← Фатава

Фатава · id 10517

فتاوى د حسام عفانة

حسام الدين عفانة

Полный текст (1 139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١ - فضائل الرباط في بيت المقدس وأكنافه يقول السائل: ما فضل المرابط في بيت المقدس وأكنافه، أفيدونا؟ الجواب: أذكر أولاً بعض ما ورد في الكتاب والسنة، من فضائل في بيت المقدس وفلسطين والشام عامة، وفضائل المسجد الأقصى المبارك خاصة، فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين، وخاصة في هذه الأحوال الصعبة التي يمر بها بيت المقدس وأكنافه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء، وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي للمسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر واستدعائي للعسكر المصري إلى الشام، وتثبيت العسكر الشامي فيه ... ] مناقب الشام وأهله ص٦٩. فمن النصوص الواردة في ذلك: قول الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الإسراء الآية١. وقوله تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنبياء الآية٧١. وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ﴾ سورة سبأ الآية ١٨. وقوله تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ سورة الأنبياء الآية٨١. ومما يؤكد فضيلة بيت المقدس أنه قبلة المسلمين الأولى حيث استقبله رسول الله ﷺ وأصحابه على مدى ستة عشر شهراً حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ سورة البقرة الآية ١٥٠. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل بيت المقدس وفلسطين والشام عامة وفضائل المسجد الأقصى المبارك خاصة منها: عن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي، أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام) رواه البخاري. وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (عليكم بالشام) رواه الطبراني، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع. وعن عبد الله بن حوالة قال: قال النبي ﷺ : (ستجندون أجناداً جنداً بالشام وجنداً بالعراق وجنداً باليمن، قال عبد الله فقمت فقلت: خر لي يا رسول الله، فقال: عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليستق من غُدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الشام أرض المحشر والمنشر) ، قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وقال النبي ﷺ : (إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نورٌ ساطعٌ عُمد به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ صلَّى الفجر ثم أقبل على القوم فقال: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا، فقال رجل: وفي العراق، فسكت ثم أعاد، قال الرجل: وفي عراقنا فسكت ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم اجعل مع البركة بركة) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. انظر فضائل الشام ودمشق للربعي تخريج العلامة الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فإن الرباط في بيت المقدس وأكنافه فيه فضل عظيم، حيث إنه من أوكد الرباط في سبيل الله ، فقد ورد في الحديث عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، بل هو خيرٌ من صيام شهر وقيامه، ورباط شهرٍ خيرٌ من صيام الدهر.) رواه البخاري ومسلم. وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذه فضيلةٌ ظاهرةٌ للمرابط، وجريان عمله بعد موته فضيلةٌ مختصةٌ به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحاً في غير مسلم - يشير إلى حديث فضالة الآتي -: " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة "] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٤. وعن أبي الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله رواه الطبراني ورواته ثقات كما قال المنذري، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويُؤمَن من فتنة القبر) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل عملٍ ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله ويجرى عليه رزقه إلى يوم القيامة) قال المنذري: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين رواة أحدهما ثقات، وقال العلامة الألباني حسن صحيح كما في صحيح الترغيب. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع الأكبر، وللمرابط في سبيل الله أجر من خلفه من ورائه.) قال المنذري: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وغير ذلك من الأحاديث. ولا شك أن المرابطين في بيت المقدس وأكنافه إذا أخلصوا عملهم لله تعالى، فإنهم من الطائفة الظاهرة المقيمة على الحق كما أخبر النبي ﷺ في عدد من الأحاديث، والذي يفهم منها أن الطائفة الظاهرة لا تكون في مكان واحد على مر الأيام والعصور، بل قد توجد في فترة من الزمان في مكان، وفي زمان آخر تكون في زمان آخر، قال الشيخ حمود التويجري: [وقد اختلف في محل هذه الطائفة فقال ابن بطال: [إنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁: (قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: (ببيت المقدس) ، وقال معاذ ﵁: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة ... فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها ... فأما في زماننا وما قبله، فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض، كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم وتكثر في بعض الأماكن أحياناً، ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين] إتحاف الجماعة ١/٣٣٢-٣٣٤. وحديث أبي أمامة المشار إله هو عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء - شدة وضيق معيشة - حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا: وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) رواه الطبراني وعبد الله بن الإمام أحمد وقال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد ٧/٢٨٨. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس، وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني: (يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة) ] فتح الباري ١٣/٣٦١. وخلاصة الأمر أن فضائل كثيرة وعظيمة ثابتة لبيت المقدس وأكنافه عامة، وللمسجد الأقصى المبارك خاصة، وأن الرباط في بيت المقدس وأكنافه له أجر عظيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة آل عمران الآية٢٠٠.

стр. 37

٢ - حديث (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة) حديث غير ثابت عن النبي ﷺ يقول السائل: سمعت أحد المشايخ في محاضرة يذكر حديث (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) ويقول رواه الإمام مسلم في صحيحه، فهل هذا الكلام صحيح، أفيدونا. الجواب: قرر المحدثون أن هذا الحديث لا أصل، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني والسيوطي والسخاوي والعجلوني والفتني الهندي والألباني وغيرهم، قال السيوطي: [حديث الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة. قال الحافظ ابن حجر: لا أعرفه.] الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١/١٠، وقال الملا علي القاري: [حديث الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة، قال العسقلاني: لا أعرفه] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع١/٩٩، وقال العجلوني: [ (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) قال في المقاصد قال شيخنا لا أعرفه ولكن معناه صحيح، يعني في حديث (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة) ، وقال ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية: لم يرد بهذا اللفظ وإنما يدل على معناه الخبر المشهور: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، وفي لفظ من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفسر ذلك الأمر بريح لينة يرسلها الله لقبض أرواح المؤمنين، ثم لا يبقى على وجه الأرض إلا شرار أهلها فتقوم الساعة عليهم، كما في حديث لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله الله انتهى] كشف الخفاء١/٣٩٦، وقال العلامة الألباني: [لا أصل له، قال في المقاصد: قال شيخنا يعني ـ ابن حجر العسقلاني ـ: لا أعرفه. وقال ابن حجر الهيتمي الفقيه في الفتاوى الحديثية ١٣٤: لم يرد هذا اللفظ. قلت – أي الألباني-: ولذلك أورده السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة رقم ١٢٢٠ بترقيمي، ويغني عن هذا الحديث قوله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة١/٥١. وبهذا يظهر لنا أن هذا الحديث لا أصل له، وإذا كان الحديث كذلك فتحرم نسبته إلى النبي ﷺ ، وكذلك فإن الحديث ليس في صحيح مسلم ولا غيره من كتب السنة، ويجب أن يُعلم أن نشر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ دون التأكد من ثبوتها، يعتبر من باب الكذب على الرسول ﷺ ، وهذا أمرٌ جد خطير، لأن من ينسب حديثاً غير ثابتٍ إلى النبي ﷺ قد يدخل في دائرة الكذب على الرسول ﷺ ، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، وقد حذرنا النبي ﷺ من الكذب عليه، فقال ﷺ : (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم (إن كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: (ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالمٍ بصحته) ، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) ، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/٢١٠، وقال العلامة الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه، السلسلة الضعيفة ١/١٢. ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وقال ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها ونشرها بين الناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وقد نص أهل العلم على تحريم رواية الأحاديث المكذوبة، قال الإمام النووي: [باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ، واستدل بقوله ﷺ : (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وغيره من الأحاديث، ثم ذكر بعد ذلك: [باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها] واستدل بقوله ﷺ : (سيكون في آخر الزمان ناسٌ من أمتي يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٦٢-٧٠. وينبغي أن يُعلمَ أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة. وقد سبق في أول الجواب أن العلماء قد ذكروا أنه يغني عن هذا الحديث المكذوب (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) ، أحاديث كثيرة صحيحة منها: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم. ومنها: عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري. ومنها: وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري ومسلم. ومنها: وعن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام) رواه البخاري. ومنها: وعن حميد قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله) . رواه البخاري ومسلم. ومنها: عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره) رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد والبزار والطبراني وصححه العلامة الألباني في كتاب صلاة التراويح ص٩٧ وفي السلسلة الصحيحة ٥/٣٥٥. إذا تقرر هذا فإن الخيرية لأمة محمد ﷺ ثابتةٌ بنص كتاب الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٠، قال الإمام ابن كثير: [يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ . قال البخاري: حدثنا محمد ... عن أبي هريرة: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ... والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ ، ثم قال ابن كثير: [والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرنٍ بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ أي: خياراً ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية. وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأنتم أكرم على الله " وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي ... وإنما حازت هذه الأمة قصبَ السَّبْق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله أكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبياً قبله ولا رسولاً من الرسل. فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد ... قال رسول الله ﷺ : "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء". فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: " نُصرتُ بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض، وسُميتُ أحمد، وجُعلَ الترابُ لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن ... ] تفسير ابن كثير ٢/٨٣-٨٤. وخلاصة الأمر أن حديث (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) حديث لا أصل له، ولكن معناه صحيح، ويغني عنه أحاديث صحيحة كثيرة، ويجب التثبت من الأحاديث قبل نسبتها للنبي ﷺ ، وخيرية أمة محمد ثابتة وباقية إلى يوم القيامة.

стр. 38

٣ - معنى قول النبي ﷺ : (لا تقولوا للمنافق سيدنا) يقول السائل: قرأت حديثاً عن النبي ﷺ يقول: (لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم فما معنى الحديث، أفيدونا؟ الجواب: هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد وابن السني في عمل اليوم والليلة والبيهقي في شعب الإيمان، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال أيضاً: [ثم الحديث رواه عقبة بن عبد الله ... بلفظ: (إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه ﵎ أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان والحاكم والخطيب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: عقبة ضعيف. قلت: لكن تابعه قتادة كما سبق، فالحديث صحيح] السلسلة الصحيحة ١/٦٤٥. ومعنى الحديث كما قال شرَّاح الحديث: [مفهومه أنه يجوز أن يقال للمؤمن سيدٌ، وهو لا ينافي ما رواه أحمد والحاكم عن عبد الله بن الشخير مرفوعاً: (السيد الله) ، لأن في الحقيقة لا سيادة إلا له، وما سواه مملوكه، فإنه أي الشأن أو المنافق إن يك سيداً أي سيد قوم أو صاحب عبدٍ وإماءٍ وأموالٍ (أسخطتم ربكم) ، أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيداً بأحدٍ من المعاني، فإنه مع ذلك يكون كذباً ونفاقاً وفاقاً، وفي النهاية- لابن الأثير-: فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك. وقال الطيبي أي إن يك سيداً لكم فتجب عليكم طاعته فإذا أطعمتموه فقد أسخطتم ربكم، أو لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم فوضع الكون موضع القول تحقيقا له] مرقاة المفاتيح١٤/٤٨، وانظر عون المعبود ١١/١٢. وقال الإمام النووي: [اعلم أن السيد يطلق على الذي يفوق قومه ويرتفع قدره عليهم، ويطلق على الزعيم والفاضل، ويطلق على الحليم الذي لا يستفزه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق سيد على أهل الفضل، فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ صعد بالحسن بن علي ﵄ المنبر فقال: "إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين " وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: " قوموا إلى سيدكم " ... وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال: " يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ الحديث، فقال رسول الله ﷺ : " انظروا إلى ما يقول سيدكم ". وأما ما ورد في النهي: فما رويناه بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم " قلت- أي النووي -: والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسود فاضلاً خيراً، إما بعلمٍ وإما بصلاحٍ وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقاً أو متهماً في دينه أو نحو ذلك، كره له أن يقال سيد.] الأذكار ص٣١١-٣١٢. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٣٤٩-٣٥٠: [من يستحق التسويد: لفظ السيد مشتق من السؤدد، وهو: المجد والشرف، ويطلق على المتولي للجماعة. ومن شرطه وشأنه أن يكون مهذب النفس شريفاً. وعلى من قام به بعض خصال الخير من الفضل والشرف والعبادة والورع والحلم والعقل والنزاهة والعفة والكرم ونحو ذلك. - وأما - إطلاق لفظ السيد على المنافق، فالمنافق ليس من هذه الخصال في شيء؛ لأنه كاذب مدلس خائن، لا توافق سريرته علانيته. وفي العقيدة يبطن الكفر ويظهر الإسلام. وقد ورد النهي عن إطلاق لفظ السيد على المنافق فيما روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم " وذلك لأن السيد هو المستحق للسؤدد، أي للأسباب العالية التي تؤهله لذلك، فأما المنافق فإنه موصوف بالنقائص، فوصفه بذلك وضع له في مكان لم يضعه الله فيه، فلا يبعد أن يستحق واضعه بذلك سخط الله.] إذا تقرر هذا فإن الأصل في المسلم أن يعظم ما عظَّمه الله وعظَّمه رسوله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه﴾ سورة الحج الآية ٣٠. ولا يجوز للمسلم أن يعظَّم غير ما عظَّمه دينه، بل أهانه لفسقه وفجوره، ويدخل في ذلك تعظيم المنافقين كما في الحديث محل السؤال، وكذا تعظيم الفاسدين والمفسدين والفاسقين والظالمين والكافرين، الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون شرع الله ودينه، ويقتلون المسلمين ويذبحونهم وينتهكون حرمات الله ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فهؤلاء أهلٌ للإهانة والإزدراء، وليسوا أهلاً للتعظيم والتبجيل، وتعظيم أعداء الله وحبهم ومودتهم له ارتباط وثيق بعقيدة الولاء والبراء في دين الإسلام، وقد قال النبي ﷺ : (من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/٩٤. وقال رسول الله ﷺ : (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) رواه أبو داود وابن حبان وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق٣/٩٥. وقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: [إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة] الآداب الشرعية ١/٢٩٩. وقد عنون الإمام النووي للحديث السابق بقوله: [باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه] قال الشيخ ابن علان في شرح العنوان: [من أصر على معصية صغيرة أو أتى كبيرة (والمبتدع) أي ذي البدعة، بالخروج عن اعتقاد الحق الذي جاء به الكتاب والسنة إلى ما يزينه الشيطان، (ونحوهما) من الظلمة وأعوانهم، (بسيد ونحوه) مما يدل على تعظيمه، وذلك قياساً على ما في الحديث الآتي، لأن المعنى فيه تعظيم من أهانه الله ... ] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين٨/٥٤٢. وقال الحافظ المناوي عند شرح الحديث المذكور في السؤال: [وقد كان المصطفى ﷺ يكره استعمال اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك. واستعمال اللفظ المهين المكروه فيمن ليس من أهله. وهذا من ذلك القبيل.] فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/٤١١. وفي زماننا هذا كثر مع الأسف الشديد تعظيم من لا يستحقون التعظيم ولا التبجيل، كما هو حاصل مع المطربين والمطربات والممثلين والممثلات والفنانين والفنانات ومن لف لفهم، فتجد أن أكثر وسائل الإعلام تمجد هؤلاء وتعظمهم حتى صنعت منهم نجوماً وكواكبَ وأبطالاً متوهَمين، وتكيل لهم ألفاظ الثناء والمديح بغير حساب، مع أن دور هؤلاء واضح في الفساد والإفساد، بل هم من الذين ينشرون الفواحش والمنكرات في المجتمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور الآية ١٩. ويدخل تحت هذا الباب وهو تعظيم من ليس أهلاً للتعظيم، تعظيم وتمجيد الأدباء والشعراء والكتَّاب الذين يفسدون عقول العامة بكتاباتهم وبأشعارهم، والتي تجد فيها محاربة للدين وللأخلاق وللقيم الطيبة، فتجد من يحتفي بهؤلاء ويعظمهم ويرفعهم إلى أعلى المراتب، وتمنح لهم الجوائز التقديرية على كتاباتهم وأشعارهم، مع أن منهم من يستهزئ في كتاباته وأشعاره بعقيدة المة، وينال من الإسلام ومن الرسول ﷺ ويسب الأنبياء والمرسلين، ويشتم الصحابة، وينتقص من مقام العلماء، ويحارب كل فضيلة، ويدعو للفسق والفجور. ولا شك أن كل هذا من اختلال الموازين في المجتمع ومن عدم التحاكم إلى الميزان الصحيح في وزن الأشخاص وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . يقول اللواء محمود شيت خطاب ﵀: [شهدتُ تشييع جنازة المرحوم الشيخ محيى الدين عبد الحميد في القاهرة، ومن الأقدار العجيبة أن أحد الفنانين توفي في نفس اليوم الذي مات فيه الشيخ محيى الدين عبد الحميد، وكان سرادقا الراحِلَين متجاورين، فكان في سرادق الشيخ أقل من عشرة أشخاص، وكان سرادق الفنان يموج بالآلاف. وشَيَّع جثمان الشيخ عدد قليل من الناس، وشَيَّع جثمان الفنان أكثر من عشرة آلاف. وكان الشيخ في حياته المباركة من أكبر علماء اللغة والدين، وقد حقَّق كثيراً من التراث العربي الإسلامي، وخدم العربية والإسلام خدمة باقية لمدة خمسين عاماً. أما الفنان فقد أفنى هو الآخر خمسين سنة من عمره في إفساد الأخلاق وتشجيع التخنّث والانحلال. أهكذا يجازي العرب والمسلمون من يخدم العربية والإسلام خدمة صادقة بالعقوق والإهمال؟! ويكرِّمون من ازدرى العربية وحطّم الخلق الكريم كما يُكَرَّم الأبطال والفاتحون؟!] الوسيط في رسالة المسجد ص ٢٢١. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث صحيح، ويؤخذ منه أنه لا يصح تعظيم المنافقين والمفسدين في الأرض والمحاربين لله ورسوله ولدينه. ويجب على المسلم أن يدرك أن كل كلمة تخرج من فمه فإنه محاسبٌ عليها، فهي إما له، وإما عليه، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة ق الآية ١٨.

стр. 39

٤ - من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم يقول السائل: حصل نقاش حول واجب المسلمين تجاه إخوانهم في قطاع غزة وذكر أحدهم حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا؟ الجواب: ورد هذا الحديث بعدة روايات كلها غير ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام عليها في السلسلة الضعيفة فذكر ما يلي: [" من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، ومن لم يتق الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم " موضوع – أي مكذوب - أخرجه الحاكم وسكت عليه وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: ... وأحسب الخبر موضوعاً. قلت - أي الألباني- وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات " ثم ذكر الألباني رواية ثانيةً للحديث " من أصبح وهمه الدنيا، فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا ". ضعيف جداً أخرجه الطبراني في " الأوسط " وأما الهيثمي فقال في " مجمع الزوائد " رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك، وأشار المنذري إلى تضعيفه، قلت: وقد أنكر أبو حاتم أحاديثه عن أبي الأشعث كما في الجرح والتعديل وهذا منها كما ترى، وقال الجوزجاني: أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة. ثم ذكر الألباني روايةً ثالثةً للحديث " من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم " موضوع، ابن بشران في الأمالي والحاكم، ثم ذكر الألباني رواية رابعةً للحديث" من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لا يصبح ويمسي ناصحاً لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم " ضعيف. أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط ... ] السلسلة الضعيفة ١/٣٢٠-٣٢٤ بتصرف واختصار. وهذا الحديث وإن كان غير ثابتٍ عن النبي ﷺ ، فإن معناه صحيح وورد في معناه أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، فالحديث معتبر في المعنى وإن لم يثبت من حيث الإسناد، وقد سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا الحديث فقال: [الحديث مروي عن النبي ﷺ ، وهو حديث ضعيف ليس بصحيح، ومعناه أن الذي لا يهتم بأمور المسلمين بالنظر إلى مصلحتهم، والدفاع عنهم إذا حصل عليهم خطر، ونصر المظلوم، وردع الظالم، ومساعدتهم على عدوهم، ومواساة فقيرهم إلى غير هذا من شئونهم، معناه أنه ليس منهم، وهذا لو صح من باب الوعيد، وليس معناه أنه يكون كافراً، لكنه من باب الوعيد والتحذير، والحث على التراحم بين المسلمين، والتعاون فيما بينهم، ويغني عن هذا الحديث قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبَّك بين أصابعه) . وقوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . وهو معناه أنه لا يتم إيمانه ولا يكمل إيمانه الواجب إلا بهذا، وهكذا قوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . فجعل المسلمين شيئاً واحداً، وجسداً واحداً، وبناءً واحداً، فوجب عليهم أن يتراحموا، وأن يتعاطفوا، وأن يتناصحوا، وأن يتواصوا بالحق، وأن يعطف بعضهم على بعض، وهذه كلها تكفي عن الحديث الضعيف الذي ذكره السائل ... ] موقع الشيخ على الإنترنت. ولا شك أن سكوت المسلمين عما يحصل لأهلنا في غزة هاشم يعد من باب الكبائر، ويعتبر خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ سورة الحجرات الآية ١٠، وقال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم، قال القاضي عياض: [فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيلٌ صحيحٌ، وفيه تقريبٌ للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً. وقال ابن أبي جمرة: شبَّه النبي ﷺ الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخلَّ المرءُ بشيءٍ من التكاليف شأن ذلك الإخلال بالأصل، وكذلك الجسد أصل الشجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب.] فتح الباري ١٠/٥٤٠. وقال رسول الله ﷺ : (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٦٦٦. وغير ذلك من النصوص، فكل مسلم يفهم حقيقة هذا الدين فهماً صحيحاً، لا بد أن يقدم ما يستطيع لنصرة المسلمين المستضعفين الذين يتعرضون لأشرس الحروب وأقذرها، ومن لم يفعل فعليه أن يراجع نفسه، لأن منهج أهل السنة والجماعة يقضي أن يقف المسلم مع أخيه المسلم، وأن يكون عوناً له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أصول أهل السنة والجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص؛ يشدُ بعضُه بعضاً وشبَّك بين أصابعه، وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء.] العقيدة الواسطية وأما من يخذل المسلمين ويسهم في حصارهم ويمنع العون عنهم فإن الله سيخذله، كما أخبر رسول الله ﷺ : (ما من امرئٍ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.) رواه أحمد وأبو داود وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٥٦٩٠. إذا تقرر هذا فإن واجب المسلمين هو نصرة إخوانهم المسلمين ومدُّ يد العون والمساعدة لهم كلٌ حسب وسعه وطاقته، وأقل ذلك الدعاء لهم، ومن ذلك القنوت في الصلوات المفروضات، وهذا هو قنوت النوازل، فمن الثابت من هدي النبي ﷺ أنه قنت أحياناً في النوازل التي كانت على عهده ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سورة آل عمران الآية ١٢٨. وفي رواية عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ حدثهم (أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد ... ) والذي يؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها مشروعية القنوت عند النوازل والمصائب والبلايا العامة في الصلوات الخمس ويقنت الإمام جهراً في جميع الصلوات بعد الركوع ويجوز قبله فإذا ارتفعت النازلة ترك القنوت. وختاماً يجب التذكير ببعض القضايا الهامة في ظل الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذه الأيام فمن ذلك أنه لا بد من التوكل على الله وأن نفوض أمرنا لله فالأمور كلها بيده يعز من يشاء ويذل من يشاء. ولا بد للمسلم الصادق أن يطهر إيمانه من الولاء للكافرين وليحذر المسلم من أن يحب ظهور الكافرين على المسلمين أو يتمنى ذلك أو يشمت بما حصل للمسلمين، فإن هذا يطعن في إيمانه. وعلى المسلم الصادق أن يوقن أن الله قد وعد هذه الأمة بالتمكين لدينه ونصر أوليائه قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة المجادلة الآية ٢١. وخلاصة الأمر أن حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) ليس ثابتاً عن النبي ﷺ ، ولكن معناه صحيح، وواجب الأمة المسلمة جمعاء، نصرة المسلمين المستضعفين، ومدهم بكل عونٍ ومساعدة، وأقلُ ذلك الدعاء لهم بنصرهم وتأييدهم، والدعاء على عدوهم وأعوانه ومناصريه بالهزيمة والخذلان.

