← Адаб

Адаб · id 10509

اللطائف والظرائف

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المدخل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قال أبو نصر أحمد بن عبد الرزاق المقدسي «١» ، أسعده الله بمرضاته: الحمد لله خير ما طلب به استفتاح الكلام، واستنجاح المرام، وصلى الله على سيد الأنام محمد وآله وأصحابه الطيبين الكرام. وبعد، فهذا الكتاب كان في نسختين متناسبتي الجمع، متناسختي الوضع، سمّى الشيخ أبو منصور الثعالبي «٢» - رحمه الله

стр. 2

تعالى- أحدهما: كتاب الظرائف واللطائف «١» ، والآخر: كتاب اليواقيت في بعض المواقيت. وأفرد لكل منهما صدرا أورد فيه لمن عمله باسمه ذكرا. فجمعت بينهما في قرن، وعطفت عنانيهما إلى سنن، اختصارا للطريق إلى فوائدهما، وضما لشمل فرائدهما. وعسى أن يحمد أثري فيما آثرت، ويستظرف رأي رأيت فيه وأشرت، والله تعالى يوزعنا من الاعتقاد أرصنه، ومن العمل أحصنه، ويجعلنا من: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «٢» . فافتتح الظرائف واللطائف بقوله: «حمدا حمدا لخالق الخلق، وباسط الرزق، وصلواته على الصادع بالحق، محمد رسوله الداعي إلى الصدق. وشكرا شكرا لبحر المجد وبدر الأرض مولانا الأمير السيد المؤيد العادل العالم أبي العباس مأمون بن مأمون خوارزم شاه «٣» ، مولى أمير المؤمنين، أدام الله سلطانه، وحرس غرسه ومكانه، فقد بسط باع العدل، وأطال عنان الفضل، وجلا صفحة

стр. 3

الإحسان، وفرش مهاد الأمن والأمان، ونشر شعاع اليمن على أهل الإيمان، وأقام قناة الدين، ومد رواق الملك الأمين، وفاق في الأرض بمكارم الأخلاق: وكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا والدهر لو لم يجر والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا «١» نعم وجدد رسوم العلم بعد أن نسجت عليها العنكبوت، وأحيا أنواع الآداب وقد كادت أن تموت، فهو يحبها حب المحسن لمن أحسن إليه، والغارس غرس يديه، ويتوفر على استجلاب ما بعد من دررها، واستثارة ما كمن من غررها، ويحرص عليها حرص النفس على تنفس الهواء، ويطلبها طلب طير الماء للماء؛ ذاك لامتزاج الأدب بطبعه، كامتزاج الشرف بنبعه، والتحام الفضل بخلقه، كالتحام الكرم بخلقه، وكونه من السؤدد في سواد عينه وسويداء قلبه، فعين الله عليه من كل طرف عائن، وقلب خائن. وأدام الله جمال العلم بطول عمره وثبات ملكه، ونفاذ أمره وانتظام سلكه، ولا أخلاه من علو الراية، وإدراك الغاية، وإعزاز الأولياء، وإذلال الأعداء، ولقاء

стр. 4

النجح بين مطارح آرائه، ومصارف أقلامه، والصنع في مضارب سيوفه ومناقب أعلامه. وهذا دعاء لو سكت كفيته ... لأني سألت الله فيك وقد فعل ثم إن هذا الكتاب دلني ما استسعدت به من الخدمة، واستشعرته من شكر النعمة، على ابتداء وضعه، وابتداع جمعه، واختراع ما لم أسبق إلى مثله، ولم أشارك في ارتباط شكله، فألفته بالاسم العالي بمنة الله في مدح كل شيء وذمه وتزيينه وتهجينه، وسياقه أحسن ما أحاضر به فيه وفي ضده وترجمته بالظرائف واللطائف في الأضداد» . وافتتح اليواقيت في بعض المواقيت بخطبة هذه نسختها: «الحمد لله ما أمكن الحمد، إلى أن يقطع العد، وصلواته على خير من أرسل بخير ما أنزل، سيدنا محمد المصطفى وآله وأصحابه الذين ارتضى. هذا- أطال الله بقاء الأمير الأجل- كتاب مترجم باليواقيت في بعض المواقيت، في مدح كل شيء وذمه. ولم أسبق إلى جمعه، وابتداع وضعه، وشاهدي على دعواي أن خزانة كتبه عمرها الله بدوام عمره ونظام أمره، وهي أم الفقر والغرر، ومعدن الملح والطرف، وقانون التحف والنكت، خالية من مثله في فنه، وأن العبد أبا نصر سهل بن المرزبان «١» ، وهو حليف الكتب وأليفها وابن

