← Адаб

Адаб · id 10508

الفاضل

المبرد

Полный текст (126 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها ... لله أو لذوى القرابة أو دع فقال: هذان البيتان يبخّلان الناس، أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا، وإن أصاب اللئام كنت أهلا لما صنعت. وقال معن بن زائدة: ما أتانى رجل فى حاجة فرددته عنها إلا رأيت «١» الغنى فى قفاه. ويروى أن حكيم بن حزام قال: ما أصبحت ذا صباح قطّ فرأيت ببابى طالب حاجة، أو مستعينا بى على أمر قد ضاق به ذرعا إلا كان ذلك من النّعم التى أحمد الله عليها، وإن أصبحت ذا صباح ولم أر ذلك كان من المصائب التى أسأل الله الأجر عليها. وقيل لأبى عبد الله جعفر بن محمد ﵇: لم حرّم الله الربا؟ قال: لئلّا يتمانع الناس المعروف. وقال جعفر لسفيان الثورىّ: احفظ عنى ثلاثا، إذا صنعت معروفا فعجّله فإن تعجيله تهنئته، وإذا فعلته وهو كبير فصغّره فإن تصغيرك إياه أعظم له، وإذا فعلته فاستره فإذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره، وأحسن فى الناس. وحدّثنى مسعود بن بشر قال: كان الحجّاج على عتوّه وإسرافه على نفسه جوادا، وكان إذا ضحك واستغرب أتبع ذلك الاستغفار مرات. وكان يصعد المنبر ملتفعا بمطرفه فما يسمع من كلامه إذا ابتدأ فى الخطبة، ثم يتزيّد حتى يخرج يده عن مطرفه، ثم يصيح الصيحة يسمع بها أقصى من فى المسجد، وكان يطعم على ألف خوان جنبا مشويّا وسمكة طرية وثريدة، وكان له ساقيان أحدهما يسقى العسل والآخر يسقى الماء واللبن. وكان يطاف به فى محفّة يدور على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزّقوا «٢» الخبز فإنه لا يعدّ عليكم، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال وذلك فى كلّ يوم، وكان

стр. 37

يقول: أرى الناس يتخلّفون عن طعامى فى كل يوم! فقال له بعض من حضر: كأنّهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، قال: قد جعلت رسولى إليهم فى كل يوم الشمس إذا طلعت، فليحضروا. وحدّثنى المازنى قال: بلغنى عن دهقان نهر تيرى «١» ، وكان الناس لا يرون نارا ولا دخانا إلا فى مطبخه لقيامه بشأنهم وتفقّده لأحوالهم، فرأى يوما دخانا فاستنكر ذلك، فمضى غلمانه يتحسّسون فإذا امرأة وجدت وجعا فى حلقها واتّخذت حسوا تحسوه، فأخبروه بذلك، فأمر أن يتّخذ فى مطبخه كلّ يوم كرّ «٢» من دقيق حسوا. قال أبو العباس قد ذكرنا من هذا الباب بعض ما استحسنّاه ونمى إلينا، ونحن نذكر بعقبه أشعارا تشاكل هذا الباب وتدخل فى هذا النوع. وبالله الحول والقوّة. باب من الشعر أنشدنى أبو عثمان المازنىّ «٣» : وإنا لمشّاءون بين رحالنا ... إلى الضّيف منّا لاحف ومنيم «٤» فذو الحلم منا جاهل من ورائه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم وقال آخر «٥» يصف ضيفا: عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه «٦» ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم

стр. 38

فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهيبين «١» مطعم يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم وقال أعرابى «٢» : وعاو عوى شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يحاوله فأوقدت نارى فاستضاء بضوئها ... وأخرجت كلبى وهو فى السجن داخله فلما رآها كبّر الله وحده ... وبشّر قلبا كان جمّا بلابله فلما أتاها قلت أهلا ومرحبا ... تقدّم ولم أقعد إليه أسائله فقمت إلى البرك «٣» الهجان أعودها ... بضربة حقّ لازم أنا فاعله فجالت قليلا واتّقتنى بخيرها ... سناما، وأدناها من الشحم كاهله فأطعمته من لحمها وسنامها ... شواء، وخير الخير ما كان عاجله طعامين لا أسطيع بخلا عليهما ... جنى النحل والمغصوب «٤» تغلى مراجله وقال آخر يصف ضيفا «٥» : ومستنبح قال الصّدى مثل قوله ... حضأت «٦» له نارا لها حطب جزل وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومى أن يفوزوا به قبل فأوسعنى حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل وقال أبو كدراء العجلىّ «٧» : يا أم كدراء مهلا لا تلومينى ... إنى كريم وإن اللوم يؤذينى

стр. 39

فإن بخلت فإن البخل مشترك ... وإن أجد أعط عفوا غير ممنون ليست بباكية إبلى إذا فقدت ... صوتى ولا وارثى فى الحىّ يبكينى بنى البناة لنا مجدا ومكرمة ... لا كالبناء من الآجرّ والطين وقال عتبة بن بجير «١» : سأقدح من قدرى نصيبا لجارتى ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلى «٢» إذا أنت لم تشرك صديقك فى الّذى ... يكون قليلا لم تشاركه فى الفضل وعلى ذلك قول الآخر «٣» : ليس جود الأقوام عن فضل مال ... إنما الجود للمقلّ المواسى وكذلك قول العتبىّ «٤» : ليس العطاء من الكثير سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل ومثل قول عتبة «٥» فى شعره ووصفه سعة قدره وإيثاره جاره على أهله قول بعض الأعراب: وقدر إذا «٦» ما أنفض «٧» الناس أو فضت «٨» ... بأزفارها تومى إليها الأرامل الزّفر: الحمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف المحتاجين إليه. وأوفضت أى وسّعت، ويقال أسرعت.

стр. 40

وحدّثنى المازنى عن أبى زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت: إنها لليّاء العنق، ممذاق السّقاء، منهاء القدر. ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء، يقول: إذا قلّ لبنها مذقته بالماء ليتّسع على أضيافها، كما قال الشاعر «١» : نمدّهم بالماء لا لهوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شىء يوسّع ومنهاء القدر، أى تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نهىء اللحم إذا كان نيئا. وقال خالد بن عبد الله الطابى، ويقال لحاتم الطائى «٢» : وعاذلة قامت علىّ تلومنى ... كأنى إذا أعطيت مالى أضميها أعاذل إن الجود ليس بمهلكى ... ولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيّبة فى اللّحد بال رميمها ومن يبتدع خيما سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها وأنشد أبو زيد «٣» فى قصيدة لحاتم أوّلها: ألا أرقت عينى فبتّ أديرها ... ............... ............... وإنا نهين المال من غير ضنّة ... ولا يشتكينا فى السّنين ضريرها إذا «٤» ما بخيل الناس هرّت كلابه ... وشقّ على الضيف الغريب عقورها

