← Адаб

Адаб · id 10509

اللطائف والظرائف

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

باب مدح العقل قال الله تعالى في شأن تعظيم العقل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «١» ، وقال جل ذكره: اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ «٢» ، وقال عز اسمه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ* «٣» . وقال النبي ﷺ : «الناس يعملون الخيرات، وإنهم يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» «٤» ، وقيل له ﵊ في الرجل الحسن العقل الكثير الذنوب، فقال: «ما من آدمي إلا وله خطايا وذنوب، فمن كانت سجيته العقل لم تضره ذنوبه، لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة تمحو ذنوبه وتدخله الجنة» «٥» . وقال سعيد بن المسيب في قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «٦» يعني ذوي عقل.

стр. 37

وقال مجاهد في قوله تعالى جده: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «١» أي عقل. وقال الضحاك في قوله جل ثناؤه: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «٢» . أي عاقلا «٣» . وقال الحسن: العقل هو الذي يهدي إلى الجنة ويحمى عن النار لقوله حكاية عن أهل النار: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ «٤» . وقال حكيم: لا مال أعوز من العقل. وقيل: العقل أشرف الأحساب، وما عبد الله بمثل العقل. وقال آخر: العقل أحصن معقل. وقال آخر: أشد الفاقة عدم العقل. وقال آخر: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل، فإنه كلما كثر غلا. ومن فصول ابن المعتز: العقل غريزة يربيها التجارب، ومنها: حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن، ومنها: ليست الصورة الإنسان إنما الإنسان العقل، ومنها: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدأها الهوى، ومنها: العقل صفاء النفس والجهل كدرها. وفي كتاب «رهن العيون في الجد والمجون «٥» في مدح العقل، قال

стр. 38

رسول الله ﷺ : «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب، ثم قال: لو أن رجلا قاتل في سبيل الله وحج واعتمر وغزا لما دخل الجنة إلا بمقدار عقله» . وقال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: العقل قرة عين، والجهل رائد حين. وقبل: رغبة العاقل فيما يكفيه، وهم الجاهل فيما لا يعنيه. وقيل: من اتعظ بأبلغ العظات، نظر إلى محلة الأموات، ومصارع الآباء والأمهات، وقلّت فكرته في الشهوات. باب ذم العقل كان يقال: العقل والهم لا يفترقان. وقال ابن المعتز: وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا ومن قصار فصول ابن المعتز: العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه، يفرح بما أظهره الله من محاسنه. وله فصل يليق بهذا الباب في نهاية الحسن: العقل كالمرآة المجلوة يرى صاحبه فيها مساوىء نفسه فلا يزال في صحوه مهموما متعذر السرور، فإذا شرب صدىء عقله بمقدار ما يشرب، فإن أكثر منه غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر له صورة تلك المساوىء فيفرح ويمرح، والجهل كالمرآة الصديئة أبدا فلا

стр. 39

يرى صاحبه إلا مسرورا أبدا نشطا قبل الشرب وبعده. ومن قلائد المتنبي قوله: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم «١» قال أبو الفتح بن جني هذا كقولهم: ما سرّ عاقل قط. ولما عزل عمر بن الخطاب زيادا عن عمل كان يتولاه له، قال له زياد: يا أمير المؤمنين أمن عجز أو خيانة؟ فقال: لا من أحدهما، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. وكان الحسن البصري ﵀ يقول: لو كان للناس كلهم عقول لخربت الدنيا. وقال آخر: لولا الحمقى لبطل العالم. وقال بعضهم: لو كان الناس كلهم عقلاء ما أكلنا رطبا ولا شربنا عذبا، يعني أن العقلاء لا يقدمون على صعود النخيل لاجتناء الرطب، ولا حفر الآبار لاستنباط الماء البارد العذب وينشد: لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل شربت خمرا من خمور بابل ... فصرت من عقلي على مراحل

стр. 40

باب مدح العلوم قد مدح أبو عثمان الجاحظ أنواع العلوم وذمها بأعيانها معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه في البلاغة، وحين سئل عن الأثر قال: هو أخبار الماضين، وأنباء الغابرين، وقصص المرسلين، وآداب الدنيا والدين، ومعرفة الفرض والنافلة، والشريعة والسنّة، والمصلحة والمفسدة، والنار والجنة، إلى صاحبه تشد الرحال، وحوله يعتكف الرجال، ويسير به ذكره في البلدان، ويبقى اسمه على ممر الزمان. قيل: فالفقه؟ قال: فيه علم الحلال والحرام، وبه تعرف شرائع الإسلام، وتقام الحدود والأحكام، وهو عصمة في الدنيا، وزينة في الأخرى، يخطب لصاحبه فضل الأعمال، ويخلع عليه ثوب الجمال، ويلبسه الغنى، ويبلغه مرتبة القضا. قيل: فالكلام؟ قال: عيار كلّ صناعة، وزمام كل عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرجحان، وميزان يعلم به الزيادة والنقصان، ومحك يتميز به الخاص والعام، والخالص والمشوب، ويعرف به الإبريز والستوق، وينظر به الصفو والكدر، وسلم يرتقى به إلى معرفة الصغير والكبير، ويوصل به إلى الحقير والخطير، وأدلة للتفصيل والتحصيل، وإدراك الدقيق والجليل، وآلة لإظهار الغامض المشتبه، وأداة لكشف الخفي الملتبس، وبه تعرف ربوبية الرب وحجة

