Полный текст (324 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قالت: «تقتل ظلماً» قال: «وكنت تحبين أن أقتل حقاً أو أقتل ظلماً» .
وشتم رجل المهلب، فلم يجبه فقيل له: «حلمت عنه» ، فقال: «ما أعرف مساويه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه» . وقال سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حملت إلى المتوكل وأدخلت عليه فقال: «يا أبا عبد الله الزم أبا عبد الله- يعني المعتز- حتى تعلمه من فقه المدنيين» ، فأدخلت حجرة، فإذا أنا بالمعتز قد أتى، في رجله نعل من ذهب، وقد عثر به، فسال دمه، فجعل يغسل الدم، ويقول:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
فقلت في نفسي: «ضممت إلى من أريد أن أتعلم منه» .
وضده، سئل بعض الحكماء عن المنطق فقال: «إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح المنطق بالصمت، وما عبر به عن شيء فهو أفضل منه» .
وسئل آخر عنهما فقال: «أخزى الله المساكتة ما أفسدها للسان، وأجلبها للعي، وو الله للمهاراة في استخراج حق أهدم للعي من النار في يابس العرفج» . فقيل له: «قد عرفت ما في المماراة من الذم» . فقال: «ما فيها أقل ضرراً من السكتة التي تورث عللاً، وتولد داء أيسره العي» . وقال بعض الحكماء: «اللسان عضو فإن مرنته مرن، وإن تركته حرن، وممن أفرط في قوله فاستقيل بالحلم، ما حكي عن شهرام المروزي، فإنه جرى بينه وبين أبي مسلم «١» صاحب الدولة كلام، فما زال أبو مسلم يحاوره إلى أن قال له شهرام: «يا لقطة» - فصمت أبو مسلم، وندم شهرام على ما سبق به لسانه، وأقبل معتذراً خاضعاً ومتنصلاً؛ فلما رأى ذلك أبو مسلم، قال:
стр. 37
«لسان سبق، ووهم أخطأ؛ وإنما الغضب شيطان، والذنب لي، لأني جرأتك على نفسي بطول احتمالي منك، فإن كنت معتمداً للذنب فقد شركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعذر يسعك، وقد غفرنا لك على كل حال» . قال شهرام: «أيها الملك عفو مثلك لا يكون غروراً» قال:
«أجل» ، قال: «وإن عظيم ذنبي لن يدع قلبي يسكن» ، ولج في الاعتذار، فقال أبو مسلم: «يا عجباً كنت تسيء وأنا أحسن، فإذا أحسنت أسأت» .
стр. 38
محاسن كتمان السر
قال: كان المنصور يقول: «الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك» . وكان يقول:
«سرك من دمك فانظر من تملكه» . وكان يقول: «سرك لا تطلع عليه غيرك، وإن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم» . وقيل لأبي مسلم: «بأي شيء أدركت هذا الأمر» ؟ قال: «ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي؛ وأنشد في ذلك:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
قال: وقا عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: «جنبني خصالاً أربعاً: لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً» ، وقال النبي ﷺ : (استعينوا على إنجاح حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود) . وأنشد اليزيدي في ذلك:
النجم أقرب من سر إذا اشتملت ... مني على السّرّ أضلاع وأحشاء
وقال غيره:
стр. 39
ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها
فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كثيرها
من القوم إلا ذو عفاف يعينه ... على ذاك منه صدق نفس وخيرها
قال معاوية بن أبي سفيان: «أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: كان رجلاً ظهره «١» علنةً لا يكتم سراً، وكنت كتوماً لسري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافاً، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت فلله من جامع إلي، ومفرق عنه» . وكان يقال: «لكاتم سره من كتمانه إحدى فضيلتين: الظفر بحاجته والسلامة من شره، فمن أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر الله» . وقال بعضهم: «كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤك سرك يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه» . وقال بعضهم: «ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، ويمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه؛ ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن إلا نفسه إن لم يستقم له» .
وقال معاوية: «ما أفيشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجداً وذكراً، وسناء ورفعة» . فقيل: «ولا ابن العاص» . قال: «ولا ابن العاص» . وكان يقول: «ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك» .
وقال رسول الله ﷺ : «من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن؛ وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تظن بكلمة خرجت منه سواء ما كنت واجداً لها في الخير مذهباً، وما كفأت من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله جل اسمه فيه، وعليك باخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء، وعصمة عند البلاء» .
