Полный текст (440 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
مماليكه فقال: اشتروا لي غلاما له اسم مشهور فلا أنساه، فاشتروا له غلاما وقالوا: اسمه واقد، فقال: هذا اسم لا أنساه اجلس يا فرقد. قالت العرب:
عقرة العلم النسيان. وفي الحديث: «آفة العلم النسيان» .
стр. 387
الروضة الحادية والأربعون في التعجب
عن عليّ بن أبي ربيعة: شهدت عليا ﵁ قد أتي له بدابّة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال:
الحمد لله الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
«١» ، ثم قال: الحمد لله والله أكبر، ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
«٢» فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت: يا أمير المؤمنين من أيّ شيء تضحك؟ قال: «رأيت النبيّ ﷺ فعل ما فعلت أنا ثم ضحك، فقلت يا رسول الله من أيّ شيء تضحك؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال:
اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره» . وعنه ﷺ : «يعجب ربّكم من شابّ ليس له صبوة «٣» » . الخليل: أنشد في بعض البخلاء:
لا تعجبنّ لخبز زلّ عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
عليّ ﵁: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبت للمستكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غدا جيفة، وعجبت لمن شكّ في الله وهو يرى خلقه، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت
стр. 388
لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء. قيل:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
البيضاويّ: عن النّبي ﷺ : «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلّا بالله، لم يضرّه» . قيل لبحّار: ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر؟
فقال: سلامتي منه.
ركب نحويّ سفينة فقال للملّاح: أتعرف النحو؟ قال: لا، قال: ذهب نصف عمرك. فهاجت الريح واضطربت السفينة فقال له الملاح: أتعرف السباحة؟ قال لا، قال: ذهب كل عمرك. ركب أعرابيّ البحر فرأى في أمواجه الأهوال، ثم ركبه مرّة أخرى وهو ساكن فقال: لا يغرّني حلمك. قيل: كانت حيّة نائمة فوق حزمة شوك فحملها السيل فنظر إليها الثعلب فقال: مثل هذه السفينة لا يصلح لها إلا مثل هذا الملاح. قيل لبزرجمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ فقال: أقلّهم منها تعجّبا. قيل:
الدهر فيه لمن تعجّب عبرة وعجائب
يقال: النجيب ابن النجيب، هذا شيء عجيب.
وأرى النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب
قيل: الكرم التبرّع قبل السؤال. السّفاح: من شدّد نفّر ومن لان تألّف والتغافل من أخلاق الكرام. وقيل:
ليس الغبيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي
كتب أبو الفتح البستيّ وزير السلطان سبكتكين في وصية سبكتكين لابنه السلطان محمود: اجعل وزيرك من كان له فضل وأصل، فإن كان فاضلا غير أصيل فاجعل بالتدريج.
стр. 389
الروضة الثانية والأربعون في الظلم والبغي والأذى
جابر ﵁ رفعه: «من اقتطع شيئا من مال امرىء مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة، فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك» . ابن عمر ﵄ رفعه: «لردّ دانق من حرام يعدل عند الله سبعين حجة مبرورة» . عليّ ﵁: «يقول الله تعالى: اشتدّ غضبي على من ظلم من لا يجد ناصر غيري» . يقال: الظلم يجلب النّقم ويسلب النّعم. المتنبي:
الظلم من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
قيل: الظلم قاطع الحياة، ومانع النبات. كسرى: الظلم يخرب بيت المظلوم والظالم. وقيل: الظلم أوّله إعراض وآخره انقراض. يقال: إن الله يمهل ولا يهمل. قيل:
جيراننا جار الزمان عليهم ... إذ جار حكمهم على الجيران
غيره:
وما من يد إلّا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بظالم
غيره:
والظلم نار فلا تحقر صغيرتها ... فربّ جذوة نار أحرقت بلدا
غيره:
يا ذا الذي ركب الفساد وعنده ... أنّي أسود إذا ركبت فسادا
أضللت رأيك عامدا أو ساهيا ... من ذا الذي ركب الفساد فسادا
стр. 390
أبو ذرّ، رفعه: «يقول الله تعالى: إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا» . أوس بن شرحبيل، رفعه: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» . وعنه ﵊:
«من مشى خلف ظالم سبع خطوات فقد أجرم» ، وقال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
«١» أبصر أبو هريرة ﵁ رجلا يعظ رجلا فقال آخر: دعه فإن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده إنه ليضرّ غيره، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. قيل:
جار الزمان على أهل المروءات ... بكل أعجوبة من جوره آتي
وقيل:
إنّ الكرام قليلة الأعمار ... فهم كنبت الروض في الأنهار
أبو الطيب:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
غيره:
زمان رأينا فيه كلّ العجائب ... وأصبحت الأذناب فوق الذوائب
غيره:
ويلعب ريب الدهر بالحازم الجلد ... كما يلعب الصرّاف بالدرهم الصّلد
غيره:
وقل للأعور الدجّال هذا ... زمانك إن قصدت إلى الخروج
عليّ ﵁ رفعه: «إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم» . وعنه مرفوعا: «الويل لظالم أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من
стр. 391
النار» . النجاشيّ: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم. يقال: ثلاثة ترفع عنهم الرحمة عند ثلاثة: المبذّر لماله عند الفاقة، والنهم في الطعام عند الهيضة «١» ، والظالم عند العقوبة. يقال: الشرّ بالشرّ والبادي أظلم والثاني أسلم. يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه.
عليّ ﵁: إيّاك ودعوة المظلوم، فإنما سأل الله حقّه وإن الله لا يمنع من ذي حقّ حقّه. بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما كما أخشى الأخرى:
دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته. قيل: من غدر شانه غدره ومن مكر حاق به مكره. أبو العيناء: كانت لي خصماء ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي دواد قلت: قد تظاهروا عليّ فصاروا يدا واحدة فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«٢» فقلت: لهم مكر، فقال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٣» فقلت: هم كثيرون، فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
«٤» .
يقال: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، من طال عدوانه زال سلطانه، ومن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلكه وفناؤه. شرّ الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم. من ظلم عقّه أولاده، ومن بغى نصر أعداؤه، ومن ساء عزمه رجع إليه سهمه. من جار حكمه أهلكه ظلمه. من قبح ملكه حسن هلكه. أعظم الملوك من قبض نفسه وبسط عدله. أقبح الأشياء سخافة الولاة وظلم القضاة وغفلة السادات. بالراعي تصلح الرعية وبالعدل تملك البريّة.
من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه. الظلم مسلبة للنّعم والبغي مجلبة للنقم.
كان الرشيد قد حبس رجلا فقال الرجل للموكل عليه: قل لأمير
стр. 392
المؤمنين: كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي والأمر قريب والموعد الصراط والحاكم الله. فلمّا بلغ الرشيد خرّ مغشيّا عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه.
