فيك من تصل ... ولقد جفا بك بعده الغزل ولذاك ما قالت لجارتها ... هيهات شيّخ بعدنا الرجل قولى له يختار بى بدلا ... من حيث شاء فلى به بدل وقال آخر «٢» : رأين الغوانى الشيب لاح بعارضى ... فأعرضن عنّى بالحدود النواضر وكنّ إذا أبصرننى [أ] وسمعن بى ... سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر «٣» وقال محمد «٤» بن عبد الملك الزيات يشتكى مصابه ويذكر فجيعته ويبكى على زمانه: عريت من الشباب وكنت غضّا ... كما يعرى من الورق القضيب ونحت على الشباب بدمع عينى ... فما نفع البكاء ولا النحيب فيا أسفا أسفت على شباب ... نفاه «٥» الشيب والرأس الخضيب ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب

стр. 78

باب شعر وغريب ولغة حدثنى المازنىّ عن أبى زيد الأنصارىّ قال: سمعت «١» العرب تقول فى أسماء الدواهى: لقيت منه البرحين والبرحين والفتكرين والفتكرين. قال: وحكيت لى الفتكرين ولم أسمعها من العرب «٢» ، وأنشد: قد كلّفت راعيها الفتكرين ... إضمامة «٣» من ذودنا الثلاثين ولقيت منه الدهارس، واحدها دهرس، وهى الدواهى. وقال الكلبىّ: الدهاريس، قال المتلمّس «٤» : حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... بسل حرام ألا تلك الدهاريس

стр. 79

وقال أبو زيد «١» : البسل الحرام، والبسل الحلال، وهو عندهم من الأضداد، قال ابن همام السّلولىّ للنعمان بن بشير الأنصارى: زيادتنا نعمان لا تحرمنّنا ... تق الله فينا والكتاب الذى تتلو أيثبت ما زدتم وتلقى «٢» زيادتى ... دمى- إن أحلّت هذه لكم- بسل يقول: حلال. وأنشد أبو زيد لضمرة «٣» بن ضمرة النهشلى، وكان فى الجاهليّة من الفتّاك: بكرت تلومك بعد وهن فى الندى ... بسل «٤» عليك ملامتى وعتابى أأصرّها «٥» وبنىّ عمّى ساغب ... فكفاك من إبة علىّ وعاب يقال فى كل شىء عجل به: فى أىّ وقت بكربه، ويقال: بكرت على فلان عشية أمس، أى فى أول أوقات العشىّ، ليس البكرة للغداة، ألا ترى إلى قوله: «بعد وهن» أى بعد ساعة من الليل، ومنه سمّيت الباكورة. وقوله: «من إبة علىّ» يقال أوبت «٦» إبة أى استحييت واحتشمت، وكذلك اتّأبت من الشىء. وأوأبت الرجل أحشمته. ويقال لطعام الفجأة: طعام ذو توبة، أى ذو حشمة. ويقال: لقيت منه الذّربين والذّربيّا، والأقورين والأقوريّات. ولقيت منه بنات برح، وبنى برح، وبنات

стр. 80

بئس «١» ، وبنى بئس، وبنات أودك، ولقيت منه الأمرّين، ولقيت منه بنات طبق، يعنى الداهية، وأمّ الرّبيق على وريق وعلى أريق «٢» ، وأنشد: إنى رأيت العنز يمنع ربّها ... من أن يضيح «٣» جارها بالسنبس وهى الداهية. والقناذع «٤» : الدواهى، وأنشد: ومن لا يورّع نفسه تتبع الخنا ... ومن يتبع الجرباء يغش القناذعا ولقيت منه الزّبير، وهى الداهية، وأنشد «٥» : فلاقوا من آل الزّبير الزّبيرا وأنشد «٦» : إذا تمطّين على القياقى ... لاقين منها أذنى عناق والقياقى: واحدها قيقاءة، وهو ما ارتفع من الأرض. وأذنى عناق، يريد شرّا وداهية. ولقيت منه الدقارير، واحدتها دقرارة. ولقيت منه صلّا من الأصلال، وصمّة من الصمم، يريد الداهية. ويقال للداهية حوّل قلّب. ومما تمثّل «٧» به معاوية عند موته: الحوّل القلّب الأريب وهل ... يدفع صرف المنية الحيل والدّرخمين الداهية.

стр. 81

وحدّثنى التّوزىّ قال: سألت الأصمعىّ عن الدّرفس والدّرفسة فقال: هو الجمل الشديد، وأنشد للعجّاح «١» : كم قد حسرنا من علاة عنس ... كبداء كالقوس وأخرى جلس درفسة أو بازل درفس وكان الأصمعىّ لا يعرف الدّرفس فى بيت عبيد الله بن قيس الرقيّات وهو يمدح عبد العزيز بن مروان «٢» : تكنّه خرقة الدّرفس من الشّمس كليث يفرّج الأجما فقال: الدّرفس البعير، وماله هاهنا موضع، ولو كان إلىّ لقلت: «تكنّه خرقة الدّمقس» ، يعنى الحرير. وقال أبو العبّاس: وإنّما الدرفس اسم لواء للعجم حملوه يوم القادسيّة لرستم يقال له بالعجميّة «درفش «٣» كابيان» ، فأعربه عبد الله بن قيس فقال: الدّرفس. وحدّثنى التّوزىّ قال: صحّف «٤» الأصمعىّ فى بيت الحطيئة مرّة فلم نسمع تصحيفا أحسن منه، وهو: أغررتنى وزعمت أنّك لا تنى بالضّيف تأمر أى لا تنى تأمر بالضيف، تأمر بإكرامه وحسن قراه، والشعر: أغررتنى وزعمت أنّك لابن بالصّيف تامر

