Полный текст (324 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إذا ما قفلنا نحو نجدٍ وأهله ... فحسبي من الدنيا القفول إلى نجد
فقلت: «أما أني لو أدركتها لتزوجتها» ، قالت: «فداك أبي وأمي، فما يمنعك من شريكتها في حسنها، وشقيقتها في حسبها، قلت، قول كثير:
إذا وصلتنا خلّة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجييّة أول
قالت: وكثير بيني وبينك أليس هو الذي يقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانيةٍ ... في وصل غانيةٍ من وصلها خلف
قال: فتركت جوابها، ولم يمنعني منه إلا العيّ.
стр. 177
صفة النساء الحسان
قيل: «أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة إلى الحمرة، وبالعشي إلى الصفرة» . وقالت العرب: «المرأة الحسناء أرق ما تكون محاسن، صبيحة عرسها، وأيام نفاسها، وفي البطن الثاني من حملها» . وقيل لأعرابي: «أتحسن صفة النساء» ؟ قال: «نعم، إذا عذب ثناياها وسهل خداها، ونهد ثدياها، ونعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلك هم النفس ومناها» .
ووصف أعرابي امرأة فقال: «كان وجهها السقم لمن رآها، والبرء لمن ناجاها» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «أرسل الحسن إلى خديها صفائح نور، ورشق السحر عن لحظها بأسهم حداد، ولقد تأملت فوجدت للبدر نوراً من بعض نورها» . وذكر أعرابي امرأة قال: «هي شمس تباهي بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إليها غيرها في اقتضائها، ولكني كتوم لفيض النفس عند امتلائها» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «ما أحسن من حبها نعاسا، ولا أنظر إليها إلّا اختلاسا، وكل امريء منها يرى ما أحب» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «لها جلد من لؤلؤ رطب مع رائحة المسك الأذفر، في كل عضو منها شمس طالعة» .
ومما جاء في الحسن من الشعر: قال عبد الله بن المعتز: أنشدني أبو سهل إسماعيل بن علي، لأبي الصواعق:
ومريض طرفٍ ليس يصرف طرفه ... نحو المدى إلّا رماه بحتفه
ظبي له نظرٌ ضعيفٌ كلما ... قصد القوي أتى عليه بضعفه
стр. 178
قد قلت لما مر يخطر مائساً ... والردف يجذب خصره من خلفه
يا من يسلم خصره من ردفه ... سلم فؤاد محبه من طرفه
فقلت في هذا المعنى وعلى هذا الوزن:
وحياة من جرح الفؤاد بطرفه ... لأحبرن قصائدي في وصفه
قمرٌ به قمر السماء متيمٌ ... كالغصن يعجب نصفه من نصفه
إني عجبت لخصره من ضعفه ... ماذا تحمل من ثقالة ردفه
هذا وما أدري بأيّة فتنةٍ ... جرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه
أم بالدلال أم الجمال أم الضيا ... من وجهه أم بالقفا من خلفه
وأنشد أبو الحسين بن فهم لأبي نواس:
كفاك ما مر على راسي ... من شادن قطع أنفاسي
أكثر ما أبلغ في وصفه ... تحيري من قلبه القاسي
أغار أن أنعت منه الذي ... ينعته الناس من الناس
ولم أر العشاق قبلي رأوا ... بوصف من يهوون من باس
كل أحاديثي نعتٌ له ... منكشفٌ مني لجلاسي
فقلت في المعنى، وهذا الروي، والوزن:
لو عشر ما مر على راسي ... مر بصلد حجرٍ قاسي
لا نصدعت فيه صدوع كما ... صدع قلبي طول وسواسي
يا غصن آس ومحالٌ إذا ... قصرت تشبيهك بالآس
ماذا على طرفك لو أنه ... أعار لحظاً منه قرطاسي
ليتك عللت بمطل ولم ... تقطع رجائي منك بالياس
وقال آخر:
وزائرةٍ يحتثها الشوق طارقه ... أتتنا من الفردوس لا شك آبقه
إذا ما تثنت قال للريح قدها ... كذا حركي الأغصان إن كنت صادقه
стр. 179
وقال آخر:
قد أقبل البدر في قراطقه ... يسلب بالدل قلب عاشقه «١»
يسطو عليه بسيف مقلته ... لا بالذي شد في مناطقه
وقال آخر:
قل للملاح الحدق ... وللحسان الخلق
هل في فؤادي للقوى ... أو جسدي شيء بقي
إن لم ترووا عطشي ... بخلاً فبلوا رمقي
يا مقلةً أجفانها ... محشوةٌ بالأرق
بقيت في رقّ الهوى ... شقيّة فيمن شقي
وقال آخر:
يا ملاح الدلال والإغتناج ... ما أرى القلب من هواكن ناجي
أنت ذرفت فوق خديك صدغاً ... من عبير على صفائح عاج
أشرقت وجنتاك بالنور حتى ... أغنتا الخلق عن ضياء السراج
فعلت مقلتاك بالقلب مني ... فعلة القرمطي بالحجاج
يا هلالاً أنست منه بضوء ... جنح ليل من الظلام الداجي
وقال آخر:
نشرت غدائر فرعها لتظلني ... حذر العيون من العيون الرمق
فكأنها وكأنه وكأنني ... صبحان باتا تحت ليلٍ مطبق
وقال آخر:
يا غزالاً وهلالاً ... وقضيباً وكثيبا
كم وكم أضمر وجداً ... بك مكتوماً عجيبا
стр. 180
كيف يرجى برء من قد ... كتم الداء الطبيبا
وقال آخر:
شمسٌ ممثلةٌ في خلق جاريةٍ ... كأنما بطنها طي الطوامير
فالجسم من جوهر والشعر من سبج ... والغّر من لؤلؤ والوجه من عاج
وقال آخر:
نتيج دلالٍ حار في حسنه الطرف ... ففكرته قبرٌ ومنطقه لطف
بديع جمال زانه العقل والظرف ... سماوي لونٍ لا يحيط به وصف
له ريقةٌ علت بماء قرنفلٍ ... يمازجها التفاح والخمرة الصرف
تجسم في جسم من النور ساطعٍ ... تمكن في دعصٍ ينوء به ردف «١»
على صحن خديه بهارٌ منورٌ ... ووردٌ جنيٌ لا يليق به القطف
تكامل فيه الحسن والنور والبها ... كبدر الدجى إذ تم من شهره النصف
براه إلهي لي عذاباً وفتنةً ... فما عنده عدلٌ ولا عنده عطف
وقال آخر:
لك من قلبي المكان المصون ... كل لومٍ علي فيك يهون
قدر الله أن أكون شقيّا ... بك والصبر عنك ما لا يكون
يا غزالاً بلحظه يفتن النا ... س وفي طرفه الردى والمنون
لك صبرٌ وليس لي عنك صبرٌ ... فأنا اليوم هائمٌ محزون
قد خلعت العذار فيك حبيبي ... ما أبالي بما رمتني الظنون
وقال آخر:
يا نظرةً جاءت على ياس ... من ساحر المقلة مياس
أطرافه تعقد من لينها ... وقلبه كالحجر القاسي
стр. 181
يلومني الناس على حبه ... أعانني الله على الناس
وقال آخر:
يا ويح جسمٍ يذوب من قلقه ... من حبٍ من لم أقف على خلقه
من حب ظبيٍ مهفهفٍ لبقٍ ... يهتز مثل القضيب في ورقه
لم تر عيني ولن ترى أبداً ... أحسن من نحره ومن عنقه
كأنّما المسك حين تسحهه ... بماء وردٍ يفوح من عرقه
أو خمرةٌ في الزجاج صافيةٌ ... شيبت بماء السحاب في نسقه
وقال آخر:
أربعةٌ قرحت فؤادي ... فطال وجدي وعيل صبري
مقلة خشفٍ وقد غصنٍ ... وطيب وردٍ وحسن بدر
نفسي ومالي فداء ظبيٍ ... أذاب جسمي وليس يدري
فمن لصب أسير شوقٍ ... قتيل صبٍ بسيف هجر
وقال آخر:
وماريح ريحانٍ بمسك وعنبر ... يعل بكافورٍ ودهنة بان
بأطيب من ريا حبيبي لو أنني ... وجدت حبيبي خاليا بمكان
стр. 182
صفة الزوجة الصالحة
روي أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ : فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أتزوج، فادع الله أن يرزقني زوجة صالحة، فقال: «لو دعا جبريل وميكائيل وأنا معهما ما تزوجت إلا المرأة التي كتب الله لك فإنه ينادي في السماء ألا إن امرأة فلان بن فلان، فلانة بنت فلانة» . وقال ﷺ : «عليكم بالإبكار فإنهم أطيب أفواهاً، وأنتق أرحاماً» . وقال عمر ﵁: «عليكم بالإبكار، واستعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر» ، قال الشاعر:
لا تنكحن عجوزاً إن دعيت لها ... وإن حبيت على تزويجها الذهبا
فإن أتوك وقالوا إنها نصفٌ ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا
وقال آخر:
عليك إذا ما كنت لا بدّ ناكحاً ... ذوات الثنايا الغر والأعين النجل
وكل هضيم الكشح خفاقة الحشا ... قطوف الخطا، بلهاء، وافرة العقل
وقال الحارث بن كلدة «١» : «لا تنكحوا من النساء إلا الشابة، ولا تأكلوا من الحيوان إلا الفتى، ولا من الفاكهة إلا النضيج» ، وقال مغيرة بن
стр. 183
شعبة: «حصنت تسعاً وتسعين امرأة، ما أمسكت واحدة منهن على حب، ولكني أحفظها لمنصبها وولدها، فكنت أسترضيهن بالباه شاباً، فلما إن شبت وضعفت عن الحركة استرضيتهن بالعطية» . وقال بعضهم: «لذة المرأة على قدر شهوتها، وغيرتها على قدر لذتها» .