بعض مشايخنا: كان من ديدن السلطان بسمرقند الامتحان بنفسه مرّات لطلبة مدرسته المرتبين أعالي وأواسط وأداني، بعد تعيين جماعة كثيرة من العدول الأفاضل غير المدرّسين للامتحان حذرا من الحيف، وكان يعدّ الحيف في الرتبة بين المستعدّين من قبيل الكفر في الدين. مرّ عامر برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا ربّ إن حلمك على الظالمين قد أضرّ بالمظلومين فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين فإذا مناد ينادي: حلمي على الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى عليين. كان رجل ظالم مسمّى بالعلاء واليا على مازندران وقد خرج الناس يوما إلى الاستسقاء فلما فرغ الإمام من الصلاة صعد على المنبر ورفع يده للدعاء وقال: اللهمّ ادفع عنّا البلاء والوباء والغلاء، وفي المجلس أعرابيّ رأى ظلما منه فقام وقال: والعلاء والعلاء. قيل:
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرّعاء لها ذئاب «١»
وقيل:
أوتيت ملكا لترعانا فتأكلنا ... أكل الذئاب أذئب أنت أم راعي؟
لقي ملكشاه رجلا يبكي فسأله فقال: ابتعت بطيخا فأخذوه مني وكان في أول قدوم البطيخ، فقال لبعض غلمان: إن نفسي قد تاقت إلى البطيخ فطف في العسكر، فعاد ومعه بطيخ فأحضر من وجد عنده وكان أميرا فقال: من أين لك هذا؟ فقال: جاء به الغلمان، فقال: أحضرهم الساعة، فعرف الأمير القصة فغيّبهم وعاد قائلا: ما وجدتهم. فقال ملكشاه لصاحب البطيخ: هذا مملوكي قد
стр. 393
وهبته لك والله لئن خلّيته لأضربنّ عنقك، فأخذه الرجل وانصرف، فاشترى الأمير نفسه منه بثلاثمائة دينار، فعاد الرجل إلى الملك فقال: بعت مملوكي، فقال: أرضيت، قال نعم، قال فامض مع السلامة.
عن النّبيّ ﷺ : «أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشرّ عقوبة البغي» .
وعنه ﷺ : «آفة الشجاعة البغي» . قيل: ما اجتمع الملك والبغي على سرير إلا خلق. قيل: ما أعطى البغي أحدا شيئا إلا أخذ منه أضعافه. قيل: سمين البغي مهزول ووالي الغدر معزول وجيش العدوان مفلول وعرش الطغيان مثلول. فيروز ابن يزدجرد: من سلّ سيف البغي قتل به، ومن أوقد نار الفتنة كان وقودا لها.
عن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي. يقال: الباغي هدف التبار ومثل الاعتبار. عليّ ﵁: من خان سلطانه أبطل أمانه.
دخل بعض الخوارج على المأمون فقال له المأمون: ما حملك على الخلاف؟ قال: كتاب الله إذ يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«١» . قال: وما دليلك على تنزيله؟ قال: الإجماع. قال: فكما رضيت بالإجماع في التنزيل فارض به في التأويل. فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. قدم ابن أبي جهل المدينة فجعل يمرّ في الطريق فيقول الناس: هذا ابن أبي جهل، فذكر ذلك لأمّ سلمة فذكرته لرسول الله ﷺ ، فخطب الناس فقال: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» . فضيل ﵀: والله لا يحلّ لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حقّ فكيف أن تؤذي مسلما؟ أبو هريرة ﵁: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمّه» . وعنه ﵁ قلت: «يا رسول الله علّمني شيئا أنتفع، قال: أزل الأذى عن الطريق» .
стр. 394
الروضة الثالثة والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب
عن رسول الله ﷺ : «ما من بيت فيه اسم محمد إلّا وسّع الله عليهم الرزق، فإذا سميتموهم محمدا فلا تضربوهم ولا تشتموهم، ومن ولد له ثلاثة ذكور فلم يسمّ أحدهم أحمد أو محمدا فقد جفاني» . دعا بعض القرّاء بعض الخلفاء باسمه فغضب وقال: أين الكنية؟ قال: إن الله تعالى ذكر أحبّ عباده إليه باسمه وأبغضهم بكنيته، حيث قال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
«١» وقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
«٢» . كانت العرب إذا ولد لأحدهم أوّل مولود يكنّى به وكذا امرأته. عن النبيّ ﷺ : «ما بعث الله رسولا إلا كان حسن الوجه حسن الاسم حسن الصوت» . عليّ ﵁: ما اجتمع قوم في مشورة فلم يدخلوا فيها من اسمه محمد إلّا لم يبارك لهم فيها. ابن أبي ليلى: أحبّ الأسماء إلى الله تعالى ما فيه الإقرار بالعبودية. عليّ ﵁، رفعه: «إذا سمّيتم الولد محمدا فأكرموه ووسّعوا له في المجلس ولا تقبّحوا له وجها» .
أنس ﵁: عن النبيّ ﷺ : «من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم، إجلالا له ولاسمه عن أن يداس كان عند الله من الصديقين وخفّف عن والديه وإن كانا مشركين» . عن عائشة ﵂، قالت لخياط يخيط لها: أسمّيت حين ضربت بإبرتك؟ قال: لا، قالت: فافتق
стр. 395
ما خطت. عن النبي ﷺ : «لا يردّ دعاء أوّله بسم الله الرحمن الرحيم، فإنّ أمّتي يأتون يوم القيامة وهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان، فتقول الأمم: ما أرجح موازين أمّة محمد ﷺ ، فتقول الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم: إنّ ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى، لو وضعت في كفّة الميزان ووضعت سيّئات الخلق في كفّة أخرى لرجحت حسناتهم» . يقال: اسم الله الأعظم الحيّ القيوم، وقيل: ذو الجلال والإكرام، وعن الحسن: الله والرحمن. ولد معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ وعبد الله عند معاوية بالشام، فسأله معاوية أن يسميه باسمه ودفع إليه خمسمائة ألف درهم وقال: اشتر بها لسميّي ضيعة.
وينبغي للداخل على الملك أن يتلطّف في مراعاة الأدب، كما حكي أن سعيد ابن مرّة الكنديّ: دخل على معاوية فقال له: أنت سعيد، فقال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرّة. وقال المأمون للسيد بن أنس: أنت السيد، فقال: أنت السيد وأنا ابن أنس. كان قصيّ بن كلاب يقول: ولد لي أربعة، فسميت اثنين منهم بآلهتي، يعني عبد العزّى وعبد مناف، واثنين بنفسي وبداري، يعني عبد قصيّ وعبد الدار- وهي دار الندوة بناها قصيّ وكانت قريش لا تفصل أمرا ذا بال إلا فيها. دقّ رجل على عمر بن عبيد الباب، فقال: من هذا؟ فقال: أنا، قال: لست أعرف في إخواننا أحدا اسمه أنا. سأل رجل رجلا: ما اسمك؟
قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، فقال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق. دقّ رجل على بشار، فقال: من؟ قال: أنا، فقال: يا أنا ادخل. دقّ رجل الباب على الجاحظ، فقال: من؟ قال: أنا، قال: أنت والدقّ سواء. وقال بعضهم في
стр. 396
الجواب: ما أفلح ذو أنا. ذهب رجل إلى باب فدقّه، فقيل: من؟ قال: عبد من الأرض جميعا قبضته والسموات مطويّات بيمينه «١» . فقال رجل: إن نصف المصحف بالباب.
