Полный текст (324 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
محاسن طلب الرزق
قال عمرو بن عتبة: «من لم يقدمه الحزم أخره العجز» ، وقال رسول الله ﷺ : يقول الله ﵎: «يابن آدم أحدث لي سفراً أحدث لك رزقاً» ، وفي بعض الحديث «سافروا تغنموا» . وقال الكميت بن زيد الأسدي:
ولن يزيح هموم النفس إن حضرت ... حاجات مثلك إلا الرحل والجمل
وقال أبو تمام الطائي:
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال بعض الحكماء: «لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان، فإن الكريم محتال والدنيء عيال وأنشد يقول:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا
وتقول العامة: «كلب جوال خير من أسد رابض» ، وتقول: «من غلى دماغه صائفاً، غلت قدره شاتياً» . ووقع عبد الله بن طاهر: «من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام» . هذا المعنى سرقه من توقيعات أنوشروان فإنه يقول: «هرك روذ جرد هرك خسبد خراب ببند» . وأنشد:
كفى حزناً أن النوى قذفت بنا ... بعيداً وأن الرزق أعيت مذاهبه
ولو أننا إذ فرق الدهر بيننا ... غنى واحدٍ منا تمول صاحبه
стр. 142
ولكننا من دهرنا في مؤونةٍ ... يكالبنا طوراً وطوراً نكالبه
وقال آخر:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو ينال غنيمةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
وقال آخر:
وليس الرزق عن طلبٍ حثيثٍ ... ولكن أدل دلوك في الدّلاء
تجئك بملئها حينا وطورا ... تجيّ بحمأة وقليل ماء
وضده، قيل: وجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة، مكتوب عليه: «كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ﵇ خرج ليقبس ناراً، فنودي بالنبوة» . وبلغنا عن ابن السماك أنه قال:
«لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم مشغولاً بما أنت مسؤول عنه غداً، وإياك والفضول، فإن حسابها يطول» . قال الشاعر:
إني علمت، وعلم المرء ينفعه ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلبه ... ولو قعدت، أتاني لا يعنيني
وقال آخر:
لعمرك ما كل التعطل ضائر ... ولا كلّ شغل فيه للمرء منفعة
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواءً، فاغتنم لذة الدعة
وقال آخر:
سهل عليك، فإنّ الرزق مقدور ... وكل مستأنفٍ في اللوح، مسطور
أتى القضاء بما فيه لمدته ... وكل ما لم يكن فيه، فمخطور
لا تكذبن فخير القول أصدقه ... إن الحريص على الدنيا لمغرور
؟ وقال آخر:
لا تعتبن على العباد، فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه
стр. 143
وقال آخر:
هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبرٌ على حال
يوما تريش خسيس القوم ترفعه ... دون السّماء ويوما تخفض العالي
وقال آخر:
اصبر على زمن جم نوائبه ... فليس من شدةٍ إلا لها فرج
تلقاه بالأمس في عمياء مظلمةٍ ... ويصبح اليوم قد لاحت له السرج
وقال آخر:
ألا رب راج حاجةً لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو آيس
يجول لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي الذي تقضى له وهو جالس
وقال آخر:
فلما أن عنيت بما ألاقي ... وأعيتني المسائل بالقروض
دعوت الله لا أرجو سواه ... وربّ العرش ذو فرج عريض
وقال آخر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌ ... أبشر بخيرٍ كأن قد فرج الله
اليأس يقطع أحياناً بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله
وقال آخر:
وإذا تصبك من الحوادث نكبةٌ ... فاصبر، فكل بليةٍ تتكشّف
стр. 144
محاسن المواعظ
قال الأصمعي «١» : حججت، فنزلت ضرية، فإذا أعرابي قد كور عمامته على رأسه، وقد تنكب قوساً؛ فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس! إنما الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقرّ. فخذوا من ممرّكم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. أما بعد، فإنه لن يستقبل أحدٌ يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله؛ فاستعجلوا لأنفسكم لما تقدمون عليه، لا لما تطعنون عنه؛ وراقبوا من ترجعون إليه، فإنه لا قويّ أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق، ولا مهرب من الله إلا إليه؛ وكيف يهرب من يتقلّب بيني يدي طالبه «وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة، فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» .
وقال بعض الأعراب: «إن الموت ليقتحم على بني آدم كاقتحام الشيب على الشباب؛ ومن عرف الدنيا لم يفرح بها فهو خائف، ولم يحزن فيها على بلوى؛ ولا طالب أغشم من الموت، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه» . وقال أعرابي: «كيف يفرح بممر تنقصه الساعات، وبسلامة بدن معرض للآفات؟ لقد عجبت من المرء يفرّ من الموت، وهو سبيله، ولا أرى أحد إلا استدركه الموت» . وقيل: وجد في كتاب من كتب بزرجمهر صحيفة مكتوب فيها: «إن حاجة الله إلى عباده أن يعرفوه؛ فمن عرفه لم يعصه طرفة عين. كيف البقاء مع الفناء، وكيف يأسى
стр. 145
المرء على ما فاته، والموت يطلبه» ؟ وقال كسرى: «لم يكن من حق علمه أن يقتل وإني لنادم على ذلك ... قال: وحضرت الوفاة رجلاً من حكماء فارس فقيل له: «كيف حالك» ؟ قال: «كيف يكون حال من يريد سفراً بعيداً بغير زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجة، ويسكن قبراً موحشاً بغير أنيس» ؟
وضده، قيل: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، جزع أبوه عليه جزعاً شديداً، فقال ذات يوم لمن حضره: «هل من منشد شعراً يعزيني به أو واعظ يخفف عني فأتسلى به» ؟ فقال رجل من أهل الشام: «يا أمير المؤمنين كل خليل مفارق خليلة بأن يموت أو يذهب إلى مكان» ، فتبسم عمر بن عبد العزيز وقال: «مصيبتي فيك زادتني إلى مصيبتي مصيبة» .
وأصيب الحجاج بن يوسف بمصيبة، وعنده رسول لعبد الملك بن مروان، فقال: «ليت إني وجدت إنساناً يخفف عني مصيبتي» ، فقال له الرسول: «أقول» ، قال: «قل» قال: «كل إنسان مفارق صاحبه بموت أو بصلب أو بنار تقع عليه من فوق البيت، أو يقع عليه البيت، أو يسقط في بئر، أو يغشى عليه أو يكون شيء لا يعرفه» . فضحك الحجاج وقال:
«مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حين وجه مثلك رسولاً» .
стр. 146
محاسن الدنيا [ومساوئها]
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن لها عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه يكسبون فيها الرحمة، ويربحون فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببنيها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها، وشوقت بسرورها إلى السرور، وببلائها إلى البلاء تخويفاً وتحذيراً، وترغيباً وترهيباً. فيا أيها الذام للدنيا والمفتتن بغرورها متى غرتك: أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك؟ تبتغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، وتلتمس لهم الدواء؟ لم تنفعهم بطلبتك، ولم تشفعهم بشفاعتك، ولم تستشفهم باستشفائك بطبك. مثلت بهم الدنيا مصرعك ومضجعك، حيث لا ينفعك بطاؤك، ولا يغني عنك أحباؤك» .