стр. 5

بجدتها، وأخو جملتها وأبو عذرتها، لم تقع عينه على شبهه، وطالما اقترح على الزمان أن يتفق لأحد تأليفه، ويتقدم له تبويبه وترتيبه، فافتتحته بنيسابور «١» ، وتطرفته بجرجان «٢» ، وتنصفته بالجرجانية «٣» ، واستتممته بغزنة «٤» . إذ كان مدخورا لعالي مجلسه، ومقصورا على خزانة مجده، ولم يعن عليه إلا علو همته ويمن دولته، وإذا كان مولانا أوحد السادات وهم آحاد الدنيا، وفرد الملوك وهم أفراد العليا، فينبغي أن يكون الكتاب الذي يخدم به من وسائط عقود الأدب، وأناسي عيون الكتب. ولئن أحياني الله تعالى على يده، ورزقني المثول بحضرة عزه وكعبة سؤدده، لأنفقن باقي عمري على خدمته، وأغرب وأبدع تأليفاتي باسمه وسمته. لا زال مولانا للمحاسن كالينبوع للماء والزند للنار، وأدام الله ملكه وأعز نصره، وزاد علو أمره، وأراه من أشباله وأهليته ليوثا وبدورا يستقلون بأعباء المملكة، ويصلون جناحه في حماية الحوزة، ويرحم الله عبدا قال آمينا. وهذا الكتاب مشتمل على مائة واثنين وستين بابا.

стр. 6

باب مدح الدنيا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه: «الدنيا حلوة خضراء فمن أخذها بحقها بورك له فيها» «١» . وذكر أمير المؤمنين علي ﵁ الدنيا فقال: «هي دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، وهي مسجد أحبّاء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، وشوقت بسرورها الفاني إلى السرور الباقي، وحذرت ببلائها الماضي البلاء الغابر التالي، ترغيبا وترهيبا. فيا أيها الذام المغترّ بتغريرها، المنخدع لأباطيلها حتى غرتك، أبمصارع آبائك للبلا؛ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟» «٢» . فهذا أحسن ما روي في مدحها. وقال ابن المعتز في رسالة له: «الدنيا دار التأديب، والتعريف، ومضمار التهذيب والتثقيف، التي بمكروهها يوصل إلى محبوب الآخرة، وميدان الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان، ودرجة الفوز التي يرقى فيها المتقرب إلى دار الخلد والرضوان، وهي الواعظة لمن عقل، والناصحة لمن قبل، وبساط

стр. 7

المهل، ورباط العمل، وقاصمة الجبارين، وملحقة الرغم بمعاطس المتكبرين، وكاسية التراب أبدان المختالين، وصارعة المغترّين، ومصرعة المعتزين، ومفرقة أموال الباخلين، وقاتلة القتالين، والعادلة بالموت على العادلين، ومهبط القرآن المبين، ومسجد العابرين، وأم البنين، وناصرة المؤمنين، ومبيدة الكافرين، والحسنات فيها مضاعفة، والسيئات بآلامها ممحوة، ومع عسرها يسران، والله تعالى ضمن أرزاق أهلها، وأقسم في كتابه بما فيها، ورب طيبة من نعيمها قد حمد الله تعالى عليها، فتلقتها أيدي الكتبة، ووجبت بها الجنة، ورب مال من زينتها وجه إلى معروفها فكان جوازا على الصراط، وكم نائبة من نوائبها، وحادثة من حوادثها، قد راضت الفهم، ونبهت الفطنة، وأذكت القريحة، وأفادت فضيلة الصبر، وكثرت ذخائر الأجر» . وقيل لعلي- ﵁: يا أمير المؤمنين ألا ترى حرص الناس على الدنيا؟! فقال: هم أبناؤها «١» . فأخذ هذا المعنى محمد بن وهيب الحميري «٢» وقال: نراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض «٣» الدنيا فنلهو ونلعب وقد ضمت الدنيا إليّ صروفها «٤» ... وخاطبني إعجامها وهو معرب

стр. 8

ولكننا منها خلقنا لغيرها «١» ... وما كنت منه فهو شيء محبّب وقال أبو العتاهية: ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع الله من نالها من لم يواس الناس من فضلها ... عرّض للإدبار إقبالها وقال محمود الوراق: هي الدنيا وزخرفها ... ولكن ما مصائرها لئن غرت منابرها ... فقد وعظت مقابرها وإن غشّت مواردها ... فقد نصحت مصادرها قال: وأنشدني أبو عبد الله محمد بن حامد الخوارزمي «٢» لبعضهم: تذم دنيا إن تأملتها ... وجدت منها ثمن الجنة وقال عبد الملك بن صالح «٣» : «ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ» . فنظمه أبو محمد بن مطران الشاشي «٤» : ألا إن دنياك معشوقة ... يغاد بها كلّ عيش لذيذ

стр. 9

ولكنها قط ما جمشت ... من الملهيات بمثل النبيذ وقلت في كتاب المبهج «١» : الدنيا معشوقة ريقها الراح. باب ذم الدنيا قال بعض الحكماء: الدنيا غدارة غرارة إن بقيت لها لم تبق لك. وقال آخر: واجد الدنيا سكران، وفاقدها حيران. وقال آخر: أف من أشغال الدنيا إذا أقبلت، ومن حسراتها إذا أدبرت. وقال آخر: إن الدنيا ليست تعطيك لتسرك، ولكن لتغمك وتغرك. وقال آخر: الدنيا أشبه شيء بظل الغمام وحلم النيام. وقال الحسن «٢» : حلالها حساب، وحرامها عقاب. وقال يحيى بن معاذ «٣» : الدنيا خمر الشيطان فمن شرب منها سكر فلم يفق إلا في عسكر الموتى نادما خاسرا، وقال أيضا: الدنيا جارية زانية ولو كانت عفيفة لم يقربها أحد.