رأى الإسكندر سميّا له لا يزال ينهزم فقال: يا رجل إمّا أن تغيّر اسمك وإمّا أن تغيّر فعلك. مالك بن أنس: عن يحيى بن سعيد أنّ رسول الله ﷺ قال يوما:
«من يحلب هذه اللقحة «٢» ؟ فقام رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: مرّة، قال:
اجلس، فجلس، ثم قال النبيّ ﷺ : من.. الخ؟ فقام رجل، فقال: ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: احلب، فحلب» . عمر ﵁: قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال:
من أين؟ قال: من الحرقة، قال: أين تسكن؟ قال: في الحرّة، فقال عمر:
أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع فوجدهم قد احترقوا. أراد عمر ﵁ الاستعانة برجل فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك، ولم يستعن به. قيل لصبيّ من العرب: من أبوك؟ فقال:
وو وو، لأن اسم أبيه كان كلبا. قال رجل للفرزدق: من أنت؟ قال:
فرزدق، فقال: لا أعرفه إلا فتيتا «٣» تأكله نساؤنا، فقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
стр. 397
الروضة الرابعة والأربعون في السفر والغربة وما ناسب ذلك
عن النبيّ ﷺ : «عليكم بالدّلجة «١» فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار» . كعب بن مالك: قلّما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس. وفي الحديث: «نعوذ بالله من شرّ يوم الأحد، وإياكم والشخوص «٢» في يوم الأحد فإنّ له حدّا كحدّ السيف» . قيل: من لزم القرار سيم الصّغار «٣» . وقيل:
لقد هنت من طول المقام ومن يقم ... طويلا يهن من بعد ما كان مكرما
وطول مقام الماء في مستقرّه ... يغيّره لونا وريحا ومطعما
غيره:
بلاد الله واسعة الفضاء ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا
أبو الطيب:
هوّن عليك صروف الدهر والزمن ... وعش حميدا بلا همّ ولا حزن
والعزّ في غربة خير لذي أدب ... من المقام بدار الذلّ في الوطن
غيره:
كن للغريب إذا رأيت مساعدا ... فعساك يوما أن تكون غريبا
стр. 398
غيره:
سافر تجد عوضا ممن تفارقه ... وانصب فإنّ اكتساب المجد في النّصب
فالأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
بديع الزمان: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه ظهر نتنه، والضعيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه إذا انتهى محلّه.
عليّ ﵁: ست من المروءة: ثلاث في الحضر، وثلاث في السفر، فأمّا اللاتي في الحضر: فتلاوة كتاب الله تعالى، وعمارة مسجد الله، واتخاذ الإخوان في الله. وأمّا اللاتي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله تعالى. يقال: للمترافقين في السفر ثلاثة حقوق:
إن خاف على نفسه أو ماله صانه، وإن استعان في الأمور أعانه، وإن افتقر إلى زاد مانه «١» . وفي الحضر ثلاثة أخرى: مسامحته بصغائر ذنوبه، ومناصحته في ظاهر عيوبه، وتفخيمه في مشهده وغيوبه، فإن ترقّيا إلى المصادقة يجب عليه قبول الأعذار، والمكاشفة بالأسرار، والمعاونة بالبدن والمال على جلب المسارّ ودفع المضارّ، فإن حصّلا الأقوى وجب إباحة المال بلا استثمار، ومحو الذنوب بلا اعتذار، وحصول أنس لا يتخلّله نفار، وهذا مقام الخلّة. حكيم: السفر ميزان الأخلاق. قيل لرجل: السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر.
يقال: غمّ الدنيا أربعة: البنت وإن واحدة، والدّين وإن درهما، والغربة وإن يوما، والسؤال وإن حبّة. يقال: الغربة كربة والنّقلة مثلة. قيل:
стр. 399
كل العذاب قطعة من السفر ... يا ربّ فارددني إلى روح الحضر
قيل لابن الأعرابيّ: لم سمّي السفر سفرا؟ فقال: لأنه يسفر عن أخلاق القوم، أي يكشف.
عن ابن عباس ﵄: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة. وقيل:
الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب. سافر أعرابيّ خليع فرجع خائبا فقال: ما ربحنا من سفرنا إلّا ما قصّرنا من صلاتنا. بعض العرب: الغبطة الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان، والذلّة التنقّل في البلدان.
والتنحّي عن الأوطان. قيل لأعرابيّ: ما السرور؟ قال: أوبة بغير خيبة، وألفة بغير غيبة. قيل: الغريب كالفرس الذي زايل أرضه «١» وفقد شربه، وهو ذاو «٢» لا يسمن. عسرك في بلدك أعزّ من يسرك في غربتك. أعرابيّ: أردت السفر فقلت: إن سافرت في صفر أخاف أن تصفر يدي «٣» وإن سافرت في محرّم أخشى أن أحرم، فأخّرته إلى ربيع، وسافرت فمرضت، وكان ظني أنه من ربيع الرياض، فصحّ أنه من ربيع الأمراض. قيل:
لقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسّع في اغتراب
يقال: من سعادة جدّك وقوفك عند حدّك. عمر ﵁: لولا حبّ الوطن لخرب بلد السوء، فبحبّ الأوطان عمرت البلدان. قيل:
لا ينسينّ كريم أرض منشئه ... وليس عندي من ينسى بإنسان
стр. 400
وقيل:
وكيف تنسين أرضا قد جررت بها ... ذيل الصبا والعلا والعيشة الرغد
وقيل:
بلاد بها حلّ الشباب تميمتي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
يقال: ربّ غريب كالبدر الطالع، والكوكب اللامع، يهتدي بضيائهما السائر ويأنس برؤيتهما السامر. أراد أعرابيّ سفرا فقال لامرأته:
عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشهور فإنهنّ قصار
فأجابته:
واذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهنّ صغار
الشافعيّ ﵁:
تغرّب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذلّ ومحنة ... وقطع فياف واحتمال شدائد
فموت الفتى خير له من قعوده ... بدار هوان بين واش وحاسد
أسعد بن إسحاق:
تحوّلت عن تلك الديار وأهلها ... وآثرت قول الشاعر المتمثّل:
إذا كنت في دار يهينك أهلها ... ولم تك مسجونا بها فتحوّل
الزبيدي:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
стр. 401
والأرض شيء كلها واحد ... والناس إخوان وجيران
إبراهيم الصوليّ:
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... نزاع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت ... بها أهلا بأهل وجيرانا بجيران
стр. 402
الروضة الخامسة والأربعون في العبيد والجواري والخدم
كان زيد بن حارثة لخديجة ﵂، اشتري لها بسوق عكاظ، فوهبته لرسول الله ﷺ ، فجاء أبو يريد شراءه منه فقال رسول الله ﷺ : «إن رضي بذلك فعلت» فسئل زيد فقال: ذلّ الرّقّية مع صحبته أحبّ إليّ من عزّ الحرية مع مفارقته، فقال ﵊: «إذا اختارنا اخترناه» فأعتقعه وزوّجه أمّ أيمن وبعدها زينب بنت جحش. عليّ ﵁: «كان آخر كلام رسول الله ﷺ : الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» . ابن عمر ﵄: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله نعفو عن الخادم، فصمت، ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال: اعفوا عنه كلّ يوم سبعين مرّة» . كان الحسن بن زياد يكسو مماليكه كما يكسو نفسه اتباعا لقول رسول الله ﷺ : «ألبسوهم مما تلبسون» .