стр. 41

فإنى جبان الكلب بيتى موطّأ ... جواد إذا ما النفس شحّ ضميرها وإنّ كلابى قد أقرّت وعوّدت ... قليل على من يعتريها هريرها وأبرز قدرى بالفناء قليلها ... يرى غير ممنون به «١» وكثيرها وليس على نارى حجاب يكنّها ... لمقتبس ليلا ولكن أثيرها «٢» فلا وأبيك ما يظلّ ابن جارتى ... يطوف حوالى قدرنا ما يطورها «٣» وما تشتكينى جارتى غير أنّنى ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيرى ويرجع بعلها ... إليها ولم تسدل علىّ ستورها وقال حاتم أيضا «٤» : وإنى لأستحيى حياء يشفّنى ... إذا القوم أمسوا مرملى الزاد جوّعا وإنى لأستحيى أكيلى أن يرى ... مكان يدى من جانب الزاد أقرعا أكفّ يدى من أن تنال أكفّهم ... إذا نحن أهوينا لمطعمنا معا أبيت خميص البطن مضطمر «٥» الحشى ... حياء أخاف اللوم أن أتضلّعا فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا وحكى أبو عبيدة وغيره- والخبر مشهور، فى ألفاظه اختلاف: أن حاتما الطائىّ لما أقام فى عنزة بأن قد فدى أسيرا لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقى هو والنساء، نيط «٦» لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة

стр. 42

فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: «لو «١» غير ذات سوار لطمنى» أى لو لطمنى رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: «هكذا فصدى [أنه] » . وحدّثنى المازنى قال: سمعت العرب تقول: «لو غير ذات سوار لطمنى» . ويقول النحويون: «لطمتنى» . فأخذت «غير» «٢» قول النحويين وتركت قول العرب. وقال مالك بن أسماء «٣» : قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق إنا إذا كثرت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى سبل المعروف تستبق لا يألف الدرهم المنقوش صرّتنا ... إلا لماما قليلا ثم ينطلق حتى يصير إلى نذل يخلّده ... يكاد من صرّه إيّاه يمّزق وقال أعرابى: ما أبالى أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا أنفقها. وحدّثنى ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدنى ابن عائشة: عوّدت نفسى إذا ما الضيف نبّهنى ... عقر العشار على يسرى وإعسارى وأترك الشىء أهواه ويعجبنى ... أخشى عواقب ما فيه من العار

стр. 43

وقال بعض المتقدّمين «١» : تغطّ بأثواب السّخاء فإننى ... أرى كلّ عيب فالسخاء غطاؤه وقارب إذا قاربت حرّا فإنما ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه وأقلل إذا ما قلت قولا فإنه ... إذا قلّ قول المرء قلّ خطاؤه إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه إذا قلّ مال المرء لم يرض عقله ... بنوه ولم يغضب له أقرباؤه وأصبح لا يدرى وإن كان حازما ... أقدّامه خير له أم وراؤه إذا المرء لم يختر صديقا لنفسه ... فناد به فى الناس هذا جزاؤه وقد أفضينا من هذا الباب إلى بعض ما قصدنا له مما يجانس الباب المتقدّم، ونبتدئ بباب من معانى الشعر المستحسنة، وبالله الحول والقوة. باب [من الشعر] أنشد منشد فى صفة درع «٢» : وكلّ ذيّالة قضّاء «٣» تحسبها ... نهيا بقاع علته الريح مشمول تنفى السرى وجياد النّبل تتركها ... من بين معتسف كسرا ومفلول يقول: هذه الدرع سابغة الذيل، شبّهها بغدير أصابته الشمال فاطّرد ماؤه وتجعّد. والنّهى، بالفتح: الغدير. ويقال: نهى بالكسر أيضا. وزعم الأصمعىّ أنه سمّى نهيا لأنه ينهى الماء أن يفيض عنه، «٤» وقال جرير: فما ثغب باتت تصفّقه الصّبا ... بسرّاء نهى أتأقته الروائح

стр. 44

الثّغب، مفتوح ساكن: الماء الصافى، وهو الذى لو وقع فيه دعموص «١» لكدّره. وقوله: أتأقته، أى طردته كذا مرّة، وكذا مرّة، يقال: أتأقت الإناء وأترعته وأدهقته أى ملأته. وفى المثل «٢» «أنا تئق وأنت مئق فكيف نتّفق» - يقول: أنا سريع الغضب ممتلئ منه، وأنت مغيظ، فليس يقع بيننا اتفاق. وقوله: تنفى السّرى، وهو الصغار من النبل، يقال للواحدة سروة وسروة لضيق حلقها، وقوله: وجياد النبل تتركها، أى تحطمها وتجعلها كسرا. معتسف، لأنه على غير قصد قال النمر بن تولب «٣» : وقد رمى بسراه اليوم معتمدا ... فى المنكبين وفى الساقين والرّقبه وأنشد رجل من قريش: ولست بزمّيلة نأنأ ... [خفىّ] «٤» إذا ركب العود عودا ولكنّنى أحمل المؤنسات ... إذا ما الرجال استخفّوا الحديدا قوله: إذا ركب العود عودا، أى إذا ركب السهام على القسىّ. والنأنأ: الضعيف، (مهموز مقصور) . والمؤنسات من السلاح: السيف والرمح والقوس والترس. وقوله: إذا ما الرجال استخفّوا الحديد، أى فى الحرب، يقول: إذا فزع الرجال أو خافوا خفّ ما عليهم من السلاح وإن كان ثقيلا. وأنشدنى التوّزىّ: ورسم دار مقفر الجناب ... يزداد عمرانا من الخراب يصف دارا تزداد عمرانا من الخراب بالموتى الذين يدفنون فيها.

стр. 45

وأنشدنى المازنى: كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهسن المنقبا «١» يصف فرسا يعدو، فإذا عدا ارتفعت قوائمه وبها تحجيل فصارت قرب بطنه، فشبّه تحجيله وتقليبه يديه ورجليه «٢» من شدّة جريه واقترابهما من بطنه إذا رفعهما بكلاب بيض صغار ينتهسنه، فهو ينفر منها، وهو أشدّ لجريه. وأنشد الأصمعى قول الشاعر «٣» ، ولم نر تشبيها فى بيت أحسن من هذا: كأنّ مثار النقع فينا وفيهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه شبه الغبار بالليل، وشبه السيوف فى الغبار بالكواكب المنقضّة فى الليل. وأنشد: يحملن أوعية السّلاف كأنّما ... يحملنها بأكارع النغران «٤» شبّه أغصان العنب وما يتشعّب منها بأكارع النّغران، هى عصافير. وقال آخر: وحيّات نربّيها لتجدى ... علىّ قبورها بعد الممات يعنى دود القزّ. وقال ابن البراء الجعدى- ويقال للنابغة الجعدى «٥» : أرار الله مخّك فى السّلامى ... على من بالحنين تعوّلينا فلست وإن حننت أشدّ شوقا ... ولكنّى أسرّ وتعلنينا ويروى: «أرانى الله مخّك» والرار والرّير: المخّ الرقيق الذائب. وقال الأصمعى: آخر ما يبقى من المخّ والسمن فى الدابّة فى سلاماها وعينها، فدعا عليها بالهزال والهلاك.

