← Адаб

Адаб · id 10512

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

الأماسي

Полный текст (440 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ليس الحجاب بآلة الأشراف ... إنّ الحجاب مجانب الإنصاف ولقلّ من يأتي فيحجب مرّة ... فيعود ثانية بقلب صافي أبو العتاهية: متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم «١» ؟ أبو تمام: ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب «٢» ابن نباتة السعدي مدحا: ولو كان الحجاب بغير نفع ... لما احتاج الفؤاد إلى الحجاب «٣» أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لا تقتل السامريّ «٤» فإنه سخيّ. جعفر بن محمد الصادق ﵄: ما أنعم الله على عبد نعمة فلم يحتمل مؤنة الناس إلّا عرّض تلك النعمة للزوال. يقال: من احتفل في غلوّه استفل «٥» من علوّه. بهرام بن هرمز: المروءة اسم جامع للمحاسن كلّها. يقال: جمع المروءة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٦» الآية.

стр. 72

الشافعي رحمه الله تعالى قال لابنه: والله لو علمت أنّ الماء البارد يثلم في مروءتي ما شربت إلّا حارّا حتى أفارق الدنيا. قيل: الفتوّة إظهار النعمة، وإخفاء المحنة. وقيل: كفّ الأذى وبذل النّدى، وترك الشّكوى. قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلّهم؟ قال: إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم. يحيى البرمكيّ: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإنّ ذلك لا ينقص شيئا منها، وأعط منها وهي مدبرة فإنّ منعك لا يبقي عليك منها شيئا. قال أنس ﵁: كنت عند الحسن بن عليّ ﵄ فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان، فحيّته بها فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى. فقلت له: حيّتك جارية بطاقة ريحان لا قيمة لها فأعتقتها. قال: كذا أدّبنا الله تعالى فقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها «١» وكان أحسن منها إعتاقها. أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمه عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره أمر صاحبه. عليّ ﵁: كن سمحا ولا تكن مبذّرا، وكن مقدّرا ولا تكن مقتّرا. سقراط: أفضل السّيرة طيب الكسب وتقدير الإنفاق. عليّ ﵁: لا تستحي من العطاء القليل فإن الحرمان أقلّ منه. قيل للأحنف: ما الإنسانية؟ قال: التواضع عند رفعة، والعفو عند قدرة، والعطاء بغير منّة. بعض السّلف: الأيدي ثلاث: يد بيضاء وهي المبتدئة بالمعروف، ويد خضراء وهي المكافئة، ويد سوداء وهي المانّة. عليّ ﵁: السخاء ما كان ابتداء، فأمّا ما كان عن مسألة فحياء. قال ابن

стр. 73

عباس ﵄ لابن أخيه: أفضل العطيّة ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك. وأنشد في هذا المعنى: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا وإن نال الغنى بسؤال فإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخفّ كلّ نوال وقال آخر: ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوضا وقال آخر: بئس المطاعم حين الذلّ يكسبها ... القدر منتصب والقدر مخفوض يقال: أجلّ النوال ما وصل قبل السؤال. قيل: أولى الناس بالنوال أزهدهم في السؤال. قال المبرّد «١» : كان في خلق حسن بن رجاء «٢» شراسة، وفي كفّه ضيق. فكتب إليه [بعض] الناس: أعزّ الله الأمير، رجلان حرّ وعبد، فثمن الحرّ الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه هذا القول أياما ثم رجع إلى طبعه. قيل: أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا ... وأجعله وقفا على القرض والفرض فإمّا كريم صنت بالمال عرضه ... وإمّا لئيم صنت عن لؤمه عرضي «٣»

стр. 74

أبو الطيب: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبّ أو إساءة مجرم «١» قيل: من ليس له إحسان ليس له إخوان. عليّ ﵁ قال: يسود المرء قومه بالإحسان إليهم. بعض الحكماء: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك العباد. أبو نواس في الخصيب: فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أنّ الدائرات تدور فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «٢» قيل: خير المال ما وقي به العرض. سئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من ملكه، فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ. وقيل له: لم لا تكنز الأموال كما كانت تفعل الملوك؟ فقال: كنوزي هم أصحابي، أكنز الأموال فيهم لا في البيوت. قيل: من حفظ ماله ضيّع رجاله. عليّ كرّم الله وجهه: أحسن الكنوز محبة القلوب. أفلاطون: من لم يواس الإخوان عند دولته، خذلوه عند فاقته. يقال: المواساة أفضل الأعمال، والمداراة أجمل الخصال. قيل: من بسط يده بالإنعام صارت نعمته على الدوام. يقال: من جاور الكرام أمن من الإعدام «٣» . قيل: من قرب برّه بعد ذكره. البستيّ: إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه»

стр. 75

آخر: حسن الفعال من الصلصال مقصود «١» ... والمرء بالفعل مذموم ومحمود فإنّما يرفع الإنسان أربعة: ... العلم والحلم والإحسان والجود يقال: من هان عليه المال توجّهت إليه الآمال. من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم. من كبرت همّته كثرت قيمته. قيل: من تمام الكرم إتمام النعم. في الحكمة: ثواب الجود خلف ومحبّة ومكافأة، وجزاء البخل حرمان وإتلاف ومذلّة. عمر بن عبد العزيز: لو تحالفت الأمم وجئنا بالحجّاج لغلبناهم، ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفى العمارة، فأخسّ بها «٢» حتى صيّر خراجها أربعين ألف ألف، وقد أدّى عاملي ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت خراج عمر بن الخطاب ﵁ مائة ألف ألف. قيل: من بذل فلسه صان نفسه. دخل رجل عليه ثياب رثة يوما على الإسكندر، فتكلّم بفصاحة فقال الإسكندر: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال: أنا قادر على الكلام وأمّا الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه وأكرمه. عن بعض الأسخياء أنّ محتاجا سأله فقال: من أنت؟ فقال: الذي أحسنت إليّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسّل بنا علينا. قيل: أحقّ الناس بحلّتك أصدقهم في خلّتك «٣» . كان لملك وزير كاف لأمور السياسة، فهرب منه، فكتب الملك إليه بخطّه، ووعده من الملك والملك. فأجاب: أمّا بعد فإني

стр. 76

كنت حرّ الأصل فاستعبدني برّك، وردّني إلى الحرّية جفاؤك، فلست بعائد إلى الرّقّ، والسلام. قيل: الإنسان عبد الإحسان. يقال: إذا كانت القلوب مجبولة على مقة المحسن «١» ، وكانت المحبة رقّا، والأحرار يكرهون الاسترقاق، فالحرّ في الحقيقة من فدى قلبه من رقّ محبّة المحسنين، بمكافأتهم على إحسانهم جهده. وما مال من أعطى الكرام بناقص ... ولكنه عند الكرام ودائع بعض الحكماء: العجب ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بفعاله. الشافعي رحمه الله تعالى: وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم ... وخير تجارات الكرام اكتسابها «٢» البستيّ رحمه الله تعالى: من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه، والمال للإنسان فتّان من كان للخير منّاعا فليس له ... على الحقيقة إخوان وخلّان «٣» المتنبي: ما كنت أعتقد المكارم والعلا ... والعلم والإفضال والإحسانا قد حازهنّ من البريّة واحد ... حتى رأيت بعيني البرهانا «٤» قيل: من زرع خيرا حصد أجرا. إسكندر: استقلل كثير ما تعطي، واستكثر