أراد رجل بيع جاريته فبكت فسألها فقالت: لو ملكت منك ما ملكت منّي ما أخرجتك من يدي، فأعتقها. قيل: شرّ الناس من يبيع الناس. يقال: ثلاثة لا يفلحون: بائع البشر، وقاطع الشجر، وذابح البقر. عن النبيّ ﷺ : «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع» . كان لعثمان بن عفّان عبد فاستشفع بعليّ ﵁ أن يكاتبه، فكاتبه، ثم عاد عثمان بالعبد فقال: إني عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه فقال عثمان: شدّ شدّ يا حبّذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة. أحمد بن سهل: عزّ الملوك بالمماليك. كان لمحمد بن
стр. 403
سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس خمسون ألف مولى، وهو وأخوه جعفر بن سليمان من ملوك بني هاشم وفرسانهم، وقد زوّجه المهديّ بنته العباسة ونقلها إلى البصرة. عليّ ﵁: اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنه أحرى من أن يتواكلوا في خدمتك. تغدّى سليمان عند يزيد بن المهلّب فقيل له: صف لنا أحسن ما رأيت في منزله، قال: رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول.
لقمان: لا تأمننّ امرأة على سرّ، ولا تطأ خادمة تريدها للخدمة. طلب معاوية ﵁ جواري فقال: كلّ رائعة من بعيد مليحة من قريب. قيل:
لا تبذل رقّك لمن لا يعرف حقّك. يقال: لزم العبد لسيّده التفويض إليه وترك الاعتراض عليه. يقال: سخط العبد لحكم سيده إنكار لحقّه وفرار من رقّه.
قيل: ما تحقق بالعبودية من لم يسرّه من مولاه ما يضرّه من سواه. يقال: ليس بحرّ من انقاد لشهواته ولا من خدم سوى ذاته. قيل: إذا كانت العبودية خدمة المعبود فأعبد العبيد ثلاثة: الملك والمحبّ والمنعم عليه. والملك أعبد الثلاثة. عمر بن الخطاب ﵁: من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين. فقال له الأحنف بن قيس لما رآه يهنأ بعيرا «١» : لو أمرت بهذا بعض العبيد، فقال: أيّ عبد أعبد مني؟. يقال: أمران يسلبان من الحرّ كمال الحريّة: قبول البرّ وإفشاء السرّ.
في المثل السائر: لا تفش سرّك إلى أمة ولا تبل على أكمة. يقال: المرأة مؤهلة لبيت تقمّه وطعام ترمّه «٢» ومغزل تديره وشبق تسكته وتثيره، فمن أشركها في أمره وأطلعها على سرّه فقد لحق بها. يقال: قلّما تنفع خدمة الجوارح إلا
стр. 404
بخدمة القلب. ماتت للمهديّ جارية فجزع عليها جزعا شديدا، فكتب إليه أبوه:
كيف تجزع على أمة؟ فقال: جزعي لشيمتها لا لقيمتها. عن النبيّ ﷺ : «بئس المال في آخر الزمان المماليك» . مجاهد: إذا كثر الخدم كثر الشياطين.
معاوية: التسلّط على المماليك من لؤم القدرة. ابتاع بعض مشايخي غلاما فقلت: بورك لك فيه، فقال: البركة مع من قدر على خدمة نفسه، فاستغنى عن استخدام غيره، فخفّت مؤنته وهانت تكاليفه وكفي سياسة العبد. أميروس:
التسلّط على المماليك دناءة. وعنه ﷺ : «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه» . يقال: إذا لم تجد من الخدم إلا من ساء أدبه فاخدم نفسك فإنه يحمل على قلبك بسوء الأدب من الأذى أضعاف ما يرفع عن بدنك بخدمته من العناء.
يقال: لا تسمح لولدك ولا لامرأتك ولا لخادمك بما فوق الكفاية، فإن طاعتهم لك مقرونة بحاجتهم إليك. يقال: اليسار مفسدة للنساء لاستيلاء شهوتهنّ على عقولهنّ. دعا عليّ كرّم الله وجهه غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال: لم لا تجيبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك، فاستحسن كلامه وأعتقه وقال: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. يحيى بن أكثم: بتّ ليلة عند المأمون فعطش وقام فشرب بنفسه، وكنت قد قصدت إلى الماء فقال: استخدام الرجل ضيفه لؤم، وأردت إيقاظ الخدم فقال: هم نيام وقد تعبوا في الخدمة وإني أسمعهم في الخلاء يشتمونني وأعفو عنهم. وعنه: جلس المأمون على جانب دجلة عند دخوله إلى بغداد وعنده العلماء والأشراف فإذا بملّاح في سفينة عتيقة يدخل الماء في جوانبها وعليه ثوب خلق «١» وهو يصيح بأعلى صوته: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين، فسمع وتبسّم والتفت إلينا وقال: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل.
стр. 405
الصوليّ: غضب المأمون على رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن قديم الخدمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة، فرضي عنه. وقف رجل بين يديه فقال: والله لأقتلنّك، فقال: يا أمير المؤمنين تأنّ عليّ، فقال: قد حلفت، فقال: لأن تلقى الله حانثا خير لك من أن تلقاه قاتلا، فعفا عنه. عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين فنادى: يا غلام يا غلام، بأعلى صوته، فدخل غلام تركيّ فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يصلي؟
كلّما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام، فنكس رأسه طويلا فما شككت في أنه يأمرني بضرب عنقه، فرفع رأسه وقال: يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسين أخلاق خدمنا. قيل ليحيى بن خالد البرمكيّ: لم لا تؤدّب غلمانك؟ فقال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟. عثمان ﵁: ما ملك رقيقا، من لم يتجرّع بغيظ ريقا.
أكثم: الحرّ حرّ وإن مسّه الضرّ، والعبد عبد وإن مشى على الدرّ. قيل في وصف عبد: غلام يأكل فارها «١» ، ويعمل كارها، ويبغض قوما، ويحبّ نوما.