وروي عن رسول الله ﷺ إنه قال: «إنما النساء لعب فإذا تزوج أحدكم فليستحسن» . وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «تزوجها سمراء ذلفاء عيناء، فإن تركتها فعلى صداقها» ، وقال الحجاج بن يوسف:
«من تزوج قصيرة فلم يجدها على ما يريد فعلى صداقها» . وروي عن علي، صلوات الله عليه، أن رجلاً أتاه فقال: «إني تزوجت امرأة مجنونة» ، فقالت المرأة: «يا أمير المؤمنين إنه يأخذني عند الجماع غشية» ، فقال للرجل: «ما أنت لها بأهل» . وفي حديث رسول الله ﷺ :
(إياكم وخضراء الدمن) ، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء، وقال بعضهم: «لا تتزوجن حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة الدار، ولا كية القفا. فأما الحنانة، فالتي قد تزوجها رجل من قبل، فهي تحن إليه.
والأنانة، التي تئن من غير علة. والمنانة، التي لها مال تمتن به. وعشبة الدار، الحسناء في أصل السوء. ولا كية القفا، التي إذا قام زوجها من المجلس، قال الناس: فعلت امرأة هذا كذا.
وقال محمد بن علي ﵄: «اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت» ، وروي عن رسول الله ﷺ إنه قال: «إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، وإن كانت لا تعلم» . وقال بعض الشعراء في تزويج الشبه:
إذا أردت حرةً تبغيها ... كريمةً فانظر إلى أخيها
ينبيك عنها وإلى أبيها ... فإن أشباه أبيها فيها
وقال آخر:
إذا كنت مرتاداً لنفسك أيما ... لنجلك فانظر من أبوها وخالها
стр. 184
فإنهما منها كما هي منهما ... كما النعل إن قيست بنعل مثالها
وقال آخر:
إذا كنت عن عين الصبية باحثاً ... فأبصر تر عين الصبي فذلكا
قال خالد بن صفوان «١» لدلال: «أطلب لي امرأة بكرا، أو كبكر، حصانا عند جارها، ما جنة عند زوجها، قد أدبها الغنى، وذللها الفقر، لا ضرعةً صغيرة، ولا عجوزاً كبيرة، قد عاشت في نعمة، وأدركتها حاجة، لها عاقل وافر، وخلق طاهر، وجمال ظاهر، صلة الجبين، سهلة العرنين، سوداء المقلتين، خدلجة الساقين «٢» ، لفاء الفخذين، نبيلة المقعد، كريمة المحتد، رخيمة المنطق، لم يداخلها صلف، ولم يشن وجهها كلف، ريحها أرج، ووجهها بهج، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف، لونها كالرق، وثديها كالحق، أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، لها بطن مخطف، وخصر مرهف، وجيد أتلع، ولب مشبع، تتثنى تثني الخيزران، وتميل ميل السكران، حسنة المآق، في حسن البراق، لا الطول ازرى بها ولا القصر» .
قال الدلال: «استفتح أبواب الجنان، فإنك سوف تراها» . وقال أيضاً: «لا تتزوج واحدة فتحيض إذا حاضت، وتنفس إذا نفست، وتعود إذا عادت، وتمرض إذا مرضت، ولا تتزوج اثنتين فتقع فيما بين الجمرتين، ولا تتزوج ثلاثاً فتقع بين أثافي، ولا تتزوج أربعاً، فيحقرنك ويهرمنك ويفلسنك» . فقال له رجل: «حرمت ما أحل الله» . فقال: «طمران وكوزان ورغيفان وعبادة الرحمن» .
وعن صالح بن حسان قال: «رأيت امرأة بالمدينة يقال لها «حواء» ،
стр. 185
وهي التي علمت نساء المدينة النقع، وهو النخر والحركة والغربلة والرهر، وكانت لها سقيفة تتحدث إليها رجالات قريش، ولم يكن في الدنيا أهل بيت إلا وتأخذ صبيانهم، وتمصهم ثديها، أو ثدي إحدى بناتها، فكان أهل المدينة يسمونها «حواء» . ولم يكن بالمدينة شريف ممن يجلس في سقيفتها إلا واصل إليها في السنة ثلاثين وسقاً وأكثر من طعام وتمر، مع الدنانير والدراهم، والخدم والكساء.
فجاءها ذات يوم مصعب بن الزبير، وعمرو بن سعيد بن العاص، وابن لعبد الرحمن ابن أبي بكر، فقالوا لها: «يا خالة قد خطبنا نساء من قريش، ولسنا ننتفع إلا بنظرك إليهن، فأرشدينا بفضل علمك فيهن» ، فقالت لمصعب: «يابن أبي عبد الله ومن خطبت» ؟ قال: «عائشة بنت طلحة» ؛ قالت: «فأنت يابن الصديق» ، قال: «أم القاسم بنت زكرياء بن طلحة» ، قالت: «فأنت يابن أبي أحيحة» ، قال: «زينب بنت عمرو بن عثمان» ، فقالت: «يا جارية علي بمنقلي» - تعني خفيها- فأتتها بهما، فخرجت ومعها خادم لها، فأتت عائشة بنت طلحة، فقالت: «مرحباً بك يا خالة» ، فقالت: «يا بني أنا كنا في مأدبة لقريش، فلم تبق امرأة لها جمال إلا ذكرت وذكر جمالك، فلم أدر كيف أصفك، فتجردي لأنظرك» ، فألقت درعها، ثم مشت، فارتج كل شي منها، ثم أقبلت على مثل ذلك، فقالت: «فداك أبي وأمي، خذي ثوبيك» . وأتتهن جميعاً على مثل ذلك، ثم رجعت إلى السقيفة فقالت: «يابن أبي عبد الله، ما رأيت مثل بنت طلحة عائشة قط ممتلئة الترائب، زجاء العينين، هدبة الأشفار، مخطوطة المتنين، ضخمة العجيزة، لفاء الفخذين، مسرولة الساقين، واضحة الثغر، نقية الوجه، فرعاء الشعر، إلا أنني رأيت خلتين هما أعيب ما رأيت فيها: أما احداهما فيروايها الخف وهي عظم القدم، والأخرى يواريها الخمار وهي عظم الأذن، وأما أنت يابن أحيحة فما تستأنس إليه، وهي ملاحة تعتز بها، وأما أنت يابن الصديق، فو الله ما رأيت مثل أم القاسم، ما شبهتها إلّا بخوط بانة بتتثنى، أو خشف يتقلب على رمل، ولم أرها إلا فوق الرجل، وإذا زادت على الرجل المرأة لم تحسن، لا والله، إلا من يملأ المنكبين، فتزوجوهن» .
стр. 186
ولو ركبت ما حرم الله لم يكن ... بأقبح عند الله مما استحلت
قال: وكان بالمدينة رجل قد أعطي جودة الرأي، ولم يكن فيها من يريد إبرام أمر إلا شاوره، فأراد رجل من قريش أن يتزوج، فأتاه فقال: «أنا أريد أن أضم إلي أهلاً فأشر علي» ، قال: «افعل تحصن دينك، وتصن مؤونتك، وإياك والجمال البارع» ، قال: «ولم نهيتني، وإنما هو نهاية ما يطلب الناس» ؟ قال: «لأنه ما فاق الجمال إلا لحقه قول» ، أما سمعت قول الشاعر:
ولن تصادف مرعى مونقاً أبداً ... إلا وجدت به آثار مأكول
قيل: وكانت جارية من بنات الملوك تكره التزويج، فاجتمع عندها نسوة فتذاكرن التزويج، وقلن لها: «ما يمنعك منه» ؟ قالت: «وما فيه من الخير» ؟ قلن: «وهل لذة العيش إلا في التزويج» ؟ قالت: «فلتصف كل واحدة منكن ما عندها فيه من الخير حتى أسمع» ؟ فقالت إحداهن: «زوجي عوني في الشدائد، وهو عائدي دون كل عائد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف» ، قالت: «نعم الشيء هذا» ، قالت الأخرى: «زوجي لما عناني كافٍ، ولما أسقمني شافٍ، عرقه المسك المعراق، وعناق كالخلد، ولا يملّ طول العهد» . قالت: «هذا خير منه» ، قالت الأخرى: «زوجي الشعار حين أبرد، وأنيسي حين أفرد» . فتزوجت، فقلن لها: «يا فلانة، كيف رأيت» ؟ قالت: «أنعم النعيم، وسروراً لا يوصف، ولذة ليس منها خلف» .
стр. 187
أمثال في التزويج
قيل: إن أول من قال: «لا هنك أنقيت، ولا ماءك أبقيت» ، الضب بن أروى الكلاعي، وذاك أنه خرج من أرضه، فلما سار أياماً، حار في تلك المفاوز التي تعسفها، وتخلف عن أصحابه، وبقي فرداً يعسف فيها ثلاثة أيام، حتى دفع إلى قوم لا يدري من هم. فنزل عليهم، وحدثهم؛ وكان جميلاً، وإن امرأة من أفاضل أولئك، هويته، فأرسلت إليه أن أخطبني، فخطبها، وكانوا لا يزوجون إلا شاعراً أو رجلاً يزجر الطير أو يعرف عيون الماء، فسألوه، فلم يحسن شيئاً من ذلك، فلم يزوجوه؛ فلما رأت المرأة ذلك، زوجته نفسها على كره من قومها؛ فلبث فيهم ما لبث؛ ثم أن رجلا من العرب أغار عليهم في خيل، فاستأصلهم، فتطيروا بضب، وأخرجوه وامرأته، وهي طامث؛ فانطلقا، واحتمل ضب شيئاً من ماء، ومشيا يوم اوليلة إلى الغد، حتى اشتد الحر، وأصابهما عطش شديد، فقالت له:
«ادفع إلي السقاء حتى اغتسل به، فإنا ننتهي إلى الماء، ونستقي.