стр. 46

وقال الراجز «١» : لا يشتكين عملا ما أنقين ... ما دام مخّ فى السّلامى أو عين قال أبو زيد: السّلامى: الفراسن وعصبها، والنّقى: المخّ. وقوله ما أنقين، أى ما دام مخّ فيهنّ. وقال آخر «٢» : طلب الأبلق العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الأنوق هذا مثل، يقول: طلب ما لا ينال ولا يكون، والأصل أن العقوق الحامل من الخيل. والأبلق الذّكر، والأنوق الرّخم، وإنما يكون فى أصعب المواضع على رءوس الجبال حيث لا يوصل إليه. وهو مثل قول الهذلىّ عديل بن الفرخ العجلى «٣» : بيض الأنوق كسّرهنّ ومن يرد ... بيض الأنوق فإنه بمعاقل والمعاقل: جمع معقل وهو الحرز، قال: وأنشدنى المازنىّ «٤» : ومستأسد يندى كأنّ ذبابه ... أخو الخمر هاجت شوقه فتذكّرا المستأسد: النبات الملتفّ الكثير. يندى، من الندى، وأخو الخمر: الذى يشربها. وهاجت، يعنى الخمر، وشوقه، يعنى الشارب. والمعنى أنه شبه صوت الذباب فى هذا العشب بصوت شارب قد سكرو اشتاق إلى أهله فتغنّى. وقال آخر «٥» : وصاحب معجب فى طول صحبته ... لا ينفع الدهر إلّا وهو محموم تأتيك فى شدّة الحمّى منافعه ... وإن أفاق بدا فى وجهه اللوم

стр. 47

يعنى الفرج، ويكون للفرجين جميعا. قال وأنشدنى التوّزىّ: رواحلنا ستّ ونحن ثلاثة ... نجنّبهنّ الماء فى كلّ منهل يعنى النعال. وقال الكميت «١» : ولما رأيت النّسر عزّ ابن دأية ... وعشّش فى وكريه جاشت له نفسى يقال للغراب ابن دأية، لأنه يقع على الدأية من ظهر البعير الدّبر فينقرها. وإنما يعنى الشيب وغلبته على السواد. وعزّنى فى الخطاب، أى كان أعزّ منّى فى المخاطبة، قالت الخنساء «٢» : كأن لم يكونوا حمى يتّقى ... إذ الناس إذ ذاك من عزّ بزّا أى من غلب سلب. وقوله: وعشّش فى وكريه، يعنى بوكريه عارضيه ولحييه، فوجلت نفسه لذلك. وأنشد الأصمعى: قلن اتّضعت فقالت لا، فقلن لها ... فكيف تقوين يا سلمى على الجمل زعموا أن المؤدّب من الإبل يقال له «ضع ضع» ، فيطأطئ «٣» رأسه ليركب. يقول: وأنت لو لم يفعلن هذا ما قدرت على ركوبه. واتضعت، افتعلت من الوضع. ومثله قول جميل: فلمّا دنت أولى الرّكاب تيّممت ... إلى جؤجؤ جلس فقالت له ضع يقول قصدت إلى نجيب قوىّ شديد فقالت له ذلك، وأنشد: قد قلت للصّباح والمهاجر «٤» ... إنّا وربّ القلص الضوامر

стр. 48

إنا: أى أعيينا، والأين: الإعياء، تقول آن يئين أينا إذا أعيا، وأنشد «١» : لنعم البيت بيت أبى دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا «٢» يقول: إذا خاف بعض القوم بعض البعوض فبيت أبى دثار لا يخاف عليه ذلك فيه. وبيت أبى دثار: الكلّة. وأنشد: يريع «٣» إليه العمّ «٤» حاجة واحد ... فآبوا بحاجات وليس بذى مال يريع: يجتمع. إليه، يعنى الكعبة، يريد أن الناس كلّهم يسألون عند ذلك الموضع المغفرة، فرجعوا وهم يرجون حسن الإجابة، وليس معهم مال حووه. وقال آخر «٥» : ما لك لا ترمى وأنت أنزع ... وهى ثلاث أذرع وإصبع وهى إذا أنبضت فيها تسجع ... ترنّم الثّكلى أبت لا تهجع قوله: أنزع، يريد أنزع من غيرك، وبعضهم يقول: أنزع. يقول: قد كبرت وصارت بك نزعة، قال: وأجود ما تكون القسىّ ثلاث أذرع ونصف وثلاث أذرع. وإنما أخبر عن جبنه فقال: مالك لا ترمى وأنت أنزع فى القوس من غيرك، وقوسك هذا حالها فى الجودة والتمام؟. وأنبضت: جذبت. وتسجع: ترنّم. ويقال: خير القسىّ ما إذا جذبت ترنّمت، وأنشد: تسمع بعد النزع والتوكير «٦» ... فى سيتيها رنّة الطّنبور

стр. 49

قد أتينا من هذا الباب ببعض ما قصدنا له، وفسرنا ما أتينا به تفسيرا يغنى عن تشكل فيه أو مسألة عنه، ونرجع إلى باب أخبار وأشعار يشاكل بعضها بعضا. وبالله الحول والقوّة. باب [أخبار وأشعار] حدّثنى مسعود بن بشر قال: قدم عمرو بن العاص مكة وفتيان قريش يتحدّثون، فلما رأوه رموه «١» بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: كأنكم كنتم فى حديثنا، فقالوا: نعم كنا نفضّل بينك وبين أخيك، فقال: إن له علىّ لأربعا، أمّه ابنة هشام بن المغيرة وأمّى من قد علمتم، وكان أحبّ إلى أبى منّى وقد عرفتم رأى الأب فى ابنه، وأسلم قبلى واستشهد وبقيت. وكان هشام بن المغيرة شريفا مسوّدا «٢» ، وكان الناس يؤرّخون بالأمور العظام تحدث، مثل عام الفيل، وعام الرمادة، وموت هشام بن المغيرة وفيه يقول القائل «٣» : فأصبح بطن مكّة مقشعرّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام وحدّثنى مسعود بن بشر قال: كان عمرو بن العاص جيّد الفطنة كثير الدهاء سريع الجواب بليغ الكلام. ويروى أنه جعل «٤» لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرا عن أمّه- وكان يطعن عليها- فأتاه وهو يومئذ أمير مصر، فقال: أصلح الله الأمير! أردت أن أعرف أمّ الأمير، فقال: نعم، امرأة من عنزة ثم من بنى العنبر ثم من جلّان، اسمها ليلى وتعرف بالنّابغة. اذهب فخذ جعلك.

стр. 50

وحدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد متّصل قال: قال المنذر بن الجارود لعمرو: يا أبا عبد الله، إنك أفضل الناس لولا أنّ أمّك أمّك، فقال: قد خطر هذا ببالى البارحة والله، فأقبلت أقّلبها على أحياء العرب ممن كنت أحبّ أن تكون فيهم فلم يخطر لى عبد القييس ببال- يعنى منذرا. ومما يستحسن من سرعة الجواب وحضوره عند وقته ما يروى أن خالد بن صفوان لقى الفرزدق- وكان دميما- وقد لبس ثيابا سريّة، فقال له: يا أبا فراس مرحبا بهذا الوجه الذى لو رآه صواحب يوسف لم يكبرنه ولم يقطّعن أيديهنّ فقال الفرزدق: وأهلا ومرحبا بوجهك الذى لو رأته صاحبة موسى لم تقل لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. وحدّثت «١» أن شريكا النميرىّ ساير عمر بن هبيرة وهو على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له: اغضض من لجامها، فقال: إنها مكتوبة، فقال: ما أردت ذلك، قال: ولا أنا أيضا أردته. ظنّ شريك أن عمر عنى بقوله: «اغضض من لجامها» قول جرير «٢» : فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا وعنى شريك بقوله: «مكتوبة» قوله «٣» : لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار

стр. 51

أى اشددها. ويروى أن ابن ملجم قال لعلىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه: إنى اشتريت سيفى هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه فقال: قد أجاب الله دعوتك، يا حسن، إذا متّ فاقتله بسيفه. ويروى «١» أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج بن يوسف «بسم الله الرحمن الرحيم- أمّا بعد- فإنّك سالم والسلام» فأشكل على الحجّاج وأرق لذلك ليلته، فقال له ابن هبيرة «٢» : ما يسهر الأمير؟ فقال: كتاب كتبه إلىّ أمير المؤمنين فيه كذا، قال: فإن أعلمتك معناه فمالى عندك؟ قال: ولاية خراسان، فقرأ عليه الكتاب، فقال عمر: أخذه من قول القائل «٣» : يديروننى عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم فولّاه خراسان. ويروى أن [أبا] دلامة الشاعر دخل على المنصور أو المهدىّ وعليه جبّة فاخرة فقال ما هذه الجبّة يا [أبا] دلامة؟ فقال: هذه «٤» لا ألبسها إلا فى كلّ موت خليفة، قال: فأرانى ميّتا ولا أدرى. ويروى أن الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما دخل على معاوية وهو فى علّة غليظة فقال معاوية: ساندونى، ثم تمثّل ببيت أبى ذؤيب «٥» : وتجلّدى للشامتين أريهم ... أنّى لريب الدّهر لا أتضعضع، فسلّم الحسين و «٦» تمثّل ببيت أبى ذؤيب: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع

стр. 52

وكان معاوية مع حدّة جوابه وصواب رأيه حليما جوادا، وكان يضيف إلى ذلك شجاعة وخرما. ويروى أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال له: إنّى لأراك تقدم أحيانا حتى أقول أشجع الناس، وأراك تحجم أحيانا حتى أقول أجبن الناس، قال: إنى أقدم ما كان الإقدام غنما، وأحجم ما كان الإحجام حزما، فأنا كما قال القائل «١» : شجاع إذا ما أمكنتنى فرصة ... وإن لم تكن لى فرصة فجبان وكان المهلّب يقول: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أن الإحجام عن الفرصة جبن. ويروى أن جرّة «٢» هوت على رأس يزيد ابنه فلم يتوقّها، فقال له المهلّب: حفظت الشجاعة من حيث ضيّعت الحزم. ويروى عن أحد الحكماء قال: يجب على الرجل أن يكون سخيا ولا يبلغ التبذير، وأن يكون حافظا ولا يبلغ البخل، وأن يكون «٣» شجاعا ولا يبلغ التضييع، وأن يكون محترسا ولا يبلغ الجبن، وأن يكون ماضيا ولا يبلغ القحة، وأن يكون قوّالا ولا يبلغ الهذر، وأن يكون صموتا ولا يبلغ العىّ، وأن يكون حليما ولا يبلغ الذل، وأن يكون منتصرا ولا يبلغ الظلم، وأن يكون أنفا ولا يبلغ الزّهو، وأن يكون حييّا ولا يبلغ العجز. وحدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد ذكره قال: لما قال «٤» حسّان بن ثابت فى كلمة له يعيّر بها الحارث بن هشام بن المغيرة- حيث فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل ابن هشام: إن كنت كاذبة الذى حدّثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام «٥»

стр. 53

وقال الحارث يعتذر من فزارة «١» : الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد «٢» وعلمت أنى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّى مشهدى فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد وقال سعيد بن المسيّب لرجل من قريش: من جاءكم بخبر الجمل؟ قال: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال سعيد: كان أبوه أوّل من جاء بخبر بدر. وفرّ الحارث يوم بدر، وفرّ هشام أبوه يوم الفجار، وفرّ عبد الرحمن يوم الجمل. وأنشدنى التوّزىّ لأبى ثور عمرو بن معد يكرب «٣» : ولقد أرفع رجلىّ «٤» بها ... حذر الموت وإنى لفرور ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير كلّ ما ذلك منّى خلق ... وبكلّ أنا فى الرّوع جدير ومثله قول زيد «٥» بن المهلهل: أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس ولست بذى كهرورة «٦» غير أننى ... إذا طلعت أولى المغيرة أعبس

стр. 54

ومنه قول أبى «١» كعب الأنصارى: ألا لا تقل عرسى على حين ساعة ... ألا فرّ عنى مالك بن أبى كعب أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا ... وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب وقال آخر: وماذا على مروان لو كنت خلفه ... رديفا على أقتاد أصهب بازل «٢» ورفّعت من رجلىّ ألتمس الذى ... وجدت على عهد القرون الأوائل هذا رجل فرّ من حرب، فطلب إلى مروان هذا أن يردفه فأبى عليه، فعدا على رجليه حتى أفلت. وإنما أراد قول وعلة الجرمىّ حين نجا يوم الكلاب على رجليه «٣» : فدى لكما رجلىّ أمّى وخالتى ... غداة الكلاب إذ تحزّ الدوابر يقول: إنما فعلت ما كان يفعل من كان قبلى من القرون الأوائل. ويروى أن رجلا من أهل الشام انهزم من حرب، فلقيه لاق فقال: ما الخبر؟ قال: من صبر أخزاه الله، ومن انهزم نجاه الله. باب [من الاخبار المستحسنة] من الأخبار المستحسنة التى لا تدخل فى جملة ما نقل منها ولا تشاكل ما ذكرناه قبلها. حدّثنى العتبىّ فى إسناد عن أبى خالد مولى عمرو «٤» بن عتبة قال قال محمد بن عمرو ابن عتبة: جاءت هذه الدولة- يعنى دولة ولد العبّاس- وأنا حديث السنّ متفرق الأموال خائف العيال، وكنت لا أنزل سكّة من سكك البصرة إلا شهر مكانى، فرأيت أن

стр. 55

أقى عيالى بنفسى، قال أبو خالد: قال لى: موعدك غدا باب الأمير سليمان بن على، فبكرت فإذا به قد أقبل وعليه سراويل وشى، قد أسدلها على قدميه، وطيلسان مطبق، فقلت فى نفسى إنا لله! ما تصنع الحداثة بأهلها. فلما دنا قلت: إن هذا اللباس ليس من لباس هذا اليوم، قال: صدقت والله ولكن ليس عندى إلا ما هو أشهر منه، فلففت سراويله حتى بلغت بها ركبتيه، وأخذت طيلسانه إلىّ وأعطيته طيلسانى، ثم قلت: ادخل الآن، فدخل، فلبث شيئا ثم خرج إلىّ ضاحكا، فقلت: ما كان بينك وبين الأمير؟ قال: مثلت بين يديه ولم يكن رآنى قبلها فقلت: أصلح الله الأمير! ساقنى البلاء إليك، ودلّنى فضلك عليك، فإما قبلتنى غانما، وإما رددتنى سالما. فقال: من أنت أعرفك؟ فانتسبت له، فقال لى: اقعد يابن أخى فتكلم غانما سالما. فجلست فقلت: أيها الأمير إن هؤلاء الحرم اللواتى هنّ حرمكم بعدنا وأنتم فيهنّ شركاؤنا، وقد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فقال: ما أجابنى إلا بعبرته. فقال: بل يحقن الله دمك، ويصون حرمك، ويجمع لك مالك، ولو أمكننى مثل ذلك فى جميع أهلك لفعلت، فكن مستترا كظاهر، واكتب إلىّ فى حاجاتك. فقال: كان والله يكتب إلىّ كما يكتب الرجل إلى أبيه أو عمه. قال: فلما قضى حديثه رددت إليه طيلسانه، فقال: مه! فإن ثيابنا إذا فارقتنا لا ترجع إلينا. ويروى أنّ مروان الجعدىّ كتب إلى عبد الله بن علىّ: إنى أظنّ هذا الأمر صائر إليكم، فإن كان ذلك فاعلم أن حرمنا حرمكم والسلام. فكتب إليه عبد الله: إن الحق لنا فى دمك، والحق علينا فى حرمك. وحدّثنى على بن القاسم الهاشمى قال بينما «١» الخيزران قاعدة ذات يوم قيل لها إن ببابك امرأة حسناء، وعليها ثياب بذّة تطلب الإذن عليك، وقد سئلت عن اسمها