كان لرجل غلام من أكسل الناس فأمره بشراء عنب وتين فأبطأ حتى نوّط «٢» روحه، ثم جاء بأحدهما فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين، ثم مرض فأمره أن يأتي له بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فقال: لم
стр. 406
أتيت بالآخر؟ فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة، فجئتك بالطبيب فإنه رجاؤك، وإلّا حفر هذا، فهذا طبيب وهذا حفّار. كان لإسحاق الموصليّ غلام يسقي من في الدار فقال له يوما: ما حالك؟ قال: يا مولاي ما في الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف؟ قال: أنت تطعمهم وأنا أسقيهم.
هشام بن عبد الملك لزيد بن عليّ: بلغني أنك تطلب الخلافة ولست لها بأهل، فقال: لم؟ قال: لأنك ابن أمة، فقال: لقد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرّة، وقد أخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم ﷺ .
стр. 407
الروضة السادسة والأربعون في السنّ وطول العمر وقصره والشيخ والشابّ
عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ : «البركة مع أكابركم» .
وقال: «من بلغ الثمانين من هذه الأمّة حرّمه الله على النار» . وقال: «إن الله يحبّ أبناء الثمانين» . وقال ﵊: «إذا بلغ المرء ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات» . الحسن:
أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر. عبد الله: كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم «١» حتى يأتي عليه ثمانون سنة. روي: أن رجلا قال للنبيّ ﷺ :
أصابني فقر، فقال: «لعلّك مشيت أمام شيخ «٢» » . وعنه ﷺ : «من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن» . وعنه ﷺ : «ثلاثة لا يستخفّ بهم إلا منافق: إمام مقسط، وذو شيبة في الإسلام، وذو علم» . أردشير لابنه: وقّر المشايخ فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وضبطة الأسرار، وإن رأوك في قبيح منعوك وإن لقوك في جميل أيّدوك، وإياك وأغمار الشبّان فهم أهل الصبوة إلى الشهوات. يزيد بن المهلّب لابنه: ليكن جلساؤك ذوي الأسنان «٣» فالشباب شعبة من الجنون. مرّ الحسن بشبّان فقال: شوبوا مجلسكم بشيخ.
قيل: من عرف حقّ من فوقه عرف حقّه من دونه. قيل لبعض الشجعان وهو
стр. 408
شيخ: لا بدّ لك من راجلين ليركباك، قال: نعم، وأمّا ألف رجل فلا يقدرون على أن يرجّلوني بعد الركوب. خدم بعض الملوك رجل بمرسوم ثم شاخ ولم يقدر على شيء فعرض للملك فقال: ليعط مرسوم الشيخ كاملا وليطلب لخدمته رجل، فإنه لا يليق للملوك أن ينقصوا عطاءهم عن خدمهم إذا عجزوا عن الخدمة. وهب بن منبه: إن أصغر من مات من ولد آدم ﵇ ابن مائتي سنة. يحيى بن معاذ: مقدار عمرك في جنب عيش الجنّة كنفس واحد، فإذا ضيّعت نفسك فخسرت عيش الأبد فإنك لمن الخاسرين. عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب. عثمان ﵁: من طال به الزمان، يرى في نفسه الهوان.
لشيب رأسي بكت عيني ولا عجب ... يجري العيون «١» سقوط الثلج في القلل
عبد العزيز بن أبي روّاد: من لم يتّعظ بثلاث لم يتّعظ بشيء: الإسلام والقرآن والشيب.
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانها ... وجسمه مستهدم يخرب
شمس الدين البخاريّ:
ألم تستحي من وجه المشيب ... وقد ناجاك بالوعظ المصيب
أراك تعدّ للآمال ذخرا ... فما أعددت للأجل القريب؟
وقيل:
يا شيبتي دومي ولا تترحّلي ... وتيقّني أنّي بوصلك مولع
стр. 409
قد كنت أجزع من حلولك مرّة ... فالآن من حذر ارتحالك أجزع
أعرابيّ: وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه «١» . قيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: شيب الرأس مطردة عن الكأس. قيل: الشيب مطيّة الأجل وطريدة الأمل. نظر أبو يزيد قدّس الله سرّه إلى المرآة فقال: ظهر الشيب، ولم يذهب العيب، ولا أدري ما في الغيب. قيل: إنّ أوّل من شاب من ولد آدم إبراهيم الخليل ﵉. فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال: نوري، فقال:
ربّ زدني من نورك ووقارك. عيّر حكيم بالشيب فقال: نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفسده مرّ الشهور والأعوام، ووقار يلبسه مدى العمر ومضيّ الدهر. رأى حكيم شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة وجني التجربة ولباس التقوى. عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: الشيب نوري فلا يجمل بي أن أحرق نوري بناري» .
حكيم: الشيب نور لمن اهتدى وظلمة لمن ظلم. حكيم: إن خير نصفي عمر الرجل آخره: يذهب جهله، ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه، وشرّ نصفي عمر المرأة آخره: يسوء خلقها، ويحدّ لسانها، ويعقم رحمها. أنس، رفعه:
«خير شبابكم من تشبّه بكهولكم وشرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم» .
أيوب ﵇: إن الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيما في الصّبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنّه وهم يرون عليه من الله نور كرامته. دخل الحسين بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كبير من أهل العلم، فأحبّ أن يتكلّم فزجره وقال: أصبيّ يتكلّم في هذا المقام؟ فقال:
стр. 410
إن كنت صبيّا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ)
«١» . قال أبو العباس المبرّد في الكامل: ليس بقدم العهد يفضّل القائل، ولا بحداثته يهضم المصيب. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تحقرنّ الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدرّ وهو أجلّ شيء يقتنى ... ما حطّ قيمته هوان الغائص
الحجاج بن يوسف الثقفيّ:
إذا كانت السبعون داءك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
إذا ما انقضى القرن الذي أنت فيهم ... وخلّفت في قرن «٢» فأنت غريب
أبو دلف:
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما طلعت في ناظر البصر
أبو الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
وقيل:
لكلب عقور أسود اللون رابض ... على صدر سوداء الذوائب كاعب
أحبّ إليها من معانقها الذي ... له لحية بيضاء فوق الترائب
بعض النساء: لأن أرى على صدري حيّة سوداء، أحبّ إليّ من أن أرى شيبة بيضاء. قيل:
стр. 411
قد شارف التسعين من أعوامه ... ودنت منيّته وحان حصاده
واسودّ مشرق لونه وتضعضعت ... أركانه وابيضّ منه سواده
يحيى بن أكثم: ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل يريد أن يخجله: كم سنّ القاضي أيّده الله؟ فقال: مثل سنّ عتّاب بن أسيد «١» حين ولّاه رسول الله ﷺ إمارة مكة وقضاءها. فأفحمه. ابن عباس ﵄ رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار» .
