← Адаб

Адаб · id 10512

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

الأماسي

Полный текст (440 стр.). Показаны 421–440 · переход к 426.

стр. 421

وقيل: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «١» وقّع جعفر البرمكيّ على ظهر رقعة فيها قصيدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا. سئل عليّ ﵁ عن اللسان فقال: معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل. قال عبد الملك لرجل: حدّثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح فإنّ الحديث يفتح بعضه بعضا. عن النبيّ ﷺ : «الشعر جدل «٢» من كلام العرب يشفى به الغيظ ويتوصّل به إلى المجالس وتقضى به الحاجة» . ضجر شعبة من إملاء الحديث فرأى أبا زيد الأنصاريّ فأنشد: استعجمت «٣» دارميّ لا تكلّمنا ... والدار لو كلّمتنا ذات أخبار ثم قال: إليّ أبا زيد، فجاءه فتناشدا، فقال بعض أصحابه: نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك الحديث وأنت تقبل على الأشعار! فغضب شديدا وقال: أنا أعلم بالأصلح لي. قيل لجميل: لو قرأت القرآن كان أنفع لك من الشعر، فقال: حدّثنا أنس عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ من الشعر لحكمة» . الخليل: الشعراء أمراء الكلام يصرّفونه أنّى شاؤوا، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل الفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والترصيف بين صلاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن تعقّله، والأذهان عن فهمه، يبعّدون القريب ويقرّبون البعيد، يحتجّ لهم

стр. 422

ولا يحتجّ عليهم. مدح الفرزدق هشاما فأجازه بأربعة آلاف، فقيل له: إنك لا تمدح المهلّب، فقال: أما علمتم أن الّلها تفتح الّلها «١» . قيل لنصيب: هرم شعرك؟ فقال: ما هرم شعري ولكن هرم الجود والكرم، لقد مدحت الحكم بن المطّلب بقصيدة فأعطاني أربعمائة شاة وأربعة آلاف دينار ومائة ناقة. بعض الشعراء: لئن أدركت في نظمي فتورا ... ووهنا في بياني والمعاني فلا تنسب بنقصي إنّ رقصي ... على مقدار تنشيط الزمان يقال: الجود حارس العرض عن الذمّ. سيف الدولة الحمداني «٢» : إعطاء الشعراء من فروض الأمراء. يقال: لكلّ شيء لسان ولسان الزمان الشعر. عمر ﵁: تعلّموا محاسن الشعر فإنه يدلّ على محاسن الأخلاق. لولا جرير والفرزدق لم يكن ... ذكر جميل من بني مروان الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك. يعني امرأ القيس وأبا فراس. عن الفرزدق أنّ سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مفرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) «٣» . حجر بن عمرو الكنديّ: قال لابنه امرىء القيس: يا بنيّ إنّ أحسن الشعر أكذب ولا يحسن الكذب بالملوك. بعض الفضلاء:

стр. 423

لا تحسبنّ الشعر فضلا بارعا ... ما الشعر إلا محنة وخبال «١» فالهجو قذف والرثاء نياحة ... والذمّ عيب والمديح سؤال وقيل: إنّ بعضا من القريض هراء ... ليس شيئا وبعضه أحكام ذهب جماعة من الشعراء إلى خليفة فتبعهم طفيليّ، فلمّا دخلوا على الخليفة دخل، فقرؤوا قصائدهم واحدا بعد واحد وأخذوا العطاء، فبقي الطفيليّ متحيّرا فقيل له: اقرأ شعرك، فقال: لست بشاعر وإنما أنا رجل ضالّ، كما قال الله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) «٢» . فضحك الخليفة وأمر له بإنعام. ابن العلّاف: أتانا خادم ليلا في دار المعتضد، فقال: يقول أمير المؤمنين: أرقت بعدكم الليلة، فقلت: ولمّا انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد ومن أتمّه بما يوافق غرضي فله جائزة، والشعراء حاضرون فابتدرت وقلت: فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود فذهب الخادم ثم عاد بجائزة واستحسان. منع بعضهم من الدخول على بعض الأمراء فكتب: داعيك على الباب نهاه البوّاب ... بالردّ عن الدخول فاغتمّ وخاب هل يرجع كالنكبة عن حضرتكم ... أم يدخل كالدولة من غير حجاب الشعبيّ: كنت أحدّث عبد الملك وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها

стр. 424

أصلحك الله فإن الحديث من ورائك، فيقول: والله لحديثك أحبّ إليّ منها. يقال: القول بحسب همّة القائل يقع، والسيف بحسب عضد الضارب يقطع. قيل: الكلام إذا صدر من القلب وقع في القلب. العلامة: ربّ صدقة من بين فكّيك خير من صدقة من بين كفّيك. يقال: البلاغة ما رضيته الخاصّة وفهمته العامّة. سئل بعض الحكماء: ما الذي جعل الفصيح ألكن؟ قال: الحاجة. قيل لعمر ﵁: الصمت مفتاح السلامة، فقال: نعم ولكنّه قفل الفهم. ابن عيينة: الصمت منام العلم والنطق يقظته، ولا منام إلا بيقظة ولا يقظة إلا بمنام. ابن المبارك: وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله يقال: القول لا تملكه إذا نمي «١» كالسهم لا يملكه الذي رمي. قال لأبي دلف بعض من ادّعى الغريب من اللغة: كنت في دار الضرب فرأيت عين الأمير «٢» أخرجت من النار وهي تحت المطارق، فقال بعد الخجل: أعمى الله حدقتك. فضحكوا وانصرف بالخزي. دخل رجل على عبد الله بن طاهر فقال: ما رأيناك منذ أيام، فقال: جئت إلى حضرة الأمير أعزّه الله فرأيت في حاجبه عبوسا فانصرفت مخافة من سخطه، قال: هذا خلق لم ير مني قطّ. لعلّه أراد فلانا الحاجب، فقال: المراد هذا، فضحك وقال مستهزئا: إنّ من الشعر لحكمة، ثم سقطت منزلته عنده. قال رجل يدّعي التعمق في الفصاحة لبعض الملوك وفي يده برص: يا مولاي عندي منك يد بيضاء لا أستطيع القيام

стр. 425

بشكرها، فقال بعد الخجل: قم واخرج فإنه شكر، الشتم أحسن منه. أنشد ذو الرمّة هشام بن عبد الملك: وما لعينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب «١» قال: بل عينك. العلامة: ما رأيت على امرأة أحسن من شحم ولا على رجل أحسن من فصاحة. مرّ الأصمعيّ بحيّ من أحياء العرب فوجد صبيّا يلعب مع الصبيان في الصحراء ويتكلّم بالفصاحة، فقال الأصمعيّ: أين أباك يا صبيّ؟ فنظر إليه الصبيّ ولم يجب، ثم قال: أين أبيك؟ فنظر إليه ولم يجب كالأوّل، ثم قال: أين أبوك؟ فقال: فاء «٢» إلى الفيفاء لطلب الفيء، فإذا أفاء الفيء فاء «٣» . سقط عيسى بن عمر عن حمار فاجتمع الناس عليه فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة، افرنقعوا عني، فقيل: إن جنّيه يتكلّم بالهنديّة. الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام عليّ حتى مضى، لا والله ما رأيت أبلغ من عائشة ﵂. وقال معاوية: ما رأيت أبلغ من عائشة ﵂، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته. ******