فاغتسلت بما في السقاء، ولم يقع منها موقعاً، وأتيا العين، فوجداها ناضبةً، وأدركهما العطش، فقال ضب: «لا هنك أنقيت ولا ماءك أبقيت» ، فذهبت مثلاً. ثم استظلا تحت شجرة كبيرة، فأنشأ ضبّ يقول:
تا لله ما ظلةٌ أصاب بها ... سواد قلبي قارع العطب
ظل كئيب الفؤاد مضطرباً ... وتكتسي من غدائر قلب
أن يعرف الماء تحت صم صفاً ... أو يخبر الناس منطق الخطب
أخرجني قومها بأن رحىً ... دارت بشؤم لهم على قطب
стр. 188
فلما سمعت ذلك فرحت وقالت: «قم فارجع إلى قومي فإنك شاعر» فانطلقا راجعين حتى انتهيا إليهم، فاستقبلو هما بالسيف والعصا، فقال لهم ضب: «اسمعوا شعري، ثم إن بدا لكم أن تقتلوني بعد، فافعلوا» ، فتركوه فصار فيهم عزيزاً.
وقيل إن أول من قال: «في الصيف ضيعت اللبن» ، قتول بنت عبد، وكانت تحت رجل من قومها، فطلقها وأنها رغبت في أن يراجعها، فأبى عليها، فلما يئست خطبها رجل، يقال له عامر بن شوذب، فتزوجها فلما بنى بها، بدا للزوج الأول مراجعتها، وهوى بها هوى شديداً، فجاء يطلبها ويرنو بنظره إليها، ففطنت به فقالت:
أتركتني حتى إذا ... علقت أبيض كالشّطن
أنشأت تطلب وصلنا ... في الصيف ضيعت اللبن
فذهبت مثلاً، فقال لها زوجها الأول واسمه الأشق: «فهل بقي شيء» ؟ قالت: «نعم فاصله عن جميع مالك وطلاقي، فإن فصلته، تزوجتك» ، فرضي بذلك؛ ثم راجع نفسه فقال لها ذلك، فقالت: «أما إذا ضننت بما لك فانطلق إلى مكان إذا أنت تكلمت سمع زوجي كلامي وكلامك، ثم اقعد كأنك لا تشعر به وقل:
لحا الله بنت العبد إن وصالها ... وصال ملولٍ لا تدوم على بعل
تحدثني أن سوف تقتل عامراً ... لأن لم يكن في ما له عامر مثلي
فهيهات تزويج التي تقتل عامرا ... إذا ما أبت يوماً وإن كان من أجلي
فتقتلني يوماً إذا هويت فتىً ... سواي وأني اليوم من وصلها مجلي
فانطلق الأشق ففعل ما أمرته به، فسمعه عامر، فوقع في قلبه قوله، وقد كان عرف حبها له، فصدق ذلك ودخل عليها، فطلقها، وتزوجها الأشق.
وذكروا أن بطناً من قريش اشتدت عليهم السنة، وكان فيهم جارية يقال لها «زينب» ، من أكمل نسائهم جمالاً، وأتمهن تماماً. وأشرفت فرآها
стр. 189
شاب يقال له «عروة» ، فوقعت في قلبه، فجعل يطالعها، ولا يقدر على أكثر من ذلك، فاشتد وجده بها، فلما انقضت السنة، وأرادوا الرجوع إلى منازلهم، دعا بعض جواري الحي، فقال: «يا ابنة الكرام هل لك في يد تتخذين بها عندي شكراً» ؟ قالت: «ما أحوجني إلى ذلك» ، قال:
تنطلقين إلى خيمة فلانة كأنك تقتبسين ناراً، فإذا أنت جلست فقولي حيث تسمع زينب:
ألا هل لنا قبل التفرق ليلةٌ ... ويومٌ فتقضي كل نفسٍ مناها
فانطلقت الجارية ففعلت ذلك، فلما سمعت زينب قولها وكانت تفلي رأس زوجها، وكان عنده أخ له، فقالت مجيبة لها:
لعمري لقد طال ال مقامة هاهنا ... لو أن لحب حاجةً لقضاها
فسمع أخو الزوج قول الجارية، وجواب زينب، فقال:
ألا يعلم الزوج المفلى بأنها ... رسالة مشغوف الفؤاد رجاها
فانتبه الزوج لأمرهم، وعرف ما أرادت، فقال:
لحى الله من لا يستقيم بوده ... ومن يمنح النفس الطروب هواها
انطلقي يا زينب فأنت طالق. فخرجت من عنده وبعثت إلى عروة فأعلمته، وأقامت حتى انقضت عدتها، ثم تزوجته.
стр. 190
رأي المرأة بالرجل
ذكروا أن الأخطل «١» كانت عنده امرأة، وكان بها معجبا، قطلقها وتزوج بمطلقة رجل من بني تغلب، وكانت بالتغلبي معجبة، فبينا هي ذات يوم جالسة مع الأخطل، إذ ذكرت زوجها الأول، فتنفست الصعداء، ثم ذرفت دموعها، فعرف الأخطل ما بها، فذكر امرأته الأولى، وأنشأ يقول:
كلانا على وجدٍ يبيت كأنما ... بجنبيه من مس الفراش قروح
على زوجها الماضي تنوح وزوجها ... على الطلة الأولى كذاك ينوح
قيل: وخاصمت امرأة زوجها إلى زياد فجعلت تعيبه، وتقع فيه، فقال الزوج: «أصلح الله الأمير، إن شر المرأة كبرها، إن المرأة إذا كبرت عقم رحمها، وبذأ لسانها، وساء خلقها، والرجل إذا كبر استحكم رأيه، وقل جهله» . قال: «صدقت» ، وحكم له بها.
وذكروا أن امرأة أتت عبيد الله بن زياد، وكانت ذات شحم وجسم وجمال، مستعدية على زوجها، وكان أسود دميم الخلقة، فقال: «ما بال هذه المرأة تشكوك» ؟ قال: «أصبح الله الأمير سلها عما ترى من جسمها وشحمها أمن طعامي أم من طعام غيري» ؟ قالت: «من طعامك، أفتمن عليّ بطعام أطعبيه، والكلاب تأكل» ؟ قال: «سلها عن كسوتها من مالي هي أم من مال غيري» ؟ قالت: «من مالك، أفتمن علي بثوب كسوتنيه» ،
стр. 191
قال: «وسلها عما في بطنها مني هو أم من غيري» ؟ قالت: «منك ووددت أنه في بطني من كلب» ، قال الرجل: «أصلح الله الأمير فما تريد المرأة إلا أن تطعم وتكسي وتنكح» ، قال: «صدقت فخذ بيدها» .
قال: خرج رجل مع قتيبة بن مسلم إلى خراسان، وخلف امرأة يقال لها هند من أجمل نساء زمانها، فلبث هناك سنين، فاشترى جارية اسمها جمانة، وكان له فرس يسميه الورد فوقعت الجارية منه موقعاً، فأنشأ يقول:
ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هند ... إذا بقيت عندي الجمانة والورد
شديد مناط القصريين إذا جرى ... وبيضاء مثل الرئم زينها العقد
فهذا لأيام الهياج وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فبلغ ذلك هنداً فكتبت إليه:
ألا أقره مني السلام وقل له ... عنينا بفتيان غطارفةٍ مرد
فهذا أمير المؤمنين أميرهم ... سبانا وأغناكم أراذلة الجند
إذا شاء منهم ناشيء مد كفه ... إلى كبد ملساء أو كفلٍ نهد
فلما قرأ كتابها، أتى به إلى قتبية، فأعطاه إياه، فقال له: «أبعدك الله، هكذا يفعل بالحرة» وأذن له في الانصراف.
قال وسمع عمر بن الخطاب امرأة تنشد وتقول:
فمنهن من تسقى بعذبٍ مبردٍ ... نقاخٍ فتلكم عند ذلك قرت
ومنهن من تسقى بأخضر آجنٍ ... أجاجٍ فلولا خشية الله فرت
فأمر بإحضار زوجها، فوجده متغير الفم، فخيره جارية من المغنم أو خمسمائة درهم على طلاقها، فاختار الخمسمائة، فدفعت إليه، وخلى سبيلها.
وحكي عن الفضل بن الربيع أنه كان بمكة، ومعه الفرج الرخجي، وكان الفضل صبيحاً ظريفاً، والفرج دميماً قبيحاً، فخرجا إلى الطواف، ثم
стр. 192
انصرفا إلى بعض طرقات مكة، وقعدا يتغديان؛ فبينما هما كذلك على طعامهما، إذ وقفت عليهما امرأة جميلة بهية، حسنة شكلة، وعليها برقع، فرفعته عن وجهها، فإذا وجه كالدينار، وذراع كالجمار، فسلمت وقعدت، وجعلت تأكل معهما. قال الفضل: فأعجبني ما رأيت من جمالها وهيئتها، فقلت: «هل لك من بعل» ؟ قالت: «لا» ، قلت: «فهل لك في بعل من أصحاب أمير المؤمنين، حسن الخلق والخلق» ؟ قالت: «وأين هو» ؟ فأشار إلى فرج، فقالت: «جوابك عند فراغنا» ، فلما أكلت قالت للفضل: «تقرأ شيئاً من كتاب الله» ؟ قال: «نعم» ، قالت: «أفتؤمن به» ؟ قال:
«نعم» ، قالت: فإن الله يقول: «ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً» ، فضحك الفضل، ودخل على الرشيد فأخبره فأمر بإحضارها، فلما نظر إليها، أعجب بها، فتزوجها وحملها إلى مدينة السلام.