محمد بن عليّ بن الحسين: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء: دنا الرحيل فأعدّ زادا. أنس ﵁ رفعه: «لكلّ شيء فصال، وفصال أمّتي ما بين الستّين إلى السبعين» . وقال: «أنا في معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» . قال رجل لعبد الملك: كم لك من السنين؟ فقال: أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين سنة، سمعت العرب تقول: ما بين الستين والسبعين دقّاقة الرقاب.
قيل: إذا جاوز الرجل الستين وقع بين قوّة العلل، وعجز العمل، وضعف الأمل، ووثبة الأجل. قيل: المشيب غمامة تمطر الأمراض. وقيل: هو أوّل مواعيد الفناء. وقيل: هو واعظ نصيح ومنذر فصيح. سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. فقال:
كيف نكاحك؟ قال: إذا بذلت لي عجزت، وإذا منعتني شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المهجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت القعود تباعدت عني الأرض، وإذا أردت القيام
стр. 412
لزمتني. فقال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
قيل لأبي بكر الخوارزميّ وكان شيخا: كم بلغت من السنّ؟ قال: منزلة دقّاقة الرقاب. قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال: في الداء الذي يتمنّاه الناس. يعني الهرم. قيل: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يومه ملّه قومه.
محمد بن عليّ الواسطىّ:
يا ربّ لا تحيني إلى زمن ... أكون فيه كلّا على أحد
خذ بيدي قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام خذ بيدي
أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلّا بشيء كان في كمي فسقط. يونس النحويّ:
ثنتان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما: ... شرخ الشباب وفرقة الأحباب
قال رجل لفضل بن مروان: كم سنّك؟ قال: سبعون، ثم سأله بعد سنين فقال: سبعون، فقال: ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟ قال: بلى ولكن أنا رجل ألوف إذا كنت في سنة أقمت فيها عشرين سنة.
بعض الحكماء: مبدأ ظهور المشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين «١» شرف، وفي الصدغين شحّ، وفي الشارب فحش. قيل لرجل: أين شبابك؟ فقال: ذهب به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وقلّ عدده، وذهب جلده. قيل: باليد الفارغة والنفس المستريحة
стр. 413
والشباب المقبل تكتسب الآثام ويستحلّ الحرام. أبو نواس: إنّ الشباب مطيّة الجهلات ومحسّن الضحكات. الواسطيّ: حان حصادي ولم يصلح فسادي.
قيل: شيب الرجل قبل أوانه من كثرة استعمال الطيب، أو هجران الحبيب. قيل لأعرابيّ: قد شخت وأفنيت عمرك بالبطالة فامش إلى الحجّ، فقال:
ليس لي دراهم، فقيل: بع دارك، فقال: وإذا رجعت فأين أسكن؟ وإن أقمت مجاورا أليس يقال: يا قرطبان «١» بعت دارك وجئت تسكن داري؟. وقيل:
وقالوا أفق من نومة اللهو والصبا ... فقد لاح صبح في دجاك عجيب
فقلت أخلائي دعوني ونومتي ... فإنّ الكرى عند الصباح يطيب
وقيل:
وقائلة خلّ التصابي لأهله ... فإنّ الصبا بعد المشيب جنون
فقلت لها لا تعذليني فإنما ... ألذّ الكرى عند الصباح يكون
أقبل الغنى على أبي زيد المروزيّ وقد أسنّ وتساقطت أسنانه وعجز عن الجماع، فقال: لا بارك الله فيك قد أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب. الشيخ ابن الحاجب: لما طلب للتدريس في الإسكندرية في آخر عمره أنشد:
ولما مضى فقري وأيام فاقتي ... وساعد دهري بالغنى نفد العمر
******
стр. 414
الروضة السابعة والأربعون في النوم والسهر والرّؤيا والفأل والطّيرة والكهانة والرّقى
ابن عباس ﵄: عن النبيّ ﷺ : «أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل» . قالت أمّ سليمان بن داود ﵉: يا بنيّ لا تكثر النوم فإن أصحاب النوم يأتون يوم القيامة مفاليس. قيل: كثرة النوم تجلب الدّمار وتسلب الأعمار. قيل: ما هلك من هلك قبلكم إلا بثلاث: بفضول الطعام والمنام والكلام. ابن عباس ﵄:
إذا كثر الطعام فحذّروني ... فإن القلب يفسده الطعام
إذا كثر الكلام فسكّتوني ... فإن الدين يهدمه الكلام
إذا كثر المنام فنبّهوني ... فإن العمر ينقصه المنام
إذا كثر المشيب فحرّكوني ... فإن الشيب يتبعه الحمام
قيل: من لزم الرقاد حرم المراد. يقال: إذا أردت الكرامة فقل للكرى مه «١» . حكيم: الدهر مقسوم بين حياة ووفاة، فالحياة اليقظة والوفاة النوم، وقد أفلح من أدخل في حياته من وفاته. وقيل:
وليلك شطر عمرك فاغتنمه ... ولا تذهب بشطر العمر نوما
قيل: سورة النوم والجوع والعطش ساعة فإن صبرت تجاوزتك ساعات.
стр. 415
قيل: النّعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه. أبقراط: من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته طال عمره. العرب: نومة الضحى في الصيف مبردة وفي الشتاء مسخنة. المعريّ:
وفضيلة النوم الخروج بأهله ... عن عالم هو بالأذى مجبول
محمد بن نصر الحارثيّ، ترك النوم قبل موته بسنين إلّا القيلولة، ثم ترك القيلولة. داود بن رشيد: قمت ليلة فأخذني البرد فبكيت من العرى «١» ، فنمت فرأيت قائلا يقول: يا داود أنمناهم وأقمناك فتبكي علينا، فما نام بعدها. محمد ابن يوسف: كان لا يضع جنبه للنوم لا صيفا ولا شتاء. وقيل: علّة غلبة النوم كثرة الشرب، وكثرة الشرب من كثرة الأكل. مكحول: من أوى إلى فراشه ثم لم يتفكّر فيما صنع في يومه فإن عمل خيرا حمد الله تعالى وإن أذنب استغفر الله كان كالتاجر الذي ينفق ولا يحسب حتى يفلس وهو لا يشعر. عن النبيّ ﷺ :
«الرؤيا الصالحة بشارة المؤمن بما له عند الله من الكرامة في الآخرة» .