стр. 41

الرسل، ويحترز به من شبهات المقالات وفساد التأويلات، وبه تدفع مضلات الأهواء والنحل، وتبطل تأويلات الأديان والملل، وينزه عن غباوة التقليد وغمة الترديد. قيل: فالفلسفة؟ قال: أداة الضمائر، وآلة الخواطر، ونتائج العقل، وأدلة لمعرفة الأجناس والعناصر، وعلم الأعراض والجواهر، وعلل الأشخاص والصور، واختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا والغرائز. قيل: فالنجوم؟ قال: معرفة الأهلّة، ومقادير الأطلة، وسموت البلدان، وأقدام الزوال في كل وقت وزمان، وعلم ساعات الليل والنهار في الزمان والنقصان، وأمارات الغيوث والأمطار، وأوقات سلامة الزرع والثمار. قيل: فالطب؟ قال: سائس الأبدان، والمنبه على طبائع الحيوان، وبه يكون حفظ الصحة ومرمة العلة، والوقوف على المنافع والمضار، والإبانة عن خبايا الأسرار، وعلم يضطر إليه الخاص والعام، ويفتقر إليه الناس والأنعام، لا يستغني عنه الصغير والكبير، ويحتاج إليه الحقير والخطير. قيل: فالنحو؟ قال: يبسط من العي اللسان، ويجري من الحصر البيان، وبه يسلم من هجنة اللحن وتحريف القول، وهو آلة لصواب المنطق وتسديد كلام العرب. قيل: فالحساب؟ قال: علم طبيعي لا خلاف عليه، واضطراري لا مطعن فيه، ثابت الدلالة، صائب المقالة، واضح البرهان، شديد البنيان، سالم من المناقضة، خال من المعارضة،

стр. 42

حاكم يقطع الخلاف، مؤد إلى الإنصاف والانتصاف، وبه حفظ الأعمال، ونظام الأموال، وقوام أمور الملوك والتجار، وثبات قوانين البلاد والأمصار. قيل: فالعروض؟ قال: ميزان الشعر. وعيار النظم، ورائض الطبع، وسائس الفهم، وبه يعرف الصحيح من المريض، وفلك عليه مدار القريض. قيل: فالتعبير؟ قال: علم نبوي، وسفير إلهي، وإشارة سماوية، وعبارة غيبية، وبشير ونذير يخبر عن الأشياء الغائبة والحاضرة، وينبىء عن أمور الدنيا والآخرة. قيل: فالخط؟ قال: لسان اليد، ولهجة الضمير، ووحي الفكر، وناقل الخبر، وحافظ الأثر، وعمدة الدين والدنيا، ولقاح اللفظ والمعنى. قال مؤلف الكتاب: فهذا آخر ما حكي عن الجاحظ في مدح العلوم. وهذا ما أحاضر به في مدح العلم والعلماء. عن النبي ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» «١» . ويقال: العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والملوك حكام الناس، والعلماء حكام على الملوك. وقال بعض العلماء: ليس شيء أعز من العلم. وقال بعض العلماء: إنا لم نطلب العلم لنحيط به كله، إذ لا سبيل إلى ذلك، ولكن لنستكثر من الصواب ونستقل من الخطأ. وقال رسول الله ﷺ : «طلب العلم

стр. 43

فريضة على كل مسلم» «١» ، وقال ﵇: «أطلبوا العلم ولو بالصين» «٢» ، وقال صلوات الله وسلامه عليه: «لا خير فيمن لا يكون عالما أو متعلما» «٣» . ومن فضائل العلوم أن شهادة أهلها مقرونة بشهادة الله تعالى جده، وملائكته في قوله عز اسمه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ «٤» . وقال علي ﵁: «كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه» «٥» . ويقال: العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، لولا العلم لكان الناس كالبهائم. وقال بعض الحكماء: العلم حياة القلوب ومصباح الأبصار. وقال ابن المعتز في فصوله: علم الرجل ولده المخلد. وقال أيضا: الجاهل صغير وإن كان شيخا، والعالم كبير وإن كان حدثا. وقال أيضا: ما مات من أحيا علما. وقلت في الكتاب المبهج: العلم أشرف ما وعيت، والخير أفضل ما أوعيت. وفيه: العلماء أعلام الإسلام، وأمان الإيمان. قال الشاعر: العلم خير أداة أنت جامعها ... تلقى الرجال به في الحفل إن حفلوا وآفة العلم أن ينسى وأفضله ... ما وافق العلم ممن يكمل العمل وقال أيضا:

стр. 44

إذا العلم لم تعمل به صار حجّة ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله ويقال: جالسوا عين قومكم يعظم حلمكم، ويكثر علمكم. وقال سلمان: علم لا يقال ككنز لا ينفق. ويقال: باب من العلم جسيم: إذا سئلت عن الذي لا تعلم، فقلت: لا أعلم. باب ذم العلوم سئل الجاحظ عن العلوم فأجاب بخلاف ما تقدم، ونقض ما هناك أبرم. سئل عن الكلام فقال: متفاوت الأصول، قليل المحصول، همة مناظر متملق، وآلة مهذار متمشدق؛ قيل: فالفقه؟ قال: يعتقد بالآراء، ويتقلد بالأهواء، دقيقه لا يلحق، وجليله لا ينفق، وهو من علوم المدابير، المحير في التدابير؛ قيل: فالحديث؟ قال: همة ضعيف، وآلة مسن؛ قيل: فالفلسفة؟ قال: كلام مترجم، وعلم مرجم، بعيد مداه، قليل جدواه، مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة؛ قيل: فالنجوم؟ قال: حدس وترجيم، وخسف وتنجيم، صوابه عسير، وغلطه كثير، حرفة مجدود، وصناعة غير محدود؛ قيل: فالطب؟ قال: موضوع على التخمين والحدس، وتعليل النفس، لا يوصل منه إلى الحقيقة، ولا يحكم فيه بالوثيقة؛ قيل: فالنحو؟ قال: علم مخترع، وقياس مبتدع، ثقيل على الأسماع، قليل الارتفاع والانتفاع، علم معدم، وصناعة معلم؛ قيل: فالعروض؟ قال: علم مولّد، وأدب