стр. 82

أى كثير اللبن والتمر. ويقال: شاة لبنة وغنم لبان ولبن ولبن. ويقال: كم لبن غنمك؟ وكم رسلها؟ قال: إنه إنما قيل: كم لبن غنمك، أى كم فيها مما يحلب، وفلان لابن وتامر إذا كان ذا لبن وتمر، وتمرت القوم ولبنتهم ألبنهم لبنا وقد ألبن الرجل: كثر لبنه، وتمرته فأنا أتمره «١» . ولم نقصد فيما نذكره فى هذا الفصل طعنا على الأصمعىّ، ولا دفعا لعلمه، وكذلك غيره، ولكنّ الشىء يذكر بالشىء، والحديث يجرّ الحديث. حدّثنى التّوّزىّ عن أبى عبيدة قال أنشدنى المفضّل: وإذا «٢» ألمّ خيالها طرقت ... عينى فماء شؤونها سجم وإنما هى «طرفت» ، فصحّف، وهى للمخبّل السعدىّ. وقال «٣» الأصمعىّ: هى لطرفة، وأوّلها: ذكر الرّباب وذكرها سقم وأخبرنى التّوّزىّ عن أبى عبيدة أن المفضّل أنشد بيت أوس بن حجر «٤» : وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا وإنما هو جدعا. والجدع السّيّىء الغذاء، ويقال جدعته وأجدعته: أسأت غذاءه. ويقال للسيّىء الغذاء الحجن «٥» والقتين، ويقال للّذى قد أحسن غذاؤه

стр. 83

مسرهف ومعذلج ومخرفج «١» ، والتّولب: الصغير «٢» . والأهدام: خلقان الثياب. وحدّثنى التّوزىّ قال: أنشد المفضّل قول اليشكرىّ «٣» : وكنت زمينا جار بيت وصاحبا ... ولكنّ قيسا فى مسامعه صمم وأخبرنى أبو عبيدة والأصمعىّ قالا: إنما هو زميتا أى قريبا. وأخبرنى الأصمعىّ وأصحابنا أنّ المفضّل أنشد قول البرجمىّ: أفاطم «٤» إنّى هالك فتبيّنى ... ولا تجزعى كلّ النساء يتيم وقال المفضّل: امرأة يتيم إذا مات زوجها، وغلام يتيم مات أبوه، واليتم فى البهائم موت الأمّ. قال الأصمعى: وإنما هو: «كلّ النساء تئيم» أى تصير أيّما والأيّم: التى لا زوج لها بكرا كانت أم ثيّبا، والأيّم عند العامة: الثيّب. وأخبرنى الشّيبانىّ قال: سألت المفضّل عن قول «٥» متمم بن نويرة: لعمرى وما دهرى «٦» بتأبين هالك ... ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا ما التأبين؟ قال: لا أدرى. والتأبين: ندبة الميّت، وقال أبو زيد: أبّنت الميّت تأبينا إذا بكيته بعد موته.

стр. 84

وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ قال: ناظرنى المفضّل عند عيسى بن جعفر فأخطأ أو صحّف، فجعل يصيح ويشغب، فقلت له: أصب، وليكن كلامك كلام النمل، لو صحت إلى النشور ما نفعك. وحدّثنى التّوّزىّ قال: شهدت الأصمعىّ فقرأ عليه رجل: ما فى بعيرى هاتّة فجوّزها له، ومضى الرجل، فرددت على الرجل فقلت: إنما هى هانّة «١» ، والهانّة الشّحم، فسكت الأصمعى وما أجابنى بحرف. قال: وشهدته أيضا- وقرأ عليه رجل: ما سمعنا العام قابّة- قال الأصمعىّ: يريد صوت الرعد، من القبيب «٢» ، فقلت له: إنما قابّة قطرة من المطر، يقال: ما سمعنا العام قابّة، أى قطرة مطر- وكان كيسان «٣» ، وابن أبى يحيى الغنوىّ حاضرين فوافقانى- فسكت الأصمعىّ. وحدّثنى عن أبى عمرو الشّيبانىّ قال: كنا بالرّقّة فأنشد الأصمعىّ: عننا «٤» باطلا وظلما كما تع ... نز «٥» عن حجرة الرّبيض الظّباء

стр. 85

فقلت له: «تعتر» من العتيرة. والشعر للحارث بن حلّزة، وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا بلغت إبل الرجل ألفا فقئوا عين الفحل لتدفع العين عنها، فهو المفقّأ يافتى، وإذا زادت على الألف فقئوا العين الأخرى، فهو المعمّى. وفى ذلك يقول قائلهم «١» : فقأت لها عين الفحيل «٢» تعيّفا ومن نذورهم: إذا بلغت إبلى كذا ذبحت كذا وكذا شاة، ثمّ يقولون الظباء شاء، فيذبحون مكان الشاة ظبية مما يصيدون، ويسمّونها العتيرة، وحقّ ذلك أن يكون فى رجب، فذلك قول الحارث بن حلّزة: «عننا باطلا ... » البيت. باب [فى الاحالة بالذنب على غير المذنب] نذكره من باب إحالتهم بالذّنب على غير المذنب. فمن ذلك «٣» أنهم كانوا إذا امتنعت البقر من ورود الماء ضربوا الثور حتى يرد وترد بوروده، ففى ذلك يقول أنس بن مدرك الخثعمىّ «٤» : إنّى وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لمّا عافت البقر