وعنه ﷺ : «أصدق الرؤيا ما كان بالأسحار» . وعنه ﷺ : «أصدق الرؤيا رؤيا النهار لأنّ الله خصّني بالوحي نهارا» . جعفر الصادق: أصدق الرؤيا رؤيا القيلولة. ابن سيرين: من نام على جنبه الأيمن واستقبل القبلة وقرأ: والشمس والليل والتين وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعوّذتين، ثم يسأل الله تعالى ما يريده أراه الله تعالى في منامه ما يحبّه. قيل: من المستحبّ عند النوم أن يقول الرجل: اللهمّ إني أعوذ بك من سيّىء الأحلام، وأستجيرك من ملاعب الشيطان في اليقظة والمنام. رئي في المنام توران شاه بن أيوب وهو ينشد:
стр. 416
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفّى سوى كفني
معروف الكرخي: رأيت في المنام كأني دخلت الجنّة ورأيت قصرا فرشت مجالسه وأرخيت ستوره وقام ولدانه، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لأبي يوسف، فقلت: بم استحقّ هذا؟ فقالوا: بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم. أبو الحسن: رأيت إمام الهدى أبا منصور الماتريدي في المنام، فقال: يا أبا الحسن ألم تر أنّ الله غفر لامرأة لم تصلّ قطّ؟ فقلت: وبم ذاك؟ قال: باستماعها للأذان وإجابتها المؤذن.
أبو هريرة ﵁ رفعه: «إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا تطيّرتم فامضوا وعلى الله فتوكّلوا» . وفي الحديث: «أنه كان يحبّ الفأل ويكره الطّيرة» . ابن عباس ﵄ رفعه: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر» . أراد عليّ ﵁: الخروج فأراد تثبيطه ناظر في النجوم، فقال: أيها الناس إيّاكم وتعلّم النجوم إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر فإنها تدعو إلى الكهانة، فالمنجّم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار، سيروا على بركة الله. فرجع مظفّرا. لمّا تجهّز المعتصم لفتح عمّورية حكم المنجّمون بعدم عوده صحيحا، فكان في ذلك من الفتح العظيم ما لا يوصف، فقال أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
وقيل:
يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما بال من تأثيره في الكواكب
بعض العارفين: إنّ الأنفاس الإنسانيّة هي التي تدير الأفلاك، ولما وقع قران
стр. 417
الكواكب السبعة في دقيقة من الدرجة الثالثة من الميزان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة حكم المنجّمون بخراب الرّبع المكوّن من الرياح فكان وقت البيدر ولم يتحرّك ريح ولم يقدر الدهاقين «١» على رفع الحبوبات «٢» . استوصى تلميذ شيخه بعد التكميل عند افتراقه فقال له: إن أردت أن لا تحزن أبدا فلا تصحب منجّما، وإن أردت أن تبقي لذّة فمك فلا تصحب طبيبا. بعضهم:
أدبّر بالنجوم ولست أدري ... وربّ النجم يفعل ما يشاء
عكرمة ﵁: كنا عند ابن عباس فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شرّ.
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما ... نطق اللسان بحادث فيكون
بنى المعتصم قصرا وجلس فيه، فأنشده إسحاق الموصليّ:
يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطيّر وأمر بهدمه.
قيل: تأبى الظرفاء من إعطاء السفرجل إلى الأحبّة لاشتماله على حروف سفرجل. سأل الرشيد بعض أصحابه عن شجرة فقال: شجرة الوفاق تحرّزا عن لفظ الخلاف «٣» ، وسأل كاتبا عن شيء فقال: لا وأيّدك الله، بالواو «٤» ، وتأبى الكتّاب في حقّ المخدّرات عن كتابة لفظ حراستها لاشتماله على حر واست.
سأل المهديّ معلمه: كيف تأمر بالسواك؟ فقال: استك يا أمير المؤمنين.
стр. 418
فردّه، وسأل عن عالم النحو فدلّ على الكسائيّ فاستقدم فسأله فقال: سك يا أمير المؤمنين. فقال: أصبت وأعطاه عشرة آلاف درهم. رأى رجل جميلا الشاعر يأكل سمنا، فقال: لا تأكله فإنه سم زيدت في آخره نون، فقال جميل: كل أنت الحيّة فإنها حياة حذفت منها الألف. تساقطت النجوم في أيام بعض الأمراء فخاف من ذلك وأحضر المنجّمين والعلماء فما أجابوه بشيء، فقال جميل الشاعر:
هذي النجوم تساقطت ... لرجوم أعداء الأمير
فتفاءل به وأمر له بصلة سنيّة.
عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذتين فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي» .
******
стр. 419
الروضة الثامنة والأربعون في الشعر والفصاحة والبلاغة
عن النبيّ ﷺ : «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر فأنّى يأتيني اللحن» . وحين ردّته حليمة إلى مكة نظر إليه عبد المطلب وقد نما نموّ الهلال وهو يتكلّم بفصاحة فامتلأ سرورا وقال: جمال قريش، وفصاحة سعد، وحلاوة يثرب. وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وهو من بني سعد. عن النبيّ ﷺ : «سيكون بعدي أمراء يعظون الحكماء على منابرهم وقلوبهم أنتن من الجيف» . وسمع النبيّ ﷺ من العباس عمّه كلاما فقال: «بارك الله لك يا عمّ في جمالك» أي فصاحتك. وعنه ﷺ : «الجمال في اللسان» . وقال ﷺ لحسّان: «قل فو الله لقولك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس «١» الظلام» . ويقال: أقبح الكلام إكثار تنبسط حواشيه وتنقبض معانيه، فلا يرى له أمد، ولا ينتفع به أحد. أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزجره وقال: ليس تحسن الخطبة بحسب طاقة الخطيب ولكن على حسب طاقة السامع. حكيم: إنّ اللسان إذا كثرت حركته مرقت عذوبته.
يولّد اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام في الكتب «٢»
الهيثم بن صالح لابنه: يا بنيّ إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. عمر ﵁: من كثر كلامه كثر
стр. 420
سقطه، ومن كثر سقطه قسا قلبه، ومن قسا قلبه قلّ ورعه. قيل: من كثر لغطه كثر غلطه. سئل بعضهم عن البلاغة فقال: من عمد إلى معان كثيرة فأدّاها بلفظ قليل، أو معان قليلة ففخّمها بلفظ جليل.
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحيّ الملاحظ خيفة الرقباء
يكتب في الدعوة:
كل المآرب ما نرجوه يحضرنا ... سوى حضورك فانعم بالمبادرة
وفي عذر عدم المجيء:
ولو قدرت على الإتيان جئتكم ... سحبا على الوجه أو مشيا على الرأس
وفي الانقطاع:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد؟
وفي الشوق:
لو أنّ بعض الشوق أكتب نحوهم ... يفنى المداد وتنتهي الألفاظ
وفي تهنئة الصحة:
وما أخصّك في برّ بتهنئة ... إذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
وفي التعزية:
أشركتمونا جميعا في سروركم ... فلهونا إذ حزنتم غير إنصاف
من الأمثال:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس
وقيل:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
стр. 421
وقيل:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «١»
وقّع جعفر البرمكيّ على ظهر رقعة فيها قصيدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا. سئل عليّ ﵁ عن اللسان فقال: معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل. قال عبد الملك لرجل:
حدّثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح فإنّ الحديث يفتح بعضه بعضا.