стр. 40
وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور، ذات يوم، في أبي مسلم، وصونه السر، وكتمه حتى فعل ما فعل، فأنشد:
تقسمني أمران لم أفتتحهما ... بحزم ولم تعركهما لي الكراكر
وما ساور الأحشاء مثل دفينة ... من الهم ردتها إليك المعاذر
وقد علمت أفناء عدنان أنني ... على مثلها مقدامة متجاسر
وقال آخر:
صن السر بالكتمان يرضك غبه ... فقد يظهر السر المضيع فيندم
ولا تفشين سراً إلى غير أهله ... فيظهر خرق الشر من حيث يكتم
وما زلت في الكتمان حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنه أعجم
لنسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حي على الدهر يسلم
وقال آخر:
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر
وقال أبو نواس:
لا تفش أسرارك للناس ... وداو أحزانك بالكاس
فإن إبليس على ما به ... أرأف بالناس من الناس
وقال المبرد «١» : أحسن ما سمعت في حفظ اللسان والسر ما روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
لعمرك إن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحا
فلا تبد سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا
стр. 41
وقال العتبي:
ولي صاحب سري المكتم عنده ... محاريق نيران بليل تحرق
غدوت على أسراره فكسوتها ... ثياباً من الكتمان ما تتخرق
فمن كانت الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار صدري بالأحاديث تغرق
فلا تودعن الدهر سرك أحمقاً ... فإنك إن أودعته منه أحمق
وحسبك في ستر الأحاديث واعظاً ... من القول ما قال الأديب الموفق
إذا ضاق ضدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السّرّ أضيق
وقال خّر:
لا يكتم السر إلا كل ذي خطر ... فالسر عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له غلق ... قد ضاع مفتاحه والباب مردوم
قيل: دخل أبو العتاهية «١» على المهدي، وقد ذاع شعره في عتبة، فقال: «ما أحسنت في حبك، ولا أجملت في إذاعة سرك» ، فقال:
من كان يزعم أن سيكتم حبه ... أو يستطيع الستر فهو كذوب
الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب
وإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلا والفتى مغلوب
إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاً ... لم تتهمه أعين وقلوب
فاستحسن المهدي شعره وقال: «قد عذرناك على إذاعة سرك، ووصلناك على حسن عذرك، إن كتمان السر أحسن من إذاعته» . وقال زياد: «لكل مستشير ثقة، وإن الناس قد ابتدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، وترك النصيحة، وليس للسر موضع إلا أحد رجلين: إما أخروي يرجو
стр. 42
ثواب الله، أو دنيوي له شرف في نفسه، وعقل بصون به حسبه، وهما معدومان في هذا الدهر» . وقال المهلب: «ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما تضيق عن السر» ، كما قال الشاعر:
ولربّما كتم الوقور فصرّحت ... حركاته لناس عن كتمانه
ولربما رزق الفتى بسكوته ... ولربما حرم الفتى ببيانه
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع
وقال آخر:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع
فلولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
стр. 43
محاسن المشورة
يقال: «إذا استخار الرجل ربه، واستشار نصيحه واجتهد، فقد قضى ما عليه، ويقضي الله في أمره ما يحب» . وقال آخر: «حسن المشورة من المشير قضاء حق النعمة» . وقيل: «إذا استشرت فانصح، وإذا قدرت فاصفح» . وقيل: «من وعظ أخاه سراً زانه ومن وعظه جهراً شانه» . وقال آخر: «الاعتصام بالمشورة نجاة» . وقال آخر: «نصف عقلك مع أخيك، فاستشره» . وقال آخر: «إذا أراد الله لعبد هلاكاً أهلكه برأيه» . وقال آخر:
«المشورة تقوم اعوجاج الرأي» . وقال: «إياك ومشورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن» .
وضده: قال بعض أهل العلم: «لو لم يكن في المشورة إلا استضعاف صاحبك لك وظهور فقرك إليه، لوجب اطراح ما تفيده المشورة، والقاء ما يكسبه الامتنان؛ وما استشرت أحداً إلا كنت عند نفسي ضعيفاً، وكان عندي قوياً، وتصاغرت له ودخلته العزة، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب، واختلفت عليك المسالك، وأداك الاستبهام إلى الخطأ الفادح، فإن صاحبها أبدا مستذل مستضعف، وعليك بالاستبداد فإن صاحبه أبداً جليل في العيون، مهيب في الصدور، ولن تزال كذلك ما استغنيت عن ذوي العقول، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون، ورجفت بك أركانك، وتضعضع بنيانك، وفسد تدبيرك، واستحقرك الصغير، واستخف بك الكبير، وعرفت بالحجة إليهم» .
وقيل: «نعم المستشار العلم، ونعم الوزير العقل» . وممن اقتصر
стр. 44
على رأيه دون المشورة، الشعبي، فإنه خرج مع ابن الأشعث، فقدم به على الحجاج؛ فلقيه يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، فقال له: «أشر علي» فقال: «لا أدري بما أشير، ولكن أعتذر بما قدرت عليه» . وأشار بذلك عليه كافة أصحابه، قال الشعبي: فلما دخلت خالفت مشورتهم، ورأيت والله غير الذي قالوا، فسلمت عليه بالأمرة، ثم قلت: «أيد الله الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، ولك الله أن لا أقول في مقامي هذا إلا الحق، قد جهدنا وحرضنا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا الأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا، وإن عفوت فبحلمك، والحجة لك علينا» . فقال الحجاج: «أنت والله أحب إلينا قولاً ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ويقول: والله ما فعلت ولا شهدت، أنت آمن يا شعبي» . فقلت: «أيها الأمير اكتحلت والله بعدك، السهر، واستجلست الخوف، وقطعت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً» . قال: «صدقت» ، وانصرفت.
стр. 45
محاسن الشكر
قال بعض الحكماء: «صن شكرك عمن لا يستحقه، واستر ماء وجهك بالقناعة» . وقال الغضل بن سهل: «من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة فليكف، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره» . ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:
لقد ثبتت في القلب منك مودة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع
قال: واصطنع رجل رجلاً فسأله يوماً: «أتحبني يا فلان» قال: «نعم احبك حبا لو كان فوقك لأظللك، أو كان تحتك لأقللك» . وقال كسرى أنوشروان: «المنعم أفضل من الشاكر، لأنه جعل له السبيل إلى الشكر» .
واختصر حبيب بن أوس هذا في مصراع واحد فقال:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
قال الباهلي عن أبي فروة: مكتوب في التوراة: «أشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت، ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير» . وقال رسول الله ﷺ : «خمس تعاجل صاحبهن بالعقوبة: (البغي، والغدر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، ومعروف لا يشكر) ، وأنشد الحطيئة عمر، وكعب الأحبار «١» عنده:
стр. 46
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فقال كعب: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي قال هذا؟ هو مكتوب في التوراة» ؟ فقال عمر: «كيف ذلك» ؟ قال في التوراة مكتوب: «من يصنع الخير لا يضيع عندي لا يذهب العرف بيني وبين عبدي» .
وقيل لرسول الله ﷺ : «أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فما هذا الاجتهاد» ؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» . وفي الحديث «أن رجلاً قال في الصلاة خلف رسول الله ﷺ : «اللهم ربنا لك الحمد حمداً مباركاً طيباً زكياً» ، فلما انصرف ﷺ ، قال: «أيكم صاحب الكلمة» ؟ قال أحدهم: «أنا يا رسول الله» . فقال: «لقد رأيت سبعة وثلاثين ملكا يتبدرون أيهم يكتبها أولاً» وقيل: «نسيان النعمة أول درجات الكفر» . وقال أمير المؤمنين علي ﵁: «المعروف يكفر من كفره لأنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين» ، وقد قيل في ذلك:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور أم شكور
فعند الشاكرين لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور
وقال بعض الحكماء: «ما أنعم الله على عبد نعمة فشكر عليها إلا ترك حسابه عليها» . وقال بعض الحكماء: «عند التراخي عن شكر النعم تحل عظائم النقم» . وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يقول لعائشة ما فعل بيتك فتنشده:
يجزيك أو يثنى عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فيقول ﷺ : «صدق القائل، يا عائشة، إن الله إذا أجرى على يد رجل خيرا فلم يشركه، فليس لله بشاكر» . وقيل لذي الرمة: «لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك» ؟ قال: «لأنه وطأ مضجعي، وأكرم مجلسي، وأحسن صلتي، فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري» . ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قال بزرجمهر: «من انتظر بمعروفه شكرك عاجل المكافأة» ، وقال بعض
стр. 47
لحكماء: «إن الكفر يقطع مادة الإنعام، فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر» . وقال علي بن عبيدة: «من المكارم الظاهرة، وسنن النفس الشريفة، ترك طلب الشكر على الإحسان، ورفع الهمة عن طلب المكافأة، واستكثار القليل من الشكر، واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه ... وفصل من كتاب ولست أقابل أياديك، ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله للنعم حارساً، وللحق مؤديا، وللمزيد سببا» .
