← Фатава

Фатава · id 10517

فتاوى د حسام عفانة

حسام الدين عفانة

Полный текст (1 139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٢ - لا تشترط الطهارة للمس شريط تسجيل القرآن يقول السائل: هل يشترط لمس الشريط المسجل عليه القرآن الكريم الطهارة؟ الجواب: لا شك أن ما نسمعه من الشريط المسجل عليه آيات من كتاب الله بصوت القارىء هو القرآن الكريم ولكن هذا الشريط لا يأخذ نفس الحكم المتعلق بالقرآن الكريم من حيث أنه لا يجوز مسه إلا على طهارة كما هو مذهب أكثر أهل العلم فيجوز مس الشريط بدون طهارة.

стр. 72

١٣ - صلاة فاقد الطهورين يقول السائل: ماذا يفعل الشخص الذي لا يجد ماء للوضوء أو الغسل ولا يستطيع أن يتيمم كالمسجون المقيد ونحوه بالنسبة للصلاة وهل يصلي أم لا؟ نرجو التوضيح والبيان؟ الجواب: لا تخفى أهمية الصلاة ومكانتها في شريعتنا الإسلامية ولا تسقط الصلاة عن أحد إلا إذا خرج عن دائرة التكليف وهذا الشخص المسجون المقيد يصلي على حاله بقدر الاستطاعة وإن لم يستطع الوضوء والتيمم حتى لو كان عليه نجاسة لا يستطيع إزالتها لأن تأخير الصلاة حرام لا يجوز فإذا دخل الوقت يصلي هذا الشخص وأمثاله الصلاة المفروضة فقط كما هو مذهب طائفة من أهل العلم قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً] ثم روى بسنده عن عائشة ﵂: (أنها استعارت من أسماء ﵂ قلادة فهلكت - أي ضاعت - فبعث رسول الله صلى الله عليه رجالاً فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا وشكوا ذلك إلى الرسول ﷺ فأنزل الله آية التيمم) ورواه مسلم وغيره. قال الحافظ ابن حجر: [فيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ] فتح الباري ١/٤٥٦. فهؤلاء الصحابة صلّوا بدون وضوء وبدون تيمم فأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فهذا يدل على أن الصلاة لا تسقط عن فاقد الطهوين - الماء والتراب - ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. ويصلي هذا المسجون المربوط بالكيفية التي يستطيعها فإذا استطاع القيام والركوع والسجود فعل، وإلا فإنه يصلي على حسب حاله ويجوز له أن يصلي إيماء ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع. وهذا الشخص وأمثاله لا إعاده عليهم حسب ظاهر حديث عائشة فالرسول ﷺ لما أخبروه أنهم صلوا بدون طهارة لم يأمرهم بالإعادة، ولأن في الإعادة نوع من الحرج والمشقة. *****

стр. 73

١٤ - طهارة المريض يقول السائل: كيف يتطهر الإنسان المريض العاجز؟ الجواب: إن دين الإسلام قائم على اليسر والسهولة ورفع الحرج، قال تعالى: (جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وبناء على ذلك فإن المريض يتطهر بقدر الإمكان فإذا أمكنه أن يتطهر الطهور الكامل فبها ونعمت وإلا فبقدر الاستطاعة. فإذا لم يستطع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه غيره. وعليه أن يطهر بدنه من النجاسة وأن يصلي بثياب طاهرة فإن كان لا يستطيع صلّى على حاله وصلاته صحيحة وكذلك الحال بالنسبة للمكان إن أمكن تطهيره فإنه يطهر وإلا صلى فيه. ولا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة بل يتطهر بقدر ما يمكنه ثم يصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه أو ثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عن إزالتها.

стр. 74

١٥ - طهارة المريض يقول السائل: إنه مريض ويرقد في المستشفى ولا يستطيع استعمال الماء للوضوء لأن الأطباء قد منعوه من استعماله فكيف يتيمم للصلاة؟ الجواب: يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة آلآية ٦. إذا تعذر على المسلم استعمال الماء لأي سبب من الأسباب المبيحة للتيمم فإنه يتيمم والأصل في التيمم استعمال الصعيد الطيب كما في الآية السابقة. وهذا المريض عليه أن يتيمم بالتراب إن استطاع ذلك سواء وصل إلى التراب بنفسه أو أحضر له التراب فإن تعذر ذلك تيمم بالأرض الطاهرة وإن تعذر ذلك تيمم على الفراش والله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . والراجح في صفة التيمم أنه ضربة واحدة يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه لقول النبي ﷺ لعمار: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) رواه البخاري ومسلم. *****

стр. 75

١٦ - لمس عورة الطفل لا ينقض الوضوء تقول السائلة: إنها غسلت ابنها الصغير وهي متوضأة فهل ينتقض وضوؤها إذا لمست عورة صغيرها؟ الجواب: إذا غسلت المرأة ابنها الصغير أو ابنتها وكانت على وضوء ولمست عورة ابنها أو ابنتها فلا ينتقض وضوؤها وعليها غسل يديها فقط. قال الإمام الأوزاعي: [لا وضوء من مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه] . كما وأن المرأة عندما تغسل طفلها الصغير أو طفلتها تكون أبعد ما تكون عن مس عورتهما بشهوة فلا شيء عليها ووضؤوها على حاله لا ينتقض بذلك.

стр. 76

١٧ - المسح على الجوربين ثابت شرعا وردتني عدة تساؤلات تتعلق بالمسح على الخفين والجوربين أذكرها وأجيب عنها: أولاً: ما حكم المسح على الأحذية " الكنادر "؟ الجواب: يجوز المسح على الأحذية " الكنادر " إذا كانت تغطي الجزء المفروض غسله من الرجلين وهو ما دون الكعبين - والكعب هو العظم الناتئ في أسفل الساق - ويجوز المسح على ما يسمى باللغة الدارجة " البوط " وما يشبهه من الأحذية التي تغطي الكعبين لأن المقصود بالمسح على الخفين الوارد في النصوص هو التخفيف عن الناس ورفع الحرج والمشقة فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم جواز المسح على كل ما يلبس على الرجلين بل إن بعض العلماء لا يشترط الشرط الذي ذكرته وهو أن يكون ساتراً لمحل الفرض في غسل الرجلين ورأيه وجيه. ثانياً: ما صفة الجوارب التي يمسح عليها وهل يجب أن تكون سميكة كالجوارب الصوفية أم يجوز المسح على الجوارب الرقيقة؟ الجواب: إن المسح على الجوربين كما هو معلوم ثابت عن الرسول ﷺ ومنقول عن جماعة من الصحابة ﵃ ولم يرد عنهم فيما أعلم صفة الجورب الذي يجوز المسح عليه من حيث كونه ثخيناً أو رقيقاً والأصل أن ما جاء عن الشارع بدون تقييد أن يبقى على إطلاقه ويترتب على ذلك جواز المسح على مطلق جورب ويؤيد ذلك أنه نقل عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجور الرقيق. ذكره الإمام النووي في المجموع ١/٥٠٠. ثم إن القول بجواز المسح على كل جورب يحقق معنى الرخصة المقصودة من ذلك وهو التخفيف والتيسير على الناس. ثالثاً: ما الحكم إذا لبس جورباً فوق الجورب الذي مسح عليه، هل يجوز المسح على الجورب الثاني؟ الجواب: إذا لبس الجورب الثاني قبل أن يحدث فله أن يمسح على الجورب الثاني وتعتبر مدة المسح حسب الجورب الأول. رابعاً: ما الحكم إذا نزع الجورب بعد أن مسح عليه وهو على ضوء فهل ينتقض وضوءه أم لا؟ الجواب: إن الوضوء لا ينتقض بمجرد نزع الخف على الراجح من أقوال أهل العلم ما لم يطرأ ناقض من نواقض الوضوء، قال الإمام النووي بعد أن ذكر ثلاثة أقوال في المسألة: [الرابع لا شيء عليه لا غسل القدمين ولا غيره بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث كما لو لم يخلع وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب واختاره ابن المنذر وهو المختار الأقوى ... واحتج له بأن طهارته صحيحة فلا يبطل بلا حدث كالوضوء وأما نزع الخف فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها كما لو لم مسح رأسه ثم حلقه] المجموع ١/٥٢٧. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور] الاختيارات العلمية ص ١٥. وهذا أيضاً مذهب ابن حزم الظاهري فقد قال: [ومن مسح كما ذكرنا على ما في رجليه ثم خلعهما لم يضره ذلك شيئاً ولا يلزمه إعادة الوضوء ولا غسل رجليه بل هو طاهر كما كان ويصلي كذلك ...] المحلى ١/٣٣٧.