стр. 40

٥ - حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها) يقول السائل: سمعت على إحدى الفضائيات شخصاً يذكر حديثاً عن رسول الله ﷺ (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) ويحتج به على تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄، فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟ الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن الشيعة هم أكثر الفرق الإسلامية كذباً على رسول الله ﷺ ، كما قرر ذلك جماهير أهل العلم من المحدثين والنقاد والفقهاء، فقد كذب الشيعة على رسول الله ﷺ آلاف الأحاديث التي تؤيد مواقفهم في مختلف المجالات، ومن ضمن ذلك الأحاديث المكذوبة التي وضعوها في فضائل علي ﵁ خاصة وآل البيت عامة، وكذبهم معروف ومشهور عند أهل العلم، فقد سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرافضة فقال: [لا تكلمهم ولا تروِ عنهم فإنهم يكذبون] منهاج السنة ١/٣٧. وقال الإمام الشافعي: [ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة] منهاج السنة ١/٣٩، وقال شريك بن عبد الله القاضي: [احمل عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه ديناً] منهاج السنة ١/٣٨. وقال حماد بن سلمة: [حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنَّا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً] السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي ص ٧٩. وقال يزيد بن هارون: [يكتب عن كل مبتدع إلا الرافضة، فإنهم يكذبون] المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص ٢٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقد رأينا في كتبهم – كتب الشيعة الرافضة - من الكذب والافتراء على النبي ﷺ وصحابته وقرابته، أكثر مما رأينا من الكذب في كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٤٨١-٤٨٢. وسبب ما قرره أهل العلم واتفقوا عليه من أن الشيعة أكذب الفرق هو أن أصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد، وتعمد الكذب فيهم كثير، وهم يقرون بذلك، حيث يقولون ديننا التقية، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، ويقولون: (من لا تقية له لا دين له) ، وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة. انظر مجموع مؤلفات عقائد الرافضة والرد عليها على موقع الشاملة على شبكة الإنترنت. إذا تقرر هذا فإن الحديث المذكور (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) ، حديثٌ باطلٌ مردودٌ سنداً ومتناً، وقد تكلم عليه العلماء قديماً وحديثاً، قد حكم عددٌ كبيرٌ من أهل العلم على هذا الحديث بأنه مكذوب موضوع ومنهم: يحيى بن معين، والإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن طاهر المقدسي وابن الجوزي والنووي وابن دقيق العيد وابن تيمية والذهبي وعبد الرحمن بن علي الأثري الشافعي ومحمد بن السيد درويش الحوت والمعلمي اليماني والعلامة الألباني وغيرهم كثير. وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام على هذا الحديث - بعد أن حكم عليه بأنه موضوع أي مكذوب - فقال: [أخرجه ابن جرير الطبري في " تهذيب الآثار " كما يأتي، والطبراني في " المعجم الكبير " (٣/١٠٨/١) ، والحاكم (٣/١٢٦) ، والخطيب في " تاريخ بغداد " (١١/٤٨) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٢/١٥٩/٢) من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح العروي: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. وقال ابن جرير والحاكم: " صحيح الإسناد ". وردَّه الذهبي بقوله: " بل موضوع ". ثم قال الحاكم: " وأبو الصلت ثقة مأمون ". فتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: لا والله، لا ثقة ولا مأمون ". وقال في كتابه " الضعفاء والمتروكين ": " اتهمه بالكذب غيرُ واحدٍ، قال أبو زرعة: لم يكن بثقة. وقال ابن عدي: متهم. وقال غيره: رافضي ". وقال في كتابه " الضعفاء والمتروكين ": " اتهمه بالكذب غيرُ واحد، قال أبو زرعة: لم يكن بثقة. وقال ابن عدي: متهم. وقال غيره: رافضي ". وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق، له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب " ... وقد روي الحديث عن علي أيضاً، وجابر، وأنس بن مالك. ١- أما حديث علي؛ فأخرجه الترمذي واستغربه، وقد بينت علته في " تخريج المشكاة " (٦٠٨٧) . ٢- وأما حديث جابر، فيرويه أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية وهو آخذٌ بيد علي يقول: " هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، - يمد بها صوته - أنا مدينة العلم.... ". أخرجه الحاكم (٣/١٢٧ و ١٢٩) مفرقاً، والخطيب (٢/٣٧٧) . وقال الحاكم: " إسناده صحيح "! وردَّه الذهبي بقوله: " قلت: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيح هذا وأمثاله من البواطيل، وأحمد هذا دجال كذاب " ... وجملة القول؛ أن حديث الترجمة ليس في أسانيده ما تقوم به الحجة، بل كلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفاً من بعض ... ] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٦/٥١٩-٥٣٠. وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية الحديث من حيث المتن، لأن متنه باطل شرعاً، ومخالف لما هو مقرر شرعاً فقال: [وأما حديث مدينة العلم فأضعف وأوهى ولهذا إنما يُعَدُ في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وبين أنه موضوع من سائر طرقه، والكذب يُعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده، فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحداً، بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية، وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة، بخلاف النقل المتواتر الذي يحصل به العلم للخاص والعام، وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل، ظنه مدحاً وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة، ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله ﷺ من غير طريق علي ﵁، أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر، وكذلك أهل الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي ﵁ إلا شيئاً قليلاً، وإنما كان غالب علمه في أهل الكوفة، ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلاً عن خلافة علي، وكان أفقه أهل المدينة وأعلمهم تعلموا الدين في خلافة عمر، وقبل ذلك لم يتعلم أحد منهم من علي شيئاً إلا من تعلم منه لما كان باليمن، كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل، وكان مقام معاذ بن جبل أكثر مما رووه عن علي وشريح وغيره من أكابر التابعين، إنما تفقهوا على معاذ، ولما قدم عليٌّ الكوفة كان شريح قاضياً فيها قبل ذلك، وعليٌ وجد على القضاء في خلافته شريحاً وعبيدة السلماني، وكلاهما تفقه على غيره، فإذا كان علم الإسلام انتشر في مدائن الإسلام بالحجاز والشام واليمن والعراق وخراسان ومصر والمغرب قبل أن يقدم إلى الكوفة، لما صار إلى الكوفة عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره من الصحابة، ولم يختص عليٌ بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه، فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعليٍ، وأما الخاص فابن عباس كان أكثر فتيا منه، وأبو هريرة أكثر رواية منه، وعليٌ أعلم منهما، كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما أيضاً، فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص] الفتاوى الكبرى ٤/٤٣٧. وأما الاحتجاج بهذا الحديث الباطل على تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄، فمن أبطل الباطل عند علماء أهل السنة والجماعة، لأن الحديث مكذوب كما سبق، ولأن أهل السنة متفقون على تقديم أبي بكر وعمر ﵄ على علي ﵁ في الفضل وفي العلم والفقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين إن علياً أعلم وأفقه ن أبي بكر وعمر، بل ولا من أبي بكر وحده ومدعي الإجماع على ذلك من أجهل الناس وأكذبهم، بل ذكر غيرُ واحدٍ من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر الصديق أعلم من علي، منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد الأئمة الستة من أصحاب الشافعي ذكر في كتابه تقويم الأدلة على الإمام، إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من علي وما علمت أحداً من الأئمة المشهورين ينازع في ذلك، وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبي ﷺ يفتي ويأمر وينهى ويقضي ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا جميعاً ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد والنبي ﷺ ساكت يقره على ذلك ويرضى بما يقول ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وكان النبي ﷺ في مشاورته لأهل العلم والفقه والرأي من أصحابه يقدم في الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول ﵇ على سائر أصحابه مثل قصة مشاورته في أسرى بدر ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٤/٤٢٩. وخلاصة الأمر أن حديث: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) حديث باطل مكذوب على رسول الله ﷺ ، وما هو إلا من كذب الشيعة وافتراءاتهم على دين الإسلام، ولا يصح شرعاً تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 41

٦ - تسمية عيد الفطر بيوم الجائزة يقول السائل: هنالك حديث نبوي يردده بعض خطباء المساجد في خطبة عيد الفطر، وفيه أن يوم العيد يسمى يوم الجائزة، فهل هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، أفيدونا؟ الجواب: روي في الحديث عن سعد بن أوس الأنصاري عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا اغدوا يا معشر المسلمين إلى ربٍ كريمٍ يمنُ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلَّوا نادى منادٍ ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمَّى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ورواه الأصبهاني في الترغيب، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٠١، وقد حكم المحدثون الذين وقفت على كلامهم على هذا الحديث بأنه حديث ضعيف وشبه موضوع كما سيأتي. قال العلامة الألباني: [ضعيف، أخرجه الطبراني في "الكبير" ٦١٨، والمعافى بن زكريا في "الجليس" ٤/ ٨٣، والأصبهاني في "الترغيب" ١٨٨/١ من طريقين عن سعيد بن عبد الجبار [عن توبة] عن سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه مرفوعاً به. والزيادة للطبراني. وكذلك رواه الحسن بن سفيان في "مسنده"؛ إلا أنه قال: عن توبة أو أبي توبة. وكذلك أخرجه المعافى في "الجليس"؛ لكنه قال: عن أبي توبة.. بغير شك، وكذا نقله في "الإصابة". قلت: وأبو توبة - أو توبة - لم أعرفه. ومن المحتمل أن يكون هو الذي في "الجرح" ١/ ١/ ٤٤٦: "توبة بن نمر الحضرمي المصري، وكان قاضي مصر، فلما مات استقضي عبد الله بن لهيعة، وابنته تحت ابن لهيعة. روى عن أبي عفير عن ابن عمر. روى عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة". ولعله مما يرجح الاحتمال المذكور: أن الراوي عنه - سعيد بن عبد الجبار - هو حضرمي أيضاً، وهو سعيد بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، وهو ضعيف. وعلى كل حال؛ فقد روي الحديث من طريق أخرى عند الطبراني ٦١٧ من رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير عن سعيد بن أوس الأنصاري به. وهذا إسناد واهٍ بمرة؛ أبو الزبير مدلس؛ وقد عنعنه، لكن الآفة ممن دونه؛ فإن جابراً هذا - وهو الجعفي - متروك. وعمرو بن شمر شرٌ منه. قال الحاكم: "كان كثير الموضوعات عن جابر الجعفي، وليس يروي تلك الموضوعات الفاحشة عن جابر غيره". وأعله الهيثمي ٢/٢٠١ بالجعفي وحده، فقصَّر. ومدار الطريقين على سعيد بن أوس الأنصاري، ولم أجد من ترجمه. ووقع في "ترغيب الأصبهاني": سعد بن أوس ولم أجده أيضاً؛ فهو علة الحديث. والله أعلم.] السلسلة الضعيفة والموضوعة ١١/ ٨٢٩. وضعفه العلامة الألباني أيضاً في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٥. وقد تكلم الشيخ أبو إسحاق الحويني على هذا الحديث كلاماً مفصلاً فقال: [حديث منكر جداً شبه موضوع. أخرجه الطبراني في الكبير ج ١/رقم ٦١٧، وعند أبو نعيم في "معرفة الصحابة" ٩٩٦ ... وأعلَّه الهيثمي ٢/٢٠١ بجابر الجعفي، وترك التنبيه علي حال عمرو بن شمر وهو أحد التلفى. فقد تركه النسائي والدارقطني وغيرهما وقال البخاري "منكر الحديث". وكذَّبه الجوزجاني. وقال ابن معين: ليس بشيء. ورماه السليماني بوضع الحديث للروافض. وقال ابن حبان في المجروحين ٢/٧٥، ٧٦: كان رافضياً يشتم أصحاب رسول الله، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرهم، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. انتهى. أضف إلى ذلك عنعنة أبي الزبير، ولكن له طريق آخر إلى سعيد ابن أوس. أخرجه الطبراني في الكبير ٦١٨، والحسن بن سفيان في مسنده) كما في الإصابة ١/١٦١، ومن طريقه أبو نعيم في المعرفة٩٩٤، والشجري في الأمالي٢/٤٧ من طرق عن سلم بن سالم ثنا سعيد بن الجبار عن توبة – أو أبي شك سلم – عن سعيد بن أوس الأنصاري، عن أبيه مرفوعاً مثله. وهذا سندٌ ضعيفٌ جداً. وسلم بن سالم كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وكان يقول: (اتق حيات سلم لا تلسعك) ! وقد سئل ابن المبارك عن الحديث في أكل العدس، وأنه قدِّس على لسان سبعين نبياً!! فقال: لا، ولا على لسان نبي واحد؛ إنه لمؤذٍ منفخٍ، من يحدثكم؟ قالوا: سلم بن سالم. قال: عمن؟ قالوا: عنك! قال: وعن] أيضاً!! . وقال أحمد: ليس بذاك. وضعفه ابن معين، وقال أبو زرعة: " لا يُكتبُ حديثه ... وقال أبو حاتم: " ليس بقوي، مضطرب الحديث "وتوبة أو أبو توبة لا أعرفه. وسعيد بن أوس مجهول ... ووقفت له على شاهدٍ عن ابن عباس مرفوعاً، فساق حديثاً طويلاً، جاء في آخره: " فإذا كانت ليلة الفطر وسميت ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة بعث الله ﵎ الملائكة في كل ملاء فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى ربٍ كريمٍ يغفر العظيم، وإذا برزوا في مصلاهم يقول الله تعالى: يا ملائكتي ما أجر الأجير إذا عمل عمله؟ فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول الله : أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي، فيقول الله : سلوني وعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكموه، ولا لدنيا إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترنَّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود، وانصرفوا مغفوراً لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، قال: فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا ". أخرجه الأصبهاني في الترغيب ١١٧٤١، وابن الجوزي في الواهيات ٢/ ٤٣– ٤٥ / ٨٨٠، وقال: لا يصح. سنده واهٍ جداً. وعزاه المنذري في الترغيب ٢/٩٩ – ١٠١ لأبي الشيخ كتاب الثواب، والبيهقي وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه، وليس من شرط الحديث الباطل أن يكون الإجماع انعقد على ضعف أحد رواته. وهذا حديثٌ منكرٌ جداً شبه الموضوع. وان كان ابن الجوزي أخطأ في زعمه أن القاسم بن الحكم العرني– أحد رواته – مجهول. فليس بمجهول بل هو معروف، فقد وثقه غير واحدٍ منهم أحمد وابن معين والنسائي. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن حبان: مستقيم الحديث. وضعفه العقيلي وأبو نعيم الفضل بن دكين لغفلة كانت فيه، وعلى كل حال، فليس يصح في هذا الباب شيء أعلمه. والله أعلم.] الفتاوى الحديثية للحويني ١/٤٠٣- ٤٠٥. وحديث ابن عباس الأخير حكم عليه العلامة الألباني بأنه موضوع، وعلَّق على قول المنذري- ليس في إسناده من أجمع على ضعفه- بقوله [قلت نعم لكنه منقطع، بين الضحاك بن مزاحم وابن عباس، والراوي عنه لين، وآثار الوضع والصنع عليه لائحة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/١٩١ ... ] ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٠٢. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز وفيه أحاديث ضعيفة، وقال الزهري [إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفوراً لكم] ، قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم، وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: [من أتى عليه رمضان فصام نهاره وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكَّر إلى الجمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب] قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه كما في [حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ... خرَّجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره وفي إسناده مقال، وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ موقوفاً بعضه وقد روي معناه مرفوعاً من وجوهٍ أخر فيها ضعف] لطائف المعارف ص ٣٧٣-٣٧٤. وخلاصة الأمر أن أحاديث سمية عيد الفطر بيوم الجائزة ليست ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولا يقولن قائلٌ إن الحديث الضعيف يعمل به في باب فضائل الأعمال، وهذا منها، لأن القاعدة عند المحدثين كما قال الإمام النووي [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً] الأذكار ص٥. وهذه الأحاديث المذكورة قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة، ويغني عنها ما صح من الأحاديث كقول الرسول ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.

стр. 42

٧ - الدين المعاملة يقول السائل: هل القول المشهور بين الناس " الدين المعاملة " حديث نبوي، أفيدونا؟ الجواب: جملة " الدين المعاملة " ليست حديثاً نبوياً، وإنما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس، وذكر العلامة الألباني هذه العبارة في مقدمة المجلد الخامس من سلسة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأفاد بأنه لا أصل لها في السنة النبوية، سلسلة الأحاديث الضعيفة ٥/١١. ومع أن عبارة " الدين المعاملة " ليست حديثاً نبوياً فهي صحيحة المعنى، حيث إن الدين الإسلامي لا يقتصر على الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، بل لا بد أن يكون لهذه الأعمال آثار طيبة تظهر في سلوك المسلم في جوانب حياته كلها، يقول الله تعالى في شأن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، فالصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، وإنما لا بد أن تنهى المصلي عن الفواحش والمنكرات. ويقول الله تعالى في شأن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . فالزكاة ليست مجرد مبلغ من المال يدفعه الإنسان كما يدفع الضرائب، بل هي وسيلة لتطهير النفس وتزكيتها، ويقول الله في شأن الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "ولعل" في لغة العرب تفيد الترجي، فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى، أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى. وبناء على ذلك فليس الصوم هو مجرد الامتناع عن المفطرات الثلاث الطعام والشراب والشهوة فحسب، بل لا بد من صوم الجوارح أيضاً، فاليد لا بد أن تكف عن أذى الناس، والعين لا بد أن تكف عن النظر إلى المحرمات، والأذن لا بد أن تكف عن السماع للمحرمات، واللسان لا بد أن يكف عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، والرِجل لا بد أن تكف عن المحرمات فلا تمشي إلى ما حرم الله. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سآبَّك أحدٌ أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه العلامة الألباني. وقال تعالى في شأن الحج: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالحج تربية للمسلم على التطهر والتخلص من سوء الأخلاق والبعد عن شهوات النفس، وهذا الكلام ينطبق على أحكام الإسلام الأخرى التي يجب أن تنعكس إيجاباً في سلوكنا وتصرفاتنا، ولكن إذا نظرنا في واقع كثيرٍ من المسلمين اليوم لوجدنا هذه المعاني مفقودة أو تكاد، وأذكر في هذا المقام أربعة أمثلة فقط على الانفصال ما بين العمل وأثره المرتجى شرعاً: المثال الأول: تعامل كثير من الناس في الطريق والشارع العام، فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى وردُّ السلام وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر) رواه البخاري. وقد دلت النصوص على أن إزالة الأذى من طرقات الناس تعتبر صدقةً، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له) رواه البخاري ومسلم. وإزالة الأذى من طرقات الناس إحدى مراتب الإيمان كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم. وعن أبي برزة ﵁ قال: (قلت يا نبي الله علمني شيئاً أنتفع به قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة تؤذي أو غصن شوكة أو حجراً يعثر به أو قذراً أو جيفة أو غير ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣١. وما ذكره الإمام النووي من أنواع الأذى المادية التي كانت معروفة في زمانه قد يكون يسيراً مع أنواع الأذى الموجودة في زماننا مثل التعدي على الطرق، وإساءة استخدامها وخاصة من السائقين، فمن المعروف أن القيادة فنٌ وذوقٌ وأخلاقٌ كما يقولون، وكثير من سائقي زماننا ليس عندهم فنٌ ولا ذوقٌ ولا أخلاق. المثال الثاني التعامل مع الجيران: وردت نصوص كثيرة في الإحسان إلى الجار وأذكر حديثاً واحداً فقط عن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) رواه البخاري. فهذا النهي الوارد في الحديث يعم كل أذىً فلا يجوز إلحاق الأذى بالجار سواء أكان الأذى مادياً أو معنوياً. ولكن انظر إلى واقع تعامل كثيرٍ من الناس مع جيرانهم، فماذا ترى؟ الجواب لديك أيها القارئ!! المثال الثالث التعامل داخل الأسرة، فمن المعلوم أن الحياة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والمحبة والتفاهم بين الزوجين قال تعالى: ﴿وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم الآية ٢١. إن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وتعني عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال بعض أهل التفسير: المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس ﵄: [المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء] تفسير القرطبي ١٤/١٧. ويجب على كل من الزوجين أن يعرف ما له وما عليه وقد بين الإسلام واجبات الزوجين وحقوقهما بياناً شاملاً فقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تبين حقوق الزوجة على زوجها يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سورة البقرة: ٢٢٧. ويقول النبي ﷺ : (إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً) فمن حقوق الزوجة على زوجها أن يعاملها معاملة كريمة فيها اللطف والرحمة وحسن المعاملة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقد حثّ سيدنا رسول الله ﷺ على حسن معاملة الزوجة في أحاديث كثيرة وقد بوب على بعضها الإمام البخاري بتراجم مناسبة فقال: "باب الوصاة بالنساء"، وقال الإمام البخاري أيضاً: "باب المداراة مع النساء"، وقال الإمام البخاري أيضاً: "باب حسن المعاشرة مع الأهل". ومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقد ورد أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوه إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود، ومعنى لا تقبح أي لا تقل قبحك الله. وهو حديث حسن صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أب داود ٢/٤٠٢، وينبغي أن يعلم أنه يحرم على الزوج أن يسب زوجته وأهلها أو يلعنها فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه، هذه النصوص غيض من فيض، ولكن كيف هو تعامل الزوج مع زوجته في الأسرة اليوم؟ تجد سوء المعاملة، وتجد السب والشتم، وتجد الضرب والأذى المادي والمعنوي!! وليس الأمر مقصوراً على الزوج، بل تجد سوء المعاملة أيضاً من الزوجة فتسيء إلى زوجها وأولادها، فتلعن المرأة زوجها وأولادها، والنبي ﷺ يقول: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه. المثال الرابع في التعامل في الأسواق، تجد بعض التجار يبيعون المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية. ويتلاعبون في الأوزان ويسوقون البضاعة الرديئة، ويبيعون المواد الضارة بالصحة ويغشون الناس، وقد قال ﷺ : (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. والأمثلة أكثر من أن تعد. وخلاصة الأمر أن عبارة " الدين المعاملة " ليست حديثاً نبوياً، ولكنها عبارة صحيحة المعنى، ولا بد للمسلم أن يقف مع نفسه وقفة مراجعة صادقة، ولينظر في سلوكه وتصرفاته وتعاملاته مع الناس، هل هي منضبطة بضوابط الشرع الحنيف؟ وهل يجد فيها الآثار الطيبة لعباداته؟ فإن كان الأمر كذلك فليحمد الله ، وإن لم تكن، فلا بد أن يعيد حساباته ويراجع نفسه، حتى لا تذهب أعماله أدراج الرياح، فقد قال رسول الله ﷺ : (رب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائمٍ – مصلٍ- ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، وصححه العلامة الألباني.

