← Адаб

Адаб · id 10508

الفاضل

المبرد

Полный текст (126 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة الكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه استفتح الحمد لله الذى افتتح بالحمد كتابه، وألهمه عباده، وجعله مستزيدا لهم من فضله، وذريعة إلى ما قرّب منه وأزلف عنده. وصلّى الله على محمد نبيّه وخاتم رسله، وصفوته من خلقه، وخيرته من عباده، صلاة تزلفه لديه، وتحظيه عنده؛ وسلّم تسليما. إن الله خلق خلقه لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عمّا حرّمه، ووعدهم رحمته، وحذّرهم عقابه، فكان أحسنهم طاعة له، وأشدّهم تقرّبا منه، وأبعدهم ممّا حرّمه ونهى عنه العلماء، وذو [و] العقل والفضل من خلقه، فإنّه يروى أنّ رسول الله ﷺ [قال] : إن الله يعاقب العاقل بما لا يعاقب به الجاهل. ففضّل الله جلّ اسمه ذكر العالم فى زمانه على سائر نظرائه من خلقه، وجعله قدوة لأهل عصره، وذكرا لمن يبقى بعده. من ذلك ما يروى أنّ الأحنف بن قيس رأى الناس بالبصرة يقصدون الحسن البصرىّ فى أمورهم، ويسألونه عن أحوال دينهم، فقال: كادت العلماء أن يكونوا «١» اربابا، وكلّ عزّ لم يوطّد بعلم فإلى ذلّ يصير. ويروى من غير وجه: سمعنا أن زيد بن ثابت أتى عبد الله بن عباس فتلقّاه عبد الله، وأخذ بركاب بغلته حتى نزل عنها، فلامه زيد على ما فعله، فقال: كذا أمرنا

стр. 2

رسول الله صلّى الله عليه أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: ادن منّى، فدنا منه، فقبّل يده ثم قال: كذا أمرنا رسول الله صلّى الله عليه أن نفعل بأهل بيته. وإنما سلك زيد فى ذلك ما يروى أن رسول الله صلى الله عليه قال: «لا يحلّ لأحد أن يقبّل يد أحد إلّا يد عالم أو يد رجل من أهل بيتى» . ويروى أنّه قال: إذا كان يوم القيامة قيل للعابد قم فادخل الجنّة، ويقال للعالم: قم فاشفع» . وقال ﵇: فضل العلم خير من فضل العمل. وقال الله جل ثناؤه: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . فجعل- عزّ اسمه- العالمين بحدوده هم الخائفين من عقابه، وأولياءه وأهل طاعته. ثم أفضل العلم ما عمل به، وانتفع بثمرته، فإنه يقال: إن أبعدهم من الله عالم لا ينتفع بعلمه. وقال بعض الحكماء: فلان أحوج إلى كذا من علم إلى عمل، ومن قول إلى فعل، ومن قدرة إلى عفو، وعلى ذلك قول الشاعر: لا خير فى القول إلّا الفعل يتبعه ... والفعل للقول ما أتبعته أدم «١» وقال سلمان: إنّك لن تكون عالما حتى تكون به متعلّما، ولن تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا. ولكنّ الله- جل ذكره- لم يؤت عباده من العلم إلا قليلا، فمن لم يكن نصيبه فى ذلك القليل كالمحتوى على أكثره، ولم يكن أغلب الخصال عليه عقله، وأشرف ما يعتقده عليه تقواه لم يعدّ فاضلا. وقال أمير المؤمنين ﵇: قيمة كل امرىء ما يحسن.

стр. 3

وللعالم سقطات، وللمّتقى هفوات. وكان ابن عمر «١» يقول: إذا ترك العالم قول «لا أدرى» أصيبت مقاتله. وقال علىّ رحمة الله عليه: يا بردها على الكبد من عالم يقول: «لا أدرى» ! وأحسن ما روى فى جبلّة الإنسان الّتى جبل عليها كلام يروى عن علىّ رحمة الله عليه، يشبّه بكلام الأنبياء ﵈، يصدّق ذلك ما روى عنه أنه مسح يده على بطنه، وقال: كنيف «٢» ملىء علما، أما والله لو طرحت لى وسادة لقضيت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم. وكان رسول الله صلى الله عليه يقول: أنا مدينة العلم وعلىّ بابها. وكان كلامه فى فطرة الإنسان كلام من قد عرف ذلك من نفسه، أو يقرؤه من كفّه: وأعجب ما فى الإنسان قلبه، وله موادّ من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء «٣» أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب استبدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسى «٤» التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغرّة «٥» ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عارضته فاقة فضحه الجزع، وإن جهده الجوع

стр. 4

قعد به الضعف، وإن أفرط فى الشّبع كظّته البطنة. فكلّ تقصير به مضرّ، وكل إفراط له مفسد. وأفضل ما قصد له من العلوم كتاب الله- جلّ ذكره- والمعرفة بما حلّ فيه من حلاله وحرامه وأحكامه، وإعراب لفظه وتفسير غريبه. ويروى أن المأمون أمر معلّم الواثق بالله- وقد سأله عمّا يعلّمه إياه-[أن يعلّمه «١» ] كتاب «٢» الله جلّ اسمه، وأن يقرئه عهد أردشير، ويحفّظه كتاب كليلة ودمنة. وأفضل العلوم بعد علم اللّغة وإعراب الكلام، فإن بذلك يقرأ القرآن، وعليه تروى الأخبار والأشعار، وبه يزيّن المرء كتابه، ويحلّى لفظه، قال الله : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وقال الشاعر «٣» : النحو يطلق من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن فإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن وقال ﷺ : أعربوا فى كلامكم تعربوا فى كتاب الله. وقال «٤» عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: تعلّموا العربية تحرزوا المروءة. ولحن رجل بين يدى سليمان بن عبد الملك بعد أن فاوضه فوجده عاقلا، فقال سليمان: زيادة عقل على منطق هجنة،. وزيادة منطق على عقل خدعة. وأحسن الأشياء ما شاكل بعضه بعضا. وكان الصدر الأوّل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه يعربون طبعا، حتى خالطهم العجم ففسدت ألسنتهم، وتغيّرت لغاتهم.

стр. 5

ويروى أن عمر بن عبد العزيز رأى قوما من الفرس ينظرون فى النحو فقال: لئن أصلحتموه لأنتم أوّل من أفسده. ويروى أن رجلا قال لبعض العلماء: أسألك عن شىء من الغريب، فقال: هو كلام القوم «١» ، وإنّما أنت وأمثالك فيه غرباء. وذكر أن السبب الذى بنى له أبواب النحو وعليه أصّلت أصوله أن ابنة «٢» أبى الأسود الدئلّى قالت: يا أبت ما أشدّ الحرّ! قال: الحصباء بالرّمضاء. قالت: إنما تعجبت من شدّته، قال: أو قد لحن الناس؟ فأخبر بذلك عليّا- رحمة الله عليه- فأعطاه أصولا بنى منها، وعمل بعده عليها، فأخذه عن أبى الأسود عنبسة بن معدان المهرىّ «٣» الذى يقال له عنبسة الفيل. وأبو الأسود أوّل من نقط المصاحف. ثم أخذ النحو عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون عبد الله بن أبى إسحق الحضرمىّ الذى يقول فيه الفرزدق «٤» : فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا ثم أخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عن عيسى الخليل بن أحمد الفرهودىّ «٥» ، ثم أخذه عن الخليل سيبويه- واسمه عمرو بن عثمان الحارثى- ثم أخذه عن سيبويه الأخفش، وهو سعيد بن مسعدة المجاشعىّ.