стр. 77

١٨ - الحيض تقول السائلة: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت صلاة من الصلوات الخمس فهل يجب عليها أن تقضي تلك الصلاة بعد أن تطهر؟ الجواب: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة بما يسع الصلاة فيجب عليها قضاء تلك الصلاة بعد أن تطهر، فمثلاً إذا حاضت امرأة بعد دخول وقت صلاة المغرب بوقت يتسع لصلاة ثلاث ركعات فيجب عليها أن تقضي صلاة المغرب بعد أن تطهر لأن الصلاة تصير واجبة في حق المسلم بدخول الوقت وهذه أدركت من الوقت مقدار الصلاة فيجب عليها أن تقضي تلك الصلاة. وكذلك إذا طهرت الحائض واغتسلت من الحيض وقد بقي من وقت الصلاة مقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي تلك الصلاة، فمثلاً إذا طهرت امرأة من الحيض واغتسلت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي صلاة العصر ويدل على ذلك ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية في الصحيحين أيضاً: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) . *****

стр. 78

١٩ - المسح على الجوربين ثابت شرعا يقول السائل: نرى بعض الناس عندما يتوضؤون يمسحون على جواربهم بدل غسل أرجلهم فهل يجوز ذلك وهل المسح خاص بأيام الشتاء؟ الجواب: إن المسح على الجوربين رخصة قال بها أكثر العلماء وقد ورد في ذلك ثلاثة أحاديث: الأول: عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. رواه أبو داوود وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال العلامة أحمد محمد شاكر إنه حديث متصل صحيح الإسناد. والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف أو جورب ونحوهما. الثاني: عن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. الثالث: عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه بن ماجة. وقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة من الصحابة ﵃ قال ابن المنذر: [يروى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ ، علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود عدداً آخر من الصحابة ثبت عنهم المسح وهم: بو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً ثبت عنهم المسح فهذا يدل على أنهم نقلوه عن النبي ﷺ ، لأن مثل هذا الأمر لا يدرك بالعقل. والمسح على الجوربين رخصة عامة وليست خاصة بفصل الشتاء كما يظن بعض الناس بل يجوز المسح عليهما صيفاً وشتاءً وسفراً وحضراً. ولكن للمسح مدة محدودة بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وينبغي أن يعلم أنه يشترط لجواز المسح على الجوربين لبسهما على طهارة وتبدأ مدة المسح بعد الحدث فمثلا لو توضأ شخص لصلاة الفجر ولبس جوربيه ثم انتقض وضوءه وعند صلاة الظهر توضأ ومسح عليهما فمن هذا الوقت تبدأ مدة المسح فإن كان مقيما فيجوز له أن يمسح إلى ظهر اليوم التالي وإن كان مسافراً فيمسح إلى ظهر اليوم الثالث. وهذا هو أصح القولين في المسألة وإذا مضت مدة المسح ولم يحدث المتوضئ فوضوءه صحيح إلى أن يحدث لأن إنتهاء مدة المسح ليس من نواقض الوضوء على الصحيح من أقوال أهل العلم.

стр. 79

١ - فضل صلاة الفجر في المسجد والجلوس حتى طلوع الشمس وصلاة ركعتي الضحى يقول السائل: ما مدى صحة الحديث الوارد في فضل من صلى صلاة الفجر في جماعة في المسجد ثم جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، كان له كأجر حجة وعمرة، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا؟ يقول السائل: ما مدى صحة الحديث الوارد في فضل من صلى صلاة الفجر في جماعة في المسجد ثم جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، كان له كأجر حجة وعمرة، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا؟ الجواب: لا بد أن نعلم أن صلاة الجماعة في المساجد من سنن الهدى، وقد حث الرسول ﷺ على صلاة الجماعة في المساجد، وورد في فضلها أحاديث كثيرة منها، ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) . وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها، والمقصود بصلاة الجماعة أي صلاة الجماعة في المساجد مع الأئمة الراتبين، وليس صلاة الجماعة في البيوت وأماكن العمل، مع ترك جماعة المساجد. فقد ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) رواه مسلم. هذا بعض ما ورد في فضل صلاة الجماعة بشكل عام، وأما صلاة الفجر جماعة في المساجد فلها فضل خاص، ومما يدل على هذه الفضيلة أن الله ﷻ قد أقسم بوقتها فقال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ سورة الفجرة الآيتان ١-٢. وكذلك فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ سورة الإسراء الآية٧٨، قال الشيخ ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ يعني: صلاة الفجر.] تفسير ابن كثير ٥/١٠٢. وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) . يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) رواه البخاري، وثبت في الحديث الصحيح أن صلاة الفجر في جماعة تعدل قيام ليلة في الأجر والثواب، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) رواه البخاري ومسلم، وكذلك فإن من يصلي الفجر فإنه يكون في ذمة الله، فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه، فيكبه في نار جهنم) وذمة الله ضمان الله أو أمان الله، كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٢/٤٥٩. وثبت في الحديث عن بريدة الأسلمي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظُلَمِ – الظلام - إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) . رواه الترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم ١٨٥. وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم والمراد صلاة الفجر والعصر. وعن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يلج النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم. والمراد الفجر والعصر. وعن أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهدٌ فلان؟ قالوا لا، قال أشاهدٌ فلان؟ قالوا لا، قال: (إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ٥١٨. وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ليس صلاةٌ أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه أنس رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. ورواه الأصبهاني في الترغيب والطبراني في المعجم الكبير وحسنه العلامة الألباني في السلسة الصحيحة وفصَّل الكلام عليه، حديث رقم ٣٤٠٣. وقد ذكر الإمام المنذري في الترغيب والترهيب طائفة من الأحاديث التي تشهد للحديث السابق أذكرها من صحيح الترغيب للعلامة الألباني: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لأن أقعد أصلي مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة) رواه أبو داود، وقال العلامة الألباني: حديث حسن. وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن أقعد أذكر الله تعالى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق رقبتين من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقبات من ولد إسماعيل) رواه أحمد بإسناد حسن، وقال العلامة الألباني: حسن لغيره، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة) رواه الطبراني وإسناده جيد، وقال العلامة الألباني حسن صحيح، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين) رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات إلا الفضل بن الموفق ففيه كلام، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره. وعن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبدٍ ﵄ حدثاه عن رسول الله ﷺ قال: (من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تاماً له حجه وعمرته) رواه الطبراني وبعض رواته مختلف فيه وللحديث شواهد كثيرة، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه، وقال العلامة الألباني: حسن صحيح. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان النبي صلى الله عيه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، والطبراني ولفظه (كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس) ، وابن خزيمة في صحيحه ولفظه قال عن سماك أنه سأل جابر بن سمرة كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا صلى الصبح؟ قال: كان يقعد في مصلاه إذا صلى الصبح حتى تطلع الشمس] صحيح الترغيب ١/٣١٨-٣٢٠. وخلاصة الأمر أن الحديث المشار إليه في السؤال حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، وفيه بيان مقدار الأجر العظيم لمن صلى الفجر ثم جلس في المسجد حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتي الضحى، ولا يخفى أن هذه الفضيلة لا يحوزها إلا من صلى الفجر في جماعة في المسجد، ومساجدنا اليوم تعاني مع الأسف الشديد من قلة رواد صلاة الفجر، وهذا مظهر سيء، له أسبابه الكثيرة، وإذا تغلب عليها المسلمون ورأيت الناس في صلاة الفجر كحالهم في صلاة الجمعة فأبشر بخير حينئذ.