стр. 86

وقال عوف بن عطيّة بن الخرع: «١» تمنّت طيّىء جهلا وجبنا ... وقد خاليتهم فأبوا خلائى «٢» هجونى أن هجرت جبال سلمى ... كضرب الثّور للبقر الظماء ويدخل فى هذا الباب قصة صحر «٣» التى يضرب بها المثل، وهى صحر بنت لقمان بن عاد، وكان لقمان تزوّج عدّة نساء كلّهن قد خانته فى نفسه، فقتلهنّ، فلما قتل أخراهن ونزل من الجبل كانت صحر ابنته أوّل من لقيه، فقتلها، وقال: وأنت أيضا امرأة، فضرب بها المثل، قال خفاف بن ندبة «٤» : وعبّاس يدبّ لى المنايا ... وما أذنبت إلّا ذنب صحر وقال عروة بن أذينة «٥» : أتجعل تهياما بليلى إذا نأت ... وهجرا لها ظلما كما ظلمت صحر قد ذكرنا من هذا الباب صدرا نخاف على قارئه الملال إن أطلناه، ونحذر من ضجر يلحقه إن أسهبنا فيه، ويكفى من القلادة ما أحاط بالعنق. ونعود إلى الأخبار، والأشعار يشبه بعضها بعضا، وبالله التوفيق. باب [فى] الحلم والأناة يروى أن معاوية بن أبى سفيان كان أكثر الناس حلما، وأوسعهم عفوا، وأشدّهم إغضاء عمّن نابذه، وأحسنهم احتمالا لمن عازّه وعانده.

стр. 87

فمن ذلك أن رجلا أغلظ له فى الكلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتحلم عن هذا وقد قال ما قال؟ قال معاوية: ما كنت لأحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. ويروى «١» أن أبا الجهم الأموىّ «٢» قال: لقد بتّ ليلة بأسرها قلقا أفكّر فى حلم معاوية فيذهب عنى وسنى، قال: وغدوت عليه وأنا مجمع لقاءه بما أرجو أن يطيّشه، فدخلت عليه، وقد كان عنده رجل أغضبه بأشياء لقيه بها، فقلت فى نفسى: ظفرت به، فسلّمت عليه، فردّ علىّ جوابا ضعيفا، فقلت: يابن هند، أبلغ بك الأمر إلى أن أسلّم عليك فتردّ علىّ مثل هذا الردّ! والله لقد رأيت أمّك وهى شابة ناهد، وأنا إذ ذاك أطلب الفجور، فعرضت علىّ نفسها فأبيتها، فقال: يا أبا الجهم، أما إنك لو نكحتها لنكحت حصانا كريمة، ولكنت أهلا لها. قال أبو الجهم: فوقعت على رجليه أقبلهما، وأقول: نقلّبه لنخبر حالتيه ... فيكشف عنهما كرما ولينا نميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا فقام معاوية فدخل إلى حجرة له فدعا بأبى الجهم فقال له: يا أبا الجهم، إيّاك وإغضاب الملوك، فإن لهم غضبا كغضب الصبيان، وبطشا كبطش الأسد. يا غلام، أعطه ثلاثين ألف درهم، وليحملها معه ثلاثة من العبيد، فخرج من بين يديه ومعه تلك الصّلة.

стр. 88

ويروى أنه كان يقول: إذا لم يكن الملك حليما استفزّه الشىء اليسير الذى يندم عليه، وإذا لم يكن شجاعا لم يخفه عدوّه، وإذا كان شحيحا لم يكن له خاصة ولا مناصح، وإذا لم يكن صدوقا لم يطمع فى رأيه. وحدثنى العتبىّ قال: قيل لمعاوية: ما النّبل؟ قال: مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء، فقيل له: ما المروءة؟ قال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة. ويروى أنه لما ورد عليه خبر علىّ بن أبى طالب، صلوات الله عليه صعد المنبر فقال: الحمد لله الذى أدالنا من عدوّنا، وردّ إلينا من زماننا، فقام اليه رجل من أهل الشام، فقال: ما ذاك من كرامتك على الله يا معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اسكت يا جاهل، فو الله لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام، فتمثّل معاوية: إنى أرى الحلم محمودا مغبّته ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما ونظر يوما إلى يزيد ابنه يضرب غلاما له، فقال: يا يزيد، أتضرب من لا يمتنع منك! والله لقد حالت القدرة بينى وبين أولى التّرات. ويروى من ناحية زبير قال: حدّثنى مبارك الطبرى قال: سمعت أبا عبيد الله «١» يقول: سمعت المنصور يقول للمهدىّ: يا أبا عبد الله، الخليفة لا يصلحه إلّا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلّا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلّا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا «٢» من ظلم من هو دونه، وأنشد: وأحلام «٣» عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطق العوراء غرب لسان «٤» إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان

стр. 89

وقال عمر بن عبد العزيز: ثلاث من كنّ فيه فقد كمل: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ، وإذا رضى لم يدخله رضاه فى الباطل، وإذا قدر عفا وكفّ. ويروى أن وفودا دخلت عليه، فتحفّز فتى منهم للكلام، فقال عمر: كبّروا، أى ليتكلّم أكبركم، فقال الفتى: إن قريشا ليرى فيها من هو أسنّ منك. فأطرق عمر ثم قال: تكلم يافتى. وقال الشعبىّ: ما رأيت رجلا أفهم إذا حدّث، ولا أنصت إذا حدّث، ولا أحلم إذا خولف من عبد الملك. وقال المدائنىّ: شتم رجل المهلّب بن أبى صفرة فلم يردد عليه، فقيل له: لم حلمت عنه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت أن أبهته «١» بما ليس فيه. وشتم رجل فقال الرّجل لشاتمه «٢» : يا هذا، ما ستر الله عليك من عورتى أكثر، وأنشد «٣» : لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام أو يشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام وكان يقال: العقوبة ألأم حالات ذوى القدرة. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو أحبّ إلىّ من أن أندم على العقوبة. وقال أمير المؤمنين ﵇: أوّل ما عوّض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره. وأنشد الشعبىّ: ليست «٤» الأحلام فى حال الرّضا ... إنما الأحلام فى حال الغضب