стр. 43

٨ - أول من تسعر بهم نار جهنم يقول السائل: سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فيه أوصاف أول من تُسَعَّرُ بهم نارُ جهنم، فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟ الجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليلٌ على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ ، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمولٌ على من فعلَ ذلك لله تعالى مخلصاً] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٤٦. وفي الحديث السابق ذكر النبي ﷺ ثلاثة أصناف من الناس هم أول من تسعر بهم نار جهنم والعياذ بالله، وأولهم هو من قاتل ليقال عنه جريء، أو قاتل عصبية أو قاتل غير مريدٍ وجهَ الله ، فلما لم يكن عمله لله تعالى كان مصيره إلى نار جهنم، كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم. وأما الصنف الثاني فهم حملة العلم والقرآن الذين لا يعملون بعلمهم، وهؤلاء قد كثروا في زماننا مع الأسف الشديد، فكم ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي، ويتبوؤن المناصب الدينية العليا، كالمفتين والقضاة الشرعيين وقراء القرآن الكريم وغيرهم من حملة الشهادات العليا في العلوم الشرعية، كم من هؤلاء لا يصونون العلم الذي يحملونه، ويقفون مواقف الريب والشبهات، بل يقفون مواقف مخزية مع أعداء الإسلام وأعوانهم، وقد صدق الرسول ﷺ عندما قال: ( ... والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدُ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم، ومعناه أن قارئ القرآن ينتفع به إن تلاه وعمل به وإلا فهو حجة عليه. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يُؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمُه سورةُ البقرة وآلُ عمران، تحاجَّان عن صاحبهما) رواه مسلم. قال العلامة ملا علي القاري: [ ... دلَّ على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن ولا يكون شفيعاً لهم بل يكون القرآن حجة عليهم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/٦٢٧. وهذا الحديث يدل على أن أهل القرآن هم العاملون به وليس الأمر مقتصراً على حفظه وتلاوته وتجويده والتشدق به، فلابد من التزام أخلاق القرآن، والتأدب بآدابه، وتحريم حرامه والعمل بما فيه. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف، ولكن إقامة حدوده] التذكار في أفضل الأذكار ص ٦٨. وقال الحسن البصري: [أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله. ما يُرى له القرآن في خلقٍ ولا عملٍ، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسْ، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة. متى كانت القراءة مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء] الزهد لابن المبارك ص ٢٧٤. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وحملة القرآن هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه] التمهيد ١٧/٤٣٠. وقال الإمام القرطبي: [القرآنُ حجةٌ لمن عمل به واتبع ما فيه، وحجةٌ على من لم يعمل به ولم يتبع ما فيه، فمن أُوتيَ علم القرآن فلم ينتفع به، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً كان القرآنُ حجةً عليه وخصماً لديه] التذكار في أفضل الأذكار ص ٨٧. وهذا الأمر الخطير وهو الانفصال ما بين الأقوال والأفعال صار ديدناً لكثير من حملة القرآن، الذين يزعمون أنهم أهل القرآن، وهم أبعد الناس عنه بأفعالهم، التي تتعارض مع تعاليم القرآن الكريم وأخلاقه وآدابه، فتراهم يقولون ما لا يفعلون ويتلاعبون بالأحكام الشرعية ويتطاولون على العلم وأهله، بل ديدنهم سب العلماء وشتمهم والوقيعة فيهم، فهؤلاء هم أهل القرآن الجافين عنه كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان، وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح الجامع الصغير ١/٤٣٨. قال العلامة ملا علي القاري: [ (وحامل القرآن) أي وإكرام قارئه وحافظه ومفسره غير الغالي فيه ... أي غير المجاوز عن الحد لفظاً ومعنىً كالموسوسين والشكاكين أو المرائين أو الخائن في لفظه بتحريفه كأكثر العوام، بل وكثير من العلماء أو في معناه بتأويله الباطل كسائر المبتدعة، (ولا الجافي عنه) أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه، وقيل: الغلو المبالغة في التجويد أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى، والجفاء أن يتركه بعدما علمه لا سيما إذا كان نسيه فإنه عُدَّ من الكبائر، ... ولذا قيل اشتغلْ بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغلْ بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم، وحاصله أن كلاً من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله في جميع الأقوال والأفعال] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/٧٠٦-٧٠٧. وقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام عام تبوك خطب الناس وهو مُضيفٌ ظهرَه إلى نخلة فقال: ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه) رواه النسائي وأحمد والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال العلامة المناوي في شرح الحديث: [ (وإن من شر الناس رجلاً فاجراً) أي منبعثاً في المعاصي (جريئاً) بالهمز على فعيل اسم فاعل من جرؤ جراءةً مثل ضخم ضخامة، والاسم الجرأة كالغرفة وجرأته عليه بالتشديد فتجرأ واجترأ على القول أسرع بالهجوم عليه من غير توقف والمراد هنا هجَّام قويُ الإقدام (يقرأ كتاب الله) القرآن (لا يرعوي) أي لا ينكف ولا ينزجر (إلى شيء منه) أي من مواعظه وزواجره وتقريعه وتوبيخه ووعيده.] فيض القدير ٣/١٣٣. وأخرج الدرامي عن علي ﵁ أنه قال: [يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عملَ بما علم، ووافق علمُه عمَله، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عمُلهم علمَهم، وتخالف سريرتُهم علانيَتهم ... ] سنن الدارمي ١/٧٣. وورد في الحديث الإخبار عن أؤلئك الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: [حدثنا الذين كانوا يقرئونن القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً] . ويقول الخطيب البغدادي: [والعلم يراد للعمل، كما يراد العمل للنجاة، فإذا كان العلم قاصراً عن العمل، كان العلمُ كلاَّ على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلاً، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غلاًّ] اقتضاء العلم العمل ص ١٥٨. لذا فإن الواجب على المنتسبين للعلم الشرعي أن يصونوا العلم الذي يحملونه، قال عبد الله بن مسعود ﵁: [لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم] رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان. انظر ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين ص ٥٤-٥٥. وقال الشاعر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما وأما الصنف الثالث فهم المراءون في الإنفاق، الذين لا يريدون وجه الله في النفقة، ولذا استحب أهل العلم إخفاء الإنفاق في سبيل الله كما ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] رواه البخاري ومسلم. وخلاصة الأمر أن إخلاص العمل مطلوب، وهو علامة قبول العمل، فكل عملٍ إن لم يكن خالصاً لوجه الله فهو مردود، والواجب على أهل العلم أن يكونوا على قدر المسؤولية والأمانة التي يحملونها، وكذا حملة القرآن لا بد لهم أن يعملوا به وإلا فالقرآن حجة عليهم.

стр. 44

٩ - حجية السنة النبوية واستقلالها بالتشريع يقول السائل: إنه طالب يدرس الشريعة الإسلامية وإن أحد مدرسيه يقول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح، ويزعم أن الحديث الوارد في تحريم ذلك ليس حجة، وأن الرسول ﷺ لا يملك أن يحرم شيئاً لم ينص على تحريمه في القرآن الكريم، فما قولكم في زعمه، أفيدونا؟ الجواب: مما يؤسف له أن بعض المؤتمنين على تدريس العلم الشرعي قد خانوا الأمانة، وصاروا يكررون شبهات المستشرقين وغيرهم من أعداء الإسلام، ويسيرون خلف كل ناعق، ويضربون بالحقائق الثابتة عرض الحائط، ومن ضمن تلك الشبهات الساقطة إنكار حجية السنة النبوية، وأنها لا تستقل بالتشريع، ويزعم هؤلاء أن الإسلام هو القرآن فقط، فلا سنة ولا إجماع ولا قياس، ويردّون أقوال الصحابة جملة وتفصيلاً، وغير ذلك من الترهات التي يرددها أفراخ المستشرقين، ولا شك لديَّ أن من يقول بذلك فإنه سائر في طريق الزندقة، فإن علماء الأمة قديماً وحديثاً متفقون على حجية السنة النبوية، وأنها أصل عظيم من أصول الإسلام، وقد قامت على ذلك عشرات الأدلة الصحيحة على إثبات ذلك، قال الإمام الشوكاني: [إن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام] إرشاد الفحول ص ٣٣. وقال أيوب السختياني: [إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل] الكفاية في علم الرواية١/٢٨. وقد بين علماء الأصول حجية السنة أوضح بيان وذكروا النصوص من كتاب الله التي تدل على ذلك فمنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ سورة الحشر الآية ٧. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٣٢. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٦٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٦. وقوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ سورة النساء الآية ٦٥. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة النحل الآية ٤٤. وقد ذكر أهل العلم أن من دلائل نبوة سيدنا محمد ﷺ ما أخبر به في بعض الأحاديث أنه سيأتي أقوام ينكرون حجية السنة النبوية، وأنهم لا يقبلون إلا ما ورد في القرآن الكريم، فقد ورد في الحديث عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ : (قال لا أُلفينَ أحدَكم متكئاً على أريكته – السرير - يأتيه أمرٌ مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) رواه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجلٌ شبعانٌ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) وقال العلامة الألباني: صحيح، والحديث رواه أيضاً الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال الإمام الخطابي في شرح الحديث [ ... يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا ... وفي الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ شيءٌ كان حجة بنفسه] معالم السنن ٤/٢٧٦. وهذه الفرية عرفت قديماً فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن عمران بن حصين ﵁ أنه كان جالساً ومعه أصحابه يحدثهم، فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له عمران بن حصين: ادنه- اقترب -، فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين، أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة ثم قال: أي قوم، خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن. وفي رواية أخرى: أن رجلاً قال لعمران بن حصين: ما هذه الأحاديث التي تحدثونها وتركتم القرآن؟ قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة، ورمي الجمار كذا، واليد من أين تقطع، أمن هنا أم هاهنا أم من هاهنا، ووضع يده على مفصل الكف، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب، اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم.] الكفاية في علم الرواية١/٢٨. إذا تقرر أن السنة حجة لا شك فيها، فقد ثبت في الحديث الصحيح المتواتر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث، وهذا الحديث متواتر رواه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة فقد رواه أبو هريرة ﵁ وقد ورد عنه من أكثر من سبع طرق صحيحة، وللحديث شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وابن عمرو وأبو سعيد وابن عمر وعلي ﵃، وقد فصلَّ الكلام على هذه الطرق والشواهد العلامة الألباني في إرواء الغليل ٦/٢٨٨-٢٩١. وقد اتفق أهل العلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، قال الإمام أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الحديث محل السؤال: [فيه تحريم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها وهو مجمع على تحريمه, كما حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والنووي وغيرهم، وقال الشافعي ﵁: هو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته. حكاه عنه البيهقي في المعرفة، وقال النووي بعد حكايته إجماع العلماء في ذلك، وقالت طائفة من الخوارج والشيعة: يجوز، وقال أبو العباس القرطبي: أجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم، لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة في ذلك. انتهى. وذكره الأختين هنا سبق قلم، فلم يخالف في هذا أحدٌ وهو منصوص القرآن،] طرح التثريب ٧/٣١-٣٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به - حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها- وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافاً وهو الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي ما روى أبو هريرة قال (قال رسول الله ﷺ : لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه، وفي رواية أبي داود: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى) ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا، فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ خصصناه بما رويناه، وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكرا عليه رجم الزاني وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، وقالا ليس هذا في كتاب الله تعالى، فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا خمس صلوات في اليوم والليلة وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها فأخبراه، فقال فهل تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله، قال فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا فعله رسول الله ﷺ والمسلمون بعده، قال فكذلك هذا ... ] المغني٧/١١٥. ومع اتفاق أهل العلم قديماً وحديثاً على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وعلى صحة الأحاديث في ذلك إلا أنه قد وجد من شذاذ الآفاق من قال بإباحة الجمع بينهما كما ذكر السائل، وكما قال أحد القرآنيين وهو المدعو أحمد صبحي منصور، تحت عنوان " الدين السني والتشريع بما لم يأذن به الله جل وعلا " قال: [ ... ولكن الفقهاء أعملوا القياس فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها قياساً على حرمة الجمع بين المرأة وأختها، وحرموا الخالة والعمة من الرضاع قياساً على تحريم الأم من الرضاع والأخت من الرضاع، ثم صاغوا في ذلك أحاديث هي أشبه بمتون الفقه وأحكام الفقهاء فقالوا "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وقالوا "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها". وهنا يقع التناقص مع كتاب الله. فإذا أراد رجل أن يتزوج عمة زوجته أجاز له القرآن ذلك لأن عمة الزوجة ليست من المحرمات في نص القرآن ولأنها تدخل في الحلال من النساء للزواج ضمن قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ ولكن الفقه السني يجعل ذلك الحلال القرآني حراماً. وإذا أراد رجل أن يتزوج خالته من الرضاع أحلها له القرآن وحرمها عليه الفقه..!! وذلك يعني بوضوح أنهم يحرمون ما أحل الله وينسبون ذلك للرسول، والرسول ﵇ بريء من ذلك..] عن الإنترنت. إلى غير ذلك من الأباطيل والترهات. وخلاصة الأمر أن السنة النبوية أصل من أصول الشرع، بل هي الأصل الثاني، وأن السنة النبوية تستقل بالتشريع، وهنالك عشرات بل مئات الأحكام التي شرعها الرسول ﷺ ولم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، وأن منكر حجية السنة النبوية لا حظ له في الإسلام، وأن من أنكر حجيتها في بعض الجوانب كمن أنكر حجية خبر الواحد في العقيدة أو في الأحكام، فقوله شاذ مردود، لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، وأن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها مما اتفق عليه من يعتد بقوله من علماء الإسلام.

стр. 45

١٠ - نشر الأحاديث المكذوبة عبر البريد الإلكتروني يقول السائل: يردني كثير من الرسائل على بريدي الإلكتروني – الإيميل - وفيها أحاديث منسوبة إلى الرسول ﷺ وقصص غريبة، ويُطلب مني إرسالها إلى أكبر عددٍ من الناس، لأنها من باب الدعوة إلى الخير كما يقولون، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟ الجواب: ما ذكره السائل من نشر أحاديث منسوبة إلى الرسول ﷺ وقصص غريبة وخرافات وخزعبلات، أصبح آفة خطيرة، ومنتشرة بشكل كبير على الشبكة العنكبوتية – الإنترنت – وكذلك على شبكات الهاتف المحمول بالإضافة للبريد الإلكتروني – الإيميل -، وقد زعم هؤلاء أن مَنْ ينشر مثل هذه الأخبار فله كذا وكذا من الحسنات، وأنه ينال شفاعة رسول الله ﷺ أو أنه يصيبه خير كثير أو يسمع أخباراً تسره، وأن من لم ينشرها سيصيبه كذا وكذا إلى غير ذلك من الترهات، ولا شك أن كل هذا من أعظم الكذب والدجل بلا خجل، لأن الأجر والثواب لا يعلمه إلا الله ، وشفاعة رسول الله ﷺ لا تنال بمجرد نشر هذه الأخبار المكذوبة، وكذلك ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم ينشرها وأنه يحرم من رحمة الله، فهو كذبٌ على الله وافتراءٌ عظيم. قال العلامة اللكنوي مبيناً أصناف الكذابين على الرسول ﷺ : [...الثالث قومٌ كانوا يضعون الأحاديث في الترغيب والترهيب، ليحثوا الناس على الخير، ويزجروهم عن الشر، وأكثر أحاديث صلوات الأيام والليالي من وضع هؤلاء، ومن هؤلاء من كان يظن أن هذا جائز في الشرع لأنه كذب للنبي ﷺ لا عليه ...] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ١٥. ويجب أن يُعلم أن نشر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ دون التأكد من ثبوتها، يعتبر من باب الكذب على الرسول ﷺ ، وهذا أمرٌ جد خطير، لأن هؤلاء قد يدخلون في دائرة الكذب على الرسول ﷺ ، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، وقد حذرنا النبي ﷺ من الكذب عليه، فقال ﷺ : (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم (إن كذباً علي َّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: " فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته "، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) ، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/٢١٠، وقال العلامة الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه، السلسلة الضعيفة ١/١٢. ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وقال ﷺ : (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها ونشرها بين الناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وقد نص أهل العلم على تحريم رواية الأحاديث المكذوبة، قال الحافظ العراقي في ألفيته: شرُ الحديث الخبر الموضوعُ الكذبُ المختَلقُ المصنوعُ وكيف كان لم يجيزوا ذكره لعالم ما لم يبين أمره وقال الإمام النووي: [باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ، واستدل بقوله ﷺ : (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وغيره من الأحاديث، ثم ذكر بعد ذلك: [باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها] واستدل بقوله ﷺ : (سيكون في آخر الزمان ناسٌ من أمتي يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٦٢، ٧٠. وينبغي أن يُعلمَ أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة. ولا يقولن قائل إنه ينشر هذه الأخبار من باب نشر الخير والدعوة إليه، فإن هذا الكلام من الباطل، فالنية الحسنة لا تكفي لصلاح العمل، وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه، كما قال ابن مسعود ﵁ فيما رواه عنه الدارمي /٢٣٤. وهنا لا بد من توضيح قاعدة هامة في العمل الذي يجوز للمسلم أن يعمله وهي ما قرره العلماء من أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. فوسيلة المحرم محرمة، أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام، والكذب على رسول الله ﷺ لا شك في تحريمه، فكذلك نشر الأحاديث المكذوبة محرم. إذا تقرر هذا فإن كثيراً من الأحاديث الواهية والمكذوبة والقصص والخرافات أخذت طريقها للنشر على الشبكة العنكبوتية – الإنترنت – وعلى شبكات الهاتف المحمول بالإضافة للبريد الإلكتروني – الإيميل – ومطبوعات مختلفة، وأذكر هنا أمثلة منها ليحذرها القراء، فمن هذه المكذوبات: الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد، حديث عشرةٌ تمنع عشرة، السور المنجيات، حديث أبكى رسول الله ﷺ ، حديث محاورة إبليس لرسول الله ﷺ ، حديث الأعرابي الذي أبكى رسول الله ﷺ وأنزل جبريل من السماء مرتين، حديث يا علي لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء وهي قراءة القرآن كله، التصدق بأربعة آلاف درهم، زيارة الكعبة، حفظ مكانك بالجنة، إرضاء الخصوم، قصة يا ابن آدم أتدري ماذا يقول ملك الموت وأنت نائم على خشبة الغسل؟، قصة المرأة المتكلمة بالقرآن، حديث دعاء جبريل ﵇، حديث من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة، حديث يا ابن ادم لا تخف من ذي سلطان، حديث: يا ابن آدم جعلتك في بطن أمك، قصة أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية، حديث موت الملائكة، حديث دعاء الجوشن، حديث دعاء كنز العرش، حديث استئذان ملك الموت من النبي ﷺ ليقبض روحه، حديث مجيء جبريل إلى النبي ﷺ في ساعة ما كان يأتيه فيها متغير اللون فقال له النبي ﷺ : " مالي أراك متغير اللون؟ "، فقال: " يا محمد جئتك في الساعة التي أمر اللَّه بمنافخ النار أن تنفخ فيها، حديث نزول جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في أحسن صورة لم ينزل في مثلها قط؛ ضاحكا مستبشراً، حديث الأعرابي في الطواف، بينما النبي ﷺ في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب، وقال: يا كريم، وحديث من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة، وغير ذلك من الأخبار المكذوبة، ويمكن لمن أراد الاستزادة من ذلك أن يرجع إلى الصفحة الألكترونية التالية: http://www.islam٢all.com/dont/dont.htm ومن فضل الله أن صار في زماننا هذا من السهولة بمكان التأكد من صحة أي حديث منسوب للنبي صلى الله عليه ومسلم، وذلك بمراجعة كتب أهل العلم المتخصصة في ذلك، وهي كثيرة ومنشورة طباعة، وموجودة على شبكة الإنترنت، كما أنه يوجد عدد كبير من المواقع الألكترونية بإشراف أهل العلم، والتي تقوم بتخريج الأحاديث النبوية وتبين الحكم عليها، وهذه بعض عناوينها: جامع الحديث النبوي http://www.sonnaonline.com/ الحديث الشريف http://hadith.al-islam.com/ كتب الحديث، للألباني http://arabic.islamicweb.com/Books/albani.asp الموسوعة الشاملة http://islamport.com الحديث الشريف - الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net/ver٢/archive/index٢.php?thelan تيسير الوصول لأحاديث الرسول http://www.dorar.net/enc/hadith ملتقى أهل الحديث http://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php شبكة السنة http://www.alssunnah.com/ وخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً نشر الأحاديث بأي وسيلة من وسائل النشر قبل التأكد من ثبوتها، ويحرم ترويج الأحاديث المكذوبة والموضوعة، وكذا القصص والخرافات ونحوها.

стр. 46

١١ - يؤخذ العلم عن العلماء الربانيين يقول السائل: سمعت حديثاً عن النبي ﷺ يقول: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، فهل هذا ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا؟ الجواب: هذا النص المذكور ليس بحديث عن رسول الله ﷺ ، وإنما هو أثر منقول عن بعض السلف، وقد بين العلامة الألباني أنه لا يثبت عن النبي ﷺ ، بل هو ضعيفٌ جداً، ثم ذكر أنه رواه تمام وابن عدي والسهمي والهروي والديلمي، ثم ذكر أن الصحيح وقفه على محمد بن سيرين، وورد عن زيد بن أسلم والحسن البصري والضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي موقوفاً عليهم، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً عليهما بأسانيد ضعيفة. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٥/٥٠٣. وقد رواه الإمام مسلم عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين في مقدمة صحيحه ١/٧٦. وهذا الأثر يبين أن العلم الشرعي من الدين، فلا بد للناس أن ينظروا في أحوال من يأخذون العلم عنهم، وفي زماننا هذا كثر المتسورون على العلم الشرعي ممن ليسوا أهلاً ليؤخذ العلم عنهم، وخاصة أن وسائل الظهور على الناس ومخاطبتهم قد كثرت وتنوعت كما في الفضائيات والإذاعات وشبكة الإنترنت والصحف والمجلات وغيرها. ويضاف إلى ذلك أن بعض من ينتسب إلى العلم الشرعي يقفون مواقف الشبه والشك والريبة، وتصدر عنهم أمور مخالفة لشرع الله وهم يزعمون أنهم يتكلمون باسم الدين، وقد عجبت من أحدهم يحتفل بعيد ميلاده!؟ ونُشرت صورتُه وهو يقطع الكعكة، في أحد النوادي المشبوهة (الليونز) ، وحوله مجموعة من النساء الكاسيات العاريات، وغنوا له هابي بيرث داي تو يو ... ، ثم يزعم أن رسول الله ﷺ كان يحتفل بعيد ميلاده!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ سورة الكهف الآية ٥. ولا شك أن هذا من الأمراض التي تصيب المشايخ في مقتل، وهذا يُعد من الأهواء التي تصيب هؤلاء المشايخ المتصدرين، كحب المال والجاه والشهرة وحب الظهور الذي يقصم الظهور، وكمرض العلم وعدم العمل، ومرض إتباع أهل البدع والأهواء، وكمداهنة الكفرة والفسقة، فهؤلاء الذين يحملون العلم الشرعي ما صانوه حق صيانته وينطبق عليهم قول القاضي الجرجاني: ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوسِ لعُظِّما! ولكنْ أهانوه فهان ودنّسوا مُحيَّاهُ بالأطماعِ حتى تجهَّما! فكل هؤلاء وأشباههم لا يؤخذ عنهم العلم الشرعي، وأسوق هنا طائفة من الأحاديث ومن أقوال السلف فيمن يؤخذ عنهم العلم الشرعي ومن لا يؤخذ عنهم حتى يكون المسلم على بينة من أمره: فعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سيكون في آخر أمتي أناسٌ يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم) رواه مسلم. وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي، وقال الترمذي: حديث صحيح. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/١٥٦. وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون: [إن العالِم حُجَتُك بينك وبين الله تعالى، فانظر مَنْ تجعل حجتك بين يدي الله ] الفقيه والمتفقه ٢/١٧٨. وروى الخطيب البغدادي عن إبراهيم النخعي- أحد أئمة التابعين- قال: (كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل، نظر في صلاته، وفي حاله، وفي سمته، ثم يأخذ عنه) . ونقل الحافظ ابن عبد البر عن الإمام مالك بن أنس ﵀ قوله: لا يُؤخذ العلم عن أربعة: سفيهٌ معلنٌ السفه، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجلٌ معروف بالكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يكذب على رسول الله ﷺ ، ورجلٌ له فضلٌ وصلاحٌ لا يعرف ما يحدث به) جامع بيان العلم وفضله. وذكر الإمام ابن أبي حاتم هذا الأثر (دينك، دينك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا) . وسئل عبد الله بن المبارك: (من الملوك؟ قال الزهاد. قالوا من السفلة؟ قال الذين يأكلون بدينهم. قالوا من سفلة السفلة؟ قال الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم) . وجعل الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي في كتابه (الآداب الشرعية) فصلاً بعنوان (صفات من يؤخذ عنهم الحديث والدين ومن لا يؤخذ عنهم) ، وذكر فيه قول الإمام مالك لرجلٍ: اطلب هذا الأمر – العلم - من عند أهله) ، وقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: (لا يؤخذ العلم إلا عمن شُهدَ له بطلب العلم) . وقول الإمام أحمد: (يُكتب الحديثُ عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب، أو رجل يغلط في الحديث فيرد عليه فلا يقبل) . وقول الإمام أبي حنيفة: (تكتب الآثار ممن كان عدلاً في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعاً حتى انقادت العامة له، فذاك لا ينبغي أن يكون من أئمة المسلمين) . وقول حرملة: (سمعت الشافعي يقول: ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة – أي الشيعة -) . وقول عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن علمائهم وأمنائهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا) . [وقد نقل الخطيب البغدادي عن ابن قتيبة أنه سئل عن معنى هذا الأثر، فأجاب: يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث، ثم يعلل هذا التفسير فيقول: لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب وحِدَّتُه وعجلته وسفهه، واستصحب التجربة والخبرة، فلا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحَدَث، مع السّن والوقار والجلال والهيبة، والحَدَث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أُمنت على الشيخ فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك.] عن شبكة الإنترنت. ثم ذكر الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي فصلاً آخر في سمت العلماء الذين يؤخذ عنهم الحديث والعلم وهديهم. وساق فيه طائفة من أقوال أهل العلم في ذلك. وقال الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) [باب اختيار الفقهاء الذين يتعلم منهم، ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة، وعرف بالستر والصيانة] ثم ذكر عن سليمان موسى أنه قال: (لا تقرءوا القرآن على المصحفيين، ولا تأخذوا العلم من الصحفيين) ، وقال ثور بن يزيد: (لا يفتي الناس الصحفيون) ، وقال أبو زرعة: (لا يفتي الناس صُحفي، ولا يقرئهم مصحفي) . ويقصد بالصُحفي من يأخذ علمه من الكتب بدون شيخ يُعلمه، والمصحفي من يُعلم الناس القرآن والتجويد والقراءات دون أن يتلقاها من أفواه القراء. قال الخطيب البغدادي: [الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً، ولا يُسمى الذي يقرأ من المصحف من غير سماعٍ من القارئ قارئاً، إنما يسمى مُصحفياً] . إذا تقرر هذا فإن العلم الشرعي لا يؤخذ عن كل من هب ودب، وإنما يؤخذ عن أهل العلم الصادقين، العاملين به، ويؤخذ من العلماء الربانيين، كما قال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فلابد من معرفة من هم العلماء حقاً، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم، حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ويصوغه بعبارات مزخرفة، يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، بل هو البدع والضلالات الذي يظن بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون.] شرح كشف الشبهات عن شبكة الإنترنت. وخلاصة الأمر أن الأثر المذكور في السؤال وهو: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، لم يثبت حديثاً عن النبي ﷺ ، وإنما هو من قول محمد بن سيرين من التابعين، وقد نصح أهل العلم قديماً وحديثاً بالعمل بهذا الأثر، فيجب على المسلم عامة وطالب العلم خاصة أن ينظر عمن يأخذ دينه، فلا يأخذه إلا من العلماء العاملين الصادقين، الذين ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) ، وهو حديث مشهور صححه الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم.