стр. 80

٢ - المغمى عليه لا يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات والأحوط القضاء يقول السائل: أُصبتُ في حادث وأغمي عليَّ لمدة أسبوع، فهل يلزمني قضاء ما فاتني من الصلوات، أفيدونا؟ الجواب: قرر الأصوليون أن الإغماء من العوارض السماوية التي تعترض على أهلية الإنسان فتؤثر فيها، والإغماء هو فتور يزيل القوى ويعجز به ذو العقل عن استعماله مع قيامه حقيقة، كما في كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، والإغماء يفقد الإنسان الحس والحركة، وهو من موانع من التكليف كما هو مقرر عند الأصوليين. وقد اختلف أهل العلم في قضاء العبادات التي مضى وقتها على الإنسان وهو مغمىً عليه، ولهم في ذلك عدة اجتهادات، وينبغي أن يعلم أن المسألة ليس فيها نص، وأفصل الكلام هنا على مسألة قضاء الصلاة الفائتة في حق المغمى عليه كما ورد في السؤال، فمن العلماء من قال إنه لا قضاء على المغمى عليه، وهذا قول المالكية والشافعية وأهل الظاهر، ونقل عن الزهري والحسن البصري وابن سيرين وربيعة وغيرهم، وذهب الحنفية إلى أن المغمى عليه يقضي الصلوات الفائتة إذا كان عددها خمساً فأقل، وأما الحنابلة فالمذهب عندهم وجوب قضاء الفوائت كلها. قال الإمام النووي: [من زال عقله بسبب غير محرم، كمن جُنَّ أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله، فلا صلاة عليه، وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف - أي في المذهب الشافعي – للحديث - " رفع القلم عن ثلاثة " - سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر، هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة ﵀، إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه، وان كان أكثر فلا، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أن المغمى عليه يقضي، دليلنا القياس على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة] المجموع ٣/٦-٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي: [والمغمى عليه يقضى جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه] قال: وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم كالصلاة والصيام، وقال مالك والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها، لأن عائشة (سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يُغمى عليه، فيترك الصلاة فقال رسول الله ﷺ : ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها) ، وقال أبو حنيفة: إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء كالجنون. ولنا ما روي أن عماراً غُشي عليه أياماً لا يصلي ثم استفاق بعد ثلاث فقال: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث، فقال: أعطونى وضوءً فتوضأ ثم صلى تلك الليلة، وروى أبو مجلز أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه - يترك الصلاة أو فيترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة، صلاة مثلها، قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعاً، وروى الأثرم هذين الحديثين في سننه، وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً، ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم، فأما حديثهم فباطلٌ يرويه الحاكم بن سعد، وقد نهى أحمد ﵀ عن حديثه، وضعفه ابن المبارك، وقال البخاري: تركوه، وفي إسناده خارجة بن مصعب. ولا يصح قياسه على المجنون، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً، ًًًًًًً وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء ﵈ والإغماء بخلافه , وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها كالنوم.] المغني ١/٢٩٠-٢٩١. وقد وردت عدة آثار عن الصحابة والتابعين في المسألة في القضاء وفي عدمه، فمن ذلك ما رواه الدارقطني في سننه عن يزيد مولى عمار بن ياسر: أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ورواه البيهقي في المعرفة، وقال: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت، فمحمول على الاستحباب، قال البيهقي: وعليه أن راويه يزيد مولى عمار مجهول، والراوي عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه. وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأساً، ولم يحتج به البخاري انتهى. انظر نصب الراية ٢/١٧٧. وقال ابن أبي شيبة: [ما يعيد المغمى عليه من الصلاة، ثم روى بأسانيده عن السدي عن رجل يقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق في بعض الليل فقضاهن، وعن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه يقضي مع كل صلاة مثلها، فقال عمران ليس كما يقال يقضيهن جميعاً. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه أياماً فأعاد صلاة يومه الذي أفاق فيه ولم يعد شيئاً مما مضى. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه، قال وكيع أُراه قال شهراً فصلى صلاة يومه. وعن طاووس ومجاهد أنهم قالوا في المغمى عليه يقضي صلاته كما يقضي رمضان. وعن إبراهيم قال يقضي صلاة يومه الذي أفاق، وعن هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال سألته عن المغمى عليه إذا أفاق، قال: يقضي صلاته يومه الذي أفاق فيه. وعن الحسن أنه كان يقول إذا أغمي على رجل صلاتين لم يعد، وإذا أغمي عليه صلاة واحدة أعادها. وعن إبراهيم قال كان يقول في المغمى عليه إذا أغمي عليه يوم وليلة أعاد، وإذا كان أكثر من ذلك لم يعد. وعن الحكم قال إذا أغمي على الرجل أياماً ثم أفاق قضى صلاته يومه وليلته. وعن مُجَشر - بن شاكر- أن ميموناً كان يرى أن يقضي الرجل المغمى عليه الصلاة كما يقضي الصوم. ثم قال ابن أبي شيبة: [من قال ليس عليه إعادة، ثم روى بأسانيده عن ابن سيرين قال أغمي عليه أياماً فلم يعد شيئاً. وعن الضحاك قال أغمي عليه صلوات، فقيل له إنه قد ذهب منذ كذا وكذا صلاة قال فقال لم يذهب مني شيء ولم يعد. وعن الحسن قال المغمى عليه يقضي الصيام ولا يقضي الصلاة كما أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة. وعن عامر قال المغمى عليه لا يقضي، أستنُ بأمهات المؤمنين لم يكنَّ يقضين في حيضهن. وعن الحسن قال المغمى عليه لا يقضي، قال وأغمي على ابن سيرين أياماً فلم يقض. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه يومين فلم يقض. وعن الزهري في المغمى عليه قال ليس عليه إعادة. وقال وكيع والذي يأخذ به الناس الذي يغمى عليه أياماً لا يقضي إلا صلاته يومه الذي أفاق فيه، مثل الحائض والذي يغمى عليه يوم واحد يقضي صلاته ذلك اليوم.] مصنف ابن أبي شيبة ٢/٢٦٨-٢٧٠. وروى معظم هذه الآثار أيضاً عبد الرزاق في المصنف٢/٤٧٩-٤٨٠. ويظهر للمدقق في هذه الآثار أن المسألة اجتهادية، فقد قاسها بعض التابعين على الحيض، فكما أن الحائض لا تقضي الصلاة فكذلك المغمى عليه لا يقضي ما فاتة من الصلوات، بجامع أن كلاً من الحيض والإغماء من العوارض السماوية التي لا إرادة للإنسان فيها، ومن أهل العلم من ألحق المغمى عليه بالمجنون، وبناءً على ذلك القياس قالوا لا قضاء على المغمى عليه، ومنهم من ألحقه بالنائم، فأوجب القضاء عليه، والذي يظهر لي أن إلحاق المغمى عليه بالنائم غير مسلَّم، قال الشيخ العلامة العثيمين: [فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ، وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر. وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه. وأما قضاء عمَّار - إن صحَّ عنه - فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك] الشرح الممتع ٢/١٠. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قول من قال يقضي المغمى عليه إذا أغمى عليه خمس صلوات فدون ولا يقضي أكثر، فقول ضعيف لا وجه له في النظر، لأنه تحكم لا يجب امتثاله، إلا لو كان قول من يجب التسليم له، وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق، أنه لا قضاء عليه لما فاته وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر أغمى عليه فلم يقض شيئاً مما فات وقته وهذا هو القياس عندي والله اعلم] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ٣/٢٩٠. وخلاصة الأمر أن الراجح من أقوال أهل العلم أن المغمى عليه لا يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة، ولكن الأحوط أن يقضي ما فاته، وخاصة إذا كانت الفوائت قليلة، وأما إذا كانت الفوائت كثيرة، فالأحوط أن يصلي مع كل صلاة حاضرة، صلاة فائتة حتى يغلب على ظنه أن قد قضى ما عليه، فهذا أبرأ للذمة.