стр. 77

قليل ما تأخذ، فإنّ قرّة عين الكريم فيما يعطي، ومسرّة قلب اللئيم فيما يأخذ. بعض الكرام: لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق المعروف تستبق «١» بعضهم: ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي «٢» ولا وجبت عليّ زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على جواد قيل: كفى حزنا أنّ الجواد مقتّر ... عليه، ولا معروف عند بخيل يقال: الجود والشجاعة ينبوعان من عين واحدة، وهي قوّة النفس وبعد الهمّة. وكانوا يقولون: لا يكون الشجاع إلّا جوادا حتى نقض ذلك عبد الله بن الزبير فإنه كان شجاعا وكان يبخل. أبو تمام: أيقنت أنّ من السماح شجاعة ... وعلمت أنّ من الشجاعة جودا «٣» كعب بن زهير: لما بلغ في مدحه ﷺ إلى قوله:

стр. 78

نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول «١» ألقى رسول الله ﷺ بردته عليه. قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته وأنت به أشدّ سرورا؟ فقال: ما يأتي على مكافأة من أحسن إليّ. عليّ ﵁: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه. وعنه ﵁: ازجر المسيء بثواب المحسن. قيل: الحرّ لا تذهله إساءة من كان أحسن إليه عن شكر إحسانه السالف عنده. عليّ ﵁: ليس شيء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلّا ثوابه. النبي ﷺ : «تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيا» . الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله في تدبيره. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك. عليّ ﵁: «بعث رسول الله ﷺ جيشا وأمّر عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» . وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . عليّ كرّم الله وجهه: جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة «٢» . وعنه ﵁: إياكم والفرقة فإن الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا من عاد إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي. يريد شعار الخوارج. الحجّاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله تعالى، لأن الله تعالى يقول:

стр. 79

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «١» فجعل فيها استثناء، وقال في حقّنا: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا «٢» فلم يجعل فيها استثناء. فلو قلت لرجل: ادخل من هذا الباب، فلم يدخل حلّ لي دمه. وقيل له: أنت حسود. قال: أحسد مني من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي «٣» . قال عبد الملك له: كيف طاعتك؟ قال: كطاعة الحمار الحمول العمول، إن حمل عليه اثنان قال: هو ذاك، وإن حمل عليه ثلاثة قال: هو ذاك، وإن أقضم رضي، وإن لم يقضم عمل العمل. أمر رجل رجلا، فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذلّ لك من الحذاء. ولو أنه قال مت حسرة ... لسارعت طوعا إلى أمره يقال: المهذّب مطواع. بعض الخلفاء «٤» : دلّوني على رجل إذا كان في قوم وهو منهم فكأنّه أميرهم، وإذا كان أمير القوم فكأنه رجل منهم. قالوا: هو ربيع ابن زياد «٥» . قال: صدقتم. أبرويز «٦» : أطع من فوقك يطعك من دونك. وكان يقول: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل بأمرك. إسفنديار «٧» : إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع. وعنه: إنّ المولى إذا كلّف عبده ما لا يطيقه فقد أقام عذره في مخالفته. سئل أنو شروان: من أسوأ الناس حالا؟ فقال: عالم يجري

стр. 80

عليه حكم الجاهل. قيل: إذا ساد اللئام باد الكرام. وقيل: إذا ارتفع الوضيع اتّضع الرفيع. دولة الأشرار محنة الأخيار. إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل. إذا ساد السّفل خاب الأمل. من أجلّ الغنائم دولة الأكارم. أمرّ من طعم كلّ مرّ ... خضوع حرّ لغير حرّ آخر: لا بدّ للمرء من سجود ... في زمن السّوء للقرود ابن نباتة رحمه الله تعالى: سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدي القرود فما بلّت أناملنا بشيء ... وما نلنا سوى ذلّ السجود «١» صاحب كليلة «٢» : لا يردّ بأس العدوّ القويّ بمثل الخضوع، كما أن الحشيش يسلم من العاصف «٣» بلينه لها وانثنائه معها. قال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه: كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك. فضيل: من أطاع المخلوق فقد آثره عليه تعالى، ما أبالي فعلت ذلك أو صلّيت لغير القبلة. إبراهيم بن أدهم: لأن أدخل النار وقد أطعت الله أحبّ إليّ من أن أدخل الجنة وقد عصيت الله. عليّ ﵁: من أراد الغنى بلا مال، والعزّ بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الله تعالى إلى عزّ طاعته، فإنه واجد ذلك كلّه. والله تعالى أعلم.

стр. 81

الروضة الرابعة في الجهاد والقتل والشهادة والحرب والصلح والأسلحة والغارة والهزيمة والشجاعة والجبن وما ناسب ذلك أبو هريرة ﵁: عن النبي ﷺ : «تكفّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلّا جهاد في سبيله أو تصديق كلمته، بأن يدخل الجنة أو يرجع إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . وعنه ﵊: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء «١» » . كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد ﵄، حين أخرجه إلى أهل الرّدّة: اعلم أنّ عليك عيونا من الله ترعاك، فإذا لقيت العدوّ فاحرص على الموت توهب لك السلامة، ولا تغسل الشهداء من دمائهم فإنّ دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة. أوّل من عقدت له راية الإسلام للجهاد في سبيل الله حمزة بن عبد المطلب ﵁. حضّ منصور بن عمار «٢» على الغزو، فطرحت امرأة رقعة قرىء منها: رأيتك يابن عمار تحض على الجهاد وقد ألقيت ذؤابتي فلست أملك والله غيرها، فبالله اجعلها قيد فرس غاز في سبيل الله، فعسى الله أن يرحمني، فارتجّ المجلس بالبكاء. النبي ﷺ : «لا تتمنّوا لقاء العدوّ وسلوا الله العافية، فإذا

стр. 82

لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . كان النبي ﷺ أشجع الناس. عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «فضّلت على الناس بأربع: بالسماحة، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش» . عن النبي ﷺ : «الحرب خدعة» . وقيل: إذا لم تغلب فاخلب «١» وقيل: حازم في الحرب خير من ألف فارس، لأن الفارس يقتل عشرة أو عشرين، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره. بعضهم: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك. قيل: المكر أبلغ من النجدة. علي بن أبي طالب ﵁ لبعض بنيه: لا تدع أحدا إلى البراز، ولا يدعوك أحد إلا أجبته، فالداعي باغ، والباغي مصروع. قيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع. قيل: تفكّر قبل أن تتقدم، فالإتيان بالتندّم لا يغني بعد التقدم. قيل: من خاصم بغير حجّة، وقاتل بغير نجدة، وصارع بغير قوة، فقد أعظم الخطر وأكثر الضرر. قيل: ترك التقدم أحسن من التندم. قيل لعبّاد بن الحصين «٢» : إن جاءتك الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني. قيل: لم تكن القتلى في عسكر إلا وأكثرهم من عبد القيس، ولا يكون الفتح إلا في ناحيتهم. قيل لبعض بني المهلب: بم نلتم ما نلتم؟ فقال: بصبر ساعة. قيل: إذا انقضت المدة لم تنفع العدّة. كان يقال لعمر ﵁ «مفتاح الأمصار» لأنه الذي فتح أكثرها. بعض العرب: ما لقينا كتيبة فيها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلا أوصى