стр. 90

وقال الأخطل «١» فى بنى أميّة: صمّ عن الجهل عن قول الخنا خرس ... وإن ألمّت بهم مكروهة صبروا شمس «٢» العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا وقال حاتم الطائى «٣» : تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ... فلن تستطيع الحلم حتى تحلّما إذا شئت نازيت امرأ السّوء ما نزا «٤» ... إليك ولا طمت اللئيم الملطّما وقال محمد بن زياد الحارثى: تخالهم للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر «٥» ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر لهم ذلّ إنصاف وأنس تواضع ... بهم ولهم ذلّت رقاب المعاشر كأنّ بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلّا اتقاء المعاير وقال رسول الله ﷺ «٦» : «إياكم ومشارّة الناس، فإن المعاير تدفن الغرّة وتظهر العرّة «٧» » . وأنشد:

стр. 91

وإنى «١» ليثنينى عن الجهل والخنا ... وعن شتم ذى القربى خلائق أربع حياء وإيمان ودين وأنّنى ... حليم ومثلى لا يضرّ وينفع وقال رجل «٢» من بنى حنيفة يرثى أخاه: لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تكرّم وقليل عاب به كنّا نصول على الأعادى ... وننقض مرّة «٣» القوم الغضاب صموت فى المجالس غير عىّ ... جدير حين ينطق بالصواب كثير الحلم لا طبع عيّى ... ولا فحّاشة نزق السّباب «٤» قوله: «صموت فى المجالس غير عىّ» ، نظير قول ابن كناسة «٥» فى إبراهيم بن أدهم الغنوىّ: رأيتك لا يغنيك ما دونه الغنى ... وقد كان يغنى دون ذاك ابن أدهما

стр. 92

يشيع الغنى إن ناله وكأنّما ... يلاقى به البأساء عيسى بن مريما أخاف الهوى حتى تجنّبه الهوى ... كما اجتنب الجانى الدم الطالب الدما وأكثر ما تلقاه فى القوم صامتا ... وإن قال بدّ القائلين فأفحما وقال آخر «١» : إنى ليمنعنى من ظلم ذى رحم ... لبّ أصيل وحلم غير ذى وصم إن لآن لنت وإن دبّت عقاربه ... ملأت كفّيه من عفو ومن كرم ويروى أن الأحنف كان حليما وقورا عالما فقيها، وكانت الملوك ترجع إلى رأيه وتعمل بقوله، وذكروا أن ختنا «٢» له أراد أن يستفز حلمه فقال: ملأتنا ابنتك البارحة من دمائها، فقال: نعم إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهنّ، فقال: إنى حملت على نفسى البارحة فى جماعها، فقال: ما زوّجناك إلّا لذلك. وكان يقول «٣» : ما نازعنى أحد إلا أخذت عليه بإحدى ثلاث: إن كان فوقى عرفت له قدره، وإن كان دونى رفعت نفسى عنه، وإن كان مثلى تفضّلت عليه. ويروى «٤» أن معاوية قال له: يا أحنف، أأنت صاحبنا يوم صفّين، والمخذول «٥» عن أمير المؤمنين؟ فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التى أبغضناك بها يومئذ لفى صدورنا، وإنّ سيوفنا التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن دنوت إلينا شبرا من خير لندنونّ إليك ذراعا من عذر «٦» ، ولئن شئت ليصفونّ لك ودّنا بفضل حلمك عنّا. قال: قد شئت. وروى زبير عن رجاله قال: دخلت «٧» على معاوية موجدة على يزيد، فأرق

стр. 93

لذلك ليلته، فلمّا أصبح بعث إلى الأحنف فقال له: كيف رضاك عن ولدك؟ - أو ما تقول فى الولد؟ - قال الأحنف: فقلت فى نفسى: ما سألنى أمير المؤمنين عن هذا إلا لموجدة دخلته على يزيد، فحضرنى كلام لو كنت روّأت «١» فيه سنة كنت قد أجدت، فقلت: يا أمير المؤمنين: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول ونصل إلى كلّ حيلة، فإن سألوك فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمحضوك ودّهم، ويلطفوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا لا تعطيهم إلّا نزرا فيملّوا حياتك ويكرهوا قربك. فقال: لله درّ الأحنف! لقد دخلت علىّ وإنّى لمن أشدّ الناس موجدة على يزيد، فلقد سللت سخيمة «٢» قلبى، يا غلام، اذهب إلى يزيد فقل له: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: قد أمرنا لك بمائتى ألف درهم ومائتى ثوب، فأرسل من يقبض مالك، فأتاه الرسول فأعلمه، فقال: من كان عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف، [فقال] : لا جرم! لأقاسمنّه الجائزة، فوجّه برسول يأتيه بالمال ورسول يأتيه بالأحنف. فقال: يا أبا بحر: كيف كان رضا أمير المؤمنين؟ فأخبره، فقاسمه الجائزة، وأمر له بمائة ألف ومائة ثوب. وحدّثنى الرياشىّ قال: دخل عقيل بن أبى طالب على معاوية- وكان من أحضر الناس جوابا- فقال له معاوية: يا عقيل «٣» ، ما حال عمّك أبى لهب؟ وأين مكانه من النار؟ فقال: إذا أنت دخلتها فخذ على يسارك، فستجده مفترشا عمّتك حمّالة الحطب، فأطرق معاوية.

