Полный текст (324 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال آخر:
لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه ... إلا كواذب مما يخبر الفال
والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
وضده، حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج متصيداً ومعه عدي بن زيد العبادي «١» فمر بآرام- وهي القبور- فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ فقال: لا قال: إنها تقول:
أيها الركب المخفون ... على الأرض تمرون
لكما كنتم فكنا ... وكما كنا تكونون
فقال: أعد فأعادها فترك صيده ورجع كئيباً، وخرج معه مرة أخرى فوقف على آرام بظهر الحيرة، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام قال: لا، قال: إنها تقول:
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
فانصرف وترك صيده. قال: ولما خرج خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذا البيت:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري
فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه، فإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها. وهذا كقولهم:
إن البلاء موكل بالمنطق
стр. 72
محاسن الوفاء
قيل في المثل: أوفى من مكيهة وهي امرأة من بني قيس بن ثعلبة، كان من وفائها أن السليك بن سلكة عزا بكر بن وائل، فلم يجد غفلة يلتمسها، فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدم على الماء فقالوا: إن هذا الأثر قدم ورد الماء، فقصدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها فانتزعوا ضمارها فنادت إخوتها فجاءوا عشرة، فمنعوهم منها. قال: وكان سليك يقول: كأني أجد خشونة شعر استها على ظهري حين أدخلتني تحت درعها: وقال:
لعمر أبيك وابناء تنمي ... لينقم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
عنيت به فكيهة حين قامت ... لدخل السيف فانتزعوا الخمارا
ويقال أيضاً: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط ابن أبي بردة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل رجلاً من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب الفهري ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ودعت قومها فمنعوه لها فلما ولي عمر بن الخطاب ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت له عرف القصة فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه وأعطاها على أنها ابنة سبيل. ويقال: أوفى من السموأل بن عاديا»
، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر
стр. 73
استودع السموأل دروعا له فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابناً له خارج الحصن وصاح، يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجلني فأجله، فجمع أهل بيته فشاورهم فكلهم أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف عليه وقال: ليس لي إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه وكان يهوديا، وانصرف الملك ووافى السموأل بالدروع في الموسم فدفعها إلى ورثة أمرىء القيس: وقال في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنز رهيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وبئراً كلما شئت استقيت
وفي ذلك يقول الأعشى:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
خبره خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
ويقال: أوفى من الحارث بن عباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال له: دلني على عدي بن ربيعة ولك الأمان، فقال:
أنا آمن أن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا عدي بن ربيعة فخلاه وفي ذلك يقول الشاعر:
لهف نفسي على عدي وقد شا ... رفه الموت واجتوته المنون
ويقال: هو أوفى من عوف بن محلم، وكان من وفائه أن مروان القرظ عزا بكر بن وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه فأتى به
стр. 74
أمه فقالت: إنك تختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ فقال لها مروان:
وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترجين من فدائه؟
قالت: مائة بعير. قال مروان: لك ذلك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم، قالت: ومن لي بالمائة فأخذ عوداً من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته فبعثت به إلى عوف، ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان، وكان واجداً عليه في شيء، فقال عوف لرسوله: إن خماعة ابنتي قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن يعفو عنه أو يضع كفه في كفه، فقال عوف: يفضل ذلك على أن تكون كفي بين أيديهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع يده بين أيديهما فعفا عنه. ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلا قتله ولا في يوم نعيمه إلا أحياه وحباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء، فقال: حيا الله الملك، لي صبية وصغار لم أوص بهم أحداً فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم وأعطيه عهد الله أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي بين يديه، فرق له النعمان وقال له: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحبيل فنظر إليه الطائي وقال:
يا شريك ابن عمرو ... هل من الموت محاله
يا أخا كل مضاف ... يا أخا من لا أخاله
يا أخا النعمان فك ... اليوم عن شيخ غلاله
ابن شيبان قتيل ... أصلح الله فعاله
فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك، فمضى الطائي وأجل له أجلاً يأتي فيه، فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكاً وجعل يقول له:
إن صدر هذا اليوم قد ولي وشريك يقول: ليس لك علي سبيل حتى نمسي فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك فقال شريك: ليس لك
стр. 75
علي سبيل حتى يدنو الشخص فلعله صاحبي، فبينما هما كذلك أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل؟ والله لا أكون الأم الثلاثة، فأطلقه وأمر برفع يوم بؤسه. وأنشد الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهم الأقوال
إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كل مهذب بذال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك؟
قال: النصرانية. قال: أعرضها علي، فعرضها عليه، فتنصر النعمان «١» .
وضده، قيل: كتب صاحب بريد همذان إلى المأمون وهو بخراسان يعلمه إن كاتب صاحب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطأ اعلى إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوضع المأمون، إنا ترى قبول السعاية شراً من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجارة وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عند ذلك وقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك. المعذرة فإن الساعي وإن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيماً إذ لم يحفظ الحرمة ولم يف لصاحبه.
قال: ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، عندي نصيحة. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: فلان كان عاملاً ليزيد بن معاوية وعبد الملك والوليد، فخانهم فيما تولاه ثم اقتطع اموالا كثيرة جليلة فمر باستخراجها منه. قال: أنت شر منه وأخون حيث أطلقت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر النصاح لعاقبتك، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث.
قال: أعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتشنا عما ذكرت، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن استقلت أقلناك، فاستقاله الرجل.
стр. 76
محاسن السخاء
روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكريا ﵇ إبليس لعنه الله فقال: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغضهم إليك. قال: أحبهم إلي كل مؤمن بخيل وأبغضهم إلي كل منافق سخي. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له.
وقال النبي ﷺ : «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل، وأدوأ الداء البخل» . وقال ﷺ : «ما أشرقت شمس إلا ومعها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الجن والأنس وهما الثقلان: اللهم عجل المنفق خلفا والممسك تلفاز والملكان يناديان: أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وعن الشعبي قال: قالت أم البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز وكانت تحب الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصاً ما لبسته أو طريقاً ما سلكتها، وكانت تعتق كل يوم رقبة، وتحمل على قريش في سبيل الله وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة.
وقيل اعتقت هند بنت عبد المطلب في يوم واحد أربعين رقبة.
وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان وإتلاف ومذمة. وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «يا علي، كن شجاعاً فإن الله يحب الشجاع، وكن سخياً فإن الله يحب السخي وكن غيوراً فإن الله يحب الغيور. يا علي: وإن إنسان سألك الحاجة ليس لها بأهل فكن أنت أهلاً لها» . وقال الني ﷺ : «السخاء شجرة في الجنة من
стр. 77
أخذ منها بغصن مد به إلى الجنة» . وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في لؤمهم إلا سوء ظنهم بالله لكان عظيماً. وقال ﷺ :
«تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر» . وقال بهرام جور:
من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به على الخلق من المواهب الجليلة والرغائب النفيسة والنسيم والريح كما وعدهم الله بالجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطفه لنفسه. وقال الموبذان لأبرويز:
أكنتم تمنون أنتم وآباؤكم بالمعروف وتترصدون عليه بالمكافأة؟ قال:
لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك وفي كتاب ديننا من فعل معروفاً خفياً وأظهره ليتطول به على المنعم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا نعده من الأبرار ولا نذكره في الأتقياء والصالحين؟ قيل:
وسئل الإسكندر: ما أكبر ما شيدت به ملكك؟ قال: ابتداري إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم. قال: وكتب ارسطاطاليس في رسالته إلى الإسكندر:
وأعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلقه وتخلق آثاره وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس. فأودع قلوبهم محبة آبدة «١» تبقي بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشرف آثارك. قال: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: إنك في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخر فتكلم بكلام تذكر به.
فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن يكون حديثاً حسناً فافعل. قيل: وتنازع رجلان أحدهما من أبناء العجم والآخر إعرابي من الضيافة. فقال الإعرابي: نحن أقرى للضيف. قال: وكيف ذلك؟ قال:
لأن أحدنا ربما لا يملك إلا بعيراً فإذا حل به ضيف نحره له، فقال له الأعجمي: فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال:
نحن نسمي الضيف مهمان ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به، وقال بعض الحكماء: بلغ الجود من قام بالمجهود. وقيل الجواد من لم يضن
стр. 78
بالموجود. وقال المأمون: الجود بذل الموجود والبخل سوء الظن بالمعبود. قيل وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل الناس وينفق. قال: إن النفقة داعية الرزق وكان جالساً على باب فقال للرجل: أغلق هذا الباب فأغلقه. فقال: هل تدخل فيه الريح؟ قال: لا. قال: فافتحه، ففتحه فجعلت الريح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق أغلقت فلم تدخل الريح فكذلك إذا أمسكت لم يأتك الرزق.
قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه فبلغ ذلك المأمون. فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت الأموال لا تقوم بهذا. فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود. وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويج، فقال له قولاً ضعيفاً فيه رعد وقلة أطماع.
فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته فقال: أعطه أربعمائة دينار فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه رداً ظننا إنك تعطيه شيئاً قليلاً فإذا أنت أعطيته أكثر مما آمل، فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي.
وبحاتم يضرب المثل والسخاء، فحدثنا عن بعض حالات حاتم. قيل: كان حاتم جواداً شاعراً وكان حيثما نزل عرف منزله وكان ظفراً إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب وإذا شرب بالقداح سبق وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل واحداً، قيل: ولما بلغ حاتماً قول المتلمس الضبعي:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال أيسر من بقاء ... وضرب في البلاد بغير زاد
فقال: ما له قطع الله لسانه، يحرض الناس على البخل أفلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس رزقا بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن الرزق غاد ورائح ... وأن الذي أعطاك سوف يعيد
стр. 79
قال: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى فنحر ناقة الضيف وعشاه وغداه وقال: إنك قد أقرضتني ناقتك فاحتكم علي. قال: راحلتين.
قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى. قال: إلى أربعون.
ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد المائة، فأتوا بأربعين فدفعها إلى الضيف. وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير فيهم. يا أبا سفانة قد أكلني الأسار والقمل. قال: والله ما أنا في بلادي ولا معي شيء وقد أسأت إلى أن نوهت باسمي فذهب إلى العنزيين فساومهم فيه واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي قراه، ففعلوا فأتاهم بغداء. قيل:
ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بأبي الخيبري في نفر من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره فقال: والله لأحلفن للعرب أنني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل وجعل يضرب القبر برجله ويقول:
عجل أبا سفانة قراكا ... فسوف أنبي سائلي ثناكا
فقال بعضهم: ما لك تنادي رمة باتوا مكانهم فقام صاحب القول من نومه مذعوراً فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتماً أتاني فأنشدني:
أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بدؤيّة صخبت هامها
تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك طيّ وإنعامها
وإنا لننعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها
وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن إمامة وكان من إياد وبلغ من جوده أنه خرج في ركب فيهم رجل من بني النمر بن قاسط في شهر ناجر
стр. 80
وألجأهم العطش فظلوا فتصافتوا ماءهم فجعل النميري يشرب نصيبه فإذا أراد كعب أن يشرب نصيبه قال: آثر أخاك النمري فيؤثره حتى أضر به العطش فلما رأى ذلك استحث ناقته وبادر حتى رفعت أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد فمات قبل أن يرد ونجا رفيقه. ومن قول أبي تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
كريم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فلتّق الله سائله
وللبحتري:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل
ولو أن مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سؤدد عن أول
ولبكر بن النطاح في أبي دلف:
بطل بصدر حسامه وسنانه ... أجلان من صدر ومن أبراد
ورث المكارم وابتناها قاسم ... بصفائح واسنة وجياد
يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حياً إذا كانت بغير عماد
إن العيون إذا رأتك بعزمه ... فتحت منه مواضع الأسداد
وكأن رمحك منقع في عصفر ... وكان سيفك سل من فرصاد «١»
لو صال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن في الأغماد
أورى ونور للعداوة والهوى ... نارين: نار دم ونار زناد
قال أبو هفان «٢» : انتشرت هذه الأبيات [حتى انتهت إلى] عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فقال: هل سمعت بمثل هذه الأبيات؟ قلت: لا،
стр. 81
قال: ولغيره في أبي دلف:
ولو يجوز لقال الناس كلهم ... لولا أبو دلف ما أورق الشجر
قال ابن يحيى النديم: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور فقال:
أنشدني قول عمارة في أهل بغداد فأنشدته:
ومن يشتري مني ملوك مخرم ... أبع حسناً وابني هشام بدرهم
وأعطي رجاءً بعد ذاك زيادة ... وأمنح ديناراً بغير قتوم
فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... أبا دلف والمستطيل بن أكثم
فقال المتوكل: ويلي على ابن البوال على عقبيه يهجو شقيقه دولة العباس قال: فهل عندك من أعدم في أبي دلف القاسم بن عيسى «١» شيء؟
قلت: يا أمير المؤمنين قول الإعرابي الذي يقول فيه:
أبا دلف إن السماحة لم تزل ... مغللة تشكو إلى الله غلها
فبشرها ربي بميلاد قاسم ... فأرسل جبريلاً إليها فحلها
وقال غيره:
حر إذا جئته يوماً لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وقال آخر:
فتى عاهد الرحمن فابذل ماله ... فليس تراه الدهر إلا على العهد
فتى قصرت آماله عن فعاله ... وليس على الحر الكريم سوى الجهل
وقال آخر:
إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر
стр. 82
له من ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
وقال آخر:
عاد السرور إليك في الأعياد ... وسعدت من دنياك بالإسعاد
رفقا بعبد جل ما أوليته ... رفقا فقد أثقلته بأيادي
ملأ النفوس مهابة ومحبة ... بدر بدا متعمّرا بسواد
ما أن أرى لك مشبهاً فيمن أرى ... إن الكرام قليلة الأنداد
وقال في ابن أبي دؤاد:
بدا حين أثرى بإخوانه ... فقلل عنهم شبات «١» العدم
وحذره الحزم صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النعم
فليس وإن نجل البا ... خلون يقرع سناً له من ندم
ولا ينكث الأرض عند السؤال ... ليمنع سؤاله عن نعم
ويروي في الحديث: إنه لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد صالح أبداً. ويقولون: الشحيح أغدر من الظالم أقسم الله بعزته لا يساكنه بخيل في جنته. وقال النبي ﷺ : «من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه» . وقال الشاعر في ذلك:
ليس في كل ساعة وأوان ... نتيها صنائع الإحسان
فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذراً من تعذر الإمكان
وذكر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁، إن أمير المؤمنين علياً صلوات الله عليه بعثه إلى حكيم بن حزام بن خويلد يسأله مالاً، فانطلق به إلى منزله، فوجد في الطريق صوفاً، فأخذه ومر بقطعة كساء فأخذها، فلما صار إلى المنزل أعطاه طرف الصوف فجعل يفتله حتى صيره خيطاً، ثم دعا بغرارة مخرقة فرقعها بالكساء وخيطها بالخيط وصر فيها ثلاثين ألف درهم
стр. 83
فحملت معه. قال: وأتى قوم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ﵀ يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيده ورديئه على حدة فهموا بأن يرجعوا عنه وقالوا ما نظن خيراً. ثم كلموه فأعطاهم، فقال رجل من القوم: لقد رأيناك تصنع شيئاً لا يشبه فعالك.