وضده، قال بعض الحكماء: «المعروف إلى الكرام يعقب خيراً، وإلى اللئام يعقب شراً، ومثل ذلك مثل المطر، يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤاً، وتشرب منه الأفاعي فيعقب سماً» . وقال سفيان «١» : «وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام» . وقال: «أثار جماعة من الأعراب ضبعاً، فدخلت خباء شيخ منهم، فقالوا: «أخرجها» ، فقال: «ما كنت لأفعل، وقد استجارت بي» فانصرفوا وقد كانت هزيلاً، فأحضر لها لقاحاً، وجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه فقتلته. فقال شاعرهم في ذلك:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أقام لها لما أناخت ببابه ... لتسمن ألبان اللقاح الدرائر
فأسمنها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بإحسان إلى غير شاكر
قيل: وأصاب إعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها. فقال الأعرابي يذكر ذلك:
غذتك شويهتي ونشأت عندي ... فمن أدراك أن أباك ذيب
стр. 48
فجعت نسيةً وصغار قوم ... بشاتهم وأنت لها ربيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب
وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وأنشد:
هم سمنوا كلباً ليأكل بعضهم ... ولو عملوا بالحزم ما سمنوا كلبا
وقال آخر:
وإني وقيساً كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره
ويضرب المثل بسنمار، وكان بني للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه وكره أن يبني لغيره مثله فرمى يه من أعلاه فمات، فقيل فيه:
جزينا بني سعد بحسن بلائهم ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
وقال بشار:
أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فأستحيي من الناس
قد قلت إن أبا حفص لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها راسي
ولأبي الهول:
كأني إذ مدحتك يا ابن معن ... رآني الناس في رمضان أزني
فإن أك رحت عنك بغير شيء ... فلا تفرح كذلك كان ظني
وقال آخر:
لحى الله قوماً أعجبتهم مدائحي ... فقالوا مقالاً في ملام وفي عتب
أبا حازم تمدح. فقلت معذراً ... هبوني امرأً جربت سيفي على كلب
وقال آخر:
عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمداً بمجان
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ... حتى يروا عنده آثار إحسان
стр. 49
وقال آخر:
يحب المديح أبو خالد ... ويغضب من صلة المادح
كبكر تحب لذيذ النكاح ... وتجزع من صولة الناكح
وقال آخر:
ولو كان يستغني عن الشكر سيد ... لعزة ملك أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
стр. 50
محاسن الصدق
قال بعض الحكماء: «عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز من الصدق؛ والصدق عز وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب؛ ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق» . وقيل:
«الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور» . وقال ابن السماك: «ما أحسبني أوجر على ترك الكذب لأني أتركه أنفة» . وقال آخر: «لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لكان بذلك حقيقا، فكيف وفيه المأثم والعار» ؟ وقال الشعبي: «عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك» . وقال بعضهم: «الصدق عز والكذب خضوع» . ومدح قوم بالصدق، منهم أبو ذر ﵁، فإن رسول الله ﷺ قال: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، ولا طلعت الشمس على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» . ومنهم العباس بن عبد المطلب ﵁ فإنه روى أنه أطلع على رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل، فقال له جبريل: «هذا عمك العباس» قال: «نعم» ، قال: «إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ ﵇، وتعلمه أن اسمه عند الله «الصادق» ، وإن له شفاعة يوم القيامة» . فأخبره رسول الله ﷺ بذلك، فتبسم فقال: «إن شئت أخبرتك مما به تبسمت، وإن شئت أن تقول فقل» ، فقال: «بل تعلمني يا رسول الله» ، فقال: «لأنك لم تحلف يميناً في جاهلية ولا إسلام برة ولا فاجرة، ولم تقل لسائل: لا» ، قال:
«والذي بعثك بالحق نبياً، ما تبسمت إلا لذلك» .
ويروى أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: «إني أستسر بخلال: الزنا
стр. 51
والسرقة وشرب الخمر والكذب فأيهن أحببت تركته» . قال: «دع الكذب» ، فمضى الرجل فهم بالزنا، فقال: «يسألني رسول الله ﷺ ، فإن جحدت، نقضت ما جعلته له، وإن أقررت حددت» ، فلم يزن. فهم بالسرقة وشرب الخمر، ففكر في ذلك فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال له:
«قد تركتهن أجمع» . فأما من رخص له في الكذب، فيروى عن رسول الله ﷺ إنه قال: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل لأهله ليرضيها وكذب في إصلاح ما بين الناس وكذب في حرب» . وروي عن المغيرة بن إبراهيم أنه قال: «لم يرخص لأحد في الكذب إلّا الحجاج بن علاط، فإنه لما فتحت خيبر قال: يا رسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة، فأذن لي يا رسول الله أن أكذب عليك كذبة لعلي أستل وديعتي، فرخص له في ذلك. فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله ﷺ أسيراً في أيديهم يأتمرون فيه، فقائل يقول: يقتل، وقائل يقول: لا بل يبعث به إلى قومه فتكون منة، فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم رسول الله ﷺ والعباس يريهم التجمل، وأخذ الرجل وديعته فاستقبله العباس وقال:
«ويحك ما الذي أخبرت به» ؟ فأعلمه السبب، ثم أخبره أن رسول الله ﷺ قد فتح خيبر، ونكح صفية بنت حيي بن أخطب، وقتل زوجها وأباها، ثم قال: «أكتم علي اليوم وغداً حتى أمضي» ، ففعل ذلك، فلما مضى يومان أخبرهم العباس بالذي أخبره، فقالوا: «من أخبرك بهذا» ؟ قال: «من اخبركم بضده» .