стр. 47

١٢ - " بارك الله لأمتي في بكورها " حديث صحيح يقول السائل: ما درجة حديث (بارك الله لأمتي في بكورها) ، أفيدونا؟ الجواب: قال الإمام الترمذي: [باب ما جاء في التبكير بالتجارة] ثم روى بإسناده عن صخر الغامدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (اللهم بارك لأمتي في بكورها) ، قال وكان إذا بعث – أي النبي ﷺ – سريةً – أي طائفة من الجيش - أو جيشاً بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله، قال الإمام الترمذي: وفى الباب عن علي وابن مسعود وبريدة وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر. قال أبو عيسى - أي الإمام الترمذي - حديث صخر الغامدى حديث حسن. ولا نعرف لصخر الغامدي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. سنن الترمذي ٣/٥١٧. وهذا الحديث رواه أيضاً أبو داود في كتاب الجهاد (بابٌ في الابتكار في السَّفر) ، ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه، فبلغ عدد ما جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفساً] . فتح الباري ٦/١٣٨. وقد صححه العلامة الألباني في صحيح أبي داود وفي صحيح الترغيب والترهيب وفي صحيح الجامع الصغير. والبكور المقصود في الحديث هو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس. وقال المباركفوري: [ (فأثرى) أي صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة. وإجابة هذا الدعاء منه ﷺ ] تحفة الأحوذي ٤/٣٣٨. وقد ذكر صاحب اللمع في أسباب ورود الحديث أن سبب ورود هذا الحديث ما رواه أنس قال: (خرجت مع النبي ﷺ ليلة من شهور رمضان فمر بنيران في بيوت الأنصار فقال: يا أنس ما هذه النيران؟ قلت: يا رسول الله إن الأنصار يتسحرون فقال: اللهم بارك لأمتي في بكورها) أخرجه الخطيب وابن النجار في تاريخ بغداد. إذا تقرر أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فإن الحديث يدل على استحباب البكور، قال الإمام الشوكاني: [وحديث صخر المذكور فيه مشروعية التبكير من غير تقييد بيوم مخصوص سواء كان ذلك في سفر جهاد أو حج أو تجارة أو في الخروج إلى عمل من الأعمال ولو في الحضر] نيل الأوطار ٧/٢٧٤. ومن أول ما يفعله المسلم في بكوره صلاة الفجر، فقد قال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ سورة الإسراء الآية ٧٨. قال الشيخ ابن كثير: [ ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال: " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار". وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ". ويقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال: " تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار ". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ في الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بكم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحَرَسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. وكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية.] تفسير ابن كثير ٤/١٦٧-١٦٨. وقال رسول الله ﷺ : (من صلى البَرْدَين دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم، والبردان هما الصبح والعصر. وقال رسول الله ﷺ : (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) رواه الترمذي، وقال العلامة الألباني حديث صحيح، كما في صحيح سنن الترمذي ١/٧١. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الصبح في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له أجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة) رواه الترمذي، وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح سنن الترمذي ١/١٨٢. لذا فعلى المسلم أن يحافظ على صلاة الفجر في جماعة، فإن لم يفعل فلا أقل من أن يصليها في وقتها قبل طلوع الشمس، ومن المؤسف أن كثيراً من المصلين لا يصلون الفجر إلا بعد طلوع الشمس وارتفاعها، لأن كثيراً من الناس اليوم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل ثم ينامون فلا يستيقظون إلا عند ذهابهم إلى أعمالهم، وقد كره جماعة من أهل العلم النوم بعد صلاة الفجر، فعن عروة بن الزبير أنه قال: كان الزبير ينهى بنيه عن التصبح) - وهو النّوم في الصّباح – رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح في المصنف ٥/٢٢٢. وقال الشيخ السفاريني: [مطلب في كراهة النوم بعد الفجر والعصر: يكره نومك أيها المكلف بعد صلاة الفجر لأنها ساعة تقسم فيها الأرزاق فلا ينبغي النوم فيها, فإن ابن عباس ﵄ رأى ابناً له نائما نومة الصبحة فقال له: قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق. وعن بعض التابعين أن الأرض تعج من نوم العالم بعد صلاة الفجر , وذلك لأنه وقت طلب الرزق والسعي فيه شرعاً وعرفاً عند العقلاء.] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ص ٣٥٥. وأولى الناس بالبكور طلبة العلم، لأن من أفضل أوقات المذاكرة ما كان بعد صلاة الفجر، وقد روي في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (اغدوا في طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها) رواه الطبراني وقوله (اغدوا) أي اذهبوا وقت الغداة وهي أول النهار، وكذلك فإن طالب العلم يجب أن يكون أولى الناس محافظة على الوقت اقتداءً بسلف هذه الأمة الذين كانوا أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم! ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى، يقول عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما! وكانوا يقولون: من علامة المقت إضاعة الوقت. ويقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون! وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون. وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن: أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نمواً في المعرفة ونموا في الإيمان ونمواً في عمل الصالحات. يقول ابن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي! وقال آخر: كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم] الوقت في حياة المسلم ص١٢-١٣. وخلاصة الأمر أن حديث (بارك الله لأمتي في بكورها) ، حديث صحيح ويرشدنا هذا الحديث إلى المحافظة على أوقاتنا وخاصة وقت الفجر.

стр. 48

١٣ - أحاديث العقل باطلة يقول السائل: إنه سمع على قناة الجزيرة في برنامج الشريعة والحياة شيخاً ذكر الحديث التالي (لما خلق الله العقل قال له: قم، فقام، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: اقعد، فقعد، فقال: ما خلقت خلقاً هو خير منك، ولا أفضل منك، ولا أحسن منك، ولا أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف، لك الثواب، وعليك العقاب) وقال إنه حديث صحيح، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا؟ الجواب: هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث العقل، وقد تكلم علماء الحديث على هذا الحديث وعلى غيره من الأحاديث الواردة في العقل وفضله، وقرروا أنها أحاديث باطلة موضوعة مكذوبة لا تصح عن رسول الله ﷺ وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه الموضوعات هذا الحديث وقال: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ] ثم نقل عن الإمام أحمد قوله في هذا الحديث: [هذا الحديث موضوع ليس له أصل] الموضوعات ١/١٧١. وقال ابن الجوزي أيضاً [رويت في العقول أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت] الموضوعات ١/١٧١. وذكر السيوطي عدة روايات لهذا الحديث وبين اتفاق العلماء على أنها موضوعة، اللآليء المصنوعة ١/١٢٩. وقال العلامة ابن القيم [أحاديث العقل كلها كذب كقوله (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منك، بك آخذ، وبك أعطي) ، وحديث (لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العاقلين) ، وحديث (إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد وما يجزى إلا على قدر عقله) ، قال الخطيب حدثنا الصوري: قال سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول: قال الدارقطني: إن كتاب العقل وضعة أربعة أولهم ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر، وقال أبو الفتح الأزدي لا يصح في العقل حديث قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم بن حبان والله أعلم] المنار المنيف ص ٦٦. وقال الحافظ شمس الدين السخاوي: [حديث «إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل ثم قال له أدبر، فأدبر، فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي) قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق ... ثم ذكر رواية أخرى للحديث ثم قال: وأخرجه داود بن المحبر في كتاب العقل له حدثنا صالح المري عن الحسن به بزيادة «ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد» والباقي مثله، وفي الكتاب المشار إليه لداود من هذا النمط أشياء منها: أول ما خلق الله العقل، وذكره. وابن المحبر كذاب] المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ص ١١٨. وقد تكلم العلامة الألباني على أحاديث العقل تحت أول حديث ذكره في سلسلة الأحاديث الضعيفة فقال: [الدين هو العقل, ومن لا دين له لا عقل له) ، باطل. أخرجه النسائي في " الكنى " وعنه الدولابي في " الكنى والأسماء " (٢ / ١٠٤) عن أبي مالك بشر بن غالب بن بشر بن غالب عن الزهري عن مجمع بن جارية عن عمه مرفوعاً دون الجملة الأولى " الدين هو العقل " وقال النسائي: هذا حديث باطل منكر. قلت – أي الألباني -: وآفته بشر هذا فإنه مجهول كما قال الأزدي, وأقره الذهبي في " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " والعسقلاني في " لسان الميزان ". وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن داود بن المحبر بضعاً وثلاثين حديثاً في فضل العقل, قال الحافظ ابن حجر: كلها موضوعة, ومنها هذا الحديث كما ذكره السيوطي في " ذيل اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " (ص ٤ - ١٠) ونقله عنه العلامة محمد طاهر الفتني الهندي في " تذكرة الموضوعات " (ص ٢٩ - ٣٠) . وداود بن المحبر قال الذهبي: صاحب " العقل " وليته لم يصنفه, قال أحمد: كان لا يدري ما الحديث , وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث غير ثقة, وقال الدارقطني: متروك, وروى عبد الغنى بن سعيد عنه قال: كتاب " العقل " وضعه ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة ,وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء , ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي. ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء, وهي تدور بين الضعف والوضع, وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه " العقل وفضله " فوجدتها كما ذكرت لا يصح منها شيء, فالعجب من مصححه - أي مصحح كتاب " العقل وفضله " وهو - الشيخ محمد زاهد الكوثري كيف سكت عنها ?! بل أشار في ترجمته للمؤلف (ص ٤) إلى خلاف ما يقتضيه التحقيق العلمي عفا الله عنا وعنه. وقد قال العلامة ابن القيم في " المنار " (ص ٢٥) : أحاديث العقل كلها كذب.] . سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/١٣. إذا تقرر بطلان الأحاديث الواردة في فضل العقل، فلا بد أن يعلم أن دين الإسلام قد حث على التفكير والنظر وورد في ذلك آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ سورة الروم الآية ٢٤. وقال تعالى ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ سورة البقرة الآية ٢٤٢. وقال تعالى ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ سورة العنكبوت الآية ٤٣. وقال تعالى ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ سورة الملك الآية ١٠. وقال تعالى ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾ سورة الأنعام الآية ٦٥. وقال تعالى ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ سورة الأنعام الآية ٥٠. وقال تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ سورة محمّد الآية ٢٤. وغير ذلك من الآيات. والعقل من نعم الله على الإنسان التي ميزه بها على غيره من المخلوقات، وعقل الإنسان له حدود لا يصح أن يتجاوزها، قال أبو القاسم الأصبهاني: [العقل نوعان: عقلٌ أُعين بالتوفيق، وعقلٌ كِيدَ بالخذلان، فالذي أعين بالتوفيق يدعو صاحبه إلى موافقة الأمر المفترض بالطاعة، والانقياد لحكمه، والتسليم به، والعقل الذي كيد يطلب بِتَعَمُّقِه الوصول إلى علم ما استأثر الله بعلمه وحجب أسرار الخلق عن فهمه، حكمةً منه بالغة.] وينبغي أن يعلم أن تقديس العقل وإنزاله في غير منزلته الصحيحة أمر مرفوض شرعاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والداعون إلى تمجيد العقل إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنم سموه عقلاً، وما كان العقل وحده كافياً في الهداية والإرشاد، وإلا لما أرسل الله الرسل] موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٢١. كما ينبغي التنبيه على أن شريعة الإسلام لا تعارض العقل السليم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، فالعقلاء متفقون على أن العقل الصريح لا يخالف نقلاً صحيحاً] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٣٨. وقال العلامة ابن القيم [كيف ينقدح في ذهن المؤمن أن في نصوص الوحي المنزلة من عند الله ما يخالف العقول السليمة؟! بل كيف ينفك العقل الصريح عن ملازمة النص الصحيح؟! بل هما أخوان لا يفترقان، وصل الله بينهما في كتابه، وإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذنا بالنقل الصحيح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطَّت حيث حطها الله وأصحابها، فكيف يُظن أن شريعة الله الكاملة، ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعد محمد ﷺ ] الصواعق المرسلة ٢/ ٤٥٨ ـ ٤٥٩. وقال الإمام الشاطبي: [العقل لا يُجعل حاكماً بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب أن يقدم ما حقه التقديم – وهو الشرع - ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول] الاعتصام ٢/٣٢٦. وبناءً على ما سبق فإن العقل لا مدخل له في أمور العقيدة والغيبات وكذا الأحكام التعبدية كصلاة المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً ونحو ذلك، قال العلامة ابن خلدون: [العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به التوحيد والآخرة وحقائق النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال] مقدمة ابن خلدون ص٣٦٤. وقال أبو المظفر السمعاني: [واعلم: أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعاً للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئاً حتى يعقلوا] الحجة في بيان المحجة ١/٣٢٠. وانظر للتوسع: التيار العقلي لدى المعتزلة وأثره في حياة المسلمين المعاصرة للدكتور. سهل بن رفاع العتيبي، والاتجاهات العقلانية الحديثة، للدكتور ناصر العقل، وموقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، للأمين الصادق الأمين. وخلاصة الأمر أن أحاديث العقل مكذوبة لا تصح عن النبي ﷺ .

стр. 49

١٤ - دفاع عن السنة النبوية يقول السائل: قرأت حديثاً عن النبي ﷺ وفيه: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا. الجواب: هذا الحديث رواه الترمذي بإسناده عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ : (قال لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته - السرير - يأتيه أمرٌ مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه أبوداود عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) . وقال العلامة الألباني: صحيح، والحديث رواه أيضاً الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ويعتبر هذا الحديث من دلائل نبوة سيدنا محمد ﷺ حيث ظهر بعد عهد الرسالة جماعات طعنوا في السنة النبوية وزعموا الأخذ بالقرآن الكريم فقط وقد بدأت ظاهرة إنكار السنة على أيدي الخوارج والشيعة، وظهرت في العصور المتأخرة طوائف تنكر السنة النبوية وتدعو إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم فقد [بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين الميلادي في بلاد الهند، ثم انتقلت إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند، وما تزال. وأعجب أمر هؤلاء أنهم يُنْسَبون إلى القرآن المجيد، فهم يحبون أن يسموا أنفسهم "القرآنيون " نسبة إلى القرآن كتاب الله المجيد ظلماً وزوراً. وقد اختاروا هذه النسبة إيهاماً للناس بأنهم ملتزمون بكتاب الله القرآن.] شبهات القرآنيين حول السنة النبوية ص ٢-٣. قال الشخ المباركفوري في شرحه للحديث السابق [وهذا الحديث دليل من دلائل النبوة وعلامة من علاماتها فقد وقع ما أخبر به فإن رجلاً قد خرج في الفنجاب من إقليم الهند وسمَّى نفسه بأهل القرآن وشتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد وكان قبل ذلك من الصالحين فأضله الشيطان وأغواه وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها رداً بليغاً، وقال هذه كلها مكذوبة ومفتريات على الله تعالى وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي ﷺ ، وإن كانت صحيحة متواترة ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ وغير ذلك من أقواله الكفرية وتبعه على ذلك كثير من الجهال، وجعلوه إماماً وقد أفتى علماء العصر بكفره وإلحاده وخرجوه عن دائرة الإسلام والأمر كما قالوا.] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٧/٣٥٤-٣٥٥. وهؤلاء القرآنيين لهم امتداد في الوقت الحاضر في جماعات تسمي نفسها بأهل القرآن ولهم انتشار في عدة بلدان من العالم ولهم مؤلفات ونشرات ومواقع على الشبكة العنكبوتية ينشرون من خلالها باطلهم وإفكهم، واسمع ما يقوله صاحب موقع أهل القرآن د. أحمد صبحي منصور تحت عنوان شروط النشر: [أولا: شروط النشر على موقع أهل القرآن: موقع أهل القرآن تم إنشاؤه خصيصاً من أجل هدف واحد, وهو توحيد كلمة كل من يؤمن بالقرآن الكريم كمصدر ((أوحد)) لتعاليم الإسلام وتوجيهاته وتفسير تشريعاته ومنهاجه, ومن ثم فلن يسمح الموقع لمن يتخذ من ما يطلق عليه (الحديث النبوي أو السنة النبوية) وسيلة أو مرجعاً لإثبات وجهة نظر معينه أو تفسير آيات القرآن الكريم. ثانياً: منهج أهل القرآن، موقع (أهل القرآن) يفتح أبوابه لكل فكر حر بشرط ألاّ يسند الكاتب حديثاً لخاتم النبيين محمد ﵇ عبر ما يعرف بالسنة، أو أن ينسب قولاً لله تعالى خارج القرآن عبر الأكذوبة المسماة بالحديث القدسي. حين تنسب قولاً للنبي محمد أو لله تعالى فستكون في مشكلة يوم القيامة. وحين ننشر لك هذا القول فقد وقعنا في مشكلة أكبر، ونحن لا نريد أن نكون في صف العداء لله تعالى ورسوله، ولا نريد أن ننشر الكذب على الله تعالى ورسوله.] http://www.ahl-alquran.com/arabic/aboutus.php. وهذه الأفكار تجد لها صدى عند بعض المتسلقين على أسوار العلم فكادوا أن ينسخوا ما كتبه هذا الضال ونشروه مع بعض التعديل والتحوير. ويلتقي القرآنيون ومن تسموا بأهل القرآن في قضية أخرى لا تخلو منها نشراتهم ومواقعهم على الإنترنت ألا وهي سب علماء الإسلام والطعن فيهم ووصفهم بأقذع العبارات، يقول د. أحمد صبحي منصور صاحب موقع أهل القرآن في حق أهل العلم [أما بالنسبة لمن ماتوا من أئمة التراث فلنا حرية الحكم عليهم بما كتبوا في كتبهم وأسفارهم، خصوصاً إذا كانوا يتمتعون بالتقديس بينما تحوي كتبهم الطعن في رب العزة جل وعلا والإسلام والقرآن وخاتم النبيين عليهم جميعا السلام ... أولئك كذبوا على الله تعالى وعلى رسوله فيما يسمى بالسنة والحديث، وتلاعبوا بالكتاب العزيز فيما يعرف بالتفسير والتأويل وقاموا بحذف أحكامه بزعم النسخ، وكتبوا أقاويل تطعن في معظم سور القرآن وتشكك فيه تحت اسم (علوم القرآن) . وفى كل هذا اقترفوا أفظع ظلم لله تعالى وهو الافتراء الكاذب على الله والتكذيب بآياته] مع أن هذا الضال المضل يقول [لا يسمح بالهجوم على معتقدات الأديان والعقائد الأخرى بالسب أو التسفيه أو التشويه أو ما إلى ذلك] ويتناسى هذا الضال أن القرآن الكريم قد سفه تلك العقائد الباطلة كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ سورة المائدة الآية ٧٢. وقال تعالى ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ سورة المائدة الآية ٧٣. وقد تصدى عدد كبير من علماء الإسلام لهؤلاء القرآنيين وبينوا عوار أقوالهم وفندوها ودافعوا عن سنة رسول الله ﷺ ولا يتسع المقام لإيراد هذه الردود ولكن أشير إلى بعضها: ١- شبهات القرآنيين لعثمان بن معلم محمود بن شيخ علي. ٢- شبهات القرآنيين حول السنة النبوية د. محمود محمد مزروعة ٣- دفاع عن السنة، د. محمد بن محمد أبوشهبة ٤- القرآنيون وشبهاتهم حول السنة خادم حسين إلهي بخش. ٥- السنة ومكانتها في التشريع د. مصطفى السباعي. ٦- منزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن للعلامة محمد ناصر الدين الألباني ٧- الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية د. عبد العظيم المطعني. كما وأنوه إلى أنه يوجد على شبكة الإنترنت مقالات كثيرة في كشف ضلالات القرآنيين. وأخيراً أذكر خاتمة بحث أ. د. محمود محمد مزروعة وعنوانه: شبهات القرآنيين حول السنة النبوية حيث قال: [وقد بان لنا من خلال البحث جملة من الحقائق عن هذه الطائفة نوجزها فيما يلي: أولاً: هذه الطائفة نشأت ابتداء على أيدي الإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند، فهي صنيعة من صنائع الكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وهي حركة من الحركات الكثيرة التي قام بها الإنجليز في هذه المنطقة لهدم الإسلام وتفريق المسلمين، من مثل " القاديانية " و "البريلوية" وغيرهما. ثانياً: أثبتنا عند حديثنا عن رؤوس هذه الحركة أنهم كانوا على اتصال دائم وقوى بالإنجليز، وكان الإنجليز وراء حركاتهم تلك، وكانوا يمدونهم بالعون المادي والمعنوي، بل كان بعض هؤلاء على اتصال بحركة المنصرين بالهند. ثالثاً: هذه الحركة بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام، وانتسبت إلى القرآن. وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة، فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم. رابعاً: يتضح من كل ما تقدم أن هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام وتفريق الأمة المسلمة. وأن انتسابهم إلى القرآن إنما هو ستار يتخفون وراءه ليزاولوا تحت شعاره أنشطتهم الهدامة، وحركاتهم التخريبية.] ص٥٤. وخلاصة الأمر أن حديث (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) حديث صحيح وهو من علامات صدق نبوة محمد ﷺ ، فقد ظهر القرآنييون ومن يتسمون بأهل القرآن المكذبين لسنة رسول الله ﷺ وقد قال قائلهم د. أحمد صبحي منصور " القرآن وكفى" وجعل هذه العبارة عنواناً لأحد كتبه، ولقد أعظم الفرية على دين الإسلام.

стр. 50

١٥ - حديث (خمس ليس لهن كفارة) يقول السائل: سمعت حديثاً عن النبي ﷺ يقول فيه: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق) فهل هذا الحديث ثابت وإذا كانت هذه الذنوب ليس لها كفارة فكيف يتوب المسلم منها، أفيدونا؟ الجواب: الحديث المذكور رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق) ورواه أيضاً أبو الشيخ والديلمي، والحديث حسن لغيره وإسناده جيد، كما قال الشيخ العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/٨٢، وفي إرواء الغليل ٥/٢٦-٢٧. وينبغي أن يعلم أن جماهير العلماء قد قسموا المعاصي إلى صغائر وكبائر، وقد اختلفوا في حقيقة الكبيرة، فمنهم من يرى أن الكبيرة هي ما لحق صاحبها بخصوصها وعيد شديد بنص من القرآن الكريم أو السنة النبوية، قال ابن عباس ﵄: " الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب " تفسير القرطبي ٥/١٥٩. ومن العلماء من يرى أن الكبيرة هي كل معصية أوجبت الحد، ومنهم من يرى أن الكبيرة هي كل محرم لعينه منهيٌ عنه لمعنى في نفسه، فإن فُعِلَ على وجه يجمع وجهين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة، وأن يزني الرجل بزوجة جاره فاحشة. وقال الواحدي المفسر: [الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاءً أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/١٤ - ١٦. وكل ما ذكره أهل العلم في تعريف الكبيرة إنما هو على وجه التقريب، وليس على وجه التحديد. وكبائر الذنوب كثيرة، وليست محصورة في عدد معين عند أهل العلم، وإن ذكر في بعض الأحاديث عددها كثلاث أو سبع أو تسع، فليس المراد الحصر، قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار] تفسير القرطبي ٥/١٥٩. إذا تقرر هذا فإن معنى قول النبي ﷺ : (ليس لهن كفارة) أي لا يمحو الإثم الحاصل بسببهن شيء من الطاعات والحسنات، وهذا بناءً على قول جمهور أهل العلم أن كبائر الذنوب لا تكفرها الطاعات ولا بد لها من توبة خاصة من كل ذنب منها أو إقامة الحد إن كان فيها حد أو أن يتغمد الله المذنب برحمته وغفرانه، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) . رواه مسلم، وفي رواية أخرى (ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم. فالأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب وأما الكبائر فلا تُكَفَر بمجرد فعل الأعمال الصالحة بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَر. قال القاضي عياض: [هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وانظر نيل الأوطار ٣/٥٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى) عارضة الأحوذي ١/١٣. وقال الحافظ ابن عبد البر: [ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرةً للكبائر والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر وغير نادم على ذلك فمحال فقد قال الرسول ﷺ : (الندم توبة) - رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح قاله الشيخ العلامة الألباني - وقال الرسول ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة إلى ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) . وفي رواية أخرى قال الرسول ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح. ومما سبق يتضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر فيكون على هذا معنى قول الله : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم. وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإن عذبه فبجرمه وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة. وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك ١/٥٥-٥٧ بتصرف. وهذا الذي بينه الحافظ ابن عبد البر هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى ذلك يحمل قول النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهو من أحاديث الأربعين النووية. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين ... الثاني: أنه تكفر الصغائر مطلقاً ولا يكفر الكبائر إن وجدت لكن بشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها ...] . ثم قال الحافظ ابن رجب: [والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال : (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١] جامع العلوم والحكم ص ٢١٤-٢١٦. ولا يصح التمسك بظاهر قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) سورة هود الآية ١١٤. على أن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة وصغيرة. وعند جمهور أهل العلم لا بد من تقييد ذلك بما صح في الحديث من قوله ﷺ : [إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر﴾ وغيره من الأحاديث المقيدة لمطلق الآية. انظر فتح الباري ٩/٤٢٧. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور حديث حسن وأن الذنوب الخمس المذكورة فيه تعتبر من كبائر الذنوب، وأن الكبائر لا تكفرها الأعمال الصالحة، ولا بد للمسلم من التوبة بشروطها.