стр. 10

وقال عبادة «١» : الدنيا قحبة فيوما عند عطار، ويوما عند بيطار. وقال ابن السماك «٢» : الدنيا كالعروس المجلوة تشرفت لخطابها، وفتنت بغرورها، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والأبدان لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة. وقال ابن المعتز: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. وقال آخر: خير الدنيا حسرة، وشرها ندم. وقال آخر: مصائب الدنيا أكثر من نبات الأرض. وقال المأمون: لو نطقت الدنيا ما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نواس: وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق «٣» وقد ألم به ابن بسام «٤» بقوله: أف لدنيا وأيامها ... فإنها للحزن مخلوقه

стр. 11

غمومها لا تنقضي ساعة ... عن ملك فيها ولا سوقه يا عجبا منها ومن شأنها ... عدوة للناس معشوقه ومن الأمثال السائرة فيها قول مسلم بن الوليد الأنصاري «١» : دلّت على عيبها الدنيا وصدّقها ... ما استرجع الدّهر مما كان أعطاني «٢» وقال ابن الرومي: لما تؤذن الدّنيا من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه فيها وأنها ... لأفسح ممّا كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد «٣» وقال المتنبي: أبدا تستردّ ما تهب الدني- ... - افيا ليت جودها كان بخلا

стр. 12

وهي معشوقة على الغدر لا تح- ... - فظ عهدا ولا تتمّم وصلا شيم الغانيات فيها فما أد ... ري لذا أنّث اسمها الناس أم لا «١» وقال آخر: أفّ للدّنيا الدّنيّه ... خبثت فعلا ونيّه عيشها بدؤه هم ... وفي عقباه المنيّه «٢» وقلت من قصيدة: تسلّ عن الدنيا ولا تخطبنها ... ولا تنكحن قتالة من تناكح فليس يفي مرجوها بمخوفها ... ومكروهها إن تدبرت راجح لقد قال فيها الواصفون فأكثروا ... وعندي لها وصف لعمري صالح سلاف قصاراه ذعاف ومركب ... شهي إذا استلذذته فهو جامح وشخص جميل يعجب الناس حسنه ... ولكن له أسرار سوء قبائح

стр. 13

وقال آخر: هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي ... فقولي مضحك والفعل مبكي وقلت في الكتاب المبهج: نسيم الدنيا يقصر عن سمومها، وأغذيتها لا تفي بسمومها، وفيه: ساكن الدنيا راحل، وأنفاسه رواحل، وأيامه مراحل، وفيه: الدنيا عروس تعتال الأخدان، وتختان الأختان، وفيه: أمر الدنيا أمر، وتحت بشرها غمر. وفيه: إقبال الدنيا كإلمامة ضيف، أو سحابة صيف، أو زيارة طيف. وفيه: هبات الدنيا منغصة بأحداثها، وقصورها مبغضة بأجداثها. وفيه: صاحب الدنيا بين العسل والصاب، والصحة والأوصاب، وفيه: المرء من دنياه بين أماني ممدودة، وعواري مردودة.

стр. 14

باب مدح الدهر قال بعض الحكماء: الدهر أنصح المؤدبين. وقال آخر: قد وعظنا الدهر لو اتعظنا، ونصحنا لو انتصحنا. قال الشاعر: عمري لقد نصح الزمان وصرفه ... ومن العجائب ناصح لا يشفق وقال العتابي «١» : من لم يؤدبه والده أدبه الليل والنهار. وقال بشار: إن دهرا يضم شملي بسلمى ... لزمان قد همّ بالإحسان وقال البحتري: هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها ... وشيكا وإلا ضيقة وانفرادها «٢» وقال الأخطل: وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر «٣»

стр. 15

وقال آخر: يقولون: الزمان به فساد ... لقد فسدوا وما فسد الزمان «١» وأنشدني العباسي المأموني «٢» لبعضهم: تذم دهرك جهلا في تصرّفه ... لا تشك دهرك إن الدهر مأمور ما ذنب دهرك والأقدار غالبة ... وكلّ أمر إذا وافاك مقدور فاصبر على حدثان الدهر وارض به ... ما دام في الدهر مهموم ومسرور وأنشدني أبو القاسم حبيب المذكور لغيره: رضا بالدهر كيف جرى وصبرا ... ففي أيامه جمع وعيد ولم يخشن عليك قضيب عود ... من الأيام إلا لان عود ولأبي الفتح بن العميد «٣» : أين لي من يفي بشكر الليالي ... حين ضافت خيالها بخيالي لم يكن لي على الزمان اقتراح ... غيرها منية فجاد بها لي