وضده، قيل: وجد في بعض كتب الهند: «ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة، ولا لملول وفاء، ولا لبخيل صديق» . وقال قتيبة بن مسلم «١» : «لا تطلبن الحوائج من كذوب، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويبعدها إن كانت قريبة؛ ولا إلى رجل قد جعل المسألة مأكلة، فإنه يقدم حاجته قبلها، ويجعل حاجتك وقاية لها؛ ولا إلى أحمق فإنه يريد نفعك
стр. 52
فيضرك» . وقيل: «أمران لا ينفكان من كذب: كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار» . وقيل: «كفاك موبخاً على الكذب، علمك بأنك كاذب» .
وقال رجل لأبي حنيفة: «ما كذبت قط» ، قال: «أما هذه فواحدة» .
وفي المثل: «هو أكذب من أخيذ السند» ، وذلك أنه يؤخذ الخسيس منهم، فيزعهم أنه ابن الملك. وكذلك يقال: «أكذب من سياح خراسان» ، لأنهم يجتازون في كل بلد، ويكذبون للسؤال والمنسألة.
ويقال: «هو أكذب من الشيخ الغريب» ، وذلك أنه يتزوج في الغربة، وهو ابن سبعين سنة، فيزعم أنه ابن أربعين، ويقال: «هو أكذب من مسيلمة» وبه يضرب المثل. ومما قيل في ذلك من الشعر:
حس الكذوب من البلية ... بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
وقال آخر:
لقد أخلفتني وحلفت حتى ... إخالك قد كذبت وإن صدقتا
ألا لا تحلفن على كلام ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا
وقال آخر:
قد كنت أنجر دهراً ما وعدت إلى ... أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب
فإن أك صرت في وعدي أخا كذب ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب
قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: «يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعاً من حديد مصمت، في غلظ الراقود» «١» ، فقلت: «ههنا إعرابي له معرفة، فاذهب بنا إليه فحدثه بهذا» . فذهبت به إلى الأعرابي فحدثه، فقال الأعرابي: «قد سمعت بذلك، وبلغنا أن رستم هذا كان هو واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية، فوجداه نائماً، ورأسه في حجر أمه، فقالت لهما: ما شأنكما، فقال: «بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه»
стр. 53
فانتبه فزعاً من كلامهما، فنفخهما، فألقاهما إلى أصبهان، فقبرهما اليوم بها، فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك! قال: «يابن أخي ما بينا شيئاً إلا وهو دون الراقود» .
قيل: وقدم بعض العمال من عمل، فدعا قوماً إلى طعامه، وجعل يحدثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال : «سماعون للكذب أكالون للسحت» .
قيل: وكان رجال من أهل المدينة من بين فقيه ورواية وشاعر، يأتون بغداد، فيرجعون بحظوة وحال حسنة؛ فاجتمع عدة منهم، فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الأدب: «لو أتيت العراق فلعلك أن تصيب شيئاً» . قال: «أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها» . فقالوا: «نحن نحتال لك» ، فأخرجوه، فلما قدم بغداد طلب الاتصال بعلي بن يقطين، وشكا إليه الحاجة، فقال: «ما عندك من الأدب» ؟ فقال: «ليس عندي من الأدب شيء غير أني أكذب الكذبة وأخيل إلى من يسمعها أني صادق» . وكان ظريفاً مليحاً، فأعجب به، وعرض عليه مالاً، فأبى أن يقبله وقال: «ما أريد منك إلا أن تسهل أذني، وتدني مجلسي» . قال: «ذاك لك» . وكان من أقرب الناس إليه مجلساً حتى عرف بذلك. وكان المهدي قد غضب على رجل من القواد، واستصفى ماله، وكان يختلف إلى علي بن يقطين، رجاء أن يكلم له المهدي، وكان يرى قرب المديني، ومكانه من عليه، فأتى المديني القائد عشياً فقال: «ما البشرى» ؟ قال: «لك البشرى وحكمك» ، قال:
«أرسلني علي بن يقطين إليك وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك، ورضي عنك، وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو إليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكراً» . فدعا له الرجل بألف دينار وكسوة وحملان، وغدا على علي مع جماعة من وجوه العسكر متشكراً، فقال له علي: «وما ذاك» ؟ قال: «أخبرني أبو فلان- وهو إلى جنبه- كلامك أمير المؤمنين في أمري ورضاه عني» ، فالتفت إلى المديني وقال: «ما هذا» ؟
فقال: «أصلحك الله، هذا بعض ذلك المناع نشرناه» ، فضحك علي
стр. 54
وقال: «علي بدابتي» ، وركب إلى المهدي، وحدثه الحديث، فضحك المهدي وقال: «إنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله» ، وأجرى على المديني رزقاً واسعاً، واستوصى به خيراً، ثم وصله، وكان يعرف «بكذاب أمير المؤمنين» .