стр. 81

٣ - التشويش على وقت صلاة الفجر يقول السائل: حصلت بلبلةٌ بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك في مسألة وقت صلاة الفجر وأنه غير صحيح، وزعم بعض الناس أنه يجوز للمسلم أن يأكل ويشرب إلى أن ينتشر الضوء، وبعض هؤلاء يدعوا الناس إلى أن يصلوا الفجر قبل طلوع الشمس بنصف ساعة، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟ الجواب: يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. وقد أخذ جمهور أهل العلم من هذه الآية الكريمة أن بداية الصوم تكون عندما يتبين الفجر الصادق من الفجر الكاذب، ويكون ذلك عندما ينشق في الأفق نورٌ منتشرٌ مستطيرٌ يشق ظلمة الليل، وليس المقصود من الآية الكريمة انتشار الضوء الذي يملأ الجبال والوهاد، ويلاحظ أولاً أن الآية الكريمة عبرت بكلمة ﴿الخيط﴾ وفيها دلالة على أنه يبدأ دقيقاً بأرق ما يكون من مثل الخيط ثم يسفر، قال العلامة محمد رشيد رضا: [وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطاً، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من أن ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن] تفسير المنار ٢/١٧٨. ويلاحظ ثانياً أن الآية الكريمة ذكرت ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ والفجر هو أول انشقاق آخر ظلمة الليل بضوء الصباح، قال ابن منظور: [الفجر ضوء الصباح وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وهما فجران: أحدهما المستطيل وهو الكاذب الذي يسمى ذنب السرحان، والآخر المستطير وهو الصادق المنتشر في الأفق الذي يحرم الأكل والشرب على الصائم، ولا يكون الصبح إلا الصادق] لسان العرب ١٠/١٨٧. قال الإمام الطبري: [وأما قوله: ﴿من الفجر﴾ فإنه تعالى ذكره يعني حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي هو من الفجر. وليس ذلك هو جميع الفجر، ولكنه إذا تبين لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل، فمن حينئذ فصوموا، ثم أتموا صيامكم من ذلك إلى الليل. وبمثل ما قلنا في ذلك ... قال ابن زيد في قوله: ﴿من الفجر﴾ قال: ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط، وهو أوله، فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم. قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ أوضح الدلالة على خطأ قول من قال: حلال الأكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر] تفسير الطبري ٣/٥٣٠. ويلاحظ ثالثاً تعبير الآية الكريمة بلفظ ﴿يتبين﴾ بصيغة يتفعل، وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح. وهذا يدل على أن المراد هو بداية الفجر وليس الفجر الذي يملأ الطرقات والجبال. ومما يؤيد قول الجمهور أن المقصود بالآية هو أوائل الفجر وليس انتشار الضوء، ما ورد في الحديث عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) رواه البخاري ومسلم، ومن يقول إنه يجوز الأكل والشرب حتى ينتشر الضوء الذي يملأ الجبال والوهاد، فهذا يريد أن يفعل مثلما فعل عدي ﵁، ونقول له ما قاله النبي ﷺ لعدي: (إن وسادك لعريض) وفي رواية (إنك لعريض القفا) . ومما يدل على صحة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الثابت من صلاة النبي ﷺ للفجر أنه كان يصليها بغلس، والغلس هو [ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح ... وقال الأزهري: الغلس أول الصبح حتى ينتشر في الآفاق] تاج العروس ٨/٣٨٧. وقد ورد في تغليس النبي ﷺ بالفجر أحاديث كثيرة منها: قال أبو مسعود الأنصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر ... وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى أن يسفر) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأصله في الصحيحين. وعن عائشة ﵂ قالت: لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ متلفعات بمروطهن- أكسيتهن - ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يعرفن من تغليس رسول الله ﷺ بالصلاة) رواه البخاري ومسلم. وأقول لمن يريد أن يجعل صلاة الفجر قبل طلوع الشمس بنصف ساعة كما زعم! كيف كان النبي ﷺ يصلي الفجر بغلس، وتنصرف النساء ولا يعرفن من الغلس، وفي الحديث الآخر (فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً) والنبي ﷺ كان يطيل القراءة في الفجر كما ثبت في الأحاديث أنه كان يقرأ في الفجر مابين الستين إلى المئة في الركعة الواحدة، فعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية) . وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن ابن سابط أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحواً من ستين آية فسمع بكاء صبي قال فقرأ في الثانية بثلاث آيات.) وكذلك وردت آثار صحيحة عن كبار الصحابة أنهم كانوا يصلون الفجر بغلس، ويطيلون في القراءة، كما ورد عن أنس قال: صليت خلف أبي بكر ﵁ الفجر فاستفتح البقرة فقرأها في ركعتين ... ) رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح كما قال الحافظ العسقلاني في فتح الباري ٢/٢٥٦. وصلى عمر ﵁ الفجر فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة) رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح، وورد أن عمر ﵁ صلى الفجر فقرأ سورة الحج، وورد أنه قرأ البقرة، وورد أنه قرأ مئة آية من البقرة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية مئة آية من آل عمران، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، انظر جامع أحاديث وآثار القراءة في الصلاة للدكتور إبراهيم العبيد ص ١٤- ١٠٤، وهذه أدلة واضحة على تغليس النبي ﷺ والصحابة من بعده بالفجر، قال الإمام الترمذي: [وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يستحبون التغليس بصلاة الفجر.] سنن الترمذي ١/٢٨٩. ومما يؤيد ما سبق ما ورد في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ كان يأمر بإقامة صلاة الفجر عندما يبرق الفجر، أي في أوله وليس عند انتشار الضوء، وهذه بعض الأحاديث التي تدل على ذلك: فعن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: (أمنى جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى الظهر ... ثم صلى الفجر حين برق الفجر ... ) رواه أحمد والترمذي، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٥٠. وفي حديث آخر (فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر) رواه مسلم، وفي حديث آخر (وصلى الفجر حين سطع الفجر) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط. وفي حديث آخر (فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً) رواه مسلم. وفي حديث آخر (حين بزق الفجر) رواه الطبراني في الكبير، وروى عبد الرزاق بإسناده أن عمر كتب إلى أبي موسى أن صل الظهر إذا زالت الشمس ... وصل الصبح والنجوم بادية مشتبكة وأطل القراءة) ورواه ابن أبي شيبة ومالك أيضاً. فهذه الألفاظ الواردة في الأحاديث والآثار السابقة تدل على أن صلاة الفجر تكون في أول الفجر وليس عندما ينتشر في الطرقات والجبال. انظر مسائل في الفقه المقارن للدكتور سعدي جبر ص ١٠ فما بعدها. إذا تقرر هذا فإنه لا بد من التوضيحات التالية حول هذه المسألة: ١- التوقيت المعمول به في الضفة الغربية وضعته لجنة من أهل الشرع والخبرة وتم وضعه في الأردن بعد مشاهدات كثيرة وأعرف اثنين من أعضاء اللجنة، وليس من وضع الغرب كما زعم أحدهم!! وكذا التوقيت المعمول به في مصر وفي السعودية هنالك لجان من أهل العلم والخبرة أشرفت على وضعه. ٢- لا أزعم أن هذا التوقيت دقيق مئة في المئة وإنما هو أقرب إلى الصواب وغلبة الظن تكفي للعمل به. قال العلامة العثيمين [ ... بعض الناس الآن يشككون في التقويم الموجود بين أيدي الناس، يقولون: إنه متقدم على طلوع الفجر، وقد خرجنا إلى البر وليس حولنا أنوار، ورأينا الفجر يتأخر، حتى بالغ بعضهم وقال: يتأخر ثلث ساعة، لكن الظاهر أن هذا مبالغة لا تصح، والذي نراه أن التقويم الذي بين أيدي الناس الآن فيه تقديم خمس دقائق في الفجر خاصة] ٣- لو فرضنا أن هذا التوقيت خطأ، فأقول لمن خطأه كيف سيعرف الناس وقت صلاة الفجر؟ هل تطلبون من كل شخص أن يرقب الفجر بنفسه كما طالب أحدهم بأن كل واحد يرقب الفجر بنفسه؟ أليس في هذا إيقاعٌ للناس في الحرج؟ وأقول كيف سيرقب ملايين المسلمين الفجر في هذا الزمن وقد انتشرت الأضواء الكهربائية في المدن والقرى مما يمنع صحة الرؤية! ولو فرضنا أن الناس كلهم راقبوا الفجر ألا يختلفون في الرؤية فبعضهم سيقول رأيته وبعضهم يقول لم أره! فما هو الحل؟ ثم ماذا نصنع في الشتاء والأجواء ملبدة بالغيوم؟ وماذا نصنع مع زيادة تلوث الجو؟ ٤- كلام هؤلاء أن التوقيت خطأ وأنه من صنع الغرب ينسحب على بقية أوقات الصلاة، فلماذا يقبلون التوقيت في صلاتي الظهر والعصر، ولا يقبلونه في بقية الصلوات؟ وهل يقومون بمراقبة ميل الشمس في صلاتي الظهر والعصر وهل يدعون الناس إلى ذلك؟! ٥- إن إحداث البلبلة بين عامة الناس وتشكيكهم في عباداتهم من صلاة وصيام بدون دليل واضح كوضوح الشمس إفك عظيم. ٦- إن البيانات التي وزعت مشككة بالتوقيت تفتقد للتحقيق العلمي، وبنيت على فهم خاطئ للنصوص، ويظهر فيها التعالم واضحاً، وتضمنت الطعن في العلماء كقول أحدهم عن العلماء بأنهم أجراء مأمورون، وكقول أحد الأفاكين عن العلماء بأنهم لا يتقون الله ولا يخشونه وأنهم ينتصرون للباطل، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ . ٧- وأقول لجماهير المسلمين في بلادنا لا تلقوا بالاً لهؤلاء وأمثالهم، واطمأنوا إلى أن صيامكم صحيح وصلاتكم في الوقت إن شاء الله تعالى، وخاصة أن معظم مساجدنا تنتظر ثلث ساعة إلى نصف ساعة بين أذان وإقامة صلاة الفجر، وهذا يجعلكم تصلون الصلاة في وقتها، وأما بدء الصيام متقدماً عن الوقت المقرر شرعاً فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى، وأختم كلامي بفتوى للعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه حيث سئل السؤال التالي: يؤذن الفجر عندنا قبل طلوع الشمس بساعة وأربعين دقيقة ونصلي صلاة الفجر بعد الأذان بعشرين دقيقة تقريباً يعني قبل طلوع الشمس بساعة وعشرين دقيقة هل صلاتنا موافقة للسنة؟ الجواب: نعم، الصلاة صحيحة إن شاء الله؛ لأن الغالب أن بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ساعة ونصف تقريباً، لكن لو أخرتم وصليتم قبل الشمس بساعة أو ساعة وخمس دقائق يكون أحوط وأحسن، والأذان قبل طلوع الشمس بساعة وأربعين دقيقة فيه تبكير، وهو أذان قبل الوقت، فلو أخر وأذن قبل طلوع الشمس بساعة ونصف تقريباً يكون هذا أحوط لدخول الوقت، فإذا كانت الصلاة قبل طلوع الشمس بساعة ونحوها فهو أحوط لأداء الصلاة في وقتها؛ لأن الغالب أن بين طلوع الفجر وطلوع الشمس نحو ساعة ونصف، أو ساعة ونصف إلا خمس دقائق، أو ما يقارب هذا، فالمؤمن يحتاط لهذا الأمر ولا يعجل، لا في الأذان، ولا في الصلاة، فالتأخير أحوط في مثل هذا حتى يتأكد من دخول الوقت.] وأقول أخيراً إنه من المعلوم أن بين الأذان وطلوع الشمس في بلادنا ساعة وثلث إلى ساعة ونصف تقريباً، وأن معظم المساجد تقام فيها صلاة الفجر بعد ثلث ساعة إلى نصف ساعة من الأذان، وهذا يجعلنا نوقن أن صيامنا وصلاتنا واقعان في الوقت المقرر شرعاً.

