Полный текст (440 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يسبح وإن كان سابحا؟. أراد عمر بن هبيرة «١» أبا حنيفة على القضاء فأبى، فحلف ليضربنّه بالسّياط وليسجننّه. وفعل، حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من مقامع الحديد في الآخرة. عن ابن عون: ضرب أبو حنيفة مرتين على القضاء، ضربه ابن هبيرة، وضربه أبو جعفر، أحضر بين يديه فدعا له بسويق «٢» وأكرهه على شربه. ثم قام فقال له: إلى أين؟ فقال: إلى حيث بعثتني. فمضى به إلى السجن فمات فيه رحمه الله تعالى. عن النبي ﷺ : «من قلّد القضاء ذبح بغير سكين» . أنس، يرفعه: «القضاة جسور للناس، يمرون على ظهورهم يوم القيامة» . عرض على عبد الله بن وهب «٣» القضاء فقال: لم أكتب هذا العلم لأحشر يوم القيامة في زمرة القضاة.
عن سراج الأمّة أبي حنيفة ﵁، قال لأصحابه: أنتم مسارّ «٤» قلبي وجلاء حزني، وقد ألجمت هذا الفقه وأسرجته وتركت الناس يلتمسون ألفاظكم ويطؤون أعقابكم، فبجّلوا هذا العلم وصونوه عن ذلّ القضاء. وعنه:
لا يترك القاضي على القضاء إلا حولا حتى لا ينسى العلم. كان ببغداد رجل يتعبد، اسمه رويم «٥» ، فولي القضاء، فلقيه الجنيد «٦» فقال: من أراد أن يستودع
стр. 107
فعليه برويم فإنّه كتم حبّ الرياسة أربعين سنة حتى قدر عليها. عرض المأمون القضاء على أبي سليمان، فقال: يا أمير المؤمنين احفظ حقوق الله تعالى فإني غير مأمون الغضب، ولا أرضى أن أحكم بين عباده، فقال: صدقت وقد أعفيناك. يقال: القضاء قضاء، والتدريس تلبيس «١» ، وتولية الأوقاف كحمل أحد أو قاف «٢» ، والتصوف التصلّف. أنوشروان: ما عدل من جارت قضاته، ولا صلح من فسدت كفاته. قيل:
وقاض لنا جاهل جائر ... وأحكامه ما ترى ماضيه
له امرأة هي أولى لنا ... فيا ليتها كانت القاضيه
وقيل:
ما قضى الله كائن لا محاله ... فاحترازي من القضاء جهاله
ابن عباس ﵄: أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظّلم. جابر ﵁، عن النبي ﷺ : «لا غمّ إلا غمّ الدّين، ولا وجع إلا وجع العين» . أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . عمرو ابن دينار «٣» : «قال رجل لرسول الله ﷺ : أرأيت إن قتلت شهيدا فأين أنا؟
قال: في الجنة. ثم قال: قال لي جبريل: إن لم يكن عليه دين» . الخدريّ «٤» ﵁: «شهد رسول الله ﷺ جنازة رجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟
стр. 108
قالوا: نعم. فرجع. فقال عليّ ﵁: أنا ضامن يا رسول الله، فقال: يا عليّ فكّ الله رقبتك كما فككت عن أخيك المسلم، ما من رجل يفكّ عن رجل دينه إلا فكّ الله رهانه يوم القيامة» .
حكيم: الدّين يجمع كل بؤس، همّ بالليل وذلّ بالنهار، وهو ساجور «١» الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذلّ عبدا جعله طوقا في عنقه. عن النبي ﷺ : «من امتشط قائما ركبه الدّين» . مات مجوسيّ وعليه دين، فقال مسلم لولده: بع دارك وخفّف ظهره، قال: وهل يدخل به الجنّة؟ قال المسلم: لا. قال: دعه ليبيت في النار وأكون في الدار. قال رجل لآخر: علّمني الخصومة، قال:
أنكر ما عليك، وادّع ما ليس لك، واستشهد بالموتى، وأخّر اليمين إلى أن تنظر فيها. تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما، ولم يترك الآخر يتكلم، فقال:
أيها القاضي، تقضي على غائب؟ قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلم.
شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح «٢» فيه نخل، فسألهم عن عدد النخل فلم يعرفوا، فردّ شهادتهم، فقال رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فكم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم. احتكم رجلان إلى شريح «٣» ، فأقرّ أحدهما في خلال كلامه بشيء توجّه به الحكم عليه، فحكم عليه شريح، فقال الرجل: أصلحك الله، تحكم بغير شهود؟ فقال: قد شهد عليك ابن أخت
стр. 109
خالتك «١» . جاءت امرأة إليه وشكت من زوجها فقالت: لا يعطيني نفقة، فقال الزوج: أنا أنفق ما أقدر عليه، وهي تسأل ما لا أقدر عليه. فقال شريح:
كيف ذاك؟ فقال: أنا أقدر على الماء وهي تسأل الخبز. فضحك وأحسن إليهما. «٢»
стр. 110
الروضة السابعة في المتصوفة والقصّاص
اعلم أنّ المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتّسم أفاضلهم بسمة سوى صحبة الرسول ﵊، ثم سمي من صحب الصحابة التابعين، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس، فقيل لخواصّ الأمّة: الزهّاد والعبّاد. ثم ظهرت البدعة وادّعى كل فريق أنّ فيهم زهّادا وعبّادا، فانفرد خواصّ أهل السنّة، المراعون أنفاسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين. وأوّل من سمّي باسم الصوفيّ أبو هاشم الثوريّ. ولولا أبو هاشم الصوفيّ لما عرفت دقائق الرياء.