стр. 56

فأبت أن تخبر به، فقالت لزينب بنت سليمان بن علىّ: ما ترين؟ فقالت: تدخل فإنه لا بدّ من فائدة أو ثواب. فأذنت لها، فدخلت، فقالت: أنا مارية امرأة مروان ابن محمد الأموى، فقالت زينب: أأنت مارية؟ فلا حياك الله! والحمد لله الذى أدال منك، أما تذكرين يا عدوّة الله حيث أتاك عجائز قومى وأهل بيتى يسألونك مسألة صاحبك فى دم إبراهيم الإمام فوثبت عليهنّ وأسمعت ما أسمعت، وأمرت بإخراجهنّ! قال: فضحكت مارية، فلا ينسى حسن ثغرها وعلوّ صوتها بالقهقهة. ثم قالت أيا بنة عمّ، أى شىء أعجبك من صنع الله بى على العقوق حتى أردت أن تتأسّى بى! فهبينى أنى فعلت بنساء قومك ما فعلت ثم ساقنى الله خاضعة ذليلة عريانة، فكان هذا مقدار شكرك لله على ما أولاك فىّ. ثم ولّت وقالت: السلام عليكنّ، فقالت الخيزران: ليس هذا لك عافاك الله! علىّ استأذنت، وإيّاى قصدت فارجعى! فقالت: نعم، وإن مما يردّنى الجوع والضّرّ. فدعت الخيزران بالخلع لها ثم قالت: افرشوا لها المقصورة الفلانية، وقالت: والله لا يفرّق بيننا إلا الموت. فما فرّق بينهما إلّا الموت. ونمى إلىّ من ناحية زبير قال: اعترض رجل من بنى أميّة يحيى بن خالد البرمكى، فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتى أن توصلنى إلى أمير المؤمنين الرشيد- وعرّفه نفسه- فقال له: إن أمير المؤمنين يكره أهل هذا البيت، فإن كانت لك حاجة كنت لك فيما تريده دون أمير المؤمنين، قال: ما بى حاجة إلى غيره، وهذه حاجتى إليك. فدخل إليه يحيى فصادفه طيّب النفس، فقال: يا أمير المؤمنين إن لى حاجة، فقال له: قل يا أبا على، فأخبره بقصّة الأموىّ. فقال: ما أكره ذلك، فأتى به فسلّم عليه ودعا فأحسن، ثم أنشأ يقول:

стр. 57

يا أمين الله إنّى قائل ... قول ذى رأى ودين وحسب لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل على كلّ العرب من يقل غير مقالى فلقد ... ضلّ فى الحكم ضلالا وكذب عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأمّ ولأب فصل الأرحام منا إنما ... عبد شمس عمّ عبد المطّلب فالقرابات شديد عقدها ... عقدها أوثق من عقد الكرب قال الرشيد: إى والله! وأمر له بجائزة، فقبضها وخرج. قال يحيى: فخرجت خلفه لأعطيه أنا أيضا فلم ألحقه. ويروى أنّ حفصا الأموىّ- وكان هجّاء لبنى هاشم مطنبا فى ذكر مثالبهم- لم يشعر به عبد الله بن علىّ بن العباس «١» إلا هو واقف على رأسه وهو لا يعرفه، فقال له: من الرجل؟ قال: حفص الأموىّ، قال: أأنت الذى لم تزل مطنبا فى هجاء بنى هاشم وثلبهم؟ فقال: ليس كل ما بلغك أيها الأمير حقا، ولكنى الذى أقول: وكانت أميّة فى ملكها ... تجور وتكثر عدوانها فلما رأى الله أن قد طغت ... ولم يطق الناس طغيانها رماها بسفّاح آل الرسول ... فجدّ بكفّيه أعيانها فقال له: اجلس، فجلس، ثم دعا عبد الله بالطعام فتغدّى معه، ثم نظر إلى عبد الله وهو يسارّ خادما له، فخاف على نفسه، فقال: أيها الأمير، إنى قد تحرّمت بطعامك

стр. 58

فقال: ليس الأمر كما تظنّ، فجاءه الخادم بخمسمائة دينار، فصبّها فى كمّه وقال له: اخرج آمنا. ومن بالباب يتوقعون أن يخرج رأسه، فسألوه عن حاله فقال: وهب لى الأمير ألف دينار: خمسمائة دينار ديتى وخمسمائة فى كمّى. وهذه رسالة نذكرها، فإنا استحسنّا ألفاظها، واستغر بنا معانيها، ووقفنا على إبلاغ عظاتها، وهى رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من الحبس إلى أبى مسلم «١» : بسم الله الرحمن الرحيم من الأسير فى يديه، بغير ذنب إليه، ولا خلاف عليه. أما بعد، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، فاذكر القصاص، واطلب الخلاص، وأنبه للفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا، فإنك لاق ما سلّفت، غير لاق ما خلّفت، وفّقك الله لما ينجيك، وآتاك شكر ما يوليك. فخلى سبيل إخوته. ومات عبد الله فى السجن، فعاقب الله أبا مسلم ببغيه وأسلمه بغدره، وأتاح له من قتله. ويروى أن المنصور بعد قتله أبا مسلم خطب فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيّها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسرّوا غش الأئمّة، فإنه من غشّ إمامه أظهر الله سريرته فى فلتات لسانه، وسقطات أفعاله، إنا [لن] «٢» نبخسكم حقكم، ولا نبخس الدين حقه عليكم، وأنه من نازعنا عروة هذا

стр. 59

القميص أوطأناه خبىء هذا العمل «١» وأن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بنا فقد حل ماله ودمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم يمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحقّ عليه فيه، والسلام. وفى قتله يقول [أبو] دلامة الأسدى: أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتّى يغيّرها العبد أبا مجرم خوّفتنى القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتنى الأسد الورد باب مراث بليغة وعظات موجزة وأبيات مستحسنة أنشدنى أبو محمد التّوزىّ عن أبى عبيدة لأخت عمرو ذى الكلب ترثيه فى كلمة «٢» وصفته فيها فأطنبت، وعدّدت فضائله فأكثرت، وذكرت عظم فقده ومبلغ قدره فى حياته وانحطاط كل فخر وذكر بعد موته، وهو:- يا من بمقتله زهى الدهر ... قد كان فيك تضاءل البدر «٣» كنت المجير عليه تقهره ... فإذا سطوت فقد سطا القهر وإذا سكتّ فإنها عدة ... وإذا نطقت تدفّق البحر وإذا نظرت إلى أخى عدم ... أثرى وزال بلحظك الفقر وإذا رقدت فأنت منتبه ... وإذا بدوت فوجهك البدر والله لو بك لم أدع أحدا ... الا قتلت لفاتنى الوتر