ثم التفت إلى قبور هناك، فقال: «يا أهل الثراء والعز، الأزواج قد نكحت، والأموال قد قسمت، والدور قد سكنت. هذا خير ما عندنا، فما خير ما عندكم» ؟ ثم قال لمن حضر: «والله، لو أذن لهم لأجابوا بأن خير الزاد التقوى» . وأنشد:
ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع الله من نالها
من لم يواس من فضلها ... عرض للإدبار إقبالها
قال أبو حازم «١» : «الدنيا طالبة ومطلوبة. طالب الدنيا يطلبه الموت
стр. 147
حتى يخرجه منها، وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه» . وقال الحسن البصري: «بينا أنا أطوف بالبيت، إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت:
«من أنت» ؟ فقالت: «من بنات ملوك غسان» ، قلت: «فمن أين طعامك» ؟ قالت: «إذا كان آخر النهار، جاءتني امرأة متزينة، فتضع بين يدي كوزاً من ماء، ورغيفين، قلت لها: «أتعرفينها» ؟ قالت: «اللهم لا» . قلت: «هي الدنيا خدمت ربك، جل ذكره، فبعث إليك الدنيا فخدمتك» .
وضده، زعموا أن زياد أبن أبيه مر بالجدة، فنظر إلى دير هناك، فقال لخادمه: «لمن هذا» ؟ قيل له: «هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر» ، فقال: «ميلوا بنا إليه نسمع كلامها» ، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: «كلمي الأمير» ، فقالت: «أأوجز أم أطيل» ؟ قال: «بل أوجزي» ، قالت: «كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا، وما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا» ، قال: فأمر لها بأوساق من شعير، فقالت: «أطعمتك يد شبعاء جاعت، ولا أطعمتك يد جوعاء شبعت» ، فسر زياد بكلامها، فقال لشاعر معه: قيد هذا الكلام ليدرس، فقال:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتىً ذاق طعم الخير منذ قريب
ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان، فألفاها وهي تبكي، فقال لها: «ما يبكيك» ؟ قالت: «ما من دار امتلأت سرورا إلّا امتلأت بعد ذلك تبوراً» ، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
قال: وقالت حرقة بنت النعمان «٢» لسعد بن أبي وقاص: «لا جعل الله
стр. 148
لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم إليك حاجة، وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمة، ولا أزالها بغيرك إلا جعلك سبباً لردها عليه» .
قال: وقال عبد الله بن مروان لسلم بن يزيد الفهمي: «أي الزمان أدركت أفضل وأي ملوكه أكمل» ؟ قال: «أما الملوك فلم أر إلّا ذاماً وحامداً، وأما الزمان فرفع أقواماً ووضع آخرين، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم ويهرم صغيرهم، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل» ، قال: «فأخبرني عن فهم» ، قال: هم كما قال الشاعر:
درج الليل والنهار على فه م بن عمرو فأصبحوا كالرميم
وخلت دارهم فأضحت قفاراً ... بعد عز وثروة ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغني من الرجال
وإن كان الغني أقل خيراً ... بخيلاً بالقليل من النوال
فلا أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من المحال
أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي
قال: أنا، وقد كتمتها. قال: ولما دخل علي صلوات الله عليه المدائن فنظر إلى إيوان كسرى أنشد بعض من حضره قول الأسود بن يعفر «١» :
ماذا يؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد «٢»
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
стр. 149
أرض تخيرها لطيب نسيمها ... كعب بن مامة وابن أم دواد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفاد
وقال علي صلوات الله عليه: «أبلغ من ذلك قول الله تعالى: «كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك، وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» .
وقال عبد الله بن المعتز: «أهل الدنيا كركب، يسار بهم، وهم نيام» . وقال غيره: «طلاق الدنيا مهر الجنة» ، وذكروا أن إعرابياً ذكر الدنيا، فقال: «هي جمة المصائب، رنقة المشارب» . وقال آخر: «الدنيا لا تمتعك بصاحب» . قال أبو الدرداء: «من هوان الدنيا على الله تعالى إنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها» . وقال: «إذا أقبلت الدنيا على امرىء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه» .
وقال الشاعر:
أيا دنيا حسرت لنا قناعاً ... وكان جمال وجهك في النقاب
ديار طالما حجبت وعزت ... فأصبح إذنها سهل الحجاب
وقد كانت لنا الأيام ذلت ... فقد قرنت بأيام صعاب
كأن العيش فيها كان ظلاً ... يقلبه الزمان إلى ذهاب
قال الأصمعي: وجد في دار سليمان بن داود، ﵇، على قبته مكتوباً:
ومن يحمد الدنيا لشيء يسره ... فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةً ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وكان إبراهيم بن أدهم «١» ينشد:
стр. 150
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وقال أبو العتاهية:
يا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف القوم كلهم ... فأنظر إلى ملك في زي مسكين
ذاك الّذي عظمت في النّاس همّته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين
وقال آخر:
هب الدنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى زوال
وقال محمود الوراق «١» :
هي الدنيا فلا يغررك منها ... مخائل تستفز ذوي العقول
أقل قليلها يكفيك منها ... ولكن لست تقنع بالقليل
تشيد وتبتني في كل يوم ... وأنت على التجهز للرحيل
ومن هذا على الأيام تبقى ... مضاربه بمدرجة السيول
وقال آخر:
دنيا تداولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل
وثبات دنيا ما تزال ملمةً ... منها فجائع مثل وقع الجندل
وقال آخر:
حتى متى أنت في دنياك مشتغل ... وعامل الله بالرحمن مشغول
وقال أبو نواس الحسن بن هانيء:
دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع
стр. 151
؟
ولا تجمع لك المال ... فما تدري لمن تجمع
ولا تدري أفي أرض ... ك أم في غيرها تصرع؟
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وهو يقول: بينا أنا أدور في بعض البراري، إذا أنا بصوت:
وإن امرأ دنياه أكثر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
فقلت: «أإنسي أم جني؟» ، فلم يجبني، فنقشته على خاتمي.
قال: وسمع يحيى بن خالد بيت العدوي في وصفه الدنيا:
حتوفها رصد، وعيشها نكد ... وشربها رنق، وملكها دول
فقال: «لقد نظن في هذا البيت صفة الدنيا» قال: وسمع المأمون بيت أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
فقال: «لو سئلت الدنيا عن نفسها ما وصفت نفسها كصفة أبي نواس» . وقيل للحسن البصري: «ما تقول في الدنيا» ؟ قال: «ما أقول في دار، حلالها حساب، وحرامها عقاب» ، فقيل: «ما سمعنا كلاماً أوجز من هذا» . قال: «بلى، كلام عمر بن عبد العزيز، كتب إليه عدي بن أرطأة: «ولهي على حمص، قد تهدمت واحتاجت إلى صلاح حيطانها» ، فكتب إليه: «حصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم، والسلام» .
стр. 152
محاسن الزهد
قال محمد بن الحسن عن أبي همام، وكان قد عرف ضيغماً: كنت معه في طريق مكة، فلما بعدنا في الرمل، نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر، فبكى ضيغم، فقلت: «لو دعوت الله أن يمطر علينا، كان أخف على هذه الإبل» ، قال: فنظر إلى السماء وقال: «إن شاء الله فعل» ، قال: «فو الله ما كان إلا أن تكلم، حتى نشأت سحابة، فهطلت» .
وعن عطاء بن يسار أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقاً، فعرض له سائل فأعطاه بعضه، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقي، فأتى النجارين، فملأ مزوده من نشارة الخشب، وأتى منزله فألقاه، وخرج هارباً من أهله، فاتخذت المرأة المزود فإذا دقيق حواري، لم تر مثله فعجنته وخبزته، فلما جاء قال: «أين لك هذا» ؟ قالت: «الدقيق الذي جئت به» .