стр. 426

الروضة التاسعة والأربعون في القرابات والأنساب وذكر حقوق الآباء والأمّهات وحبّ الأولاد وصلة الأرحام والشفقة والنصيحة والزّجر عن القبيح عليّ ﵁ رفعه: «إيّاكم وعقوق الوالدين فإنّ ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارّ إزاره خيلاء» . فيلسوف: من عقّ أباه عقّه ولده. قيل لعليّ بن الحسين: إنك من أبرّ الناس ولا تأكل مع أمّك في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها. سأل الزمخشريّ بعض العلماء عن سبب قطع رجله فقال: أمسكت عصفورا في صباي وربطته بخيط في رجله وأفلت من يدي ودخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله، فتألّمت والدتي وقالت: قطع الله رجل الأبعد «١» كما قطعت رجله، فلمّا رحلت إلى بخارى لطلب العلم سقطت عن الدابة فانكسرت رجلي. وقيل: أصابه البرد في الطريق فسقطت رجله، وكان يمشي بخشب. في وصيّة سليمان ﵇: يا بنيّ احفظ وصيّة أبيك ولا تنس وصية والدتك ليطول عمرك. النبيّ ﷺ : «حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده» . وقع بين الحسين وأخيه الحسن ﵄ كلام، فقيل له:

стр. 427

ادخل على أخيك فإنه أكبر منك، فقال: سمعت جدّي ﷺ يقول: «أيما اثنين جرى بينهما كلام وطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة» وأنا أكره أن أسبقه. فسمع الحسن الخبر فأتاه عاجلا. عثمان ﵁: كان عمر ﵁ يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله تعالى وأنا أعطي قرابتي لوجه الله، ولن ترى مثل عمر ﵁. لما أنشدت قتيلة: والنّضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق «١» لو كنت قابل فدية لفديته ... بأعزّ ما عندي إليه وينفق رقّ رسول الله ﷺ عليها وبكى وقال: «لو جئتني من قبل لعفوت» ثم قال: «لا تقتل قريش صبرا «٢» بعد هذا» . أبو سعيد الخدريّ ﵁: «قلت يا رسول الله أيولد لأهل الجنّة؟ قال: والذي نفسي بيده إنّ الرجل ليتمنّى أن يكون له ولد، فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة» . عن النبيّ ﷺ : «الولد ريحان من الجنّة» . فضيل: ريح الولد من الجنّة. دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب. عمر ﵁: تكثّروا من العيال فإنكم لا تدرون ممن ترزقون. نعم الإله على العباد كثيرة ... وأجلّهنّ نجابة الأولاد غيره:

стр. 428

في المهد ينطق عن سعادة جدّه ... أثر النجابة ساطع البرهان قالوا: صاحب العيال أعظم أجرا. الأوزاعيّ: الفارّ من عياله كالآبق «١» لا يقبل منه صوم ولا صلاة حتى يرجع إليهم. قيل: العداوة في الأقارب كالسمّ في العقارب. قيل لبعض حكماء العرب: ما تقول في ابن العمّ؟ قال: عدوّك وابن عدوّك. يقال: من سرّته بنوه ساءته نفسه. بعض السلف: الأقارب عقارب أمسّهم بك رحما أشدّهم لك ضررا. العلّامة: أقارب كالعقارب في أذاها ... فلا تولع بعمّ أو بخال فكم عمّ يجيء الغمّ منه ... وكم خال عن الخيرات خال عاتب أعرابيّ ابنه وذكر حقّه فقال: يا أبت إن عظيم حقّك عليّ لا يبطل صغير حقّي عليك. قال رجل لعمر ﵁: خدمك بنوك؟ فقال: بل أغناني الله عنهم. قيل لأعرابيّ: ما تقول في ابنك؟ - وكان عاقا- فقال: بلاء لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب عليها الشكر. قيل لعيسى ﵇: لم تكره الولد؟ فقال: إن عاش كدّني وإن مات هدّني. يقال: قلّة المال وكثرة العيال نعوذ بالله من ذلك الحال. محمد فورك: شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال، فما ظنّك بقصّة شهوة الحرام؟. قيل: إنّ مثل الرجل بأهله وعياله مثل الدّخنة «٢» الطيبة تحترق ويلذّ بطيب رائحتها آخرون. بعض الأكابر: الولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف والجار السوء يفشي