стр. 83

بعضنا إلى بعض. نظر إليه رجل وقد سبق العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي ﵁. الأصمعي: سمعت أعرابيا يصف قوما فقال: ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام «١» ، اصطفوا كجناح العقاب الكاسر، وشدّوا شدّة الضّيغم الخادر «٢» ، فما ثنوا أعنّتهم وما كفّوا أسنّتهم حتى هزموا القوم. أرقلوا «٣» إلى الموت إرقال الجمل المغاضب، وانقضّوا على العدو انقضاض رجوم الكواكب. جعلوا أرشيتهم «٤» الرماح فاستقوا بها الأرواح. قيل: ما ظنكم بسيوف الله في أيدي أوليائه وقد نصرهم من سمائه، وسلطهم على أعدائه. تميم الداري «٥» ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعزّ عزيز يعزّ الله به الإسلام وذلّ ذليل يذلّ الله به الكفر. أوصى الرشيد عبد الملك بن صالح أمير سريّته فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيّس، إن وجد ربحا اتّجر وإلا احتفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ خوفا من احتيال عدوّك عليك. قيل: احترس من تدبيرك على عدوّك كاحتراسك من تدبيره عليك، فربّ هالك بما دبّر ومكر وساقط في الذي احتفر، وجريح بالسلاح الذي شهر. قيل: دون نيل المعالي هول العوالي. قيل: درك الأحوال في ركوب الأهوال. لقمان: من لم يركب الأهوال لم ينل الآمال. وعنه: العدة ليوم الشدة.

стр. 84

قيل: بالصبر على لبس الحديد يتنعّم بالثوب الجديد. في الصبر على النوائب إدراك الرغائب. ربّ قعدة تمنع قعدات وأكلة تمنع أكلات. قيل لعلي ﵁: بم غلبت الأقران «١» ؟ فقال: بتمكين هيبتي في قلوبهم. قيل للإسكندر: إن في عسكر (دارا) «٢» لمائة ألف مقاتل، فقال: إن القصاب الحاذق لا تهوله كثرة الأغنام. وصف رجل آخر فقال: كان ركونا للأهوال، غير ألوف للظلال. البحتري: مسترسلين إلى الحتوف كأنها ... وفر بأرض عدوّهم يتنهّب «٣» الطائي: مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام «٤» وصف أعرابيّ رجلا فقال: هو ابن الحرب، أرضع بلبنها، وربّي في حجرها. فيلسوف: لا تصغّر أمر من حاربت، فإنك إذا ظفرت لم تحمد، وإن عجزت لم تعذر. أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيّت الفرس «٥» فقال: ليس من الإنصاف أن يقاتل قومي عني وأنا أترك القتال عنهم. بكر بن وائل: الحذر لا يغني من القدر. قيل: السلامة في الإقدام، والحمام في الإحجام. عظائم الترك قالوا: ينبغي للقائد في الحرب أن تكون فيه

стр. 85

أخلاق من البهائم: شجاعة الديك، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراحة، وحراسة الكركيّ «١» ، وحذر الغراب، وغارة الذئب. كان لأهل مدينة قائد جيش جبان، وطبيب لم يعالج أحدا إلّا قتله. فظهر عليهم عدوّ فشاوروا الإسكندر فقال: اجعلوا طبيبكم صاحب جيشكم، وصاحب جيشكم طبيبكم. سئل أعرابيّ عن رجل فقال: هو يسرع الغارة، ويحمي الجارة. قصد الإسكندر موضعا فحاربته النساء فكفّ عنهنّ وقال: هذا جيش إن غلبناه ما لنا من فخر، وإن كنا مغلوبين فتلك فضيحة الدهر. كيخسرو «٢» : أعظم الخطايا محاربة من يطلب الصلح. قيل: الصلح بقاء الآجال، وحرم الأموال. قيل: الحرب صعبة ومرّة، والحرب أمن ومسرّة. إذا حكم السلاح حكم بالفساد والصلاح. قيل: الحرب تأخذ وتعطي، والمتعرّض لها قد يصيب وقد يخطي، والسلامة في السلم الذي لا يثمر على الدين فصما، ولا يجرّ على الملك وصما. في الحديث: «خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلّا سلّط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلّا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين «٣» ، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر» . عبد الله بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو مفاجأة لئيم. زيد بن حارثة ﵁: لا تستنشروا السباع من مرابضها فتندموا، وداروا الناس في جميع الأحوال تسلموا.

стр. 86

قيل: الفتنة نائمة فمن أيقظها فهو طعامها. عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن الحرب. فقال: هي مرّة المذاق، إذا قلصت عن الساق. ربّ خطرة يسيرة عادت همّة كبيرة، ومن الجمرة تكون النار العظيمة. قيل: موطنان تذهب فيهما العقول: المباشرة والمسابقة. قيل: الهرب في وقته خير من الوقوف في غير وقته. قيل: من هرب من معركة فعرف سبيل مفرّه إلى مستقرّه فهو شجاع. سأل عمرو بن العاص معاوية: إني أرى منك في بعض الأوقات إقداما فأحكم بشجاعتك، وأرى في بعضها إحجاما فأحكم بجبنك، فأخبرني. فقال معاوية: شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم تكن لي فرصة فجبان سئل ابن القرّية «١» عن الدهاء فقال: تجرّع الغصّة، وتوقّع الفرصة. المهلب: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أنّ الإحجام عن الفرصة جبن. المتوكل لأبي العيناء «٢» : إني أفرق من لسانك. فقال: يا أمير المؤمنين الشريف ذو فرق وإحجام، واللئيم ذو وقح وإقدام. افراشياب «٣» قال لأخيه: إنّ الشجاع محبّب حتى إلى عدوّه والجبان مبغّض حتى إلى أمّه. قيل: الشجاعة صبر ساعة. عليّ ﵁: الصبر مطيّة الظفر. قيل: الصبر درج «٤» ، تفضي بمن عرج إلى الفرج. قيل: كما يجذب المغناطيس الحديد يجذب الصبر الظفر. قيل: إنّ أقلّ الصبر ظليل، وإن مضلّه ذليل.