وعن أبي عبد الله القرشي، عن صديق له قال: دخلت بئر زمزم فإذا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو، فأخذته، فشربت فضلته، فإذا هو سويق لم أر أطيب منه؛ فلما كانت القابلة في ذلك الوقت جاء الرجل، وقد أسبل ثوبه على وجهه، ونزع الدلو فشرب ثم أرسله فأخذته فشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل، لم أر شيئاً قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فانظر من هو ففاتني، فلما كان في الليلة الثالثة قعدت قبالة زمزم في ذلك الوقت، فجاء الرجل، وقد أسبل ثوبه على وجهه، فنزع الدلو، فشرب، وأرسله، وأخذته، وشربت فضلته، فإذا هو
стр. 153
أطيب من الأول، فقلت: «يا هذا أسالك برب هذه البنية من أنت» ؟ قال:
«تكتم علي حتى الموت» ؟ قلت: «نعم» . قال لي: «أنا سفيان الثوري، وكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها لا أجد جوعاً ولا عطشاً» . وقال الأصمعي: «أرأيت إعرابياً يكدح جبهته في الأرض يريد أن تجعل سجادة» . فقلت: «ما تصنع» ؟ قال: «إني وجدت الأثر في وجه الرجل الصالح» .
وقال الشاعر:
كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيقضي ليوم حبس طويل
إنّ في البعث والحساب شغلا ... عن وقوف برسم ربع محيل
وقال آخر:
إن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار
يا رب أسرفت في ذنبي ومعصيتي ... وقد علمت يقيناً سوء آثاري
فاغفر ذنوباً إلهي قد أحطت بها ... رب العباد وزحزحني عن النار
وقال ذو الرمة:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب يطيع
وقال أبو نواس:
أيا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة فاعلمن شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وقال أيضاً:
سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيف مهين
يسوقهم من قرار ... إلى قرار مكين
стр. 154
يجوز خلقاً فخلقاً ... في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون
وقال آخر:
أخي ما بال قلبك ليس ينقى ... كأنّك ما تظنّ الموت حقّا
ألا يابن الذين مضوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما لك غير تقوى الله زاد ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
وقال آخر:
يا قلب مهلاً وكن على حذر ... فقد لعمري أمرت الحذر
ما لك بالترهات مشتغلاً ... أفي يديك الأمان من سقر
وقال آخر:
إن كنت تؤمن بالقيامة ... واجترأت على الخطيه
فلقد هلكت وإن جحد ... ت فذاك أعظم للبليه
وقال آخر:
وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء
فما أرجو سواه لكشف ضري ... ولا أفزع إلى غير الدعاء
ولا أدعو إلى اللإواء كهفاً ... سوى من لا يصم عن الدعاء
وضده، قيل: كان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد، فافتقده المؤذن أياماً، فصار إليه، وقرع بابه عليه، فخرج إليه، فقال له المؤذن:
«أبو من» ؟ قال: «أبو الجحيم» ، قال: «بئس، يا هذا رد الباب» .
قال: وقيل للقيني: «ما أيسر ذنبك» ؟ قال: «ليلة الدير» . قيل له: «وما ليلة الدير» ؟ قال: «نزلت بدير نصرانية فأكلت عندها طفشيلاً بلحم خنزير، وشربت خمرها، وفجرت بها، وسرقت كساءها، وخرجت» .
قيل أتى خمسة من الفتيان إلى قرية، فنزلوا على باب خان، فقام
стр. 155
أحدهم يصلي، والباقون جلوس، فمرت بهم نبطية، فقالوا: «دلينا على قحبة» قالت: «نعم، كم انتم» ؟ قالوا: «نحن أربعة» ، فأومى ألى الذي يصلي، بيده: سبحان الله! أنا الخامس» . وقال الشاعر:
وإنني في الصلاة أحضرها ... ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا
أقعد في سجدة إذا ركعوا ... وأرفع الرأس إن هم سجدوا
أسجد والقوم راكعون معاً ... وأسرع الوثب إن هم قعدوا
فلست أدري إذا هم فرغوا ... كم كان تلك الصلاة والعدد
وقال آخر:
وأصلي فأغلط الدهر فيما ... بين سبع وأربع وثمان
ومواقيت حينها لست أدري ... ما أذان موقت من أذان
وقال آخر:
نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حماد
عدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنه الحداد
فأبيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
وقال آخر:
إن قرأ العاديات في رجب ... لم يعد منها إلا إلى رجب
بل نحن لا نستطيع في سنة ... نختم تبت يدا أبي لهب
стр. 156
محاسن النساء [الشاعرات]
قيل: كان رسول الله ﷺ يستحسن قول الخنساء في صخر أخيها:
لا بدّ من ميتة في صرفها غير ... والدهر من شأنه حول وإضرار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وقيل للخنساء: «صفي لنا صخراً» ؟ فقالت: «كان مطر السنة الغبراء، وذعاف «١» الكتيبة الحمراء» . قيل: «فمعاوية» ؟ قالت: «حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل» . قيل: «فأيهما كان عليك أحنى» ؟ قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت:
أسدان محمرا المخالب نجدةً ... غيثان في الزّمن الغصوب الأعسر
قمران في النادي رفيعا محتد ... في المجد فرعا سؤدد متخير
وروي إنها دخلت على عائشة أم المؤمنين، عليها صدار من شعر، فقالت لها عائشة: أتتخذين الصدار، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله» ؟
فقالت: «يا أم المؤمنين! زوجي كان رجلاً متلافاً منفقاً، فقال لي: لو أتيت معاوية فاستعنته، فخرجت وقد لقيني صخر، فأخبرته فشاطرني ماله ثلاث مرات، فقالت له امرأته: لو أعطيتها من شرارها- تعني الإبل- فقال:
تا لله لا أمنحها شرارها ... وهي حصان قد كفتني عارها
стр. 157
وإن هلكت مزقت خمارها ... واتخذت من شعر صدارها
فلما هلك صخر اتخذت هذا الصدار، ونذرت أن لا أنزعه حتى أموت» . قال ثور بن معن السلمي: حدثني أبي قال: دخلت على الخنساء في الجاهلية وعليها صدار من شعر، وهي تجهز ابنتها، فكلمتها في طرح الصدار، فقالت: «يا حمقاء والله لأنا أحسن منك عرساً، وأطيب منك درساً، وأرق منك نعلا، وأكرم منك بعلا» . قال عبد الرحمن بن مرة عن بعض أشياخه أن عمر بن الخطاب قال للخنساء: «ما أقرح مآقي عينيك» ؟
قالت: «بكائي على السادات من مضر» ، قال: «يا خسناء إنهم في النار» ، قالت: «ذلك أطول لعويلي» . ومما اخترنا من أشعارها قولها:
تفرقني الدهر قرعاً وغمزاً ... وأوجعني الدهر نهشاً ووخزا
وأفنى رجالي فبادوا معاً ... فأصبح قلبي لهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمىً يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وكانوا سراة بني مالك ... وزين العشيرة مجداً وعزا
وهم في القديم صحاح الأدي ... م والكائنون من الناس حرزا
بسمر الرماح وبيض الصفاح ... فبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا
حززنا نواصي فرسانكم ... وكانوا يظنون أن لا تحزا
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا
نعف ونعرف حق القرى ... ونتخذ الحمد ذخراً وكنزا
ونلبس في الحرب نسج الحديد ... وفي السلم نلبس خزاً وقزا
وروي خبر الخنساء من جهة أخرى: ذكروا أنها أقبلت حاجة، فمرت بالمدينة ومعها أناس من قومها، فأتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: «هذه خنساء، فلو وعظتها فقد طال بكاؤها في الجاهلية والإسلام» ، فقام عمر وأتاها وقال: «يا خنساء» ، قال: فرفعت رأسها، فقالت: «ما تشاء وما الذي تريد» ؟ فقال: «ما الذي أقرح مآقي عينيك» ؟ قالت: «البكاء على سادات مضر» . قال: «إنهم هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاد اللهب، وحشو
стр. 158
جهنم» ، قالت: «فداك أبي وأمي، فذلك الذي زادني وجعاً» ، قال:
«فأنشديني ما قلت» ، قالت: «أما أني لا أنشدك ما قلت قبل اليوم، ولكني أنشدك ما قلته الساعة» ، فقالت:
سقى جدثاً أعراق غمرة دونه ... وبيشه ديمات الربيع ووابله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات قبلك شاغله
وأرعيهم سمعي إذا ذكروا الأسى ... وفي الصدر مني زفرة لا تزايله
فقال عمر: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا.