стр. 429

السرّ ويهتك الستر. نظر أعرابيّ إلى ابن له قبيح فقال: يا بنيّ لست من زينة الحياة الدنيا. قيل لرجل: أيّ ولدك أحبّ إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يقدم. قال الرشيد لموسى بن جعفر: إني قاتلك، قال: لا تفعل فإني سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد يكون واصلا لرحمه، وقد بقي من أجله ثلاث سنين، فيمدّها الله له فيجعلها ثلاثين سنة، ويكون العبد قاطعا لرحمه وقد بقي من أجله ثلاثون سنة، فيقصّرها الله له فيجعلها ثلاث سنين» . عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته. مطرّف: وجدنا أنصح العباد لله الملائكة، وأغش العباد الشياطين. يقال: من كتم السلطان نصحه، والأطباء مرضه، والإخوان بثّه، فقد خان نفسه. سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فهي تبكيت. محمد بن تمّام: الموعظة جند من جنود الله ومثله «١» مثل الطين يضرب به على الحائط فإن استمسك نفع وإن وقع أثّر. كتب رجل إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك، واستحي من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك، والسلام. يقال: من كان له من نفسه واعظ، كان له من الله حافظ. قيل: من اصفرّ وجهه من النصيحة اسودّ لونه من الفضيحة. عبد العزيز ابن أبي روّاد: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر ونهاه في ستر، فيؤجر في نهيه ويؤجر في ستره. وعظ مجوسيّ أبا مسلم فقال: قل ما يقبل، وخذ ما يسهل، وافعل ما يجمل. عليّ ﵁: إياك وما يسبق إلى

стр. 430

القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرا تطيق أن تسمعه عذرا. قيل: لن ترجع الأنفس عن غيّها ... حتى ترى منها لها واعظا وقيل: وقد تنطق الأشياء وهي صوامت ... وما كل نطق المخبرين كلام وقيل: لعمرك ما للمرء كالربّ حافظ ... ولا مثل لبّ المرء للمرء واعظ لقمان: يا بنيّ ارحم الفقراء لقلّة صبرهم، وارحم الأغنياء لقلّة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم. دخل عامل على عمر ﵁: فوجده مستلقيا وصبيانه يلعبون على بطنه. فأنكر ذلك، فقال عمر ﵁: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلت سكت الناطق، فقال: اعتزل فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمّة محمد ﷺ .

стр. 431

الروضة الخمسون في الموت والوصيّة والمصيبة وما يتصل بذلك من ذكر القبر والنّعش والتّعزية ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات لأحدكم الميت فحسّنوا كفنه وعجّلوا إنجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنّبوه جار السوء. قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ فقال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، فقال: كذلك ينفع في الآخرة» . قال ابن المبارك: أحبّ إلينا أن يكفّن الرجل في ثيابه التي كان يصلّي فيها. عن أبي الدرداء ﵁: ما من مؤمن إلا والموت خير له، ومن لم يصدّقني فإن الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ «١» وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ «٢» . ولما أحسّ الموت ابن أدهم قال: أو تروا لي قوسي، فقبض على قوسه، فقبض الله روحه والقوس في قبضته. ميمون بن مهران: بات عند عمر ابن عبد العزيز فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال: صنع الله على يديك خيرا كثيرا فأحييت سنّة وأمتّ بدعة، ففي حياتك خير وراحة للمسلمين، فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «٣» . يعني يوسف ﵇. قيل: ما تمنّى الموت نبيّ قبله ولا بعده.