فقال: وما ذاك؟ فأخبروه. فقال: إن الذي رأيتم يؤول إلى اجتماع ما ينفع وينمو، ومنها قيل: الذود إلى الذود إبل. وأنشدوا:
أب كبير هامه صغير ... وفي البحور تغرق البحور
وقال آخر:
قد يلحق الصغير الجليل ... وإنما القرم من الأفيل «١»
وسحق النخل من الغسل
قال: وأتى رجل ابن طلحة بن عبيد الله فسأله حمالة فرآه يهنأ بعيراً له فقال: يا غلام أخرج إليه بدرة. فقبضها وقال: أردت أن أتصرف حين رأيتك تهنأ بالبعير فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير.
стр. 84
مساوىء البخل
المثل السائر في البخل: هو أبخل من مادر، وهو رجل من بني هلال بن عامر بلغ من بخله أنه يسقي إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه ومدر الحوض به فسمي مادراً. وذكروا أن بني هلال وبني فزارة تنافروا إلى أنس بن مدرك وتراضوا به، فقالت بنو فزارة: لم نعرفه، وكان سبب ذلك أن ثلاثة اصطحبوا: فزاري، وثعلبي، وكلابي، فصادفوا حمار وحش، ومضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخا وأكلا وخبأ اللفزاري أير الحمار فلما رجع قالا: قد خبأنا لك حقك فكل، فأقبل يأكل ولا يسيغه فجعلا يضحكان: ففطن وأخذ السيف وقام إليهما وقال: لتأكلا منه أو لأقتلكما، فامتنعا فضرب أحدهما فقتله وتناوله الآخر فأكل منه، فقال الشاعر:
نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... إذا خيّرت تخطيء في الخيار
أصيحانية أدمت بسمن ... أحب إليك أم أير الحمار
بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحب إلى فزارة من فزاري
فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض ومدره بخلاً فنفرهم أنس بن مدرك على الهلاليين فأخذ الفزاريون منهم مائة بعير وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر:
ولكن يرى مشرقاً وجهه ... ليرغم في حاله من رغم
لقد جللت خزياً هلال بن عامر ... بني عامر طرا بسلحة مادر
فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار العشائر
стр. 85
وفي المثل: هو أبخل من أبي حباحب، وهو رجل في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج، فإذا أراد أحد أن يأخذه منه أطفأه، فضرب به المثل. ومنهم صاحب نجيح بن سلكة اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحاً اليربوعي خرج يوماً يتصيد، فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة، فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار، بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه فتناول بعضها ولم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاه، فقال:
يا هذا، ما هذا الذي بين يديك؟ وكيف يستطاع أخذه؟ وهل هو لك أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى أجواد أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟ فقال الأعمى: أطلب رجلاً فقد منذ سنين وهو سعد ابن خشرم بن شماس فأتني به نعطك ما تشاء، فانطلق نجيع مسرعاً قد استطير فؤاده حتى وصل إلى قومه ودخل خباءه ووضع رأسه فنام لما به من الغم لا يدري من سعد بن خشرم، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي بني محلم من ولد ذهل بن شيبان، فسأله عن بني محلم ثم سأل عن خشرم بن شماس فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه فحياه نجيح، فرد ﵇، فقال له نجيح: من أنت؟
قال: أنا خشرم بن شماس. قال له: فأين ولدك سعد؟ قال خرج في طلب نجيح اليربوعي وذلك أن آتياً أتاه في منامه فحدثه أن مالاً له في نواحي بني يربوع لا يعلم به إلا نجيح اليربوعي، فضرب نجيح فرسه ومضى وهو يقول:
أيطلبني من قد عناني طلابه ... فياليتني ألقاك سعد بن خشرم
أتيت بني يربوع تبغي لقاءنا ... وجئت لكي ألقاك، حي محلم
فلما دنا من محلته استقبله سعد فقال له نجيح: أيها الراكب هل لقيت سعداً في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدل على نجيح؟ قال: أنا نجيح. وحدثه بالحديث فقال: الدال على الخير كفاعله- وهو أول من قالها- فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان فتوارى الرجل الأعمى عنهما وترك المال فأخذه سعد كله، فقال نجيح: يا سعد قاسمني، فقال له اطوعني وعن مالي
стр. 86
كشحا. وأبى أن يعطيه شيئاً فانتضى نجيح سيفاً، فجعل يضربه حتى برد فلما وقع قتيلاً تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة، فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه فلما رأى نجيح ذلك ولى هارباً إلى قومه.
قيل: وكان أبو عبس بخيلاً وكان إذا وضع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول: كم من مدينة قد دخلتها، ويد قد وقعت فيها الآن، الآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار، ثم يرمي به في صندوقه فيكون آخر العهد به. قيل: ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال في شق: لا إله إلا الله، وفي شق: محمد رسول الله، ما ينبغي أن تكون إلا معاذة، وقذفه في صندوقه. وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر يمتدحه فلم يعطه شيئاً ثم سعل سعلة فضرط، فقال الشاعر:
أتيت المسيب في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط
فقال: غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط
فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل.
قال: وكتب ارسطاطاليس «١» إلى رجل بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت ولم ترد، فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر.
قال: وسمع أبو الأسود الدؤلي رجلاً يقول:
من يعشي الجائع؟ فعشاه ثم قام الرجل ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي الناس كما آذيتني، ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح. قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع فيلح عليه ويسأله أن يتغدى عنده ويقول: لعلك تظن أني أتكلف لك شيئاً والله لا أقدم لك إلا ما عندي، فلما أتاه لم يجد في بيته إلّا سكرا يابسة وملح جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال له: وسع الله
стр. 87
عليك، فلم يذهب فقال: والله لئن خرجت إليك لادقن رأسك، فقال ابن المقفع للسائل: ويحك لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تزد كلمة ولم تقم طرفة عين! قال: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب عليه. فكتب إليه: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً، وإن كنت صادقاً فجعلك الله معذوراً. وكتب آخر إلى آخر يصف رجلاً: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان كأنك هممت به أو حدثتك نفسك بالقدوم إليه فلا تفعل. فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان الله، والطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله، والرجاء فيما في يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله. إنه يرى الإيثار الذي يرضى به التبذير الذي يعاقب عليه والاقتصاد الذي أمر به الإسراف الذي يعاقب عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس والبصل بالمن والسلوى إلا لفضل أخلاقهم وقديم علمهم، وأن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة، والهبة مكروهة، والصدقة منحوسة، والتوسع ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين. وإن مواساة الرجال من الذنوب الموبقة والأفضال عليهم من إحدى الكبائر. وأيم الله إن المرء في خصاصة نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالاً بعيداً كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية، الذي قطع الله أدبارهم ونهى المسلمين عن إتباع آثارهم وإن الرجفة لم تأخير أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم ولا أهلكت الريح عاداً إلا لتوسع كان منهم فهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه خاسراً أو يعدها الفقر ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهر وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم رحمك الله مكانك واصطبر على عسرك عسى الله أن يبدلنا وإياك خيراً منه زكاة وأقرب رحماً.