ليلى الأخيليلة هاجها رجل من قومها فقال:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أيراً أغر محجلاً
فأجابته:
تعيرني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا
ذكروا أنها دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال لها: «يا ليلى هل بقي في قلبك من حب توبة، فتى الفتيان، شيء» ؟ قالت: «وكيف أنساه» ؟ وهو الذي يقول يا أمير المؤمنين:
ولو أن ليلى في ذرى متمنّع ... بنجران لا لتفّت علي قصورها
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعماً ... وبيضك في خضراء غصن نصيرها
تقول رجال لا يصيرك نأيها ... بلى كلّ ما شفّ الفنّوس يصيرها
أيذهب ريعان الشباب ولم أزر ... كواعب في همدان بيضاً نحورها
قال: «عمرك الله أن تذكيه» . ولتوبة في ليلى الأخيلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدىً من جانب القبر صائح
ولو أن ليلى في السماء لأصعدت ... بطرفي إلى ليلى العيون اللّوامح
стр. 159
فلما مات توبة، مز زوج ليلى بليلى على قبره، فقال لها: «سلمي على توبة فإنه زعم في شعره أنه يسلم عليك تسليم البشاشة» ، فقالت: «ما تريد إلى من بليت عظامه» ، فقال: «والله لتفعلن» ، فقالت وهي على البعير: «سلام عليك يا توبة، فتى الفتيان» . وكانت قطاة مستظلة في ثقب من ثقب القبر، فلما سمعت الصوت، طارت وصاحت، فنفر البعير ورمى بليلى فماتت، فدفنت إلى جنب قبر توبة. قال: وسأل الحجاج ليلى:
«هل كان بينك وين توبة ريبة قط» ؟ قالت: «لا والذي أسأله صلاحك أنه مرة قال لي قولاً ظننت أنه خنع لبعض الأمر» فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى فارغ وخليل
فما كلمني بعد ذلك بشيء، حتى فرق بيني وبينه الموت.
قال الحجاج: «فما كان بعد ذلك» ؟ قالت: لم يلبث أن قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عباد فقل بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلةً ... من الدهر لا يسري إلي خيالها
فلما سمعت الصوت، خرجت، فقلت:
وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... تعز علينا حاجة لا ينالها
قال: ودخلت ليلى على الحجاج فأنشدته قولها فيه:
إذا نزل الحجاج أرضاً سقيمةً ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة ثناها
أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
فوصلها الحجاج بألف دينار، وقال: لو قلت: «بدل غلام همام لكان أحسن» .
هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان قيل: لما قتل شيبة وعتبة، ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، رثتهم هند فقالت:
стр. 160
إني رأيت فساداً بعد إصلاح ... في عبد شمس فقلبي غير مرتاح
هاجت لهم ادمعٌ تترى ومنبعها ... من رأس محروبة إن لها لاحي
لما تنادت بنو فهرٍ على حنقٍ ... والموت بينهم ساعٍ لأرواح
كأنما النسج في قتلى مصرعةٍ ... سرجٌ أضاءت على جدرٍ وألواح
يا آل هاشم إنا لا نصالحكم ... حتى نرى الخيل تردي كل كفاح
إن يمكن الله يوماً من هزيمتكم ... يورث نساءكم داءً بتقراح
فأجابتها عمرة بنت عبد الله بن رواحة الأنصاري:
يا هند مهلاً لقد لا قيت مهبلةً ... يوم الأعنة والأرواح في الراح
أسدٌ غطارفةٌ غرٌ جحاجحةٌ ... أبناء محصنةٌ بيضٌ لجحجاح
هنالك الفوز والرضوان إن صبروا ... مع الرسول فما آبوا بتقباح
الله أهلكهم والأوس شاهدةٌ ... والخزرج الغر فيهم كلّ مجتاح
لا تبعدنّ فإنّي غير صارخة ... وكيف تصرخ ذات البعل: يا صاح
стр. 161
النساء الماجنات
قال سليمان بن عبد الملك: «أنشدوني أحسن ما سمعتم من شعر النساء» ، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين سار رجل من الظرفاء في بعض طرقاته، إذا أخذته السماء، فوقف تحت مظلة ليستكن من المطر، وجارية مشرفة عليه، فلما رأته حذفته بحجر فرفع رأسه وقال:
لو بتفاحةٍ رميت رجونا ... ومن الرمي بالحصاة جفاء
فأجابته:
ما جهلنا الذي ذكرت من الشّك ... ل ولا بالذي نراه خفاء
وداية معها، فقالت:
قد بدأتيه ما ذكرت وجدي ... ليت شعري فهل لهذا وفاء
وسائلة في الباب، فقالت:
قد لعمري دعوتها فاجابت ... هي داءٌ، وأنت منه شفاء
قال سليمان: «قاتلها الله هي والله أشعرهم» .
عنان جارية الناطفي، قال السلولي: دخلت يوماً على عنان وعندها رجل أعرابي، فقالت: «أيا عم لقد أتى الله بك» ، قلت: «وما ذاك» ؟ قالت:
«هذا الأعرابي دخل علي فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتاً» ، فقلت لها: «قولي» ، فقالت: «قد رتج علي، فقل أنت» ، فقلت:
لقد جد الفراق وعيل صبري ... عشية عيرهم للبين زمت
стр. 162
فقال الأعرابي:
نظرت إلى أواخرها ضحيا ... وقد بانت وأرض الشام أمت
فقالت عنان:
كتمت هواكم في الصدر مني ... على أن الدموع علي نمت
فقال الأعرابي: «أنت والله أشعرنا، ولولا أنك بحرمة رجل لقبلتك، ولكني أقبل البساط» . وقال بعضهم: دخلت علي عنان فإذا عليها قميص يكاد يقطر صبغة وقد تناولها مولاها بضرب شديد وهي تبكي فقلت:
إن عناناً أرسلت دمعها ... كالدر إذ ينسل من سمطه
فقالت وأشارت إلى مولاها:
فليت من يضربها ظالماً ... تجف يمناه على سوطه
فقال مولاها: «هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالماً أو غير ظالم» .