سأل بعض الصوفية في منامه رسول الله ﷺ عن التصوّف، فقال: ترك الدعاوى وكتمان المعاني. بعضهم: صدور الأحرار قبور الأسرار. بطليموس: قلوب الأحرار حصون الأسرار. قيل: حق الأسرار صونها عن الأغيار. السّهروردي، عن رابعة «١» :
إني جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
قالت رابعة في مناجاتها: إلهي أتحرق قلبا يحبّك بالنار؟ فسمعت: ما كنّا نفعل هذا فلا تظنّي بنا ظنّ السّوء. سئل رويم «٢» عن التصوف فقال: الصوفيّ هو
стр. 111
الذي لا يملك شيئا ولا يملكه شيء. قال أبو عبد الله الخفيف: جئت يوما إلى صحبة رويم ثم لما رجعت وضع يده على كتفي وقال: يا بنيّ هو بذل الروح فلا تشتغل بترّهات الصوفية. الشبلي «١» : التصوف ترويح القلب بمراويح الصفاء، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء والتملّق بالسخاء والبشر في اللقاء. قيل: من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه. الجنيد ﵁: حكايات المشايخ جند من جنود الله . وسئل ما نفعها؟ فتلا قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
«٢» الآية. لقّنني كلمة التوحيد الشيخ مصلح الدين قدّس سرّه. رويم: من قعد مع الصوفية وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه. سئل رويم عن الأنس فقال: هو أن تستوحش من غير الله، حتى من نفسك. وسئل عن المحبّة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد:
ولو قلت لي مت متّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
لقي عمر ﵁ ناسا من أهل اليمن فقال: ما أنتم؟ قالوا:
متوكّلون. قال: كذبتم بل أنتم متأكّلون «٣» ، ألا أخبركم بالمتوكل، هو رجل ألقى حبّة في بطن الأرض توكلا على الله. سئل أنس عن قوم يصعقون «٤» عند القراءة، فقال: ذلك فعل الخوارج. وقال: «وعظ النبيّ ﷺ يوما فإذا رجل قد صعق فقال: من ذا الملبّس علينا ديننا؟ إن كان صادقا فقد شهر نفسه، وإن كان كاذبا فمحقه الله» . سئل ابن سيرين عمّن يسمع القرآن فيصعق، فقال: ميعاد ما
стр. 112
بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوّله إلى آخره، فإن صعقوا فهم كما قالوا. قيل لعائشة ﵂: إنّ قوما إذا سمعوا القرآن صعقوا. فقالت: القرآن أكرم من أن ينزف من عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
«١» . قال ابن السّماك للمتصوّفة: إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطّلع الناس على سرائركم، وإن كان مخالفا فقد هلكتم. عمر ﵁: من أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق.
الحسن: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة «٢» بمدرعته أشدّ فرحا من صاحب المطرقة بمطرقته. قيل لبعضهم: بع جبّتك، فقال: إذا باع الصياد شبكته فبأيّ شيء يصيد؟. دخل محمد بن كعب على سليمان بن عبد الملك، فقال: ما هذه الثياب الرّثة؟
فقال: أكره أن أقول لزهد، فأطري نفسي، أو أقول لفقر فأشكو ربّي. أبو الحسين الثوريّ: التصوّف كان حالا فصار قالا «٣» ، ثم ذهب الحال والقال وبقي الاحتيال. قيل: بالصوفية يضرب المثل في الأكل فيقال: آكل من الصوفية، لأنهم يعتادون بكثرة الأكل وعظم اللقمة وجودة القضم، ويأكلون أكل الغنيمة.
سئل بعض العلماء عن التصوّف فقال: أكلة ورقصة. وقيل فيهم:
جماعة نذلة خسيسه ... همّتها الرقص والهريسه
وقيل:
أيا جيل التصوّف شرّ جيل ... لقد جئتم بأمر مستحيل!
стр. 113
أفي القرآن قال الله فيكم: ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي؟ «١»
بعض الصوفية: الرقص نقص. وأول من أحدث اللعب بالرقص:
السامريّ «٢» ، أحدثه حين أخرج لهم عجلا جسدا له خوار، مع الدفّ والمزمار.
قال بعضهم إذ سئل عن التصوّف: تغيير الشكل لأجل الأكل. نقش بعض الصوفية على خاتمه: أُكُلُها دائِمٌ
. ونقش آخر: آتِنا غَداءَنا
«٣» .
قيل:
عجبت من شيخ ومن زهده ... يذّكر النار وأهوالها
يكره أن يشرب في فضّة ... ويشرب الفضّة إن نالها
المأمون: أمور الدنيا أربعة: إمارة وتجارة وصناعة وزراعة، فمن لم يكن أحد أهلها كان كلّا على الناس. بعض الأكابر: قوام الدنيا والدين العلم والكسب، فمن رفضهما فقال: أبتغي الزهد لا العلم، والتوكل لا الكسب، وقع في الجهل والطمع. بعض الحكماء: بذل الجهد في طلب الحلال، وقلّة الحوائج إلى الناس أفضل العبادة. قيل:
ليس التصوّف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من لبس المجوس مرقّع
بطرائق سود وبيض لفّقت ... وكأنه فيه غراب أبقع
стр. 114
سأل بعض شيوخ الزمان عضد الدين عن موضع ذكر المشايخ في القرآن، فقال: في جنب العلماء حيث قال الله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
«١» . سئل بعض الصوفية عن تمزيق الثوب في السماع فقال: إنّ موسى ﵇ وعظ في بني إسرائيل فمزق واحد منهم قميصه، فقال الله تعالى لموسى ﵇: قل له: مزّق قلبك لا ثوبك. بعض أهل الحقيقة: الوجد عجز الروح عن احتمال غلبة الشوق عند وجود حلاوة الذكر. قيل لأحمد بن حنبل: إنّ جماعة كذا يقومون ويرقصون. قال: هم عشّاق، دعهم يفرحوا مع الله ساعة.
خبّاب بن الأرتّ «٢» ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ بني إسرائيل لما قصّوا هلكوا» . روي أن كعبا كان يقصّ فلما سمع هذا الحديث ترك القصص. ابن عمر ﵄: لم يقصّ على عهد رسول الله ﷺ ، ولا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وإنما كان القصص حين كانت الفتنة. مرّ عليّ ﵁ بقاصّ فقال: ما اسمك؟ فقال: أبو يحيى.