стр. 45

مستبرد، يثكل العقول، ويستولد الغفول، مستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول؛ قيل: فالحساب؟ قال: مستعجم عسير، ومستوخم كدر، بعيد الإدراك، شديد الاشتباه والاشتباك؛ قيل: فالتعبير؟ قال: ظن وحسبان، لا يثبت به دليل ولا برهان، ولا يقوم عليه شاهد ولا تبيان، علم مضعوف، وصناعة مكفوف؛ قيل: فالخط؟ قال: قليل الرد، يسير الرفد، وصناعة مورق، وبضاعة مزوّق. فهذا ما نقل عن الجاحظ في مدح العلوم وذمها. وتقول أهل بغداد في أمثالهم: جهل يعولني، خير من علم أعوله، ومن أمثالهم: كف بخت، خير من كر علم، وفي ذلك قيل: وما أصنع بالعلم ... إذا أعطيت بالجهل وقال ابن أبي البغل: الصّعو «١» يصفو آمنا من جهله ... حبس الهزار لأنّه مترنم لو كنت أجهل ما علمت لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم وقال غيره: المال يستر كلّ عيب في الفتى ... والمال يرفع كلّ نذل ساقط فعليك بالأموال فاقصد جمعها ... واضرب بكتب العلم عرض الحائط

стр. 46

وكتب إلى عمر بن شبة بعض أصدقائه: أجفاء يا ابن شبّه ... بعد نصح ومحبّه ولزوم للدواوي- ... - ن وما يعطوك حبّه ليس يغني عنك عند ال ... - قوم سفيان وشعبه فالزم الجهل فإنّ ال ... جهل عند القوم رتبه ودع العلم فإن ال ... علم في ذا الدهر سبّه وقال بعض الشعراء للقاضي ابن خلاد الرامهرمزي «١» : قل لابن خلّاد إذا جئته ... مستندا في المسجد الجامع هذا زمان ليس يحظى به ... حدثنا الأعمش عن نافع «٢»

стр. 47

باب مدح الخط والقلم يقال: القلم أحد اللسانين. وقال اقليدس: القلم صانع الكلام يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسكبه اللب؛ وقال أيضا: الخطّ هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية؛ وقال أفلاطون: الخط عقل العقل. وقال جعفر بن محمد، ﵄: لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم «١» ؛ وقال المأمون: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة؛ وقال ثمامة «٢» : ما أثرته الأقلام، لا تطمع في دروسه الأيام؛ وقال ابن المعتز: القلم مجهز لجيوش الكلام يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، كأنه يفتح باب بستان، أو يقبل بساط سلطان؛ وقيل: الأقلام مطايا الأوهام فامتطوها يطّرد لكم الكلام، ويسهل بجريها النظام. ويقال: عقول الرجال تحت أسنة أقلامها «٣» ؛ وعن بعض الفلاسفة أنه قال: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض. وقال مؤلف الكتاب: قد نوّه الله باسم الكتابة وعظم من شأنها

стр. 48

إذ أضافها إلى نفسه جل ذكره، وإن لم تكن تلك الإضافة من النوع الذي يضاف إلى خلقه، ولا راجعة بوجه من الوجوه إلى شبهه، إلا أنه دلنا بها على علو رتبتها وشرف منزلتها، فقال عز من قائل: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ «١» . وقال تعالى جده: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٢» ، وقال سبحانه: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «٣» . وجعل ﷻ من ملائكته كتبة سفرة، وهم أرفع الخلق درجة وقال عز ذكره: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ «٤» ، وقال تعالى: وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ «٥» ، وقال جل ذكره: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ «٦» ، ومعلوم أنه لو لم تكتب أعمال العباد كانت محفوظة لا يتخللها خلل، ولا يتداخلها نسيان ولا زلل، لكنه علم، عز اسمه، أن نسخ الكتاب أبلغ في التحذير، وأوكد في الإنذار، وأهيب في الصدور، وأراد تعريف عباده فضيلة الخط والكتابة واقسم، عز اسمه، بالآلة التي تتهيأ بها الكتابة، وهي القلم، فقال: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ «٧» ، كما أقسم بالأشياء الجليلة الأقدار، الكبيرة الأخطار في نفوس عباده وعيون بلاده، كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض؛ وذاكرت في هذا أبا الفتح البستي فأنشدني لنفسه:

стр. 49

إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم ... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة ... مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم وفي رسالة، لمؤلف الكتاب أوردها في كتاب النظم والنثر وحل عقد السحر «١» للمجلس الرفيع، أولها في طريق اللغز وأخرها في مدح القلم: ما أصم سميع، أخرس بليغ، ضعيف قوي، مهين عزيز، دقيق الجسم جليل الفعل، نحيل الشخص، سمين الخطب، حقير المنظر، شهير المخبر، صغير الجرم عظيم الجرم ... إلخ؛ وقال ابن المعتز: إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتح نورا أو ينظّم جوهرا وقال كشاجم: وإذا نمّمت بنانك خطا ... معربا عن ملاحة وسداد عجب الناس من بياض معان ... تجتلى من سواد ذاك المداد وقال البستي: إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كمي هزّ عامله وإن أقر على رق أنامله ... أقرّ بالرق كتّاب الأنام له