стр. 55
محاسن العفو
قيل: أسر مصعب بن الزبير رجلاً من أصحاب المختار «١» ، فأمر بضرب عنقه فقال: «أيها الأمير! ما أقبح أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلق بأطرافك وأقول: «رب سل مصعباً فيم قتلني» ؟ فقال:
«أطلقوه» ، فقال: «أيها الأمير أعل ما وهبت لي من عمري في خفض عيش» ، فقال: «أعطوه مائة ألف درهم» ، قال: «بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفاً قال: «لم» ؟ قال: لقوله فيك:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت ولا له كبرياء
فضحك مصعب وقال: «لقد تلطفت وإن فيك لموضعاً للصنيعة» ، وأمر له بالمائة ألف، ولابن قيس الرقيات «٢» بخمسين ألف درهم. قيل:
وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية فحبسه، ثم سأل عنه الرشيد فقيل: «هو كثير الصلاة والدعاء» ، فقال للموكل به: «عرض له بأن تكلمني وتسألني إطلاقه» ، فقال له الموكل ذلك، فقال: «قل لأمير
стр. 56
المؤمنين أن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب، والموعد الصراط، والحاكم الله» ، فخر الرشيد مغشياً عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه. وقيل: ظفر المأمون برجل كان يطلبه فلما دخل عليه قال: يا عدو لله أنت الذي تفسد في الأرض بغير الحق. يا غلام خذه إليك فاسقه كأس المنية» . فقال: «يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال» ؟ قال: «لا سبيل إلى ذلك» فقال: «يا أمير المؤمنين فدعني أنشدك أبياتاً» . قال: هات. فأنشده:
زعموا بأن الباز علق مرة ... عصفور بر ساقه المقدور
فتكلم العصفور تحت جناحه ... والباز منقض عليه يطير
ما بي لما يغني لمثلك شبعةً ... ولئن أكلت فأنني لحقير
فتبسم الباز المدل بنفسه ... كرما وأطلق ذلك العصفور
فقال له المأمون: «أحسنت. ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك» ، فأطلقه وخلع عليه ووصله. وعن بعضهم أن والياً أتى برجل جنى جناية، فأمر بضربه، فلما مد قال: «بحق رأس أمك ألا ما عفوت عني» . قال: أوجع. فقال: «بحق خديها ونحرها» ، قال:
اضرب. قال: «بحق ثدييها» ، قال: اصرب. قال: بحق سرتها» .
قال: ويلكم دعوه لا ينحدر قليلاً» .
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل إذا ظلم فلم ينتصر، ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا، قال الله له: لبيك عبدي أنصرك عاجلاً وآجلاً» . وقال ﷺ في قولهم: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وقد سئل عن ذلك فقيل: أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ فقال: «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه» . وقال فضيل بن عياض «١» : «بكى أبي فقلت: ما
стр. 57
يبكيك؟ فقال: أبكي على ظالمي. ومن أخذ مالي، أرحمه غداً إذا وقف بين يدي الله ، وسأله فلا تكون له حجة» . وقال الحسن البصري:
«أيها المتصدق على السائل يرحمه، ارحم أولاً من ظلمت» . وروي عن عبد الله بن سلام قال: «قرأت في بعض الكتب: قال الله : «إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني» . قال خالد بن صفوان:
«إياكم ومجانيق الضعفاء (يعني الدعاء) .
وضده، قيل: لما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم السلمي، وفيه وقعته بالبشر: «قوض الله عمادك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دمي، وأعاليهن ندي» ، قال لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت سبيلها» . فبلع ذلك الحسن البصري فقال: «أما الجحاف فجذوة من نار جهنم» . قال: ولما بنى زياد بناء البصرة، أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس، فأتى برجل تلا آية: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون» . قال: «وما دعاك إلى هذا» ؟ قال: آية من كتاب الله خطرت على بالي فتلوتها، والله لأعلمن فيك بالآية الثانية: «وإذا بطشتم جبارين» ثم أمر به فبني عليه ركن من أركان القصر.
قال وبعث زياد إلى رجل من بني تميم فقال: «أخبروني بصلحاء كل ناحية» ، فأخبروه، فاختار منهم رجالاً فضمنهم الطريق، وقال: «لو ضاع بيني وبين خراسان حبل لعلمت من لقطه» . وكان يدفن الناس أحياء، وينزع أضلاع اللصوص.
قال: وقال عبد الملك للحجاج: «كيف تسير في الناس» ؟ قال:
«انظر إلى عجوز أدركت زياداً، فاسألها عن سيرته، فاعمل بها» ، فأخذ والله بسنته حتى ما ترك منها شيئاً. وذكروا أن الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى الحسن بن الحسن ﵁ فقال: «هات سيف رسول الله ﷺ ودرعه» ، قال: «لا أفعل» ، قال: فجاء الحجاج بالسيف والسوط فقال:
«والله لأضربنك بهذا السوط حتى أقطعه، ثم لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني بهما» ، فقال الناس: «يا أبا محمد لا تعرض لهذا الجبار» ،
стр. 58
قال: فجاء الحسن بسيف رسول الله ﷺ ودرعه فوضعهما بين يدي الحجاج، فأرسل الحجاج إلى رجل من بني أبي رافع مولى رسول الله ﷺ فقال له: «هل تعرف سيف رسول الله ﷺ » ؟ قال: «نعم» ، فخلطه بين أسيافه ثم قال: «أخرجه» . ثم جاء بالدرع فنظر إليها، ثم قال: «هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك، فطعن بحربة فخرقت الدرع فعرفناها» ، فوجد الدرع على ما قال. فقال الحجاج: «أما والله لو لم تجئني به، وجئت بغيره لضربت به رأسك» . وذكروا أن الحجاج قال ذات ليلة لحاجبه: «أعسس «١» بنفسك، فمن وجدته فجئني به فلما أصبح أتاه بثلاثة، فقال: «أصلح الله الأمير ما وجدت إلا هؤلاء الثلاثة» ، فقال الحجاج لواحد منهم: «ما كان سبب خروجك بالليل وقد نادى المنادي أن لا يخرج أحد بالليل» ، قال: «أصلح الله الأمير كنت سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل» ، ففكر ساعة ثم قال: «سكران غلبه سكره خلوا عنه لا تعودن» . ثم قال للآخر: «فأنت ما كان سبب خروجك» ؟ قال: «أصلح الله الأمير كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت» ، ففكر الحجاج ساعة فقال: «رجل أحب المسالمة خلوا عنه» ، ثم قال للآخر: «ما كان سبب خروجك» ؟ فقال: «لي والدة عجوز، وأنا رجل حمال فرجعت إلى بيتي فقالت والدتي: ما ذقت إلى هذا الوقت طعاماً ولا ذواقاً، فخرجت التمس لها ذلك فأخذني العسس» ففكر ساعة ثم قال:
«يا غلام اضرب عنقه، فإذا رأسه بين رجليه» .