стр. 87

كتب زياد إلى ابن عباس: صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل. فقال: الشجاع هو المقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفرّ من عرسه، والجواد يعطي من لا يلزمه حقّه، والبخيل يمنع من نفسه. عن النبيّ ﷺ : «شرّ ما في الرجل شحّ هالع، وجبن خالع» . يقال للجبان: جثم الخوف على أحشائه، وطارت عصافير رأسه إن أحسّ نبأة «١» طار فؤاده، وإن طنّت بعوضة طال سهاده، يفزعه صرير باب، وطنين ذباب، إن نظرت إليه شزرا غشي عليه شهرا، يحسب خفوق الرياح قعقعة الرماح. يقال: فرّ فرار الليل من وضح النهار. قيل لبعضهم: كيف حالك؟ قال: صارت الدنيا عليّ مثل سمّ الخياط «٢» .. قيل: الجبن حرص على تأخير الأجل المحتوم، والشّره حرص على تغيير الرزق المقسوم، ومن أسوأ حالا ممن سعى لتبديل الآجال والأرزاق، ورجا دفع ما قدّر له أنه لاق، وأن لا يقيه منه واق. قيل لرجل تعرّض له الأسد فأفلت منه: كيف تخلّصت؟ قال: بسلامة، إلّا أنّ الأسد خري في سراويلي. أعرابيّ لابنه: كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، ولكن إيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتّق الرمح فإنه رشاء «٣» المنية، واحذر السّهام فإنها رسل الهلاك. في وصية سليمان ﵊: يا بنيّ لا تخالط السفهاء لأن انكسارهم يأتي بغتة. وعنه ﵇: الانكسار يتبعه الذل. لما أقبل هرمز لمحاربة بهرام قال له حاجبه: أما تستعدّ؟ قال: عدّتي ثبات قلبي وأصالة رأيي ونصل سيفي ونصرة خالقي.

стр. 88

ابن الرومي رحمه الله تعالى: لم أر شيئا حاضرا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحتف «١» قيل لعبّاد بن الحصين «٢» ، وكان من أشجع الناس: في أيّ جنّة «٣» تحبّ أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجل مستأخر. قيل لبعضهم: أي الجنن أوقى؟ فقال: العافية. قيل لآخر: لو احترست، فقال: كفى بالأجل حارسا. قيل: السيف حرز إذا جرّد، وهيبة إذا أغمد. قيل: الشرف مع السيف. وصفه رجل فقال: ملك رئيس، ضحك عبوس، لهوه قطف الرؤوس، وهزله خطف النفوس. أبو نصر في السيف: له حسام صقيل المتن جرّده ... كأنه ملك في كفّه لهب كالنار بالفعل لكن ليس مشتعلا ... كالماء بالجرم لكن ليس ينسكب آخر: جنين هواه أن يفارق أمّه ... له المهد هام والقماط قتام «٤» الحجّاج: اتّقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج. كان ذو الفقار «٥» عند أولاد علي ﵁، يتوارثونه حتى وقع إلى آل بني عباس. قال الأصمعيّ: رأيت هارون متقلدا سيفا فقال لي: ألا أريك ذا الفقار؟ اسلل سيفي

стр. 89

هذا. فاستللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة. قال المبرّد في كتاب الاشتقاق: كانت فيه حزوز مطمئنة شبّهت بفقار الظهر، وهو سيف منبّه بن الحجاج، وكان صفيّ رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، وقيل: في غزوة بدر، والله أعلم. عبد الملك بن عمير: أهدت بلقيس إلى سليمان بن داود ﵉ سبعة أسياف، أحدها ذو الفقار. ثم صار لرسول الله ﷺ . استطال عليّ ﵁ درعا فقال: لينقص منها كذا حلقة. فقبض محمد ابن الحنفية بإحدى يديه على ذيلها وبالأخرى على فضلها ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حدّه له أبوه. عليّ ﵁: إن أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون من منيّة على فراش. قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة «١» : في بعض الكتب النازلة: من قتل بالسيف فبالسيف يموت. فقال: الموت بالسيف أحبّ إليّ من اختلاف الأطباء والنظر في الماء «٢» ، ومقاساة الداء والدواء. فذكر ذلك للمنصور فقال: صادف منيته كما أحبّ. عيسى ﵇ مرّ بقتيل فقال: قتلت فقتلت، وسيقتل قاتلك. لما اعتلّ خالد بن الوليد جعل يقول: لقيت كذا وكذا زحفا فما في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير «٣» ، فلا نامت أعين «٤» الجبناء.

стр. 90

ولما ارتفعت الأصوات عليه أنكر بعض الناس فقال عمر ﵁: دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويذرفن دموعهنّ سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقة «١» . قال خالد بن الوليد: أنا سيف الله، حين رأى بني حنيفة قد سلّوا السيف. قيل: أربعة يسرع إليها الخلف: الحرق والقتل والتزويج والحجّ. عليّ ﵁: بقيّة السيف «٢» أنمى عددا وأكثر ولدا وعوين ذلك في ولد عليّ، وولد المهلّب، فقد قتل مع الحسين عامّة أهل بيته لم ينج إلّا ابنه عليّ لصغره، فأخرج الله من صلبه الكثير الطيّب. وقتل يزيد بن المهلب وإخوته وذراريهم، ثم مكث من بقي منهم نيّفا وعشرين سنة لا يولد فيهم أنثى، ولا يموت منهم غلام. قبر الحسين بن علي ﵄ بكربلاء، ورأسه بالشام في مسجد دمشق على رأس أسطوانة. عمر بن عبد العزيز: لو كنت في قتلة الحسين وأمرت بدخول الجنّة لما فعلت حياء من أن تقع عليّ عين محمد ﷺ . جزعت عائشة ﵂ حين احتضرت، فقيل لها، فقالت: اعترض في حلقي يوم الجمل. قيل لمجنون: أيسرّك أن تصلب في صلاح هذه الأمة؟ فقال: لا، ولكن يسرّني أن تصلب هذه الأمة في صلاحي. قيل لعتيبة المدني: ألا تغزو؟ فقال: والله إني لأكره الموت على فراشي فكيف أنتجعه «٣» . قيل لرجل لم يخرج إلى الغزو وجانب العدوّ: لم لا تخرج إلى الغزو؟ فقال: والله ما أعرف واحدا منهم، ولا يعرفني أحد منهم، فمن أين وقعت العداوة بيني وبينهم؟. ولي أعرابيّ اليمن فجمع اليهود وقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: لا تخرجوا من السجن حتى تؤدّوا ديته.

стр. 91

قيل لأعرابيّ: أيسرّك أن تكون من أهل الجنّة وأنك لا تدرك ثأرا؟ قال: بل يسرّني أن أدرك الثأر وأنفي عني العار، وأدخل مع فرعون النار. يقال: الموت في طلب الثار خير من الممات في عار. قيل لسقراط: لم لم تذكر في شريعتك عقوبة من قتل أخاه؟ فقال: لا أعلم أنّ هذا شيء يكون. استعرض الإسكندر جنده، فتقدّم إليه رجل على فرس أعرج فأمر بإسقاطه، فضحك الرجل، فاستعظم ضحكه في ذلك المقام، فقال له: ما أضحك وقد أسقطتك؟ قال: التعجب منك. قال: كيف؟ قال: تحتك آلة الهرب وتحتي آلة الثبات ثم تسقطني؟ فأعجب بقوله وأثبته. قسم معن بن زائدة «١» سلاحا في جيشه، فدفع إلى رجل سيفا رديئا، فقال: أصلح الله الأمير أعطني غيره، قال: فخذه فإنه مأمور، قال: هو مما أمر أن لا يقطع أبدا. فضحك وأعطاه غيره. عرض عمرو بن ليث «٢» عسكره، فمرّ به رجل على فرس أعجف فقال: لعن الله هؤلاء، يأخذون المال ويسمّنون أكفال «٣» نسائهم. فقال: أيها الأمير لو نظرت إلى كفل امرأتي لرأيته أهزل من كفل دابتي. فضحك وأمر له بمال وقال: خذه وسمّن به كفل دابتك وامرأتك. وقع في بعض العساكر هيج فوثب خراسانيّ إلى دابّته ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب دهشا فقال: هب جبهتك عرضت، ناصيتك كيف طالت؟. نظر فيلسوف إلى رام سهامه تذهب يمينا وشمالا، فقعد في موضع الهدف وقال: لم أر موضعا أسلم من هذا. قال المنصور لبعض الخوارج بعد الأخذ: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما؟ فقال: لا أعرفهم بوجوههم فإني لم أر إلّا قفاهم. اجتاز