قال: وحج إسماعيل بن طريح، فوقفت عليه أعرابية جميلة. قال:
فقال لها: «هل لك أن تزوجيني نفسك» ؟ فقالت من غير توقف:
بكى الحسب الزكي بعينٍ غزيرةٍ ... من الحسب المنقوص أن يجمعا معا
وانصرفت. قال العتبي: كنت كثير التزوج، فمررت بامرأة فأعجبتني فأرسلت إليها: «ألك زوج» ؟ قالت: «لا» ، فصرت إليها، فوصفت لها نفسي، وعرفتها موضعي فقالت: «حسبك قد عرفناك» ، فقلت لها:
«زوجيني نفسك» ، فقالت: «نعم ولكن ههنا شيء تحتمله» ، قلت:
«وما هو» ؟ قالت: «بياض في مفرق رأسي» ، قال: فانصرفت، فصاحت بي: «ارجع» ، فرجعت إليها فأسفرت عن رأسها فنظرت إلى وجه حسن، وشعر أسود، فقالت: «إنا كرهنا منك، عافاك الله، ما كرهت منا» وأنشدت:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموضع شيبهن من الرّجال «١»
стр. 193
وعن عطاء بن مصعب قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: «يا أمير المؤمنين لا أنا ولا زوجي» ، فقال لها: «وما لك من زوجك» ؟ قالت: «مر بإحضاره» ، فأحضر، فإذا رجل قذر الثياب قد طال شعر جسده وأنفه ورأسه، فأمر عمر أن يؤخذ من شعره، ويدخل الحمام، ويكسى ثوبين أبيضين، ثم يؤتى به، ففعل ذلك، ودعا المرأة فلما رأت الزوج قالت: «الآن» ، فقال لها عمر: «اتقي الله، وأطيعي زوجك» ، قالت: «افعل يا أمير المؤمنين» . فلما ولت قال عمر: «تصنعوا للنساء فأنهن يحببن منكم ما تحبون منهن» . ويقال: «إن المرأة تحب أربعين سنة، وتقوى على كتمان ذلك، وتبغض يوماً واحداً، فيظهر ذلك بوجهها ولسانها، والرجل يبغض أربعين سنة فيقوى على كتمان ذلك، وإن أحب يوما واحداً شهدت جوارحه» .
стр. 194
نساء الخلفاء
قال علي بن محمد بن سليمان: أبي يقول: كان المنصور شرط لأم موسى الحميرية أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتاباً أكدته، وأشهدت عليه بذلك، فبقي مدة عشر سنين في سلطانه يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق، وجهد أن يفتيه واحد منهم في التزويج، وابتياع السراري، فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته، وأرسلت إليه بمال، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتب، لم يفته، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد، فأتته وفاتها وهو بحلوان، فأهديت إليه مائة بكر، وكان المنصور أقطع أم موسى الضيعة المسماة بالرحبة، فوقفتها قبل موتها على المولدات الإناث دون الذكور، فهي وقف عليها إلى هذا الوقت.
حدثنا يحيى بن الحسن عن محمد بن هشام قاضي مكة، قال: كانت الخيزران لرجل من ثقيف، فقالت لمولاها الثقفي: «إني رأيت رؤيا» ، قال: «وما هي» ؟ قالت: «رأيت كأن القمر خرج من قبلي، وكأن الشمس خرجت من دبري» ، قال لها: «لست من جواري مثلي، أنت تلدين خليفتين» . فقدم بها مكة، فباعها في الرقيق فاشتريت، وعرضت على المنصور فقال: «من أين أنت» ؟ قالت: «المولد مكة والمنشأ بجرش» .
قال: «فلك أحد» ؟ قالت: «ما لي أحد إلا الله، وما ولدت أمي غيري» ، قال: «يا غلام اذهب بها إلى المهدي وقل له: «تصلح للولد» ، فأتى بها المهدي، فوقعت منه كل موقع، فلما ولدت موسى وهرون، قالت: «إن لي أهل بيت بجرش» ، قال: «ومن لك» ؟ قالت: «لي أختان اسمهما
стр. 195
أسماء وسلسل، ولي أم وأخوان» ، فكتب فأتى بهم، فتزوج جعفر بن المنصور سلسل، فولدت منه زبيدة، واسمها سكينة، تزوجها الرشيد، وبقيت اسماء بكرا، فقال المهدي للخيزران: «قد ولدت رجلين، وقد بايعت لهما، وما أحب أن تبقى أمة، وأحب أن أعتقك، وتخرجين إلى مكة، وتقدمين فأتزوجك» . قالت: «الصواب رأيت» ، فأعتقها وخرجت إلى مكة، فتزوج المهدي أختها أسماء، ومهرها ألف ألف درهم، فلما أحس بقدوم الخيزران، استقبلها فقالت: «ما خبر أسماء وكم وهبت لها» ؟ قال: «من أسماء» ؟ قالت: «امرأتك» ، قال: «إن كانت اسماء امرأتي فهي طالق» ، فقالت له: «طلقتها حين علمت بقدومي» ، قال:
«أما إذا علمت، فقد مهرتها ألف ألف درهم، ووهبت لها ألف ألف درهم» ، ثم تزوج الخيزران.
قال: كانت نخلة، جارية الحسين الخلال، قبل أن يتولى المتوكل الخلافة، تقعد بين يديه وتغنيه، فولدت للحسين ابناً، فلما ولي المتوكل الخلافة، طرقه ليلاً، فقال له الحسين: «زرتنا، جعلت فداك» ، قال:
«اشتهيت أن أسمع غناء نخلة» . فأخرجها إليه مطمومة الشعر، فقال: «يا خلال أليس قد ولدت منك ابناً» ؟ قال: «بلى» ، قال: «فأنا أحب أن تعتقها» . قال: «فإنها حرة» ، قال: «فأشهد إني قد تزوجتها، قومي يا نخلة» . فاشتد ذلك على الحسين، فعوضه منها خمسة عشر ألف دينار، وحول إليه نخلة. قيل: ووصف للمتوكل ابنة لسليمان بن القاسم بن عيسى بن موسى الهادي، وعدة من الهاشميات، فحملن إليه، وعرضن عليه، فاختارها من بينهن، وصرف البواقي، ونزلت منه منزلة حتى ساوى بينها وبين قبيحة في المنزلة؛ وكانت جارية لها لباقة وملاحة، ووصفت له ريطة بنت العباس بن علي، فحملت إليه، فتزوجها ثم سألها أن تطم شعرها، وتتشبه بالمماليك، فأبت عليه، فأعلمها إن لم تفعل فارقها. فاختارت الفرقة، فطلقها؛ ووصفت له عائشة بنت عمرو بن الفرج الرخجي، فوجه في جوف الليل، والسماء تهطل، إلى عمر أن أحمل إلي عائشة، فسأله أن يصفح عنها، فإنها القيمة بأمره، فأبى، فانصرف عمر وهو يقول: «اللهم قني شر
стр. 196
عبدك جعفر» ، ثم حملها بالليل فوطئها، ثم ردها إلى منزل أبيها قال:
«وكان الهادي يشاور من أصحابه عبد العزيز بن موسى، وعيسى بن دأب، والعزيزي، وعبد الله بن مالك، فخرج ذات يوم إليهم وهو مغضب، كأنه جمل هائج، منتفخ الأوداج، منتقع اللون، فأقبل حتى جلس في مجلسه، وكان العزيزي أجرأهم عليه، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنا نرى بوجهك ما كدر علينا عيشنا، وبغض الدنيا إلينا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخبرنا بالسبب، فإن كان عندنا حيلة أعلمناه بها، وإن تكن مشورة أشرنا بها، وإن أمكن احتمال الغم عنه وقيناه بأنفسنا، وحملنا الغم عنه» .
قال: فأطرق طويلاً، والعزيزي قائم، فقال له: «اجلس يا عزيزي، فإني لم أر كصاحب الدنيا قط أكثر آفات، وأعظم نائبة، ولا أنغص عيشاً» ، قال العزيزي: «وما ذاك يا أمير المؤمنين» ؟ قال: «لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر قد علمتم موقعها مني، وأثرتها عندي، كلمتني بإدلال فأغلظت، فلم يكن لها عندي احتمال، ولا عندها إقصار، حتى وثبت عليها وضربتها ضرباً موجعاً» .