стр. 50

باب ذم الخط والقلم قال ابن المعتز: وأجوف مشقوق كأنّ سنانه ... إذا استعجلته الكفّ منقار لاقط وتاه به قوم فقلت رويدكم ... فما كاتب بالكف إلّا كشارط وقال أبو العلاء المعري: لو كان في الخط فضيلة لما حرمها رسول الله ﷺ ؛ وقال بعض أولاد الأمراء: الخط صناعة، ولا تحسن الصناعة بالملوك؛ وقال كشاجم: سل بي عن الأيام تعرف ... أني ابن دهر ليس ينصف وبلاغتي معروفة ... سهل وأخطاها التكلف وسطور خط مونق ... كالرّوض والبرد المفوّف والخط ليس بنافع ... ما لم يكن في خط مصحف وقال بعض الحكماء: ماذا لقينا من الكتاب في الدنيا والآخرة؟ أما في الدنيا فقد بلينا به وأخذنا بحفظ فرائضه وإقامة شرائطه، وأما في الآخرة فإنا نلقاه منشورا بسرائرنا وخفايا ضمائرنا؛ وذكر الجاحظ عامة الكتاب فقال: أخلاق حلوة وشمائل معسولة، وثياب مغسولة، وتظرف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإذا صلوا بنا الامتحان والاختبار، وعرضوا على محك الاعتبار، كانوا كالزبد يذهب جفاء، أو كنبات الربيع في الصيف تحركه هيفاء الرياح، لا يستندون إلى وثيقة، ولا يدينون بحقيقة، أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن

стр. 51

البخس لعهودهم ودياناتهم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ «١» . وقال الشاعر: وإذا أخطأ الكتابة حظ ... عدمت تاؤها فصارت كآبه ومن ملح ما قيل في ذم الكتابة لأبي عروس: تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظّرف والآداب فأتى بكتاب لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتّاب وقوله أيضا: وكاتب يقرأ القرآن في سند ... من بعد حين وأما بعد في حين لا يعرف الفرق في عمرو ولا عمر ... جهلا ولا الفرق بين السين والشين ولبعض أهل العصر: وكاتب كتبه تذكرني القرآن ... حتى أظل في عجب فاللفظ قالوا: قلوبنا غلف ... والخطّ تبت يدا أبي لهب وقيل: فلان قد صدأ فهمه، وتبلد طبعه، وتكدر خاطره؛ ويقال: خط ممجمج «٢» ، ولفظ ملجلج «٣» .

стр. 52

باب مدح الأدب قال بزرجمهر: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب، وأي شيء فات من أدرك الأدب. وقال ابن عائشة القرشي «١» : أهل الأدب هم الأكثرون وإن قلوا، ومحل الأنس أين حلوا. وقال خالد بن صفوان لابنه: يا بني الأدب بهاء الملوك ورياش السوقة، والناس بين هاتين، فتعلمه تجده حيث تحب. وقيل: الأدب وسيلة إلى كل فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة. وقلت في الكتاب المبهج: حلية الأدب لا تخفى وحرمته لا تجفى. وقال البريدي» : ليس الفتى كلّ الفتى ... إلا الفتى في أدبه وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه وقال بعض الظاهرية: لو علم الجاهلون ما الأدب، لأيقنوا أنه هو الطرب. وقال حكيم لابنه: يا بني عز السلطان يوم لك ويوم

стр. 53

عليك، وعز المال وشيك ذهابه، جدير انقطاعه وانقلابه، وعز الحسب إلى خمول ودثور وذبول، وعز الأدب راتب واصب لا يزول بزوال المال، ولا يتحول بتحول السلطان. ويقال: من قعد به حسبه، نهض به أدبه. وقال ابن المعتز: لست تعدم من الأديب كرما من طبعه، أو تكرما من أدبه. وقال أيضا: الأدب صورة العقل، فحسن عقلك كيف شئت. باب ذم الأدب كان يقال: إذا كثر أدب الرجل قل خيره، ومن قل خيره كثر ضيره. وقال الحمدوني، ويروي للخليل بن أحمد البصري: ما ازددت في أدبي حرفا أسرّ به ... إلا تزيدت حرفا تحته شوم إن المقدّم في حذق بصنعته ... أنّى توجه فيها فهو محروم وقال أبو الحسن الممشادي: إذا سرّك أن تحظى ... وأن تلبس قوهيا من الخزّ أو الوشي ... يمانيا وسوسيّا وأن تصبح ذا عز ... فكن علجا نبيطيا وإن سرّك حرمان ... به تصبح مقليا فكن ذا أدب جزل ... وكن مع ذاك نحويا وقال آخر:

стр. 54

إذا هممت بشأو قلت إني قد ... أدركته أدركتني حرقة الأدب لا تغبطن أديبا ما له نشب ... لا خير في أدب إلّا مع النشب وقال بعضهم: حرفة الأدب حرقة. ويقال: للأدب حرقة لا يخلو منها أديب؛ وفي هذا الباب من غير هذا الكتاب القابوس: ولي همة فوق السّماك محلها ... ولكن لحظّي في الحضيض نصيب رأى الفلك الدوار سعيي فقال لي: أتسألني حظا وأنت أديب