стр. 82

٤ - مقدار القراءة في صلاة التراويح يقول السائل: ما هو مقدار القراءة في صلاة التراويح، وهل الأفضل ختم المصحف فيها، أفيدونا؟ الجواب: صلاة التراويح من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد كان من هدي النبي ﷺ التطويل في القراءة فيها كما ثبت في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح قال وكنا ندعو السحور الفلاح) رواه ابن أبي شيبة في المصنف والنسائي وأحمد وإسناده صحيح وصححه الحاكم، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح كما في صلاة التراويح له ص١٠. وعن عائشة ﵂ قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله ﷺ رمضان بالليل أوزاعاً - متفرقين - يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة والستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته فأمرني رسول الله ﷺ ليلة من ذلك أن أنصب - أضع - له حصيراً على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلى العشاء الآخرة قالت: فاجتمع إليه منْ في المسجد، فصلى بهم رسول الله ﷺ ليلاً طويلاً ثم انصرف رسول الله ﷺ رواه البخاري ومسلم. وفي صحيح البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) ، وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال قام رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان في حجرة من جريد النخل ... فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة - يعني صلاة الفجر -) رواه مسلم. ويلاحظ من خلال هذه الأحاديث تطويل النبي ﷺ في القراءة خاصة وفي صلاة التراويح عامة، فلاحظ العبارات التالية: (إلى ثلث الليل الأول) ، (ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل) ، (ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح) ، (فصلى بهم رسول الله ﷺ ليلاً طويلاً) ، (فلا تسل عن حسنهن وطولهن) ، (فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة - يعني صلاة الفجر -) ، وهكذا كان الصحابة والتابعون يطيلون صلاة التروايح، فقد روى مالك في الموطأ (عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: (ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان قال: وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف) وصححه العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وعن السائب بن يزيد قال: أمر عمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام فما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر) رواه مالك والبيهقي بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٣٢. وصححه العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وعن عبد الله بن أبي بكر قال: (سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور. وفي أخرى مخافة الفجر) رواه مالك بسند صحيح كما قال العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وروى عبد الرزاق عن الثوري عن القاسم عن أبي عثمان قال: أمر عمر بثلاثة قراء يقرؤون في رمضان فأمر أسرعهم أن يقرأ بثلاثين آية وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس وعشرين وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين) المصنف ٤/٢٦١. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد كان النبي ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة) خرجه الإمام أحمد وخرجه النسائي وعنده (أنه ما صلى إلا أربع ركعات، وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر) وفي رواية: (أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها) وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء فأمر أسرعهم قراءةً أن يقرأ بالناس ثلاثين وأوسطهم بخمس وعشرين وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف) ، قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهوية كم يقرأ في قيام شهر رمضان فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا، فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كل ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات، وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار، وإنما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمساً ستاً سبعاً قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم. وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وقد روي عن أبي ذر ﵁ (أن النبي ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا، فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته) خرجه أهل السنن وحسنه الترمذي. وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام. وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) يعني أنه يكتب له قنطارٌ من الأجر. ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعاً: (من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة) وفي إسنادهما ضعف، وروي حديث تميم موقوفاً عليه وهو أصح. وعن ابن مسعود قال: من قرأ ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار، ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطول ما شاء كما قاله النبي ﷺ . وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته ... ] لطائف المعارف ص ٣١٦-٣١٨. وقد رأى جماعة من أهل العلم أنه يستحسن ختم المصحف كاملاً في صلاة التراويح، [ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ الْخَتْمُ مَرَّةً، فَلاَ يَتْرُكُ الإِْمَامُ الْخَتْمَ لِكَسَل الْقَوْمِ، بَل يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ عَشَرَ آيَاتٍ أَوْ نَحْوَهَا، فَيَحْصُل بِذَلِكَ الْخَتْمُ] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٧/١٤. وهذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، وقد يستأنس له بما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم من مدارسة جبريل ﵇ للنبي ﷺ القرآن في رمضان، وعرضه عليه. قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [يمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجباً لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة] مجموع فتاوى ابن باز ١٥/٣٢٥. وقد أحببت أن أنقل هذه النصوص لأبين حال السلف رضوان الله عليهم في القراءة في صلاة التراويح، وليظهر أن البون بيننا وبينهم صار شاسعاً، فإن كثيراً من أئمة مساجدنا اليوم يقصرون في القراءة في التراويح، بحجة التخفيف في الصلاة، حتى صار بعضهم يصلي العشاء وسنته والتراويح والوتر في ثلث ساعة، وصار الناس يتسابقون إلى هذه المساجد!! وخلاصة الأمر أن خير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، فإن وجد من المصلين من يحتمل التطويل في القراءة في التراويح فأمر حسن، فإن لم يوجد ختموا المصحف مرة واحدة، وإلا فإنه لا يجوز لأئمة المساجد أن يخففوا القراءة تخفيفاً شديداً، لأن هذا يخل بمقصد الشارع الحكيم من شرعية صلاة التراويح، وأقل ما يقرأ كما قال الإمام أحمد: اقرأ خمساً، ستاً، سبعاً.