стр. 59
محاسن الصبر على الحبس
قال الكسروي: وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المحبسين: «من صبر على النازلة، كان كمن لم تنزل به، ومن طول في الحبل كان فيه عطبه، ومن أكل بلا مقدار تلفت نفسه» . قيل ودخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس فقال يخاطبه:
اصبر لها صبر أقوام نفوسهم ... لا تستريح إلى عقل ولا قود
فقال الأفشين «١» : «من صحب الزمان لم ينج من خيره أو شره ووجد الكرامة والهوان، ثم قال:
لم ينج من خيرها أو شرها أحد ... فاذكر شوائبها إن كنت من أحد
خاضت بك المنية الحمقاء غمرتها ... فتلك أمواجها ترميك بالزبد
ولعلي بن الجهم «٢» لما حبسه المتوكل:
قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبراً وأوباش السباع تردّد
стр. 60
والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والبدر يدركه الظلام فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدد
والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوة تتوقد
غير الليالي بادئات عود ... والمال عارية يفاد وينفد
لا يؤيسنك من تفرج كربة ... خطب أتاك به الزمان الأنكد
فلكل حال معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عمّا تحمد
كم من عليل تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود
صبراً فإن اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد
والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتورد
لو لم يكن في الحبس إلّا أنّه ... لا يتسذلّك بالحجاب الأعبد
بيت يجدد للكريم كرامةً ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد
أبلغ أمير المؤمنين ودونه ... خوف العدا ومخاوف لا تنفد
أنتم بنو عم النبي محمد ... أولى بما شرع النبي محمد
ما كان من حسن فأنتم أهله ... كرمت مغارسكم وطاب المحتد
أمن السوية يا ابن عم محمد ... خصم تقربه وآخر يبعد
يا أحمد ابن أبي دؤاد إنما ... تدعى لكل كريهة يا أحمد
إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تجعد
شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس كعائب من يشهد
لو يجمع الخصماء عندك منزل ... يوماً لبان لك الطريق الأرشد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
وضده، أنشدنا عاصم بن محمد الكاتب لنفسه، لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف قوله:
قالت: حبست. فقلت: خطب أنكد ... أنحى علي به الزمان المرصد
لو كنت حراً كان سربي مطلقاً ... ما كنت أحبس عنوةً وأقيد
стр. 61
لو كنت كالسيف المهند لم يكن ... وقت الكريهة والشدائد يغمد
لو كنت كالليث الهصور لما رعت ... في الذئاب وجذوتي تتوقد
من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكاثر في قوله متجلد
ما الحبس إلا بيت كل مهانة ... ومذلة ومكاره لا تنفد
إن زارني فيه العدو فشامت ... يبدي التوجع تارةً ويفند
أو زارني فيه المحب فموجع ... يذري الدموع بزفرة تتردد
يكفيك أن الحبس بيت لا يرى ... أحد عليه من الخلائق يحسد
تمضي الليالي لا أذوق لرقدة ... طعماً وكيف يذوق من لا يرقد
في مطبق فيه النهار مشاكل ... لليل والظلمات فيه سرمد
فإلى متى هذا الشقاء مؤكد ... وإلى متى هذا البلاء مجدد
ما لي مجير غير سيدي الذي ... ما زال يكفلني فنعم السيد
غذيت حشاشة مهجتي بنوافل ... من سيبه وصنائع لا تجحد
عشرين حولاً عشت تحت جناحه ... عيش الملوك وحالتي تتزيد
فخلا العدو بموضعي من قلبه ... فحشاه جمراً ناره تتوقد
فاغفر لعبدك ذنبه متطولاً ... فالحقد منك سجية لا تعهد
واذكر خصائص خدمتي ومقاومي ... أيام كنت جميع أمري تحمد
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵃:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا دخل السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئها ... وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا
وقال آخر:
ألا أحد يدعو لأهل محلة ... مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
стр. 62
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى
وقال ابن المعتز «١» :
تعلمت في السجن نسج التكك ... وكنت امرأ قبل حبسي ملك
وقيدت بعد ركوب الجياد ... وما ذاك إلا بدور الفلك
ألم تبصر الطير في جوها ... تكاد تلاصق ذات الحيك
إذا أبصرته خطوب الزمان ... أوقعنه في حبال الشرك
فهذاك من حالك قد يصاد ... ومن قعر بحر يصاد السمك
ووجد في البيت الذي قتل فيه، مكتوب بخطه على الأرض:
يا نفس صبراً لعل الخير عقباك ... خانتك بعد طوال الأمن دنياك
مرت بنا سحراً ظير فقلت لها ... طوباك يا ليتني إياك طوباك
وقال إعرابي:
ولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بانك تنزو ثم سوف تلين
وفي الحديث المرفوع (إن يوسف ﵇ شكا إلى الله تعالى طول الحبس فأوحى إليه أنت حبست نفسك حين قلت: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) ، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت. قال: وكتب يوسف ﵇ على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء.
стр. 63
محاسن المودة
قال بعض الحكماء: ليس للإنسان تنعم إلا بمودات الاخوان وقال آخر: الازدياد من الاخوان زيادة في الآجال وتوفير لحسن الحال، وقيل:
عاشر الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم، وقال:
قد يمكث الناس حينا ليس بينهم ... ود فيزرعه التسليم واللطف
يسلى الشقيقين طول النأي بينهما ... وتلتقي شعب شتى فتأتلف
وقال علي بن أبي طالب ﵁ لابنه الحسين: ابذل لصديقك كل مودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة وأعطه كل المواساة ولا تفش إليه كل الأسرار. وقال العباس بن جرير: المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح وانس النفوس ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون الإنفاق في الخصال. وقال بعضهم: من لم يواخ من الأخوان إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على غير ذنب كثر عدوه. وكان يقال: أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان. وقال الشاعر في مثله:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقاب الذخائر
وضده، قال المأمون: الأخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغني عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه.