стр. 51

١٦ - حديث (أفضل العبادة انتظار الفرج) يقول السائل: ما صحة الحديث الوارد في أن (أفضل العبادة انتظار الفرج) أفيدونا؟ الجواب: روى الإمام الترمذي في سننه بإسناده [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ? (سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج? قال أبو عيسى – أي الترمذي - هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وقد خولف في روايته وحماد بن واقد هذا هو الصفار ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري.] سنن الترمذي. وقال العلامة الألباني عن هذا الحديث: [ضعيف جداً، رواه الترمذي (٤ / ٢٧٩) وابن أبي الدنيا في " القناعة والتعفف " (ج ١ ورقة١٠٦ / ١ من مجموع الظاهرية ٩٠) وعبد الغني المقدسي في " الترغيب في الدعاء " (٨٩ / ٢) من طريق حماد بن واقد قال: سمعت إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعاً، وقال الترمذي: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وحماد ليس بالحافظ، وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي ﷺ ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح. قلت – الألباني -: وحكيم بن جبير أشد ضعفاً من ابن واقد فقد اتهمه الجوزجاني بالكذب وإذا كان الأصح أن الحديث حديثه فهو حديث ضعيف جداً. والشطر الأخير من الحديث رواه البزار والبيهقي في " الشعب " والقضاعي من حديث أنس، وقال الهيثمي في " المجمع " (١٨ / ١٤٧) بعد أن عزاه للأول: وفيه من لم أعرفه] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ / ٤٩٩-٥٠٠. وورد الحديث برواية أخرى وهي (انتظار الفرج بالصبر عبادة) ولكنه حديث موضوع، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الضعيفة والموضوعة ٤ / ٧٣. وورد بلفظ آخر (انتظار الفرج من الله عبادة، ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل) وهذا اللفظ ضعيف جداً كما قال العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة ٤ / ٧٥. إذا تقرر أن الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فلا شك أن صبر المسلم على البلاء وانتظاره كشفه من الأمور المطلوبة شرعاً لأن [ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء] كما قال العلامة العيني. ويقول الشيخ عائض القرني حفظه الله ورعاه [أفضل العبادة انتظار الفرج لأن فيه ثقة بالباي، وحسن ظن بالخالق، وقوة رجاء بالحق، فانتظار الفرج انتصار على اليأس، ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ ، وقهر للقنوط، قال ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ ، وفيه تصديق للخبر ﴿إن مع العسر يسرا﴾ ، وتسليم للوعد، إن الفرج بعد الكرب، واطمئنان لسنة الله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ وتطلع إلى لطفه ورحمته ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ وركون إلى كفايته ﴿فسيكفيكهم الله﴾ ، واعتماد على رعايته وولايته ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ . انتظار الفرج: ترقب نظرة الرحمة من الرحمن، ونفحة اللطف من الديان، وغوث الملهوف من المنان. انتظار الفرج: الصبر حتى يكشف الرب الكرب، ليس لها من دون الله كاشفة. وحبس المضطر أنفاسه حتى يجيبه ربه ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ . انتظار الفرج: طلب المدد من الأحد، والصبر والجلد حتى يغيث الصمد. أهـ. حسبنأ الله ونعم الوكيل، ﴿وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ ... ] كتاب حدائق ذات بهجة. ويؤيد ما تقدم ما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﷺ (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٥ / ٤٩٦. قال الشيخ ابن رجب الحنبلي: [ ... وقوله ﷺ (وإن الفرج مع الكرب) وهذا يشهد له قوله : ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ وقول النبي ﷺ : (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل، وفيه: (علم الله يوم الغيث أنه ليشرف عليكم أذلين قنطين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب) ، والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال تعالى: ﴿فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين﴾ ، وقال تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا﴾ ، وقال تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ ، وقال حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله﴾ ، ثم قص قصة اجتماعهم عقيب ذلك. وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد ﷺ مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك.] جامع العلوم والحكم ص ٢٤٩-٢٥٠. وخلاصة الأمر حديث (أفضل العبادة انتظار الفرج) غير ثابت عن النبي ﷺ ، ومع ذلك فإن انتظار الفرج من العبادة إذا كان وفق ما قرره أهل العلم.

стр. 52

١٧ - حديث قدسي لا أصل له يقول السائل: وزعت نشرة مكتوب فيها حديث قدسي ونصه (قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : يا ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب؛ وفي أكثر منه فلا تطمع فإذا رضيت بما قسمت لك أرحت نفسك وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمت لك: فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها كما يركض الوحش في البرية، ولا تنال منها إلا ما قسمت لك، وكنت عندي مذموماً.) فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟ الجواب: ينبغي أن نتعرف على الحديث القدسي أولاً فهو ما ينسبه النبي ﷺ إلى ربه ﵎. والحديث القدسي نسبة إلى القُدُس، وهي نسبة تدل على التعظيم والتنزيه والتطهير، والحديث القدسي معناه من عند الله ﵎ ولفظه من عند النبي ﷺ ، كما أن الحديث القدسي منه الصحيح والضعيف والموضوع، أي المكذوب، كما هو الحال بالنسبة للأحاديث النبوية. إذا تقرر هذا فأعود إلى الحديث المذكور فأقول: هذا الحديث من الأحاديث المشهورة على ألسنة الخطباء والوعاظ وغيرهم، وقد ورد بعدة روايات منها: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً، وسلطاني لا ينفد أبداً. يا ابن آدم! لا تخش من ضيق الرزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبداً. يا ابن آدم! لا تطلب غيري وأنا لك؛ فإن طلبتني وجدتني، وإن فتني فتك وفاتك الخير كله. يا ابن آدم! خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب؛ فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً. وإن لم ترض بما قسمته لك: فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً. يا ابن آدم! خلقت السماوات السبع والأراضي السبع ولم أعي بخلقهن؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك بلا تعب؟ يا ابن آدم! إنه لم أنس من عصاني؛ فكيف من أطاعني، وأنا رب رحيم، وعلى كل شيء قدير؟ يا ابن آدم! لا تسألني رزق غد كما لم أطالبك بعمل غد. يا ابن آدم! أنا لك محب؛ فبحقي عليك كن لي محباً) وغيرها من الروايات. وهذا الحديث رغم شهرته ليس له أصل في كتب السنة النبوية فلم يذكره أحد من الذين صنفوا الفهارس الحديثية فيما أعلم، وكذلك فإن الحديث لا يوجد في الكتب التي اعتنت بالأحاديث القدسية. وبعد طول بحث وجدت أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكره بقوله [في حديث إسرائيلي (يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكلفت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء؛ وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء) ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٨/٥٢. وكذا ذكره العلامة ابن القيم حيث قال [وفي الأثر الإلهى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني فان وجدتني وجدت كل شيء وإن فاتك، فاتك كل شيء وأنا أحب اليك من كل شيء ... ] الجواب الكافي ١/١٤٠. وذكره الشيخ ابن كثير في آخر تفسيره لسورة الذاريات فقال [وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: "يقول الله تعالى: ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.] تفسير ابن كثير ٥/٦٩٦. وذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين في إحدى النشرات التي أصدرها وهي: النشرة الخامسة في الحديث القدسي الطويل: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان مادام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا إلى قوله: يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محباً. حيث قال عنه الشيخ العثيمين: هذا الحديث غير صحيح. فتاوى الشيخ الصادرة من مركز الدعوة بعنيزة ٣/٦٣. والذي يظهر لي أن هذا الحديث من الإسرائيليات، فقد ذكره صاحب كتاب المستطرف من كل فن مستظرف وهو من كتب الأدب حيث قال [وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبدا يا ابن آدم لا تأنس بغيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني وإن أنست بغيرك فتك وفاتك الخير كله يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه فلا تطمع ومن أقل منه فلا تجزع فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك وكنت عندي مذموما يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد فإني لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير وبكل شيء محيط] المستطرف (١/١٥٣) وخلاصة الأمر أن هذا الحديث ليس له أصل في كتب السنة النبوية ويترتب على ذلك أنه تحرم نسبته إلى النبي ﷺ كحديث قدسي، بل هو من الإسرائيليات ومن المعلوم أن ما ورد من الإسرائيليات لا يجزم بصحته لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية) رواه البخاري. ويجوز التحديث به للتذكير والاتعاظ والاعتبار، مع التأكيد على أنه ليس حديثاً عن النبي ﷺ .

стр. 53

١٨ - حديث مكذوب يقول السائل: قرأت الحديث التالي في كتاب تنبيه الغافلين للسمرقندي فهل هو حديث صحيح أفيدونا، ونص الحديث هو (روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في ساعةٍ ما كان يأتيه فيها متغيّر اللون، فقال له النبي ﷺ : فقال يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب النار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله ﷺ : حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل؟ وأنت من الله بالمكان الذي أنت به! قال: ومالي لا أبكي أنا أحق بالبكاء لعلي أن أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة،، وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﷺ وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد: إن الله قد أمنكما أن تعصيا، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله ﷺ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟ ! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، فنودي: يا محمد: لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسراً، ولم أبعثك معسراً، فقال رسول الله ﷺ : سددوا، وقاربوا) . الجواب: لا بد أن أبين أولاً حال كتاب [تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء وامرسلين] تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصر الدين محمد بن إبراهيم السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٥هـ، وقد تكلم أهلُ العلم على هذا الكتاب كما فصل ذلك الشيخ مشهور حسن سلمان حفظه الله ورعاه عند ذكره لكتب السمرقندي فقال: [تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، بستان العارفين، دقائق الأخبار في بيان ذكر أهل الجنة وأحوال أهل النار، قرة العيون ومفرح القلب المحزون، كلها لأبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ت ٣٧٥هـ، وهذه الكتب مطبوعة وهي مشتهرة بين العوام ويتداولونها بكثرة، ولذا تحرص دور النشر على طبعها بأرخص الأثمان وهذه الكتب مليئة بالأحاديث والأخبار الموضوعة وربما يذكر صاحبها فيها سنده، فهي مفيدة لطالب العلم الذي ينظر في الأسانيد ويمحص عن حالة الرواة فهي من مظان الحكم على كثير مما هو سائد بين العوام بالوضع أو الكذب أو الضعف وإن راجت على صاحبها ولذا وقع في عبارة الإمام الذهبي تحذير ضمني منها فقال: في ترجمة صاحبها في سير أعلام النبلاء (١٦/٣٢٣) : [وَتَرُوجُ عَلَيْهِ الأَحَادِيثُ الموضُوعَةُ] . وقال – أي الذهبي - في " تاريخ الإسلام " في ترجمته ... وفي كتاب " تنبيه الغافلين موضوعات كثيرة. ا. هـ. وقال أبو الفضل الغماري في " الحاوي " (٣/٤) : وكتاب " تنبيه الغافلين " يشتمل على أحاديث ضعيفة وموضوعة، فلا ينبغي قراءته للعامة لا يعرفون صحيحه من موضوعه. ا. هـ. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن جمهور مصنفي السير والأخبار وقصص الأنبياء لا يميز بين الصحيح والضعيف، والغث والسمين، وذكر من بينهم أبا الليث السمرقندي، وقال: " فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم، ولا لهم خبرة بالنَّقلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف، ولا يميزون بينهما، لكن منهم من يروي الجميع ويجعل العهدة على الناقل. ا. هـ. ... وقد حذر من جل الكتب السابقة الشيخ السلفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد السلام الشقيري في كتابه " المنحة المحمدية في بيان العقائد السلفية " (ص١٧١ - ١٧٢) فقال تحت عنوان " كتب لا يحل قراءتها " في مبحث سبب انتشار الحكايات والمنامات الفاسدة والخرافات الفاشية التي لم يعهد لها أصل في كلام السلف الصالحين، ولا في سنن سيد المرسلين؛ قال: وإنما هي فاشية بين العوام والجهلاء والطغام من كتب المناقب ككتاب " الروض الفائق "، و " روض الرياحين في مناقب الصالحين " و " ونوادر القليوبي " و " كرامات الأولياء " و " ونزهة المجالس " و " وتنوير القلوب "، و " تنبيه الغافلين "، وكذا كتب الشروح والحواشي الأزهرية، وأمثال هذه الكتب لا تحوي سوى ما يفسد عقائد العوام وبسطاء العقول، وقد كان الواجب على علمائنا أن ينبهوا عليها في الجرائد والمجلات وفي دروسهم ومؤلفاتهم، إذ هي السبب الأعظم في إفشاء تلك الخرافات بين العوام وفي عبادتهم لقبور الصلحاء، فكان الواجب إيقاف طبعها ومصادرة قراءتها دفعا لضررها وتطاير شررها ... ] كتب حذر منها العلماء ٢/١٩٨ -٢٠٠. وقد سئلالعلامة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن كتاب تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصر الدين محمد بن إبراهيم السمرقندي: أسأل عن هذا الكتاب والأحاديث التي وردت فيه هل هي صحيحة أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ فأجاب رحمة الله عليه بقوله [وفيه أحاديث موضوعة، ولهذا لا ينبغي قراءته إلا لطالب علم يميز بين ما يقبل من الأحاديث التي فيه وما لا يقبل ليكون على بصيرة من أمره ولئلا ينسب إلى رسول الله صلي الله علية وسلم ما لم يقله أو ما لا تصح نسبته إليه فإن من حدث عن رسول الله ﷺ بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبيَن وقد صح عن النبي ﷺ أن من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعداً من النار فنصيحتي لمن ليس له علم بالأحاديث أن لا يطلع على هذا الكتاب، ومن عنده علم يميز بين المقبول وغير المقبول ورأى في قراءته مصلحة فليفعل وإن رأى أنه يصده عن قراءة ما هو أنفع منه له فلا يذهب وقته في قراءته] عن موقع الشيخ العثيمين على الإنترنت. إذا تقرر هذا فنعود للكلام على الحديث المذكور فقد ذكر أهل الحديث أنه حديث موضوع أي مكذوب على سيدنا رسول الله ﷺ ، قال العلامة الألباني: [موضوع بهذا السياق والتمام أخرجه ابن أبي الدنيا في " صفة النار “ ... والطبراني في المعجم الأوسط ... قال: عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه, فقام إليه رسول الله ﷺ فقال: فذكره. وقال الطبراني: " لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به سلام “. قلت: وقال الهيثمي ١٠/٣٨٦ – ٣٨٧ بعد ما عزاه للطبراني: " وهو مجمع على ضعفه “. قلت: وقد اتهمه غير واحد بالكذب والوضع كما تقدم غير ما مرة, وقال ابن حبان في " الضعفاء والمتروكين “: " يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها “. قلت: وفي هذا الحديث ما يؤكد ما اتهموه به أعظمها قوله في إبليس: (كان من الملائكة) وهذا خلاف القرآن: ﴿وكان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ ثم إن الملائكة خلقت من نور كما في صحيح مسلم وهو مخرج في " الصحيحة " (٤٥٨) , وأما إبليس فخلق من نار كما في القرآن والحديث. ونحوه قوله: " ما ابتلي به هاروت وماروت, فإنه يشير إلى ما يروى من قصتهما مع الزهرة ومراودتهما إياها وشربهما الخمر وقتلهما الصبي, وهي قصة باطلة مخالفة للقرآن أيضا كما سبق بيانه في المجلد الأول برقم (١٧٠) . ولا يفوتني التنبيه أن قوله: " لو تعلمون ... " إلى قوله: " تجأرون إلى الله " قد جاء طرفه الأول في " الصحيحين “, والباقي عند الحاكم وغيره, فانظر الحديث الآتي إن شاء الله برقم (٤٣٥٤) . وتخريج " فقه السيرة " (ص ٤٧٩) .] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/٤٧٣- ٤٧٤. وخلاصة الأمر أن يجب الحذر من كتاب تنبيه الغافلين لما فيه من الأحاديث المكذوبة وأن الحديث المذكور مكذوب لا تحل نسبته للنبي ﷺ فإن الكذب على الرسول ﷺ ليس كالكذب على غيره فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليَّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم. وقال ابن حبان في صحيحه: فصل: " ذكر أسباب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته " ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه. ثم ذكر حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدّث بحديث يُرى - بضم الياء- أنه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلم.

стр. 54

١٩ - حديث (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما - أي والديك - مع صلاتك) يقول السائل: سمعت في إحدى المواعظ حديثاً في بر الوالدين بعد موتهما وفيه أن يصلي لهما مع صلاته فأرجو توضيح ذلك؟ الجواب: الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه الدارقطني أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أبوين وكنت أبرهما حال حياتهما. فكيف بالبر بعد موتهما؟ فقال النبي ﷺ (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك) وورد في معناه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان ووقع خلاف بين أهل الحديث في حكم هذا الحديث فقد رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الحافظ العراقي: أخرجه أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن، والحديث ضعفه آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى والعلامة الألباني كما في ضعيف سنن أبي داود وفي ضعيف سنن ابن ماجة. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي أسيد الساعدي قال: (بينما أنا جالس عند النبي ﷺ أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ وعدهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما) . وقال الشيخ الألباني ضعيف انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/٦٢. والحديث أشار إليه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه فقال [ ... وقال محمد سمعت أبا إسحق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال فقال عبد الله يا أبا إسحق عمن هذا قال قلت له هذا من حديث شهاب بن خراش فقال ثقة عمن قال قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة عمن قال قلت قال رسول الله ﷺ قال يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف] وقال الإمام النووي: [معنى هذه الحكاية أنه لا يقبل الحديث إلا بإسناد صحيح. وقوله: (مفاوز) جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها , قيل: سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها كما سموا اللديغ سليماً , وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا , وقيل: لأنها تهلك صاحبها يقال: فوز الرجل: إذا هلك. ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين , فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ اثنان التابعي والصحابي فلهذا قال بينهما مفاوز أي: انقطاع كثير. وأما قوله: (ليس في الصدقة اختلاف) فمعناه أن هذا الحديث لا يحتج به , ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٧٩-٨٠. إذا تقرر هذا فإن الحديث لو صح لكان معنى قول النبي ﷺ (أن تصلي لهما مع صلاتك) وقوله ﷺ في الرواية الأخرى (الصلاة عليهما) هو الدعاء لهما وليس المراد الصلاة المعروفة، فإن من المقرر عند جماهير أهل العلم أنه لا يصلي أحد عن أحد وإنما يصلي كل إنسان عن نفسه والنيابة لا تدخل الصلاة. ويؤيد ذلك ما ورد في رواية ابن أبي شيبة وفيها (قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما) حيث ذكر الدعاء لهما بدل الصلاة عليهما. وقد اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بدعاء الحي قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم] الأذكار ص ١٤٠. ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر آية ١٠. ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث من قوله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم. وروى الإمام مسلم بإسناده عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) . وروى الإمام الترمذي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا) وهو حديث حسن صحيح كما قال الإمام الترمذي. ومن الأمور التي اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بها ويصل ثوابها له الصدقة عنه، وكذلك فإن المتصدق ينتفع بتلك الصدقة أيضاً ويدل على ذلك أحاديث وردت عن الرسول ﷺ منها: عن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره. وحائط المخراف: بستان نخل وعنب كان لسعد ﵁ فتصدق به عن أمه. وعن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إن أمي أفتلتت نفسها - أي ماتت فجأة - ولم توص وأظنها تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ (إن رجلاً قال للنبي ﷺ : أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم وغيره ومن الأمور التي تصل إلى الميت وينتفع بها الحج والعمرة عنه حج الفريضة والنافلة أو النذر وكذا العمرة وقد وردت الأحاديث بذلك فمنها: عن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله ﷺ : (أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزيء عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. وعن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه البخاري وغيره. وهنالك أعمال أخرى ينتفع بها الميت على قول طائفة من أهل العلم كتلاوة القرآن وجعل ثواب التلاوة للميت والأضحية عن الميت. فهذه الأمور تعتبر من بر الوالدين والإحسان لهما بعد وفاتهما. وخلاصة الأمر أن الحديث الذي أشار إليه السائل مختلف فيه وإن سلمنا بصحته فالمراد من الصلاة على الوالدين الدعاء لهما وليس المقصود الصلاة المعروفة.

стр. 55

٢٠ - حديث (سؤر المؤمن شفاء) غير ثابت يقول السائل: سمعت واعظاً يقول قال النبي ﷺ (سؤر المؤمن شفاء) ، فهل هذا حديث عن النبي ﷺ ، أفيدونا. الجواب: إن التثبت من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس أمر واجب، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يعرفون التمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم فيسهم الوعاظ والخطباء والمدرسون وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وبناءً على ما تقدم، فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسول ﷺ أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس. فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: " فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته "، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط، الإحسان ١/٢١٠، ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وأما ما يتداوله الناس من قول منسوب للنبي ﷺ وهو (سؤر المؤمن شفاء) فليس بحديث، قال العلامة القاري: [ليس له أصل مرفوع] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٦، وقال الحافظ العراقي: هكذا اشتهر على الألسنة ولا أصل له بهذا اللفظ. ونقل العجلوني عن نجم الدين الغزي أنه ليس بحديث، كشف الخفاء ص ٤٥٨. وقال العلامة الألباني عن الحديث السابق: [لا أصل له] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٠٥. وانظر أيضاً المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٢٣١. ومثل ذلك حديث (ريق المؤمن شفاء) فهو حديث لا أصل له كما نص على ذلك كثير من المحدثين انظر كشف الخفاء ص ٤٣٦، المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٦ وغيرهما. ومثل ذلك حديث (من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه، ومن شرب من سؤر أخيه رفعت له سبعون درجة، ومحيت عنه سبعون خطيئة وكتبت له سبعون حسنة) فهو حديث موضوع أورده ابن الجوزي في الموضوعات كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٠٦. ومما يجدر ذكره أن المراد بالسؤر لغة بقية الشيء، ويجمع على أسآر والسؤر في الاصطلاح هو: فضلة الشرب وبقية الماء التي يبقيها الشارب إنسانا كان أو حيواناً أو طائراً في الإناء أو في الحوض، ثم استعير لبقية الطعام أو غيره. قال النووي: ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس: لعابه ورطوبة فمه. الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/١٠٠. وسؤر الانسان طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند ذكره لأقسام الآسار [القسم الثاني طاهر في نفسه وسؤره وعرقه , وهو ثلاثة أضرب: الأول الآدمي فهو طاهر , وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أم كافراً عند عامة أهل العلم] المغني ١/٣٧. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور ليس بثابت عن الرسول ﷺ فلا تجوز نسبته إليه.

стр. 56

٢١ - حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) حديث باطل يقول السائل: ما صحة حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) أفيدونا؟ الجواب: هذا الحديث باطل وليس له أصل في السنة بل هو مكذوب على سيدنا رسول الله ﷺ وهذا الحديث بالإضافة إلى أنه مردود روايةً فهو مردود درايةً وفقهاً لأن تعليم السحر وتعلمه من المحرمات عند جماهير أهل العلم، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/٢٦٤. قال الإمام النووي [فصل قد ذكرنا أقسام العلم الشرعي: ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه ومباح: فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور ... وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعبين وكل ما كان سبباً لإثارة الشكوك] المجموع ١/٢٧. ومما يدل على تحريم تعلم السحر وتعليمه قول الله تعالى ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ سورة البقرة الآية ١٠٢. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر, وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها وهو التعبد للشياطين أو للكواكب, وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلاً، قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع , وقد عدَّه النبي ﷺ من السبع الموبقات , ومنه ما يكون كفراً , ومنه لا يكون كفراً بل معصية كبيرة , فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا , وأما تعلمه وتعليمه فحرام ... ] فتح الباري ١٠/٢٧٦. وقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية عن سؤال حول حكم تعلم السحر فأجابت [بأنه يحرم تعلم السحر سواء تعلمه للعمل به أو ليتقيه، وقد نص الله سبحانه في كتابه الكريم على أن تعلمه كفر فقال تعالى: (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ﴿البقرة ١٠٢﴾ وقد نص النبي ﷺ على أن السحر أحد الكبائر وأمر باجتنابه فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر منها السحر وفي السنن عند النسائي: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك) وأما ما ذكرت من قول: (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فليس بحديث لا صحيح ولا ضعيف فيما نعلم] فتاوى اللجنة الدائمة فتوى رقم ٦٢٨٩. وسئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ عن صحة حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فأجاب: [هذا الحديث باطل لا أصل له، ولا يجوز تعلم السحر ولا العمل به وذلك منكر بل كفر وضلال، وقد بين الله إنكاره للسحر في كتابه الكريم في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة / ١٠٢، ١٠٣. فأوضح سبحانه في هذه الآيات أن السحر كفر وأنه من تعليم الشياطين، وقد ذمهم الله على ذلك وهم أعداؤنا، ثم بين أن تعليم السحر كفر، وأنه يضر ولا ينفع، فالواجب الحذر منه. لأن تعلم السحر كله كفر، ولهذا أخبر عن الملكين أنهما لا يعلمان الناس حتى يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦/٣٧١. وخلاصة الأمر أن حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) حديث باطل ويحرم تعلم السحر وتعليمه.