стр. 55

باب مدح الشعر والشعراء كان يقال: الشعر ديوان العرب «١» ، ومعدن حكمتها وكنز أدبها. ويقال: الشعر لسان الزمان، والشعراء للكلام أمراء «٢» . وقال بعض السلف: الشعر أدنى مروءة السرى، وأسرى مروءة الدنى. وقال آخر: الشعر جزل من كلام العرب تقام به المجالس، وتستحج به الحوائج، وتشفى به السخائم. ويقال: المدح مهزة الكرام وإعطاء الشاعر من بر الوالدين «٣» . وقال بعضهم: أنصف الشعراء، فإن ظلامتهم تبقى، وعقابهم لا يفنى، وهم الحاكمون على الحكام. وقال آخر: الشعر الجيد هو السحر الحلال، والعذب الزلال. وقال النبي ﷺ : «إنّ من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا «٤» » . وعنه ﵊: «أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد «٥» : ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل. وقال له النبي، ﵊: صدقت. ثم قال: وكلّ نعيم لا محالة زائل. قال النبي، ﵊: كذبت نعيم الجنة لا يزول. وقال بعضهم: ربّ بيت شعر خير من بيت تبر. وكان عمر،

стр. 56

رضي الله عنه، لا يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر. وكان يقال: النثر يتطاير تطاير الشرر، والشعر يبقى بقاء النقش في الحجر. وقال آخر: الشعر صوب العقول، وكلام الفحول. وقيل لحمزة بن بيض: من أشعر الناس؟ قال: من إذا قال أسرع، وإذا وصف أبدع، وإذا مدح رفع، وإذا هجا وضع. وقال دعبل في كتابه الموضوع في مدح الشعراء: إنه لا يكذب أحد إلا اجترأه الناس فقالوا: كذاب إلّا الشاعر فإنه يكذب ويستحسن كذبه، ويحتمل ذلك له ولايكون عيبا عليه، ثم لا يلبث أن يقال: أحسنت. وفيه أن الرجل الملك أو السوقة إذا صير ابنه في الكتاب أمر معلمه أن يعلمه القرآن والشعر، فيقرنه بالقرآن ليس لأن الشعر كهو، ولا كرامة للشعر، لكنه من أفضل الآداب، فيأمره بتعليمه إياه لأنه توصل به المجالس، وتضرب فيه الأمثال، وتعرف به محاسن الأخلاق ومشاينها، فتذم وتحمد، وتهجي وتمدح، وأيّ شرف أبقى من شرف يبقى بالشعر. وفيه أن أمرأ القيس كان من أبناء الملوك وكان من أهل بيته وبني أبيه أكثر من ثلاثين ملكا فبادوا وباد ذكرهم وبقي ذكره إلى القيامة، وإنما أمسك ذكره شعره. وقال مؤلف الكتاب: وأحسن ما مدح به الشعر قول أبي تمام حيث يقول: ولولا خلال سنّها الشعر ما درى ... بنات المعالي كيف تبنى المكارم وأحسن منه: أرى الشعر يحيي الجود والباس بالذي تبقيه أرواح له عطرات

стр. 57

وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات وكان النبي ﷺ يرتجز وينشد بيت طرفة ولا يقيم وزنه «١» . فصل لأبي بكر الخوارزمي «٢» جامع في مدح الشعراء: ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلّا منهم، والكذب مذموم ومردود إلا فيهم، إذا ذموا ثلموا، وإذا مدحوا سلبوا، وإذا رضوا رفعوا الوضيع، وإذا غضبوا وضعوا الرفيع، وإذا أقروا على أنفسهم بالكبائر لم يلزمهم حد، ولم تمتد إليهم بالعقوبة يد، غنيهم لا يصادر، وفقيرهم لا يستحقر، وشيخهم يوقر، وشابهم لا يستصغر، وسهامهم تنفذ في الأعراض، وشهادتهم مقبولة وإن لم ينطق بها سجل، ولم يشهد بها عدل، وسرقتهم مغفورة وإن جاوزت ربع دينار، وبلغت ألف قنطار، إن باعوا المغشوش لم يرد عليهم، وإن صادروا الصديق لم يستوحش منهم، بل ما ظنك بقوم هم صيارفة أخلاق الرجال، وسماسرة النقص والكمال، بل ما ظنك بقوم اسمهم ناطق بالفضل، واسم صناعتهم مشتق من العدل، بل ما ظنك بقوم هم أمراء الكلام يقصرون طويله ويطولون قصيره، يقصرون ممدوده، ويخففون ثقيله، ولم لا أقول ما ظنك بقوم: يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ وفِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ «٣» .

стр. 58

باب ذم الشعر والشعراء كان يقال: الشعر رقية الشيطان، ولذلك قال جرير وهو يمدح عمر بن عبد العزيز ويصف ترفعه عن استماع الشعر: رأيت رقى الشيطان لا يستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا وقيل ليحيى بن خالد: لم لا تقول الشعر؟ فقال: شيطانه أخبث من أن أسلطه على عقلي. وقال غيره: لا خير في شيء أحسنه أكذبه. وكان أبو مسلم يقول: إياكم والشعراء، فإنهم يهجون جليسهم، ويطلبون على الكذب مثوبة وجعلا. وقال غيره: لا تجالس الشاعر فإنه إذا غضب عليك هجاك، وإذا رضي عنك كذب عليك. وقد وصفهم الله تعالى ومتبعيهم من رواتهم بالصفة الخاصة بهم فقال: الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «١» الآية، وقرنهم بشر صنف من منتحلي الأباطيل وهم الكهنة، فقال: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ «٢» ، ومن أحسن وأصدق ما ذم به الشاعر قول عبد الصمد بن المعدل لأبي تمام وقد قصد البصرة وشارفها: أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجه مذال لست تنفكّ طالبا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال أيّ ماء لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى وذلّ السؤال «٣»