فقال: أنت أبو اعرفوني أيها الناس. ابن أبي قلابة: ما أمات العلم إلا القصّاص. ابن المبارك: سألت الثوريّ: من الناس؟ فقال: العلماء. فقلت:
من الأشراف؟ قال: المتّقون. فقلت: ومن الملوك؟ قال: الزّهّاد. فقلت:
ومن الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأكلون أموال الناس بالكلام. قلت:
ومن السّفلة؟ قال: الظّلمة. سئل فضيل عن الجلوس إلى القاصّ يقوم مرّة ويجثو مرّة ويرفع صوته، قال: هذا ليس لله، هذا بدعة، ما كان على عهد
стр. 115
رسول الله ﷺ ، ولا على عهد أبي بكر وعمر، قاصّ، ولكن إذا كان الرجل يذكر الله ويخوّف فلا بأس أن يجلس معه.
قيس بن جبير: هذه الصعقة التي عند القصّاص من الشيطان. بعض القصّاص: أول من يدخل الجنّة من البهائم الطّنبور. قيل له: كيف ذاك؟ قال:
لأنه يضرب بطنه ويعصر حلقه ويعرك أذنه، لا يجمع الله هذا على أحد إلا أدخله الجنة. كان بمرو قاصّ يبكي بمواعظه، فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمّه طنبورا صغيرا وينقره ويقول: مع هذا الغمّ الطويل نحتاج إلى فرح ساعة. وهب رجل لقاصّ خاتما بلا فصّ، فقال: وهب الله لك في الجنة غرفة بلا سقف.
بعض القصّاص: اشكروا الله. فقالوا: لم هو؟ فقال: تفسون فيذهب عنكم رائحته، وتتبخرون فتعلق بكم رائحته، ألم يك هذا من الله نعمة ضافية؟ والله أعلم.
******
стр. 116
الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك
سهل بن سعد: قال رسول الله ﷺ : «عمل الأبرار من الرّجال:
الخياطة، وعمل الأبرار من النساء: الغزل» . «وكان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه ويخصف نعله، وكان أكثر عمله في بيته الخياطة» . سعيد بن المسيّب: كان لقمان الحكيم خيّاطا. ابن شوذب: كان إدريس خيّاطا. أنس، عنه ﷺ : «لا تلعنوا الحاكة «١» فإنّ أول من حاك أبي آدم ﵇» . مجاهد، في قوله تعالى: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
«٢» الحوّاكون. كعب: لا تستشيروا الحاكة، فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم. مجاهد: مرّت مريم، في طلب عيسى ﵇، بحاكة، فسألت عن الطريق فأرشدوها إلى غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم، وأمتهم فقراء، وحقّرهم في أعين الناس. فاستجيب دعاؤها. عن بعض الحكماء أنه رأى شخصا يفتخر بعلم الصياغة فقال:
إني لأكره علما لا يكون معي ... إذا خلوت به في جوف حمّام
عمر ﵁: إني لأرى الرجل يعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا. سقط من عيني. مرّ داود ﵇ بإسكاف، فقال له: يا
стр. 117
هذا، اعمل وكل، فإن الله يحبّ من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل. قيل: كسب الحلال والنفقة على العيال من أعمال الأبدال «١» . عليّ ﵁: من مات تعبا من كسب الحلال مات والله عنه راض. عن النبيّ ﷺ : «من رزق من شيء فليلزمه» . قيل لبعضهم: ما المروءة؟ فقال: العفة والحرفة. قيل: من لم يغل دماغه في الصيف لم يغل قدره في الشتاء. يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، لئلا أتعود على العجز.
من نصائح التجار: أعط المتاع للطالب الأوّل، وخير رأس المال الديانة.
سبحان من جعل غفلة التجّار وحرصهم لطيّ البلاد سببا لمصالح العباد. قال خيّاط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل يخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم. كذب الدلّال: مثل. يقال: لكل أحد رأس مال، ورأس مال الدلّال الكذب. وروي: أوّل من دلّ: إبليس، حيث قال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
«٢» . شهد رجل حلقة الشعبيّ، فلمّا قام قال له:
إني أجد في قفاي حكّة، أفتراني أن أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد لله، نقلنا من الفقه إلى الحجامة «٣» .
قال حائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: وما تقول في شهادته؟ قال: مقبولة مع شهادة عدلين.
стр. 118
عن النّبيّ ﷺ : «لا خير فيمن لا يحبّ المال ليصل به رحمه، ويؤدّي به أمانة، ويستغني به عن خلق ربّه» . الإمام الشافعي ﵁:
لقد طفت في شرق البلاد وغربها ... وجرّبت هذا الدهر باليسر والعسر
فلم أر بعد الدّين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرّا من الفقر «١»
بعضهم:
لا بدّ للمرء من مال يعيش به ... وداخل القبر محتاج إلى الكفن
الثوري: المال في هذا الزمان عزّ للمؤمن. وقال: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. وقال: لأن أخلّف عشرة آلاف يحاسبني الله عليها أحبّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وكانت له بضاعة يقلّبها ويقول: لولا هذه لتمندل بي «٢» بنو العباس. قيل: هي ألف دينار. قيل: للمال مدخل عسير ومخرج يسير.
مولانا سعد الدين «٣» رحمة الله عليه:
فرّق فرق الدروس واجمع مالا ... فالعمر مضى ولم تنل آمالا
لا ينفعك القياس والعكس ولا ... افعنلل يفعنلل افعنلالا «٤»
وله رحمة الله عليه:
طويت بإحراز الفنون وكسبها ... رداء شبابي، والجنون فنون
стр. 119
وحين تعاطيت الفنون ونلتها ... تبيّن لي أنّ الفنون جنون «١»
الحكماء: جمع المال كإعلاء الحجر العظيم إلى ذروة الجبل الشامخ، وخرجه كإلقائه منها. قيل: اكتساب المال من الوجه الذي ينبغي صعب، وتفريقه سهل كما قيل:
له مصعد صعب ومنحدر سهل
ذكر في صحيفة سليمان، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أنّ الحكمة مع الغنى يقظانة، ومع الفقر نائمة. بعضهم: التوجه إلى المصالح الضرورية يمنع الرجل من الفضائل الكثيرة. قيل:
حياة بلا مال حياة ذميمة ... وعلم بلا مال كلام مضيّع
المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده «٢»
عن النبي ﷺ : «إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه» .