стр. 6

وأفضل ما فى الإنسان المعبّر عن ... شأنه المبيّن لمعرفته لسانه، وقال الشاعر «١» : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه فى التكلّم وقال الآخر «٢» : «٣» وما المرء إلّا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصوّر فإن طرّة راقتك يوما فربما ... أمرّ مذاق العود والعود أخضر وقال عمرو بن العاص: لسان المرء قطعة من عقله، وظنّه قطعة من علمه. وقيل: ما الإنسان لولا اللّسان إلّا بهيمة مهملة، أو صورة ممثّلة. وقال علىّ رحمة الله عليه: المرء مخبوء تحت لسانه. وقال النمر بن تولب «٤» : أعذنى ربّ من حصر وعىّ ... ومن نفس أعالجها علاجا وقال آخر «٥» : وما بى من عىّ ولا أنطق الخنا ... إذا جمع الأقوام فى الخطب محفل

стр. 7

وقال أحيحة «١» بن الجلاح: والصمت أحسن بالفتى ... ما لم يكن عىّ يشينه والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لبّ يعينه وبعد معرفة النحو علم الدين، والفقه والتفقّه فيه، ومعرفة الحلال والحرام منه. وقيل للحسين: ما المروءة؟ قال: الدّين المتوسّط. وقال له رجل: علّمنى دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا، ولا ساقطا هبوطا. فقال: نعم، خير الأمور أوساطها. وأنشد أبو عبيدة «٢» : لا تذهبنّ فى الأمور فرطا ... وكن من الناس جميعا وسطا وعلى قدر دين الرجل حسن منقلبه، وعلى حسب سريرته منزلته من ربّه. وإنما يبين عن الناس أعمالهم، ويلحقهم بالصّلّاح والطّلّاح آثارهم- واعتمدنا تأليف هذا الكتاب، والحثّ على طلب الأدب والترغيب فيه، والحضّ على الإكثار منه، فإنّ المستكثر من شىء، «٣» إن لم يدرك آخره ولم يأت على غابره استكثر من الصواب، واستقل من الخطأ، وتزيّن به عند الناس، واستتر به من لؤم الأصل، وإنّما الإنسان بنفسه وابن خبره. وقالت عائشة: كلّ لؤم دونه شرف فالشرف أولى به، وكل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به.

стр. 8

وقال الشاعر «١» : كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النّسب «٢» وكان بعض العلماء إذا سأل عن رجل قال: أعصامىّ هو أم عظامىّ؟ أى [أ] هو ممن يفخر بآبائه وسلفه وبمن قد مضى من أهله، وهو خال ممّا كانوا فيه، أم هو بنفسه؟ كما قال الشاعر «٣» : نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما وجعلته ملكا هماما وسنذكر فى كتابنا هذا أبوابا من كلام العرب وبعض ما روى عنها، ونثرا من أخبارها، ونفصل ذلك بأشعار وأخبار من قديم وحديث وما بينهما، ونقدّم العذر فى تقصير إن وقع فيه أو خلل إن لزمه، فإنا ألفناه من غير خلوة به ولا تمييز لما تضمّنه، ونسأل الله توفيقه وحسن معونته، ونتوكّل عليه ونسترشده، وبه الحول والقوّة.

стр. 9

[باب فى فضل الشعر] بسم الله الرّحمن الرّحيم حدّثنى أبو الفضل العباس بن الفرج الرّياشى قال: روى لنا أشياخنا أنّ رسول الله ﷺ كان يستحسن الشعر ويستنشده من أهله، ويثيب عليه قائله. ثم يروى أن شاعرا أنشده مدحا فى الله ومدحا فيه، فأثابه على مدحه لله ولم يثبه على مدحه له. وكان يتمثّل بقول طرفة «١» : «ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار» لأن الشعر لم يجر قط على لسانه. وقال يوما لأبى بكر رحمة الله عليه: كيف قال العباس بن مرداس «٢» : «أتجعل نهبى ونهب العبيد بين الأقرع وعينية» ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله (صلّى الله عليه) : «بين عيينة والأقرع» . قال: أليس هما سواء! وكان يستحسن «٣» : ألا كلّ شى ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل وكان يقول: «إن من الشعر لحكمة، وإنّ من البيان لسحرا. وكان حسان بن ثابت شاعره. ويروى أنّه أنشده فى كلمة له «٤» يقول فيها:

стр. 10

لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر فأعجب بذلك، ﷺ ، وأثاب حسانا ودعا له. ويروى أنه قيل لحسّان بعد موت رسول الله ﵇ «١» : ما بالك لا ترثى رسول الله ﵇؟ قال: لأنى أستقلّ كلّ شىء يجيئنى فيه. وروى أبو عبيدة قال: كان ابن عبّاس يقول: إذا أشكل عليكم الشىء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب. وكان يسأل «٢» عن القرآن فينشد الشعر. وسئل عن الزّنيم، فقال: هو الدّعىّ الملصق «٣» ، ألم تسمع إلى قول الشاعر «٤» : زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد فى عرض الأديم الأكارع وسئل عن قوله : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ . قال: وما جمع، ألم تسمع إلى قول الراجز: إنّ لنا قلائصا حقائقا «٥» ... مستوسقات لو يجدن سائقا وكان يفسر قوله: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ . قال: بالأرض، ألم تسمع إلى قول أميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ «٦» : فذاك جزاء ما عملوا قديما ... وكلّ بعد ذلكم يدوم وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم

стр. 11

وتحدّث عمر بن شبّة قال «١» : بينما ابن عباس فى المسجد الحرام وعنده ناس من الخوارج وابن الأزرق يسائلونه إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة فقال: أنشدنا، فأنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر حتى جاء على آخرها. فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: تالله «٢» يابن عباس، إنا نضرب إليك أكباد الإبل عن أقاصى البلاد لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل علينا، ويأتيك مترف من مترفى قريش فينشدك: رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيخزى وأمّا بالعشىّ فيخسر فقال ابن عبّاس: ليس هكذا. قال: فكيف قال؟: فأنشده: رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر فقال: ما أراك إلّا وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة كلّها كما [أنشدك] أنشدتك، قال: نعم، فانّى أشاء، فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على عمر فقال: أنشد، فأنشده: «٣» تشطّ غدا دار جيراننا فقال ابن عباس: وللّدار بعد غد أبعد فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون- إن شاء الله- فاضطرب ابن أبى ربيعة وخجل، فقال له ابن عباس: إنما عنيت أنّك أنت قلته، قال: يا عمّ، فكيف علمت؟ فقال: لا يكون بعد هذا إلّا ذا.