عن النبيّ ﷺ : «الشعر جدل «٢» من كلام العرب يشفى به الغيظ ويتوصّل به إلى المجالس وتقضى به الحاجة» . ضجر شعبة من إملاء الحديث فرأى أبا زيد الأنصاريّ فأنشد:
استعجمت «٣» دارميّ لا تكلّمنا ... والدار لو كلّمتنا ذات أخبار
ثم قال: إليّ أبا زيد، فجاءه فتناشدا، فقال بعض أصحابه: نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك الحديث وأنت تقبل على الأشعار! فغضب شديدا وقال:
أنا أعلم بالأصلح لي. قيل لجميل: لو قرأت القرآن كان أنفع لك من الشعر، فقال: حدّثنا أنس عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ من الشعر لحكمة» . الخليل:
الشعراء أمراء الكلام يصرّفونه أنّى شاؤوا، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل الفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والترصيف بين صلاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن تعقّله، والأذهان عن فهمه، يبعّدون القريب ويقرّبون البعيد، يحتجّ لهم
стр. 422
ولا يحتجّ عليهم. مدح الفرزدق هشاما فأجازه بأربعة آلاف، فقيل له: إنك لا تمدح المهلّب، فقال: أما علمتم أن الّلها تفتح الّلها «١» . قيل لنصيب: هرم شعرك؟ فقال: ما هرم شعري ولكن هرم الجود والكرم، لقد مدحت الحكم بن المطّلب بقصيدة فأعطاني أربعمائة شاة وأربعة آلاف دينار ومائة ناقة. بعض الشعراء:
لئن أدركت في نظمي فتورا ... ووهنا في بياني والمعاني
فلا تنسب بنقصي إنّ رقصي ... على مقدار تنشيط الزمان
يقال: الجود حارس العرض عن الذمّ. سيف الدولة الحمداني «٢» : إعطاء الشعراء من فروض الأمراء. يقال: لكلّ شيء لسان ولسان الزمان الشعر. عمر ﵁: تعلّموا محاسن الشعر فإنه يدلّ على محاسن الأخلاق.
لولا جرير والفرزدق لم يكن ... ذكر جميل من بني مروان
الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك. يعني امرأ القيس وأبا فراس.
عن الفرزدق أنّ سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبيّ مفرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
فقال: وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)
«٣» . حجر بن عمرو الكنديّ: قال لابنه امرىء القيس: يا بنيّ إنّ أحسن الشعر أكذب ولا يحسن الكذب بالملوك. بعض الفضلاء:
стр. 423
لا تحسبنّ الشعر فضلا بارعا ... ما الشعر إلا محنة وخبال «١»
فالهجو قذف والرثاء نياحة ... والذمّ عيب والمديح سؤال
وقيل:
إنّ بعضا من القريض هراء ... ليس شيئا وبعضه أحكام
ذهب جماعة من الشعراء إلى خليفة فتبعهم طفيليّ، فلمّا دخلوا على الخليفة دخل، فقرؤوا قصائدهم واحدا بعد واحد وأخذوا العطاء، فبقي الطفيليّ متحيّرا فقيل له: اقرأ شعرك، فقال: لست بشاعر وإنما أنا رجل ضالّ، كما قال الله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)
«٢» . فضحك الخليفة وأمر له بإنعام. ابن العلّاف: أتانا خادم ليلا في دار المعتضد، فقال: يقول أمير المؤمنين: أرقت بعدكم الليلة، فقلت:
ولمّا انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد
ومن أتمّه بما يوافق غرضي فله جائزة، والشعراء حاضرون فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود
فذهب الخادم ثم عاد بجائزة واستحسان. منع بعضهم من الدخول على بعض الأمراء فكتب:
داعيك على الباب نهاه البوّاب ... بالردّ عن الدخول فاغتمّ وخاب
هل يرجع كالنكبة عن حضرتكم ... أم يدخل كالدولة من غير حجاب
الشعبيّ: كنت أحدّث عبد الملك وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها
стр. 424
أصلحك الله فإن الحديث من ورائك، فيقول: والله لحديثك أحبّ إليّ منها.
يقال: القول بحسب همّة القائل يقع، والسيف بحسب عضد الضارب يقطع.
قيل: الكلام إذا صدر من القلب وقع في القلب. العلامة: ربّ صدقة من بين فكّيك خير من صدقة من بين كفّيك. يقال: البلاغة ما رضيته الخاصّة وفهمته العامّة. سئل بعض الحكماء: ما الذي جعل الفصيح ألكن؟ قال: الحاجة.
قيل لعمر ﵁: الصمت مفتاح السلامة، فقال: نعم ولكنّه قفل الفهم. ابن عيينة: الصمت منام العلم والنطق يقظته، ولا منام إلا بيقظة ولا يقظة إلا بمنام. ابن المبارك:
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله
يقال: القول لا تملكه إذا نمي «١» كالسهم لا يملكه الذي رمي.
قال لأبي دلف بعض من ادّعى الغريب من اللغة: كنت في دار الضرب فرأيت عين الأمير «٢» أخرجت من النار وهي تحت المطارق، فقال بعد الخجل: أعمى الله حدقتك. فضحكوا وانصرف بالخزي. دخل رجل على عبد الله بن طاهر فقال: ما رأيناك منذ أيام، فقال: جئت إلى حضرة الأمير أعزّه الله فرأيت في حاجبه عبوسا فانصرفت مخافة من سخطه، قال: هذا خلق لم ير مني قطّ. لعلّه أراد فلانا الحاجب، فقال: المراد هذا، فضحك وقال مستهزئا: إنّ من الشعر لحكمة، ثم سقطت منزلته عنده. قال رجل يدّعي التعمق في الفصاحة لبعض الملوك وفي يده برص: يا مولاي عندي منك يد بيضاء لا أستطيع القيام
стр. 425
بشكرها، فقال بعد الخجل: قم واخرج فإنه شكر، الشتم أحسن منه. أنشد ذو الرمّة هشام بن عبد الملك:
وما لعينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب «١»
قال: بل عينك. العلامة: ما رأيت على امرأة أحسن من شحم ولا على رجل أحسن من فصاحة. مرّ الأصمعيّ بحيّ من أحياء العرب فوجد صبيّا يلعب مع الصبيان في الصحراء ويتكلّم بالفصاحة، فقال الأصمعيّ: أين أباك يا صبيّ؟
فنظر إليه الصبيّ ولم يجب، ثم قال: أين أبيك؟ فنظر إليه ولم يجب كالأوّل، ثم قال: أين أبوك؟ فقال: فاء «٢» إلى الفيفاء لطلب الفيء، فإذا أفاء الفيء فاء «٣» . سقط عيسى بن عمر عن حمار فاجتمع الناس عليه فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة، افرنقعوا عني، فقيل: إن جنّيه يتكلّم بالهنديّة.
الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام عليّ حتى مضى، لا والله ما رأيت أبلغ من عائشة ﵂. وقال معاوية: ما رأيت أبلغ من عائشة ﵂، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته.
******
следующие страницы →