بعضهم: قلّة المال، وكثرة العيال، نعوذ بالله من ذلك الحال. أبقراط: قلّة العيال أحد اليسارين «٣» . ترك ابن المبارك دنانير وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلّا لأصون بها حسبي وديني. قيل لأفلاطون: لم تجمع العلم والمال؟
قال: لعزّ الكمال. وقيل له: لم صار الرجل يقتني مالا وهو شيخ؟ فقال: لأن يموت الإنسان فيخلف مالا لأعدائه خير من أن يحتاج في حياته إلى أصدقائه.
стр. 120
وقال: اطلب في حياتك العلم والمال والعمل الصالح، فإنّ الخاصة تفضلك بما تحسن من العلم، والعامّة بما تملك من المال، والجميع بما تعمل من العمل الصالح.
قيل لآخر: لم تحبّ هذه الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. ابن عيينة «١» من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس كان أوّل ما يبذله دينه. قال عليّ ﵁ لابن الحنفيّة «٢» : يا بنيّ إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدّين، مدهشة للعقل، داعية للمقت. وعنه كرّم الله وجهه: الفقر الموت الأكبر. وعنه أيضا ﵁: إنّ المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. عن النبيّ ﷺ : «أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة» . قيل:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الجهل والإفلاس بالرّجل «٣»
لقمان، إذا مرّ بالأغنياء كان يقول: يا أهل النعيم الأصغر، لا تنسوا النعيم الأكبر. وإذا مرّ بالفقراء يقول: إيّاكم أن تغبنوا مرّتين. نظر أعرابيّ إلى دينار فقال: ما أصغر قامتك وأكبر همتك. يقال: الدينار مفتاح الأوطار، والدرهم مزيل الهمّ. وقيل: الدراهم مراهم. قيل: النقود تحلّ العقود. عن النبي ﷺ :
«الدراهم والدنانير خاتمان من خواتيم الله تعالى، فمن ذهب بخاتم من خواتيم
стр. 121
الله قضيت حاجته» . أبو الفتح البستيّ:
أشفق على الدرهم والعين ... تسلم من العينة والدّين «١»
فقوّة العين بإنسانها ... وقوّة الإنسان بالعين «٢»
ابن فارس اللّغويّ:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم «٣»
البستي:
الناس أعوان من والته دولته ... وهم عليه، إذا عادته أعوان
سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان «٤»
وقيل:
إنّ الدراهم في المواطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا «٥»
وقيل:
لم ير ذو الحاجة في حاجة ... أقضى من الدرهم في كفّه
стр. 122
وقيل:
على الحاجات أقفال ثقال ... مفاتحها الهدايا في الظلام
قيل: الدرهم حاكم صامت، وعدل ساكت، وخاتم من الله نافذ، ولهذا المعنى سمي الدينار دينارا، ولهذا عظم وعيد من احتبسه وكنزه، فإنه كمن احتبس حاكما للناس تمشي به أمور معاشهم. ولذا قال النبيّ ﷺ : «إن الذي يشرب في آنية فضة إنما يجرجر في جوفه «١» نار جهنم» لأنّه يؤدّي إلى منع الناس عن تصريفها في معاملاتهم. ولعظم منافعه قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
«٢» .
عن النبيّ ﷺ : «نعمّا المال الصالح للرجل الصالح» . بعضهم: أمور الدنيا تدور على ثلاث مدوّرات: الدينار والدرهم والرغيف. وقيل:
ما مرسل أسرع في النجاح ... من أبيض مدوّر الصّفاح
وقيل:
نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن التبذّل نفسه
لا شيء أنفع للفتى من ماله ... يقضي حوائجه ويجلب أنسه
وإذا رمته يد الزمان بسهمه ... غدت الدّراهم دون ذلك ترسه
أبو ذرّ، رفعه: «صاحب الدّرهمين أشدّ حسابا يوم القيامة من صاحب الدرهم» . الحسن: ما أعزّ أحد درهما إلّا أذله الله. عليّ ﵁: من
стр. 123
أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه. أرسطاطاليس: محبّة المال وتد الشرّ كله لأنّ الشرّ كله متعلق به. الحسن: أوّل دينار ضرب وضعه إبليس على عينيه وقال: من أحبك فهو عبدي:
النار آخر دينار نطقت به ... والهمّ آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن لم يكن ورعا ... لا شكّ يجمع بين الهمّ والنار
فضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا، وعطّلوا الحدود، ونقصوا الكيل والميزان. عن النبي ﷺ :
«التجّار هم الفجّار. فقيل: أليس الله أحلّ البيع؟ فقال: بلى، ولكنهم يحدّثون فيكذبون، ويحلفون فيحنثون» . عيسى ﵇: المال فيه داء كثير. فقيل: يا روح الله، ما داؤه؟ قال: يمنع صاحبه حقّ الله. فقيل: فإن أدّى حقّ الله؟ قال: لا ينجو من الكبر والخيلاء. فقيل: فإن نجا؟ قال:
يشغله إصلاحه عن ذكر الله. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: اقبل منّي هذه الجبّة.
فقال: إن كنت غنيا قبلتها منك. فقال: أنا غنيّ. فقال: كم مالك؟ فقال:
ألفان. فقال: أيسرّك أن يكون أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: أنت فقير، لا أقبلها منك.