стр. 432

قال عليّ ﵁ حين طاف بين الصّفّين «١» بقميص رقيق، فقال ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين يا بنيّ أبوك لا يبالي على الموت سقط أم عليه سقط الموت. قال عمار بصفّين «٢» : الآن ألاقي الأحبة محمدا وحزبه. قال حذيفة حين احتضر: جاء حبيب على فاقة، لا أفلح من ندم على الموت، وكل من العشرة كان يحبّ الموت. سرّ بشر بن منصور حين احتضره الموت فسئل عنه فقال: سبحان الله أخرج من بين الظالمين والحاسدين والباغين والمغتابين وأقدم على أرحم الراحمين. لما توجّه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري إلى سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة، فقال: اللهمّ ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. فمات في ذلك الشهر. قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنّكم عمّرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة، فأنتم كارهون الانتقال من العمران إلى الخراب. بكى الخولاني عند موته فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لطول السفر وقلّة الزاد، وقد سلكت عقبة لا أدري إلى أين تهبط بي وإلى أيّ المكانين أسقط. إبراهيم النخعيّ: لما احتضر جزع جزعا شديدا فسئل عن السبب فقال: أنا أتوقّع رسولا من ربي إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، والله لوددت أن تتلملم روحي في حلقي إلى يوم القيامة. ابن المعتزّ: الموت باب الآخرة. عائشة ﵂: «لما مات عثمان بن مظعون كشف النبيّ ﷺ الثوب عن وجهه فقبّل بين عينيه وبكى طويلا، فلمّا رفع السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها، ولمّا دفن قال النبيّ ﷺ : نعم السلف هو لنا» . وقيل لأعرابيّ: ما

стр. 433

سبب موت أبيك؟ قال: كونه أنشده أبو القاسم: نمضي كما مضت القبائل قبلنا ... لسنا بأوّل من دعاه الداعي حكيم في الإسكندر: أمات هذا كثيرا من الناس لئلّا يموت فمات. قيل: آه من غربة بغير إياب ... آه من حسرة على الأحباب لما احتضر إبراهيم ﵇ قال: هل رأيت خليلا يقبض روح خليله، فأوحي إليه: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ فقال: اقبض روحي الساعة. أمّ سلمة: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمّن على ما تقولون» . قال عبد الله بن مرزوق لسلامة: يا سلامة لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: أن تحملني وتطرحني على المزبلة لأموت عليها فلعلّه يرى مكاني فيرحمني. قال عمرو بن العاص عند احتضاره لابنه عبد الله: يا بنيّ من يأخذ المال بما فيه من التبعات؟ قال: من جدع الله أنفه، ثم قال: احملوه إلى بيت مال المسلمين، ثم دعا بالغلّ والقيد فلبسهما ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن التوبة مبسوطة ما لم يغرغر «١» ابن آدم بنفسه» ، ثم استقبل القبلة فقال: اللهمّ أمرتنا فعصينا ونهيتنا فارتكبنا، هذا مقام العائذ بك فإن تعف فأهل العفو أنت، وإن تعاقب فبما قدّمت يداي، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٢» . فمات وهو مغلول مقيّد، فبلغ الحسن بن عليّ ﵄ فقال: استسلم الشيخ حين أيقن بالموت، ولعلّه ينفعه.

стр. 434

المزنيّ: دخلت على الشافعي في مرض موته، فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنّيها أم إلى النار فأعزّيها. ثم أنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما لما بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ ﵄ سجد وسجد من حوله، فدخل عليه ابن عباس ﵄ فقال له: يابن عباس أمات أبو محمد؟ قال: نعم ﵀، وبلغني سجودك، والله يابن آكلة الأكباد «١» لا يسدّ حسدك إياه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. قيل: مضيت والحاسد المغبون يتبعني ... إنّ المنية كأس كلّنا حاسي «٢» لو كان للناس ضيق في مزاحمتي ... فالموت قد وسّع الدنيا على الناس أبو الطيب: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد مطرّف: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيما لا موت فيه. في الحديث المرفوع: «لو أن الطير والبهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا» . وقيل:

стр. 435

كم ذا أنبّه منك طرفا ناعسا ... يبدي سباتا كلّما نبّهته فكأنك الطفل الصغير بمهده ... يزداد نوما كلّما حرّكته من بصّرك فقد نصرك، ومن وعظك فقد أيقظك، ومن أوضح لك فبيّن فقد نصح لك وزيّن، ومن أعذر «١» وبصّر فما غدر ولا قصّر. ويقال: من أنذر فقد أعذر. كتب إمام الحرمين إلى نظام الملك: هب أنك ملكت نواصي الأمم وقواصي الهمم، انزع من صماخيك صمام الصمم حتى أنشد لك بيتا من الحكم: إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تمّ أبو تمام: ثم انقضت تلك السّنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام يقال: إذا آل الأمر إلى الكمال عاد إلى الزوال. ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس ﵄ بالطائف فلمّا وضع على المصلّى ليصلّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه ثم دخل فيها فالتمس فلم يوجد، فلما سوّي عليه سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي «٢» . في الحديث المرفوع: «لا يتمنّ أحدكم الموت إلّا من وثق بعلمه» . سمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره، فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره. ثوبان «٣» رفعه: «من اتّبع الجنازة فأخذ بجوانب السرير الأربعة غفر له أربعون ذنبا كلّها كبيرة» . يقال:

стр. 436

قد يحمل الشيخ الكبي ... ر جنازة الطفل الصغير في الحديث المرفوع: «كسر عظم المؤمن في مماته ككسره في حياته» . الثوريّ: ينبغي لمن كان له عقل إذا أتى عليه عمر النبيّ ﷺ أن يهيّىء كفنه. عثمان ﵁ رفعه: «أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدلخه الله الجنة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ولم نسأله عن الواحد» . ثوبان: «خرج رسول الله ﷺ في جنازة فرأى ناسا ركوبا فقال: ألا تستحيون، إنّ ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدوابّ» مطر بن عكامس رفعه: «إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» . وأنشد: إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير يقال: كم أمنيّة جلبت منيّة. وقيل: الإنسان ينسى حمامه، ويريد أن يفجر أمامه. وقيل: ومتعب النفس مرتاح إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد صاحب الهداية: أنشدنا أبو البركات بنيسابور: إنّا على الدنيا ولذّتها ... ندور والموت علينا يدور كرّ بنو الأرض وسكّانها ... منها خلقنا وإليها نحور «١» أبو العتاهية: وليس من منزل يأتيه مرتحل ... إلا وللموت سيف فيه مسلول وله رحمه الله تعالى: أآمل أن أخلّد والمنايا ... تبين عليّ من كل النواحي وما أدري إذا أمسيت حيّا ... لعلّي لا أعيش إلى الصباح

стр. 437

وله رحمه الله تعالى: الناس في غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن وله رحمه الله تعالى: لا تأمن الموت في لحظ وفي نفس ... وإن تترّست بالحجّاب والحرس واعلم بأنّ سهام الموت نافذة ... لكلّ مدّرع منا ومتّرس ابن عباس ﵄: توشك المنايا تسبق الوصايا. أعرابيّ: ما من الموت مناص ولا عنه خلاص. جابر رفعه: «الذي يوصي عند الموت كالذي يقسم ماله عند الشبع» . معاوية بن قرّة عن أبيه رفعه: «من حضرته الوفاة فأوصى وكانت وصيته على كتاب الله تعالى كانت كفّارة لما ترك من زكاته في حياته» . ابن عباس ﵄: الضّرار في الوصية من الكبائر. يقال: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك. نصر بن سيّار: كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلّا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر. أبو مروان: كلّ مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها فهي المصيبة العظمى. عزّي سليمان بن أبي جعفر في ابن له فقيل: كان لك من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات الصالحات. عن النبيّ ﷺ : «دفن البنات من المكرمات» «١» . عزّى سلمان الفارسيّ ﵁ رسول الله ﷺ عن ابنة له فقال: يا رسول الله القبر صهر لها منك وثواب الله خير لك منها، أعظم الله لك الأجر فنعم الصهر القبر. فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «هذه التعزية التي عزّى بها جبريل ﵇» . عن النبيّ ﷺ : «أوّل تحفة المؤمن إذا مات أن يغفر الله لكلّ من شيّع جنازته» . ويقال: نعم الختن القبر. قيل: دفن الحرم