ولبعض الكتاب: أما بعد فإن كثير المواعيد من غير نجح عار على المطلوب إليه وقلتها مع نجح الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا هذه في كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأنا قد رضينا بالتعلل لها دون النجاح كقول القائل:
стр. 88
لا تجعلنا ككمون بمزرعة ... إن فاته الماء أروته المواعيد
وكتب آخر: ما رأيت طيب قولك أسره سوء فعلك ولا مثل بسط وجهك خالفه طول تنكيدك ولا مثل قرب عدتك باعدها إفراط مطلك ولا مثل أنس مذاهبك أوحش منه اختيار عواقبك حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الحلة، وكأن زينك فيه بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل. وقال بعضهم:
وعدتنا مواعيد عرقوب ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور السراب، ومنيتنا أماني الكمون. ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني مقلقا بوعدك بالعذر الجميل أحسن من الطل الطويل، فإن كنت تريد الأنعام وإن تعذرت الحاجة فأوضح، وأعلمني ذلك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك. وذكروا أن فتى من مراد كان يختلف إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: إنك امرأة؟ قال:
لا. قال: فتزوج وعلي المهر، فرجع إلى أمه فأخبرها الخبر فقالت:
إذا حدثتك النفس إنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب
فتزوج وأتى عمرو بن العاص فاعتل عليه «١» ولم ينجز وعده فشكا ذلك إلى أمه فقالت
لا تغضبنّ على امرىء في ماله ... وعلى كرائم حر مالك فاغضب
ووصف إعرابي رجلاً فقال له: بشر مطمع ومطل مؤيس، وكنت منه أبداً بين الطمع واليأس لا بذل سريح ولا مطل مريح، وقال إعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم ولست بالحريض الذي إذا وعده الكذوب علق نفسه لديه واتعب راحته إليه، وذكر إعرابي رجلاً فقال له:
مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس، ويقال: سرعة اليأس أحد النجحين، وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق الخلب، وأماني الكمون، ونار الحباحب، وصلف تحت الراعدة، ومما قيل في ذلك:
стр. 89
أروح وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأصبح فيها غدوةً كالذي أمسي
وقد كنت أرجو للصديق شفاعتي ... فقد صرت أرضى أن أشفع في نفسي
ولأبي النواس:
وعدتني وعدك حتى إذا ... أطمعتني في كنز قارون
جئت من الليل بغاسلة ... تغسل ما قلت بصابون
ولأبي تمام:
يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاث من غير تكذيب
كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب
وقال آخر:
إني رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
وقال حسان بن ثابت:
إني لأعجب من قول غررت به ... حلو يمد إليه السمع والبصر
لو تسمع العصم من صم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر
كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعم ولا خبر
وكالسراب شبيهاً بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا قطر
لا ينبت العشب عن برق وراعدة ... غراء ليس لها سيل ولا مطر
وقال آخر:
رأيت أبا عثمان يبذل عرضه ... وخبز أبي عثمان في أحرز الحرز
يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحن إلى الخبز
وقال آخر:
ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على أرض بن منصور
الحابس الروث في اعفاج بغلته ... خوفاً على الحب من لقط العصافير
стр. 90
وقال آخر:
نوالك دونه خرط القياد ... وخبزك كالثريا في البعاد
ترى الإصلاح صوفك لا لنسك ... وكسر الخبز من عمل الفساد
أرى عمر الرغيف يطول جداً ... لديك كأنه من قوم عاد
وقال آخر:
اللؤم منك على الطعام طباع ... فعيال بيتك ما حييت جياع
وإذا يمر بباب دارك سائل ... حملت عليه نوابح وسباع
وعلى رغيفك حية مسمومة ... وعلى خوانك عقرب وشجاع
وقال آخر:
يا تارك البيت على الضيف ... وهارباً عنه من الخوف
طيفك قد جاء بخبز له ... فارجع وكن ضيفاً على الضيف
إذا اشتهى الضيف طبيخ الشتا ... أتاه بالشهوة في الصيف
وإن دنا المسكين من بابه ... شد على المسكين بالسيف
وقال آخر:
رأى ضيفك بالدار ... وكرب الجوع يغشاه
على خبزك مكتوبا ... سيكفيكهم الله
وقال آخر:
لأبي نوح رغيف ... أبدا في حجر دايه
ابدا يمسحه الدهر ... بكم ووقايه
وله كاتب سر ... خط فيه بعنايه
فسيكفيكهم الله ... إلى آخر الآيه
وقال آخر:
стр. 91
الخبز يبطي حين يدعو به ... كأنه يقدم من قاف
ويمدح الملح لأصحابه ... يقول هذا ملح سيراف
سيان أكل الخبز في داره ... وقلع عينيه بخطاف
وقال آخر:
فتىً لا يغار على عرسه ... ولكن يغار علي خبزه
فمنه يد الجود مقبوضة ... وكف السماحة في عجزه
وقال آخر:
يصونون أثوابهم في التخوت ... وأزواجهم بذلة في السكك
ينحون من رام رغفانهم ... ويدنون من رام حل التكك
وقال آخر:
أما الرغيف على الخوا ... ن فمن حمامات الحرم
ما أن يحبس ولا يم ... سّ ولا يذاق ولا يشم
فتراه اخضر يابسا ... بالي النقوش من الهرم
وقال آخر:
أتينا أبا طاهر مفطرين ... إلى داره فرجعنا صياما
وجاء بخبز له حامض ... فقلت دعوه وموتوا كراما
وقال آخر:
يبخل بالماء ولو أنه ... منغمس في وسط النيل
شحاً فلا تطمع في خبزه ... ولو تشفعت بجبريل
وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: ما لأحد من المولودين ما لأبي النواس في الهجاء:
وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
شرابك كالسراب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب
стр. 92
وقال آخر:
خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده
ليس لي ما حييت ذنب إليه ... غير أني يوماً تغذيت عنده
وقال الخليل بن أحمد العروضي الأزدي «١» :
فكفاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه
فكف على الخبز مقبوضة ... كما نقضت مائة تسعه
وكف ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه
وقال ابن أبي البغل:
وكل من أجتديه في بلد ... أروم مما لديه في صفد
يعقد لي باليسار أربعةً ... منوصة تسعةً إلى العدد
وقال آخر:
أتيت أبا عمرو أرجي نواله ... فزاد أبو عمرو على حزني حزنا
فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فآب بلا أذن ولم يستفذ قرنا
стр. 93
محاسن الشجاعة
قيل: كان باليمانة رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك، وكان لسناً فاتكاً شجاعاً شاعراً، وكان قد أبر على أهل هجر وناحيتها، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فكتب إلى عامل اليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به، ويأمره بالتجرد في طلبه حتى يظفر به، فبعث العامل إلى فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلاً عظيماً إن هم قتلوا جحدراً أو أتوه به أسيراً، ووعدهم أن يوفدهم إلى الحجاج ويسني فرائضهم، فخرج الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريباً منه بعثوا إليه رجلاً منهم يريه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به، فوثق بهم واطمأن إليهم، فبينما هم على ذلك إذ شدوه وثاقاً وقدموا به إلى العامل، فبعث به معهم إلى الحجاج وكتب يثني على الفتية. فلما قدموا على الحجاج قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم. قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟ قال: جرأة الجنان، وجفوة السلطان، وكلب الزمان، قال: وما الذي بلغ من أمرك فيجترىء جنانك ويصلك سلطانك ولا يكلب زمانك؟
قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالحي الأعوان، وبهم الفرسان وممن أوفى على أهل الزمان. قال الحجاج: إنا قاذفوك في قبة فيها أسد فإن قتلك كفانا مؤونتك، وإن قتلته خليناك ووصلناك، قال: قد أعطيت أصلحك الله الأمنية وأعظمت المنة وقربت المحنة. فأمر به فاستوثق منه بالحديد وألقي في السجن، وكتب إلى عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسداً ضارياً، فلم يلبث العام أن بعث إليه بأسد ضاريات قد أبرت على أهل تلك الناحية، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم، فجعل منه ومنها واحداً في تابوت يجر على عجلة،
стр. 94
فلما قدموا به على الحجاج أمر فألقى في حيز وأجيع ثلاثاً، ثم بعث إلى جحدر فأخرج وأعطي سيفاً ودلي عليه فمشى إلى الأسد وأنشأ يقول:
ليث وليث في مكان ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك
وصولة في بطشة وفتك ... إن يكشف الله قناع الشك
وظفراً بجؤجؤ وبرك ... فهو أحق منزل بترك
الذئب يعوي والغراب يبكي
حتى إذا كان منه على قدر رمح تمطى الأسد وزأر وحمل عليه فتلقاه جحدر بالسيف فضرب هامته ففلقها وسقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، فانثنى جحدر وقد تلطخ بدمه لشدة حملة الأسد عليه، فكبر الناس فقال الحجاج: يا جحدر إن أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن صحبتك وجائزتك فعلت بك، وإن أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتك، قال: اختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة أهل بيته وأنشأ جحدر يقول:
يا جمل إنك لو رأيت بسالتي ... في يوم هيج مردف وعجاج
وتقدمي لليث أرسف نحوه ... حتى أكابده على الإحراج
جهم كأن جبينه لما بدا ... طبق الرحى متفجر الأثباج
يرنو بناظرتين تحسب فيهما ... من ظن خالهما شعاع سراج
ششن براثنه كأن نيوبه ... زرق المعاول أو شذاة زجاج
وكأنما خيطن عليه عباءة ... برقاء أو خلق من الديباج
قرنان محتضران قد ربتهما ... أم المنية غير ذات نتاج
وعلمت إني أن أبيت نزاله ... إني من الحجاج لست بناج
فمشيت أرسف في الحديد مكبلاً ... بالموت نفسي عند ذاك اناجي
стр. 95
والناس منهم شامت وعصابة ... عبراتهم لي بالحلوق شواجي
ففلقت هامته فخر مكانه ... أطم تقوض مائل الأبراج
ثم انثنيت وفي قميصي شاهد ... مما جرى من شاخب الأوداج
أيقنت إني ذو حفاظ ماجد ... من نسل أملاك ذوي أتواج
فلئن قذفت إلى المنية عامداً ... إني لخيرك بعد ذلك راجي
علم النساء بأنني لا أنثني ... إذ لا يثقن بغيره الأزواج
وحكى عن الطفيل بن عامر العمري «١» قال: خرجت ذات يوم أريد الغار، وكنت رجلاً أحب الوحدة، فبينا أنا أسير إذ ضللت الطريق الذي أردته، فسرت أياماً لا أدري أين أتوجه حتى نفذ زادي، فجعلت آكل الحشيش وورق الشجر حتى أشرفت على الهلاك ويئست من الحياة، فبينا أنا أسير إذ أبصرت قطيع غنم في ناحية من الطريق فملت إليها، وإذا شاب حسن الوجه فصيح اللسان، فقال لي: يا بن العم أين تريد؟ فقلت: أردت حاجة لي من بعض المدن وما ظني إلا قد ضللت الطريق، فقال: أجل! إن بينكم وبين الطريق مسيرة أيام فانزل حتى تستريح وتطمئن وتريح فرسك، فنزلت فرمى لفرسي حشيشاً وجاء إلي بثريد كثير ولبن، ثم قام إلى كبش فذبحه وأجج ناراً وجعل يكبب لي ويطعمني حتى أكتفيت، فلما جننا الليل قام وفرش لي وقال: قم فارم بنفسك فإن النوم اذهب لتعبك وارجع لنفسك، فقمت ووضعت رأسي، فبينا أنا نائم إذ أقبلت جارية لم تر عيناي مثلها قط حسناً وجمالاً، فقصدت إلى الفتى وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه ما يلقى من الوجد به، فامتنع علي النوم لحسن حديثهما فلما كان في وقت السحر قامت إلى منزلها، فلما أصبحنا دنوت منه فقلت له: ممن الرجل؟
قال: أنا فلان بن فلان، فانتسب لي فعرفته فقلت له: ويحك! إن أباك
стр. 96
لسيد قومه، فما حملك وضعك نفسك في هذا المكان؟ فقال: أنا والله أخبرك، كنت عاشقاً لابنة عمي هذه التي رأيتها وكانت هي أيضاً لي واهقة، فشاع خبرنا في الناس، فأتيت عمي فسألته أن يزوجنيها. فقال: يا بني، والله ما سألت شططا، وما هي بآثر عندي منك، ولكن الناس قد تحدثوا بشيء وعمك يكره المقالة القبيحة، ولكن انظر غيرها في قومك حتى يقوم عمك بالواجب لك، فقلت: لا حاجة لي فيما ذكرت وتحملت عليه بجماعة من قومي فردهم وزوجها رجلاً من ثقيف له رياسة وقدر فحملها إلى ههنا- وأشار إلى خيم كثيرة بالقرب منا- فضاقت علي الدنيا برحبها وخرجت في أثرها فلما رأتني فرحت فرحاً شديداً وقلت لها: لا تخبري أحداً إني منك بسبيل ثم أتيت زوجها وقلت:
أنا رجل من الأزد أصبت دما وأنا خائف، وقد قصدتك لما أعرف من رغبتك في اصطناع المعروف ولي بصر بالغنم إن رأيت أن تعطيني من غنمك شيئاً فأكون من جوارك وكنفك فأفعل. قال: نعم وكرامة، فأعطاني مائة شاة وقال لي: لا تبعد بها من الي، وكانت ابنة عمي تخرج إلي كل ليلة في الوقت الذي رأيت وتنصرف، فلما رأى حسن حال الغنم أعطاني هذه فرضيت من الدنيا بما ترى. قال: فأقمت عنده أياماً، فبينا أنا نائم إذ نبهني وقال: يا أخا بني عامر، قلت له: ما شأنك؟ قال: إن ابنة عمي قد أبطأت ولم تكن هذه عادتها وو الله ما أظن ذلك إلّا لأمر فحدثني فجعلت أحدثه، فأنشأ يقول:
ما بال مية لا تأتي كعادتها ... هل هاجها طرب أو صدها شغل
لكن قلبي لا يعنيه غيركم ... حتى الممات ولا لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم ... لما اعتذرت ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك قد أحللت بي حرقاً ... تكاد من حرّها الأحشاء تنفصل
لو كان عادية منه على جبل ... لزل وأنهد من أركانه الجبل
فو الله ما اكتحل بغمض حتى انفجر عمود الصبح وقام ومر نحو الحي فأبطأ عني ساعة ثم أقبل ومعه شيء وجعل يبكي عليه، فقلت له: ما هذا؟
قال: هذه ابنة عمي افترسها السبع فأكل بعضها ووضعها بالقرب مني فأوجع
стр. 97
والله قلبي، ثم تناول سيفه ومر نحو الحي فأبطأ هنيهة ثم أقبل إلي وعلى عاتقه ليث كأنه حمار فقلت له: ما هذا؟ قال: صاحبي، قلت: وكيف علمته؟ قال: إني قصدت الموضع الذي أصابها فيه وعلمت أنه سيعود إلى ما فضل منها، فجاء قاصداً إلى ذلك الموضع فعلمت أنه هو فحملت عليه فقلته، ثم قام فحفر في الأرض فأمعن وأخرج ثوباً جديداً، وقال: يا أخا بني عامر إذا أنا مت فأدرجني معها في هذا الثوب، ثم ضعنا في هذه الحفرة وهل التراب واكتب هذين البيتين على قبرنا وعليك السلام:
كنا على ظهرها والعيش في مهل ... والدهر يجمعنا والدار والوطن
فخاننا الدهر في تفريق الفتنا ... واليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم التفت إلى الأسد وقال:
ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هبلت لقد جرت يداك لنا حزنا
وغادرتني فرداً وقد كنت آلفاً ... وصيرت آفاق البلاد لنا سجنا
أأصحب دهراً خانني بفراقها ... معاذ إلهي أن أكون له خذنا
ثم قال: يا أخا بني عامر إذا فرغت من شأننا فصح في إدبار هذه الغنم، فردها إلى صاحبها ثم قام إلى شجرة فاختنق حتى مات، فقمت فأدرجتهما في ذلك الثوب ووضعتهما في تلك الحفرة وكتبت البيتين على قبر هما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وسألني القوم فأخبرتهم الخبر، فخرج جماعة منهم فقالوا: والله لننحرن عليه تعظيماً له، فخرجوا وأخرجوا مائة ناقة وتسامع الناس فاجتمعوا إلينا فنحرت ثلاثمائة ناقة ثم انصرفنا.