عليّ ﵁: يابن آدم، ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك. عامر: أحبّ الناس إلى الله الفقراء، فكان أحبّ خلقه إليه الأنبياء ﵈، فابتلاهم بالفقر. أنس ﵁، رفعه: «يقول الله تعالى لملائكته؟ ادنوا من أحبّائي، فتقول الملائكة: سبحانك من أحبّاؤك؟ فيقول:
ادنوا من فقراء المسلمين» . محمد بن عبد الوهاب: ما رأيت أذلّ من الأغنياء في
стр. 124
مجلس سفيان الثوريّ، وما رأيت أعزّ من الفقراء في مجلسه. وكان يقال:
الفقراء في مجلس سفيان أمراء. فضيل: من أراد عزّ الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
أبو بكر ﵁: لا تحقرنّ أحدا من المسلمين، فإنّ صغيرهم عند الله كبير. كان مولانا جلال الدين قدّس الله سرّه يسأل خادمه عن المأكولات، فإن قال: لا شيء في البيت، كان يفرح ويحمد الله تعالى، وإن قال: ما لا بدّ منه حاضر، كان ينفعل ويقول: تجيء رائحة فرعون من داري. ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر الفقراء ألا أبشّركم بأنّ فقراء المسلمين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام» . قال عون:
صحبت الأغنياء فلم يكن أحد أكثر غمّا مني، لأني كنت أرى ثيابا خيرا من ثيابي، ودابّة خيرا من دابّتي. ثم صحبت المساكين فاسترحت. ابن أدهم:
طلب أبناء الدنيا الراحة في الغنى فأخطؤوا، ولو علموا أنّ الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف. قيل:
غنى النفس ما يكفيك عن سدّ حاجة ... فإن زاد شيئا زاد ذاك الغنى فقرا «١»
أرسطو: أعظم الناس محنة من قلّ ماله وعظم مجده. عبد الملك لرجل:
مالي أراك واجما؟ قال: أشكو ثقل الشّرف. فقال: أعينوه على حمله. أبو إسماعيل «٢» :
أريد بسطة مال أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قبلي
стр. 125
ابن أدهم: طلبنا الفقر استقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى استقبلهم الفقر.
قال الحكماء: الشهرة آفة وكل الناس يتولّاها، والخمول راحة وكلّ يتوقّاها.
عمر ﵁: الفقر والغنى مطيّتان لست أبالي أيتهما ركبت. الشيخ أحمد الغزالي قدّس الله سرّه قال: من ميخ طويله در كل زدم نه در دل «١» . الإمام اليافعي رحمه الله تعالى: لو سقط من السماء قلنسوة ما وقعت إلا على رأس من لا يريدها. يقال: الدنيا تطلب الهارب وتهرب من الطالب. قيل: ما منع مال من حق إلا ذهب في باطل أضعافه. عليّ ﵁: إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غنيّ والله سائلهم عن ذلك.
نزل جبريل ﵇ على لقمان وخيّره بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، فمسح بجناحه على صدره فنطق بها. فلمّا ودّعه قال: أوصيك بوصيّة فاحفظها: يا لقمان لأن تدخل يدك إلى مرفقك في فم تنين «٢» خير لك من أن تسأل فقيرا قد استغنى. وقرىء عند المنصور قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
«٣» . فقال: حدّ الله النفقة: نهى عن الإسراف والتقتير، وأمر بالقصد والتقدير. حكيم: حسن التدبير مع الكفاف أكفى من المال الكثير مع الإسراف. قيل: الإسراف في العشرة يورث الإشراف على العسرة. النبيّ ﷺ :
«الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق من الدين» . الحسن ﵁:
المؤمن قد أخذ عن الله أدبا حسنا فإذا وسّع الله عليه وسّع على عياله، وإذا قتر عليه قتر عليهم.
стр. 126
دخل لص على بعض الفقراء ففتّش في البيت فلم يجد شيئا، فلمّا أراد أن يخرج قال صاحب البيت: إذا خرجت فأغلق الباب. فقال اللصّ: من كثرة ما أخذت من بيتك تستخدمني؟. كان سائل يمشي ومعه ابنه الصغير، فسمع امرأة خلف جنازة وهي تقول: أين يذهبون بك يا سيدي؟ إلى بيت ليس فيه غطاء ولا وطاء»
ولا غداء ولا عشاء. فقال ابن السائل لأبيه: هذا إلى بيتنا يذهبون به.
خرج يوما الأعمش لتلامذته ضاحكا، فسئل عن سبب الضحك فقال: لي بنت صغيرة فأردت أن أخرج إليكم فأخذت بذيلي وسألت درهما فقلت: ليس لي درهم، فتوجّهت إلى أمها وقالت: ألم تجدي أحدا حتى قبلت هذا الفقيه الفقير؟. تناهد قوم «٢» ، فقال أحدهم: عليّ كذا، وقال ذاك: عليّ كذا، وفيهم مفلس، فقيل: وما عليك؟ فقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
والله أعلم.
******
стр. 127
الروضة التاسعة في الرزق والحرمان وتبدّل الأحوال والتفاوت
ثوبان «١» ، عن النبي ﷺ : «إنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه، ألا ترى أن آدم ﵇ كان في الجنة في عيش رغد، فأخرج منها إلى الدنيا بالمعصية التي كانت منه؟» . عليّ ﵁: إذا غضب الله على أمّة غلت أسعارها، ولم تربح تجّارها، ولم تزك ثمارها «٢» ، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وغلبها شرارها. أرسطو: جحد الإنعام يوجب الحرمان. موسى ﵇، قال في مناجاته: لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال: ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة لمحتال. أبو بكر محمد بن سابق:
فكم قويّ قويّ في تقلّبه ... مهذّب الرأي، عنه الرزق ينحرف
وكم ضعيف ضعيف في تقلبه ... كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له ... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف
ابن الراوندي:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النّحرير زنديقا
وأجاب عنه من قال:
نكد اللبيب وطيب عيش الجاهل ... قد أرشداك إلى حكيم كامل
стр. 128
عليّ كرّم الله وجهه:
كم من أديب فهم عقله ... مستكمل العقل مقلّ عديم
ومن جهول مكثر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم «١»
أبو جعفر:
المرء يرزق لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
فيلسوف: إفراط العقل مضرّ بالجدّ. بزرجمهر: وكّل الله الحرمان بالعقل والرزق بالجهل، ليعلم أن لو كان الرزق بالحيلة لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال بمكسبه. أبو الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم «٢»
ابن ميكال:
العقل في طلب المطالب عقلة ... عجبا لأمر العاقل المعقول «٣»
وأخو الدراية والرواية متعب ... والعيش عيش الجاهل المجهول
المتقدّم في الحذق متأخر في الرزق. يقال: حرفة الأدب أعدى من الجرب. ابن دريد: أوضح الدلائل على نقص الرجل في صناعته أن يكون محظوظا منها، لأنك لا تجد متناهيا في حرفته إلّا متناهيا في حرفته «٤» .