قال: وسكت، فقال ابن دأب: يا أمير المؤمنين، إنك والله لم تأت منكراً، ولا بديعاً، قد كان أصحاب رسول الله ﷺ يؤدبون نساءهم، ويضربونهن. هذا الزبير بن العوام، حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، وثب على امرأته أسماء بنت أبي بكر، وهي أفضل نساء أهل زمانها، فضربها في شيء عتب عليها فيه ضرباً مبرحاً، حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب فراقها، وذلك أنها استغاثت بولدها عبد الله، فجاء يخلصها من أبيه فقال:
«هي طالق إن حلت بيني وبينها» ، ففعل وبانت منه، وهذا كعب بن مالك الأنصاري، عتب على امرأته، وكانت من المهاجرات، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها، فقال:
فلولا بنوها حولها لخبطتها ... كخبطة فروجٍ ولم أتلعثم
стр. 197
المطلقات
قيل: كانت أم الحجاج بن يوسف، الفارغة بنت همام بن عروة بن مسعود، وكانت عند المغيرة بن شعبة، فرآها يوم تتخلل بكرة، فقال:
«أنت طالق، والله لئن كان هذا من غذاء يومك لقد شرهت، وإن كان من عشاء أمسك لقد انتنت» . فقالت: «لا يبعد الله غيرك، والله ما هو إلا من السواك، فخلف عليها بعده يوسف أبو الحجاج، فأولدها الحجاج، وفيها أشعار، منها:
أهاجتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث
ظعائن أسلكت نقب المنقى ... تحث إذا ونت أي احتثاث
كأن على الحدائج يوم بانوا ... نعاجاً ترتعي بقل البراث»
تؤمّل أن تلاقي أهل بصرى ... فيالك من لقاء مستراث
تهيجنا الحمام إذا تداعى ... كما سجع النوائح بالمراثي
وفي زينب أخت الحجاج، يقول النميري:
ولم تر عيني مثل سربٍ رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات
ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات
تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات
مرون بفخ ثم رحن عشيةً ... يلبين للرحمن مؤتجرات
стр. 198
دعت نسوةً شم العرانين بدناً ... نواعم لا شعثاً ولا غبرات
فأدنين لما قمن يحجبن دونها ... حجاباً من القسي والحبرات
أجل الذي فوق السموات عرشه ... أوانس بالبطحاء معتجرات
يخبين أطراف البنان من التقى ... ويخرجن بالأسحار معتمرات
قال عوانة عن محمد بن زياد عن شيخ من كندة: خرج الحارث بن سليل الأسدي زائراً لمعلقة بن حفصة الطائي، فلما قدم عليه، بصر بابنة له يقال لها: «الزباء» ، وكانت من أجمل نساء أهل عصرها، فأعجب بها فقال لأبيها: «أتيتك زائراً، وقد ينكح الخاطب، ويكرم الطالب، ويفلح الراغب» فقال: «أنت امرؤ كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك» ثم انكفأ إلى أهله فقال: «إن الحارث بن سليل سيد قومه منصباً وحسباً وبيتاً فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته، فأريدي ابنتك عن نفسها» فخلت بالزباء فقالت: «يا بنية أي الرجال أحب إليك، الكهل الجحجاح، الفاضل المناح، أم الفتى الوضاح» قالت: «الزمور الطماح» قالت: «يا بنية إن الشيخ يميرك، ولا يغيرك، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل، كالحديث السن، الكثير الظن» قالت: «يا أماه أخشى الشيخ أن يدنس ثيابي، ويشمت بي أترابي، ويبلي شبابي» .
قال: فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث بن سليل على خمسين ومائة من الإبل وألف درهم وابتنى بها ثم رحل إلى قومه، فبينما هو جالس ذات يوم، وهي إلى جانبه، إذ أقبل فتية من بني أسد نشاوى يتبخترون، فلما نظرت إليهم تنفست الصعداء، وبكت فقال: «ما شأنك» ؟ قالت: «ما لي وللشيوخ الناهضين كالفروخ» ؟ قال: ثكلتك أمك؛ تجوع الحرّة، ولا تأكل بتدييها» فذهبت مثلاً.
أما وأبيك، لرب غارةٍ شهدتها، وخيل وزعتها، وسبية أردفتها، وخمرة شربتها. الحقي بأهلك، فأنت طالق. وقال:
تهزأت أن رأتني لابساً كبراً ... وغاية الناس بين الموت والكبر
стр. 199
فإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان، وتغييرٌ من الشعر
فقد أروح للذات الفتى جذلاً ... وقد أصيد بها أعيناً من البقر
عني إليك فإني لا توافقني ... غور الكلام، ولا شربٌ على الكدر
قال: وقال الحجاج لابن القرية: «ما تقول في التزويج» ؟ قال:
«وجدت أسعد الناس في الدنيا، وأقرهم عيناً، وأطيبهم عيشاً، وأبقاهم سروراً، وأرخاهم بالاً، وأشبهم شباباً، من رزقه الله زوجة مسلمة أمينة عفيفة حسنة لطيفة نظيفة مطيعة، إن ائتمنها زوجها وجدها أمينة، وإن قتر عليها وجدها قانعة، وإن غاب عنها كانت له حافظة، تجد زوجها أبداً ناعماً، وجارها سالماً، ومملوكها آمناً، وصبيها طاهراً، قد ستر حلمها جهلها، وزين دينها عقلها، فتلك كالريحانة والنخلة لمن يجتنيها، وكاللؤلؤة التي لم تثقب، والمسكة التي لم تفتق قوامه صوامة ضاحكة بسامة، إن أيسرت شكرت، وإن أعسرت صبرت، فأفلح وأنجح من رزقه الله مثل هذه، وإنما مثل المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ الضعيف، يجره في الأرض جراً، فبعلها مشغول، وجارها مقبول، وصبيها مرذول، وقطها مهزول» . قال: «يا ابن القرية، قم الآن فاخطب لي هند بنت أسماء، ولا تزد على ثلاث كلمات» .
فأتاهم، فقال: «جئت من عند من تعلمون، والأمير يعطيكم ما تسألون، أفتنكحون أم تدعون» ؟ قالوا: «أنكحنا وغنمنا» .
فرجع إلى الحجاج، فقال: «أصلح الله الأمير، صلاح من رضي عمله، ومد في الخيرات أجله، وبلغ به أمله، جمع الله شملك، وأدام طولك، وأقر عينك، ووقاك حينك، وأعلى كعبك، وذلل صعبك، وحسن حالك على الرفاء والبنين والبنات، والتيسير والبركة، وأسعد السعود وأيمن الجدود، وجعلها الله ودوداً ولوداً، وجمع بينكما على الخير والبركة، فتزوجها الحجاج، ثم إنه دخل ذات يوم عليها وهي تقول:
وما هند إلا مهرةٌ عربيةٌ ... سليلة أفراس تجللها بغل
стр. 200
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يك أقرافٌ فما أنجب الفحل
فخرج من عندها مغضباً، ودعا ابن القرية، فدفع إليه مائة ألف درهم وقال: «أدخل إلى هند وطلقها عني، ولا تزد على كلمتين، وادفع إليها المال» ، فحمل ابن القرية المال، ودخل عليها فقال: «إن الأمير يقول:
(كنت فبنت) ، وهذه المائة ألف صداقك» . فقالت: «يابن القرية ما سررت به إذ كان، ولا جزعت عليه إذ بان، وهذا المال بشارة لك لما جئتنا به» ، فكان القول أشد على الحجاج من فراقها» .
وذكروا أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ كانت عنده عاتكة بنت زيد بن نفيل فأحبها حبا شديدا فأمره أبوها بفراقها وأن يطلقها تطليقة واحدة، ففعل ثم ندم على فعله فقال:
فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرمٍ تطلق
لها خلقٌ سهلٌ وحسنٌ ومنصبٌ ... وخلقٌ سويٌ ما يعاب ومنطق
أعاتك قلبي كل يومٍ وليلةٍ ... إليك بما تخفي القلوب معلق
أعاتك ما أنساك ماذر شارقٌ ... وما لاح نجمٌ في السماء محلق
فسمع أبو بكر ذلك فرق له، وأمره بمراجعتها.
وعن علي بن دعبل قال: «حدثني أبي قال: خرجت ومعي إعرابي ونبطي إلى موضع يقال له بطياثا من أمصار دجلة، متنزهين، فأكلنا وشربنا، فقال الأعرابي: قل بيت شعر فقلت:
نلنا لذيذ العيش في بطياثا
فقال الأعرابي:
لما حثثنا أقدحاً ثلاثا
فقال النبطي:
وامرأتي طالق ثلاثا
стр. 201
وما زال يبكي حتى الصباح فقلت له: «ما يبكيك» ؟ فقال ذهبت امرأتي بقافية.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كنت أنا والحسين بن الضحاك يوماً عند المعتصم، وحضرت قينة تعرض عليه، فأعجب بها فقال للمدنيين:
«كيف ترونها» ؟ فقال أحدهم: «امرأته طالق أن كان رأى مثلها» ، وقال آخر: «امرأته طالق إن لم..» ، وسكت، فقال المعتصم: «إن لم ... » ، قال «لا شيء» ، فضحك وقال له: «ويحك ما دعاك إلى طلاق أهلك بلا سبب» ، فقال: «يا أمير المؤمنين كلنا قد طلق امرأته بلا سبب» . ومما قيل في ذلك من الشعر:
رحلت أمية بالطلاق ... ونجوت من رق الوثاق
بانت فلم يجزع لها ... قلبي ولم تدمع مآقي
لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق
وخصيت نفسي لا أري ... د حليلةً حتى التلاقي
وقال آخر:
رأيت أثاثها فطمعت فيها ... وقد نصبت لعيرك بالأثاث
فطلقها وعد النفس عنها ... سريعاً، إن نفسك في التواث «١»
وإلا فالسلام عليك إني ... سآخذ من غدٍ لك في المراثي
стр. 202
محاسن وفاء النساء
قال الكسروي: كتب بلاش بن فيروز إلى ملك الهند يخطب ابنته، فلم ينعم له، ورد رسوله خائباً، فتجشم، وسار إليه في خيله ورجله، فلما اصطفت الخيلان، دعاه بلاش إلى المبارزة، وقال: «إنه عار على الملوك أن يوردوا جنودهم الهلاك، ويفوزوا بأنفسهم» . فبرز إليه ملك الهند، فاختلفت بينهما ضربتان، فمنعت «بلاشاً» حصانه درعه، وضرب بلاش الهندي على عاتقه، فقطع حبله، حتى انتهى السيف إلى ثندؤته، فخر ميتاً، وانهزمت خيله، فافتتح بلاش مدينته، وأمر ثقاته، فأحدقوا بقصر ابنة الملك، فلما احتوى على أمواله، بعث إلى ابنة الملك أن تأتيه، فقالت للرسول، وهي تبكي «قل للملك المزين بالحلم، المحبب في رعيته، السعيد بالظفر، إنك قد ملكتني، وصرت ممن يستحق عطفك ورأفتك، فإن رأيت أن تطيب نفساً عن النظر إلي، حتى ترجع إلى دار مملكتك فافعل» .