стр. 59

فلما بلغت الأبيات أبا تمام قال: صدق الله وأحسن، وثنى عنانه عن البصرة، وحلف لا يدخلها أبدا. وقال أبو سعيد المخزومي: الكلب والشاعر في حالة ... يا ليتني لم أكن شاعرا أما تراه باسطا كفّه ... يستطعم الوارد والصادرا ولبعضهم: إني أرى الشعراء أفنوا دهرهم ... في وصف كلّ حبيبة وحبيب وسواهمو يحظى بما وصفوا له ... فهموا كما القوّاد في الترغيب لكن ترى القوّاد يظفر بالعطا ... وهمو بمقت الله والتكذيب وقال أبو سعيد الرستمي الأصبهاني: تركت الشعر للشعراء إني ... رأيت الشعر من سقط المتاع «١» قيل: إن ظفر بن سعيد كان أديبا فاضلا لبيبا، كتب على حاشية الكتاب هذين البيتين، وأخذته غيرة الأدب فقال: كذب قائل هذا الشعر لقد وهم فيما شبه: إذا كان الكلب يلقى إليه لقائط الموائد، وهذا يخص بأنواع الفرائد، وذاك يطعم رحمة، وهذا يعطى خشية، وله من الفضائل ما يقرع طباع اللئيم ويهز عطف الكريم، ويستدل بصناعته على جواهر المعاني ولو قال هذين البيتين لأصاب وأنصف: يمدح أقواما يرجي الغنا ... وإنما يحرك في نحسه يكذب في المدح ويعطونه ... وعدا ويقضى الدين من جنسه

стр. 60

باب مدح الكتب والدفاتر قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدّا؛ وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائبه، وإن شئت ألهتك مضاحكه، وإن شئت أشجتك مواعظه. فالكتاب نعم الظهر والعمدة، ونعم الكنز والعدة، ونعم الذخر والعقدة ونعم النزهة والعشرة، ونعم الشغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير النزيل. وهو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستبيح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستطيلك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك. وهو الذي يعطيك بالليل طاعته بالنهار، ويفيدك في السفر إفادته في الحضر، لا يعتل بنوم ولا ضجر، ولا يعتريه كلال سهر، وهو المعلم الذي افتقرت إليه لم يحتقرك، وإذا قطعت عنه المادة والمائدة لم يقطع عنك العادة والعائدة، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك وإن قلّ مالك لم يترك زيارتك. ثم قال: متى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة تقل في حجر، ينطق عن الأموات، ويترجم كلام الأحياء، ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاسق، وبساكت ناطق، وبحار بارد،

стр. 61

وبطبيب أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت ممتع. ثم قال: ولولا ما وسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت في عجائب حكمتها، ودونت من محاسن سيرها، وفتنت من بدائع أثرها، حتى شاهدنا ما غاب عنا، وفتحنا كل مستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه إلّا بهم. ثم قال: ولولا الكتب المدونة، والأخبار المفننة لبطل أكثر العلم، ولغب سلطان النسيان سلطان الفهم «١» . وقال مؤلف الكتاب: حدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ كتابا فيه مآثر غطفان، فقال: ذهبت المكارم إلا من الدفاتر، قال: وسمعت الحسن اللؤلؤي يقول: عبرت أربعين عاما ما قلت ولا بت إلا والكتاب موضوع على صدري. وقال المؤلف: وكثيرا ما أذكرني آكل الوجبة وأنا أنظر في كتاب جديد وقع إليّ ولا أصبر عنه إلى وقت فراغي من الأكل؛ وسمعت أبا نصر سهل بن المذمال يقول: كثيرا ما أفعل مثل ذلك، وكان يقول: إنفاق الفضة على كتب الآداب يخلف عليك ذهب الألباب. وقال الحسن بن طباطبا العلوي في بعض الكتب: الكتب حصون العقلاء إليها يلجأون، وبساتينهم بها يتنزهون، وقال: اجعل جليسك دفترا في نشر ... للميت من حكم العلوم نشور

стр. 62

وكتاب علم للأديب مؤانس ... ومؤدب ومبشر ونذير ومفيد آداب ومؤنس وحشة ... وإذا انفردت فصاحب وسمير وللمتنبي: أعزّ مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب باب ذم الكتب والدفاتر يقال: الكتاب علم لا يعبر معك الوادي، ولا يعمر بك النادي؛ وقيل في معناه: إني لأكره علما لا يكون معي ... إذا خلوت به في جوف حمّام وقيل: من تأدب من الكتاب صحف الكلام، ومن تطبب منه قتل الأنام، ومن تنجم منه أخطأ في الأيام، ومن تفقه منه غيّر الأحكام. قال الشاعر: ليست علومك ما حوته دفاتر ... لكن علومك ما حوته صدور ولمؤدب لي كان في صباي أنشدني: صاحب الكتب تراه أبدا ... غير ذي فهم ولكن ذا غلط

стр. 63

كلما فتشته عن علمه ... قال علمي يا خليلي في سفط فإذا قلت له هات إذن ... حك لحييه جميعا وامتخط وأنشد الجاحظ لمحمد بن يسير «١» : إذ لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع «٢» ولم أستفد غير ما قد جمعت لقيل هو العالم المصقع ولكنّ نفسي إلى كلّ شيء ... من العلم تسمعه تنزع «٣» فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ولا أنا من جمعه أشبع ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع «٤» إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع ثم كان، قاتله الله، شديد الصبابة بالعلم، كثير الصيانة له. وأنشد يونس النحوي: استودع العلم قرطاسا فضيّعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس وللأستاذ الطبري رسالة في آفات الكتب نظمها بعض تلامذته فقال:

стр. 64

عليك بالحفظ دون الجمع في كتب ... فإن للكتب آفات تفرقها الماء يغرقها والنار تحرقها ... واللصّ يسرقها والفار يخرقها

стр. 65

باب مدح التجارة قد ذكر الله تعالى التجارة في القرآن حيث قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ «١» . وقال عز اسمه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا «٢» . وقال جل ذكره: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ «٣» . وقال النبي ﵊: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه» «٤» ، والكسب في القرآن التجارة. وقال ﵊: «التاجر الصدوق مع النبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا» «٥» . وقال ﵊: «تسعة أعشار الرزق في التجارة» «٦» . وكان ﷺ برهة من الدهر تاجرا، وشخصا مسافرا، وباع واشترى حاضرا، ولا شتهار أمره في ذلك قال المشركون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فأوحى

стр. 66

الله تعالى إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ «١» ، فاخبر جل اسمه أن الأنبياء قبله قد كانت لهم تجارات وصناعات. وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، يقول: ما ميتة بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحلي، أضرب في أرض الله، وابتغي من فضل الله. وكان بعض السلف يقول: الأسواق موائد الله في أرضه، فمن أتاها أصاب منها. وعن مجاهد في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ «٢» . يعني التجارة في الأسواق، وقيل: التجارة امارة، والأرباح توفيقات. باب ذم التجارة فى الخبر عن النبي ﷺ : «لو شئت حلفت لكم أن التاجر فاجر» «٣» ، وقال ﵇: «ما أوحى إليّ أن أجمع وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن أسبح بحمد ربي وأكون من الساجدين» «٤» . وكان الضحاك يقول: ما من تاجر ليس بفقيه إلا أكل من الربا شيئا. وكان ابن عمر ﵄ يقول: ويل للتجار من: لا والله وبلى والله. وكان علي ﵁ يقول: تفقه

стр. 67

ثم اتجر، فإن التاجر فاجر، إلا من أخذ الحق وأعطاه «١» . ويروى أن إبليس لما استنظر فانظر قال: إلهي، أين بيتي؟ قال: الحمّام، قال: ما مصائدي؟ قال: النساء، قال: أين مجلسي؟ قال: السوق. وكان أبو الدرداء يقول: إياكم ومجالس الأسواق، فإنها تلغي وتلهي. وقال الحسن: الأسواق مصلحة للأموال، مفسدة للدين. وقيل: إياكم وجيران الأغنياء، وقراء الأسواق، وفقهاء الرساتيق. وقيل: ويلهم ما أغفلهم عما أعد لهم. قال الشاعر: إذا ما غضب السوقي ... فالحبة ترضيه وقال آخر: ما للتجار وللسخاء وإنما ... نبتت لحومهم على القيراط وقال ابن الرومي: ربّ أطلق يدي في كل شيخ ... ذي رياء بسمته وسكونه تاجر فاجر جموع منوع ... يرهق الناس باقتضاء ديونه وقال: كلوا مال التجار وسوقوهم إلى وقت، فإنهم لئام، وليس عليكم في ذلك إثم، فإن جميع ما جمعوا حرام. وقال عكرمة: أشهد على كل وزان كيال بالنار. وفي الخبر: «إياكم والأسواق «٢» ، فإن الشيطان قد باض فيها وفرخ» . وقال بعض الأشراف لصديق له: لا تسلم ابنك في شيء من أنواع الكسب، فإنها تورث لا محالة لؤم

стр. 68

الطبع وظلمة القلب وقصور الهمة وعي اللسان وسوء الأدب. ولبعضهم: قد ترى يا ابن أبي اسحق «١» في ودّك عقده ... وكذا السّوقّي للإخوان سوقي الموده

стр. 69

باب مدح الضياع حدّث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ﵂، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» «١» وكان عروة يقول: ازرع أما لك أرض؟ أما سمعت قول القائل: أقول لعبد الله لما لقيته ... يسير بأعلى الرقمتين مشرقا تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يوما أن تجاب وترزقا وقال بعض السلف: من أراد أن يتوسع في الرزق فليقتن مع تجارة له ضيعة، ألا ترى أن الله تعالى قد قرن بينهما في كتابه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » . وقيل لسفيان بن عيينة: ما بال الرجل يبيع الضيعة فلا يبارك له في ثمنها. فقال: أما سمعتم قوله تعالى في وصف الأرض: وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها «٣» . فكيف يبارك في ثمن يزيل عن ملكه شيئا قد بارك الله فيه. وفي الخبر: «من باع عقارا ولم

стр. 70

يصرف ثمنه في مثله كان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» «١» . وقال إسماعيل بن صبيح «٢» لصديق له: اتخذ لك ضيعة تعينك إذا جاءتك الاخوان. وقيل: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر وفي الكتاب المبهج: فلاح المعيشة في الفلاحة ولا ضيعة على من له ضيعة، وفيه: قص جناح المال الطيار باعتقال العقار، وفيه: ليس بحازم من باع العقار، وابتاع العقار، وشرى الماء، واشترى الإماء. وعن أنس بن مالك، ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «إن قامت القيامة وفي يدك فسيلة فاغرسها» «٣» . وروى الجاحظ باسناد له عن عبد الله بن سلام: «لا تدع غرس يدك ولو سمعت أن الدجال خرج» «٤» ، وقيل لعثمان بن عفان ﵁: أتغرس بعد الكبر؟ قال: لأن توافيني الساعة وأنا من المصلحين، خير من أن توافيني وأنا من المفسدين؛ وقيل لأبي الدرداء وهو يغرس جرزة: أتغرس بعد الكبر وأنت شيخ وهي لا تطعم إلا بعد عشرين سنة أو ثلاثين؟ فقال: وما عليّ أن يكون الأجر لي والهناء لغيري؟ ويقال: مر كسرى بشيخ كبير يغرس فسيلة فقال: أترى أن تأكل من ثمرها؟ فقال: لا ولكنني وجدت أرض الله عامرة فأحببت