стр. 16

وللوزير المهلبي «١» : رق الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرقي وأنالني ما أرتجي ... وأفاتني ما أتقي فلأصفحن عما جنا ... هـ من الذنوب السبق حتى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي باب ذم الدهر قال بعض الحكماء: أف للدهر ما أكدر صافيه، وأخيب راجيه، وأعدى أيامه ولياليه. وقال آخر: من له يدان بغوائل الزمان. وقيل: يسار الدهر في الأخذ أسرع من يمينه في البذل لا يعطي بهذه إلا ارتجع بتلك. وقال آخر: الدهر لا يؤمن يومه، ويخاف غده، ويرضع ثديه، وتجرح يده. وقيل: الدهر يغر ويضر، ويسوء من حيث يسر. وقال آخر: الدهر لا تتهنى فيه المواهب حتى تتخللها المصائب، ولا تصفو فيه المشارب حتى تكدرها الشوائب. وفي فصل لابن المعتز: هذا زمان متلون الأخلاق، متداعي البنيان، موقظ الشر، منيم الخير، مطلق أعنة الظلم، حابس روح العدل، قريب الأخذ من الإعطاء، والكآبة من البهجة، والقطوب

стр. 17

من البشر، من الثمرة، بعيد المجتنى، قابض على النفوس بكربته، منيخ على الأجسام بوحشته، لا ينطق إلا بالشكوى، ولا يسكت إلا على غصص وبلوى. ومثله فصل للصاحب: الزمان حديد الظفر، لئيم الظّفر، حلو المورد، مر المصدر، أثره عند المرء كأثر السيف في الضريبة، والليث في الفريسة. ولشمس المعالي قابوس بن وشمكير «١» : الدهر شر كله مفصله ومجمله، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإن أتى بسيئة جعلها سنّة، ومن أراد منه غير هذا سيرة، أراد من الأعمى عينا بصيرة، ومن ابتغى منه الرعاية، ابتغى من الغول الهداية. ومن أحسن ما قيل في ذمه قول ابن المعتز، وهو الإمام في ذلك: ألست ترى يا صاح ما أعجب الدهرا ... فذما له لكن للخالق الشكرا لقد حبب الموت البقاء الذي أرى ... فيا حسدا مني لمن سكن القبرا وله: يا دهر ويحك قد أكثرت فجعاتي ... شغلت أيام دهري بالمصيبات ملأت ألحاظ عيني كلها حزنا ... فأين لهوي وأحبابي ولذاتي

стр. 18

حمدا لربي وذما للزمان فما ... أقل في هذه الدنيا مسراتي وله: يا صاحبي إنّ الزما ... ن كما علمت وما علمته بفني الذي جمّعته ... بيدي ويحصد ما زرعته ويخون من صافيته ... عمدا ويعشق من مقتّه وجهلته فحمدته ... وذممته لما عرفته ولطالما عاتبته ... حتى على رغمي تركته وقال عبد الله بن طاهر: ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى فمن سرّه أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا وقال بعضهم: ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت فقل لجديد الدهر لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل لا بدّ من شت. وقال البستي: صبرا على الدهر الخؤن وريبه ... يا نفس كيلا تبتلي بكلابه

стр. 19

وإذا صبرت على إساءة ظالم ... لا تندمي فثوابه بك لا به ومن قلائد ابن الرومي في هذا المعنى دهر علا قدر الوضيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا، وتعلو فوقه جيفه وأنشدني أبو بكر الطبري: الدهر يستخدم من يخدم ... حتى يذيق الهون من يكرم كالأرض لا تطعم من فوقها ... إلا لكي تطعم من تطعم ولغيره: يا محنة الدهر كفي ... إن لم تكفي فخفي ما إن يكن ترحمينا ... من طول هذا التشفي ذهبت أطلب بختي ... فقيل لي قد توفي نور ينال الثّريا ... وعالم متخفي ولأبي محمد المروزي: تقاضاك دهرك ما أسلفا ... وكدّر عيشك بعد الصفا فلا تنكرن فإنّ الزمان ... جدير بتشتيت ما ألّفا ولأبي جعفر الموسوي: أيّ خير ترجو بنو الدهر في الدهر وما زال قاتلا لبنيه من يعمّر يفجع بفقد الأخلا ... ء ومن مات فالمصيبة فيه

стр. 20

وقلت «١» : أقول والقلب مكدود باحزان ... والصبر أبعد مما بين أجفاني حتى متى أنا يدمي العضّ أنملتي ... غيظا على زمن قد رام أزماني فكل يوم أراني من نوائبه ... كأنني إصبع والدهر أسناني وقلت أيضا: كم إلى كم تبرمي بحياتي ... أتلوى تلوي الحيات تحت عبء من الزمان ثقيل ... وخطوب قوّسن مني قناتي ولابن لنكك البصري [مجزوء الرمل] : يا زمانا ألبس الأح- ... رار ذلا ومهانه لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه كيف أرجو منك خيرا ... والعلا فيك مهانه أجنون ما أراه ... منك يبدو أم مجانه «٢» ولقابوس بن وشمكير [البسيط] : قل للذي بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر ففي السماء نجوم غير ذي عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر

стр. 21

أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر «١» وقال آخر: يا دهر ويحك ماذا الغلط ... وضيع علا وشريف هبط حمار يرتع في روضة ... وطرف بلا علف يرتبط

стр. 22

باب مدح السلطان قد قرن الله طاعته وطاعة النبي ﷺ بطاعة السلطان، حيث قال جل ذكره: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «١» . وقال النبي ﷺ : السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الآصر وعلى الرعية الصبر، وإذا جارت الولاة قحطت السماء» . وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. وقال الفضيل بن عياض ﵀: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان. قيل: ولم تقدمه على نفسك؟ قال: إن دعوتي لنفسي لا تنفع غيري، فإذا كانت له انتعش البلاد والعباد بعدله وصلاحه. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا بد للأنام من وزعة. وقيل للحسن: ما تقول في السلطان؟ فقال: ما عسيت أن

стр. 23

أقول في قوم يلون من أمورنا خمسة، الجمعة والجماعة والثغور والحدود والفيء، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا أو ظلموا ولما يصلح الله بهم أكثر مما يفسد. وقال الجاحظ: لولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا، كما أنه لولا الراعي لأتت السباع على الماشية. ومن الأمثال: جاور ملكا أو بحرا. وفي فصول ابن المقفع: فساد الرعية بلا سلطان كفساد الجسم بلا روح. وفي بعض كتب العجم: إن الملك العادل كالشمس في الشتاء، والقمر في الخريف، والرخاء في جميع الأزمنة، وهو في الأصحاب كالرأس في الجسد، وفي الأولياء كماء الغسل، وفي الحرب كالحريق المشتعل. وقيل: مثل الإسلام والسلطان والأعوان والرعية كالفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد لا يقوم بعض ذلك إلا ببعض. وقال ابن المعتز: الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. وذكر ابن المقفع في يتيمته: السلطان وما للناس من عدله وفضله مع ما يمس بعضهم من الظلم بالغيث الذي يغيث البلاد وينعش العباد ويعم الأودية ويتداعى له البنيان، وتكون فيه الصواعق والرياح التي هي روح النفوس ولقاح الثمار، وبها تسير سحائب الجو وسفائن البحر، وقد تضر بكثير من الناس وتتعدى إلى أموالهم ونفوسهم، وبالشتاء والصيف اللذين بتعاقبهما صلاح الحرث والنسل وحياة الحيوان والنبات، وقد يكون الضر والأذى في البرد إذا لذع والحر إذا سفع، وبالليل الذي جعله الله سكنا ولباسا وقد تعدو فيه هوام الأرض وسباعها ويستوحش به الوحيد وذو العلة والمسافر في القفر، وبالنهار الذي جعله الله ضياء ونشورا ومعاشا وقد تصبح فيه الغارات والوقائع ويكون في ظهائره

стр. 24

النصب واللغوب وليس ما يصل إلى الآحاد والشواذ من مكروه الأمور العامة النفع مزيلا لها عن طريق الحمد، وكذلك المضار إذا اتفقت بأن تتضمن نفعا للقليل من الناس مع إجحافها بالكثير لم تزل عن طريق الذم «١» . باب ذم السلطان قال بعض الحكماء: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي، ويأخذ أخذ السبع. ومن الأمثال: الملك عقيم، أي لا أرحام بين الملوك وبين أحد. وفيها ما من ملك إلا استأثر. وقال المأمون: إن فينا معشر الملوك حسدا واستئثارا ومحكا ولجاجا. وكان أبو علي الصغاني «٢» يقول: من والانا أخذنا ماله، ومن عادانا أخذنا رأسه. وفي كتاب كليلة ودمنة: من سكر السلطان أنه يرضى عمن استوجب السخط، ويسخط على من استوجب الرضا من غير سبب معلوم. وكذلك قالت العلماء: خاطر من ولج في البحر، وأشد مخاطرة منه خادم السلطان. وقيل: أسرع الأشياء تقلبا قلوب الملوك. ويقال: إذا تغير السلطان تغير الزمان. وقيل: سكر

стр. 25

السلطان أشد من سكر الخمر. ويقال: اعتزل السلطان بجهدك فإن من خدمه بحقه وشرطه يحال بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن لم يوف خدمته حقها خسر الدنيا والآخرة. وكان الفضل بن مروان «١» يقول: ما رأيت أقرب رضا من سخط ولا أسرع ما بين قرب رضا وسخط من الملوك. ويقال: ثلاثة لا أمان لهم: البحر والزمان والسلطان. وكان حذيفة بن اليمان «٢» ﵁ يقول: إياكم ومواقف الفتن؛ يعني أبواب السلطان. وقال ملك لبعضهم: لم لا تأتينا؟ قال ما أصنع بإتيانك! وإنك إن أدنيتني فتنتني، وإن أبعدتني أحزنتني. ويقال: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يغتر بهن: المال والصحة والمنزلة من السلطان. وقال البديع «٣» : إن الملوك إن خدمتهم ملّوك وإن لم تخدمهم أذلوك. وكان الضحاك بن مزاحم «٤» يقول: إني لأسهر عامّة ليلي مفكرا ألتمس كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسخط ربي فلا أجدها.