وقيل لما كان من أمر عبد الرحمن بن الأعث الكندي ما كان، قال الحجاج اطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الأسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما أدخل على الحجاج قال له: من أنت؟ قال: أنا شهاب بن حرقة، قال: والله لأقتلنك، قال: ما كان الأمير بالذي يقتلني. قال:
ولم؟ قال: لأن في خصالاً يرغب فيهن الأمير. قال: وما هن؟ قال:
ضروب بالصفيحة، هزوم للكثيرة من الكتيبة، أحمي الجار وأذب عن الذمار
стр. 98
وأجود على العسر من اليسر غير بطيء عن النصر. قال الحجاج: ما أحسن هذه الخصال فاخبرني بأشد شيء مر عليك، قال: نعم أصلح الله الأمير:
بينا أنا أسير ... ومركبي وثير
في عصبة من قومي ... في ليلتي ويومي
يمضون كالآجادل ... في الحرب كالبواسل
أنا المطاع فيهم ... في كل ما يليهم
فسرت خمساً عوما ... وبعد خمس يوما
حنى وردت أرضاً ... ما أن ترام عرضاً
من بلد البحرين ... عند طلوع العين
فهجتهم نهاراً ... التمس المغارا
حتى إذا كان السحر ... من بعد ما غاب القمر
إذا أنا بعير ... يقودها خفير
موقرة متاعاً ... مقيلة سراعاً
فصلت بالسنان ... مع سادة فتيان
فسقتها جميعاً ... أحثها سريعاً
أريد رجع عالج ... أمعج بالعناجج
أسير في الليالي ... خرقاً بعيداً خالي
وقد لقينا تعباً ... وبعد ذاك نصباً
حتى إذا هبطنا ... من بعد ما صعدنا
عنت لنا بيدانه ... قد كان فيها عانه
رميتها بقوسي ... في مهمه كالترس
حتى إذا ما أمعنت ... بالقفز ثم درمت
وردت قصراً منهلاً ... في جوفه طام حالا
وعنده خييمة، ... في جوفها نعيمة
стр. 99
عزيزة كالشمس ... فاقت جميع الأنس
فعجت مهري عندها ... حتى وقفت معها
حييت ثم ردت ... في لطف وحيت
فقلت يا لعوب ... والطفلة العروب
هل عندكم قراء ... إذ نحن بالعراء
قالت نعم برحب ... في لطف وقرب
أربع هنا عتيداً ... ولا تكن بعيداً
حتى يجئك عامر ... مثل الهلال زاهر
فعجت عن قريب ... في باطن الكثيب
حتى رأيت عامراً ... يحمل ليثاً خادراً
على عتيق سابح ... كمثل طود اللامح
قال: وكان الحجاج متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: ويحك دعنا من السجع والرجز وخذ في الحديث، قال: نعم أيها الأمير ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة وأوقد عليه ناراً وشق عن بطن الأسد وألقى مرافه في النار فجعلت، أصلح الله الأمير، اسمع للحم الأسد نشيشا فقالت له نعيمة: قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد، قال: فما فعل؟ قالت: ها هو ذاك بظهر الكثيب والخيمة، فأومأت إلي، فأتيتها، فإذا أنا بغلام أمرد كأن وجهه دارة القمر فربط فرسي إلى جنب فرسه ودعاني إلى طعامه فلم أمتنع عن أكل لحم الأسد لشدة الجوع، فأكلت أنا ونعيمة منه بعضه وأتى الغلام على آخره، ثم قام إلى زق فيه خمر فشرب، ثم سقاني فشربت ثم شرب الغلام حتى أتى على آخره، فبينما نحن كذلك إذ سمعت وقع حوافر خيل أصحابي فقمت وركبت فرسي وتناولت رمحي وصرت معهم ثم قلت: يا غلام خل عن الجارية ولك ما سواها فقال: ويلك أحفظ الممالحة، قلت: لا بدّ من الجارية وفارس، فالتفت إليها وقال لها: قفي، ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس فبرز إليه رجل من أصحابي فقال له الغلام:
من أنت؟ فلست أقاتل من لا أعرفه ولا أقاتل إلا كفوءاً أعرفه، فقال: أنا
стр. 100
عاصم بن كلبة السعدي، فشد عليه وأنشد يقول:
إنك يا عاصم بي لجاهل ... إذ رمت أمراً أنت عنه ناكل
إني كمي في الحروب باسل ... ليث إذا اصطك الليوث بازل
ضراب هامات العدى منازل ... قتال أقران الوغى مقاتل
ثم طعنه فقتله. وقال: يا فتيان، هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس، فتقدم إليه آخر من أصحابي فقال له الغلام: من أنت؟ فقال: أنا صابر بن حرقة. فشد عليه وأنشأ يقول:
إنك والإله لست صابرا ... على سنان يجلب المقادرا
ومنصل مثل الشهاب باترا ... في كف قزم يمنع الحرائرا
إني إذا رمت امرأ فآسرا ... يكون قرني في الحروب بائرا
ثم طعنه فقتله. ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس لفارس فلما رأيت ذلك هالني أمره وأشفقت على أصحابي فقلت: احملوا عليه حملة رجل واحد فلما رأى ذلك أنشأ يقول:
الآن طاب الموت ثم طابا ... إذ تطلبون رخصة كعابا
ولا نريد بعدها عتابا
فركبت نعيمة فرسها وأخذت رمحها فما زال يجالدنا ونعيمة حتى قتل منا عشرين رجلا فاشفقت على أصحابي فقلت: يا غلام قد قبلنا العافية والسلامة. فقال: ما كان أحسن هذا لو كان أولاً ونزلنا وسالمنا. ثم قلت: يا عامر بحق الممالحة من أنت؟ قال: أنا عامر بن حرقة الطائي وهذه ابنة عمي ونحن في هذه البرية منذ زمان ودهر ما مر بنا إنسي غيركم، فقلت: من أين طعامكم؟ قال: حشرات الطير والوحش والسباع. قلت: إن معي مائة من الإبل موقرة متاعاً فخذ منها حاجتك. فقال: لا أرب لي فيها ولو أردت ذلك لكنت أقدر عليه فارتحلنا عنه منصرفين. فقال الحجاج: الآن يا عدو الله طاب قتلك لغدرك بالفتى. قال: كان خروجي على الأمير أصلحه الله أعظم
стр. 101
من ذلك فإن عفا عني الأمير رجوت أن لا يؤاخذني بغيره فأطلقه ووصله ورده إلى بلده.