стр. 60

ما زال يحسد بطن أرضك ظهرها ... إذ تمّ أمرك واستوى القدر حتى حللت ببطنها فتقدّست ... فاليوم يحسد بطنها الظهر «١» وهذا من أحسن المعانى وألطفها. ولها فيه أيضا كلمة أوّلها «٢» : سألت بعمرو أخى صحبه ... فأوحشنى حين هابوا السؤالا وقالوا تركناه فى غارة ... بآية ما قد ورثنا «٣» النّبالا أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه منالا فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذن نبّها منك داء غضالا إذن نبّها ليث عرّيسة ... مفيدا مفيتا نفوسا ومالا «٤» وكان سبب وفاته أن النمر وثب عليه فقتله. وفى هذه القصيدة من حرّ الكلام وصادق المدح قولها: وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا «٥» فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا فما بلغت مدحتى لامرئ ... يزمّ الكماة ويعطى النوالا «٦» وينزل فى غمرات الحروب ... إذا كره المحجمون النزالا ومما اخترناه منها قولها:- وخوف وردت وثغر سددت ... وعلج شددت عليه الحبالا

стр. 61

ومال حويت وخيل حميت ... وضيف قريت يخاف الوكالا وأبراد عصب وخطّيّة ... بنيت لقومك منها الظّلالا وقالت امرأة من بنى أسد ترثى ابنها «١» : لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل «٢» ... قرى للصفيح البيض والأسل السمر لعمرى لقد أرديت «٣» غير مزنّد ... ولا مغلق باب السماحة بالعذر فتى لم يزل مذ شدّ عقد إزاره ... مشيد معال أو مقيما على ثغر فتى لم يكذّب فعله نادباته ... بما قلن فيه لا ولا المادح المطرى أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر فيقال إن هذا أرثى بيت قالته العرب. وقال أحد المحسنين «٤» أيضا: وأخ رمانى الدهر فيه بفقده ... فالوجد من قلبى عليه دخيل هيهات لا يأتى الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل وقال آخر: هاتوا فتى يكفى مقام محمّد ... هيهات ذلك واحد لا يوجد وهذا من الأبيات النادرة، وكذلك سبيلنا فيما نحكيه فى كتابنا.

стр. 62

وقال «١» : جلّت صنيعته فعمّ مصابه ... فالناس فيه كلّهم مأجور فالناس مأتمهم عليه واحد ... فى كلّ دار رنّة وزفير تجرى عليك دموع من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير ويشاكل هذا الباب قول عمارة بن عقيل لخالد بن يزيد بن مزيد «٢» : أرى الناس طرّا حامدين لخالد ... وما كلّهم أفضت إليه صنائعه ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى ... إذا كرمت أعراقه وطبائعه فتى أمعنت ضراؤه فى عدوّه ... وخصّت وعمّت فى الصديق منافعه وأنشدنى عمارة بيتين لحرير يرثى بهما أخويه عمرا وحكيما «٣» : خليلىّ كم من زفرة قد رددتها ... ومن ظلمة وارت علىّ ضحى حجرا إذا ما دعا قوم علىّ أخاهم ... دعوت فلم أسمع حكيما ولا عمرا وحدّثنى الرياشى فى إسناد ذكره قال قال عمر بن الخطاب للخنساء: ما أقرح مآقى عينيك؟ قالت: بكائى على السادات من مضر. قال: يا خنساء، إنهم فى النار قالت: ذلك أطول لعويلى. ويروى أنها قالت: كنت أبكى لصخر على الحياة وأنا أبكى له اليوم من النار.

стр. 63

وهذا نظير ما يروى أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه- قال لمتمم بن نويرة حين سمعه ينشد فى أخيه مالك «١» : لا يمسك العوراء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا ... ولنعم مأوى الطارق المتنوّر لوددت أنك رثيت أخى بما رثيت به أخاك، فقال له: يا أبا حفص، لو أعلم أن أخى صار حيث صار أخوك ما رثيته، يقول: إن أخاه قتل شهيدا. فقال عمر: ما عزّانى أحد بمثل تعزيته. وفى حديث آخر أنه رثى زيد بن الخطاب فلم يجد، فقال عمر: لم أرك رثيت زيدا كما رثيت مالكا! فقال: إنه والله يحرّكنى لمالك ما لا يحرّكنى لزيد. وأنشدنى «٢» الرياشىّ لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى عاصم بن عمر أخيه: لئن تك أحزان «٣» وفائض عبرة ... أمرن نجيعا من دم الجوف منقعا تجرّعتها فى عاصم واحتسيتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرّعا فليت المنايا كنّ صادفن غيره «٤» ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثى أخاه «٥» محمدا: أبا المنازل يا عبر الفوارس من ... يفجع بمثلك فى الدنيا فقد فجعا

стр. 64

الله يعلم أنّى لو خشيتهم ... أو أوجس القلب من خوف لهم فزعا لم يقتلوك ولم أسلم أخى لهم ... حتى نعيش جميعا أو نموت معا قال: وكان قتله فى المعركة عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس وهو «١» الذى قتل أخاه- ويروى أنه قال: ما استغفرت الله قطّ من قتلهما. وأنشدنى الرياشى لابن ميّادة «٢» فى رياح بن عثمان بن حيان المرّى وقتل معه محمد بن عبد الله بن حسن: أمرتك يا رياح بأمر حزم ... فقلت هشيمة من آل «٣» نجد نهيتك عن رجال من قريش ... على محبوكة الأصلاب جرد «٤» ووجدا ما وجدت على رياح ... وما أغنيت شيئا غير وجدى ويروى «٥» لعلىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه بيتان فى النبى ﷺ ، وهما: فو الله لا أنساك أحمد ما مشت ... بى العيس فى أرض وجاوزت واديا وإنى متى أهبط من الأرض تلعة «٦» ... أجد أثرا منها «٧» جديدا وعافيا ويروى أنه لما مات أخو الحسن البصرى أجهش عليه بالبكاء، فقال له رجل: وأنت يا أبا سعيد تبكى! فقال: لقد بكى يعقوب على يوسف حتى ابيضّت عيناه فما

стр. 65

عيره الله بذلك. وقال رسول الله صلّى الله عليه: «ما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن القسوة والشيطان» . ويروى أن عبيد الله بن العباس كان عاملا لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه على اليمن، فخرج إلى علىّ واستخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفى، فوجّه إليه معاوية بسر بن أرطاة، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه أخوه عبد الله فقال أبوه «١» فى كلمة له: وقلت لعبد الله إذ جدّ باكيا ... حزينا وماء العين منحدر يجرى لعمرى لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر تأمّل فإن كان البكا ردّ هالكا ... على أحد فاجهد بكاء على عمرو ولا تبك ميتا بعد ميت أجنّه ... علىّ وعباس وآل أبى بكر «٢» وكان بسر قتل خلقا باليمن- يقول بعضهم- حتى أخاض الخيل فى الدماء. وكان فيمن قتل طفلان لعبيد «٣» الله بن العباس أخذهما من المكتب، فروى أنه قتلهما وهما يقولان: يا عمّ لا نعود. وأما الرواية الفاشية التى كأنها إجماع فإنه