стр. 57

٢٢ - حديث الثلاثة الذين يدعون فلا يستجاب لهم يقول السائل: إنه قرأ في كتاب عن صلاة الاستخارة حديثاً عن النبي ﷺ ونصه: (ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله وقد قال الله : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ) وأن مؤلف الكتاب شرح الحديث على أن من ذكروا في الحديث لا يستجاب دعاؤهم إذا استخاروا، فهل الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما قولكم في معنى الحديث؟ الجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: [هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه] ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الرابع حديث رقم ١٨٠٥. ومعنى الحديث أن الثلاثة المذكورين لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي ذكروا فيها: أما الأول فرجل كان متزوجاً من امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، فإذا دعا عليها فلا يستجاب له، لأنه كان قادراً على طلاقها بعد أن لم يصلح حالها ولم ترجع عن أخلاقها السيئة، فلما رضي بسوء أخلاقها فلا يستجاب له إذا دعا عليها بعد ذلك. وأما الثاني: فرجل كان له على رجلٍ مال فلم يشهد عليه أي أنه داين غيره مالاً بدون أن يوثق الدين وبدون الإشهاد عليه فأنكره المدين فصاحب الدين قصر في حفظ حقه فإذا دعا على المدين فلا يستجاب له. وأما الثالث فرجل آتى سفيهاً ماله مخالفاً قول الله : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ثم دعا على ذلك السفيه الذي بدد المال فحينئذ لا يستجاب دعاؤه عليه. قال الإمام الطحاوي في شرح الحديث [ثم تأملنا معنى هذا الحديث فوجدنا الله قد علَّم عباده أشياء يستدفعون بها أضدادها، فكان من ذلك تحذيره لهم أن لا يدفعوا إلى السفهاء أموالهم؛ رحمة لهم، وطلباً منه لبقاء نعمه عليهم، وعلَّمهم أن يشهدوا في مدايناتهم؛ ليكون ذلك حفظاً لأموال الطالبين منهم، ولأديان المطلوبين منهم، وعلَّمهم الطلاق الذي يستعملونه عند حاجتهم إليه، فكان من ترك منهم ما علَّمه الله إياه حتى وقع في ضد ما يريد مخالفاً لما أمره الله به؛ فلم يجب دعاءه لخلافه إياه , وكان من سوى من ذكرنا في هذا الحديث ممن ليس بعاصٍ لربه مرجواً له إجابة الدعوة فيما يدعوه، وهم الذين دخلوا في وله : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ ، وحذرهم على لسان نبيه ﷺ من الاستعجال في إجابة الدعاء.] مشكل الآثار نقلاً عن شبكة الإنترنت. وقال العلامة المناوي في شرح الحديث: [ (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق) بالضم (فلم يطلقها) فإذا دعا عليها لا يستجيب له لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها وهو في سعة من فراقها (ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه) فأنكره فإذا دعا لا يستجاب له لأنه المفرط المقصر بعدم امتثال قوله تعالى ﴿وأشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (ورجل آتى سفيهاً) أي محجوراً عليه بسفه (ماله) أي شيئاً من ماله مع علمه بالحجر عليه فإذا دعا عليه لا يستجاب له لأنه المضيع لماله فلا عذر له (وقد قال الله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) .] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/٤٤١-٤٤٢. ولا يصح حمل الحديث على عموم الأحوال فيقال إن الله تعالى لا يستجيب دعاء الثلاثة المذكورين مطلقاً بل لا بد من حمل الحديث على الحالات الخاصة المذكورة فيه وهؤلاء الثلاثة لا يستجاب دعاؤهم لأنهم خالفوا ما أرشدهم الله إليه فمن المعلوم أن الله شرع الطلاق إذا سدت كل الطرق للإصلاح بين الزوجين فإذا كان عند الرجل زوجة سيئة الأخلاق وحاول إصلاحها ولكن بدون فائدة واستمرت على سوء أخلاقها فلم يطلقها فيكون قد قصَّر في حق نفسه ولم يستجب لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ سورة النساء الآية ١٣٠. ومن داين غيره مالاً فلم يشهد على ذلك، فقد قصر في حفظ ماله ومن المعلوم أن الله قد شرع كتابة الدين والإشهاد عليه حفظاً للحقوق وقد نزلت في ذلك أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآيتان ٢٨٢-٢٨٣. ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على مشروعية كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه. قال الإمام ابن العربي المالكي: [قوله تعالى: (فَاكْتُبُوهُ) يريد أن يكون صكاً ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشُرِع الكتاب والإشهاد] أحكام القرآن ١/٢٤٧. وقال الضحاك: [إن ذهب حقه – أي الدائن - لم يؤجر وإن دعا عليه لم يُجب؛ لأنه ترك حق الله تعالى وأمره] . ومن المعلوم اليوم أن كثيراً من الخلافات المالية التي تحدث بين الناس تعود أسبابها إلى عدم الكتابة والتوثيق في العقود فيقع النزاع والخلاف ويحدث الإنكار ونحو ذلك. وبناءً على الآية الكريمة السابقة قال جمهور أهل العلم إن كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه أمر مندوب إليه وقال بعض العلماء بوجوب ذلك أخذاً بظاهر الآية وهو قول وجيه له حظ من النظر وينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان قطعاً لأكل حقوق الآخرين بالباطل وسداً لأبواب النزاع والخصومات ولما نرى في مجتمعنا من نزاع وشقاق وخلاف بسبب عدم توثيق الديون والعقود وكتابتها فكم من المنازعات حدثت بين المؤجر والمستأجر بسبب عدم كتابة عقد الإجارة وكم من خصومات حصلت بين الشركاء لاختلافهم في قضية ما ويعود ذلك لعدم كتابة اتفاق الشراكة وهكذا الحال في كل المعاملات التي لم توثق. لذا فإني أنصح كل متعاقدين في أي من العقود الشرعية أن يوثقا العقد بجميع شروطه وتفصيلاته الصغيرة قبل الكبيرة، قال الله تعالى: (ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) . قال ابن العربي المالكي: [هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين تنبيهاً لمن كسل فقال: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه. لأن أمر الله تعالى فيه واتحضيض عليه واحد والقليل والكثير في ذلك سواء] أحكام القرآن ١/٢٥٧..وأما من يؤتي المال للسفيه المحجور عليه فيضيعه فقد خالف قول الله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ سورة النساء الآية ٥. وقال الإمام البيضاوي: [نهى الأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة] تفسير البيضاوي نقلاً عن شبكة الإنترنت. وخلاصة الأمر أن الثلاثة المذكورين في الحديث لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي تلبسوا بها لأنهم خالفوا ما شرعه الله بخصوص هذه الحالات، وليس معنى الحديث أنه لا يستجاب لهم مطلقاً.

стр. 58

١ - المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي يقول السائل: ظهر في هذا العصر عدد من المجامع الفقهية والتي تبحث قضايا فقهية وتصدر عنها قرارات بعد اجتهاد جماعي فما قولكم في هذه المجامع الفقهية، وما قوة قراراتها من الناحية الشرعية، أفيدونا؟ الجواب: الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يعطي قوةً للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنةً من رسول الله ﷺ ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمرٍ قضى به ... ) سنن الدارمي ١/٤٠. وروى الإمام النسائي في باب الحكم باتفاق أهل العلم بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله – ابن مسعود - ذات يوم فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إن الله قدر علينا أن بلغنا ما ترون فمن عرض له منكم قضاءٌ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمورٌ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال أبو عبد الرحمن – النسائي- هذا الحديث جيد جيد. ثم روى النسائي بإسناده عن شريح أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك والسلام عليكم.] سنن النسائي ٨/٢٣٠. وروى البيهقي عن ميمون بن مهران أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر ﵁ فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم. السنن الكبرى ١٠/١١٤. وقال الإمام الجويني: [والمعتقد أنه لا يفرضُ وقوعُ واقعةٍ مع بقاءِ الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسكٌ بحكم الله فيها. والدليل القاطع على ذلك أَن أصحاب المصطفى ﷺ ورضي عنهم استقصَوْا النظرَ في الوقائع والفتاوىَ والأَقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعَلَّقاً، راجعوا سُنَنَ المصطفى ﵊، فإن لم يجدوا فيها شفاءً، اشتوروا، واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرِهم، إِلى انقراض عصرهم، ثم استنَّ مَن بعدهم بسنتهم] غياث الأمم وقد ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة سبع وثمانين للهجرة أن عمر بن عبد العزيز ولي المدينة فقدم والياً في ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقدم على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خثيمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً استعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحَرِّجُ على من بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيراً وانصرفوا. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٦/٢٧٨. وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم. قال البخاري حدثنا سنيد حدثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمَّى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وقال محمد بن سليمان الباغندي حدثنا عبد الرحمن بن يونس حدثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ ، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين، فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح] إعلام الموقعين ٢/١٥٦-١٥٧. ومن أهمية الاجتهاد الجماعي في عصرنا الحاضر أنه أقدر على تقديم الحلول للمشكلات المعاصرة، وهذا الأمر جِدُ ظاهرٍ من خلال قرارات المجامع الفقهية التي عالجت كثيراً من القضايا الفقهية المعاصرة، مثل قضايا البنوك الإسلامية والتأمين التعاوني والقضايا الطبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وتأسيساً على ما سبق فإن القرارات التي تصدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، ينبغي أن تقدم على الآراء الفردية، وهذا من ضمن أسس منهجي الذي أسير عليه في هذه السلسلة المباركة – سلسلة يسألونك – فإني أعتدُّ كثيراً بما تصدره المجامع الفقهية، وأعتمد عليه في هذه الفتاوى، لأنها أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيها تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد كما ذكرت سابقاً. ولا بد أن أذكر هنا هذه المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة: أولاً: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقره في جدة بالمملكة العربية السعودية، وهو أهم المجامع الفقهية وأنشطها. وأعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة من فقهية وثقافية وعلمية واقتصادية من أنحاء العالم الإسلامي. ثانياً: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقره في مكة المكرمة. وهو عبارة عن هيئة علمية إسلامية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، داخل إطار رابطة العالم الإسلامي، مكونة من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. ثالثاً: هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي هيئة علمية تتكون من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية المتخصصين في الشريعة الإسلامية وهي أكبر هيئة علمية في المملكة. رابعاً: مجمع الفقه الإسلامي في الهند أنشأ سنة ١٩٨٩م تحت إشراف كبار علماء الهند المسلمين. خامساً: مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا وهو مؤسسة علمية تتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. سادساً: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ويتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. سابعاً: مجمع البحوث الإسلامية وقد أنشأ في الأزهر سنة ١٩٦١م برئاسة شيخ الأزهر. وخلاصة الأمر أن عمل المجامع الفقهية عمل مبارك ويقدم خدمة جليلة للفقه الإسلامي، وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء.

стр. 59

٢ - الفتوى اصطلاح شرعي معروف منذ عهد المصطفى ﷺ يقول السائل: ما قولكم فيما يقوله بعض الكاتبين من أن اصطلاح الفتوى محدث، ولم يكن معروفاً زمن رسولنا الكريم ﵊ أو زمن الصحابة أو تابعيهم أو تابعي تابعيهم، وأن الفتوى لا يمكن اعتبارها مصطلحاً شرعياً وأن الصحيح استعمال مصطلح الحكم الشرعي بدلاً من الفتوى، أفيدونا؟ الجواب: لا ينقضي عجبي من هؤلاء المتسلقين على حياض العلم الشرعي، ويظن هؤلاء أن كل من أمسك قلماً صار عالماً، وكل من استعمل الشبكة العنكبوتية صار باحثاً، هيهات هيهات. إن كلمة الفتيا - وهي أكثر استعمالاً في كلام العرب من لفظ الفتوى وكلاهما فصيح، انظر الفتيا ومناهج الإفتاء ص ٧ – وما اشتق منها قد استعملت في كتاب الله ووردت في السنة النبوية ووردت في كلام الصحابة والتابعين وأتباعهم بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي فمن ذلك: قول تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ... ﴾ سورة النساء الآية ١٢٧. وقوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ سورة النساء الآية ١٧٦. ففي هاتين الآيتين يظهر لنا أن الله تولى شأن الإفتاء بنفسه ﷻ ، وهذا يدلنا على أهمية هذا المنصب وخطورته كما قال العلامة ابن القيم [وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات ... ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١٠. وقد تولى النبي ﷺ منصب الإفتاء بنفسه، قال العلامة ابن القيم [وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيبن عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فكان يفتي عن الله بوحيه المبين وكان كما قال له أحكم الحاكمين ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ فكانت فتاويه ﷺ جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب وهي في وجوب إتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب وليس لأحدٍ من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١١. وقد ورد في ذلك أحاديث عديدة منها: ما رواه البخاري بإسناده عن عروة أنه سأل عائشة ﵂ ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن، قالت واستفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فأنزل الله ﴿ويستفتونك في النساء﴾ . وفي صحيح البخاري أيضاً (استفتى عمر ﵁ النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) . وعن عائشة ﵂: أن أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي ... ) رواه البخاري ومسلم. وروى النسائي بإسناده عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن ﵃ تذاكروا عدة المتوفى عنها زوجها تضع عند وفاة زوجها فقال ابن عباس تعتد آخر الأجلين وقال أبو سلمة بل تحل حين تضع فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقالت وضعت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بيسير فاستفتت رسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج. وعن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى النبي ﷺ في نذرٍ كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها) رواه البخاري ومسلم. وروى النسائي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله فأمرتني أن استفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيت النبي ﷺ فقال لتمشي ولتركب) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه) رواه أبو داود وابن ماجة. وعن ثوبان ﵁ قال: (إنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال: أما الرجل، فلينشر رأسه فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة، فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها) رواه أبو داود. وفي رواية عند الإمام أحمد في المسند عن الزهري قال: قال سهل الأنصاري - وكان قد أدرك النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة في زمانه - حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. وروى مسلم عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حلَّ؟ فقال سنة نبيكم ﷺ وإن رغمتم) . وروى الدارمي بإسناده عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبى ليلى يقول: (لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) . وروى الطبراني في الكبير بإسناده عن أبي صالح ذكوان، أنه سأل ابن عباس ﵄، عن بيع الذهب بالفضة، فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يداً بيد، قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك، فقال: هو حرام إلا مثلا بمثل فأخبرت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد الخدري، فالتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري، فقال: ابن عباس، ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب بالفضة، تأمرهم أن يشتروه بزيادة بنقصان أو زيادة يداً بيد، فقال ابن عباس: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله ﷺ ، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، يقولان: سمعنا النبي ﷺ . وورد في مسند الشافعي أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة زوج النبي ﷺ استفتى زيد بن ثابت فقال إني طلقت امرأة لي حرة تطليقتين فقال زيد حرمت عليك) . والنصوص التي ورد فيها استعمال الفتيا أو الفتوى بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي كثيرة جداً. إذا تقرر هذا فليس من المستغرب هذا الهجوم على الفتوى من قبل بعض الكاتبين كما جاء في كلام بعضهم أن [كلمة الفتوى في وقتنا هذا تعنى الجهل وعدم البحث وحب الخلود إلى الكسل وباقي موروث " علقها في رقبة عالم واطلع سالم ". وكما جاء في دوسية أحد الأحزاب ص ١٢٨ [ ... وإنه بغض النظر عن كون الفتوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع ... ] أقول: يتناسى هؤلاء أن منصب الإفتاء قد تولاه رب العزة والجلال كما سبق، وتولاه خير البشر ﷺ ، وتولاه كبار الصحابة الكرام، ومن بعدهم كبار علماء الأمة، ويغض هؤلاء الطرف عن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل الآية ٤٣. وخلاصة الأمر أن منزلة الإفتاء في دين الإسلام منزلة عظيمة ولخصها الإمام الشاطبي بقوله [المفتي قائم في الأمة مقام النبي ﷺ ] الموافقات ٤/٢٤٤. وأن كلمة الفتيا أو الفتوى مصطلح شرعي واستعمل في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، فقد استفتي النبي ﷺ في مسائل كثيرة، واستفتي كبار الصحابة رضوان الله عليهم وكذا التابعون وأتباعهم وكبار علماء الأمة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند.

стр. 60

١ - استحاضة أم نفاس تقول السائلة: إذا أسقطت المرأة الحامل حملها بعد شهرين من الحمل فهل تعتبر نفساء لا تصلي ولا تصوم أم أنها تعتبر مستحاضة أفيدونا؟ الجواب: إذا أجهضت الحامل فأسقطت جنينها قبل انتهاء الحمل فإن كان تام الخلق فدمها دم نفاس فلا تصلي ولا تصوم حتى ينقطع دمها وهذا باتفاق الفقهاء وأما إذا كان غير تام الخلق فهو محل خلاف بين أهل العلم. والذي عليه فقهاء الحنفية والحنابلة أن ما أسقطته المرأة إن استبان منه عضو كرأس ٍأو يدٍ أو رجلٍ فهي نفساء وإن لم يستبن منه عضو فهي مستحاضة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان، فهو نفاس. نص عليه – أي الإمام أحمد - وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس.] المغني ١/٢٥٣ وقال علاء الدين المرداوي: [يثبت حكم النفاس بوضع شيء فيه خلق الإنسان، على الصحيح من المذهب، ونص عليه، قال ابن تميم، وابن حمدان وغيرهما: ومدة تبيين خلق الإنسان غالباً ثلاثة أشهر، وقد قال المصنف في هذا الكتاب في باب العِدد: وأقل ما يتبين به الولد: واحد وثمانون يوماً، فلو وضعت علقة أو مضغة لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النفاس.] الإنصاف ١/٣٨٧. وقال شمس الأئمة السرخسي: [فأما إذا أسقطت سقطاً، فإن كان قد استبان شيء من خلقه فهي نفساء فيما ترى من الدم بعد ذلك، وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا نفاس لها] المبسوط ٣/٢١٣. وأما الشافعية فيرون أن المرأة إذا أسقطت علقة أو مضغة فتعبر حينئذ نفساء قال الإمام النووي: [ (فرع) قال أصحابنا لا يشترط في ثبوت حكم النفاس أن يكون الولد كامل الخلقة ولا حياً بل لو وضعت ميتاً أو لحماً تصور فيه صورة آدمي أو لم يتصور وقال القوابل إنه لحم آدمي ثبت حكم النفاس هكذا صرح به المتولي وآخرون ... ] المجموع ٢/٥٣٢. ويرى المالكية أن كل ما تسقطه المرأة من دم مجتمع فما فوقه تعتبر به نفساء. شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل ٤/١٤٣. والذي يترجح لديَّ ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أن المرأة تصير نفساء إذا أسقطت ما استبان منه عضو وأما إذا أسقطت ما لم يستبن منه عضو فلا تعتبر نفساء بل تعد مستحاضة وقد ذكر العلماء أن أقل مدة يمكن أن يستبين فيها خلق الجنين واحد وثمانون يوماً أي بعد انتهاء مرحلة العلقة من المراحل التي يمر بها الجنين كما ورد في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) رواه البخاري ومسلم. وقد دلَّ هذا الحديث على أن المراحل التي يمر بها الجنين هي: أربعون يوماً نطفة وأربعون يوماً علقة وأربعون يوماً مضغة والمضغة قد تكون مخلقة وقد تكون غير مخلقة أي أن التخلق يكون بعد ثمانين يوماً كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ سورة الحج الآية ٥. وبعد ذلك تنفخ في الجنين الروح. وهذه المراحل هي التي ذكرها الله ﷻ بقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سورة المؤمنون الآيات ١٢-١٤. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح, وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور, منها في الحج وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الحيض في " باب مخلقة وغير مخلقة " ودلت الآية المذكورة على أن التخليق يكون للمضغة, وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغه, وذكر الله النطفة ثم العلقة ثم المضغة في سور أخرى وزاد في سورة قد أفلح – المؤمنون - بعد المضغة (فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً) الآية, ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغة عظاماً بعد نفخ الروح, ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها قريباً بعد ذكر المضغة " ثم تكون عظاماً أربعين ليلة ثم يكسوا الله العظام لحماً " وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر , ورتبها في الحديث بثم إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور, وإنما أتى بثم بين النطفة والعلقة لأن النطفة قد لا تتكون إنساناً, وأتى بثم في آخر الآية عند قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر) ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه ... ] فتح الباري ١١/٥٨٩. إذا تقرر هذا فإن الضابط المعتبر في التمييز بين الدم الذي يعد نفاساً والدم الذي يعد استحاضة هو أنه إذا كان الجنين قد تخلق فالدم دم نفاس، وإذا لم يتخلق الجنين فالدم دم استحاضة وبناءً على ما مضى فإن المستحاضة تصلي وتصوم ويأتيها زوجها حيث إن المستحاضة في حكم الطاهر [قال البركوي من علماء الحنفية: الاستحاضة حدث أصغر كالرعاف. فلا تسقط بها الصلاة ولا تمنع صحتها أي على سبيل الرخصة للضرورة، ولا تحرم الصوم فرضاً أو نفلاً، ولا تمنع الجماع - لحديث حمنة: أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يأتيها - ولا قراءة قرآن، ولا مس مصحف، ولا دخول مسجد، ولا طوافاً إذا أمنت التلويث. وحكم الاستحاضة كالرعاف الدائم، فتطالب المستحاضة بالصلاة والصوم. وكذلك الشافعية، والحنابلة، قالوا: لا تمنع المستحاضة عن شيء، وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات ... وقال المالكية كما في الشرح الصغير: هي طاهر حقيقة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/٢٠٩. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال وقال أُبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) رواه البخاري، وجاء في رواية الترمذي: (عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. قال أبو معاوية في حديثه: وقال توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) ... قال أبو عيسى – أي الترمذي - حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة) سنن الترمذي ١/٢١٧-٢٢٠. وقال المباركفوري في شرح الحديث: [وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤادة أو مقضية لظاهر قوله (ثم توضئي لكل صلاة) وبهذا قال الجمهور. ... ] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ١/٣٣٢. وخلاصة الأمر أن الحامل إذا أجهضت جنيناً تام الخلق فهي نفساء فلا تصلي ولا تصوم وإذا أجهضت جنيناً قد استبان منه عضو فهي نفساء أيضاً وأما إذا أجهضت جنيناً لم يستبن منه عضو فهي مستحاضة تصلي وتصوم.