فانصرف الرسول إلى بلاش، فأخبره فأجابها إلى ما سألت، وسار وحملها حتى قدم دار المملكة، فهيأ لها مقصورة مفردة عن سائر حرمه، فأنزلها فيها، وأمر لها بعتيق الديباج، وفاخر الجوهر، وإسفاط من الذهب، والصلات والجوائز والأثاث، ما لم يأمر لغيرها من نسائه؛ واستأذنها في الدخول عليها، فأذنت له، فدخل عليها، وأقام عندها سبعة أيام ولياليها عجبا منه بها، لا يحير إليها جواباً، ولا يخف عن صدر مجلسها؛ فخرج من عندها، اليوم الثامن، وقد وقع في قلبه ما أظهرت من خفة مجلسه عليها، ولبثت أشهراً لا يدخل عليها، فقالت يوماً لحاضنتها: «ما أعجب أمر الملك! بذل دمه في طلبي، حتى إذا ظفر سلا؟؟؟؟ انطلقى حتى تسألي
стр. 203
عن عدة نسائه، وأيهن أكرم عليه، وأتيني بعلم ذلك» .
فانطلقت حتى عرفت ذلك، وانصرفت فقالت: «إني وجدت له أربعمائة امرأة ما بين أمة وحرة، وليس فيهن أكرم عليه من ابنه سائس من سواسه، أعجبته، فتزوج بها» . فقالت: «انطلقي إليها، وأقرئيها مني السلام، وأعلميها أني أريد مؤاخاتها، والانقطاع إليها» .
فانطلقت الحاضنة إلى ابنة السائس، فأبلغتها رسالة مولاتها، فقالت لها: «أقرئيها مني السلام، وأعلميها أني قد أحببتها وأجبتها إلى ما سألت، فتصير إليّ» . فانصرفت، فأخبرتها بما قالت؛ فتهيأت بأحسن هيئة، وأقبلت إليها، ودخلت عليها، فرفعت مجلسها وأقبلت عليها، فذكرت حبها لها، ورغبتها في مواصلتها، فردت عليها ابنة السائس أحسن الرد، وأعلمتها سرورها بذلك، ثم تحدثتا ساعة؛ وانصرفت، وجعلت الهندية تأتيها غباً، وتظهر الأنس؛ فلما أنست بها، قالت لها: «إنك قد استلبت قلب الملك، وقهرت جميعنا بفضلك، وليس لواحدة منا نصيب، فأعلمينا الأمر الذي فضلتنا به لنزداد سروراً بما أوتيت، ومحبة لك، والانقطاع إليك» .
قالت: «إني لما عرفت ضعف نسبي، وقلة جمالي، علمت أنه لا يرجع الملك مني إلى شيء أحظى به عنده مثل المؤاتاة في الخلوة، وأن أبسطه إذا هم بالحركة، وأستميل قلبه باللطف وفضل الخدمة. فلما رآني على ذلك مستمرة، ورأى من سائر نسائه أنفة الأكفاء، وزهو الجمال، وخيلاء الملك، وعلمت أني إن أخذت ما أخذته، مع خمول نسبي، وقلة جمالي، ودقة خطري، لا يليق بي مثل الذي يليق بهن، ففضلني على جميع نسائه بذلك» .
فلما سمعت ابنة الملك ذلك، علمت أن قلوب الرجال لا تستمال إلا بالمؤاتاة، وسرعة الإجابة في الباه عند المشغلة؛ فعزمت أن تجعل ذلك عدّة لاستعطاف قلب الملك. فانصرفت إلى قصرها، وقالت لبعض جواريها:
«اذهبي إلى فلانة (تعني ابنة السائس) ، فإن رأيت الملك عندها فأعلميها أني عليلة من وجع عرض لي» . فانطلقت الجارية، فإذا الملك عندها،
стр. 204
فأخبرتها بذلك، فرق الملك لها، وذكر غربتها، وقتله أباها، فقال لابنة السائس: «ما ترين في إتيانها» ؟ فقالت: «أيها الملك؟ إنه ليس في نسائك من لها عندي مثل منزلتها فصر إليها، فإنها غريبة قد فارقت أهلها، وهي في موضع رحمة» .
فقام الملك، حتى دخل عليها، وانتهى إلى باب مجلسها، فقامت إليه تمشي بأحسن هيئتها، متكسرة في حليها، وزينتها عبقةٌ بطيبها وعطرها، فقبلت بين عينيه، وأخذت بيده حتى أجلسته في صدر فراشها، وجعلت تقبل يديه ورجليه، ضاحكةً إليه، مظهرةً السرورو به. فجذبها إلى نفسه ودعاها إلى المضاجعة، فأتته؛ ولم يرد في الخلوة شيئاً إلا أجابته إليه؛ فلما قضى حاجته نازعها إلى المحادثة، فقال: «أين ما ذكر رسولك من وجعك» ؟
قالت: «يا سيدي، كنت متوجعة لفراقك حتى شفاني لقاؤك، وقلت ذلك لما نالني من تباريح الشوق إليك وطول صدودك وسلوتك» .
ثم أخذ معها في المداعبة، وأقام عندها سبعة أيام، فبينما هما يتلاعبان ويتذاكران ويتعانقان، إذ دخلت جارية لابنة السائس، فحيت الملك بتحية الملوك، ثم قالت للهندية: «إن سيدتي (تعني ابنة السائس) تقول:
قد اجتمع فيك ثلاث خصال: الأولى الغدر بمعلمتك، والثانية فضل تطاولك، والثالثة كفران النعمة للمنعم، وإني عن قريب رادتك من الملك إلى غصص الغيظ» .
فأفحمتها، وهملت «١» عيناها، ونظرت إلى الملك كالمستغيثة به فقال لها الملك: «يا حبيبتي؟ ما تنكرين من أمتك؟ قد وهبتها لك وجميع ما تملك» . فتجلي عنها غمها، فقالت لرسولتها: «انطلقي فأعلميها إن الملك قد وهبها وما تملك لي، وقولي لها: أرجعك فحش نفسك إلى لؤم حسبك، وإهمال أدبك. ائتيني، الساعة، بصغار المذلة، ورقة العبودية» .
فلما أبلغتها الرسول ذلك، أقبلت فدخلت عليها فحيت الملك وقامت
стр. 205
بين يديه؛ فقالت لها الهندية: «ما كان أعظم زهوك في رسالتك» ؟ قالت:
«يا سيدتي، أتأذنين لي في الكلام» ؟ قالت: «تكلمي» ، قالت: «أيتها السيدة، لست متوجهة إليك بشيء هو أملك بك من حلمك، ولا أعطف علي من فضلك؛ ولم يظلم من رفع فوقي من هو أفضل مني، وكل فرع يرجع إلى أصله، وكل زهر ينسب إلى سنخه» فقالت: «صدقت، فدعي عنك كلام الأدب، فقد ملكتك على رغم أنفك، وأنا مزوجتك من فلان خادمي، فليس لك فضل عليه» . قالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، ومن صاحب العظماء، أبت غريزته الأدنياء؛ وإنما ترقبت عطفك، ورجوت حسن نظرك؛ فأما إذا عزمت على هذا، فقد طاب الموت، وما الذي استبقي منك» ؟
ثم قالت: «أيها الملك، إن جذل المسرة منك لا يستقر ويقع موقعه إلا بعد المخالفة عندك. فاحترس من هذه الهندية، فإنها لا تؤمن عليك، لأنها ليست من جنسك فيعطفها عليك الرحم، ولا من أهل مملكتك، فتعرف تطولك عليها. وإنما هي شبيهة بموتورةٍ قد قتلت أباها، وهدمت عزها، فاحترس منها، ولا يلهينك موقعها من قلبك، فإنها متى احتالت في قتلك، لم يكن في أيدينا من الظفر إلا قتلها، كما كان من أمر الثعلب وعظيم الطير، فقال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: يقال إن ثعلباً جاع في ليلة، فرقي شجرة ليأكل منها، فسال الوادي الذي فيه تلك الشجرة بسيل شديد، فاقتلعها والثعلب عليها، ثم رفعها ووضعها، حتى ألقى الثعلب إلى أرض بعيدة من أرضه؛ فأصبح، وقد ألقاه السيل، إلى سفح جبل كثير الأشجار، مثمر الأغصان، وعلى تلك الأشجار جنس من الطير لا يحصى عدداً؛ فأقعى إلى شجرة قصياً، مقشعراً، لا يعرف أرضه، ولا يقدر على مؤالفة الدواب. فمر به عظيم الطير، فقال له: «ما أنت» ؟ فقال: «أنا دابة سال بي السيل، فألقاني في جبلكم، وقد أصبحت غريباً» . فقال له عظيم الطير: «فهل لك حرفة» ؟ قال: «نعم. أعرف الثمار إذا بلغت حد بلوغها، وأصنع للطير أكنافاً في الأرض، تكن فيها فراخها من الحر والبرد» ،
стр. 206
فقال له عظيم الطير: «قد أدركت عندنا بغيتك، فأقم عندنا نواسك، ونعرف حق مجاورتك» .