стр. 92

كسرى في بعض حروبه برجل قد استظلّ بشجرة وقد شدّ دابّته وألقى سلاحه، فقال: يا نذل نحن في الحرب وأنت بهذه الحالة تتقي من الحرّ؟ فقال: أيها الأمير بلغت هذا السنّ «١» بالتوقي. فضحك وأعطاه مالا. قيل لرجل: إذا انهزمت غضب الأمير. قال: أن يغضب الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يرضى وأنا ميت. قيل لبعض المنهزمين: من خير الناس؟ قال: من صبر أخزاه الله ومن هرب نجّاه الله. أتي الحجّاج برجل من أصحاب ابن الأشعث» فقال: أسألك أن تقتلني وتخلّصني. فقال الحجّاج: لم؟ قال: لأني أرى في المنام كلما نمت أنك تقتلني، وقتلة تخلّصني أهون من ذلك. فضحك وخلّى سبيله. قال سقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحة. فقال الهارب: شرّ من الفضيحة الموت. الحجاج: ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها «٣» ، لا يلوي الشيخ على بنيه، ولا يسأل المرء عن أخيه. سمع الجمّاز محبوسا يقول: اللهم احفظني. فقال: قل: اللهمّ ضيّعني حتى ينقلك من ههنا، فحفظه لك أن يبقيك في الحبس. كتب رجل من أهل السجن إلى الرشيد: ما مرّ يوم من نعيمك إلّا مرّ يوم من بؤسي، والأمر قريب، والسّلام. أتي المنصور برجل جان فأمر بقتله، فقال: إنّ الله أعظم سلطانا منك وهو عاقب بالخلود لا بالفناء. فحبسه. حكي أن يوسف ﵇ دعا لأهل السجن فقال: اللهم عطّف عليهم الأخيار، ولا تخف عنهم الأخبار. فيقال: إنهم أعلم الناس بكلّ خبر. خرج

стр. 93

الحجاج يوما إلى الجامع فسمع ضجّة شديدة فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجون يضجّون من شدّة الحرّ. فقال: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «١» . وأحصي من قتلهم سوى من قتل في عساكره فوجد مائة وعشرون «٢» ألفا، ووجد في حبسه مائة ألف وأربعة آلاف رجل وعشرون ألف امرأة. وكان حبس الرجال والنساء في مكان واحد، ولم يكن في محبسه سقف ولا ظلّ من الشمس، وربما كان يستتر الرجل من الشمس بيده، من الحرّ، فيرميه الحرس من فوقه بالآجرّ. وكان أكثرهم مقرّنين في السلاسل. عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لو جاءت كلّ أمّة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. قيل: لمّا صلب الحجاج عبد الله بن الزبير جاءت أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ فلما رأته حاضت مع كبر سنّها وقد بلغت مائة سنة، وخرج اللبن من ثدييها، فقالت: حنّت إليه مراتعه، ودرّت عليه مراضعه. ثم دخلت على الحجاج فقالت: أما حان لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: خلّوا بينها وبين جيفتها. قيل: صلب عبد الله بن الزبير ثالث مصائب المسلمين، الأولى: قتل عثمان، والثانية: قتل الحسين، والثالثة: صلبه ورمي الكعبة بالمنجنيق وهدمه «٣» واستحلال الحرم والإغارة على أهل مكة. اللهم احفظ أمّة محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام عن أمثال هذه المصائب. مرّت امرأة جعفر ابن يحيى «٤» به وقد صلب فقالت: لئن صرت اليوم آية، كنت بالأمس غاية. والله أعلم.

стр. 94

الروضة الخامسة في الظن والفراسة والعقل والفطنة والرأي والتدبير والتجارب والمشاورة عليّ ﵁: اتّقوا ظنون المؤمنين، فإنّ الله جعل الحق على ألسنتهم. قيل لعالم: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. طلب المتوكّل جارية الزّقّاق «١» بالمدينة، فكاد يزول عقله لفرط حبّها. فقالت لمولاها: أحسن الظنّ بالله وبي، فإني كفيلة لك بما تحبّ. فحملت «٢» ، فقال لها المتوكل: اقرئي، فقرأت: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ «٣» . ففهم المتوكل ما أرادت فردّها. قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظنّ بالله وسوء الظنّ بالخلق. كان ابن الزبير يقول: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه. يقال: من لم تعرفك غائبا أذناه لم تعرفك شاهدا عيناه. قيل: كما أنّ الأبصار تنطبع فيها المشاهدات إذا سلمت من صدأ الآفات، فكذلك العقول مرايا تنطبع فيها الغائبات إذا سلمت من صدأ الشهوات. قيل ليعقوب ﵇: إنّ بمصر رجلا يطعم المساكين ويملأ حجر اليتيم. فقال: ينبغي أن يكون هذا من أهل البيت. فنظروا فإذا هو يوسف عليه

стр. 95

السّلام. عن النبي ﷺ : «إنّ في كل أمّة محدّثين أو مروّعين، فإن يكن في هذه الأمّة أحد فإنّ عمر منهم» . المحدّث: المصيب في رأيه كأنما حدّث بالأمر، والمروّع: الذي يلقى الأمر في روعه. عليّ ﵁: ما أضمر أحد شيئا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه. يقال: الاعتبار بالعين والكلام على ما في القلب. قيل: اعتبر ما في قلب أخيك بعينه، فالعين عنوان القلب. وقيل: شاهد الحبّ والبغض اللحظ، فاستنطق العيون تعلم المكنون. ألا إنّ عين المرء عنوان قلبه ... تخبّر عن أسراره، شاء أم أبى أشار ابن عباس على عليّ ﵃ بشيء فلم يعمل به، ثم ندم فقال: ويح ابن عباس، كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق. يقال: ألمعيته ألمعية ابن عباس، وفراسته فراسة إياس «١» . لما سأل عمر ﵁ ابن عباس عن ليلة القدر فقال: خلق الله السموات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا، فكذلك ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان. فقال «٢» : إنك ألمعيّ يابن عباس. سمع إياس بن معاوية نباح كلب فقال: إنه مربوط على جنب بئر. فقيل: بم عرفته؟ قال: سمعت أوّلا نداء الكلب ثم سمعت صدى. فرأوا كما قال. الشافعي ومحمد بن الحسن رأيا رجلا، فقال أحدهما: نجّار، وقال الآخر: حدّاد. فسألا عنه «٣» فقال: كنت حدّادا والآن نجار. قالوا: إذا رأيت رجلا يخرج بالغداة ويقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى «٤» ، فاعلم أنّ في جواره وليمة ولم يدع إليها، وإذا رأيت قوما يخرجون من عند قاض وهم يقولون:

стр. 96

وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا «١» ، فاعلم أنّ شهادتهم لم تقبل، وإذا قيل للمتزوّج صبيحة البناء على أهله: كيف ما قدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كلّ شيء، فاعلم أنّ امرأته قبيحة، وإذا رأيت إنسانا يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يحدث، وإذا رأيته يعدو ويعثر فاعلم أنه في حاجة، وإذا رأيت رجلا خارجا من عند الوالي وهو يقول: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٢» ، فاعلم أنه قد صفع. الفكر قبل العمل يدفع هيبة البداهة. عن النبي ﷺ : «العقل نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل» . يقال: العقل كالبعل، والنفس كالزوجة، والجسم كالبيت، فإذا تسلّط العقل على النفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم كما تشتغل المرأة المقهورة بمصالح البيت، فصلحت الجملة، وإن غلبت النفس كان سعيها فاسدا كالمرأة التي قهرت زوجها ففسدت الجملة. أنس ﵁: «قيل: يا رسول الله، الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب، فقال: وما من آدميّ إلّا وله ذنوب وخطايا يقترفها، فمن كانت سجيته العقل وغريزته اليقين لم تضرّه ذنوبه، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة وندامة على ما كان منه فتمحى ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة» . وعنه أيضا ﵁: «أثنى قوم على رجل عند رسول الله ﷺ حتى بالغوا في الثناء بخصال الخير، فقال رسول الله ﷺ : كيف عقل الرجل؟ فقالوا: يا رسول الله نخبرك عنه باجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله! فقال نبيّ الله ﷺ : إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزّلفى من ربهم على قدر عقولهم» .

стр. 97

بعض الحكماء: إذا أقبلت الدول خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. العاقل يترك ما يحبّ ليستغني عن العلاج بما يكره. الحسن: كان عقل آدم ﵇ مثل عقل جميع أولاده. عامر بن قيس: إذا عقلك عقلك عمّا لا يعنيك فأنت عاقل. عليّ بن عبيدة «١» : العقل ملك والخصال رعيّة، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها. فسمعه أعرابيّ فقال: هذا كلام يقطر عسله. معن بن زائدة: ما رأيت قفا رجل إلّا عرفت عقله، قيل: فإن رأيت وجهه؟ قال: ذاك حينئذ كتاب أقرؤه. بعض العلماء: العاقل من يرى بأوّل رأيه آخر الأمور، ويهتك عن مهمّاتها ظلم السّتور، ويستنبط دقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. بعض الحكماء: إذا صحبت إنسانا فانظر إلى عقله لا دينه، فإنّ دينه له، وعقله له ولك. بعضهم: إذا كمل العقول نقص الفضول. قيل: مرآة العواقب في يد صاحب التجارب. لما عزل عمر ﵁ زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعريّ، قال زياد: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن أحدهما، ولكن أكره فضل عقلك على العامّة. وكان من دهاة العرب. كتب إلى معاوية بعد ولاية العراق: قد أخذت العراق بيميني وبقيت شمالي فارغة فتعرض بالحجاز. فسمع ذلك عبد الله بن عمر فرفع يده إلى السماء وقال: اللهمّ اكفنا شمال زياد. فخرجت قرحة في يده فقتلته. الأستاذ أبو إسماعيل الكاتب «٢» : أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل

стр. 98

فيلسوف: عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة. قيل: أيدي العقول تمسك أعنّة الأنفس. وقيل: كل شيء إذا كثر رخص غير العقل فإنه إذا كثر غلا. أعرابيّ: العاقل متصفّح، والجاهل متسمّح. أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه الليل. العاقل من كان على جميع شهواته رقيب من عقله. سقراط: إذا لم يكن عقل الرجل أغلب الأشياء عليه كان هلاكه في أغلب الأشياء عليه. يقال: لفلان من عقله رقيب على شهوته، يهدي إلى الهدى، ويردّه عن الردى. قيل: يعيش العاقل بعقله حيث كان، كما يعيش الأسد بقوّته حيث كان. لقمان: غاية الشرف والسّؤدد حسن العقل، فمن حسن عقله غطّى عيوبه، وأصلح مساويه، وأرضى عنه موادّيه «١» . عليّ ﵁: العاقل من وعظته التجارب. قيل: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب. الحكيم: العقل والتجربة في التعاون، بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق أحدهما بدون الآخر إنباتا. فيلسوف: من عرف التجارب طابت له المشارب. محمود الورّاق «٢» رحمه الله تعالى: إنّ اللبيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا وأخو الجهالة يستبدّ برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا قيل: العاقل يقدّم التجريب قبل التقريب، والاختبار قبل الاختيار، والثقة قبل المقة «٣» . وما المرء منفوعا بتجريب غيره ... إذا لم تعظه نفسه وتجاربه

стр. 99

قيل لحكيم: متى عقلت؟ قال: حين ولدت، فلما رأى إنكارهم قال: بكيت حين جعت- وطلبت الثدي حين أصبحت، وسكتّ حين أعطيت. يعني من عرف مقادير حاجاته فهو عاقل. بطليموس: كل عمل يأذن فيه العقل فهو صواب. وعنه: لا يشرب السمّ اتكالا على ما عنده من الترياق. قال المنذر لابنه النعمان، فيما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن من عقلك ما ترجع إليه أبدا. فقال النعمان: مرني بأمر جامع. فقال: الزم الحزم والحياء. يقال: ذو العقل لا تبطره المنزلة السنيّة، كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسخيف تبطره أدنى منزلة، كالحشيش يحرّكه أدنى ريح. قيل لعليّ ﵁: صف لنا العاقل، فقال: هو الذي وضع الشيء موضعه، قيل: فصف لنا الجاهل، قال: قد فعلت. يعني الذي لا يضع الشيء موضعه. قال الحجاج لابن قرّة: من أعقل الناس؟ قال: الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه. قيل: المواساة أفضل الأعمال، والمداراة أجمل الخصال. في صحف إبراهيم ﵇: العاقل ينبغي أن يكون مقبلا على شانه، عارفا لأهل زمانه، حافظا للسانه. بعض المشايخ: من لم يكن عارفا لأهل زمانه فهو جاهل. لقمان: من عاداه قومه طال يومه، وطار نومه. وعنه: أعط أخاك تمرة، وإن أبى فجمرة. قيل: وفي الشرّ نجاة حين لا يجديك إحسان «١» المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى «٢»