كم عاقل أخّره عقله ... وجاهل صدّره جهله
стр. 129
وقيل:
عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
عبد الخالق:
قلّ الحفاظ فذو العاهات محترم ... والشهم ذو الفضل يؤذى مع سلامته
كالقوس يحفظ عهدا وهو ذو عوج ... وينفذ السهم قصدا لاستقامته
الحمدوني:
إنّ المقدّم في حذق بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
وقيل:
تموت الأسد في الغابات جوعا ... ولحم الطير يطرح للكلاب
وخنزير ينام على فراش ... وذي أدب ينام على التّراب
وقيل:
إن الزمان لتابع للأنذل ... تبع النتيجة للأخسّ الأرذل
وقيل:
الدهر مع الأنام كالميزان ... لا يرفع غير صاحب النقصان
شمس المعالي:
قل للذي بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلّا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... ويستقرّ بأقصى قعره الدّرر
стр. 130
وفي السماء نجوم غير ذي عدد ... وليس يكسف إلّا الشمس والقمر
الأرّجاني:
لو كنت أجهل ما علمت لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصّعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنّم «١»
أبو إسحاق الغزيّ:
لا غرو أن تجني عليّ فضائلي ... سبب احتراق المندليّ دخانه «٢»
الشيخ عبد القاهر:
كبّر على العقل يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم
وكن حمارا تعش بخير ... فالسعد في طالع البهائم
الباخرزي:
لو علم الوالد أنّ ابنه ... يحرم بالآداب ما علّمه
يرزق ذا الجهل على جهله ... وذا الحجا من حذقه أحرمه
لقمان: كسدت اليواقيت في بعض المواقيت. التقى ملكان فتساءلا، فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهوديّ. وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. قالت أمّ الإسكندر في دعائها له: رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
стр. 131
الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى:
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق «١»
المأمون: سمعت الرضيّ يقول: ثلاثة موكّل بها ثلاثة: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدّم في الصنعة، ومعاداة العوامّ لأهل المعرفة.
الحسين المغربي:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكّرت ... مراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
فماء بلا مرعى، ومرعىّ بغير ما ... وحيث يرى ماء ومرعى فمسبع
أرسطاطاليس: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأنّ المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به من علو إلى سفل.
بعضهم:
إذا أقبلت جاءت تقاد بشعرة ... وإن أدبرت ولّت تقدّ السلاسلا
إذا ولّت دولة زلّت أمّة.
عليّ كرّم الله وجهه:
أقول لدهر قد توالت صروفه ... أليس لهذا يا زمان زوال؟
فقال: اصطبر كم دولة قد تغيّرت ... لكلّ زمان دولة ورجال «٢»
стр. 132
كتب مفلس على خاتمه: اصبر فالدهر دول. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تسهرنّ إذا ما الرزق ضاق ونم ... ما دمت في ظلّ أمن ساكن البال
فبين غفوة عين وانتباهتها ... يقلّب الدهر من حال إلى حال
جابر بن ثعلبة:
كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ولم يك في بؤس إذا بات ليلة ... يناغي غزالا ساجي الطّرف أكحلا
إذا جانب أعياك فاعمد لجانب ... فإنّك لاق في البلاد معوّلا
سئل بزرجمهر: كيف اضطربت أمور آل ساسان وفيهم مثلك؟ قال: استعانوا بأصاغر العمّال على أكابر الأعمال، فآل أمرهم إلى ما آل. مالك بن دينار:
مررت على قصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يذهب بساكنك الزمان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب، وثمّة عجوز فقالت: يا عبد الله، والله قد دخلها الحزن وذهب بأهلها الزمان. عبد الملك بن عمير: رأيت رأس الحسين ﵁ بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأسه بين يدي مصعب، ثم رأسه بين يدي عبد الملك، قال سفيان: فقلت: كم بين أوّل الرؤوس وآخرها؟ قال: اثنتا عشرة سنة.
المدائنيّ: رأيت رجلا يطوف بين الصّفا والمروة على بغلة، ثم رأيته راجلا في سفر، فقلت له: لم تمشي ويركب الناس؟ فقال: ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن يرجّلني حيث يركب الناس.
أبو العتاهية:
لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر
стр. 133
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر «١»
المغربي رحمه الله تعالى:
أقول لقوم شامتين بنكبتي ... رويدا فقد يغني عن الكسر جابر
لئن سلبوا مالي فعرضي سالم ... وإن نقصوا كتبي ففضلي وافر
وقيل:
من كان فوق محلّ الشمس منزله ... فليس يرفعه شيء ولا يضع «٢»
وقيل:
وما رفعتي في عسجد أستفيده ... ولكنّه في مفخر أستجيده
الأستاذ أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل «٣»
كان رسول الله ﷺ إذا نظر إلى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قرأ:
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
«٤» . لأنهما من خيار الصحابة وأبواهما أعدى عدوّ لله ورسوله. أحمد بن سهل: الرجال ثلاثة: سابق ولا حق وما حق، فالسابق الذي يسبق أباه بفضله، واللاحق الذي يلحق بأبيه في شرفه، والماحق الذي محق
стр. 134
شرف آبائه. ولد عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قبض فيها عمر ﵁، فسمي باسمه، وكان الناس يقولون: أيّ حقّ رفع وأيّ باطل وضع؟
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر «١»
غيره:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النائي الغريب «٢»
******
стр. 135
الروضة العاشرة في ذكر الدنيا والآخرة والسنة والشهر واليوم والليلة والساعة وما ناسب ذلك
عن النبي ﷺ : «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» . عليّ ﵁: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر. يحيى بن معاذ: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها. حكيم: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى والعزّة والراحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قنع استغنى، ومن قلّ سعيه استراح. القدماء: ثمرة الدنيا السرور، وما تسرّ عاقلا قطّ. ابن المعتزّ:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا
غيره:
إذا أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا ترتقب إلّا خمول نبيه
قيل: من أراد في الدنيا زيادة لا يستحقها أصابه نقصان وهو مستحقّ له. قيل:
ألا إنما الدنيا كظلّ سحابة ... أظلّتك يوما ثم عنك اضمحلّت
فلا تك فرحانا بها حين أقبلت ... ولا تك محزونا بها حين ولّت
وقيل:
ومن كان للدنيا أشدّ تصوّرا ... تجده عن الدنيا أشدّ تصوّنا
وقيل:
أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع
стр. 136
أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... وهل سمعت بظلّ غير منتقل؟ «١»
محمد بن سوقة: مثل الدنيا والآخرة ككفّتي الميزان، بقدر ما تترجّح إحداهما تخفّ الأخرى. قيل: مثل الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان، فإن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. قيل:
عتبت على الدنيا بتقديم جاهل ... وتأخير ذي لبّ فأبدت لي العذرا
بنو الجهل أبنائي، وأمّا بنو النّهى ... فإنهم أبناء ضرّتي الأخرى
اجتمعت عند رابعة رحمها الله تعالى جماعة من الفقهاء والزهّاد، فذمّوا الدنيا وهي ساكتة. فلمّا فرغوا قالت: من أحبّ شيئا أكثر من ذكره إمّا بمدح أو بذمّ، فإن كانت الدنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرون لا شيء. الفضيل: جمع الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجمع الشرّ كله في بيت وجعل مفتاحه حبّ الدنيا.