قال: واجتمع أبو نواس، والفضل الرقاشي، والحسين الخليع، وعمرو الوراق، ومحكم بن رزين، والحسين الخياط «١» في منزل عنان فتناشدوا إلى وقت العصر، فلما أرادوا الانصراف قالوا: «أين نحن الليلة» ؟
فكل قال: «عندي» ؟ فقالت عنان: «بالله قولوا شعراً وارضوا بحكمي» ، فقال الرقاشي:
عذراء ذات احمرارٍ ... إني بها لا أحاشي
قوموا نداماي روّوا ... مشاشكم من مشاشي
وناطحوني كئوساً ... نطاح صلب الكباش
وإن نكلت فحلٌّ ... لكم دمي ورياشي
стр. 163
فقال أبو نواس:
لا بل إلي ثقاتي ... قوموا بنا بحياتي
قوموا نلذ جميعاً ... بقول هاك وهات
فإن أردتم فتاةً ... أتيتكم بفتاتي
وإن أردتم غلاماً ... صادفتموني مؤاتي
فبادروه مجوناً ... في وقت كل صلاة
وقال الحسين الخليع:
أنا الخليع فقوموا ... إلى شراب الخليع
إلى شرابٍ لذيذٍ ... وأكل جدي رضيع
ونيك أحوى رخيمٍ ... بالخندريس صريع
قوموا تنالوا وشيكاً ... مثال ملك رفيع
وقال الوراق:
قوموا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر
وساقيات علينا ... تطاع في كل أمر
وبيسري رخيمٍ ... يزهو بجيد ونحر
فذاك بر وإن ... شئتم أتينا ببحر
هذا وليس عليكم ... أولى ولا وقت عصر
وقال محكم بن رزين:
قوموا إلى دار لهوٍ ... وظل بيت دفين
فيه من الورد والمر ... زنجوش والياسمين
وريح مسك ذكي ... وجيد المرزجون
قوموا فصيروا جميعاً ... إلى الفتى ابن رزين
стр. 164
فقال الحسين الخياط:
قضت عنان علينا ... بأن نزور حسينا
وأن تقروا لديه ... بالقصف واللهو عينا
فما رأينا كظرف ... الحسين فيما رأينا
قد قرّب الله منه ... زينا وباعد شينا
قوموا وقولوا أجزنا ... ما قد قضيت علينا
وقالت عنان:
مهلاً فديتك مهلاً ... عنان أحرى وأولى
بأن تنالوا لديها ... أسنى النعيم وأحلى
قإنّ عندي حراماً ... من الشراب وحلا
لا تطمعوا في سوائي ... من البرية كلا
يا سادتي خبروني ... أجاز حكمي أم لا
فقالوا جميعاً: «قد أجزنا حكمك وأقاموا عندها» .
قال: وكتبت عنان إلى الفضل بن الربيع:
كن لي هديت إلى الخليفة سلّما ... بوركت يابن وزيره من سلم
حث الإمام على شراي وقل له ... ريحانةٌ ذخرت لأنفك فاشمم
وكانت عنان تتوقى أبا نواس، وتخاف بمجونه وسفهه، وفيها يقول:
عنان يا من تشبه العينا ... أنتم على الحب تلومونا
حسنك حسن لا يرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا
فتهيأت لأبي نواس، وتصنعت له، إلى أن صار إليها، فرأى عندها بعض وجوه أهل بغداد، فأحب أن يخجلها، فقال لها:
ما تأمرين لصب ... يكفيه منك قطيره
стр. 165
فقالت:
إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره
فقال:
إني أخاف وربي ... على يدي من عبيرة
فقالت:
علبك أمك نكها ... فإنها كندبيره
فأخجلته، وشاع الخبر حتى بلغ الرشيد فاستظرفها، وطلبها من الناطفي، فحملت إليه فقال لها: «يا عنان» ، قالت: «لبيك يا سيدي» ، فقال: «ما تأمرين لصب» ؟ قالت: «قد مضى الجواب في هذا يا أمير المؤمنين» ، قال: «بحياتي كيف قلت» ؟ قالت: قلت:
إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره
فضحك الرشيد وطلبها من مولاها، فاستام فيها مالاً جزيلاً، فردها.
عريب جارية المأمون:
وأنتم أناسٌ فيكم الغدر شيمةٌ ... لكم أوجه شتى وألسنة عشر
عجبت لقلبي كيف يصبوا إليكم ... على عظم ما يلقى وليس له صبر
فضل الشاعر حدثنا القاسم بن عبد الله الحراني قال: كنت عند سعيد بن حميد الكاتب ذات يوم وقد افتصد، فأتته هدايا «فضل الشاعرة» ألف جدي، وألف دجاجة، وألف طبق رياحين، وطيب وعنبر، وغير ذلك، فلما وصل ذلك كتب إليها: «إن هذا اليوم لا يتم سروره إلا بك وبحضورك» . وكانت من أحسن الناس ضرباً بالعود، وأملحهم صوتاً، وأجودهم شعراً، فأتته، فضرب بينه وبينها حجاب، وأحضر قوماً ندماءه، ووضعت المائدة، وجيء بالشراب، فلما شربنا أقداحنا أخذت عودها فغنت بهذا الشعر، والصوت لها والشعر والأبيات هذه:
стр. 166
يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل ... يزهو بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأ ... ت بلى أقول أنا المسي
أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرةً في مجلسي
فنظرت نظرة عاشقٍ ... أتبعتها بتنفسي
ونسيت أني قد حلفت ... فما يقال لمن نسي
وضربت أيضاً وغنت:
عاد الحبيب إلى الرضا ... فصفحت عما قد مضى
من بعد ما لصدوده ... شمت الحسود فعرضا
تعس البغيض فلم يزل ... لصدودنا متعرضا
هبني أسأت وما أسأ ... ت فإن أسأت لك الرضا
قال: فما أتى علي يوم أسر من ذلك اليوم.
صاحبة الفرزدق: ذكروا أن الفرزدق كان مع أصحاب له فإذا هو بجارية مع مولاها، فقال لأصحابه: «هل أخجل لكم هذه» ؟ قالوا: «نعم» ، فقال:
إن لي إيراً خبيثاً ... لونه يحكي الكميتا
لو يرى في السقف صدعا ... [لأستحال] عنكبوتا
أو يرى في الأرض شقّا ... لنزا حتى يموتا
فقالت الجارية:
زوجوا هذا بألفٍ ... وأرى ذلك قوتا
قبل أن ينقلب الدا ... ء فلا يأتي ويوتى
فخجل الفرزدق وانصرف.
صاحبة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، قالت:
стр. 167
عزمت على قلبي بأن أكتم الهوى ... فضج ونادى إنني غير عاقل
فإن حان موتي لم أدعك بغصتي ... وأقررت قبل الموت أنك قاتلي
جارية البارقي: ذكروا أنها أنشدت في مجلس عمرو بن مسعدة:
يا أحسن العالم حتى متى ... يرتفع الحب وانحط
وكيف منجاي وبحر الهوى ... مذ حف بي ليس له شط
فأجيبت:
يدركك الوصل فتنجو به ... أو يقع البحر فتنحطّ
قال علي بن الجهم: كنت في مجلس محمد بن عمرو بن مسعدة، فأقبلت جارية كأنها البدر ليلة التمام، بلون كأنه الدر في البياض، مع احمرار خدين كشقائق النعمان فسلمت، فقال لي محمد: «يا أبا الحسن! هذه الجنة التي كنتم توعدون» ، فقالت:
وما الوعد يا سؤلي وغاية منيتي ... فإن فؤادي من مقالك طائر
فقال لها محمد:
أما وإله العرش ما قلت سيئاً ... وما كان إلا أنني لك شاكر
فقال ابن الجهم:
أمسك فديتك عن عتاب محمد ... فهو المصون لوده، المتحاذر
فأقبلت تحدثنا، فإذا عقل كامل، وجمال فاضل، وحسن قاتل، وردف مائل فقلت: «لقد أقر الله عيناً تراك» ، فقالت: «أقر الله أعينكم، وزادكم سروراً وغبطة» . ثم اندفعت تغني بنغمة لم أسمع أحسن منها:
أروح بهم من هواك مبرح ... أناجي به قلباً كثير التّفكّر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
стр. 168
فما زلنا بومنا ذلك معها في الفردوس الأعلى، وما ذكرتها، بعد ذلك، إلا اشتقت لها، وأسفت عليها.