стр. 61

٢ - حكم الإفرازات المهبلية تقول السائلة: ما حكم الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة من حيث طهارتها أو نجاستها ومن حيث نقضها للوضوء أو عدم نقضها للوضوء، أفيدونا؟ الجواب: الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة قد تكون طبيعية وقد تكون مرضية فالإفرازات الطبيعية عادة ما تكون عديمة اللون والرائحة وتزيد وتنقص نتيجة تغير نسبة الهرمونات خلال فترة الدورة الشهرية. والإفرازات غير الطبيعية تنتج عن إصابة المهبل بأحد الميكروبات الفطرية أو الطفيلية أو البكتيرية كما يقول الأطباء وسواء كانت هذه الإفرازات - التي يسميها الفقهاء رطوبة فرج المرأة - طبيعية أو مرضية فهي ناقضة للوضوء على الراجح من قولي العلماء قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ سورة المائدة الآية ٦ ولفظ الغائط يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى ويدخل في ذلك الإفرازات المهبلية قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أبو القاسم: والذي ينقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعاً قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة وخروج المذي , وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة الضرب الثاني: نادر كالدم والدود والحصا والشعر فينقض الوضوء أيضا , وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وكان عطاء والحسن وأبو مجلز والحكم وحماد والأوزاعي وابن المبارك يرون الوضوء من الدود يخرج من الدبر ولم يوجب مالك الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر , أشبه الخارج من غير السبيل. ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولأنه لا يخلو من بلة تتعلق به فينتقض الوضوء بها وقد (أمر النبي ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها نادر غير معتاد] المغني ١/١٢٥. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﵌: (لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه البخاري ومسلم. والمراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ١/٢٢١. وقد اختلف الفقهاء في الإفرازات المهبلية أطاهرة هي أم نجسة؟ والذي أميل إليه هو القول بنجاستها من باب الاحتياط وخاصة أن أهل العلم قالوا إن الإفرازات المهبلية منها ما يخرج من المهبل مخرج الولد ومنها ما يخرج من مخرج البول ويغلب على ظني أنه من الصعوبة بمكان أن تميز المرأة بين النوعين السابقين لذا أرى أن القول بنجاسة الإفرازات المهبلية أحوط فيلزم المرأة أن تتحفظ منها فإذا نزل من المرأة شيء من الإفرازات المهبلية فيلزمها الوضوء وتنظيف ما أصابت من ملابسها. وأود أن أنبه على أمرين هامين: الأول: إذا كانت الإفرازات المهبلية تنزل من المرأة بشكل مستمر ولا تنقطع فتكون المرأة حينئذ صاحبة عذر فتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ولا يضرها ما نزل منها من الإفرازات المهبلية حتى لو نزلت أثناء الصلاة فصلاتها صحيحة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن المستحاضة ومن به سلس البول أو المذي أو الجريح الذي لا يرقأ دمه وأشباههم ممن يستمر منه الحدث ولا يمكنه حفظ طهارته , عليه الوضوء لكل صلاة بعد غسل محل الحدث وشده والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه فالمستحاضة تغسل المحل ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه , ليرد الدم (لقول النبي ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم فإن لم يرتد الدم بالقطن , استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج) وهو المذكور في حديث أم سلمة " لتستثفر بثوب وقال لحمنة " تلجمي " لما قالت: إنه أكثر من ذلك فإذا فعلت ذلك ثم خرج الدم , فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشد والطهارة وإن كان لغلبة الخارج وقوته وكونه لا يمكن شده أكثر من ذلك , لم تبطل الطهارة لأنه لا يمكن التحرز منه فتصلي ولو قطر الدم قالت عائشة: (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه , فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي) رواه البخاري وفي حديث: (صلي وإن قطر الدم على الحصير) وكذلك من به سلس البول ... ويلزم كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة إلا أن يخرج منه شيء وبهذا قال الشافعي , وأبو ثور وأصحاب الرأي ... ولنا ما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في (المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل , وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة) رواه أبو داود والترمذي , وعن عائشة قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكرت خبرها ثم قال: اغتسلي , ثم توضئي لكل صلاة وصلي) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولأنه خارج من السبيل , فنقض الوضوء كالمذي، إذا ثبت هذا فإن طهارة هؤلاء – أي أصحاب الأعذار - مقيدة بالوقت لقوله: " تتوضأ عند كل صلاة " وقوله: " ثم توضئي لكل صلاة " ولأنها طهارة عذر وضرورة , فتقيدت بالوقت كالتيمم.] المغني ١/٢٤٧-٢٤٨. الأمر الثاني هو بيان كيفية الغسل الصحيح فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال حدثتني خالتي ميمونة قالت أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه..) رواه البخاري ومسلم. فالغسل الواجب يشترط فيه النية بأن ينوي رفع الحدث وأن يعمم جميع الجسد بالماء فهذا أقل ما يجزىء في الاغتسال. ويدل على ذلك ما ورد في حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل قال كنا في سفر مع النبي ﷺ ... فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم قال أصابتني جنابة ولا ماء، قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش ... وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء قال اذهب فأفرغه عليك) رواه البخاري ومسلم فقوله ﷺ (فأفرغه عليك) يدل على أن مجرد إفراغ الماء على البدن يعد غسلاً صحيحاً. وأكمل منه الغسل المندوب وصفته أن يغسل المرء كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ويجوز أن يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل ثم يفيض الماء على جميع بدنه. وخلاصة الأمر أن الإفرازات المهبلية ناقضة للوضوء ونجسة.

стр. 62

٣ - حكم دخول الحائض للمسجد وقرائتها القرآن الكريم وردتني عدة أسئلة من مجموعة من الأخوات حول قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد وطلبن توضيح هذه المسائل. الجواب: هذه المسائل مما اختلف فيها أهل العلم وتعددت الأقوال فيها ولكل قول حجته ودليله والقول الذي أرجحه في هذه المسائل هو التالي: أولاً: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم من حفظها على أصح قولي العلماء في المسألة وهو مذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ورجح هذا القول الشوكاني والشيخ الألباني وهو الذي أرجحه حيث إنه لم يثبت دليل صحيح على منع الحائض من قراءة القرآن الكريم من حفظها وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم فهو حديث ضعيف عند المحدثين قال البيهقي [فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق ... وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة وليس بصحيح وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء وليس بقوي] السنن الكبرى ١/٨٩. وعلق العلاة الألباني على كلام البيهقي السابق بقوله [قلت وهذا من روايته عن أهل الحجاز فهي ضعيفة، وقال العقيلي: قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش ... ] إرواء الغليل ١/٢٠٧. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحديث السابق [وهو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/٤٦٠. وقال الشوكاني [الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة وسبقه إلى نحو ذلك البخاري وتبعهما البيهقي لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى ... وقال أبو حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل أنكر على إسماعيل بن عياش. والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب وقد عرفت بما ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به على ذلك وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا. ويدل أيضًا على تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم، والحديث هذا والذي بعده لا يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل] نيل الأوطار ١/٢٦٦- ٢٦٧. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين [وقال شيخ الإسلام: إنه ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي: ١. أن الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع. ٢. أن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه فمن أخرج شخصاً عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع، فإنها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يمكن أن تقاس على الجنب بجامع لزوم الغسل لكل منهما بسبب خارج؟ أجيب: أنه قياس مع الفارق لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالاغتسال، وأما الحائض فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع، وكذا فإن الحائض مدتها تطول غالباً، والجنب مدته لا تطول لأنه سوف تأتيه الصلاة، ويلزم بالاغتسال والنفساء من باب أولى أن يرخص لها، لأن مدتها أطول من مدة الحائض وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ مذهب قوي. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة، فلماذا لا نجعل المسألة معلقة بالحاجة، فإذا احتاجت إلى القراءة كالأوراد، أو تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تحتاج إلى تعليم أولادها أو البنات في المدارس فيباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأحوط، وهي لن تحرم بقية الذكر. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهباً قوياً] الشرح الممتع ١/ ٢٩١-٢٩٢. ثانياً: قراءة الحائض للقرآن من المصحف مع مسه: إن كثيراً من أهل العلم لا يجيزون للحائض أن تمس المصحف لقوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ سورة الواقعة الآية ٧٩. واحتجوا بما ورد في الحديث أنه ﷺ قال (لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه الدارقطني ومالك والطبراني وغيرهم وقال عنه العلامة الألباني: [وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضاً إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضاً صاحبه الإمام إسحق بن راهويه] إرواء الغليل ١/١٦٠-١٦٢. وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى جواز مس الحائض للمصحف وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان وقولهم قول قوي ولهم أدلتهم وأهمها: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (المؤمن لا ينجس) رواه البخاري ومسلم وفي رواية في صحيح البخاري (إن المسلم) وكذلك فإن هؤلاء العلماء قد أجابوا عن أدلة المانعين بأن الآية الكريمة ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ ليست في محل النزاع لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. وأما حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر) فالصحيح أن كلمة طاهر لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة وصرفه إلى واحدٍ من هذه المعاني يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك فلا يسلم الاحتجاج به على منع الحائض من مس المصحف قال الشوكاني [والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة ... ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث (المؤمن لا ينجس) ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث (المؤمن لا ينجس) . قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة] نيل الأوطار ١/٢٤٣-٢٤٤. ثالثاً: دخول الحائض للمسجد: يجوز للحائض أن تدخل المسجد إن أمنت من تلويثه على الراجح من أقوال أهل العلم للمسجد وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. واختار هذا القول العلامة الألباني كما في تمام المنة ص ١١٩. ويدل على الجواز البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ وممن ضعفه الخطابي والبيهقي وعبد الحق الاشبيلي والنووي والألباني وبالغ ابن حزم فقال: [إنه باطل] أنظر المحلى ١/٤٠١،، خلاصة الأحكام ١/٢٠٦-٢١٠ إرواء الغليل ١/١٦٢. ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. وغير ذلك من الأدلة. وخلاصة الأمر أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من حفظها ويجوز لها أن تمسه ولكن خروجاً من الخلاف فأرى أن تمسه بحائل مثل كفوف اليدين ويجوز لها أن تدخل المسجد بشرط أن تأمن من تلويثه.

стр. 63

٤ - القيء طاهر ولا ينقض الوضوء يقول السائل: هل قيء الآدمي طاهر أم نجس وهل يعتبر القيء من نواقض الوضوء؟ الجواب: القيء هو الطعام الذي يخرج من المعدة بعد استقراره فيها وذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن القيء نجس ووافقهم المالكية في حالة تغيره عن حال الطعام فإن لم يتغير فهو طاهر. وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم فذهبوا إلى أن القيء طاهر وهو الذي أرجحه لأن القائلين بنجاسته ليس معهم دليل يعتمد عليه وأما الذين قالوا بأنه طاهر فاعتمدوا على قاعدة أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يأتي دليل ناقل عنها ولا دليل يخرج قيء الآدمي عن الطهارة إلى النجاسة. قال الشوكاني: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وقال صديق حسن خان شارحاً كلام الشوكاني ما نصه: [لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال كما يدعيه بع أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله تعالى زاعماً أن النجاسة والتحريم متلازمان. وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك] الروضة الندية ١/١١٨. وقال الشوكاني في موضع آخر: [حق استصحاب البراءة الأصلية وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة] السيل الجرار ١/٣١. وقال أيضاً: [قد عرفناك في أول كتاب الطهارة أن الأصل في جميع الأشياء هو الطهارة وأنه لا ينقل عن ذلك إلا ناقل صحيح صالح للاحتجاج به غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت وإن لم نجد ذلك كذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع ونقول لمدعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمن أن الله سبحانه أوجب على عباده واجباً هو غسل هذه العين التي تزعم أنها نجسة وأنه يمنع وجودها صحة الصلاة بها فهات الدليل على ذلك. فإن قال حديث عمار: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني) قلنا: هذا لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن ولا بلغ إلى أدنى درجة من الدرجات الموجبة للاحتجاج به والعمل عليه فكيف يثبت به هذا الحكم الذي تعم به البلوى وهو لا يصلح لإثبات أخف حكم على فرد من أفراد العباد] المصدر السابق ١/٤٣. وقال الألباني معلقاً على قول صاحب فقه السنة إن من النجاسات القيء: [قلت: لم يذكر المؤلف الدليل على ذلك اللهم إلا قوله: [إنه متفق على نجاسته] وهذه دعوى منقوضة فقد خالف في ذلك ابن حزم حيث صرح بطهارة قيء المسلم وهو مذهب الإمام الشوكاني في الدرر البهية وصديق خان في شرحها حيث لم يذكرا في النجاسات قيء الآدمي مطلقاً وهو الحق ثم ذكرا أن في نجاسته خلافاً ورجحا الطهارة بقولهما: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وذكر نحوه الشوكاني أيضاً في السيل الجرار. وهذا الأصل قد اعتمده المؤلف في غير ما مسألة مثل طهارة أبوال ما يؤكل لحمه وطهارة الخمر فيما ذكر هو بعد وهو أصل عظيم من أصول الفقه فلا أدري ما الذي حمله على تركه هنا مع أنه ليس في الباب ما يعارضه من النصوص الخاصة؟] تمام المنة ٥٣-٥٤. واحتج الجمهور على نجاسة القيء بما روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يا عمار إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم والمني] رواه الدارقطني. وهو حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به. قال الإمام النووي: [حديث عمار هذا رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والدارقطني والبيهقي، قال البيهقي: هو حديث باطل لا أصل له وبين ضعفه الدارقطني والبيهقي] المجموع ٢/٥٤٩. وتكلم الحافظ ابن حجر على حديث عمار وبين ضعفه وذكر أن فيه رجلاً متهماً بالوضع وذكر أن العلماء اتفقوا على ترك حديثه. انظر التلخيص الحبير ١/٣٣. وانظر نصب الراية ١/٢١٠-٢١١. ويؤيد ذلك أن القيء عند الأطباء عبارة عن الطعام الذي أكله الشخص ومعه العصارات الهاضمة وخاصة حامض الهيدروكلوريك. هذا ما يتعلق بكون القيء طاهر أم نجس وقد تبين لنا أنه باق على أصل الطهارة ولم يثبت دليل صحيح ناقل له عنها. وأما أن القيء ينقض الوضوء أم لا؟ فالراجح من أقوال أهل العلم أن القيء ليس من نواقض الوضوء حيث لم يثبت دليل صحيح على كونه من نواقض الوضوء قال الإمام النووي: [وأحسن ما اعتقده في المسألة أن الأصل أن لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت، والقياس ممتنع في هذا الباب لأن علة النقض غير معقولة] المجموع ١/٥٥. وأما ما روي في الحديث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ?: (أن النبي ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه) رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وهو حديث مختلف فيه فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه. وأجاب الحافظ ابن عبد البر عن حديث أبي الدرداء بقوله: (وهذا حديث لا يثبت عند أهل العلم بالحديث ولا في معناه ما يوجب حكماً. والنظر يوجب أن وضوءه ها هنا غسل فمه ومضمضته وهو أصل لفظ الوضوء في اللغة وهو مأخوذ من الوضاءة والنظر يوجب أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بسنة ثابتة لا مدفع فيها أو إجماع ممن تجب الحجة بهم، ولم يأمر الله تعالى بإيجاب الوضوء من القيء ولا ثبت به سنة عن رسوله ﷺ ولا اتفق الجميع عليه. الاستذكار ٢/ ١٣٧ وقال الإمام النووي: [وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث أبي الدرداء فمن أوجه أحسنها أنه ضعيف مضطرب قاله البيهقي وغيره من الحفاظ، والثاني لو صح لحمل على ما تغسل به النجاسة وهذا جواب البيهقي وغيره، والثالث أنه يحتمل الوضوء لا بسبب القيء فليس فيه أنه توضأ من القيء والجواب عن حديث ابن جريج من أوجه أحسنها أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وضعفه من وجهين: أحدهما أن رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وابن جريج حجازي ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة عند أهل الحديث والثاني أنه مرسل قال الحفاظ: المحفوظ في هذا أنه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ ممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبو زرعة وأبو أحمد بن عدي والدارقطني والبيهقي وغيرهم وقد بين الدارقطني والبيهقي ذلك أحسن بيان] المجموع ١/٥٥. وحديث ابن جريج الذي ذكره النووي وضعفه هو (إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس أو رعف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم) وقال شيخ لإسلام ابن تيمية: [والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ولا خروج النجاسات من غير السبيلين ولا غسل الميت فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لكن الاستحباب متوجه ظاهر] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٥٢٦. وقال الشيخ ابن عثيمين مبيناً عدم نقض القيء للوضوء: [الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قل أو كثر إلا البول والغائط وذلك أن الأصل عدم النقض فمن ادّعى خلاف الأصل فعليه الدليل وقد ثبتت طهارة الإنسان بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأننا متعبدون بشرع الله لا بأهوائنا فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب ولا أن نرفع عنهم طهارة واجبة. فإن قال قائل: قد ورد أن النبي ﷺ قاء فتوضأ؟ قلنا: هذا الحديث قد ضعفه أكثر أهل العلم ثم نقول: إن هذا مجرد فعل ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب لأنه خال من الأمر ثم إنه معارض بحديث وإن كان ضعيفاً: أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ وهذا يدل على أن وضوءه من القيء ليس للوجوب. وهذا القول هو الراجح أن الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء وإن كثر سواء كان قيئاً أو لعاباً أو دماً أو ماء جروح أو أي شيء آخر إلا أن يكون بولاً أو غائطاً مثل أن يفتح لخروجهما مكان من البدن فإن الوضوء ينتقض بخروجهما منه] فتاوى الطهارة ص١٩٨. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: [والصحيح أن الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء قليلها ولا كثيرها لأنه لم يرد دليل بين على نقض الوضوء بها والأصل بقاء الطهارة وحديث: (إنه ﷺ قاء فتوضأ) نهاية ما يدل عليه استحباب الوضوء لخروج القيء لأن الفعل الذي تجرد من الأمر يدل على الاستحباب] غاية المرام ٢/٢٦. وقال الشيخ الألباني بعد أن ذكر حديث أبي الدرداء وصححه قال: [فائدة: استدل المصنف بالحديث على أن القيء ينقض الوضوء وقيده بما إذا كان فاحشاً كثيراً كل أحد بحسبه! وهذا القيد مع أنه لا ذكر له في الحديث البتة. فالحديث لا يدل على النقض إطلاقاً لأنه مجرد فعل منه ﷺ والأصل أن الفعل لا يدل على الوجوب وغايته أن يدل على مشروعية التأسي به وأما الوجوب فلا بد له من دليل خاص وهذا مما لا وجود له هنا ولذلك ذهب كثير من المحققين إلى أن القيء لا ينقض الوضوء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى له وغيرها] إرواء الغليل ١/١٤٨. وخلاصة الأمر أن القيء طاهر غير نجس وأنه ليس من نواقض الوضوء على الراجح من أقوال أهل العلم.

стр. 64

٥ - أدعية الوضوء يقول السائل: نسمع كثيراً من الناس عندما يتوضؤون يذكرون أدعية أثناء الوضوء فما حكم هذه الأدعية؟ الجواب: الأدعية أثناء الوضوء مشهورة وذكرها بعض الفقهاء في كتبهم فمن ذلك ما ذكره الرافعي من الشافعية حيث قال: [أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً وعند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار. وروى اللهم احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ورد بها الأثر عن السلف الصالحين] الشرح الكبير ١/٤٤٩-٤٥٠ وذكر أبو حامد الغزالي الأدعية أثناء الوضوء بأكثر من ذلك فقال: [بعد ذكر البسملة في أوله ويقول عند ذلك أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ثم يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما الإناء ويقول اللهم إني أسألك اليمن والبركة وأعوذ بك من الشؤم والهلكة. وذكر أنه عند المضمضة يقول: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثاً ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ويقول في الإستنشاق اللهم أوجد لي رائحة الجنة وأنت عني راض وفي الاستنثار اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار. وعند غسل وجهه يقول: اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك. وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً. وعند غسل اليد اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري. وعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم أسمعني مناديا الجنة مع الأبرار. وعند مسح رقبته يقول: اللهم فك رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال. وعند غسل الرجل اليمنى يقول: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار. وعند غسل الرجل اليسرى يقول: أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين. فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سبحانك الهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي أستغفرك اللهم وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني عبداً صبوراً شكوراً واجعلني أذكرك كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلاً] إحياء علوم الدين ١/١٣٢-١٣٣. وهذه الأدعية التي تقال أثناء الوضوء غير ثابتة عن النبي ? قال الإمام النووي: [وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجئ فيه شيء عن النبي ?] الأذكار ص ٢٤. وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على الأدعية التي ذكرها الرافعي والمذكورة أعلاه: [قال النووي في الروضة هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث. قلت - أي الحافظ ابن حجر -: روي فيه عن علي من طرق ضعيفة جداً] التلخيص الحبير ١/١٠٠ وقال العلامة ابن القيم: [ولم يحفظ أنه ? كان يقول على وضوءه شيئاً غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله ? شيئاً منه ولا علمه لأمته ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، في آخره] . وقال النووي أيضاً: [وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له] المنهاج مع شرحه ١/١٩٤. وقد خالف بعض المتأخرين من العلماء ما قاله النووي وغيره في نفي ثبوت الأحاديث الواردة أثناء الوضوء وقالوا إنه قد ورد ذلك ولكن بطرق ضعيفة والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال وهذا منها. ولكن يجاب على قولهم بأن تلك الأحاديث بطرقها المختلفة لا تخلو من كذاب أو متهم بالوضع كما بين ذلك السيوطي في رسالته الإغضاء عن دعاء الأعضاء. انظر الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٢/٢٧. وسئل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن قول النووي: [وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له هل أراد بطلانه وكيف يقول الولي العراقي له أصل؟ والجواب إذا قال المحدث لا أصل للحديث الفلاني فمراده أنه ليس له طريق يعتمد لا أنه لم يرو أصلاً وحينئذ فإن كان النووي اطلع على الحديث وعرف شدة ضعفه وأن طرقه لا تخلو من شخص نسب إلى الكذب والتهمة بالكذب فالمراد بقوله لا أصل له أنه ليس بصحيح ولا حسن فيحتج به ولا ضعيف يصلح للعمل به في فضائل الأعمال وإن كان لم يطلع على طرقه التي أشرت إليها في تخريج أحاديث الأذكار فلا يضره لأنه ليس فيها ما يصلح للعمل به لا منفرداً ولا منضماً بعضه إلى بعض وقول من قال له أصل إن أراد به كونه ورد مع قطع النظر عن صلاحيته للعمل فمسلم ولكن لا يرد على النووي وإن أراد له أصلاً يعمل به فمردود. وقال ابن حجر في شرح العباب فيما نقله عن بعضهم فقول سائر المتأخرين إن تلك الطرق ضعيفة يعمل بها في الفضائل مردود وهو كما قال وغاية أمر تلك الطرق أنها شديدة الضعف والحديث إذا اشتد ضعفه لا يعمل به في الفضائل ولا في غيرها كما اقتضاه كلام المجموع في باب صلاة النفل وبذلك صرح السبكي ثم حيث قال وفي ابن ماجة كان ? يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن وهو ضعيف جداً لا يصلح الاحتجاج به وقد نقل العلائي وغيره الاتفاق على أن شرط العمل بالضعيف أن يكون الضعف غير شديد قالوا فيخرج من انفرد من كذاب ومتهم به ومن فحش غلطه وقد علمت مما ذكرناه أن جميع روايات هذه الأدعية لا تخلو عن كذاب ومتهم به وحينئذ فقد بان صحة ما قاله المصنف - أي النووي - العلم المفرد الإمام أدام الله به وله النفع والرفعة على الدوام ورد ما اعترض به عليه] المصدر السابق ٢/٢٩. هذا بالنسبة للأدعية أثناء الوضوء. وأما بالنسبة للتسمية في أول الوضوء فأكثر أهل العلم على أنها سنة قال الإمام النووي [قد ذكرنا أن التسمية سنة وليست بواجبة فلو تركها عمداً صح وضوءه هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء وهو أظهر الروايات عن أحمد وعنه رواية أنها واجبة] المجموع ١/٣٤٦. وقد ورد في التسمية عند الوضوء عدة أحاديث ولكنها ضعيفة وقد ذكر الإمام النووي بعضها ثم قال: [وأسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة وذكر البيهقي هذه الأحاديث ثم قال أصح ما في التسمية حديث أنس أن النبي ? وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: (توضؤوا باسم الله قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه والقوم يتوضؤون حتى توضؤا من عند آخرهم وكانوا نحو سبعين رجلاً) وإسناده جيد واحتج به البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار وضعف الأحاديث الباقية] المجموع ١/٣٤٤. وقال الحافظ ابن حجر بعد أن تكلم على أسانيد تلك الأحاديث: [والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً] التلخيص الحبير ١/٧٥. وقال الحافظ المنذري: [ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة والله أعلم] الترغيب والترهيب ١/١٦٤ وأيد كلامه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٨٨. وأما الدعاء بعد الوضوء فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ? أن النبي ? قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٧٢. وفي رواية للترمذي بزيادة (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) تحفة الأحوذي ١/١٥٠. وقال الشيخ الألباني عن زيادة الترمذي (حسن) صحيح الترغيب ص ٩٤.