وكتب بعض الكتاب أن فلاناً أولاني جميلاً من البشر مقروناً بلطيف من الخطاب في بسط وجه ولين كنف، فلما كشفه الامتحان بيسير الحاجة كان
стр. 64
كالتابوت المطلي عليه بالذهب المملوء بالعذرة أعجبك حسنه ما دام مطيفاً فلما فتح آنذاك نتنه فلا أبعد الله غيره، ومما قيل في ذلك:
والله لو كرهت كفي منادمتي ... لقلت للكف بيني إذ كرهتني
وقال آخر:
ولو أني تخالفني شمالي ... لما اتبعتها أبداً يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك اجتوي من يجتويني
وقال آخر:
من لم يزدك فلا ترده ... ليكن كمن لم تستفده
باعد أخاك ببعده ... فإذا نأى شبراً فزده
وقال آخر:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... أودك إن الرأي منك لعازب
وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
وقال آخر:
إن اختيارك لا عن خبرة سلفت ... إلّا الرجاء وما يخطيء النظر
كالمستغيث ببطن السيل يحسبه ... حرزا يبادره إذ بله المطر
وقال آخر:
وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد ومن ولد
وكان لي مؤنسا وكنت له ... ليست بنا وحشة إلى أحد
كنا كساق مشت بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد
حتى إذا أمكن الحوادث من ... حظي وحل الزمان من عقدي
أزور عني وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي
حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد
стр. 65
وقال آخر:
فيا عجبا لمن ربيت طفلا ... القمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوه كل حين ... فلما طر شاربه جفاني
أعلمه الرواية كل وقت ... فلما صار شاعرها هجاني
стр. 66
محاسن الولايات
سئل عمار بن ياسر «١» ﵁ عن الولاية فقال: هي حلوة الرضاع مرة الفطام. وذكروه أنه كان سبب عزل الحجاج بن يوسف عن المدينة، وقد وفد من أهل المدينة منهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان، فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان. قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال:
وليت علينا الحجاج بن يوسف يسير بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق والله لئن أعدته علينا لنعصيك ملكك، فقال له عبد الملك: انصرف والزم بيتك ولا تذكرن من هذا شيئاً، قال: فقام إلى منزله وأصبح الحجاج غادياً إلى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيراً فقد أبدلني بكم خيراً وأبدلكم بي غيري وولاني العراق.
وعن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عند ما استعفى أهل العراق من الحجاج قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم، يعني أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك- مكان الحجاج؟ فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق استعفوا عثمان بن عفان من سعيد بن العاص فلما عفاهم منه ساروا إليه من قابل وقتلوه، فقال: صدق ورب الكعبة، وكتب
стр. 67
إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له.
وضده، كتب عبد الصمد بن المعذل إلى صديق له ولي النفاطات فأظهر تيهاً:
لعمري لقد أظهرت تيهاً كأنما ... توليت للفضل بن مروان عكبرا
دع الكبر واستبق التواضع إنه ... قبيح بوالي النفط أن يتغيرا
لحفظ عيون النفط أحدثت نخوةً ... فكيف به لو كان مسكاً وعنبرا
وقال ابن المعتز:
كم ثائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيب ... وخماره صعب شديد
وقال آخر:
لا تفرحن فكل وال يعزل ... وكما عزلت فمن قريب تقتل
وكذا الزمان بما يسرك تارةً ... وبما يسوءك تارةً يتنقل
стр. 68
محاسن الصحبة
قيل: قال علقمة بن ليث لابنه: يا بني، إن نازعتك نفسك إلى الرجال يوماً لحاجتك إليهم فاصحب من أن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإن نزلت بك مؤونة مانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شدد صولك، اصحب من إذا مددت إليه يدك لفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلة سدها، واصحب من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائف ولا يخذلك عند الحقائق، وقال آخر: أصحب من خولكم نفسه وملكك خدمته وتخيرك لزمانه، فقد وجب عليك حق وذمامه. وكان يقال: من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه. وقال بعضهم لصاحبه: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل.
وقال بعضهم: إذا رأيت كلباً ترك صاحبه وتبعك فارجمه فإنه تاركك كما ترك صاحبه. وقال ابن أبي دؤاد «١» لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات «٢» : ما خبرك مع صاحبك؟ فقال: لا يقصر في الإحسان إلي، فقال: يا هذا إن لسان حالك يكذب لسان مقالك.
وضده، قال: كان يوسف بن عمر الثقفي يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، وكان مدموما في عمله، فخبرني المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهماً فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق يضرب أهلها مائة.
стр. 69
قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن تدخلوا مساجدكم المجانين اضربوا عنقه فضربت عنقه. قال:
وقال لهمام بن يحيى وكان عاملاً له: يا فاسق، خربت مهرجا نقذق قال:
إني لم أكن عليها إنما كنت على ما دينار وعمرت البلاد فأعاد ذلك عليه مراراً، فقال همام: قد أخبرتك إني كنت على ماه دينار وتقول: ضربت مهرجاً نقذق فلم يزل يعذبه حتى مات. قال: وقال لكاتبه وقد احتبس عن ديوانه يوماً: ما حبسك؟ قال: اشتكيت ضرسي قال: تشكي ضرسك وتقعد عن الديوان ودعا الحجام وأمره أن يقلع ضرسين من أضراسه. وعن المدائني قال: حدثني رضيع كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه وعن خدمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ودعا بخصي له يقال له حديج فقرب إليه واحدة فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أو أشخصك معي؟
فقالت: صحبة الأمير أحب إلي، ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخف على قلبه. فقال: أحببت التخلف للفجور يا حديج اضرب فضربها حتى أوجعها ثم أمره أن يأتيه بالثانية، وقد رأت ما لقيت صاحبتها فقال لها:
إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أخرجك؟ فقالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئاً بل تخرجني قال: أحببت الجماع، ما تريدين أن يفوتك ليلة يا حديج، اضرب فضربها حتى أوجعها، ثم أرمه أن يأتيه بالثالثة، وقد رأت ما لقيت، المتقدمتان، فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أخرجك؟ قالت:
الأمير أعلم لينظر أخف الأمرين عليه فليفعله. قال: اختياري لنفسك قالت:
ما عندي اختيار فليختر الأمير. قال: قد فرغت من كل عمل فلم يبق لي إلا أن أختار لك أوجعها يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال الرجل: فكأنما أوجعني من شدة غيظه عليه، فولت الجارية فتبعها الخادم فلما بعدت قالت:
الخيرة والله في فراقك ما تقرعني أحد بصحبتك فلم يفهم يوسف كلامها.
فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا. فقال: يا بن الخبيثة من أمرك أن تعلمني يا غلام، خذ السوط من يده فأوجع رأسه. فما زال يضربه حتى اشتفى، فتعرف من الغلام الآخر كم ضربت؟ قال: لا أدري. قال:
عدو الله، أتخرج حاصلي من بيت مالي من غير حساب، اقتلوه، فقتلوه.