стр. 12

ويروى أنّ أعرابيّا سأله عن قول الشاعر «١» : لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما من الّذى قاله؟ ومن عنى به؟ قال: عمرو بن حممة الدوسىّ، قضى على العرب ثلاثمائة سنة وهو ابن سبعين، فألزموه السادس من ولد ولده حيث كبر، فجعل بينه وبينهم أمارة إذا اختلط أن يقرع له العصا ليرتدع. فذلك قول المتلمّس: لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ويروى أنّ رسول الله صلّى الله عليه سمع كعب بن مالك بن أبى كعب الأنصارىّ ينشد «٢» : ألا هل أتى غسّان عنّا ودوننا ... من الأرض خرق غوله متتعتع «٣» مجالدنا عن جذمنا «٤» كلّ فخمة ... مدرّبة «٥» فيها القوانس تلمع فقال صلى الله عليه: لا تقل عن «جذمنا» وقل «عن ديننا» . فكان كعب يقرأ كذلك ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعان رسول الله صلى الله عليه أحدا فى شعره غيرى. وحدثنى الرياشىّ فى إسناد قال: لما دخل رسول الله صلّى الله عليه المدينة اجتمعت عليه الأنصار، وجعلوا يخبرونه عن أمورهم، قال: وأنشده حسّان «٦» : وقد أروح أمام الحىّ منتطقا ... بصارم مثل لون الملح قطّاع

стр. 13

يدفع عنى ذباب السيف سابغة ... موارة مثل مور النّهى بالقاع فى فتية كسيوف الهند أوجههم ... لا ينكلون إذا ما ثوّب الداعى قال: ورسول الله صلّى الله عليه يتبسّم، فظنّ أن تبسّمه لما يسمع من وصفه مع ما هو عليه من جبنه. وذكر الزبير أن قومه كانوا يدفعون أن يكون جبانا، ولكنه أقعده عن الحرب أنّ أكحله قد قطع، فذهب منه العمل فى الحرب، وأنشد الزبير قول حسّان «١» : أضرّ بجسمى مرّ الدّهور ... وخان قراع يدى الأكحل وقد كنت أشهد وقع الحروب ... ويحمرّ فى كفّى المنصل ورثنا من المجد أكرومة ... يورّثها الآخر الأوّل وحدّثت عن الأصمعى قال: الدليل على أن حسّانا لم يكن جبانا من الأصل أنه كان يهاجى خلقا فلم يعيّره أحد منهم. وكان أبو بكر الصديق رحمة الله عليه- فيما يروى- شاعرا، وعمر شاعرا، وعلىّ أشعر الثلاثة. وينشد لعلىّ ﵇ «٢» : فلو كنّا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كلّ حىّ ولكنّا إذا متنا بعثنا ... فنسأل بعد ذا عن كل شىّ وكانت عائشة رحمها الله تفسر قول رسول الله صلّى الله عليه: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه (من الورى) خير له من أن يمتلىء شعرا. قالت: يعنى الهجاء منه.

стр. 14

وسمع أبو بكر يوما قول لبيد «١» : أخا لى أمّا كل شىء سألته ... فيعطى وأمّا كلّ ذنب فيغفر فقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه. وحدّثنى الريّاشىّ قال: أنشد منشد أبا بكر قول زهير فى هرم بن سنان: أن نعم معترك الجياع إذا ... خبّ السفير وسابئ الخمر «٢» ولنعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ فى الذّعر ومرهّق النّيران يحمد فى ال ... لأواء غير ملعّن القدر وجعل أبو بكر ﵀ يقول عند كلّ بيت: ذاك رسول الله، حتى أنشده: والسّتردون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر أى يكون لك سترا دون الفاحشات من دون الخيرات. فقال: هكذا كان والله رسول الله صلى الله عليه. ثم قال: أشعر شعرائكم زهير. باب منه [أخبار وأحاديث] قال «٣» محمد بن على بن الحسين بن على- صلوات الله عليهم: إن الله جلّ وعزّ- أدّب محمدا صلّى الله عليه أحسن الأدب، فقال ﵎: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. فلمّا قبل عن ربّه جلّ وعزّ، وعمل بما أمره به ربّه أثنى عليه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

стр. 15

وقال «١» صلّى الله عليه: أوصانى ربّى بتسع خصال: الإخلاص فى السرّ والعلانية، والعدل فى الرّضا والغضب، والفضل «٢» فى الفقر والغنى، وأن أعفو عمّن ظلمنى، وأعطى من حرمنى، وأصل من قطعنى، وأن يكون نطقى ذكرا، وصمتى فكرا، ونظرى عبرا،،. وقال أنس بن مالك: لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه المدينة جاءت بى أمّى إليه فقالت: يا رسول الله، هذا ابنى جئتك به ليخدمك، فخدمته عشر سنين ما سمعته قال أفّ قطّ، ولا قال فى شىء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال فى شىء لم أفعله: لم لم تفعله؟ فلما كانت السنة الّتى توفّى فيها رسول الله صلى الله عليه جاءته أمّى، فقالت: يا رسول الله خادمك أنس تدعو الله له، فقال: اللهمّ أطل عمره، وكثّر ولده وماله، واغفر له. فقال أنس: قد دفنت من ولدى مائة إلّا اثنين، أو مائة واثنين، وغلّتى تأتينى فى السّنة مرتين. وبلغ سنّه مائة سنة وسنين بعد ذلك لم يعدّه، وخلّف من الولد عددا كالقبيلة الوافرة. قال أنس: وإنى لأرجو الله فى الدعوة الرابعة. ولم يسأل صلى الله عليه الله شيئا فمنعه. ويروى أنه نظر إلى عصابة قادمة من الأعراب ولم يكن عنده فى ذلك الوقت شىء يقسمه بينهم، فتناوله بعضهم بما كرهه، فجاءوه فقالوا: يا رسول الله الله اقتصص منا، فقال ﵇: لا أفعل. وقال صلّى الله عليه لوافد وفد عليه، فسأله عن شىء فكذبه: أسألك فتكذبنى! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشردت بك من وافد القوم.

стр. 16

وقدم عليه علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه بأسراء، فأمر بقتلهم إلّا واحدا منهم، فقال علىّ: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، فما بال هذا من بينهم؟ فقال: إن جبرئيل أمرنى عن الله ﵎ بترك هذا لسخاء فيه شكره الله له. ولما دخل المدينة قال لبنى سلمة «١» : من سيّدكم؟ قالوا: جدّ بن قيس، على بخل فيه. فقال ﵇: وأى داء أدوى من البخل؟ لا يسود البخيل، بل سيّدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح،، ويقال: بشر بن البراء «٢» . وجاء فى الحديث أن رجلا سأله ﵇ أىّ الأعمال أفضل؟ قال: «حسن الخلق» . وسئلت عائشة رحمة الله عليها عن خلق رسول الله صلى الله عليه فقالت: أو ما تقرءون القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه مع أصحابه فصنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، وسبقتنى، فقلت لجاريتى: اذهبى فأكفئ قصعتها، فلحقتها وقد أهوت أن تضعها بين يدى رسول الله صلّى الله عليه فكفأتها، فانكسرت القصعة، وانتشر الطعام، فجمعها رسول الله صلّى الله عليه وما فيها من الطعام على نطع فأكلوا، ثم بعثت قصعتى إلى حفصة فقلت: خذوا هذه ظرفا مكان ظرفكم فكلوا ما فيها. قالت: فما رأيت ذلك فى وجه رسول الله صلّى الله عليه. وجاءه رجل فقال: يا رسول الله أوصنى، فقال: عليك بتقوى الله واليأس عما فى أيديهم، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإذا صليت فصلّ صلاة مودّع