قيل لعابد: لم تركت الدنيا؟ فقال: لأني أمنع من صافيها فأمتنع من كدرها. وقيل لآخر: خذ حظّك من الدنيا، فإنك فان عنها. فقال: الآن وجب أن لا آخذ حظّي منها. بعض الزهّاد:
رضيت من الدنيا بلقمة يابس ... ولبس عباء لا أريد سواهما
لأني رأيت الدهر ليس بدائم ... ودهري وعمري فانيان كلاهما
стр. 137
قيل: من كان دنياه همّه كثر في الدنيا والآخرة غمّه. عن النبي ﷺ : «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . قال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تدخل في الدنيا دخولا يضرّ بآخرتك، ولا تتركها تركا فتكون كلّا على الناس. أردشير بن بابك: لا تركننّ إلى الدنيا فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركها فإنّ الآخرة لا تنال إلّا بها. سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، وعمرها سبعة آلاف سنة ومائة سنة، وليأتينّ عليها مئون من سنين لا يوجد عليها موحّد.
وعن كعب: الدنيا ستة آلاف سنة. قيل لصوفيّ: فلان يستغيث من الدنيا.
فقال: قل له: استغاثة دنياك منك أكثر من استغاثتك منها. بعض أهل الحقيقة:
ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك. قال رجل عند الأصمعيّ رحمه الله تعالى: فسد الزمان، فقال الأصمعيّ:
إنّ الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس «١»
وقيل:
نذمّ زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان إذا هجانا «٢»
وقيل:
يقولون: الزمان له فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزّمان
وقيل:
كلّ من لاقيت يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
стр. 138
إنما الدنيا لذي جهل بها ... ولبيب العقل فيها في حزن
كانت عائشة ﵂ تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وكانت تقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش في زماننا؟. أبو ذرّ ﵁: ما مرّ يوم ولا ليلة ولا شهر ولا سنة، إلا والذي قبله خير منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ . يونس بن ميسرة: مالنا لا يأتي علينا زمان إلا بكينا منه، ولا ولّى عنّا زمان إلا بكينا عليه؟ قيل:
وما مرّ يوم أرتجي منه راحة ... فأخبره إلا بكيت على أمس
سعيد بن حميد:
لم أبك من زمن شكوت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول «١»
قيل لابن جريج: كم صيفكم بمكة؟ قال: ثلاثة عشر شهرا. قيل لبعض العرب: قد جاء رمضان، فقال: لأبدّدنّ شمله بالأسفار. قيل لبعضهم: أيّما أطيب، الخريف أم الربيع؟ قال: الربيع للعين والخريف للفم.
أبو الفرج الببغاء:
زمن الورد أطيب الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان
وقيل:
أبشر فقد ذهب الشتاء ببرده ... وأتى الربيع أخو الحياة بورده
стр. 139
الشيخ ابن العربي: أفضل الشهور عندنا شهر رمضان، ثم ربيع الأول، ثم رجب، ثم شعبان، ثم ذو الحجة، ثم شوّال، ثم ذو القعدة، ثم المحرّم.
أراد بعض الأعراب السفر في أوّل السنة فقال: إن سافرت في المحرّم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر حشيت على يدي أن تصفر. فأخّر السفر إلى ربيع، فلمّا سافر مرض ولم يحظ بطائل فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربيع الأمراض. عن النبي ﷺ : «ما قال الناس لقوم طوبى لكم إلا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء» .
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلّا أساءت إليه بعد إحسان
وقيل:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف شرّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وقيل:
لا صحة المرء في الدنيا تؤخّره ... ولا يقدّم يوما موته الوجع
سقراط: لا تركننّ إلى الزمان فإنه سريع الخيانة لمن ركن إليه. وعنه: من سرّه الزمان في حال ساءه في أخرى. شدّ عامل رجلا على أسطوانة ليضربه فقال: حلّني من هذه وشدّني على الأخرى. قيل: ولم؟ قال: أرجو بينهما فرجا. فحلّ منها وشدّ على الأخرى، فورد عليه كتاب بالعزل ومطالبته بالأموال فخلّي ذلك «١» وشدّ العامل مكانه.
стр. 140
عليّ ﵁:
إذا ضاق الزمان عليك فاصبر ... ولا تيأس من الفرج القريب
وطب نفسا فإن الليل حبلى ... عسى تأتيك بالولد النجيب «١»
وقيل:
وإني رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة بمعايبه
إذا سرّني في أوّل الأمر لم أزل ... على حذر من غمّه في عواقبه
عديّ بن زيد:
يا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تأمننّ بليل طاب أوّله ... فربّ آخر ليل أجّج النارا «٢»
قيل لأعرابيّ: كيف ترى الدنيا؟ فقال: قحبة، يوما لعطار ويوما لبيطار.
يقال: لا تغترّ بصفاء الأوقات، فإنّ تحتها غوامض الآفات. قيل لأعرابيّ: كيف رأيت الدهر؟ قال: وهوب لما سلب، وسلوب لما وهب، كالصبيّ إذا لعب.