стр. 26

باب مدح عمل السلطان كان معاوية ﵁ يقول: نحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع. وعوتب بعض الحكماء على خطبته عمل السلطان فقال: لقد خطبه وطلبه الصّدّيق بن إسرائيل بن الذبيح بن الخليل، عليهم الصلاة والسلام. حيث قال للملك بمصر: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «١» . وفي كتاب كليلة ودمنة: مثل السلطان في إقباله على الأقرب فالأقرب منه دون الأفضل فالأفضل مثل الكرم الذي لا يتعلق بأبعد الشجر بل بأقربها منه. ومن أمثال هذا الباب قول زياد «٢» في رجل ولي تحصيب «٣» جامع البصرة: آثر الإمارة ولو على الحجارة. ومن أمثال العجم: من تبع الأسود لم يحرم لذيذ الصيد. ومن أمثال بغداد: غبار العمل خير من زعفران التعطيل. وكان يونس النحوي «٤» يقول: الولاية وكل مدح، والعزل وكل

стр. 27

ذم، والشيب وكل عيب. ويقال: أربعة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان والوالد والضيف والاستاذ. وكان أحمد بن إسرائيل «١» يقول: أربعة لا يقيمها إلا عمل السلطان: اتصال الدعوات، واتخاذ القينات والأبنية، والتمتع بالسراري الثمينة. ويقال: من خدم السلطان فهو خادم من جهة، وملك من أخرى، ومن خدم الرعية فهو خادم من كل جهة. ويقال: من خدم السلطان خدمه الإخوان والجيران. وقيل: أربعة لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والسلطان. باب ذم عمل السلطان من أمثال العامة: صاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس، وهو من مركبه أهيب. وقيل: من تحسى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين. وقيل: من أكل من مال السلطان زبيبة أداها ثمرة. وفي كتاب كليلة ودمنة: مثل السلطان كالجبل الصعب المرتقى الذي فيه كل ثمرة طيبة، وكل سبع حطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد. وكان إبراهيم بن العباس «٢» يقول: أصحاب السلطان كقوم رقوا

стр. 28

جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى الردى أبعدهم في المرقى. ويقال: أدوم التعب خدمة السلطان. وقيل: من أراد العز بالسلطان لم ينله حتى يذل. ومن فصول ابن المعتز: أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أشد احتراقا. وقال أيضا: من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. ويقال: لا تتشبث بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد يسلم منه راكبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه واضطراب أمواجه. وقيل: لا يدرك الغنى بالسلطان إلا كل نفس خائفة، وجسم تعب، ودين منثلم، وقد نظمه أبو الفتح البستي، فقال: يا من يرى خدمة السلطان عدته ... ما آرش كدك إلا الكد والندم دع الملوك، فخير من وجودك ما ... ترجوه عندهم الحرمان والعدم إني أرى صاحب السلطان في ظلم ... ما مثلهن إذا قاس الفتى ظلم فجسمه تعب والنفس خائفة ... وعرضه عرضة والدّين منثلم وله أيضا: صاحب السلطان لا بد له ... من غموم تعتريه وغمم والذي يركب بحرا سيرى ... قحم الأهوال من بعد قحم وللصاحب في معناه: إذا أدناك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقب

стр. 29

فما السلطان إلا البحر عظما ... وقرب البحر محذور العواقب ويقال: الولاية حلوة الرضاع، مرة الفطام. وقال بعض الزهاد: تباعد من السلطان، ولا تأمن من خدع الشيطان. ويقال: العزل طلاق الرجال. وقال ابن المعتز: سكر الولاية طيّب ... وخماره ذل شديد كم تائه بولاية ... وبعزله ركض البريد وكان ابن أبي البغل «١» يقول: لا تعدّنّ مال المتصرف مالا، فإنه يغدو غنيا ويروح فقيرا. وفي فصل للصابي تهنئة بالعزل: ليهن مولاي خفة الظهر، ودعة الصدر، بالتفصي «٢» عن العمل الذي هو مع هذه العواقب الوخيمة، والرسوم الذميمة بمنزلة الحبائل المبثوثة، والأشراك المنصوبة.