стр. 100

عليّ ﵁: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك. يوسف النمريّ: أتى جبريل آدم ﵉ بثلاث خصال: الحياء والدين والعقل، فقال: اختر واحدة منها، فاختار العقل، فقال الحياء والدين: أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان. أبو بكر ﵁: أفضل الناس عند الله من عزّ به الحقّ، وانتشر عنه الصدق، ورتق برأيه الفتق. يقال: إذا غلب العقل الهوى صرف المساوي إلى المحاسن فجعل البلادة حلما، والحدّة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعيّ صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا. قيل: هجين عاقل خير من هجان «١» جاهل. ابن المقفع: ما رأيت حكيما إلا وتغافله أكثر من فطنته. قيل لبزرجمهر: من أكمل الناس؟ قال: من لم يجعل سمعه غرضا للفحشاء، وكان الأغلب عليه التغافل. بعض الحكماء: التواضع أمان من التقاطع، والتملق أمان من التفرّق، والتغافل عن بعض الأمور تعاقل، والتناعس في بعضها تكايس «٢» . في المثل: تغافل كأنك واسطي «٣» . ملك: إذا شاورت العاقل كان عقله لك. فيلسوف: لا رأي لمن تفرّد برأيه. المأمون: إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه بعاقل. قيل: الرأي مرآة العقل، فمن أردت أن ترى صورة عقله فاستشره. إذا عطّلت الرويّة بطلت القضيّة. يقال: أنجح الآراء ما كثر امتحانه وأطيل تأمله. قيل: كل رأي لم تتمخّض به الفكرة ليلة كاملة كان مولودا بغير تمام. قيل: أفضل الرأي ما أجادت الفكرة نقده، وأحكمت الرويّة عقده.

стр. 101

كان عمر ﵁ إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان واستشارهم وقال: هم أحدّ قلوبا. قيل: رأي الشيخ كالزّند الذي انثلم، ورأي الشابّ كالزند الصحيح يورى بأيسر اقتداح. حكيم: اجعل سرّك إلى واحد ومشورتك إلى ألف. فيلسوف الهند: بالرأي ينال ما لا ينال بالقوة والجنود. عليّ ﵁: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. الأرّجانيّ رحمه الله تعالى: شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما وإن كنت من أهل المشورات فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة «١» عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحبّ إليّ من أن أصيب وقد استبددت. فضل بن سهل «٢» : الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسدّ ثلم الرأي. قيل: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثاني «٣» عن النبي ﷺ : «المستشير معان» . بعض الحكماء: لا يصلح الرأي إلّا بثلاث: دربة في الأمور، ونظر بالسياسة، وفكر في العواقب. الحسن: الناس ثلاثة: فرجل رجل، ورجل نصف رجل. ورجل لا رجل. فأما الرجل فذو الرأي والمشورة، وأمّا نصف الرجل فالذي له رأي ولا يشاور، وأمّا الذي ليس برجل فالذي لا رأي له ولا يشاور. يقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولي الألباب، وأفره الدوابّ لا يستغني عن السّوط، وأورع النساء لا تستغني

стр. 102

عن الزوج. قيل: من بدأ بالاستخارة وثنّى بالاستشارة، لحقيق أن لا يضلّ رأيه. كان يقال: من أجهد رأيه واستخار ربّه واستشار صديقه، قضى الله في أمره ما أحبّ. عليّ ﵁: لا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص يجمعها سوء الظنّ بالله تعالى. عمر ﵁: ما تشاور قوم قطّ إلا هدوا إلى أرشد أمرهم. سليمان ﵇: يا بنيّ لا تقطع أمرا حتى تؤامر «١» مرشدا، فإذا فعلت فلا تحزن. يضرب للحازم أنّ رجلا شكا إلى أخيه قلّة مرفقه «٢» في عمله، واستشاره في التفصي «٣» عنه فقال له: إن كلبا لقي كلبا في فيه رغيف محرق، فقال: ويحك ما أردأ هذا الرغيف! فقال: نعم، لعنة الله عليه وعلى من يتركه حتى يجد خيرا منه. كان بعض الماضين إذا استشير قال لمشاوره: أنظرني حتى أصقل عقلي بنومة. قال المنصور لولده: خذ عنّي ثنتين: لا تقل من غير تفكّر، ولا تعمل بغير تدبّر. قيل: يفسد التدبير ثلاثة أسباب: أحدها كثرة الشّركاء فيه، المفضية لانتشاره وبطلانه، والثاني تحاسد الشركاء لدخول الهوى والغرض، والثالث أن يملك التدبير من غاب عن الأمر المدبّر فيه دون من باشره، فإنه يدخل حقده للمباشر الحاضر. بزرجمهر: إنّ الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضلّ لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها، وكذلك الحازم

стр. 103

يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص رأيه. قيل إذا حلّت المقادير ضلّت التدابير. وقيل: إذا حان الحين حارت العين. يقال: من نظر في المغابّ «١» ظفر بالمحابّ، ومن استدّت «٢» عزائمه اشتدّت دعائمه. قيل: الرأي السديد أحمى من الأيد الشديد «٣» . قيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بحسب لا يطعن فيه، ورأي لا يستغنى عنه. سمع محمد ابن يزداد وزير المأمون قول القائل: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرأي أن يتردّدا «٤» فأضاف إليه: وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا ... فإنّ فساد العزم أن يتقيّدا شهاب الدين: كن ذا عزيمة، فإنّ عزائم الرجال تحرّك الأسباب. في بعض السلاطين: عزماته مثل السيوف صوارما ... لو لم يكن للصارمات فلول «٥» وقيل: عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول وصف رجل عضد الدولة فقال: وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب. لقمان: يا بنيّ شاور من جرّب الأمور فإنه يعطيك من رأيه

стр. 104

ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه بالمجّان. أردشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودّة، والعقل إلى التجربة. الإسكندر: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإنّ الدّرّة لا يستهان بها لهوان غائصها. إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فمن أعوان نفوذه الحيلة. إذا التبست المصادر ففوّض الأمر إلى القادر. معارضة العليل طبيبه توجب تعذيبه. إنما الكيّس الماهر من استسلم لقبضة القاهر. من الدليل على أنّ الإنسان مصرّف مغلوب ومدبّر مربوب، أن يتبلّد رأيه في بعض الخطوب، ويعمى عليه الصواب المطلوب، فإذا تدميره في تدبيره، واغتياله في احتياله، وهلكته في حركته. عليّ ﵁: الرأي بالدول «١» ويذهب بذهابها. أبو العباس بن مسروق: من ترك التدبير عاش في راحة. عليّ كرم الله وجهه: من كثر فكره في العواقب لم يشجع. قيل: الفكر في العواقب يزجر الرجل عن الاقتحام في المعاطب. ومن يطلب العزّ المنيع فقل له ... بأنّ مفاتيح الأمور مصاعب أبو إسماعيل «٢» رحمه الله تعالى: حبّ السلامة يثني همّ صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل فإن جنحت إليه فاتّخذ نفقا ... في الأرض أو سلّما في الجوّ فاعتزل