стр. 83

٥ - حكم تركيب أبراج الاتصالات على المآذن يقول السائل: ما حكم تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن مئذنة المسجد هي أعلى مبنى في بلدتنا، أفيدونا؟ الجواب: لا بد أولاً من التأكيد أن المساجد لها وضعية خاصة في دين الإسلام، ولا يجوز أن نتعامل مع المساجد كتعاملنا مع أي مبنى آخر، لأن المساجد بيوت الله ، قال الله تعالى: ?فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ? سورة النور الآيتان٣٦-٣٧. والبيوت المذكورة في الآية الكريمة هي المساجد، كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري ورجحه القرطبي في تفسيره ١٢/٢٦٥، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في المساجد أنها تبنى لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ سورة الجن الآية ١٨، والمساجد لها أحكام خاصة بها وآداب لا بد من المحافظة عليها كي تبقى للمسجد هيبته وحرمته في نفوس المسلمين، لذا يمنع المسلم من فعل أمور كثيرة في المساجد مع أنه يجوز فعلها خارج المساجد، وقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ (أن رجلاً نشد في المسجد – أي طلب ضالةً له - فقال النبي ﷺ : من دعا إلى الجمل الأحمر؟ لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [في هذين الحديثين فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويُلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد ... وقوله ﷺ (إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها] شرح النووي على مسلم ٢/٢١٥. وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر حديث بريدة السابق: [وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه؛ فقال النبي ﷺ : لا تزرمو دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ... وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجلٍ في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت!] تفسير القرطبي ١٢/٢٦٩. ونقل العينى عن المحب الطبري قوله: [إن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص] عمدة القاري ٦/٢٧٠. وهذه النصوص والآثار وغيرها تدل على أن المسجد له أحكامه الخاصة التي تميزه عن المباني الأخرى، ومئذنة المسجد رمز للمسجد ومن معالم المسجد الهامة، فلا ينظر إليها كمبنى مرتفع فقط، وإنما هي منارة وشعار ينطلق منها الأذان المعلن بعقيدة التوحيد، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: ?ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ? سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [?وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ? الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. ولا شك أن المساجد داخلة في عموم شعائر الله. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم المسجد كما قررت سابقاً، وفيه إخلالٌ بوقار المساجد وإهدارٌ لهيبة بيوت الله وإضعافها في نفوس الناس فوق ما هي ضعيفة مع الأسف. ويضاف إلى ذلك أن أبراج الاتصالات لا تخلو من ضررٍ صحيٍ على جمهور الناس المجاورين للمسجد ومن حولهم، صحيحٌ أن هنالك عدمَ وضوحٍ في مسألة أضرار أبراج الاتصالات إلى الآن، فهنالك من العلماء المختصين من أثبت ضررها على صحة الإنسان وهنالك من نفاه، ولكن هنالك [بعض الدراسات العلمية التي تناولت تأثير أبراج الاتصالات الخلوية على صحة الإنسان، لما تصدره من إشارات كهرومغناطيسية ذبذباتها عالية جداً وتحتاج إلى طاقة عالية، وبعد فترات طويلة، فإن قربها من الناس قد يكون له أضرار صحية، وقد تساهم في تطوير أمراض سرطانية على المدى البعيد، وحيث إن منظمة الصحة العالمية قد حددت شروطاً لاختيار أماكن إنشاء أبراج الاتصالات منها: ألا يكون البرج داخل منطقة سكنية أو بالقرب من مدارس الطلاب. وهذا مؤشر على وجود الضرر من أبراج الاتصالات، وبمناقشة الادعاءات القائلة بعدم وجود دليل مادي على أن هنالك مخاطر لهذه الأبراج، نقول إنه لا يوجد في الدول النامية من العلم والخبرة أكثر مما هو متوفر لدى منظمة الصحة العالمية التي اشترطت إنشاء الأبراج خارج المناطق السكنية، لأن خطورتها تتمثل في الذبذبات والترددات التي تنبعث منها مما يؤكد وجود علاقة بين تلك الأبراج وبعض الأمراض الخطيرة، فهذه الموجات لها تأثير كبير على الجهاز العصبي وخلايا المخ وأمراض الأذن والقلب وألم الرأس وغيرها، ولقد أشارت بعض الأبحاث الحديثة إلى أن كثرة استخدام الهاتف النقال يؤدى إلى اضطرابات في السمع وخلل في الجهاز العصبي، فما بالكم بمحطات التقوية والأبراج التي تعتبر المصدر الرئيس المغذي لهذه الموجات والذبذبات. وبهذا الخصوص أعدت منظمة الصحة العالمية دراسات حول تأثيرات الإشعاعات المنبعثة عن أبراج الاتصالات على سلامة الإنسان والتي تؤكد أن الأبراج والهواتف النقالة تصدر أشعة (غاما) التي تعد إحدى المسببات الخطرة لأمراض السرطان خصوصاً إذا لم تلتزم بشروط السلامة الصحية.] وورد في بعض الدراسات أن بعض المتخصصين بينوا مخاطر أبراج الاتصالات على المدى البعيد وليس المباشر مما ينذر بخطر يشمل كل أهالي الذين هم على مقربة أو تماس مباشر بالبرج الذي يسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة. بل وقد يتسبب البرج بعدد من المشاكل لمرضى القلب حيث يؤثر على عمل أجهزة تنظيم دقات القلب، كما يؤثر بشكل سلبي على القدرة العامة للأفراد حيث يتسبب بالخمول والشعور المستمر بالتعب والإرهاق كما أن له تأثيرات مستقبلية على المدى البعيد وبالخصوص على الأطفال فقد أثبتت إحدى الدراسات الحديثة أوردها أحد المعاهد البريطانية المختصة ببحوث السرطان أن الإشعاعات الناتجة عن أبراج نقل الكهرباء أو الهاتف تسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا غير مرئي يسبب سرطان الدم والعديد من الأمراض الخطيرة الجسدية والنفسية والتي قد تتدرج في الظهور على مراحل، كما أنها تسبب حالات من الإرهاق والقلق والتوتر والأرق وتأثيرها على المدى البعيد بالنسبة للأطفال كما ويعتقد أنها تسبب سرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان الثدي لدى النساء وأمراض الجهاز العصبي المركزي ومنها الزهايمر، ومن الآثار السلبية للترددات الصادرة عن محطات الهاتف المحمول الحرارة المستحثة الناتجة من جراء التعرض لمجال راديوي قد تسبب نقصاً في القدرة البدنية والذهنية وتؤثر في تطور ونمو الجنين وقد تحدث عيوباً خلقية وتؤثر في خصوبة النساء، كما أن لها تأثيراً على الخلية وتفاعلاتها الكيميائية في جسم الإنسان ونسبة السوائل في الجسم ويعد وجود برج للجوال أو أعمدة للأسلاك الكهربائية بالقرب من المنازل أمراً خطيراً ويسبب الضرر وقد أثبتت العديد من الدراسات والمنظمات الطبية والبيئية ذلك، وهناك قائمة طويلة من الأعراض والأمراض المتهمة بها هذه الأشعة.] عن شبكة الإنترنت بتصرف. ومن المعلوم أن شريعتنا لإسلامية قد منعت إلحاق الضرر بالناس، فقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠، وفي إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وقد أخذ الفقهاء من الحديث السابق القاعدة الفقهية الكلية " لا ضر ولا ضرار: " ومعناها أن الفعل الضار محرم، وقد تفرع على القاعدة السابقة أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ورد في شرح المادة رقم ٣٠ من مجلة الأحكام العدلية [درء المفاسد أولى من جلب المنافع، أي إذا تعارضت مفسدة ومصلحة، يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة، فإذا أراد شخص مباشرة عمل ينتج منفعةً له ولكنه من الجهة الأخرى يستلزم ضرراً مساوياً لتلك المنفعة أو أكبر منها يلحق بالآخرين، فيجب أن يقلع عن إجراء ذلك العمل درءً للمفسدة المقدم دفعها على جلب المنفعة، لأن الشرع اعتنى بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمور بها] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١/٤١، فالمفاسد المترتبة على تركيب أبراج الاتصالات على مئذنة المسجد بعضها متحقق وبعضها متوقع وما كان كذلك فدفعه مقدم على جلب المصالح. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً تركب برج اتصالات على مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم بيوت الله ، ويجب أن تصان المساجد عن مثل هذه الأمور. ولأنه لم يثبت إلى الآن انتفاء الأضرار الصحية لأبراج الاتصالات.