стр. 30

باب مدح الوزارة الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة، وهي تلو الإمارة والدرجة العليا والرتبة الكبرى في الرياسة والسيادة. ولمنصور النميري في يحيى بن خالد البرمكي: ولو علمت فوق الوزارة رتبة ... تنال بمجد في الحياة لنالها والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يستغنوا عن الوزراء، فكيف العظماء والملوك، وقد نطق القرآن بوزارة هرون لموسى عليهما الصلاة والسلام حيث قال جل وعز حكاية عن دعاء موسى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي «١» . ثم قال في نظام الآية: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى «٢» فدل على أنه جعله وزيره صاحب أمره وشريكه، وأفصح عن حسن أثر موقع الوزارة وجلالتها، ووقوع الحاجة إليها. وكان آصف بن برخيا وزير سليمان ﵊، وكان سيدنا محمد المصطفى ﷺ يقول: لي وزيران من أهل الأرض، ووزيران من أهل السماء، فأما اللذان في الأرض:

стр. 31

فأبو بكر وعمر، وأما اللذان في السماء: فجبريل وميكائيل ﵉ «١» . وقال ﵊: إذا أراد الله بملك خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكّره، وإن نوى خيرا أعانه، أو أراد شرا كفه» «٢» . وقيل: لا تغتر بكرامة الأمير إذا غشك الوزير. وإلى هذا أشار ابن العميد وزاد فيه حيث قال لصديق له من العلوية وكان مختصا بأميره ركن الدولة: وزعمت أنك لست تفكر بعد ما ... علقت يداك بذمة الأمراء هيهات لم تصدقك فكرتك التي ... قد أوهمتك غنى عن الوزراء لم تغن عن أحد سماء لم تجد ... أرضا ولا أرض بغير سماء «٣» والذي يحكم بشرف الوزراء ومكانتهم ومشاركتهم الملوك في الأمور، وتصريف أعنة التدابير، ما في المزدوجة المعروفة بذات الحلل قصيدة ابن المعتز: إذا طلبت نائل الأمبر ... فالطف له من قبل الوزير وكان أنوشروان يقول: لا يستغني أعلم السلاطين عن الوزير، ولا أجود السيوف عن الصقال، ولا أفره الدواب عن السوط، ولا أعقل النساء عن الزوج. وما أحسن قول أبي تمام لمحمد بن عبد الملك

стр. 32

وزير المعتصم والواثق بعده: أبا جعفر إن الخليفة إن يكن ... لو أردنا بحرا فإنك ساحل تقطّعت الأسباب أن يغر لها ... قوي أو يصلها من يمينك واصل وقال آخر: لأمير المؤمنين المرتجى ... بحر جود ليس يعدوه أحد وأبو النجم لمن يقصده ... مشرع منه إلى البحر يرد وكان الصاحب يقول: مدحت بمائة ألف بيت ليس أحب إليّ من قول أبي سعيد الرستمي «١» حيث يقول: ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد يروي عن العباس عبّاد وزا ... رته وإسماعيل عن عبّاد «٢» باب ذم الوزارة كان أحمد بن إسرائيل «٣» يذم الوزارة ويستكثر منه، فلما خطبها

стр. 33

وتقلدها قيل له: ألم تكن تذمها؟ قال: بلى، ولكنها مركب بهي شريف شهي، لا تطيب النفوس بتركه على ما فيه من عظيم الخطر. وقال المأمون لأحمد بن خالد «١» : هل لك في أن استوزرك؟ قال: دعني يا أمير المؤمنين، يكون بيني وبين الغاية درجة يرجوها الصديق، ويخافها العدو، فلست أريد بلوغ الغاية لئلا يقول عدوي قد بلغها، وليس إلا الانحطاط، وقد قال الشاعر: إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن بشناك كان وزيرا وكان إبراهيم بن المدبر «٢» إذا عرضت عليه الوزارة أنشد قول العتابي: تلوم على ترك الغنى باهلية ... نفى الدهر عنها كل طرف وتالد ترى حولها النسوان يرفلن كالدمى ... مقلدة أعناقها بالقلائد فقلت لها لما رأيت دموعها ... تحذرن فوق الخد مثل الفرائد

стр. 34

أسرك أني نلت ما نال جعفر ... من المال أو ما نال يحيى بن خالد وأنّ أمير المؤمنين أعضّني «١» ... معضّهما بالمرهفات البوارد ذريني تجئني ميتتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد فإن عليات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود «٢» وقال بعض الحكماء: أكثر الناس حاسدا وعدوا ومنابذا وزير السلطان. وكان في كتاب مروان: أخوف ما تكون الوزارة عند سكون الدهماء. وقيل: مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء الصافي العذب النمير الذي فيه التماسيح لا يستطيع الإنسان وروده وإن كان عائما وإلى الماء حائما. وللبستي في معناه: حرّضوني على وزارة بست ... ورأوها من أعظم الدرجات قلت لا أشتهي وزارة بست ... إنني لم أمل بعض حياتي وله:

стр. 35

أكتّاب بست كم تفاخركم على ... وزارة بست وهي قاصمة الظهر وزارة بست كالبهاء إذا سرى ... ومدّتها منذ الغداة إلى الظهر فلا تخطبنها إنها ضرّة النهى ... وبغيتها روح البعولة في المهر وله: وزارة الحضرة الكبيرة ... خطيئة بل هي الكبيرة فلا تردها ولا تردها ... فإنها محنة مبيرة

стр. 36

باب مدح العقل قال الله تعالى في شأن تعظيم العقل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «١» ، وقال جل ذكره: اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ «٢» ، وقال عز اسمه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ* «٣» . وقال النبي ﷺ : «الناس يعملون الخيرات، وإنهم يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» «٤» ، وقيل له ﵊ في الرجل الحسن العقل الكثير الذنوب، فقال: «ما من آدمي إلا وله خطايا وذنوب، فمن كانت سجيته العقل لم تضره ذنوبه، لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة تمحو ذنوبه وتدخله الجنة» «٥» . وقال سعيد بن المسيب في قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «٦» يعني ذوي عقل.