محمد بن حماد قال: كنا يوماً عند إسحاق بن نجيح، وعنده جارية يقال لها «شادن» ، موصوفة بجودة ضرب العود، وشجو صوت، وحسن خلق، وظرف مجلس، وحلاوة وجه، وأخذت العود وغنت:
ظبيٌ تكامل في نهاية حسنه ... فزها ببهجته وتاه بصده
فالشمس تطلع من فرند جبينه ... واليدر يغرق في شقائق خده
ملك الجمال بأسره فكأنما ... حسن البرية كلها من عنده
يا رب هب لي وصله وبقاءه ... أبداً فلست بعائشٍ من بعده
فطارت عقولنا، وذهلت ألبابنا من حسن غنائها وظرفها، فقلت: «يا سيدتي، من هذا الذي تكامل في الحسن والبهاء سواك» ؟ فقالت:
فإن بحت نالتني عيونٌ كثيرةٌ ... وأضعف عن كتمانه حين أكتم
стр. 169
الأعرابيات
حدثنا ثعلب «١» عن الفتح بن خاقان «٢» قال: لما خرج المتوكل إلى دمشق، كنت عديله، فلما صرنا بقنسرين، قطعت بنو سليم على التجار، فأنهى ذلك إليه، فوجه قائداً من وجوه قواده إليهم فحاصرهم، فلما قربنا من القوم، إذا نحن بجارية ذات جمال وهيئة، وهي تقول:
أمير المؤمنين سما إلينا ... سمو البدر مال به الغريف
فإن نسلم فعفو الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف
فقال لها المتوكل: «أحسنت، ما جزاؤها يا فتح» ، قلت: «العفو والصلة» ، فأمر لها بعشرة آلاف درهم وقال لها: «مري إلى قومك وقولي لهم: «لا تردوا المال على التجار فإني أعوضهم عنه» .
قال الأصمعي: خرجت إلى بادية فإذا أنا بخباء فيه امرأة، فدنوت فسلمت، فإذا هي أحسن الناس وجهاً، وأعدلهم قامةً، وأفصحهم لساناً، فحار فيها بصري، واعترتني خجلة، فقالت: «ما وقوفك» ؟ فقلت:
هل عندكم من مخيض اليوم نشربه ... أم هل سبيلٌ إلى تقبيل عينيك
فلست أبغي سوى عينيك منزلةً ... أم هل تجودي لنا عضاً بخديك
أو تأذنين بريقٍ منك أرشفه ... أو لمس بطنك أو تغميز ثدييك
стр. 170
ردي الجواب على من زاده كلفاً ... تكريره الطرف في أجدال ساقيك
فرفعت رأسها إلي وقالت: «يا شيخ ألا تستحي؟ ارجع إلى أهلك وارغب في مثلك» . وقال بعضهم: رأيت أعرابية بالنباح فقلت لها:
«أتنشدين» ؟ قالت: «نعم في مثلك، ورب الكعبة» ، قلت:
«فأنشديني» ، فأنشأت تقول:
لا بارك الله فيمن كان يخبرني ... أن المحب إذا ما شاء ينصرف
وجد المحب إذا ما بان صاحبه ... وجد الصبي بثديي أمه الكلف
قال: قلت لها: «أنشديني من قولك» ، فقالت:
بنفسي من هواه على التنائي ... وطول الدهر مؤتنقٌ جديد
ومن هو في الصلاة حديث نفسي ... وعدل الروح عندي بل يزيد
فقلت لها: «إن هذا كلام من قد عشق» . فقالت: «وهل يعرى من ذلك من له سمع وقلب» ؟ ثم أنشدتني:
ألا بأبي والله من ليس نافعي ... بشيء ولا قلبي على الوجد شاكره
ومن كبدي تهفو إذا ذكر اسمه ... بشيء ومن قلبي على النأي ذاكره
له خفقانٌ يرفع الجيب بالشجى ... ويقطع أزرار الجربان ثائره
قال: وكتب عمر بن أبي ربيعة إلى امرأة بالمدينة:
برز البدر في جوارٍ تهادى ... مخطفات الخصور معتجرات «١»
فتنفست ثم قلت لبكرٍ ... عجلت في الحياة لي الحيبات
هل سبيلٌ إلى التي لا أبالي ... بعدها أن أموت قبل وفاتي
فأجابته:
قد أتانا الرسول بالأبيات ... في كتابٍ قد خط بالترهات
حائر الطرف إن نظرت وماطر ... فك عندي بصادق النظرات
غر غيري فقد عرفت لغيري ... عهدك الخائن القليل الثبات
стр. 171
محاسن المتكلمات
حدث عمر بن يزيد الأسدي، قال: مررت بخرقاء، صاحبة ذي الرمة فقلت لها: «هل حججت قط» ؟ قالت: أما علمت أني منسك من مناسك الحج، ما منعك أن تسلم علي؟ أما سمعت قول عمك ذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام
فقلت لها: «لقد أثر فيك الدهر» ، قالت أما سمعت قول العجيف العقيلي حيث يقول:
وخرقاءٌ لا تزداد إلا ملاحةً ... ولو عمرت تعمير نوحٍ وجلت
قال: «ورأيتها وإن فيها لمباشرة، وإن ديباجة وجهها لطرية كأنها فتاة، وإنها لتزيد يومئذ على المائة، ولقد حدثت أنه شبب بها ذو الرمة، وهي ابنة ثمانين سنة» . وحدث رجل من بني أسد قال: «أدركت ميا صاحبة ذي الرمة، وكان الرجل أعور قال: ورأيتها في نسوة من قومها فقلت: «أهذه مي؟ وأومأت إليها» ، فقلنا: فقلت: «ما أدري ما كان يعجب ذا الرمة منك، وما أراك على ما كان يصف» ؟ فتنفست الصعداء وقالت: «إنه كان ينظر بعينين وأنت ننظر إلي بعين واحدة» .