стр. 66

أخذهما من تحت ذيل أمّهما- وهى امرأة من بنى الحارث بن كعب- ففى ذلك تقول لما خرج بهما من عندها: ألا من بيّن الأخوي ... ن أمّهما هى الثّكلى تسائل من رأى ابنيها ... وتستبغى فما تبغى «١» وقالت أيضا «٢» : يا من أحسّ بنيّى اللذين هما ... كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف يا من أحس بنيّى اللذين هما ... قلبى وطرفى فقلبى اليوم مختطف يا من أحسّ بنيّى اللذين هما ... مخّ العظام فمخّى اليوم مزدهف «٣» نبّئت بسرا وما صدّقت ما ذكروا ... من قولهم ومن الإفك الذى اقترفوا أنحى على ودجى شبلىّ مرهفة ... من الشّفار، كذاك البغى يقترف ويروى أن عمر بن الخطاب عزّى أبا بكر رحمة الله عليهما عن طفل له فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك، فإن الطفل يعوّض من أبويه الجنّة. وقال رسول الله صلّى الله عليه: «إن الطفل لا يزال محبنطئا «٤» على باب الجنّة يقول: لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواى» .

стр. 67

وقال العتبى يرثى بنيه- وكانوا ستة توالوا موتا: يا ستّة أودعتهم حفر البلى ... لخدودهم عفر الجبوب وساد «١» منعوا جفونى أن يصافح بعضها ... بعضا فهنّ وإن قربن بعاد لم تبق عين أسعدت ذا عبرة ... إلا بكت حتى بكى الحسّاد وله أيضا فيهم «٢» : وكنت أبا ستّة كالبدو ... ر قد فقئوا أعين الحاسدينا فمرّوا على حادثات المنون ... كمرّ الدراهم بالناقدينا فألقين هذا إلى ضارح «٣» ... وألقين هذا إلى لاحدينا فما زال ذلك دأب الزما ... ن حتى أبادهم أجمعينا وحتّى بكى لى حسّادهم ... وقد أتعبوا بالدموع العيونا «٤» وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا فمن كان يسليه مرّ السنين ... فحزنى يجدّده لى السنونا وقال مسلم بن الوليد يرثى أخاه فى كلمة «٥» له: وإنى وإسماعيل يوم فراقه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النصل فإن آت قوما بعده أو أزرهم «٦» ... فكالوحش يدنيها من القنص المحل

стр. 68

قال أبو العباس: قصدنا فيما نحكيه فى كتابنا هذا حسن الاختيار وكثرة الاختصار، وذكر ما يستغنى به عن غيره، ويقنع بمثله عن نظيره، وإنما نذكر فى كل باب أحسن ما روى لنا فيه، وأطرف ما نمى إلينا منه. ولو ذهبنا نستقصى آخر هذا الباب لمدّ بنا الحديث وطال بنا القول. والحمد لله الموفق المعين. باب [فى بعض أخبار المعمرين وأشعار العرب المحدثين فى ذم الشيب وفقد الشباب] نذكره ونشرح فيه بعض أخبار المعمّرين وأشعار العرب المحدثين فى ذمّ الشيب وفقد الشباب، ومدح من مدح شيبه وذمّ من ذمّه، ووصف إسراعه إليه وتغييره إياه على كثرة ذلك وتفاوته، ونفضّل ما نحكيه من ذلك، ولم اخترنا ما اخترناه. وبالله الحول والقوة. حدّثنى الرياشىّ عن الأصمعى قال: كان ربيعة بن نزار يحمل أخاه مضر على عنقه ويقول: اللهم بلّغ به، وكان أكبر منه بنحو من خمسين سنة. وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد ذهب منه المأكل والمشرب والنكاح: هل تشتهى أن تموت؟ قال: لا، فقيل له: فما تشتهى؟ قال: أشتهى أن أعيش وأسمع الأعاجيب. وأنشدنى الرياشىّ لعلىّ بن الغدير الغنوى: وهلك الفتى ألّا يراح «١» إلى النّدى ... وألّا يرى شيئا عجيبا فيعجبا وحدّثنى الرياشىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: [قيل] لشيخ قد بلغ ثلاثين ومائتى سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مائة سنة لا أصدّع، وأصابنى فى الثلاثين والمائة ما يصيب الناس «٢» .

стр. 69

وحدثنى الرياشىّ قال: سمعت الأصمعى يقول قال أبو عمرو: عاش المستوغر «١» ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عشرين وثلاثمائة سنة. وزعموا أن سعدا تناسلت فى شيبه. وسمعت ابن العجاج قال: مرّ المستوغر بن ربيعة يقود ابن ابنه بعكاظ، فقيل: من ذا؟ قال: ابن ابنى، قالوا: وما رأينا كاليوم فى الكذب مثلك قط، لو كنت المستوغر ما زاد، قال: فأنا المستوغر. وفى حديث آخر: فلما رأوه يقوده ظنّوا أنه أبوه فقالوا: ارفق به فطالما رفق بك، فقال: إنه ابن ابنى. ويروى من غير وجه أن معاوية قال لجلسائه: أشتهى أن أرى رجلا قد لقى الناس، وسمع الأعاجيب، ورأى من كان قبلنا يحدّثنا عن زمانه، وأين زماننا مما مرّ عليه. فقيل له: ذاك رجل بحضرموت، فأتى به، فأقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: كذبت، وتشاغل عنه بغيره. ثم أقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: فحدّثنا عما رأيت من الأزمنة، أين زماننا منها؟ قال: وكيف تسأل رجلا يكذب؟ قال: أحببت أن أعرف مقدار عقلك، قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، ولد مولود، ووالد مفقود، فلولا من يولد لم يبق على ظهرها أحد، ولولا من يموت لم يسعهم بلد، قال: ما كانت صناعتك؟ قال: كنت تاجرا، قال: فما بلغت فى تجارتك؟ قال: كنت لا أشترى غبنا، ولا أردّ ربحا، قال: سلنى حاجتك، قال: أسألك أن تدخلنى الجنة، قال: ليس ذاك إلىّ، قال: فأسألك أن تردّ إلىّ شبابى، قال: ولا ذاك إلىّ. قال:

стр. 70

فلست أرى بيدك شيئا من أمور الدنيا والآخرة، قال: هو والله ذاك، قال: فارددنى من حيث جئت، ففعل به ذلك. ويروى أنه مكتوب فى الحكمة: من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة. وأنشدت عن الزّبير «١» . أرجّى شبابا بعد تسعين حجّة ... لهنّى «٢» لا فى مطمع لطموع وقال آخر «٣» : هزئت «٤» أسماء منى وقالت ... أنت يا بن الموصلىّ كبير ورأت شيبا علانى فصدّت ... وابن ستّين بشيب جدير وقال أحد المحسنين، وهو النّمر بن تولب «٥» : كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السلامة داء وقال بعض الأعراب «٦» : وللكبير رثيات أربع ... الرّكبتان والنّسا والأخدع «٧» ولا يزال رأسه يصّدّع ... وكلّ شىء بعد ذاك ييجع وقال الهيثم بن عدىّ: لقى رجل «٨» الهيثم بن الأسود فقال له: كيف تجدك