стр. 94

ويروى أنه قال [له] يوما: أيّما خير لك: أنا أم علىّ؟ فقال: ذاك خير لدينى، وأنت خير لدنياى. وكان يسبغ جائزته إذا وفد عليه. وحدّثنى الزيادىّ قال: لما بنى معاوية الخضيراء دخل إليها ومعه عمرو بن العاص، فأخذ يفتح بابا بابا، ويقول: هذا اتخذناه لكذا، وهذا بنيناه لكذا، فرأى فى بعض الأبنية غلاما يفجر بجارية من جواريه، فقال: وهذا اتخذناه ليفجر فيه غلماننا بجوارينا، وحلم عن الغلام والجارية ولم يعاقبهما. ويروى أن كسرى أنو شروان لما قتل بزرجمهر بعث إلى ابنته، فلما بعث إليها غطّت رأسها، فقالت: هيبتى لك فى وفاته، كهيبتى لك فى حياته، وكذا كنت أفعل، فقال: اخطبوها لى، فقالت: انظروا إلى ملك يقتل وزيرا لا يجد له عوضا، ويصيّر بينه وبين فراشه موتورة «١» بأبيها! فدعا بجوهر فحشا [به] فاها. ويروى أنّ رجلا قال للرشيد: إنى أريد أن أعظك وأغلظ لك فى القول، فقال الرشيد: يا هذا ليس ذاك لك، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شرّ منى، فأمره أن يقول له قولا لينا. باب الشكر للصنائع يروى من غير وجه سمعنا أن علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه قال: لا يزهّدنّك فى المعروف من لا يشكرك عليه، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منك بشىء، وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع منه الكافر. وكان من دعائه: الحمد لله أحمده معترفا بالتقصير فى شكره، وأستغفره طامعا فى عفوه، وأتوكّل عليه فاقة إلى كفايته. وكان يقول: لا تكونّن كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويطلب

стр. 95

المزيد، يأمر الناس بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويكره المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها فى حياته. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليحمد العبد إذا قال الحمد لله» ، فلذلك قال «١» محمود الورّاق فى هذا المعنى: إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... علىّ له فى مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيّام واتّصل العمر إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر وما منهما إلّا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر فهذا معنى لطيف، يعنى أن الله لا يحمد إلّا بتوفيق يجب أن يحمد على توفيقه، ثم وجب فى الحمد الثانى ما وجب فى الحمد الأوّل، ثم إلى ما لا نهاية له. ويروى فى الخبر أن داود ﵇ قال: إلهى كيف لى أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلّا بنعمتك! فأوحى الله إليه: أن يا داود، ألست تعلم أن الّذى بك من النعم هو منّى! قال: بلى يا ربّ، قال: فأنى أرضى بذلك منك شكرا. فلو «٢» كان يستغنى عن الشكر ماجد ... لعزّة مجد أو علوّ مكان لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لى أيها الثقلان وكان يقال: كثرة الامتنان من النعم تهدم الصنيعة وتكدّر المعروف. وكان يقال: من كفر النعمة كتمانها من المنعم عليه، ومن تكديرها إظهارها من المنعم. فعلى المنعم أن لا يمتنّ، وعلى المنعم عليه أن لا يكفر، وأنشد «٣» :

стр. 96

زاد معروفك عندى عظما ... أنّه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الله مشكور كبير وقال آخر «١» : لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشىء بالقدر المجلوب مصروف وكان معاوية يقول: من همّ بالمعروف ثم عجز عنه فقد وجب شكره، ويروى عن سليمان التّيمى «٢» أنه قال: إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته، وكلّفهم من الشكر بقدر طاقتهم. وشكر أعرابىّ رجلا أولاه جميلا فقال له: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتابة. وقالت هند بنة المهلّب: اغتنموا شكر النعمة قبل زوالها. وقال محمود الورّاق «٣» : أعارك ماله لتقوم فيه ... بطاعته وتقضى فضل حقّه فلم تشكره نعمته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه تجاهره بها عودا وبدءا ... وتستخفى بها من شرّ خلقه

стр. 97

وقال بعض الظرفاء «١» : وزهّدنى فى كلّ خير فعلته ... إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر إذا أنت لم تنظر لنفسك حظّها ... أحاطت بك الأشياء من حيث لا تدرى وكان الناس يحبّون أن يحمدوا على ما أولوا، وأن يظهروا الشكر لهم على ما قدّموا، وأن يكون ذلك فى غير وجوههم. ويروى أن أعرابيّا دخل على هشام بن عبد الملك فأثنى عليه، فقال: إنا لا نحب أن نمدح فى وجوهنا، قال: لست أمدحك، ولكنى أحمد الله فيك، وأنشد: شكرى كفعلك «٢» فانظر فى عواقبه ... تعرف بفضلك ما عندى من الشّكر وقال آخر «٣» : فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمّله الناظر لمثّلته لك حتى تراه ... فتعلم أنّى امرؤ شاكر وقال آخر: كنت أثنى على معاوية الأو ... سىّ قبل العطاء خير الثناء فأرانى بعد البلاء تناهي ... ت وخير الثناء بعد البلاء ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «قال لى جبرائيل ﵇: من أسديت إليه معروفا فكافأ فذاك، ومن عجز عن ذلك فأثنى فقد كافأ» . وأنشد: ثمن الصنيعة شكر صاحبها ... والشكر شىء ما له ثمن

стр. 98

وقال آخر «١» : ولا يشترى الحمد أمنيّة ... ولا يشترى الحمد بالمقصر ولكنّه يشترى غاليا ... فمن يعط أثمانه يشتر ومن يعتطفه على مئزر ... فنعم الرداء على مئزر ويروى أن عبد الله «٢» بن العباس- وكان من الأجواد- أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصبّت فى حجره فتخرّق ثوبه، فبكى، فقال له: أعلى قميصك تبكى؟ فقال: لا والله ولكن على ما يأكل التراب منك، فقال: شكرك أحسن من صنيعتنا، يا غلام أعطه مثلها. ويروى عن «٣» بعض الحكماء أنه قال: من شكر استحقّ الإحسان، ومن أحسن استحقّ الشكر. ولقد أحسن أبو نواس حيث يقول فى كلمة له «٤» : أنت امرؤ طوّقتنى مننا ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا وقال آخر «٥» : سأشكر عمرا ما تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت

стр. 99

رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت إذا استقبلت منه المودّة أقبلت ... وإن غمزت منه القناة اكفهرّت وقال آخر «١» : شكرتك إنّ الشكر منّى سجيّة ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضى ونبّهت من ذكرى وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض وقال آخر: جلّت أياديك عن الذكر ... فحار فى معقولها شكرى ما تنقضى منك يد ثيّب ... حتى تثنّى بيد بكر فالشكر فى عرفك مستهلك ... كقطرة فى لجّة البحر لم يعف معروفك عندى ولا ... يعفو إلى المبعث والحشر وشكر أعرابى رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره. وشكر آخر رجلا فقال: الحمد لله على توفيقه إيّاك فى إعطائى، وعلى توفيقه إيّاى فى مسألة مثلك، أعاشك الله صالحا. وقال بعض الحكماء: الشكر بالغ ما بلغ أدقّ من الصنيعة كائنة ما كانت، لأن الشكر فرع من فروع الصنيعة، ولها وعنها كان، ولولا الصنيعة لم يكن شكر. قد أردنا أن نصل كتابنا بما شرطناه على أنفسنا من ذكر ما ينتفع به من يأخذه عنّا، وينشره من ينسبه إلينا، وقد أتينا منه بعض ما أردنا وقصدنا، وكرهنا الإطالة، وخفنا على قارئه السآمة، وأشفقنا أن يبلغ به حدّ المجاوزة، فإن الإكثار سرف «٢» ، كما أن التقصير عجز. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من أطال الحديث عرّض أصحابه للسآمة وسوء الاستماع.

стр. 100

ونحن خاتمو كتابنا هذا بباب يشتمل على فنون من الآداب، ويتضمّن بعض ما نستحسنه من الأخبار والأشعار التى يشاكل بعضها بعضا، ونضيف إلى ذلك من العظات الموجزة، والأمثال السائرة، والأشعار الموزونة. وبالله الحول والقوّة. باب يشتمل على فصول فصل فى الحسد حدّثنى التوّزىّ قال: قال معاوية بن أبى سفيان «١» : كل إنسان أقدر أن أرضيه إلّا حاسد نعمة فإنّه لا يرضيه إلّا زوالها. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت «٢» ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، غمّ دائم، ونفس متتابع. وكان يقال: الحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى مصيبة شمت. وكان يقال: من علامات الحسود أن يتملّق الرجل إذا حضر، ويغتابه إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت. وكان «٣» يقال: ستّة لا تخطئهم الكآبة: فقير حديث عهد بغنى، ومكثر يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطالب مرتبة فوق قدره، وخليط أهل أدب غير أديب. وقال بعض الحكماء لبنيه: إيّاكم والحسد فإنه يبيّن فيكم ما لا يبيّن على عدوّكم. وقال معاوية: ليس فى خلال الشرّ خلّة أعدل من الحسد فإنه يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقال ابن المقفّع: الحسد خلق دنىء، ومن دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب حسدوا «٤» النعمة لمّا ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم وإذا ما الله أسدى نعمة ... لم يضره قول حسّاد النّعم

стр. 101

ومن الدعاء: اللهمّ إنى أعوذ بك من الكمد، ومن الانطواء على الحسد، ومن صاحب لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ومن صديق يمدح فى المحيّا ويغمز فى القفا، ومن جار مؤذ، وولد عاقّ، وأمة خائنة، وعبد آبق، وعاقر غيرى. وكان يقال: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الحرّ حريصا، ولا الكريم حسودا، ولا الشّره غنيّا، ولا الملول ذا إخوان. فصل فى كتمان السِّرِّ أنشدنى بعض أصحابنا: «١» إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها ... فسرّك عند الناس أفشى وأضيع وقال آخر: ليس سرّى يجاوز الدهر قلبى ... كل سرّ يجاوز القلب فاش وحدّثنى الرياشىّ قال: يروى أن «٢» عثمان بن عنبسة بن أبى سفيان أسرّ إليه معاوية سرّا، فأتى أباه عنبسة فقال: إن معاوية أسرّ إلىّ سرّا، فأحدّثك به؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأنّ الرجل إذا كتم سرّه كان الأمر إليه، وإذا أذاعه فالأمر عليه، ولا تجعلنّ نفسك مملوكا بعد أن كنت حرّا، قال: أفيدخل هذا بين الأب وابنه؟ قال: لا يا بنىّ، ولكن أكره أن تذلّل لسانك بإفشاء السرّ، قال فأتى معاوية فذكر ذلك له، فقال: أعتقك أخى من رقّ الخطأ، وأنشد: دسّت إلىّ رسولا لا تكن عجلا ... واحذر هديت وأمر الحازم الحذر إنى رأيت رجالا من ذوى رحم ... هم العدوّ بظهر الغيب قد نذروا إن يقتلوك كفاك القتل قادره ... والله جارك ممّا يزمع النّفر فالسرّ يكتمه الخلّان بينهما ... وكلّ سرّ عدا الخلّين منتشر