стр. 70
محاسن التطير
عن عكرمة قال: كنا جلوساً عند ابن عباس وابن عمر فطار غراب يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، والذي حضرنا من العشر في مثله لأبي الشيص «١» :
ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل
والناس يلحون غراب ... البين لما جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار ارتحلوا
وما غراب البيين إ ... لا ناقة أو جمل
وقال آخر:
أترحل عمن أنت صب بمثله ... وتلحي غراب البين أنك تظلم
أقم فغراب البين غير مفرّق ... ولا بأتي إلا على الفصل يحكم
وقال آخر:
غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غراباً ينعق
ما الذنب إلا للجمال فإنها ... مما يشتت شملهم ويفرق
إن الغراب بيمنه يدنى النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأنيق
стр. 71
وقال آخر:
لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه ... إلا كواذب مما يخبر الفال
والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
وضده، حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد العبادي «١» فمر بآرام- وهي القبور- فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ فقال: لا قال: إنها تقول:
أيها الركب المخفون ... على الأرض تمرون
لكما كنتم فكنا ... وكما كنا تكونون
فقال: أعد فأعادها فترك صيده ورجع كئيباً، وخرج معه مرة أخرى فوقف على آرام بظهر الحيرة، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام قال: لا، قال: إنها تقول:
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
فانصرف وترك صيده. قال: ولما خرج خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذا البيت:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري
فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه، فإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها. وهذا كقولهم:
إن البلاء موكل بالمنطق
стр. 72
محاسن الوفاء
قيل في المثل: أوفى من مكيهة وهي امرأة من بني قيس بن ثعلبة، كان من وفائها أن السليك بن سلكة عزا بكر بن وائل، فلم يجد غفلة يلتمسها، فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدم على الماء فقالوا: إن هذا الأثر قدم ورد الماء، فقصدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها فانتزعوا ضمارها فنادت إخوتها فجاءوا عشرة، فمنعوهم منها. قال: وكان سليك يقول: كأني أجد خشونة شعر استها على ظهري حين أدخلتني تحت درعها: وقال:
لعمر أبيك وابناء تنمي ... لينقم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
عنيت به فكيهة حين قامت ... لدخل السيف فانتزعوا الخمارا
ويقال أيضاً: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط ابن أبي بردة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل رجلاً من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب الفهري ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ودعت قومها فمنعوه لها فلما ولي عمر بن الخطاب ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت له عرف القصة فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه وأعطاها على أنها ابنة سبيل. ويقال: أوفى من السموأل بن عاديا»
، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر
стр. 73
استودع السموأل دروعا له فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابناً له خارج الحصن وصاح، يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجلني فأجله، فجمع أهل بيته فشاورهم فكلهم أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف عليه وقال: ليس لي إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه وكان يهوديا، وانصرف الملك ووافى السموأل بالدروع في الموسم فدفعها إلى ورثة أمرىء القيس: وقال في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنز رهيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وبئراً كلما شئت استقيت
وفي ذلك يقول الأعشى:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
خبره خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
ويقال: أوفى من الحارث بن عباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال له: دلني على عدي بن ربيعة ولك الأمان، فقال:
أنا آمن أن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا عدي بن ربيعة فخلاه وفي ذلك يقول الشاعر:
لهف نفسي على عدي وقد شا ... رفه الموت واجتوته المنون
ويقال: هو أوفى من عوف بن محلم، وكان من وفائه أن مروان القرظ عزا بكر بن وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه فأتى به
стр. 74
أمه فقالت: إنك تختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ فقال لها مروان:
وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترجين من فدائه؟
قالت: مائة بعير. قال مروان: لك ذلك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم، قالت: ومن لي بالمائة فأخذ عوداً من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته فبعثت به إلى عوف، ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان، وكان واجداً عليه في شيء، فقال عوف لرسوله: إن خماعة ابنتي قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن يعفو عنه أو يضع كفه في كفه، فقال عوف: يفضل ذلك على أن تكون كفي بين أيديهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع يده بين أيديهما فعفا عنه. ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلا قتله ولا في يوم نعيمه إلا أحياه وحباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء، فقال: حيا الله الملك، لي صبية وصغار لم أوص بهم أحداً فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم وأعطيه عهد الله أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي بين يديه، فرق له النعمان وقال له: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحبيل فنظر إليه الطائي وقال:
يا شريك ابن عمرو ... هل من الموت محاله
يا أخا كل مضاف ... يا أخا من لا أخاله
يا أخا النعمان فك ... اليوم عن شيخ غلاله
ابن شيبان قتيل ... أصلح الله فعاله
فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك، فمضى الطائي وأجل له أجلاً يأتي فيه، فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكاً وجعل يقول له:
إن صدر هذا اليوم قد ولي وشريك يقول: ليس لك علي سبيل حتى نمسي فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك فقال شريك: ليس لك
стр. 75
علي سبيل حتى يدنو الشخص فلعله صاحبي، فبينما هما كذلك أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل؟ والله لا أكون الأم الثلاثة، فأطلقه وأمر برفع يوم بؤسه. وأنشد الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهم الأقوال
إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كل مهذب بذال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك؟
قال: النصرانية. قال: أعرضها علي، فعرضها عليه، فتنصر النعمان «١» .
وضده، قيل: كتب صاحب بريد همذان إلى المأمون وهو بخراسان يعلمه إن كاتب صاحب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطأ اعلى إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوضع المأمون، إنا ترى قبول السعاية شراً من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجارة وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عند ذلك وقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك. المعذرة فإن الساعي وإن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيماً إذ لم يحفظ الحرمة ولم يف لصاحبه.
قال: ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، عندي نصيحة. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: فلان كان عاملاً ليزيد بن معاوية وعبد الملك والوليد، فخانهم فيما تولاه ثم اقتطع اموالا كثيرة جليلة فمر باستخراجها منه. قال: أنت شر منه وأخون حيث أطلقت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر النصاح لعاقبتك، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث.
قال: أعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتشنا عما ذكرت، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن استقلت أقلناك، فاستقاله الرجل.
следующие страницы →