стр. 71

يا أبا العريان؟ قال: أجدنى صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيضّ منى ما كنت أحبّ أن يسودّ، واسودّ منى ما كنت أحبّ أن يبيضّ، واشتدّ منى ما كنت أحبّ أن يلين، ولان منى ما كنت أحبّ أن يشتدّ، ثم قال: إنى سأنبيك بآيات الكبر ... تقارب المشى وضعف فى البصر وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطّعم إذا الزاد حضر وتركى الحسناء فى قبل الطّهر ... وكثرة النسيان فيما يدّكر والناس يبلون كما يبلى الشجر ... فهذه أعلام آيات الكبر وقال أعرابى: لا بارك الله على وجه الكبر ... فإنه يأمر للمرء بشرّ وخبث ريح وبياض فى الشّعر وقال آخر «١» : إنى وإن أفنى الزمان نحضى «٢» ... وأسرعت أيامه فى نقضى بمنحفات وأمور تمضى «٣» ... حتّى حنت طولى وضمّت عرضى وابتزّنى بعضى وأبقى بعضى ... وقصرت رجلاى دون الأرض وهمّ أهل ثقتى برفضى ... ينفع حبّى ويضرّ بغضى وقال آخر: قد صرت يا عمرو كأنّى نقض ... تسوّر الشّيب وخفّ النّحض «٤» وصار قدّام قيامى نهض ... وصار لا يحمل بعضى بعض

стр. 72

يقول: تسوّر الشيب وأنا غافل، أى كما يفعل اللّص، أى تقحم. وقوله: قدّام قيامى نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤت أوّلا ثم استقللت، أى صرت كبيرا لا أستقل بنهضتين «١» ولا ثلاث. وحدّثنى التوّزىّ قال: رأى رجل «٢» من العرب بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثل ذلك مرّة أو مرتين، فأعجزه الوثوب، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم: يموت منّى كلّ يوم شىّ ... وأنا فى ذاك صحيح حىّ وكم عسى ما قد يدوم الفىّ «٣» ... وآخر الداء العياء الكىّ وحدّثنى الرياشىّ- ولا أحفظ عمن حدّثنيه- قال: دخل أبو الأسود الدّئلىّ على عبيد الله «٤» بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علّقت عليك تميمة! فإنك جميل الوجه، فقال أبو الأسود «٥» : أفنى الشباب الذى أفنيت جدّته ... مرّ الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لى فى طول اختلافهما ... شيئا يخاف عليه لذعة الحدق وأنشد: من يشترى شيخين منّى بفتى ... إنّ الشيوخ فيهم كلّ أذى قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب فى أشعارها إمّا مدحا وإما ذمّا، وشعرهم فى ذمّه أكثر منه فى مدحه. ويروى أنه قيل: ما بال شعركم فى الشيب أحسن أشعاركم فى سائر قولكم؟ قالوا «٦» : لأنا نقوله وقلوبنا قرحة.

стр. 73

وقال يونس النحوى: ما بكت العرب على شىء بكاءها على الشباب، وما بلغت به كنه ما يستحقّ. ويروى أن بعضهم رأى يوما شيبة فى رأسه فقال: شرّ بديل وخير مبدول. وقال ابن قيس الرّقيّات «١» : رأت «٢» بى شيبة فى الرأ ... س منى ما أغيّبها فقالت «٣» : أبن قيس ذا؟ ... وبعض الشيب يعجبها أى تتعجّب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدنى أبو العالية «٤» : يا ربّ بيضاء على مهشّمه ... أعجبها أكل البعير الينمه «٥» بيضاء: امرأة. ومهشّمة: موضع، أعجبها أى تعجّبت منه، كما قال الجعدىّ يصف ثورا: فأراه صورة تعجبه وقال النمر بن تولب: لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى ... خلائق منها لم تكن من شمائلى مطاوعتى من كنت لست أطيعه ... وأنى أرى بثّى عن اللهو شاغلى وبدّل رأسى الشيب بعد سواده ... فأصبحت ذا شغل وأقصر باطلى وأصبحت قد أعرضن عنى وسؤننى ... وأخلفننى عهد الخليل المماطل ألا إن شيب الرأس ليس بأفة ... تضيرك إلا فى النساء الجواهل وحدّثنى الرياشى قال: تزوّج عبد الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر إلى وجهه فى المرآة مع وجهها فرأى شيبة فى لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، الحقى بأهلك،

стр. 74

فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلك أسأت عشرة زوجك، قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أدرى لم طلّقنى؟ فوجّه إليه معاوية فأحضره، فقال: ما أنكرت من أهلك؟ قال: لا شىء والله يا أمير المؤمنين، إلا أنى نظرت إلى وجهى ووجهها فى المرآة، فرأيت شيئا قد ظهر بى، فكرهت أن يفسد شبابها معى، فطلقتها لتتمتّع بالأزواج. وقال جرير فى كلمة له «١» : يا قلّ خير الغوانى كيف رعن به ... فشربه وشل فيهنّ تصريد أعرضن من شمط فى الرأس مشتعل ... فهنّ عنى إذا أبصرننى حيد قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسنا ... ومفرقا حسرت عنه العناقيد فهنّ ينشدن منى بعض معرفة ... وهن بالودّ لا بخل ولا جود قد كان عهدى حديثا فاستبدّ به ... والعهد متّبع ما فيه منشود فقلن لا أنت بعل «٢» يستقاد له ... ولا الشباب الذى قد فات مردود كأنما باتت الصّردان «٣» تنتفه ... حتى تطاير عنه طيره السود هل الشباب الذى قد فات مردود ... أم هل دواء يردّ الشيب موجود لن يرجع الشّيب شبّانا ولن يجدوا ... عدل الشباب لهم ما أورق العود إن الشباب لمحمود بشاشته ... والشيب منصرف عنه ومصدود وأنشدنى مسعود «٤» بن بشر: قعد «٥» الشيب بى عن اللّذّات ... ورمانى بجفوة القينات فإذا رمت ستره بخضاب ... فضحته طلائع الناصلات

стр. 75

ما رأيت إلّا الشباب إلّا سرابا ... غرّنى لمعه بأرض فلاة فإذا ما دعاك للكأس داع ... قيل ما للكبير والنّشوات لست بعد الشباب ألتذّ بالعيد ... ش فدعنى بغصّة العبرات إنّ فقد الشباب أنزلنى بع ... دك دار الهموم والحسرات ورمانى بحادث الدهر شيب ... قارعتنى أيّامه عن حياتى وقال الطائى «١» : أرى ألفات قد كتبن على راسى ... بأقلام شيب فى صحائف أنقاسى «٢» فأن تسألينى من يخطّ كتابها ... فكفّ الليالى تستمدّ بأنفاسى جرت فى قلوب الغانيات لشقوتى «٣» ... قشعريرة من بعد لين وإيناس وقد كنت أجرى فى حشاهنّ مرّة ... مجارى معين الماء فى قضب الآس وقال أبو العتاهية «٤» فى مثل قوله: فكفّ اللّيالى تستمدّ بأنفاسى الشيب كره وكره أن يفارقنى ... أعجب بشىء على البغضاء مودود يمضى الشباب وقد يأتى له خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود ومثله قول الآخر وهو علىّ بن محمد العلوىّ «٥» : لعمرك للمشيب علىّ ممّا ... فقدت من الشباب أشدّ فوتا تملّيت الشباب فصار شيبا ... وأبليت المشيب فصار موتا
следующие страницы →