стр. 102

وقال قيس بن الخطيم: فإن ضيّع الإخوان سرّى فإنّنى ... كتوم لأسرار الصديق «١» أمين يكون له عندى إذا ما اتّهمته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين وقال بعض المحدثين «٢» : لعمرك ما استودعت سرّى وسرّها ... سوانا حذارا أن تضيع السرائر ولا لاحظتها مقلتاى بلحظة ... فتفهم نجوانا العيون النواظر ولكن جعلت الوهم بينى وبينها ... كلاما فأدّى ما تجنّ الضمائر وقال آخر: ولا «٣» تخبر بسرّك بل أمته ... وصيّر فى حشاك له حجابا فما استودعت مثل النفس سرّا ... ولا أغلقت مثل الصّدر بابا وقال العبّاس بن الأحنف «٤» : أيا من سرورى به شقوة ... ومن صفو عيشى به أكدر أظنّك جرّبتنى بالصدو ... د عمدا لتعلم هل أصبر أمنّى تخاف انتشار الحديث ... وحظّى فى ستره أوفر ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسى كما تنظر

стр. 103

فصل آخر فى تفضيل الكبير حدّثنى الرّياشىّ أن بنى عبد الملك بن مروان كانوا إذا انصرفوا من دار أبيهم مضوا مع أكبرهم حتى يشيّعوه، فإذا فارقوه مضى الباقون مع أسنّهم حتى يرجع آخرهم وحده. ويروى عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «حقّ كبير الإخوة على إخوته كحقّ الوالد على ولده» . ويروى فى الحديث أن يعقوب لمّا دخل على يوسف تقدّم يوسف أباه فى المشية، فأوحى الله: يا يوسف تقدّمت أباك فى المشية، جعلت عقوبتك ألّا يخرج من نسلك نبىّ. ويروى أن غلاما يقال له ذرّ «١» احتضر فحضر أبوه «٢» فقال وهو بين يديه يجود بنفسه: ذرّ، لئن متّ لما فى موتك علينا غضاضة، ولئن عشت لما بنا إلى غير الله حاجة. فلما مات وقف على قبره ثم قال: اللهمّ إنّى قد غفرت لذرّ ما قصّر فيه من واجب حقّى، فاغفر له ما قصّر فيه من واجب حقّك، فلمّا انصرف من قبره سئل كيف كانت عشرته معك؟ فقال: ما مشى معى فى ليل قط إلّا كان أمامى، ولا فى نهار إلّا كان ورائى، ولا ارتقى سقفا كنت تحته. ويروى أن رسول الله ﷺ قال للحسن والحسين: «هما سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. ويروى أنه قيل لعلىّ بن الحسين «٣» : إنك أبرّ الناس وأتقاهم، فما بالك لا تأكل مع والدتك فى صحفة واحدة؟ فقال: أكره أن تقع عينها على لقمة فأحاول أخذها وأنا لا أعلم فأكون قد عققتها. ويروى أن

стр. 104

عليّا كان أبرّ الناس وأتقاهم، وكان إذا سافر كتم نسبه، وستر وجهه، فقيل له فى ذلك فقال: أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطى مثله. وكان يقول: ما أكلت بنسبتى من رسول الله درهما قط. وحدّثنى الرياشىّ قال: قال سعيد بن المسيّب: كنت «١» وأنا صغير ألعب مع علىّ بن الحسين ﵇ «٢» بالمداحى، فكان إذا غلبنى ركبنى وإذا غلبته يقول: أتركب ابن رسول الله ﵇. والمداحى أصلها من الدّحو «٣» ، وهو المرّ السهل، وهى المواضع التى تنتضل بها العرب بينهم، لأنهم يرمون بالواحدة فتقع موضعا ثم تمرّ مرّا سهلا حتى تدخل فى الحفرة. وحدثنى أصحابنا جميعا عن الأصمعىّ قال قلت لابن أقيصر «٤» : ما خير الخيل؟ قال: الذى إذا استدبرته حبا «٥» ، وإن

стр. 105

استقبلته أقعى، وإن استعرضته استوى، وإذا عدا دحا، وإذا مشى ردى «١» ، قلت «٢» : وما الرّديان؟ قال: مشى الحمار بين آريّه ومتمعّكه «٣» . وقالت الأنصار: فقدنا صدقة السرّ مذ مات علىّ بن الحسين صلوات الله عليه. وحدّثنى مسعود بن بشر قال: قال طاوس: رأيت علىّ بن الحسين ساجدا فى المسجد بمكة، فقلت: رجل من آل النبىّ ﵇، أمضى فأصلّى خلفه، فمضيت فدنوت منه، فسمعته يقول: «عبدك بفنائك، فقيرك بفنائك، مسكينك بفنائك» . فتعلّمتهنّ فما دعوت بها فى كرب قطّ إلّا فرّج عنّى. وحدّثنى التوّزىّ عمّن حدّثه قال: قال علىّ بن الحسين: لقد ابيضّت عينا يعقوب من أقلّ ممّا نالنى، وذلك أنه فقد واحدا من اثنى عشر، وأنا رأيت ثلاثة عشر من لحمتى قتلوا بين يدىّ. وروى عن جابر بن سليمان الأنصارى عن عمه عثمان بن صفوان الأنصارى قال: خرجنا فى جنازة علىّ بن الحسين رحمة الله عليهما، فتبعتنا ناقته تخطّ الأرض بزمامها، فلمّا صلّينا عليه ودفنّاه أقبلت تحنّ وتتردّد وتريد قبره، فأوسعنا لها، فجاءت حتى بركت عليه وجعلت تفحص بكر كرتها «٤» وتحنّ، فو الله ما بقى أحد إلا بكى وانتحب، وقال: وبلغنا أنه حجّ عليها ثمانى عشرة حجة أو تسع عشرة حجة لم يقرعها بعصا.