ألا إنما الدنيا على المرء فتنة ... على كل حال، أقبلت أم تولّت
ابن المبارك: خرج أهل الدنيا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى. قيل:
فحسبك قول الناس فيما ملكته: ... لقد كان هذا مرّة لفلان
سقراط: أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر بعضها طوي بعضها.
стр. 141
فيثاغورس: الدنيا دول، مرّة لك ومرة عليك.
ابن الرومي رحمة الله عليه:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها، وإنها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد «١» ؟
عيسى ﵇: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها. نوح ﵇: وجدت الدنيا كدار له «٢» بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. قيل:
دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
قيل: لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم، لما شكا أحد فقره. كتب داود الطائيّ إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت. بعض أهل الحقيقة: إن أردت السلامة سلّم على الدنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة. المنصور لمّا حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة.
أعرابيّ: كيف تفرح بعمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات؟ قيل:
تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
قيل لأعرابيّ: انظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به؟ محلّ دين، ومقرّب حين. أنشد ابن الأعرابيّ:
стр. 142
ما سبعة كلّهم إخوان ... ليسوا يموتون وهم شبّان
لم يرهم في موضع إنسان
هي أيام الجمعة. قال رجل:
تطاول الليل لا تسري كواكبه ... أم حار حتّى رأيت النّجم حيرانا؟
فأجابه الآخر:
ما طال ليل ولا حارت كواكبه ... ليل المحبّ طويل كيفما كانا
الجنيد: دخلت يوما على السريّ «١» ، وهو قاعد يقرأ هذا البيت ويبكي:
لا في النهار ولا في الليل لي فرج ... فلا أبالي أطال الليل أم قصرا؟
قيل: إن الليل والنهار خزانتان ما أودعتهما أدّتا، وإنهما يعملان فيك فاعمل فيهما. قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كلّ يوم لا أعصي الله فيه عيد. أبو السّمط في المتوكل:
بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا في كلّ يوم مهرجان
جعلت هديتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان
احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب، وإنما تأسّفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى. ذهب الجمهور إلى أن القعود في صفر أولى من الحركة. عن النبيّ ﷺ : «من بشّرني بخروج صفر أبشّره بالجنّة» . أسقلتينوس «٢» : من عرف
стр. 143
الأيام لم يغفل عن الاستعداد. وعنه: كم من دهر ذممتموه فلمّا صرتم إلى غيره مدحتموه.
سئل ابن عباس عن النيروز: لم اتخذوه عيدا؟ فقال: لأنه أول السنة المستأنفة، وآخر السنة المنقطعة، وكانوا يستحبّون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطّرف والهدايا، فاتّخذه الأعاجم سنّة وهو أوّل يوم من فروردين ماه «١» . قيل:
كان الرسم في زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن يوم البطالة يوم السبت، ولا يقرأ في يوم السبت. ثم في زمن الخصّاف «٢» كان متردّدا بين الاثنين والثلاثاء.
أنس ﵁: «سئل رسول الله ﷺ عن الأيام فقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، لأنّ قريشا مكرت فيه في دار الندوة، ويوم الأحد يوم غرس وعمارة، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا، ويوم الاثنين يوم سفر وتجارة، لأن شعيبا ﵇ سافر فيه واتّجر فربح، ويوم الثلاثاء يوم دم، لأن حوّاء حاضت فيه، وأراق ابن آدم دم أخيه فيه، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ، لأن الله تعالى أغرق فيه فرعون وأهلك عادا وثمود، ويوم الخميس يوم قضاء الحوائج والدخول على السلاطين، لأنّ إبراهيم ﵇ دخل فيه على الملك فأكرمه وقضى حوائجه وأهدى له (هاجر) ، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح، لأنّ الأنكحة كانت تعقد فيه» .
وفي الحديث: «نعوذ بالله من شرّ يوم الأحد، وإيّاكم والشخوص في يوم الأحد، فإنّ له حدّا كحدّ السيف» . والأربعاء عندهم مشؤوم، والذي لا
стр. 144
يدور «١» أشأم. وعن ابن عباس يرفعه: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمرّ» . قيل:
لقاؤك للمبكّر فأل سوء ... ووجهك أربعاء لا يدور
قيل: يحمد فيه الاستحمام. عن النبي ﷺ : «ما من شيء بدىء يوم الأربعاء إلا وقد تمّ» . كان صاحب «الهداية» يتوقف في ابتداء الأمور على الأربعاء ويروي هذا الحديث ويقول: كان هكذا يفعل أبي ويرويه عن شيخه أحمد ابن عبد الرشيد. عن النبيّ ﷺ : «من احتجم يوم الخميس فحمّ مات في ذلك المرض» . عن ابن مسعود ﵁: من قلّم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه داء وأدخل فيه شفاء.
الأصمعيّ دخلت على الرشيد يوم الجمعة وهو يقلم أظفاره فقال: قلم الأظفار يوم الجمعة من السنّة، وبلغني أنه ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين وأنت تخشى الفقر؟ فقال: وهل أحد أخشى من الفقر منّي؟. عليّ ﵁، رفعه: «من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي عشرة أيام غرّ زهر لا تشاكلهنّ أيام الدنيا» . «من سالت من عينه قطرة يوم الجمعة قبل الرواح أوحى الله إلى ملك الشّمال: اطو صحيفة عبدي فلا تكتب عليه خطيئة إلى مثلها من الجمعة الأخرى» . العلّامة: استغنم تنفّس الأجل، وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، وعمر غير ممدود.
عن النبي ﷺ : «ألا أدلّكم على ساعة من ساعات الجنة، الظلّ فيها ممدود، والرزق فيها مقسوم، والرحمة فيها مبسوطة، والدعاء فيها مستجاب؟
стр. 145
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» .
عليّ ﵁: «مرّ النبيّ ﷺ بعائشة ﵂ قبل طلوع الشمس، وهي نائمة، فحرّكها برجله وقال: قومي لتشاهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، إنّ الله يقسم أرزاق العباد بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» . والله أعلم.
******
следующие страницы →