وضده، قال: دخل أبو زبيد الطائي على عثمان بن عفان في خلافته، وكان نصرانياً فقال له: بلغني أنك تجيد وصف الأسد. فقال له: لقد رأيت منه منظراً وشهدت منه مخبراً لا يزال ذكره يتجدد على قلبي. قال: هات ما مر على رأسك منه. قال: خرجت يا أمير المؤمنين في صيابة، من إفناء قبائل العرب ذوي شارة حسنة ترتمي بنا المهاري بأكسائها القزوانيات ومعنا البغال عليها العبيد يقودون عتاق الخيل نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط «١» بنا المسير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيخد «٢» وصر الجندب وضايق العصفور الضب في وجاره قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي فإذا واد كثير الدغل دائم الغلل شجراؤه مغنة وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات فأصبنا من فصلات المزاود وأتبعناها بالماء البارد، فأنا لنصف حر يومنا ومما طلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه وفحص الأرض بيده، ثم ما لبث إن جال فحمحم وبال فهمهم ثم فعل الذي يليه واحد بعد واحد فتضعضعت الخيل وتكعكعت «٣» الإبل وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فعلمنا أن قد أتينا وأنه السبع لا شك فيه ففزع كل امرىء منا إلى سيفه واستله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقاً «٤» فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره نحيط وليلا غيمه غطيط ولطرفه وميض ولا رساغه نقيض كأنما يخبط هشيماً أو يطأ صريماً «٥» ، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن وعينان سجراوان «٦» كأنهما سراجان يقدان وقصرة «٧» ربلة «٨» ولهزمة «٩» رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول وعضد مفتول
стр. 102
وكفّ شثنه البراثن «١» إلى مخالب كالمحاجن ثم ضرب بذنبه فأرهج «٢» وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى فأسرع بيديه وحفر وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى «٣» فاقشعر «٤» ، ثم مثل «٥» فاكفهر «٦» ، ثم تجهم فازبأر «٧» ، فلا والذي بيته في السماء ما أتقيناه بأول من أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة فوهصه «٨» ثم أقعصه فقضقض متنه وبقر بطنه، فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فكر مقشعر الزبرة كأن به شيهماً «٩» حولياً فاختلج من دوني رجلا اعجر ذا حوايا فنفضه نفضة فتزايلت أوصاله واتقطعت أوداجه، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه، فارتعشت الأيدي واصطكت الأرجل وأطت الأضلاع وارتجت الأسماع وحملجت العيون وانخزلت المتون ولحقت الظهور البطون ثم ساءت الظنون وأنشأ (يقول) :
عبوس شموس، مصلخد خنايس ... جريء على الأرواح للقرن قاهر «١٠»
منيع ويحمي كل واد يرومه ... شديد أصول الماضغين مكابر
براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر
يدل بانياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر
فقال عثمان: أكفف لا أم لك، فلقد أرعبت قلوب المسلمين ولقد وصفته حتى كأني أنظر إليه يريد يواثبني. وقيل في المثل: وهو أجبن من هجرس- وهو القرد- وذلك لأنه لا ينام إلا وفي يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليلة رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحداً في أثر واحد في يد كل واحد منهم حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها وإن نام واحد وسقط الحجر من يده خرج
стр. 103
فتحرك الآخر فصار قدامه فلا نزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال أو أكثر جبناً. وقيل: هو أجبن من صافر وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يثفر ليلته كلها خوفاً من أن ينام فيؤخذ. وقيل أيضاً: هو أجبن من المنزوف ضرطاً. وكان من حديثه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا انتبه ضربنه وقلن له قم فاصطبح ويقول: لو لعادية نبتهتنّي- أي خيل عادية عليكن مغيرة فأدخلها عنكن- فلما رأين ذلك فرحن وقلن: إن صاحبنا لشجاع ثم اقبلن عليه وقلن: تعالين نجربه فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه فقال: لو لعادية نبتهتنّني فقلن له: نواصي الخيل معك، فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات فضرب به المثل.
وقيل لجبان: انهزمت فغضب الأمير عليك، قال: ليغضب الأمير وأنا حي أحب إلي من أن يرضى وأنا ميت. وقيل لبعض المجان: ما لك لا تغزو؟ قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمر إليه ركضاً؟
قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب: يا حميد هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. قال: وكيف كانت وقعتك؟ قال: انتبهت وأنا منهزم. ومما قيل في ذلك من الشعر:
ظلت تشجعني هند بتضليل ... وللشجاعة خطب غير مجهول
هاتي شجاعاً لغير القتل مصرعه ... أوجدك ألف جبان غير مقتول
الحرب توسع من يصلى بها حربا ... يتم العيال وإثكال المثاكيل
اسم الوغى اشتق من غوغاء يحربها ... يغدون للموت كالطير الأبابيل
والله لو أن جبريلاً تكفل لي ... بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل
هل غير أن يعذروني أنني فشل ... فكل هذا نعم فأغروا بتعزيلي
إن أعتذر من فراري في الوغى أبداً ... كان اعتذاري رديداً غير مقبول
اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلب ... خلاف بأس المساعير البهاليل
لما بدت منهم نحوي عشوزنة ... شماء تشرع في عرضي وفي طولي
стр. 104
فقلت ويحكم لا ترهبوا جلدي ... رمحي كسير وسيفي غير مصقول
لما اتقيتهم طوعاً بذات يد ... وانصعت أطوي الفلا ميلاً إلى ميل
الله خلصني منهم وفلسفتي ... حتى تخلصت مخضوب السراويل
وقال آخر:
أضحت تشجعني هند فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي قبلة الأنظار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له إرب
للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب
وقال آخر:
يقول لي الأمير بغير جرم ... تقدم حين حل بنا المراس
فما لي أن أطعتك في حياة ... ولا لي غير هذا الراس راس
стр. 105
محاسن حب الوطن
قال عمر بن الخطاب: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان «١» ، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببل المطر. وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه كأن الطبيعة تنزع إلى غذائها، ومما يؤكذ ذلك قول إعرابي وقد مرض بالحضر فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: مخيضاً روباً وضباً مشوياً، وقد قيل: أحق البلدان بنزاعك إليها بلد أمصك حلب رضاعه، وقيل: احفظ أرضاً أرسخك رضاعها، وأصلحك غذاؤها، وارع حمى اكتنفك فناؤه.