стр. 105

الروضة السادسة في القضاء والحكومة وذكر الشهود والديون والخصومات أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «ليس أحد يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، فكّه العدل وأسلمه الجور» . وعنه ﷺ : «من حكم بين اثنين تحاكما إليه فلم يقض بينهما بالحق فعليه لعنة الله» . أبو حازم: دخل عمر على أبي بكر ﵄ فسلّم عليه فلم يردّ، فقال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: أخاف أن يكون وجد عليّ «١» خليفة رسول الله ﷺ . فكلّم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يديّ خصمان، وقد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أنّ الله تعالى سائلي عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت. استعدى رجل عمر على علي ﵄، وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه فقال: يا أبا الحسن قم فاجلس مع خصمك. فقام وجلس مع خصمه، فتناظرا فانصرف الرجل، ورجع عليّ إلى مجلسه، فتبيّن عمر في وجهه التغيّر فقال: يا أبا الحسن مالي أراك متغيرا؟ أكرهت ما كان؟ قال: نعم، قال: وماذا؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي فلم لا قلت لي: قم يا عليّ فاجلس مع خصمك؟ فأخذ عمر برأس عليّ وقبّل بين عينيه. عن أبي حنيفة ﵁: القاضي كالغريق في البحر الأخضر، إلى متى

стр. 106

يسبح وإن كان سابحا؟. أراد عمر بن هبيرة «١» أبا حنيفة على القضاء فأبى، فحلف ليضربنّه بالسّياط وليسجننّه. وفعل، حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من مقامع الحديد في الآخرة. عن ابن عون: ضرب أبو حنيفة مرتين على القضاء، ضربه ابن هبيرة، وضربه أبو جعفر، أحضر بين يديه فدعا له بسويق «٢» وأكرهه على شربه. ثم قام فقال له: إلى أين؟ فقال: إلى حيث بعثتني. فمضى به إلى السجن فمات فيه رحمه الله تعالى. عن النبي ﷺ : «من قلّد القضاء ذبح بغير سكين» . أنس، يرفعه: «القضاة جسور للناس، يمرون على ظهورهم يوم القيامة» . عرض على عبد الله بن وهب «٣» القضاء فقال: لم أكتب هذا العلم لأحشر يوم القيامة في زمرة القضاة. عن سراج الأمّة أبي حنيفة ﵁، قال لأصحابه: أنتم مسارّ «٤» قلبي وجلاء حزني، وقد ألجمت هذا الفقه وأسرجته وتركت الناس يلتمسون ألفاظكم ويطؤون أعقابكم، فبجّلوا هذا العلم وصونوه عن ذلّ القضاء. وعنه: لا يترك القاضي على القضاء إلا حولا حتى لا ينسى العلم. كان ببغداد رجل يتعبد، اسمه رويم «٥» ، فولي القضاء، فلقيه الجنيد «٦» فقال: من أراد أن يستودع

стр. 107

فعليه برويم فإنّه كتم حبّ الرياسة أربعين سنة حتى قدر عليها. عرض المأمون القضاء على أبي سليمان، فقال: يا أمير المؤمنين احفظ حقوق الله تعالى فإني غير مأمون الغضب، ولا أرضى أن أحكم بين عباده، فقال: صدقت وقد أعفيناك. يقال: القضاء قضاء، والتدريس تلبيس «١» ، وتولية الأوقاف كحمل أحد أو قاف «٢» ، والتصوف التصلّف. أنوشروان: ما عدل من جارت قضاته، ولا صلح من فسدت كفاته. قيل: وقاض لنا جاهل جائر ... وأحكامه ما ترى ماضيه له امرأة هي أولى لنا ... فيا ليتها كانت القاضيه وقيل: ما قضى الله كائن لا محاله ... فاحترازي من القضاء جهاله ابن عباس ﵄: أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظّلم. جابر ﵁، عن النبي ﷺ : «لا غمّ إلا غمّ الدّين، ولا وجع إلا وجع العين» . أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . عمرو ابن دينار «٣» : «قال رجل لرسول الله ﷺ : أرأيت إن قتلت شهيدا فأين أنا؟ قال: في الجنة. ثم قال: قال لي جبريل: إن لم يكن عليه دين» . الخدريّ «٤» ﵁: «شهد رسول الله ﷺ جنازة رجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟

стр. 108

قالوا: نعم. فرجع. فقال عليّ ﵁: أنا ضامن يا رسول الله، فقال: يا عليّ فكّ الله رقبتك كما فككت عن أخيك المسلم، ما من رجل يفكّ عن رجل دينه إلا فكّ الله رهانه يوم القيامة» . حكيم: الدّين يجمع كل بؤس، همّ بالليل وذلّ بالنهار، وهو ساجور «١» الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذلّ عبدا جعله طوقا في عنقه. عن النبي ﷺ : «من امتشط قائما ركبه الدّين» . مات مجوسيّ وعليه دين، فقال مسلم لولده: بع دارك وخفّف ظهره، قال: وهل يدخل به الجنّة؟ قال المسلم: لا. قال: دعه ليبيت في النار وأكون في الدار. قال رجل لآخر: علّمني الخصومة، قال: أنكر ما عليك، وادّع ما ليس لك، واستشهد بالموتى، وأخّر اليمين إلى أن تنظر فيها. تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما، ولم يترك الآخر يتكلم، فقال: أيها القاضي، تقضي على غائب؟ قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلم. شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح «٢» فيه نخل، فسألهم عن عدد النخل فلم يعرفوا، فردّ شهادتهم، فقال رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فكم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم. احتكم رجلان إلى شريح «٣» ، فأقرّ أحدهما في خلال كلامه بشيء توجّه به الحكم عليه، فحكم عليه شريح، فقال الرجل: أصلحك الله، تحكم بغير شهود؟ فقال: قد شهد عليك ابن أخت

стр. 109

خالتك «١» . جاءت امرأة إليه وشكت من زوجها فقالت: لا يعطيني نفقة، فقال الزوج: أنا أنفق ما أقدر عليه، وهي تسأل ما لا أقدر عليه. فقال شريح: كيف ذاك؟ فقال: أنا أقدر على الماء وهي تسأل الخبز. فضحك وأحسن إليهما. «٢»

стр. 110

الروضة السابعة في المتصوفة والقصّاص اعلم أنّ المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتّسم أفاضلهم بسمة سوى صحبة الرسول ﵊، ثم سمي من صحب الصحابة التابعين، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس، فقيل لخواصّ الأمّة: الزهّاد والعبّاد. ثم ظهرت البدعة وادّعى كل فريق أنّ فيهم زهّادا وعبّادا، فانفرد خواصّ أهل السنّة، المراعون أنفاسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين. وأوّل من سمّي باسم الصوفيّ أبو هاشم الثوريّ. ولولا أبو هاشم الصوفيّ لما عرفت دقائق الرياء. سأل بعض الصوفية في منامه رسول الله ﷺ عن التصوّف، فقال: ترك الدعاوى وكتمان المعاني. بعضهم: صدور الأحرار قبور الأسرار. بطليموس: قلوب الأحرار حصون الأسرار. قيل: حق الأسرار صونها عن الأغيار. السّهروردي، عن رابعة «١» : إني جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي قالت رابعة في مناجاتها: إلهي أتحرق قلبا يحبّك بالنار؟ فسمعت: ما كنّا نفعل هذا فلا تظنّي بنا ظنّ السّوء. سئل رويم «٢» عن التصوف فقال: الصوفيّ هو
следующие страницы →