стр. 71

أن لا تخرب على يدي. ويقال: إن شيخا كان يغرس شجر النارجيل وهي لا تثمر إلا بعد أربعين سنة فمر به كسرى وقال له: أتعيش إلى أن تأكل منها؟ فقال الشيخ: غرسوا وأكلنا ونغرس فيأكلون، فقال كسرى: زه زه وأمر له بأربعة آلاف درهم، وكان من عادته ذلك لمن يقول له زه، فقال الشيخ: أيها الملك إن غرس السابقين أثمر بعد أربعين سنة، وغرسنا أثمر في يومه، فقال كسرى: زه، وأمر له بأربعة آلاف مثلها. وسئل واحد «١» : أي المال أفضل؟ فقال: عين خرارة في أرض خوارة، قيل: ثم ماذا؟ قال: الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل، يريد بها النخل. وقال الشاعر: استغن أو مت ولا يغررك ذو نسب ... من ابن عم ولا عم ولا خال إنّي مكب على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الأخوان ذو حال كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا نداي إذا ناديت يا مالي وقلت في المبهج: إذا ما نقل الدهقا ... ن غلات الرساتيق فكم من نعمة بيضاء ... في سود الجواليق

стр. 72

وقلت أيضا: يا رب أنت وهبتها لي نعمة ... أضحت تعين على الزمان ببرها ووهبت منها نعمة لا تلهني ... يا ربّ أنت بسكرها عن شكرها باب ذم الضياع قلت في المبهج: الضيعة ضائعة ما لم تدبرها بقوة ساعد وجد مساعد، وفيه الضياع: مدارج الغموم وكتب وكلائها سفاتج «١» الهموم، وقلت في رقعة إلى وكيل أجبته بها: يا رقعة طويت على حيّات ... وعقارب كدّرن ماء حياتي ما أنت إلّا من تباريح الجوى ... وسفاتج الأحزان والحسرات وكأن أحرفك الكريهة أعين ... لرواقب أو ألسن لوشاة أو كالضّياع رقاع قيمتها إذا ... وافت أتت بحوادث الآفات وقلت أيضا: قد قلت قولا سديدا ... يروي العطاش بمائه إنّ الخراج خراج ... دواؤه في أدائه هو منظوم من قول الصاحب حيث قال: الخراج دواؤه في أدائه.

стр. 73

وذكرت الضياع وجلالتها ونوائبها بحضرة ابي العباس أحمد بن محمد بن الفرات فأنشدني: هي المال إلا أنّ فيها مذلة ... فمن شاء قاساها ومن ملّ باعها وقال أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي لابن محمد السلمي «١» : قد كانت الضيعة فيما مضى ... تعد من يملكها ذاهبه فصار من يملكها يومنا ... مهجته في حفظها ذاهبه يستغرق الغلة في خرجها ... وتفضل الكلفة والنائبه فإن يقم صاحبها كل ذا ... ينجو وإلا نتفوا شاربه

стр. 74

باب مدح الدور والأبنية كان يقال: جنة الرجل داره، وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني دارك قميصك فوسعه كيف شئت. وذكر الأحنف الدور فقال: لتكن أول ما يشترى وآخر ما يباع، وقيل لبعض الناس: ما السرور؟ فقال: دار قوراء، وامرأة حسناء، وفرس مرتبط بالغناء. وينشد: ومن المروءة للفتى ... ما عاش دار فاخره فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره وكان يقال: دار الرجل عشه، وفيها يطيب عيشه. وقال السلامي «١» في كتابه «نتف الظرف» : الدور للناس كالعش للطير والأوجرة للوحش، والحجرة للحشرات، ودار الرجل مأوى نفسه، وموضع أمنه ومسكن قلبه، ومجمع أهله، ومحرز ملكه، ومأنس ضيفه، وملتقى صديقه وعدوّه، فلا شيء أصعب على الناس من خروجهم من ديارهم؛ وقد قرن الله تعالى الخروج منها بالقتل حيث قال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ «٢» . وقال المتوكل لأبي العيناء: كيف ترى

стр. 75

دارنا هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين رأيت الناس يبنون الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. وقال بعض الأشراف لابنه: يا بني حسّن أثرك في هذه الدنيا بالبناء الحسن، واسمع قول الشاعر: ليس الفتى بالذي لا يستصاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار ولا تنس قول الآخر: إنّ آثارنا تدلّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار ومن أحسن ما قيل في بناء الملوك قول علي بن الجهم «١» : وما زلت أسمع أنّ الملو ... ك تبني على قدر أخطارها فلما رأيت بناء الاما ... م رأيت الخلافة في دارها وكان جعفر بن سليمان الهاشمي يقول: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة، وداري عين المربد. ومن أحسن ما سمع في التهنئة بالدور قول أبي القاسم الزعفراني في الصاحب «٢» : سرّك الله بالبناء الجديد ... نلت حال الشكور للمزيد هذه الدار جنّة الخلد في الدنيا فصلها واختصّها بالخلود ولمؤلف الكتاب في الأخشيد بجرجانية:
следующие страницы →