стр. 17

وإياك وما يعتذر فيه «١» ،،. فقال: زدنى، قال: «حسن الخلق وصلة الرّحم يزيدان فى العمر» . وروى عنه أنه قال: «من أقال نادما ببيع أقال الله عثرته، ومن سعى فى حاجة أخيه كان الله معه» . وقال ﵇: «إن من الصدقة- أو قال: من المعروف- لفضل لسانك تعبّر به عن أخيك» . وقال ﵇: «لعن الله المثلّث» . قيل: وما المثلّث؟ قال: «الذى يسعى بجاره «٢» إلى سلطانه، فقد أهلك نفسه وجاره وسلطانه» . وروى محمد بن علىّ بن الحسين ﵈ قال: [قال] رسول الله ﵇: «اهتبلوا عثرات الكرام» . يقول: اغتنموا أن يعثروا فتصفحوا عنهم. وقال ﵇: «لا يزال المرء فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» . وروى عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: من أخذه الله بمعصيته فى الدنيا فالله أكرم من أن يعيدها عليه فى الآخرة، ومن عفا عنه فى الدنيا فالله أكرم من أن يأخذه بها فى الآخرة. فيقال إن هذا أحسن حديث روى فى الإسلام. وروى أنه لما همّ رسول الله صلّى الله عليه بتزويج فاطمة عليّا رحمهما الله أمر بجمع المهاجرين والأنصار، ثم قال لعلىّ ﵇: «تكلّم خطيبا لنفسك» . فقال: الحمد لله حمدا يبلغه ويرتضيه، وصلّى الله على نبيه صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله تعالى به، واجتماعنا مما قدّره الله وأذن فيه، وهذا محمد بن عبد الله رسول الله صلّى الله عليه زوّجنى ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا.

стр. 18

ويروى أن أبا طالب خطب «١» لتزويج رسول الله صلّى الله عليه خديجة بنة خويلد رحمها الله فقال: الحمد لله الذى جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرّية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس فى محلّنا الذى نحن فيه، ثم إن ابن أخى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلّا رجح به، ولا يقاس به شىء إلا عظم عنده، وإنه وإن كان فى المال قلّ فإن المال بعد رزق جار، وله فى خديجة رغبة، ولها فيه تلك، والصداق ما سألتموه عاجله وآجله فمن مالى، وله والله خطر «٢» عظيم، ونبأ شائع جسيم. باب نوادر من غريب ولغة حدّثنى المازنىّ قال حدّثنى الأصمعىّ قال سمعت أعرابيّا يقول: جاءت فقيم تفايش بقبائلها «٣» ، أى تفاخر، كما قال جرير «٤» : ولا تفخروا إن الفياش بكم مزر وحدّثنى الأصمعىّ قال: سيف قساسىّ: منسوب إلى معدن، وأنشدنى لرجل يصف معولا: أخضر من معدن ذى قساس «٥» ... كأنه فى الحيد ذى الأضراس «٦» يرمى به فى البلد الدهاس «٧»

стр. 19

وأنشدنى أبو عثمان «١» : لو عرضت لأيبلىّ «٢» قسّ ... أشعث فى هيكله مندسّ حنّ إليها كحنين الطسّ جاء به على الأصل، وذلك أن أصله الطسّ، وإنّما التاء بدل من السين، كما قالوا: ستّة، وأصله سدسة، وجمع السدس أسداس مبنىّ عن أصله، والسدس مبنىّ عن ستّة، والطّست يجمع على طساس، ويصغّر على طسيسة. وأنشدنى أبو عثمان المازنى «٣» : وما البتوت «٤» غير صوف بحت ... مصبوغة ألوانها بالزّفت فضمّ الزاى، كقولهم: الضعف والضعف، والفقر والفقر. ويقال: قلوت الإبل إذا سقتها سوقا شديدا، ودلوتها إذا هوّنت عليها السير، وأنشدنى عن أبى زيد «٥» : لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا وأخبرنى الرياشىّ عن الأصمعىّ، يقال: حبض السهم إذا قصّر عن الهدف ثم سقط، وأنشد: والنّبل تهوى خطأ أو «٦» حبضا

стр. 20

وقال أبو زيد: حبض السهم إذا خرج عن الوتر فوقع بين يدى الرامى، والناقر: السهم الذى يصيب الهدف ثم يسقط، والعاصد: المائل عن الهدف، والحابض: الذى يقع قدّام الرامى، والقاصر: الذى يقصر عن الهدف، والزالج: الذى يصيب الأرض ثم يرتفع فيصيب الهدف، والمعظعظ «١» : الذى يمرّ ملتويا غير مستقيم، وأنشدنى التّوزىّ لعنترة: وعظعظ ما أعدّ من السهام ويقال: فوّق له بسهم، وأفوق له بسهم إذا وضعه فى الوتر. قال المازنىّ: قال أبو زيد: أصابه سهم غرب وسهم غرب، والغرب: الذى يأتيك من حيث لا تدرى، فأمّا سهم غرب فإذا رمى غيره فأصابه، والغرب: الذى يرمى غيره فأصابه هو. يقال: خبرت الطعام إذا خلطته بدسم، وسمرته إذا أعريته من ذاك. قال رجل من الأعراب لأمرأته: عليك بهذا الطعام فاخبريه ولا تسمريه. والخبرة: الدسم، والسمار: اللبن الرقيق، يقول: اجعلى فيه دسما ولا تجعلى فيه سمارا. والخبرة أيضا: النصيب من الجزور «٢» وأنشد: إذا ما جعلت العنز «٣» للقوم خبرة ... فشأنك إنّى عامد لشؤونى اى إذا ما فرغت «٤» من طعام الضيف فافعلى ما شئت. ويقال: الجاثى على ركبتيه، والجاذى على ركبتيه ورجليه قائما، وأنشد: لقد طالما جرّبتنى فوجدتنى ... على مركب «٥» السّوء المذلة جاذيا

стр. 21

وحدّثنى المازنىّ عن أبى زيد قال: تقول العرب- وقد جرّب ذلك فوجد-: الضبّ لا يزيد على الإجذاع، والظبى لا يزيد على الإثناء. وتقول العرب: لا آتيك سنّ الحسل جذعانا، وسنّ الظبى ثنيانا. وقال: من كلامهم: «أحيا من ضبّ» «١» . وذكروا أنه يعيش ثلاثمائة سنة. ويقال: الضّبّ أطول الدوابّ ذماء إذا ذبح وأبقاه، يعنون أنه لا يموت سريعا. والذّماء: النفس. ويقال: «أعقّ من ضبّ» «٢» ، وزعموا أنه كان يأكل أولاده. ويقال: هذا بحر لا يغطغط، ولا ينكش «٣» ، ولا ينكف، ولا يفتح ولا يدرك غوره. والغرب: كثرة الماء «٤» ، يقال: غرب البحر إذا تدفّق ماؤه. ويقال: غربت معدته ورمضت وذربت إذا فسدت من امتلائها. وكان يقال- وهو الجارى فى كلامهم-: الأسودان: التمر والماء، والأخمران: اللحم والنبيذ. وقالوا أيضا: الأحامرة: اللحم والنبيذ والزّعفران، وقال الأعشى «٥» : إن الأحامرة الثلاثة أذهبت ... مالى وكنت بها قديما مولعا الراح واللحم السمين وأطّلى ... بالزعفران وقد أروح مولّعا ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا

стр. 22

والأبيضان: الشحم واللبن. وقيل: اللبن والماء. والأصرمان: الذئب والغراب. والأهيمان: الجمل الهائج والسيل، وهما الأيهمان أيضا. والأيهم: الرجل الذى لا عقل له ولا فهم، وهو الحجر الأسود الذى لا أثر فيه أيضا. والأيهم: الذى لا علم به. واليهماء: الفلاة الملساء، وهى القرواح. وذهب منه الأطيبان: الطعام والنكاح. ووقع فى الأهيغين، أى فى الأكل والنكاح. والأصفران: الورس والزعفران. والحجران: الذهب والفضة، وهما الحبيبان «١» . والفتيان: الليل والنهار، وهما الملوان، والأجدّان، والجديدان. والعصران: الغداة والعشىّ، وهما القرّتان «٢» والبردان والأبردان. والغاران: الفرج والفم، وكذلك الطرفان. وقال النبى ﷺ : «إنه من حفظ طرفيه فله الجنّة» . وذهب منه الأبيضان: شبابه وشحمه. وجاء فى الحديث: «لا صلاة المدافع الأخبثين» ، وهما البول والغائط. وكان [ت] أمّ الهيثم من أفصح من رأيت، وسمعتها تقول من كلامنا: «لا ترضى الشانئة إلا بجرزة» «٣» . والشانئة: المبغضة، وهى التى لا ترضى ممّن أبغضته إلا باستئصال، ومنه قيل: سيف جراز للذى يقطع كلّ ما يمرّ به. ورجل جروز: إذا قعد على الزاد فأفناه، وأنشدتنى «٤» : كانت عجوزا خبّة جروزا ... تأكل فى مقعدها قفيزا تشرب حبّا وتبول كوزا ... لا تنكحنّ بعدها عجوزا

стр. 23

ومنه الأرض الجروز التى تأكل نبتها فلا تدفع منه شيئا. وسمعتها تقول: جاء فلان يضرب أصدريه وأزدريه وأسدريه، وينفض مذرويه، أى هو فارغ، قال عنترة «١» : أحولى تنفض استك مذرويها ... لتقتلنى فهأنذا عمارا باب من الشعر أنشدنى المازنى لعبد الله بن الدّمينة الخثعمىّ «٢» : ولما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشا توهى القميص عواتقه «٣» قليل قذى العينين نعلم أنّه ... هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها ... علينا وتبريح من الغيظ خانقه فسايرته مقدار ميل وليتنى ... بكرهى له ما دام حيّا أرافقه فلما رأت أن لا وصال وأنّه ... مدى الصّرم مضروب علينا سرادقه رمتنى بطرف لو كميّا رمت به ... لبلّ نجيعا نحره وبنائقه ولمع» بعينيها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه «٥»

стр. 24

وقال توبة بن الحميّر فى كلمة له «١» : لكلّ لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان حولا كلّ يوم أزورها وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابنى منها الغداة سفورها وقد رابنى منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتى وبسورها ألا إنّ ليلى قد أجدّ بكورها ... وزمّت غداة السبت «٢» للبين عيرها فما أمّ سوداء المحاجر مطفل ... بأحسن منها مقلتين تديرها «٣» وكنت إذا ما جئت قلت لها اسلمى ... فهل ترفى قولى «اسلمى» ما يضيرها! قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت، كان النساء إذا أنكحن أبرزن وجوههنّ ليعلمن أن لا سبيل إليهنّ، وكذلك قال: وقد رابنى منها الغداة سفورها وقال فى هذه القصيدة: وأشرف بالقور اليفاع لعلّنى ... أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها حمامة بطن الواديين ترنّمى ... سقاك من الغرّ العذاب مطيرها أبينى لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت فى خضراء دان «٤» بريرها [وقال آخر «٥» ] : تعرّضن مرمى الصيد ثم رميننى ... من النّبل لا بالطّائشات الخوالف

стр. 25

ضعائف يقتلن الرّجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف! وللعين ملهّى فى التّلاد ولم يقد ... هوى النفس شىء كاقتياد الطّرائف وقال آخر «١» : أروح ولم أحدث ليلى زيارة ... لبئس إذا راعى المودّة والوصل تراب لأهلى لا ولا نعمة لهم ... لشدّ إذا ما قد تعبّدنى أهلى وقال الشّمردل اليربوعىّ «٢» : وما أنصفت ذلفاء أمّا دنوّها ... فهجر وأما نأيها فيشوق تباعد ممّن واصلت وكأنّها ... لآخر ممّن لا تودّ صديق يقول: لتنفى الريبة عن نفسها. وقال آخر «٣» : وأعرض حتى يحسب الناس أنّما ... بى الهجر، لا ها الله! ما بى لك الهجر ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فقدت يوما أحبّتها صبر وقال آخر «٤» : فإن كان هذا منك حقّا فإنّنى ... أداوى الذى بينى وبينك بالهجر ومنصرف عنك انصراف ابن حرّة ... طوى ودّه والطىّ أبقى من النّشر

стр. 26

وقال أعرابىّ فصيح «١» : أيا ربوة الرّبعين حيّيت ربوة ... على النّأى منّا واستهلّ بك الرعد قضيت الغوانى غير أن مودّة ... لذلفاء ما قضّيت آخرها بعد فإن تدعى نجدا أدعه ومن به ... وإن تسكنى نجدا فيا حبّذا نجد فرى نائبات الدّهر بينى وبينها ... وصرف الليالى مثلما فرى البرد إذا قيل يوم الوعد أدنى لقائنا «٢» ... فلا تعذلينى أن أقول متى الوعد؟ ولكثيّر «٣» : وأنت التى حبّبت شغبا إلى بدا «٤» ... إلىّ وأوطانى بلاد سواهما حللت بهذا مرّة ثم مرّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما وأنشدنى الرّياشى لذى الرمّة «٥» : إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين الصدور ولا ذحل تبسّمن عن نور الأقاحىّ فى الثرى ... وفتّرن عن أبصار مكحولة «٦» نجل وشفّفن «٧» عن أجياد غزلان رملة ... هجان فكان القتل أو شبه القتل وإنّا لنرضى حين نشكو بخلوة ... إليهنّ حاجات النفوس بلا بذل وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلنا ... ولكن جرت أخلاقهنّ على البخل وأنشدنى الرياشىّ لذى الرّمة «٨» : لعمرى لوجه الأرض إذا أنتم به ... أشدّ اغتباطا بالأنيس وأخصب