стр. 438

من أعظم النّعم. الفرزدق: وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنّعا يقال: الناس بين فرح لمولود وترح لمفقود. قيل لمجوسيّ: ما معنى قولنا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «١» ؟ فقال: لا أعرف ولكن أعرف أنه لا يقال في دعوة ولا في مجلس ولا في عرس. حضر المنصور جنازة بنت عمّه وجلس وهو متألّم، فأقبل أبو دلامة وجلس عنده، فقال له المنصور: ويحك ما أعددت لهذا المكان؟ - وأشار إلى القبر- فقال: ابنة عمّ أمير المؤمنين. فضحك حتى استلقى على قفاه. عليّ ﵁: من ضرب يده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره. مات لمسلم بن يسار ابن فقال: يا بنيّ شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. محمد بن الحسن الشيبانيّ صاحب أبي حنيفة: استسلم لأمر الله فيما ذهب واشكره على ما وهب. أرسطو: الاشتغال بما فات تضييع للأوقات. يحيى بن خالد: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة. في وصيّته ﷺ لأبي ذر: «زر القبور تذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل، وصلّ على الجنازة لعلّ ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظلّ الله تعالى» . محمد بن سعد المدنيّ: «مرّ رسول الله ﷺ بمقبرة فنادى: يا أهل القبور ألا أخبركم بما حدث بعدكم؟ تزوّجت نساؤكم وبيعت مساكنكم وقسّمت أموالكم، فهل أنتم مخبرون بما عاينتم؟ ثم قال: ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى» . أنس ﵁: «شكا رجل إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: اطلع على القبور واعتبر بالنشور» . كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكي عند ذكر الجنة والنار، فقيل له فقال: سمعت رسول الله

стр. 439

صلّى الله عليه وسلّم يقول: «القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج فما بعده شرّ منه» . وروي عن أنس ﵁: لو أن بني آدم علموا كيف عذاب القبر ما نفعهم العيش في الدنيا، فنعوذ بالله من عذاب القبر. معاوية ﵁: عند الموت قال: هو الموت لا ينجو من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع وقيل: فلو كنّا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كلّ حيّ ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كلّ شيّ حاتم الأصمّ: ما من صباح ومساء إلا ويقول الشيطان لي: ما تأكل وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر. ونحمد الله تعالى على ما يسّر لنا من الإتمام. ونشكره على ما أسبغ علينا من الإفضال والإنعام، ونصلّي على أكرم الأنام وأفضل الكرام، سيد الأولين والآخرين محمد الشافع المشفّع في يوم القيام، وعلى آله البررة الفخام، وصحبه المهرة العظام، ما دارت الشهور والأعوام، وتعاقبت الليالي والأيام، ونسأل الله الكريم الغفار، أن يجيرنا من عذاب القبر وعذاب النار، وأن يحشرنا في زمرة الأبرار، بحرمة رسوله المختار. محمد صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. والحمد لله ربّ العالمين. لمحرره المعترف بالذنوب محمد بن قاسم بن يعقوب: تفضّل علينا يا كثير المواهب ... بلطف وإحسان لك الحمد والثنا وما مقصدي إلا رضاء ورحمة ... وما الغير سؤلي منك يا غاية المنى

стр. 440

وله أيضا: يا عالما بجميع الحال في الطلب ... نرجو النجاة من الأحزان والكرب أعط الخلاص من الأوزار قاطبة ... وارحم عبيدك خلّصنا من التعب اللهم أجب دعاءنا ولا تخيّب رجاءنا.. قد تمّ هذا الروض في فصل الربيع ... راع الزمان بريعه في فصله لمّا سألت العقل عن إتمامه ... قد قال في التاريخ جاء بفضله