وروي الأصمعي عن رجل من أهل الشام قال: قدمت المدينة، فقصدت منزل ابن هرمة، فإذا بنية له تلعب، فقلت لها: «ما فعل أبوك» ؟
قالت: «وفد إلى بعض الأخوان» ، قلت: «فانحري لنا ناقة فإنا أضيافك» ، قالت: «يا عماه والذي خلقك ما عندنا شيء» ، قلت:
стр. 172
«فباطل ما قال أبوك» ! قالت: «فما قال» ؟ قلت، قال:
كم ناقة قد وجأت منحرها ... لمستّهلّ الشؤبوب أو جمل
قالت: «يا عماه فذلك القول من أبي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء» ، قال وأتى زيادٌ الأقطع باب الفرزدق، وكان له صديقا، فخرجت إليه ابنة الفرزذق، وكانت تسمى «مكية» ، وأمها حبشية، فقال لها: «ما اسمك» ؟ قالت: «مكية» قال: «ابنة من» ؟ قالت: «ابنة الفرزدق» ، قال: «فأمك» ؟ قالت: «حبشية» ، فأمسك عنها فقالت: «ما بال يدك مقطوعة» ؟ قال: «قطعها الحرورية» ، قالت: «بل قطعت في اللصوصية» ، قالت: «عليك وعلى أبيك لعنة الله» ، وجاء الفرزدق فأخبر بالخبر، فقال:
«أشهد أنها بنتي» ، وأنشأ يقول:
حام إذا ما كنت ذا حميه ... بدارميّ بنته صبيه
صمحمح مثل أبي مكيه
وحدث سليمان بن عباس السعدي قال: كان كثير يلقى حاج أهل المدينة بقديد على ست مراحل، ففعل عاماً من الأعوام غير يومهم الذي نزلوا فيه، فوقف حتى ارتفع النهار، فركب جملاً في يوم صائف، ووافى قديدا وقد كل بعيره وتعب، فوجدهم قد ارتحلوا، وقد بقي فتى من قريش، فقال الفتى لكثير: «اجلس» . قال: فجلس كثير إلى جنبي، ولم يسلم علي، فجاءت امرأة وسيمة جميلة، فجلست إلى خيمة من خيام قديد، واستقبلت كثيراً فقالت: «أنت كثير» ؟ قال: «نعم» ، قالت: «أنت ابن أبي جمعة» ؟
قال: «نعم» ، قالت: أنت الذي تقول:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسي ... وأضمرن مني هيبةً لا تجهما
قال: «نعم» ، قالت: «فعلى هذا الوجه هيبة، إن كنت كاذبا فعليك
стр. 173
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» . قال: فضجر كثير وقال: «ومن أنت» ؟
فسكتت، ولم تجبه بشيء، فسأل الموالي التي في الخيام عنها، فلم يخبرنه، فضجر واختلط عقله، فلما سكن قالت: أنت الذي تقول:
متى تنشرا عني العمامة تبصرا ... جميل المحيا أغفلته الدواهن
أهذا الوجه جليل؟ إن كان كاذباً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ، فاختلط وقال: «لو عرفتك لفعلت وفعلت» . فلما سكن قالت له: أنت الذي تقول:
يروق العيون الناظرات كأنه ... هر قليّ وزنٍ أحمر التبر راجح
أهذا الوجه الذي يروق الناظرات؟ إن كنت كاذباً فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» . قال: فازداد ضجراً واختلط، وقال: «لو عرفتك والله لقطعتك وقومك هجاء» . ثم قام فاتبعته طرفي حتى توارى عني، ثم نظرت إلى المرأة، فإذا هي قد غابت عني، فقلت لمولاة من بنات قديد: «لك الله على أن أخبرتني من هذه المرأة أن أطوي لك ثوبي هذين، إذا قضيت حجي، ثم أعطيكهما» . فقالت: «والله لو أعطيتني زنتهما ذهباً، ما أخبرتك من هي؟ هذا كثير مولاي لم أخبره» . قال القرشي: فرحت وبي أشد مما بكثير.
قيل: وقدم كثير الكوفة، وكان شيعياً من أصحاب محمد بن الحنفية، فقال: «دلوني على منزل قطام» ، قيل له: «وما تريد منها» ؟ قال: «أريد أن أوبخها في قتل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه» ، فقيل له: «عد عن رأيك فإن عقلها ليس كعقول النساء» ، قال: «لا والله لا أنتهي حتى أنظر إليها وأكلمها» . فخرج يسأل عن منزلها حتى دفع إليها، فاستأذن فأذنت له، فرأى امرأة برزة قد تخددت، وقد حنا الدهر من قناتها، فقالت: «من الرجل» ؟ قال: «كثير بن عبد الرحمن» ، قالت: «التيمي الخزاعي» ؟ قال: «التيمي الخزاعي» ، ثم قال لها:
«أنت قطام» ؟ قالت: «نعم» ، قال: «أنت صاحبة علي بن أبي طالب
стр. 174
صلوات الله عليه» ؟ قالت: «بل صاحبة عبد الرحمن بن ملجم» . قال:
«أليس هو قتل علياً» ؟ قالت: «بل مات بأجله» . قال: «والله إني كنت أحب أن أراك فلما رأيتك نبت عيني عنك، وما ومقك قلبي، ولا احلوليت في صدري» ، قالت: «أنت والله قصير القامة، صغير الهامة، ضعيف الدعامة» ، كما قيل: «لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» . فأنشأ كثير يقول:
رأت رجلاً أودى السفار بجسمه ... فلم يبق إلّا منطق وجناجن
قالت: «لله درك ما عرفت إلا بعزة تقصيراً بك» ، قال: والله لقد سار لها شعري، وطار بها ذكري، وقرب من الخلفاء مجلسي، وإنها لكما قلت فيها:
وإن خفيت كانت لعينيك قرةً ... وإن تبد يوماً لم يعمك عارها
من الخفرات البيض لم تر شقوةً ... وفي الحسب المحض الرفيع نجارها
فما روضةٌ بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها «١»
بأطيب من فيها إذا جئت طارقاً ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها «٢»
قالت: «والله ما سمعت شعراً أضعف من شعرك هذا، والله لو فعل هذا بزنجية طاب ريحها. ألا قلت كما قال امرؤ القيس:
ألم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
قال: «فلله در بلادك» ، وخرج وهو يقول:
ألحق أبلج لا تزيغ سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب
قال: وقال المسيب راوية كثير: انطلق كثير مرة فقال لي: «هل لك في عكرمة بن عبد الرحمن بن هشام» ؟ وهو يومئذ على حنظلة بن عمرو بن تميم، فقلت: «نعم» ، قال: فخرجنا نريده حتى إذا صدرنا عن المدينة،
стр. 175
إذا نحن بامرأة على راحلة تسير، فسرت حذاءها، فقالت: «أتروي لكثير شيئاً» ، قلت: «نعم» . قالت: «أنشدني» ، فأنشدتها من شعره، فقالت: «أين هو» ؟ قلت: «هو ذاك الذي ترين على غير الطريق» ، فقالت بعد أن دنت منه: «قاتل الله زوج عزة حيث يقول:
لعمرك ما رب الرباب كثيرٌ ... بفحلٍ ولا آباؤه بفحول
فغضب كثير وسار وتركها، ثم نزل منزلاً، فجاءت جارية لها تدعوه، فأبى كثير أن يأتيها فقلت: «ما رأيت مثلك قط! امرأة مثل هذه ترسل إليك، فتأبى عليها» ؟ فلم أزل به حتى أتاها، قال: فسفرت عن وجهها، فإذا هي أجمل الناس وأكملهم ظرفاً وعقلاً، وإذا هي غاضرة أم ولد بشر بن مروان، فصحبناها حتى كنا بزبالة فمالت بنا الطريق، فقالت له: «هل لك أن تأتي الكوفة فأضمن لك على بشر الصلة والجائزة» ؟ فأبى وأمرت له بخسمة آلاف درهم، ولي بألفين، فلما أخذنا الخمسة الآلاف قال: «ما أصنع بعكرمة، وقد أصبت ما ترى» ؟ فذلك قوله حيث يقول:
شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورةٍ عوضاً فؤادي
أغاضر لو رأيت غداة بنتم ... حنو العائدات على وسادي
رثيت لعاشقٍ لم تشكميه ... جوانحه تلذع بالزناد
(الشكيمة: العطية، والزناد: جمع زند وهو عود يقدح منه النار) .