стр. 65

٦ - الغسل الشرعي تقول السائلة: أنها امرأة متزوجة وتعيش مع زوجها وأولادها وهي تخجل من الاستحمام فجراً وأن جارتها قالت لها يكفي أن تغسل رأسها لرفع الجنابة فهل هذا يكفي؟ الجواب: الحياء من الإيمان كما ثبت ذلك في النصوص الشرعية فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم. وثبت في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دعه فإن الحياء من الإيمان) رواه البخاري ومسلم وورد في الحديث عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (الحياء خير كله) رواه مسلم. وبناء على ما تقدم فإن الحياء مطلوب شرعاً ولكن يجب أن يوضع الحياء في محله فالحياء من الأمور الواجبة شرعاً ليس حياء وإنما هو جبن في الالتزام بالحكم الشرعي كما في حالة السائلة عن غُسل الجنابة وهو واجب شرعاً فلا يجوز الحياء منه. قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة الآية ٦. وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) سورة البقرة الآية ٢٢٢. وصح في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) رواه مسلم. والغسل الشرعي لا بد فيه من تطهير جميع البدن وغسل الرأس فقط لا يعتبر غسلاً شرعياً فإذا غسلت المرأة رأسها فقط وصلت فصلاتها باطلة شرعاً وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم. وقد قرر العلماء أن الحياء إن كان من واجب شرعي فهو محرم. قال الإمام النووي: [وأما كون الحياء خيراً كله ولا يأتي إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمر بن لصلاح رحمه الله تعالى أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور ومهانة وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا] شرح النووي ١/٢٠٤. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) فهذه عائشة ﵂ تثني على نساء الأنصار في تعلمهن الأحكام الشرعية وأن الحياء لا يمنعهن من ذلك. وثبت في الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة فقال: تربت يداك فبم يشبهها ولدها) رواه مسلم. وخلاصة الأمر أن حياء هذه المرأة ليس في محله وأما ما أشارت به جارتها من غسل الرأس فقط فلا يكفي في رفع الجنابة ولا بد من الغسل الكامل.

стр. 66

٧ - المسح على الجبيرة يقول السائل: إنه قد كسرت يده ووضعها في الجبس فكيف يصنع في الطهارة في حالتي الوضوء والغسل؟ الجواب: إذا تعذر على المسلم غسل عضو من أعضاء بدنه لعذر كأن يكون العضو مكسوراً وموضوعاً في الجبس أو مجروحاً وعليه دواء ومنعه الأطباء من استعمال الماء أو محروقاً أو نحو ذلك فإنه يشرع له المسح عليه دون الغسل بالماء وهذا يسمى عند العلماء المسح على العصائب والجبائر. والعصائب والجبائر قد تحتاج إلى مدة لإزالتها حسب حالة الجرح أو الكسر والمسلم في هذه المدة يحتاج إلى الطهارة سواء كانت الوضوء أو الغسل ودين الإسلام جاء باليسر والتسهيل على العباد فشرع المسح على العصائب والجبائر لرفع الحرج وإزالة المشقة عن الناس لأن في إزالة العصائب والجبائر حرجاً وضرراً يلحق بالمرضى. ومما يدل على مشروعية المسح على العصائب والجبائر ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: [من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب ويغسل ما حول العصائب] . وفي رواية أخرى عن ابن عمر: [أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك] رواه البيهقي وقال: وهو عن ابن عمر صحيح. سنن البيهقي ١/٢٢٨. وقد ورد عن النبي ﷺ بعض الأحاديث الضعيفة في المسح على الجبائر ولكنها غير ثابتة. قال البيهقي: [ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء – أي باب المسح عى العصائب والجبائر – وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح وليس بالقوي وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين ممن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة] سنن البيهقي ١/٢٢٨. وقد قال بمشروعية المسح على العصائب والجبائر جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة وقد روى البيهقي عن جماعة من كبار التابعين جواز المسح على الجبائر منهم عبيد بن عمير وطاووس والحسن البصري وإبراهيم النخعي. والمسح على العصائب والجبائر واجب لا يصح الوضوء والغسل بدونه بالشروط التالية: ١. أن يكون غسل العضو المريض الذي عليه عصابة أو جبيرة ضاراً بالإنسان بحيث يخشى من غسله زيادة الألم أو تأخر الشفاء. ٢. أن لا تغطي الجبيرة أو العصابة من العضو الصحيح إلا ما لا بد منه وهذا معروف وخاصة في الجبيرة فإنه يحتاج فيها إلى تغطية جزء من العضو الصحيح بالإضافة إلى محل الكسر حتى تتماسك الجبيرة. وأما إذا تجاوزت الجبيرة المحل المصاب بدون حاجة فلا بد من نزعها عن المحل السليم لغسله ولا يصح مسحه هذا إذا كان نزعها لا يضر بالمريض. وصفة طهارة من كان على بدنه عصابة أو جبيرة أن يغسل الأعضاء السليمة ويمسح على العضو الموضوع في الجبيرة ويجب أن يستوعب جميع الجبيرة بالمسح على مذهب جمهور الفقهاء. وهذه بعض أحكام المسح على العصائب والجبائر: ١. إن المسح على العصائب والجبائر غير مؤقت بمدة معينة بل يجوز المسح بدون توقيت ما دام هنالك حاجة للعصائب والجبائر فمثلاً قد يحتاج وضع الرجل المكسورة في الجبس إلى شهر أو شهرين فيمسح طوال تلك المدة بخلاف المسح على الخفين والجوربين فإنه محدد بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. أي أن المسح على العصائب والجبائر مؤقت بالشفاء وليس بالأيام. ٢. لا يشترط أن توضع العصائب والجبائر على طهارة سابقة على الراجح من أقوال أهل العلم لما في ذلك من الحرج والمشقة فإن الإنسان قد يصاب في حادث مفاجئ ويحمل إلى المستشفى وتوضع يده أو رجله في الجبس ولا يمكنه التطهر قبل ذلك. ٣. يمسح على الجبيرة والعصابة في الوضوء والغسل بخلاف المسح على الخفين فلا يصح إلا في الوضوء فقط. ٤. لا يجوز المسح على العصائب والجبائر إن برء العضو وشفي من الجرح أو الكسر لأن المسح عليها رخصة مرهونة بالعذر فإذا زال العذر بطل المسح. ٥. إن مسح على العصابة أو الجبيرة ثم نزعها للبرء أو الشفاء فإن طهارته لا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي. *****

стр. 67

٨ - النظافة لدخول المسجد يقول السائل: إن بعض المصلين يحضرون إلى المسجد بملابس ليست نظيفة وتخرج منهم روائح كريهة وخاصة في أيام الصيف الحارة فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الإسلام دين النظافة ويظهر ذلك واضحاً جلياً في كثير من النصوص الشرعية التي تحث على النظافة والطهارة والتطيب وإزالة ما يجب إزالته من الروائح الكريهة أو ما يؤدي إليها فالمسلم يتوضأ في اليوم عدة مرات ليصلي ومطلوب منه أن يستعمل السواك عدة مرات أو ما يقوم مقام السواك من فرشاة أسنان ومعجون ومطلوب من المسلم الاغتسال مرة في الأسبوع على أقل تقدير. وقد حثَّ الإسلام المسلمين على الطهارة والنظافة في البدن والثياب عند حضور مجامع المسلمين كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين وغيرها وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤكد على هذه الحقيقة: ١. يقول الله تعالى:: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة الآية ٦. ٢. ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) سورة المدثر الآيات ١-٤. ٣. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) رواه البخاري ومسلم. ٤. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم - أي بالغ - والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده) رواه البخاري ومسلم. ٦. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص التي تحث المسلم وتوجب عليه الطهارة والنظافة بشكل عام وفي يوم الجمعة بشكل خاص نظراً لاجتماع المصلين في المسجد وحتى لا يؤذي بعضهم بعضاً بروائحهم الكريهة. وقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂: (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا؟) رواه البخاري ومسلم. وقد حث الرسول ﷺ المسلم أن يلبس ملابس نظيفة وخاصة يوم الجمعة غير ملابسه التي يلبسها لعمله خلال أيام الأسبوع فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن سلام ﵁: (أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٦٤. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه وإن كان له طيب مس منه) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح، الفتح الرباني ٦/٤٨. وكذلك فإن من السنة أن يتطيب المسلم عند ذهابه إلى المسجد لصلاة الجمعة ولغيرها فقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد ورجاله ثقات كما قال الهيثمي. كما وأن الرسول ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاء للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (من أكل هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مساجدنا) . وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما - البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) رواه البخاري ومسلم. وينبغي أن يعلم أن كل رائحة كريهة تلحق برائحة البصل والثوم فمن كانت رائحة جواربه ورجليه نتنة فينبغي له أن لا يدخل المسجد حتى يغسلهما وكذلك رائحة المدخنين الكريهة تلحق برائحة آكلي البصل والثوم وهكذا كل رائحة كريهة لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة. قال القرطبي: [قال العلماء: إذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه - أي لا تفارقه - لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كانت لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس) تفسير القرطبي ٢/٢٦٧- ٢٦٨. وأخيراً أذكر ما قاله الإمام الشافعي في حق من يحضر الجمعة وغيرها: (فنحب للرجل أن يتنظف يوم الجمعة بغسل وأخذ شعر وظفر وعلاج لما يقطع تغير الريح من جميع جسده وسواك وكل ما نظفه وطيبه وأن يمس طيباً مع هذا إن قدر عليه ويستحسن من ثيابه ما قدر عليه ويلبسها عليه ويطيبها اتباعاً للسنه ولا يؤذي أحداً قاربه بحال. وكذلك أحب له في كل عيد وآمره به وأحبه في كل صلاة جماعة وآمره به وأحبه في كل أمر جامع للناس وإن كنت له في الأعياد من الجمع وغيرها أشد استحباباً للسنة وكثرة حاضرها) الأم ١/١١٧. *****

стр. 68

٩ - لا يشترط طهارة المرأة عند حضورها المحتضر يقول السائل: إنه سمع أحد أئمة المساجد يقول: إنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تحضر عند المريض المحتضر الذي يكون على فراش الموت، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الحيض لا يمنع حضور المرأة عند المحتضر ولا أعلم دليلاً شرعياً على هذا المنع والحيض عند أهل العلم يمنع الصلاة والصيام ومس المصحف وقراءة القرآن، ولا أعلم أن أحداً من أهل العلم اشترط الطهارة من الحيض للحضور عند المحتضر، وكيف تُمنع المرأة من ذلك وقد يكون المحتضر أحد والديها أو زوجها أو أحد أبنائها أو أحد إخوتها أو أخواتها. وهذا الكلام لا يصح، إنما هو من أوهام العوام. *****

стр. 69

١٠ - المسح على الجوربين ثابت شرعا يقول السائل: إنه سأل إمام المسجد عن المسح على الجوربين عند الوضوء فأجابه بأنه لا يجوز المسح على الجوارب التي اعتاد الناس لبسها ولا بد من غسل الرجلين، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: بعض الناس يحجرون واسعاً على الأمة ويشددون عليهم ويظنون أن في هذا التشدد التزاماً تاماً بالدين. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: [إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق رعايةً لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول ومن كان يعمل بالأحوط فهذا حسن إذا كان ذلك لنفسه ولأولي العزم من المؤمنين أما من كان يفتي الناس عامة أو يكتب للجماهير كافة فينبغي أن يكون شعاره التيسير لا التعسير والتبشير لا التنفير اتباعاً لوصية النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن فقال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) . وهذا يجعل الفقيه يستحضر الرخص فإن الله يحب أن تؤتى رخصه ويقدر الأعذار والضرورات ويبحث عن التيسير ورفع الحرج والتخفيف عن العامة (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ... ويسرني أن أذكر هنا كلمة لإمام كبير انعقدت له الإمامة في ثلاثة مجالات في الفقه حيث كان له مذهب وأتباع لمدة من الزمن ثم انقرضوا، وفي الحديث والرواية، حيث كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث وفي الورع والزهد حيث عد من أئمة التقوى وأعني به الإمام سفيان بن سعيد الثوري فقد روى عنه الإمام النووي في مقدمات المجموع هذه الكلمة المضيئة: إنما الفقه الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد!!] بيع المرابحة للآمر بالشراء ص ٢٢-٢٣. ومسألة المسح على الجوربين فيها تيسير وتسهيل على الناس وخاصة في أيام الشتاء الباردة حيث إن كثيراً من الناس وخاصة كبار السن يجدون صعوبة في غسل أرجلهم عند كل وضوء فيمسحون على جواربهم ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، والمسح على الجوربين ثابت بالسنة وبه عمل الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ولا ينكره إلا جاهل لم يشم رائحة العلم الشرعي. وهذه بعض الأدلة والشواهد الشرعية على جواز المسح على الجوربين: ١. قال أبو داود صاحب السنن باب المسح على الجوربين ثم روى بإسناده عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وابن خزيمة وابن أبي شيبة وغيرهم وصححه ابن حبان. قال العلامة أحمد محمد شاكر: [والحديث صحيح وإسناده كلهم ثقات] مقدمة رسالة المسح على الجوربين للقاسمي ص ٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٣٣. ٢. وعن ثوبان ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: [حديث متصل صحيح الإسناد] مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص ٦. وانظر صحيح ابن حبان ٤/١٦٧، صحيح سنن أبي داود ١/٣٠. ٣. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول ﷺ : (توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه ابن ماجة والطحاوي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٩١. وقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة كبيرة من الصحابة ﵃، قال الإمام النووي: [وحكى ابن المنذر إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة علي وابن مسعود وابن عمر وأنس وعمار بن ياسر وبلال والبراء وأبي أمامة وسهل بن سعد] المجموع ١/٤٩٩. وقال العلامة ابن القيم: [قال ابن المنذر روي المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد. وزاد أبو داود - صاحب السنن - أبو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃ ... وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه وعدله ﵀ وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه ... ولا نعرف في الصحابة مخالفاً لمن سمينا] تهذيب سنن أبي داود ١/١٨٧-١٨٩. ومن الروايات المنقولة عن الصحابة في المسح على الجوربين: ١. ما رواه الدولابي في الكنى والأسماء من طريق أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان حدثنا الأزرق بن قيس قال: [رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما فقال: إنهما خفان ولكن من صوف] . قال العلامة أحمد شاكر: [وهذا إسناد صحيح ... وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل بل صرح بأن الجوربين خفان ولكنهما من صوف) مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص١٣. ٢. روى عبد الرزاق بإسناده عن كعب بن عبد الله قال: [رأيت علياً بال فمسح على جوربيه ونعليه ثم قام يصلي] مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/١٨٨. ٣. وروى عبد الرزاق بإسناده عن خالد بن سعد قال: [كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/١٨٨. ٤. وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه. مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩. ٥. وروى عبد الرزاق عن أبي مسعود أنه كان يمسح على الجوربين والنعلين. مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠. ٦. وروى عبد الرزاق بإسناده عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: [رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠، ورواه أبن أبي شيبة في مصنفه ١/١٨٩. ٧. وروى عبد الرزاق بإسناده عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. مصنف عبد الرزاق ١/٢٠١. ٨. وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن عمر توضأ يوم جمعة ومسح على جوربيه ونعليه. مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨. ٩. وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناديهما عن أنس بن مالك: [أنه كان يمسح على الجوربين قال: نعم، يمسح عليهما مثل الخفين] مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠، مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨. ١٠. وورى ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي غالب قال: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين. مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨. وهنالك روايات أخرى كثيرة في المصنفين المذكورين والمحلى ١/٣٢٣ راجعها إن شئت. وقد قال بالمسح على الجوربين كبار الفقهاء من التابعين والأئمة المجتهدين وغيرهم كسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والأعمش والثوري والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك وإسحاق وأبي ثور وهو قول الإمام أحمد وأهل الظاهر وأبي يوسف ومحمد وزفر أصحاب أبي حنيفة، ورجع إليه أبو حنيفة في آخر أيامه وهو قول الإمام الشافعي بشروط، ومالك في أحد القولين عنه كما في الاستذكار لابن عبد البر ٢/٢٥٣.. وقد ذكر الإمام الكاساني: [أن أبا حنيفة كان يقول بعدم جواز المسح على الجوربين وكان أبو يوسف ومحمد يخالفانه في ذلك ويريان جواز المسح وأن الإمام رجع عن قوله إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه] بدائع الصنائع ١/٨٣. والقول بالمسح على الجوربين هو الذي عليه الفتوى عند الحنفية كما ذكره صاحب الهداية وشارحها ابن الهمام شرح فتح القدير١/١٣٩. وأما ما ذكره بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط فلم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط. قال ابن حزم: [اشتراط التجليد خطأ لا معنى له لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس صاحب. والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وخلاف الآثار ولم يخص ﵊ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما] المحلى ١/٣٢٤. وعقب الشيخ القاسمي على كلام ابن حزم المذكور بقوله: [يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعاً إلى النبي ﷺ ليس فيه قيد ولا شرط ولا يفهم ذلك لا من منطوقه ولا من مفهومه ولا من إشارته وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر. هذا أولاً وثانياً قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقاً غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفاً في عصورهم التي هي خير القرون، وثالثاً الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة والفقه ولم يشرط أحد في مفهومه ومسماه نعلاً ولا ثخانة وإذا كان موضوعه في الفقه واللغة مطلقاً فيصدق بالجورب الرقيق والغليظ والمنعل وغيره] رسالة المسح على الجوربين ٧٠ - ٧١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء أكانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء ففي السنن: أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً أو كتاناً أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قوياً بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضاً فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء. ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. ومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه: فقد ذكر فرقاً طردياً عديم التأثير] مجموع الفتاوى ٢١/٢١٤. وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض فأجاب بقوله: [هذا الشرط ليس بصحيح لأنه لا دليل عليه فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح وبناءً على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول ﷺ ولم ينبه عليه الرسول ﷺ دل ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف لأن نزعه يشق وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل] مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ص ١٦٥-١٦٦. وخلاصة الأمر أن المسح على الجوربين جائز ولا حرج فيه أبداً، وأقول للقراء امسحوا على جواربكم مطمئنين. ?????

стр. 70

١١ - الحيض حكم عدم انتظام الحيض, تقول السائلة: عند اقتراب المرأة من سن اليأس يختل انتظام العادة الشهرية فتزداد الأيام التي ينزل فيها الدم وقد تستمر إلى عشرين يوماً بل وأكثر وتكون الأيام التي لا ينزل فيها الدم قليلة فكيف تصلي المرأة وتصوم في هذه الحال؟ الجواب: قال الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) سورة البقرة الآية ٢٢٢. فهذه الآية الكريمة ذكرت أن نهاية المنع من قربان الحائض هو الطهر وبالتالي ما دام أن هذا الدم الذي تراه المرأة هو دم حيض فهي حائض وإن زادت أيامه فلا تصلي ولا تصوم حتى تتطهر فإن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحيض لا حد لأكثره ولا حد لأقله لأن علة الحكم المذكور في الآية السابقة هي الحيض وجوداً وعدماً فمتى وجد الحيض ثبت الحكم الشرعي ومتى عدم الحيض أي طهرت زال الحكم وانتفى. وقد اختار طائفة من أهل العلم هذا القول ورجحوه لأن الحيض أمر طبيعي خلقه الله في النساء ويختلف من امرأة إلى أخرى وللبيئة أثر في اختلاف عادات النساء. ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: إفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) رواه البخاري. فبين النبي ﷺ أن غاية المنع من الطواف الطهر أي انقطاع الحيض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فصل جامع نافع: الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حده ومسماه بالشرع فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ... ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم ... ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح: أنه لا حد لأقله ولا لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض وإن قدر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض وأما إا استمر الدم بها دائماً فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام] . ثم قال شيخ الإسلام: [والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخية الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر وذلك كالمرض والأصل الصحة لا المرض فمتى رأت المرأة الدم جارياً من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/٢٣٥-٢٣٨. وبناءً على كل ما سبق فإن هذه المرأة تترك الصلاة والصوم ولا يأتيها زوجها ما دام أن الدم الذي ينزل عليها دم حيض وإن تجاوز مدة العادة الشهرية، وأما إن اختلف الدم كأن يكون دم فساد وعلة - أي نزيف - فهو استحاضة لما ثبت في الحديث أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) رواه البخاري. ففي هذا الحديث أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض فإذا انقضى قدر دم الحيض اغتسلت منه وصلت وتتوضأ لوقت كل صلاة. فتح الباري ١/٤٢٥. ?????

стр. 71

١٢ - لا تشترط الطهارة للمس شريط تسجيل القرآن يقول السائل: هل يشترط لمس الشريط المسجل عليه القرآن الكريم الطهارة؟ الجواب: لا شك أن ما نسمعه من الشريط المسجل عليه آيات من كتاب الله بصوت القارىء هو القرآن الكريم ولكن هذا الشريط لا يأخذ نفس الحكم المتعلق بالقرآن الكريم من حيث أنه لا يجوز مسه إلا على طهارة كما هو مذهب أكثر أهل العلم فيجوز مس الشريط بدون طهارة.

стр. 72

١٣ - صلاة فاقد الطهورين يقول السائل: ماذا يفعل الشخص الذي لا يجد ماء للوضوء أو الغسل ولا يستطيع أن يتيمم كالمسجون المقيد ونحوه بالنسبة للصلاة وهل يصلي أم لا؟ نرجو التوضيح والبيان؟ الجواب: لا تخفى أهمية الصلاة ومكانتها في شريعتنا الإسلامية ولا تسقط الصلاة عن أحد إلا إذا خرج عن دائرة التكليف وهذا الشخص المسجون المقيد يصلي على حاله بقدر الاستطاعة وإن لم يستطع الوضوء والتيمم حتى لو كان عليه نجاسة لا يستطيع إزالتها لأن تأخير الصلاة حرام لا يجوز فإذا دخل الوقت يصلي هذا الشخص وأمثاله الصلاة المفروضة فقط كما هو مذهب طائفة من أهل العلم قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً] ثم روى بسنده عن عائشة ﵂: (أنها استعارت من أسماء ﵂ قلادة فهلكت - أي ضاعت - فبعث رسول الله صلى الله عليه رجالاً فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا وشكوا ذلك إلى الرسول ﷺ فأنزل الله آية التيمم) ورواه مسلم وغيره. قال الحافظ ابن حجر: [فيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ] فتح الباري ١/٤٥٦. فهؤلاء الصحابة صلّوا بدون وضوء وبدون تيمم فأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فهذا يدل على أن الصلاة لا تسقط عن فاقد الطهوين - الماء والتراب - ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. ويصلي هذا المسجون المربوط بالكيفية التي يستطيعها فإذا استطاع القيام والركوع والسجود فعل، وإلا فإنه يصلي على حسب حاله ويجوز له أن يصلي إيماء ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع. وهذا الشخص وأمثاله لا إعاده عليهم حسب ظاهر حديث عائشة فالرسول ﷺ لما أخبروه أنهم صلوا بدون طهارة لم يأمرهم بالإعادة، ولأن في الإعادة نوع من الحرج والمشقة. *****

стр. 73

١٤ - طهارة المريض يقول السائل: كيف يتطهر الإنسان المريض العاجز؟ الجواب: إن دين الإسلام قائم على اليسر والسهولة ورفع الحرج، قال تعالى: (جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وبناء على ذلك فإن المريض يتطهر بقدر الإمكان فإذا أمكنه أن يتطهر الطهور الكامل فبها ونعمت وإلا فبقدر الاستطاعة. فإذا لم يستطع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه غيره. وعليه أن يطهر بدنه من النجاسة وأن يصلي بثياب طاهرة فإن كان لا يستطيع صلّى على حاله وصلاته صحيحة وكذلك الحال بالنسبة للمكان إن أمكن تطهيره فإنه يطهر وإلا صلى فيه. ولا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة بل يتطهر بقدر ما يمكنه ثم يصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه أو ثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عن إزالتها.

стр. 74

١٥ - طهارة المريض يقول السائل: إنه مريض ويرقد في المستشفى ولا يستطيع استعمال الماء للوضوء لأن الأطباء قد منعوه من استعماله فكيف يتيمم للصلاة؟ الجواب: يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة آلآية ٦. إذا تعذر على المسلم استعمال الماء لأي سبب من الأسباب المبيحة للتيمم فإنه يتيمم والأصل في التيمم استعمال الصعيد الطيب كما في الآية السابقة. وهذا المريض عليه أن يتيمم بالتراب إن استطاع ذلك سواء وصل إلى التراب بنفسه أو أحضر له التراب فإن تعذر ذلك تيمم بالأرض الطاهرة وإن تعذر ذلك تيمم على الفراش والله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . والراجح في صفة التيمم أنه ضربة واحدة يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه لقول النبي ﷺ لعمار: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) رواه البخاري ومسلم. *****

стр. 75

١٦ - لمس عورة الطفل لا ينقض الوضوء تقول السائلة: إنها غسلت ابنها الصغير وهي متوضأة فهل ينتقض وضوؤها إذا لمست عورة صغيرها؟ الجواب: إذا غسلت المرأة ابنها الصغير أو ابنتها وكانت على وضوء ولمست عورة ابنها أو ابنتها فلا ينتقض وضوؤها وعليها غسل يديها فقط. قال الإمام الأوزاعي: [لا وضوء من مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه] . كما وأن المرأة عندما تغسل طفلها الصغير أو طفلتها تكون أبعد ما تكون عن مس عورتهما بشهوة فلا شيء عليها ووضؤوها على حاله لا ينتقض بذلك.
следующие страницы →