стр. 27

من الأرض إذ فارقتموها وبدّلت ... بكم غير من أهوى وللماء أعذب وفى الركب جثمانى ونفسى رهينة ... بزينب لم أذهب بها حيث أذهب وأنشدنى مسعود بن بشر لمعروف بن زريق: ولست بناسيها عشيّة فتّلت ... أناملها وارفضّ منها المدامع وأترابها اللّاتى يقلن اقتتلنه ... فما لنواه بعد ذا اليوم جامع فقلت اقتلا قتلا رفيقا وأجملا ... فعال «١» امرئ يوما به الموت واقع فقالت وبيت الله لا تقتلانه ... ولكن سلاه لى متى هو راجع وقال الصّمة بن عبد الله «٢» القشيرىّ: ألا من لقلب قد أصيبت مقاتله ... به غلّة عادية «٣» ما تزايله ومعتصب بالبين لم تستطع له ... كلاما ولم تصرم لبين حبائله وقال آخر: لو انّ لك الدنيا وما عدلت بها ... سواها وليلى بائن عنك بينها لكنت إلى ليلى فقيرا ولو جرت ... عليك تناعيم الحياة ولينها وقال آخر «٤» : لعلّك يوما أن ترى أمّ واهب ... ويجمعنا من نخلتين طريقى وتنضمّ أعناق المطىّ وبيننا ... لغى من حديث دون كل رفيق

стр. 28

وقال كثيّر: رأيت وعينى قرّبتنى لما ترى ... إليها وبعض العاشقين قتول عيونا جلاها الكحل أمّا ضميرها ... فعفّ، وأما طرفها فجهول فسلك العباس بن الأحنف هذا المعنى فى شعره: أتأذنون لصبّ فى زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عفّ اللسان «١» ولكن فاسق النظر وقال كثير «٢» : رمتنى على قرب بثينة بعد ما ... تولّى شبابى وارجحنّ شبابها بعينين لو أبدتهما ثم كلّمت ... سحاب الثريّا لاستهل سحابها وأنشدنى التّوزىّ عن الأصمعىّ «٣» : من ذا رسول ناصح فمبلّغ ... عنّى عليّة غير قيل الكاذب أنى غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحبّ إلى الحبيب الغائب قال الأصمعى: سألت عيسى بن عمر عن التناصف فقال: هو أن تكون العينان مثل الأنف فى الحسن. قال ويقال: غرضت إلى لقائك وجعت وعطشت، وإنى إليك لأصور، وإنى إليك لملتاح، وإنى لأجاد إلى لقائك. وقال: وإنى لأمضى الهمّ عنها تجمّلا ... وقلبى إلى أسماء عطشان جائع

стр. 29

وقال الأقرع بن معاذ: سلام على من لا يملّ حديثه ... وإن عاشرته النفس عصرا إلى عصر وما الشمس يوم الدّجن وافت فأشرقت ... وما البدر وافى تمّه ليلة البدر بأحسن «١» منها بل تزيد ملاحة ... بذى السّرح أو وادى المياه خيامها إذ ابتسمت فى الليل والليل مظلم ... أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها باب نذكره فى الجود والكرم يروى من غير وجه: سمعنا أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب «٢» كان يقال له عبيد الله الجواد. حدثنى على بن القاسم الهاشمىّ قال: كانت سمات أربعة من ولد العباس: عبد الله «٣» الحبر، وعبيد الله الجواد. ومعبد الشهيد، وقثم الشبيه، وتأويل ذلك أن قثم بن العباس كان كثير المشابهة برسول الله صلى الله عليه، وكان العباس يرقّصه ويقول: أيا قثم أيا قثم ... أيا شبيه ذى الكرم شبيه ذى الأنف الأشمّ صلى الله عليه. وحدّثنى المازنى قال: قدم قوم على معاوية بالشام فقال: من أفقه من خلفت «٤» بالمدينة؟: فقال: عبد الله بن العباس. قال: فأسخاهم؟ قال:

стр. 30

عبيد الله. قال: فأعبدهم؟ قال: معبد. ويروى أنه قيل لعبيد الله بن العباس: صف لنا أنفسكم وبنى أمية، قال: نحن «١» أفصح وأسمح وأصبح، وبنو أمية أمكر وأنكر وأغدر. وفى خبر آخر: نحن أمجد وأجود وأنجد. ويروى أن مولى لبنى أمية قال لمولى لبنى هاشم: موالىّ أجود من مواليك، فقال الهاشمى: بل موالىّ والله، فهلّم فسل عشرة من مواليك وأنتم السلطان، وأسأل عشرة من موالىّ، فتحالفا وتعاقدا على ذلك، فانطلق الأموى فسأل عشرة من مواليه، فأعطاه كلّ واحد عشرة آلاف، وانطلق الهاشمى إلى عبيد الله بن العباس فسأله فأعطاه مائة ألف، وأتى الحسن بن علىّ فسأله فقال: سألت أحدا قبلى؟ قال: نعم، عبيد الله بن العباس. فقال: لو بى بدأت لكفيتك أن تسأل غيرى. وأعطاه ثلاثين ومائة ألف. ثم أتى الحسين بن علىّ ﵉. فسأله، فقال: هل سألت أحدا قبلى؟ قال: نعم، أخاك الحسن فأعطانى ثلاثين ومائة ألف، فقال الحسين: لا أتجاوز ما فعل سيّدى، وأعطاه مثلها. قال: فانطلق الهاشمى من ثلاثة بثلاثمائة ألف وستين، وأتى الأموىّ من عشرة بعشرة آلاف، فانصرف مغلوبا فردّها على «٢» من أعطاه فقبلها، ورجع الهاشمى ليردّ ما أخذه على من أعطاه، فكلهم قالوا بعد أن أبوه قبولها: اذهب فألقها حيث شئت. ويروى «٣» أنّ عبيد الله بن العباس خرج يريد معاوية ذات يوم فأصابه سماء، ونظر إلى نويرة عن يمينه، فقال لغلامه: مل بنا إليه، فلما انتهى إذا رجل شيخ، وإذا هيئة رثّة ونعم مهازيل، فقال له الشيخ: انزل فنزل، ودخل الشيخ على

стр. 31

امرأته فقال: هبى لى عنزك حتى أقضى بها ذمام هذا الرجل، فقد توسمت فيه الخير، فإن يكن من مضر فهو من بنى عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بنى آكل المرار. قالت: وقد عرفت حال صبيتىّ هاتين وأن معيشتهما منهما وهما توءمتان، وأنا أتخوّف عليهما الموت، قال: موتهما خير من اللؤم، فقبض على رجل الشاة فاجترّها إلى المذبح، وأخذ الشّفرة بيمينه ثم قال: قرينتى لا توقظى ابنتيه ... إن توقظا تنتحبا عليّه وتنزعا الشّفرة من يديّه ... أبغض «١» بهذا وبذا لديّه ثم شحطها «٢» وكشف «٣» عن جلدها، وقطعها أرباعا فقذفها فى القدر، وصبّ عليها ماء وحفن عليها من الملح، وجعل يحشّ تحتها حتى بلغت إناها، ثم ثرد فى جفنة فعشّاهم، ثم غدّاهم، فأقام عنده يومين وليلتين، ثم أراد الرحيل فقال لغلامه: ارم إلى الشيخ بما أخرجت من النفقة، فقال: سبحان الله! إنما ذبح لك شاة فكافئه بمثلها خمس مرات، وهو بعد لا يعرفك «٤» . فقال: ويحك! إن هذا لم يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجاد بها، وإن يكن لا يعرفنى فأنا أعرف نفسى، ارم بها إليه، فقال: إنها أكثر من ذلك، قال: وإن كثرت. فرمى بها إليه- وكانت خمسمائة دينار- ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حاجته وأكرمه، وأقبل راجعا إلى المدينة حتى قرب من الشيخ، فقال لغلامه، يا مقسم، مل بنا إليه ننظر إليه كيف حاله، فإذا فناء رجل سرىّ، وإذا نار ورماد ودخان عال وإبل كثيرة وغنم، ففرح بذلك، فقال له: أتعرفنى؟ قال: لا والله فمن أنت؟ قال: أنا أبو منزلك ليلة كذا، قال: وإنك لهو! فجعل يقبّل رأسه ثم قال: جعلنى الله فداءك! قد قلت أبياتا فاسمعها منى، فقال:

стр. 32

توسّمته لمّا رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم وإلا فمن آل المرار فإنهم ... ملوك عظام من ملوك «١» أعاظم فقمت إلى عنز بقيّة أعنز ... فأذبحها «٢» فعل امرئ غير نادم فعوّضنى منها غناى ولم تكن ... تساوى قليلا من قليل الدّراهم فقلت لعرسى فى الخلاء وصبيتى ... أحقّا أرى أم تلك أحلام نائم فقالوا جميعا: لا بل الحقّ هذه ... تخبّ به «٣» الركبان وسط المواسم بخمس مئين من دنانير عوّضت ... من العنز ما جادت به كفّ حاتم فضحك عبيد الله وقال: لما أعطيتنا أكثر مما أخذت، يا غلام أعطه مثلها. فبلغت فعلته معاوية فقال: لله درّ عبيد الله! من أىّ بيضة خرج؟ وفى أىّ عش درج؟ هذه لعمرى من فعلاته. ويروى من غير وجه: أن عبد الله بن جعفر- وكان من الأجواد المتقدّمين- خرج يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبّة حمراء بفنائها رجل ينادى: الذّرى «٤» الذّرى! فأنحنا وحطّ عن رواحلنا، ثم أتى بجزور فنحرها، فبتنا فى شواء وقدير، وتحدّث معنا هنيهة من الليل، ثم انصرف وأتى بجزور فنحرها، فقلنا له: يرحمك الله! ما تريد بهذا وقد فضل ما فيه كفاية؟ فقال: كلوا رحمكم الله! فإنا لا نطعم الضيف غابّا. قال عبد الله: فدعوت بثوب وجعلت فيه زعفرانا وصررت فى كل طرف منه مائتى دينار، ثم بعثت به إلى أهله فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، وسألته أن يقبله فأبى، فلما ارتحلنا [و] ودّعته أمرت بالثوب،

стр. 33

فألقى بين البيوت، قال: فإنا لنسير إذ لحقنا على فرس مشرعا رمحه، قد احمرّت «١» عيناه فصاح بنا: أغنوا عنّى هذه، ونبذه إلينا وولّى وهو يقول: وإذا أخذت ثواب ما أعطيته ... فكفى بذاك لنائل تكديرا وهذا يشبه ما حدّثنى به الرّياشىّ من أن سليمان بن عبد الملك لما حجّ ونزل الطائف هاربا من و «٢» مد مكة، قال له رجل من ثقيف: انزل علىّ، فقال: إنك لن تطيقنى، فقال: إنى لأطيقك. فنزل عنده أياما، ثم ارتحل، فأمره بالخروج معه، فقالت له امرأته: اخرج معه إلى مستقرّه، فقال: أعمل معه ماذا؟ أقول له أعطنى ثمن ما أكلته عندى! لا والله لا أفعل أبدا. ويروى أن الحسن والحسين ﵉ لاما عبد الله بن جعفر فى إسهابه فى إعطاء المال- وكانا «٣» من الجود ما لا نهاية له- فقال: بأبى وأمى أنتما! إن الله عوّدنى أن يمدّنى بماله، وعوّدته أن أفضل على خلقه، فأكره أن أقطع العادة فتنقطع عنى المادّة، وهذا يشبه ما يزوى عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: «الخلق عيال الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعياله» . وفى عبد الله بن جعفر يقول القائل: وما كنت إلّا كالأغرّ ابن جعفر ... رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا ويروى «٤» أن نصيبا امتدحه فأعطاه خيلا وإبلا ودنانير ودراهم وثيابا، فقال أحد من حضر: أمثل هذا الأسود يعطى هذا المال؟ فقال: أما إنه لئن كان أسود إنّ شعره لأبيض، وإنّ مدحه لعربىّ، ولقد استحقّ بما قال أكثر مما

стр. 34

نال، وما الذى أعطيناه؟ إنما أعطيناه مالا يفنى، وثيابا تبلى، ومطايا تنضى وأعطانا ثناء يبقى، ومديحا يروى. وهذا يشبه ما يروى «١» عن معاوية أنه قال لرجل من ولد قيس بن معديكرب: ما أعطى أبوك الأعشى حين مدحه؟ فقال: ثيابا وإبلا وأشياء أنسيتها، قال: لكنه أعطاه ما لا ينسى. ويروى أن عبد الله بن الحسن قدم على أمير المؤمنين أبى العباس فسلّم عليه والمال فى ذلك الوقت قليل- فلما انصرف بعث إليه بثلاثين ألف درهم وقال له: أعلمت أن مثلى وهب لمثلك مثلها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قدم عبد الله ابن جعفر على يزيد بن معاوية فسلّم عليه. فلما انصرف وجّه إليه بمائة ألف درهم وقال للرسول: احفظ ما يقول، فرجع إليه فقال [: قال] : اقرأ ﵇. قال يزيد: لم يرض ابن جعفر! اذهب إليه بمثلها، ففعل، فقال: قل له: وصلتك رحم. قال أبو العباس: فاسق وهب لمسرف. وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ قال: كان ابن هبيرة وهو أمير العراق يقسم المال بين أصحابه ويقول: لا «٢» تبخلنّ بدنيا وهى مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف ومثل ذلك قول يحيى بن خالد البرمكىّ لبنيه: يا بنىّ، إذا أقبلت الدنيا عليكم فأعطوا منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنكم فأعطوا منها فإنها لا تبقى. وكان بعضهم يعطى العطايا السابغة ويفرّق التفرقة الواسعة، وينشد: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك «٣»

стр. 35

ونظر الأحنف إلى درهم فى يد رجل يقلّبه، فقال: أما إنه ليس لك حتى يخرج عن يديك. ويروى عن يحيى بن خالد أنه كان يقول: لا يحسن بالملك أن تكون جائزته أقلّ من ألف ألف، وجائزة وزيره أقل من خمسمائة ألف. وكان يعطى ويعتذر كما قال يزيد المهلبىّ: كم صغّروا منهم والله يكلؤهم ... نعماء ما صغّرت إلا لأن عظموا ويروى أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلّبى- وكان من أجود الناس: بلغنى يا محمد أنك تصبّ المال صبّا، قال: يا أمير المؤمنين، حبس الموجود سوء الظنّ بالمعبود. وكان رسول الله صلّى الله عليه يقول: «الله يقول: ابن آدم يقول: مالى مالى، مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» . وقال ﵇: «خصلتان ليس فوقهما من الخير شىء: الإيمان بالله والنفع لعباده» . وقال ﵇: «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤونة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرّض تلك النعمة للزوال» . وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت رجلا لى عنده معروف إلا أضاء ما بينى وبينه، وما رأيت رجلا أسأت إليه إلا أظلم ما بينى وبينه. ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال: استكثروا من شىء لا تأكله النار، قيل: وما هو؟ قال: المعروف. وكان ابن السّماك يقول: العجب ممّن يشترى المماليك بماله ولا يشترى الأحرار بمعروفه. وأنشد منشد عبد الله بن جعفر «١» : إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع

стр. 36

فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها ... لله أو لذوى القرابة أو دع فقال: هذان البيتان يبخّلان الناس، أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا، وإن أصاب اللئام كنت أهلا لما صنعت. وقال معن بن زائدة: ما أتانى رجل فى حاجة فرددته عنها إلا رأيت «١» الغنى فى قفاه. ويروى أن حكيم بن حزام قال: ما أصبحت ذا صباح قطّ فرأيت ببابى طالب حاجة، أو مستعينا بى على أمر قد ضاق به ذرعا إلا كان ذلك من النّعم التى أحمد الله عليها، وإن أصبحت ذا صباح ولم أر ذلك كان من المصائب التى أسأل الله الأجر عليها. وقيل لأبى عبد الله جعفر بن محمد ﵇: لم حرّم الله الربا؟ قال: لئلّا يتمانع الناس المعروف. وقال جعفر لسفيان الثورىّ: احفظ عنى ثلاثا، إذا صنعت معروفا فعجّله فإن تعجيله تهنئته، وإذا فعلته وهو كبير فصغّره فإن تصغيرك إياه أعظم له، وإذا فعلته فاستره فإذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره، وأحسن فى الناس. وحدّثنى مسعود بن بشر قال: كان الحجّاج على عتوّه وإسرافه على نفسه جوادا، وكان إذا ضحك واستغرب أتبع ذلك الاستغفار مرات. وكان يصعد المنبر ملتفعا بمطرفه فما يسمع من كلامه إذا ابتدأ فى الخطبة، ثم يتزيّد حتى يخرج يده عن مطرفه، ثم يصيح الصيحة يسمع بها أقصى من فى المسجد، وكان يطعم على ألف خوان جنبا مشويّا وسمكة طرية وثريدة، وكان له ساقيان أحدهما يسقى العسل والآخر يسقى الماء واللبن. وكان يطاف به فى محفّة يدور على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزّقوا «٢» الخبز فإنه لا يعدّ عليكم، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال وذلك فى كلّ يوم، وكان

стр. 37

يقول: أرى الناس يتخلّفون عن طعامى فى كل يوم! فقال له بعض من حضر: كأنّهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، قال: قد جعلت رسولى إليهم فى كل يوم الشمس إذا طلعت، فليحضروا. وحدّثنى المازنى قال: بلغنى عن دهقان نهر تيرى «١» ، وكان الناس لا يرون نارا ولا دخانا إلا فى مطبخه لقيامه بشأنهم وتفقّده لأحوالهم، فرأى يوما دخانا فاستنكر ذلك، فمضى غلمانه يتحسّسون فإذا امرأة وجدت وجعا فى حلقها واتّخذت حسوا تحسوه، فأخبروه بذلك، فأمر أن يتّخذ فى مطبخه كلّ يوم كرّ «٢» من دقيق حسوا. قال أبو العباس قد ذكرنا من هذا الباب بعض ما استحسنّاه ونمى إلينا، ونحن نذكر بعقبه أشعارا تشاكل هذا الباب وتدخل فى هذا النوع. وبالله الحول والقوّة. باب من الشعر أنشدنى أبو عثمان المازنىّ «٣» : وإنا لمشّاءون بين رحالنا ... إلى الضّيف منّا لاحف ومنيم «٤» فذو الحلم منا جاهل من ورائه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم وقال آخر «٥» يصف ضيفا: عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه «٦» ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم

стр. 38

فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهيبين «١» مطعم يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم وقال أعرابى «٢» : وعاو عوى شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يحاوله فأوقدت نارى فاستضاء بضوئها ... وأخرجت كلبى وهو فى السجن داخله فلما رآها كبّر الله وحده ... وبشّر قلبا كان جمّا بلابله فلما أتاها قلت أهلا ومرحبا ... تقدّم ولم أقعد إليه أسائله فقمت إلى البرك «٣» الهجان أعودها ... بضربة حقّ لازم أنا فاعله فجالت قليلا واتّقتنى بخيرها ... سناما، وأدناها من الشحم كاهله فأطعمته من لحمها وسنامها ... شواء، وخير الخير ما كان عاجله طعامين لا أسطيع بخلا عليهما ... جنى النحل والمغصوب «٤» تغلى مراجله وقال آخر يصف ضيفا «٥» : ومستنبح قال الصّدى مثل قوله ... حضأت «٦» له نارا لها حطب جزل وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومى أن يفوزوا به قبل فأوسعنى حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل وقال أبو كدراء العجلىّ «٧» : يا أم كدراء مهلا لا تلومينى ... إنى كريم وإن اللوم يؤذينى

стр. 39

فإن بخلت فإن البخل مشترك ... وإن أجد أعط عفوا غير ممنون ليست بباكية إبلى إذا فقدت ... صوتى ولا وارثى فى الحىّ يبكينى بنى البناة لنا مجدا ومكرمة ... لا كالبناء من الآجرّ والطين وقال عتبة بن بجير «١» : سأقدح من قدرى نصيبا لجارتى ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلى «٢» إذا أنت لم تشرك صديقك فى الّذى ... يكون قليلا لم تشاركه فى الفضل وعلى ذلك قول الآخر «٣» : ليس جود الأقوام عن فضل مال ... إنما الجود للمقلّ المواسى وكذلك قول العتبىّ «٤» : ليس العطاء من الكثير سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل ومثل قول عتبة «٥» فى شعره ووصفه سعة قدره وإيثاره جاره على أهله قول بعض الأعراب: وقدر إذا «٦» ما أنفض «٧» الناس أو فضت «٨» ... بأزفارها تومى إليها الأرامل الزّفر: الحمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف المحتاجين إليه. وأوفضت أى وسّعت، ويقال أسرعت.

стр. 40

وحدّثنى المازنى عن أبى زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت: إنها لليّاء العنق، ممذاق السّقاء، منهاء القدر. ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء، يقول: إذا قلّ لبنها مذقته بالماء ليتّسع على أضيافها، كما قال الشاعر «١» : نمدّهم بالماء لا لهوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شىء يوسّع ومنهاء القدر، أى تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نهىء اللحم إذا كان نيئا. وقال خالد بن عبد الله الطابى، ويقال لحاتم الطائى «٢» : وعاذلة قامت علىّ تلومنى ... كأنى إذا أعطيت مالى أضميها أعاذل إن الجود ليس بمهلكى ... ولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيّبة فى اللّحد بال رميمها ومن يبتدع خيما سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها وأنشد أبو زيد «٣» فى قصيدة لحاتم أوّلها: ألا أرقت عينى فبتّ أديرها ... ............... ............... وإنا نهين المال من غير ضنّة ... ولا يشتكينا فى السّنين ضريرها إذا «٤» ما بخيل الناس هرّت كلابه ... وشقّ على الضيف الغريب عقورها
следующие страницы →