وقيل: لا تشك بلداً فيه قبائلك. وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها تواقة. وحدثنا بعض بني هاشم قال: قلت لإعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية، قلت: وأين تسكن منها؟
قال: مساقط الحمى حمى ضرية ما إن لعمر الله أريد بها بدلاً ولا أبتغي عنها حولاً حفتها الفلوات فلا يملولح ماؤها وتحمى تربتها ليس فيها أذى ولا قذى ولا وعك ولا لوم ونحن بارفه عيش وأوسع معيشة وأسبغ نعمة. قلت: ما طعامكم؟ قال: بخ بخ الهبيد والضباب واليرابيع مع القنافذ والحيات وريثما الله أكلنا القد واشتوينا الجلد فلا نعلم أحداً أخصب منا عيشاً، فالحمد لله على ما رزق من السعة وبسط من حسن الدعة.
стр. 106
وقيل لإعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً فيرفض عرقاً كأنه الجمان ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى.
وقال بعض الحكما: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك. وقيل لإعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان، وقيل: فما الذل؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان. وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة والذلة قلة، وقال الآخر: لا تنهض عن وطنك ووكرك فتنقصك الغربة وتصمتك الوحدة. وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ولا أب يحدب عليه. وكان يقال:
الغريب عن وطنه ومحل رضاعه الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشر عن موضعه الذي هو لكل رام رمية، وأحسن من ذلك وأصدق قول الله :
«ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء» . وقال تعالى: «ولو أنما كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فقرن جل ذكره للجلاء عن الوطن بالقتل، وقال تقدست أسماؤه: «وما لنا ألّا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» ، فجعل القتال بازاء الجلاء، قال ﷺ :
«الخروج عن الوطن عقوبة» ومما قيل في ذلك من الشعر:
إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبة للهماهم
حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي ... وحلت بها عني عقود التمائم
والطف قوم بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حق التقادم
وقال آخر:
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر
وما نظري من نحو نجد بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر
ففي كل يوم قطرة ثم عبرة ... لعيشك يجري ماؤها يتحدّر
стр. 107
متى يسترح قلب فإما محاذر ... حزين وإما نازح يتذكر
وقال آخر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل «١»
وقال ابن أبي السرح: قرأت على حائط بيتي شعر، وهما:
إن الغريب ولو يكون ببلدة ... يجبى إليه خراجها لغريب
وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... إن يستذل وإن يقال كذوب
وقال: وقرأت على حائط بعسكر مكرم:
إن الغريب إذا ينادي موجعاً ... عند الشدائد كان غير مجاب
فإذا نظرت إلى الغريب فكن له ... مترحماً لتباعد الأحباب
وقال: وقرأت على حائط ببغداد:
غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله أين الطريق
تعلق بالسؤال لكل شيء ... كما يتعلق الرجل الغريق
فلا تجزع فكل فتى سيأتي ... على حالاته سعة وضيق
وقال: ووجدت على حائط باب مكتوباً:
عليك سلام الله يا خير منزل ... رحلنا وخلفناك غير ذميم
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فما أحد من ريبها بسليم
стр. 108
وقال آخر:
وإن اغتراب المرء من غير حاجة ... ولا فاقة يسمو لها لعجيب
فحسب امريء ذلاً ولو أدرك الغنى ... ونال ثراءً، أن يقال غريب
وقال آخر:
إن الغريب وإن يكن في غبطة ... لمعذب وفؤاده محزون
ومتى يكون مع التغرب عاشقاً ... ومفارقاً يا رب كيف يكون
وقال آخر:
إن الغريب ذليل أينما سلكا ... لو أنه ملك كل الورى ملكا
إذا تغنى حمام الأيك في غصن ... حن الغريب إلى أوطانه فبكى
وقال آخر:
سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد رد مثلك من غريب
وسل الحزن منك بحسن ظن ... ولا تيأس من الفرج القريب
وقال آخر:
تصبر ولا تعجل وقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب
فقلت وفي قلبي جوى لفراقها: ... ألا لا تصبرني فلست أجيب
وقال آخر:
أعاذل حبي للغريب سجية ... وكل غريب للغريب حبيب
لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيتهم إني إذاً لكذوب
بلى غبرات الشوق اضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتي غروب
وقال آخر:
إذا اغترت الكريم رأى أموراً ... مجللة يشيب لها الوليد
стр. 109
وقال آخر:
ما كنت أحسب أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا
بخل الزمان علي أن ... نبقى كما كنا جميعا
فأحلني في بلدة ... وأحلك البلد الشسيعا
قد كنت أنتظر الوصال ... فصرت أنتظر الرجوعا
وقال آخر:
نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بنجد على نجد تذكرني نجدا
أتاني نسيم السدر طيباً إلى الحمى ... فذكرني نجداً فقطعني وجدا
وفي معناه (الدعاء للمسافر) بأيمن طالع وأسر طائر، ولا كبابك مركب ولا أشت بك مذهب ولا تعذر عليك مطلب، سهل الله لك السير، وأنا لك القصد، وطوى لك البعد بمسرة الظفر وكرامة المدخر. على الطائر الميمون والكوكب السعد إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك بسهولة المطلب ونجاح المنقلب. كان الله لك في سفرك خفيراً وفي حضرك ظهيراً بسعي نجيح وأوب سريح. بصرك الله محلك وهدك رحلك وسر بأوبتك أهلك، ولا زلت آمناً مقيماً وظاعناً بأسعد جد وانجح مطلب واسر منقلب وأكرم بدأة وأحمد عاقبة. أشخص مصحوباً بالسلامة والكلاءة، آئباً بالنجح والغبطة، محوطاً فيما تطالعه بالعناية والشفقة، في ودائع الله وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذمامه. وقال رجل للنبي ﷺ : إني أريد سفراً، فقال: «في كنف الله وستره زودك الله التقوى ووجهك إلى الخير حيثما كنت استخلف الله فيك واستخلفه منك» . وقا الشاعر:
في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره
وقال آخر:
ارحل أبا بشر بأيمن طائر ... وعلى السعادة والسلامة فانزل
стр. 110
وضده، قال بعض حكماء الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً، وقال آخر: لا يألف الوطن إلّا ضيق العطن. وقيل: لا توحشنك الغربة إذا آنستك النعمة. وقيل: الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول. وقال: لا تستوحش من الغربة إذا أنست مصورما. وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك. وأنشد:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران
وقال آخر:
نبت بك الدار فسر آمنا ... فللفتى حيث انتهى دار
وفي معناه (الدعاء إلى المسافر) بالبارح الأشأم والسائح الأعضب والصرد الأنكد والسفر الأبعد. لا استمرت به مطيته ولا استتبت به أنيته ولا تراخت منيته. بنحس مستمر وعيش مر. لا قرى إذا استضاف ولا أمن إذا خاف. ويقال إن علياً ﵇ لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثاً ولا سار إلا ريثاً ولا رافق إلا ليثاً أبعده الله وأسحقه وأوقد على أثره وأحرقه لا حط الله رحله ولا كشف محله ولا بشر به أهله، لا زكى له مطلب ولا رحب له مذهب ولا يسر له مراما، فلا فرج الله غمه ولا سرى همه، لا سقاه الله ماء ولا حل عقده ولا أروى زنده، جعله الله سفر الفراق وعصى الشقاق وأنشد:
بأنكد طائر وبشر فال ... لأبعد غاية وأخس حال
بحد السد حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال
غريباً تمتطي قدميك دهرا ... على خوف تحن إلى العيال
وقال آخر:
إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درّت السحاب
следующие страницы →