فأقام الثعلب عند ملك الطير؛ فكان يعرفهم الثمار المدركة، ويحفر لهن بمخاليبه قبوراً في الأرض يفرخن فيها؛ وكان الثعلب، إذا جن عليه الليل، وقرم إلى اللحم، أدخل يده في جحر من تلك الأجحرة، فأخرج طيراً أو فراخاً، فأكله ودفن ريشه، وجعلت الطير تتفقد ما كان يأكل واحداً بعد واحد، فقال بعهضا لبعض: «ما فقدنا أفاضلنا إلا منذ صارت هذه الدابة بين أظهرنا، وكانت هذه الطير تطيل الغيبة، وما تدري ما دهاها» . فقال عظيمها: إن هذا حسدٌ منكن لهذه الدابة، فلا تغفلن ما أصبحتن فيه من فضل المطعم، وما فيه فراخكن من هذه الأكفان التي لا يخاف عليها برد فيها ولا حر» ، فقالت الطير: «أنت سيدنا؛ وأبصر بالأمور منا» . قال: «وعلي أن اقطع هذا القول، وأبين حق ذلك من باطله بنفسي» .
فلما أظلم الليل نزل من الشجرة، فدخل بعض تلك الأكفان وأقبل الثعلب على العادة التي أعتادها إلى الكن، فأدخل يده، فقبض على رأس الملك، فقال الملك للثعلب: «لقد نصحتني الطير لو قبلت نصحها» . قال الثعلب: «أنت هو» ؟ قال: «نعم» ، قال: «ما ظننت أن يبلغ حمقك كل هذا» ؟ قال ملك الطير: «دعني أردك في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل علمك، ولطيف حيلتك» . قال له الثعلب: «إن أبوي أدباني أن لا أعلق أنيابي بشيء، وأتركه، إذ ليس من جهلك أن لا تتجزأ من الثمار، ومن الأكفان، بما كان آباؤك يكتفون به؛ ولم ترض حتى اختبرت أمري بنفسك، ولم تجعل التغرير في ذلك بغيرك» . ثم أكله، ودفن ريشه، وفقدت الطير عظيمها، فاستوحشت، وضربت وضربت الثعلب ضرباً بمخاليبها ومناقيرها حتى قتلته، ولم يصلن في عظيم خطر ملكهن إلى أكثر من قتل الثعلب» .
فاحترس من هذه الهندية.
قالت الهندية: «إنما تقرعين المرأة بأربعة رجال: بأبيها وأخيها وولدها وبعلها، وأفضل النساء المختارة بعلها على جميع أهلها، والمؤثرة له على
стр. 207
نفسها، فكيف بمن ذهب أبوها وأخوها، فبقي بعلها؟ أفتحب أن تهلكه؟
على أن مثلك، في رداءة همتك، وخبث نيتك، مثل الغراب والحمامة.
قال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: «زعموا أن غراباً ألف مطبخاً لبعض الملوك، فأخذ من أطيب اللحمان التي قد صارت فيه شيئاً، فظنوا أن الغراب أخذه لقلة وفائه، ولؤم جوهره، فطردوه عن مطبخهم، وقالوا: ما نرجو من هذا الغراب، وهو من الطيور التي تعاف، ويتطير منها؟؟ فأفشى ذلك الغراب أمره إلى حمامة قد كان بينهما معرفة، وفزع إلى رأيها، وأخبرها ما كان فيه من نعيم المأكل والمشرب. فقالت له الحمامة:
انطلق بي حتى تريني هذا المطبخ. فانطلق حتى أتى سطح المطبخ، فقالت الحمامة: إني أرى هذا البيت ليس فيه موضع مدخل، فاحفر لي بمنقارك قدر ما أدخل، فإن منقاري يضعف عن ذلك. فحفر الغراب في سقف البيت بمنقاره، فجعل لها خازن المطبخ موضعاً تأوي إليه، فلبثت في ذلك البيت قريرة عين، فنادها الغراب: «ما هكذا قدرت فيك» . فقالت الحمامة: «لو وفيت لك، حل بي غدرك، وإن القوم عرفوا وفائي، وحسن جواري، وعرفوا غدرك، وقلة وفائك، ونكث عهدك» .
فهذا مثلي ومثلك، يا ابنة السائس! إني لو وفيت لك، أرداني غدرك، وقتلني مكرك» ! قالت ابنة السائس: «أيتها السيدة! إن الذي سمعت مني، كان لشدة الأنفة، فأردت أن أنفي عن نفسي الذي أردت من إنكاحي خادمك فلاناً» .
قالت الهندية: «لا بدّ من ذلك» . فقالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، الآن استعذبت الموت» ، فعمدت إلى سم كان معها، فقذفته في فيها، فخرت ميتة، ووفت الهندية لزوجها، فأفلحا.
ومنهن «شيرين» ، امرأة أبرويز، فإن شيرويه بن أبرويز، لما قتل أباه، وتوطد له الملك، بعث إلى شيرين يدعوها إلى نفسه، فامتنعت عليه،
стр. 208
وأبت أن تجيبه إلى ذلك، فغصبها ضياعها، وعقارها، وذخائرها، وأموالها، مع ما رماها به، فبعثت إليه، وقالت: «آيها الرجل! إن لم يكن مما سألت بد، فاقض لي ثلاث حوائج حتى أتابعك على ما تريد» . فقال:
«وما هذه الحوائج» ؟ قالت: «إحداها أن ترد علي ضياعي وأموالي، والثانية أن تصعد منبرك بمحضر من مرازبتك، وأساورتك، وعظماء أهل مملكتك، وتتبرأ مما قذفتني به، والثالثة أن أباك أودعني وديعة، فتأمر أن يفتح لي باب الناووس............... ............. لها ومعها خاتم، وفيه سم ساعة، فنثرته في فيها، وعانقت قبر زوجها، فماتت.
стр. 209
غدر النساء
وضده، قيل: كان لكسرى أبرويز خال يقال له «بسطام» ، فخاف من كسرى، وجمع جمعاً كثيراً، وواقع أبرويز. فلما أعيت أبرويز الحيلة فيه، دعا بكردي، أخي بهرام جور، (ويقال أن كردياً كان غلاماً له، رباه، وبلغ منه مبلغ الرجال، وكان من خاصته، والناصحين له) ، فقال له: «قد ترى ما نزل بنا من هذا العدو بسطام، وقد رأيت رأياً، إن طابقتني عليه، رجوت الظفر» . قال كردي: «وما ذاك، أيها الملك؟ أخبرني، فما شيء يزيدك الله به عزّ، ويزيد أعداءك به ذلاً، إلا بادرت إليه بنصحٍ وصدقٍ، لعظيم حقك، ووجوب طاعتك» .
قال له كسرى: «قد عرفت حال كردية، أختك، امرأة بسطام، وجراءة قلبها، وبسطام يأوي إليها كل ليلة، إذا انصرف عن الحرب، وأنا جاعل لها عهد الله، وميثاقه، وذمة أنبيائه، إن هي أراحتني من بسطام، واحتالت لي في قتله، أن أتزوجها، وأجعلها سيدة نسائي، وأبلغ في إكرامها والسموّ بها، أفضل ما بلغ ملك بإمرأته» .
قال كردي: «يأيها الملك! ما أشك في قدرتها عليه، فاكتب إليها بخطك بما رأيت لأوجهه في الكتاب إليها، مع امرأتي «أرجية» ، فإن لها عقلاً ورفقاً وبصيرة» .
فكتب كسرى بخطه: «بسم الله الرحمن الرحيم «١» . هذا كتابٌ لكردية
стр. 210
بنت بهرام جستاسب، كتبه لها كسرى أبرويز بن هرمز، إن لك عندي عهد الله، وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، إن أنت قتلت بسطام، وأرحتني منه، أن أتزوج بك، وأجعلك سيدة نسائي، وأبلغ من كرامتك ما لا يبلغ ملك من الملوك لأحد، وأشهد الله على ذلك، وكفى بالله شهيداً» .
وكتب كسرى بخطه، وختمه بخاتمه يوم كذا من شهر كذا. فسارت «أرجية» ، حتى دخلت عسكر بسطام كهيئة الزائرة لكردية بالنظر إليها، وكان بينهما قرابة، فلما جلست وسكنت، دفعت إليها كتاب كسرى، وقالت لها:
«يا ابنة العم، أجيبي الملك إلى ما سألك، واغنمي بذلك الرجوع إلى وطنك» . فرغبت لشدة شوقها إلى أهلها، فأجابتها إلى ذلك.
وانصرفت أرجية إلى عسكر كسرى، وعرفت زوجها ما كان بينها وبين كردية، فمضى كردي إلى كسرى فأعلمه.
ثم أن بسطام دخل على كردية، فأتته بعشاء، فتناول منه، ثم أتته بشراب فسقته، وجعلت تحدثه، وتظهر له المحبة، حيت مضى ثلث الليل؛ فنام بسطام، فلما استثقل نوماً، قامت إليه كردية بسيفها، فوضعته على ثندوءته، ثم اتكأت فأخرجته من ظهره فمات؛ وعمدت من ساعتها إلى دوابّها، فحملت حشمها وأثقالها على البغال، وخرجت نحو عسكر كسرى؛ وقد كانت وجهت مع «أرجية» إلى أخيها أن يجلس لها على الطريق، فلما وافته، سار معها حتى أدخلها على كسرى، ففرح بذلك فرحاً شديداً.
فلما أصبح أصحاب بسطام، ورأوه قتيلاً، ولوا هاربين على وجوههم؛ فانصرف كسرى إلى المدائن، فاتخذ لكردية تاجاً مكللاً بالدرر وصنوف الجوهر، وأعد لها وليمة عظيمة دعا فيها جنوده، فطعموا وشربوا، ثم دعا كردياً أخاها، فزوجه إياها، ومهرها، وأعطاها خاتماً، فصّه من الكبريت الأحمر، يضيء في الليلة الظلماء كما يضيء السراج.