стр. 37

وقال مجاهد في قوله تعالى جده: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «١» أي عقل. وقال الضحاك في قوله جل ثناؤه: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «٢» . أي عاقلا «٣» . وقال الحسن: العقل هو الذي يهدي إلى الجنة ويحمى عن النار لقوله حكاية عن أهل النار: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ «٤» . وقال حكيم: لا مال أعوز من العقل. وقيل: العقل أشرف الأحساب، وما عبد الله بمثل العقل. وقال آخر: العقل أحصن معقل. وقال آخر: أشد الفاقة عدم العقل. وقال آخر: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل، فإنه كلما كثر غلا. ومن فصول ابن المعتز: العقل غريزة يربيها التجارب، ومنها: حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن، ومنها: ليست الصورة الإنسان إنما الإنسان العقل، ومنها: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدأها الهوى، ومنها: العقل صفاء النفس والجهل كدرها. وفي كتاب «رهن العيون في الجد والمجون «٥» في مدح العقل، قال

стр. 38

رسول الله ﷺ : «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب، ثم قال: لو أن رجلا قاتل في سبيل الله وحج واعتمر وغزا لما دخل الجنة إلا بمقدار عقله» . وقال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: العقل قرة عين، والجهل رائد حين. وقبل: رغبة العاقل فيما يكفيه، وهم الجاهل فيما لا يعنيه. وقيل: من اتعظ بأبلغ العظات، نظر إلى محلة الأموات، ومصارع الآباء والأمهات، وقلّت فكرته في الشهوات. باب ذم العقل كان يقال: العقل والهم لا يفترقان. وقال ابن المعتز: وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا ومن قصار فصول ابن المعتز: العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه، يفرح بما أظهره الله من محاسنه. وله فصل يليق بهذا الباب في نهاية الحسن: العقل كالمرآة المجلوة يرى صاحبه فيها مساوىء نفسه فلا يزال في صحوه مهموما متعذر السرور، فإذا شرب صدىء عقله بمقدار ما يشرب، فإن أكثر منه غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر له صورة تلك المساوىء فيفرح ويمرح، والجهل كالمرآة الصديئة أبدا فلا

стр. 39

يرى صاحبه إلا مسرورا أبدا نشطا قبل الشرب وبعده. ومن قلائد المتنبي قوله: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم «١» قال أبو الفتح بن جني هذا كقولهم: ما سرّ عاقل قط. ولما عزل عمر بن الخطاب زيادا عن عمل كان يتولاه له، قال له زياد: يا أمير المؤمنين أمن عجز أو خيانة؟ فقال: لا من أحدهما، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. وكان الحسن البصري ﵀ يقول: لو كان للناس كلهم عقول لخربت الدنيا. وقال آخر: لولا الحمقى لبطل العالم. وقال بعضهم: لو كان الناس كلهم عقلاء ما أكلنا رطبا ولا شربنا عذبا، يعني أن العقلاء لا يقدمون على صعود النخيل لاجتناء الرطب، ولا حفر الآبار لاستنباط الماء البارد العذب وينشد: لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل شربت خمرا من خمور بابل ... فصرت من عقلي على مراحل

стр. 40

باب مدح العلوم قد مدح أبو عثمان الجاحظ أنواع العلوم وذمها بأعيانها معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه في البلاغة، وحين سئل عن الأثر قال: هو أخبار الماضين، وأنباء الغابرين، وقصص المرسلين، وآداب الدنيا والدين، ومعرفة الفرض والنافلة، والشريعة والسنّة، والمصلحة والمفسدة، والنار والجنة، إلى صاحبه تشد الرحال، وحوله يعتكف الرجال، ويسير به ذكره في البلدان، ويبقى اسمه على ممر الزمان. قيل: فالفقه؟ قال: فيه علم الحلال والحرام، وبه تعرف شرائع الإسلام، وتقام الحدود والأحكام، وهو عصمة في الدنيا، وزينة في الأخرى، يخطب لصاحبه فضل الأعمال، ويخلع عليه ثوب الجمال، ويلبسه الغنى، ويبلغه مرتبة القضا. قيل: فالكلام؟ قال: عيار كلّ صناعة، وزمام كل عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرجحان، وميزان يعلم به الزيادة والنقصان، ومحك يتميز به الخاص والعام، والخالص والمشوب، ويعرف به الإبريز والستوق، وينظر به الصفو والكدر، وسلم يرتقى به إلى معرفة الصغير والكبير، ويوصل به إلى الحقير والخطير، وأدلة للتفصيل والتحصيل، وإدراك الدقيق والجليل، وآلة لإظهار الغامض المشتبه، وأداة لكشف الخفي الملتبس، وبه تعرف ربوبية الرب وحجة
следующие страницы →