قالالحكم بن صخر الثقفي: حججت فرأيت بأقرة امرأتين لم أر كجمالهما وظرفهما وثيابهما، فلما حججت وصرنا بأقرة، إذا أنا بإحدى الجاريتين قد جاءت، فسألت سؤال منكر، فقلت: «فلانة» ؟ قالت:
«فداك أبي وأمي رأيتك عاماً أول شاباً سوقة، والعام شيخاً ملكاً، وفي وقت دون ذلك ما تنكر المرأة صاحبها» . فقلت: «ما فعلت أختك» ؟ فتنفست الصعداء وقالت: قدم علينا ابن عم لنا فتزوجها، فخرج بها إلى نجد فذاك حيث أقول:
стр. 176
إذا ما قفلنا نحو نجدٍ وأهله ... فحسبي من الدنيا القفول إلى نجد
فقلت: «أما أني لو أدركتها لتزوجتها» ، قالت: «فداك أبي وأمي، فما يمنعك من شريكتها في حسنها، وشقيقتها في حسبها، قلت، قول كثير:
إذا وصلتنا خلّة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجييّة أول
قالت: وكثير بيني وبينك أليس هو الذي يقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانيةٍ ... في وصل غانيةٍ من وصلها خلف
قال: فتركت جوابها، ولم يمنعني منه إلا العيّ.
стр. 177
صفة النساء الحسان
قيل: «أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة إلى الحمرة، وبالعشي إلى الصفرة» . وقالت العرب: «المرأة الحسناء أرق ما تكون محاسن، صبيحة عرسها، وأيام نفاسها، وفي البطن الثاني من حملها» . وقيل لأعرابي: «أتحسن صفة النساء» ؟ قال: «نعم، إذا عذب ثناياها وسهل خداها، ونهد ثدياها، ونعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلك هم النفس ومناها» .
ووصف أعرابي امرأة فقال: «كان وجهها السقم لمن رآها، والبرء لمن ناجاها» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «أرسل الحسن إلى خديها صفائح نور، ورشق السحر عن لحظها بأسهم حداد، ولقد تأملت فوجدت للبدر نوراً من بعض نورها» . وذكر أعرابي امرأة قال: «هي شمس تباهي بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إليها غيرها في اقتضائها، ولكني كتوم لفيض النفس عند امتلائها» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «ما أحسن من حبها نعاسا، ولا أنظر إليها إلّا اختلاسا، وكل امريء منها يرى ما أحب» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «لها جلد من لؤلؤ رطب مع رائحة المسك الأذفر، في كل عضو منها شمس طالعة» .
ومما جاء في الحسن من الشعر: قال عبد الله بن المعتز: أنشدني أبو سهل إسماعيل بن علي، لأبي الصواعق:
ومريض طرفٍ ليس يصرف طرفه ... نحو المدى إلّا رماه بحتفه
ظبي له نظرٌ ضعيفٌ كلما ... قصد القوي أتى عليه بضعفه
стр. 178
قد قلت لما مر يخطر مائساً ... والردف يجذب خصره من خلفه
يا من يسلم خصره من ردفه ... سلم فؤاد محبه من طرفه
فقلت في هذا المعنى وعلى هذا الوزن:
وحياة من جرح الفؤاد بطرفه ... لأحبرن قصائدي في وصفه
قمرٌ به قمر السماء متيمٌ ... كالغصن يعجب نصفه من نصفه
إني عجبت لخصره من ضعفه ... ماذا تحمل من ثقالة ردفه
هذا وما أدري بأيّة فتنةٍ ... جرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه
أم بالدلال أم الجمال أم الضيا ... من وجهه أم بالقفا من خلفه
وأنشد أبو الحسين بن فهم لأبي نواس:
كفاك ما مر على راسي ... من شادن قطع أنفاسي
أكثر ما أبلغ في وصفه ... تحيري من قلبه القاسي
أغار أن أنعت منه الذي ... ينعته الناس من الناس
ولم أر العشاق قبلي رأوا ... بوصف من يهوون من باس
كل أحاديثي نعتٌ له ... منكشفٌ مني لجلاسي
فقلت في المعنى، وهذا الروي، والوزن:
لو عشر ما مر على راسي ... مر بصلد حجرٍ قاسي
لا نصدعت فيه صدوع كما ... صدع قلبي طول وسواسي
يا غصن آس ومحالٌ إذا ... قصرت تشبيهك بالآس
ماذا على طرفك لو أنه ... أعار لحظاً منه قرطاسي
ليتك عللت بمطل ولم ... تقطع رجائي منك بالياس
وقال آخر:
وزائرةٍ يحتثها الشوق طارقه ... أتتنا من الفردوس لا شك آبقه
إذا ما تثنت قال للريح قدها ... كذا حركي الأغصان إن كنت صادقه
стр. 179
وقال آخر:
قد أقبل البدر في قراطقه ... يسلب بالدل قلب عاشقه «١»
يسطو عليه بسيف مقلته ... لا بالذي شد في مناطقه
وقال آخر:
قل للملاح الحدق ... وللحسان الخلق
هل في فؤادي للقوى ... أو جسدي شيء بقي
إن لم ترووا عطشي ... بخلاً فبلوا رمقي
يا مقلةً أجفانها ... محشوةٌ بالأرق
بقيت في رقّ الهوى ... شقيّة فيمن شقي
وقال آخر:
يا ملاح الدلال والإغتناج ... ما أرى القلب من هواكن ناجي
أنت ذرفت فوق خديك صدغاً ... من عبير على صفائح عاج
أشرقت وجنتاك بالنور حتى ... أغنتا الخلق عن ضياء السراج
فعلت مقلتاك بالقلب مني ... فعلة القرمطي بالحجاج
يا هلالاً أنست منه بضوء ... جنح ليل من الظلام الداجي
وقال آخر:
نشرت غدائر فرعها لتظلني ... حذر العيون من العيون الرمق
فكأنها وكأنه وكأنني ... صبحان باتا تحت ليلٍ مطبق
وقال آخر:
يا غزالاً وهلالاً ... وقضيباً وكثيبا
كم وكم أضمر وجداً ... بك مكتوماً عجيبا
стр. 180
كيف يرجى برء من قد ... كتم الداء الطبيبا
وقال آخر:
شمسٌ ممثلةٌ في خلق جاريةٍ ... كأنما بطنها طي الطوامير
فالجسم من جوهر والشعر من سبج ... والغّر من لؤلؤ والوجه من عاج
وقال آخر:
نتيج دلالٍ حار في حسنه الطرف ... ففكرته قبرٌ ومنطقه لطف
بديع جمال زانه العقل والظرف ... سماوي لونٍ لا يحيط به وصف
له ريقةٌ علت بماء قرنفلٍ ... يمازجها التفاح والخمرة الصرف
تجسم في جسم من النور ساطعٍ ... تمكن في دعصٍ ينوء به ردف «١»
على صحن خديه بهارٌ منورٌ ... ووردٌ جنيٌ لا يليق به القطف
تكامل فيه الحسن والنور والبها ... كبدر الدجى إذ تم من شهره النصف
براه إلهي لي عذاباً وفتنةً ... فما عنده عدلٌ ولا عنده عطف
وقال آخر:
لك من قلبي المكان المصون ... كل لومٍ علي فيك يهون
قدر الله أن أكون شقيّا ... بك والصبر عنك ما لا يكون
يا غزالاً بلحظه يفتن النا ... س وفي طرفه الردى والمنون
لك صبرٌ وليس لي عنك صبرٌ ... فأنا اليوم هائمٌ محزون
قد خلعت العذار فيك حبيبي ... ما أبالي بما رمتني الظنون
وقال آخر:
يا نظرةً جاءت على ياس ... من ساحر المقلة مياس
أطرافه تعقد من لينها ... وقلبه كالحجر القاسي
следующие страницы →