стр. 84

٦ - الخروج في رحلة يوم الجمعة قول السائل: ما حكم الخروج في رحلات للنزهة صباح يوم الجمعة، أفيدونا؟ الجواب: صلاة الجمعة فريضة من الفرائض المعلوم فرضيتها بالضرورة، وبدلالة الكتاب والسنة، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. وقد ورد في فضل صلاة الجمعة أحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم. وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم، إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبٍ إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٣٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وقد وردت أحاديث أخرى في الترهيب من ترك صلاة الجمعة لغير عذر منها: عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه مسلم. وعن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوامٌ عن ودْعهم - أي تركهم - الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين) رواه مسلم. وعن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٥١. وجاء في رواية لابن خزيمة وابن حبان (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق) قال العلامة الألباني: حسن صحيح، المصدر السابق. وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه) رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره، المصدر السابق. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٥٢. والصبة: المجموعة من الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وقيل غير ذلك من العدد. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد دخول وقتها في حق المخاطب بها، [فيحرم عند الجمهور إنشاء سفرٍ بعد الزوال - وهو أول وقت الجمعة - من المصر الذي هو فيه، إذا كان ممن تجب عليه الجمعة، وعلم أنه لن يدرك أداءها في مصر آخر، فإن فعل ذلك فهو آثمٌ على الراجح ما لم يتضرر بتخلفه عن رفقته. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة حيث صرحوا بحرمة السفر بعد الزوال] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/٢١١. وأما السفر قبل دخول وقت الجمعة أي قبل الزوال، فقد أجازه جماعة من الفقهاء، قال الشوكاني: [وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال: الأول: الجواز، قال العراقي: وهو قول أكثر العلماء. فمن الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر. ومن التابعين الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم] نيل الأوطار ٣/٢٦١. ويدل للقول بالجواز ما رواه عبد الرزاق في المصنف بإسناده أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلاً عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ قال أردت سفراً فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) وسنده صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال الطحاوي: لا يُعرف عن الصحابة خلافه. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن صالح بن كيسان أن أبا عبيدة ﵁ خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره ولم ينتظر الجمعة. وإسناده جيد كما قال العلامة الألباني. واحتجوا بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵃ قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ في سريةٍ فوافق ذلك يوم جمعة، قال: فتقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غدوتهم﴾ رواه أحمد والترمذي، ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم ٨١. وقد استدل من منع السفر قبل الزوال يوم الجمعة بما روي أن النبي ﷺ قال: (من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصحب في سفره ولا تُقضى له حاجة) وهذا الحديث مكذوب، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٢٥٤. وقال ابن المنذر: [لا أعلم خبراً ثابتاً يمنع من السفر أول نهار الجمعة إلى أن تزول الشمس وينادي المنادي، فإذا نادى المنادي وجب السعي إلى الجمعة على من سمع النداء] الأوسط لابن المنذر ٥/٣٣٠. وبناءً على ما سبق فإن السفر قبل الزوال يوم الجمعة يجوز إذا كان السفر للمباحات كالسفر للتنزه أو للتجارة أو لغرض مشروع، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مرجحاً القول بجواز السفر قبل الزوال: [ولأن الجمعة لم تجب عليه فلم يحرم السفر كالليل ... والأولى الجواز مطلقاً لأن ذمته بريئة من الجمعة فلم يمنعه إمكان وجوبها عليه كما قبل يومها] المغني٢/٢٦٩. ولكن الأفضل والأولى أن يكون السفر بعد انقضاء صلاة الجمعة، كما قال تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة أنه قال: (كانوا يستحبون إذا حضرت الجمعة أن لا يخرجوا حتى يجمعوا) . وروى أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: (السفر يوم الجمعة بعد الصلاة.) . وإنما قالوا ذلك لما فيه من فوات صلاة الجمعة وهي من الشعائر المعظمة شرعاً، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى: ?ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ? سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [?وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ? الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. وخلاصة الأمر أن الواجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجمعة، فهي من شعائر الله ، وأن لا يضيعها من أجل النزهات والرحلات، فإن خرج في رحلة في صباح الجمعة فليحرص على أداء صلاة الجمعة في أي مسجد قريب من موقع الرحلة.