стр. 106

وكان يقال لعلىّ بن الحسين: ذو الخيرتين «١» ، لأنّ أمّه كانت ابنة يزدجرد، وتأويل ذلك أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن لله من خلقه خيرتين: من العرب قريش، ومن العجم فارس» . وكان الأصمعىّ يحدّث أن ابنة يزدجرد جاءت علىّ بن أبى طالب فى مائة وصيفة، فقال علىّ: أكرموها فإنها حديثة عهد بنعمة فقال لها: تزوّجى بالحسين ابنى، فقالت: بل أتزوّجك أنت، فقال لها: الحسين شابّ، وهو أحق بالتزويج منّى، قالت: مثلى لا يملكه من يملك. وزعم عمر ابن الخطاب أنه ليس أحد أذكى من أولاد السرارىّ، لأن لهم عزّ العرب وتدبير العجم. ويقال لولد السّرّية الهجين، وهو الّذى أمّه أمة وأبوه عربىّ شريف. وأنشدنى الرياشىّ «٢» : إن أولاد السّرارى ... كثروا يا ربّ فينا ربّ أدخلنى بلادا ... لا أرى فيها هجينا فصل آخر حدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد متصل قال: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث بباب بشر بن مروان بالكوفة، فدخل عليه داخل فأخبره بمكانهم، وأعلمه أنه لم ير مثلهم بباب ملك قطّ، فأذن للفرزدق ثم لجرير ثم للأخطل، وأمسك عن البعيث، فقال له الرجل: إن البعيث معهم، فقال: إنه ليس كهؤلاء، ثم أذن للبعيث، فلما دخل مثل بين يديه فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تحدّثوا بالباب أنك أذنت لهؤلاء لفضل رأيته لهم علىّ، قال: أو ما تعلم ذاك؟ قال: لا والله ولا الله يعلمه، قال: فأنشدنى، [قال] : أو أخبرك من معايبهم بما تستغنى به عن

стр. 107

الإنشاد، فقال: هات، قال: أما هذا القرد- يعنى الفرزدق- فقد قال «١» فى هجائه ابن المراغه- يعنى جريرا-: فما لك بيت الزّبرقان وظلّه ... ولا لك بيت عند قيس بن عاصم بأىّ رشاء يا جرير وماتح ... تدلّيت فى تلك البحور الخضارم «٢» فجعله تدلّى عليهم، وإنما أتاهم من تحتهم لو كان يعقل. وأما هذا- يعنى ابن «٣» المراغه- فقال فى هجائه هذا القرد يعنى الفرزدق: لقومى أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبّار والنقع ساطع وأوثق عند المرهقات «٤» عشيّة ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع فجعل نساءه قد أردفن وفضحهنّ ووثقن باللحاق. وأما هذا الكافر- يعنى الأخطل «٥» - فقال فى وقعة نجا «٦» منها أسيرا، وأقرّ على نفسه وقومه بالذّلّ: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل «٧»

стр. 108

فوصله يومئذ وحرمهم. فخلف جرير أنه لم يقل: «وأوثق عند المردفات» ، وإنما قال: «عند المرهقات» «١» . والشىء يذكر بالشىء، أنشدنى مسعود بن بشر «٢» لأحمد أخى أشجع السلمىّ يمدح نصر بن شبث: لله سيف فى يدى نصر ... فى متنه ماء الردى يجرى أوقع نصر بالسواجير ما ... لم يوقع الجحّاف بالبشر أبكى بنى بكر على تغلب ... وتغلبا أبكى على بكر «٣» وقيل لبشر بن مروان: أيّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثا، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريرا سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعى يقول: قال أبو عمرو ابن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبى عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريرا والله لشاعر، قال لها: أتقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حلوه وشاركك فى مرّه. وسئل ابن دأب «٤» عن جرير والفرزدق فقال: الفرزدق أشعر عامّة

стр. 109

وجرير أشعر خاصّة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. قال يونس: ما شهدت مشهدا قطّ ذكرا فاتفق أهل ذلك المجلس على أحدهما. وحدّث أبو عبد الله «١» محمد بن سلّام الجمحى قال: رأيت أعرابيّا من بنى أسيّد أعجبنى ظرفه وروايته، فقلت: أيهما أشعر عندك؟ فقال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومدح وهجاء ونسيب، وفى كلها غلب جرير، فالفخر قوله «٢» : إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا والمدح قوله «٣» : ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح والهجاء قوله «٤» : فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا والنسيب قوله «٥» : إنّ العيون التى فى طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وقال أبو عبد الله: والنسيب عندى قوله «٦» : ولما التقى الحيّان ألقيت العصا ... ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله

стр. 110

فقلت للأسيدىّ «١» : والله لقد أوجعكم (يعنى فى الهجاء) ، فقال: يا أحمق أو ذاك يمنعه من أن يكون شاعرا! ويروى أن الفرزدق كان حسن التديّن محمود السيرة، وأنه كان إذا ضحك فاستغرب فى الضّحك التفت كأنه يخاطب ملكيه، فقال: أما والله لأسمعنّكما خيرا: لا إله إلا الله والحمد لله وأستغفر الله. ويروى «٢» أنه اجتمع هو والحسن البصرى فى جنازة فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، أتدرى ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع فى هذه الجنازة خير الناس وشرّ الناس، فقال الحسن: كلّا لست بخيرهم ولست بشرّهم، ولكن ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين «٣» سنة، فقال الحسن: خذها والله من غير فقيه، ثم أنشأ الفرزدق يقول «٤» : أخاف وراء القبر إن لم يعافنى ... أشدّ من القبر التهابا وأضيقا إذا قادنى نحو القيامة قائد ... عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا «٥» يقاد إلى نار الجحيم مسربلا ... سرابيل قطران لباسا ممزّقا إذا شربوا فيها الصديد «٦» رأيتهم ... يذوبون من حرّ الجحيم تحرّقا
следующие страницы →