فلما دخل بها كسرى، ونظر إلى جمالها وعقلها، سر بها، وأعطاها الأموال، وأقطعها الضياع، وأكرم أخاها كردياً، وولاه أرض فارس، وبلغ
стр. 211
بها من رفعه إياها، وتشريفه لها، ما لم تبلغه امرأة قبلها ولا بعدها.
ثم إن كردية قالت لكسرى: «يا سيدي، أخرج بنا إلى الميدان لألعب، بين يديك، بالكرة والصولجان» . فخرج معها إلى الميدان، وخرجت امرأته شيرين، وخواص نسائه، ودعا بخيل، فأسرجت، وركبت وركب هو، وجعلت تلاعبه بالصوالج، وتناولت السيف، وركضت في الميدان، ولعبت بالسيف لعباً معجباً، ثم أخذت الرمح فلعبت به. فقالت شيرين: «أيها الملك! ما يؤمنك من هذه الشيطانة» ؟ قال: «هيهات! إنها أعرف بحقنا، وأشد حباً لنا من أن نخافها على أنفسنا» .
فلما نزلت، قال كسرى: «لنا في كل ربع من أرباع مملكتنا قائدٌ في اثني ألف رجل؛ وفي قصري أثنا عشرة آلاف امرأة، وقد جعلتك قائداً عليهن» . قالت: «يا سيدي، ما للنساء والفروسية؛ وإنما علينا أن نتزين لك، ونتطيب ونسرك بأنفسنا؛ وأردت، بما كان مني، سرورك وتسليه همومك» . فأمر كسرى بحمل طعامه وشرابه إلى منزلها، وبقي عندها أسبوعاً، لم يخرج إلى الناس، ولم يأذن لأحدٍ بالدخول عليه، ثم خرج من عندها إلى منزل شيرين، فأتاه صياد بسمكة عظيمة، فأعجب بها، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فقالت له شرين: «أمرت لصياد بأربعة آلاف درهم، فإن أمرت بها لرجل من الوجوه» ، قال: «إنما أمر لي بمثل ما أمر للصياد» .
فقال: «كيف أصنع، وقد أمرت له» ؟ قالت: «إذا أتاك، فقل له:
أخبرني عن السمكة، أذكرٌ هي أم أنثى؟ فإن قال: «أنثى» ، فقل: لا تقع عيني عليك حتى تأتيني بالذكر. وإن قال: «ذكر» ، فقل مثل ذلك.
فلما غدا الصياد على الملك، قال له: «أخبرني عن السمكة، أذكرٌ هي أم أنثى» ؟ قال: «بل أنثى» . قال: فاتني بذكرها» فقال: عمر الله الملك؟ إنها كانت بكراً لم تتزوج بعد» . قال الملك: «زه، زه» وأمر بأربعة آلاف درهم؛ وأمر أن يكتب في يكتب في ديوان الحكمة: «إن الغدر ومطاوعة النساء يورثان الغرم» .
وقال: وكان الموبذان إذا دخل على كسرى، قال: «عشت، أيها
стр. 212
الملك، بسعادة الجدّ، ورزقت على أعدائك الظفر، وأعطيت الخير، وجنبت طاعة النساء» . فغاظ ذلك شيرين، وكانت أجمل نساء عصرها، وأتمهن عقلاً، فقالت لكسرى: «أيها الملك! إن هذا الموبذان قد طعن في السن، ولست مستغنياً عن رأيه ومشورته. وقد رأيت لحاجتك إليه أن أهب له «مسكدانة» ، جاريتي؛ وقد عرفت عقلها وجمالها، فإن رأيت أن تسأله قبولها، فافعل» .
فكلم كسرى الموبذان في ذلك، فهش للجارية لمعرفته بجمالها وفضلها، فقال: «قد قبلتها أيها الملك، لا يثارها إياي بأفضل جواريها» .
فقالت شيرين لمسكدانة: «إني أريد أن تأتي هذا الشيخ، فتبدي له محاسنك، وتجيدي خدمته، فإذا هش لمضاجعتك، فامتنعي عليه حتى توكفيه وتركبيه، وتعلميني الوقت الذي يتهيأ لك ذلك حتى لا يعود أن يزيد في تحية الملك: «ووقيت طاعة النساء» فقالت مسكدانة: «أفعل يا سيدتي» .
ثم انطلقت إلى الشيخ، فصارت عنده في داره التي يحتلها من قصر الملك؛ فجعلت تخدمه، وتبره، وتظهر له الكرامة، وهي مع ذلك تبرز له محاسنها، وتشف له عن صدرها ونحرها، وتبدي له ساقيها وفخذيها، فارتاح الموبذان إليها، وشرح صدره لمضاجعتها، فجععلت تمتنع عليه، فيزداد في ذلك حرصاً. فلما ألح عليها، قالت له: «أيها القاضي! ما أنا بمجيبتك إلى ما سألت، حتى أو كفك وأركبك؛ فإن أجبتني إلى ذلك، صرت طوع يدك فيما تريد وتدعو إليه من مسرتك» .
فامتنع عليها أياماً، وبقيت تتزين له بزينتها، وتكشف له عن محاسنها، حتى عيل صبره، فقال لها: «أفعلي ما أجببت» . فهيأت له برذعة صغيرة، وإكافاً صغيراً، وحزاماً وثفراً، وأقامته عرياناً على أربع، ووضعت على ظهره البرذعة، والأكاف، وجعلت الثفر تحت خصيتيه، وهي قائمة، وركبته وهي تقول: «خر خر» .
وأرسلت إلى سيدتها شيرين تعلمها بذلك، فقالت شيرين للملك:
стр. 213
«أصعد بنا إلى ظهر بيت الموبذان، للننظر من الروزنة ما يكون بينه وبين الجارية» . فصعدا. ونظرا، فإذا هي قد ركبته فوق الأكاف، فناداه كسرى:
«ويحك! أي شيء هذا» ؟ فرفع الموبذان رأسه، ونظر إلى الروزنة، ورأى الملك فقال: «هو ما كنت أقول لك في اجتناب طاعة النساء» . فضحك كسرى وقال: «قبحك الله من شيخ، وقبح مستشيرك بعد هذا» .
стр. 214
حديث الزباء
ومنهن الزباء «١» ، واسمها هند، وملكت الشام بعد عمها المنصور، وكان جذيمة الأبرش قتل عمها، فبعث إليها جذيمة يخطبها، فأظهرت البشر والسرور لرسوله، وكتبت إليه بالقدوم عليها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، فقالوا: «أيها الملك، إن تزوجت بها، جمعت ملك الشام، وملك الجزيرة إلى ملكك» . فاستخلف ابن أخيه عمرو بن عدي، وسار في ألف فارس من خاصته؛ فلما انتهى إلى مكان يسمى «بقة» ، وهو حد مملكتها ومملكته، نزل في ذلك المكان، واستشار أصحابه أيضاً في المصير إليها بالانصراف، فزينوا له الإلمام بها وقالوا: «إنك، إن انصرفت من ههنا، أنزله الناس منك على جبنٍ ووهن» .
فدنا منه مولى يقال له قصير بن سعد، فقال له: «أيها الملك، لا تقبل مشورة هؤلاء؛ وانصرف إلى مملكتك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر» .
فلم يحفل بقوله، ومضى حتى اقتحم مملكتها، فقال قصير: «ببقةٍ صرم الأمر» ، ثم أرسلها مثلاً. فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك؛ فقال قصير: «أيها الملك! إني رأيت جنودها لم يترجلوا لك، كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب
стр. 215
«العصا» ، وانج بنفسك» (والعصا كانت فرساً لجذيمة، لا يشق غبارها) ؛ فلم يعبأ جذيمة بقوله؛ وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن ينزلوا فأنزلوا، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم؛ وأذنت لجذيمة، فدخل عليها، وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومأت إليهن أن يأخذنه؛ واجتمعن عليه ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى أثخنه وكتفنه. ثم دعت بنطع، فأجلسته فيه، وكشفت عن عورتها؛ فنظر جذيمة، فإذا لها شعرة وافية. فقالت: «كيف ترى عروسك؟
أشوار عروس أم ما ترى؟ «أرى بظرا ناتئاً، ونبتاً فاشياً، ولا أعلم ما وراء ذلك» ؟ قالت: «أما إنه ليس من عدم المواسي أو لقلة الأواسي، ولكنه شمةٌ من أناسي» .
ثم أمرت به، فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: «لا يحزنك ما ترى. فإنه دم هراقه أهله» ، فأرسلتها مثلاً.
واحتال «قصير» للعصا حتى وصل إليها وركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح. وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفاً على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: «لله حزم على رأس العصا» ، فلم تزل دماؤه تشخب حت مات. ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا بأجمعهم.
وكان عمرو بن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فياتي طريق الشام، يتجسس عن خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره. فبينا هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فرس مقبل على الطريق، فلما دنا منه، عرف الفرس، وقال:
«يا خير ما جاءت به العصا» ، فذهبت مثلاً. فلما دنا منه قصير، قال له: «ما وراءك» ؟ قال: «قتل خالك وجنوده جميعاً، فاطلب بثأرك» . قال:
«وكيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو» ؟ فذهبت مثلاً. ثم إن قصيراً أمر بأنف نفسه فجدع، ثم ركب وسار نحو الزباء، فاستأذن علهيا، فقيل لها: «إن مولى لجذيمة وقرهمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مجدوعاً» .
فأذنت له، فدخل عليها.
следующие страницы →