стр. 85

٧ - حكم إمامة المدخن يقول السائل: يصلي بنا إمامان متطوعان، أحدهما حافظ لكتاب الله ولكنه مدخن، والآخر لا يحفظ كتاب الله كاملاً ولا يدخن، فمن أولى بإمامة الصلاة منهما، أفيدونا؟ الجواب: لابد من بيان أمرين قبل الجواب على السؤال، أولهما: إن الدخان خبيث من الخبائث، وإن أبى بعض المدخنين ذلك، كما أن التدخين حرام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن أبى بعض المشايخ المدخنين ذلك، وخاصة الذين يزعمون أن التدخين مباح من المباحات، فقولهم هذا قول ساقط متهافت، ولا قيمة له بعد أن اتفقت المصادر الطبية والعلمية والصحية على ضرر التدخين المتحقق على صحة المدخن وعلى نفسيته وعلى ماله وعلى صحة من حوله، وأضرار التدخين على المجتمع بشكل عام، بل إن التدخين أشد فتكاً بالإنسان من مرض الإيدز، وقد اتفقت الهيئات العلمية والمجامع الطبية والصحية على أضرار التدخين، وقررت أنه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدرية وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة، وهذا ما أكده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائيين وغيرهم، فالدخان يتكون من مجموعة كثيرة من المواد، منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أول أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم. ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار أسنان المدخن ونخرها، وإلى التهابات اللثة، وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن، فالتدخين يضر بالفم والشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي، كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته، لأن الإسلام يحرم كل خبيث وضار، وصدق الله العظيم إذ يقول: ?وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ? سورة الأعراف الآية ١٢٧. وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. والأدلة على تحريم التدخين كثيرة وليس هذا محل ذكرها. ذا تقرر تحريم التدخين فإن الإصرار على التدخين مع العلم بحرمته يُعد فسقاً عند أهل العلم، والفسقُ هو ارتكابُ الكبائر عمداً، أو الإصرارُ على الصغائر بغير تأويل. كما أن تدخين الإمام يعتبر من المجاهرة بالمعصية. ويضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاءٍ للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) متفق عليه. وعن عمر ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما - البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع متفق عليه. وينبغي أن يعلم أن كلَّ رائحةٍ كريهةٍ تُلحق برائحة البصل والثوم، فرائحة المدخن نتنةٌ عند ذوي الفطرة السليمة، فينبغي له أن لا يدخل المسجد لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة. الأمر الثاني: إن إمامة الصلاة تعتبر من خيرة الأعمال التي ينبغي أن يتولاها خيرة الناس، ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة، قال الإمام أحمد: [ومن الحقِّ الواجب على المسلمين: أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم، أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه] . رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص١٤. وقال الإمام السرخسي: [والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي ﷺ ، فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة، فإنَّ النبي ﷺ لَمَّا أمر أبا بكر ﵁ أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة ﵃ بعد موته ﷺ : إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس] . المبسوط ١/٤٠. وقال الإمام الماوردي: [ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي خمسة: القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ، والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها] الحاوي الكبير ٢/٣٥٢، وانظر رسالة حكم إمامة وأذان المُجاهر بالمعصية لعبد الرحمن بن سعد الشثري ص٧. وقد ذكر الفقهاء في كتبهم تفصيل شروط إمام الصلاة، ومنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فاشترطوا أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة للرجال، وأن يكون سالماً من البدع المكفرة وأن يكون قادراً على القراءة، وسالماً من الأعذار، وقادراً على توفية أركان الصلاة، وغير ذلك، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٦/٢٠١-٢٠٧. والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم. وقد اختلف أهل العلم في حكم إمامة الفاسق، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، وهو الراجح، لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته بغيره، وقد ثبت أن عدداً من الصحابة قد صلوا خلف بعض الفسقة كالوليد بن عقبة والحجاج، وثبت في صحيح البخاري أن عثمان ﵁ لما حُصر صلى بالناس شخص، فسأل سائلٌ عثمان فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فقال: (يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا قالوا في العقائد: إنه يُصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام، برَّاً كان أو فاجراً، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمامٌ واحد، فإنها تُصلَّى خلفه الجماعات، فإن الصلاة في جماعة خيرٌ من صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقاً، هذا مذهب جماهير العلماء أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما] مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/٣٥٣. وقال الإمام الشوكاني: [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه) ، وحديث (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمناً) ، ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق، كحديث (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه) ، وحديث (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما، ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض] نيل الأوطار ٢/٢٨. وبناءً على ما سبق فإن الأصل أن المدخن لا يكون إماماً في الصلاة، فإن صلى الإمام المدخن بالناس فإمامته صحيحة، قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي السعودية سابقاً: [لا ريب في تحريم شرب الدخان الخبيث، وكذا حلق اللحية، ومثل هذا لا يجوز أن يُوَلَّى الإمامة، لأنه فاسق، والفاسق ليس أهلاً للإمامة، لكنَّ الصلاة خلفه صحيحة مجزئة، من صلاها إذا ابتُليَ به الناس على ما فيها من النقص] مجموع فتاوى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم ٢/٢٩٤. ويضاف إلى ما سبق أن كثيراً من المصلين يكرهون أن يكون إمامهم في الصلاة مدخناً، وبالتالي فإن صلاة الإمام المدخن لا ترفع كما ورد في الحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قومٍ وهم له كارهون) رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٣٢٨. وخلاصة الأمر أن إمامة الصلاة من خير الأعمال، فيتولاها خير الناس قراءةً وأخلاقاً وعدالةً، والإمام المدخن مرتكب للحرام ومجاهر به، فهو وإن صحت إمامته، ولكن لا ينبغي أن يولى الإمامة، ويجب نصحه وبيان حرمة التدخين وأضراره، حتى يتركه، ولا شك أن غير المدخن أولى بالإمامة من المدخن، وإن كان المدخن أقرأ وأحفظ لكتاب الله .

стр. 86

٨ - تخصيص الإمام نفسه بالدعاء في الصلاة يقول السائل: ما الحكم في أن يدعو الإمام في الصلاة لنفسه، وهل صحيح أن ذلك يعتبر خيانة للمأمومين، أفيدونا؟ الجواب: قرر العلماء أنه يستحب تعميم الدعاء إذا دعا مع جماعة كما في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ودعاء القنوت في الصلاة ونحوها، قال الحافظ العراقي: [من أدب الدعاء أنَّ مَن دعا بمجلس جماعةٍ لا يخص نفسه بالدعاء مِن بينهم، أو لا يخص نفسه وبعضَهم دون جميعهم ... ويتأكد استيعاب الحاضرين على إمام الجماعة، فلا يخص نفسه دون المأمومين، لما روى أبو داود والترمذي من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤم رجلٌ قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم) قال الترمذي: حديث حسن. والظاهر أن هذا محمولٌ على ما لا يشاركه فيه المأمومون، كدعاء القنوت ونحوه، فأما ما يدعو كل أحدٍ به كقوله بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، فإن كلاً من المأمومين يدعو بذلك، فلا حرج حينئذ في الإفراد، إلا أنه يحتمل أن بعض المأمومين يترك ذلك نسياناً أو لعدم العلم باستحبابه، فينبغي حينئذ أن يجمع الضمير لذلك] طرح التثريب في شرح التقريب ٢/١٣٦-١٣٧. والحديث الذي ذكره الحافظ العراقي تكلم فيه المحدثون وكثير منهم لم يوافق الترمذي في تحسينه، حتى قال ابن خزيمة إنه موضوع، وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والعلامة الألباني وغيرهم. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب ٢/٢٠١. وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام على هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) وبيَّن أنه حديث ضعيف مضطرب وقد حكم ابن خزيمة بالوضع على الشطر الثاني من الحديث - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - وأقره ابن تيمية وابن القيم، وذلك لأن عامة أحاديث النبي ﷺ في الصلاة وهو الإمام بصيغة الإفراد، فكيف يصح أن يكون ذلك خيانة لمن أمهم؟ فهذا هو الصواب أن هذه الزيادة - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - لا تصح بل هي منكرة لمخالفتها لأدعية النبي ﷺ التي كان يدعو بها في الصلاة وهو إمامهم. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٧٨-٢٨٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قد [سئل عن قوله ﷺ : (لا يحل لرجل يؤم قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم) . فهل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله أن يُشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبي ﷺ أنه كان يخص نفسه بدعائه في صلاته دونهم؟ فكيف الجمع بين هذين؟ فأجاب: الحمد للَّه رب العالمين. قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال للنبي ﷺ : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة. ما تقول؟ قال: (أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة، وكان إماماً. وكذلك حديث عليٍ في الاستفتاح الذي أوله: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) ، فيه: (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت) . وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) ، (اللهم، طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم، نقني من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس) . وجميع هذه الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله، ومن أمره، لم ينقل فيها إلا لفظ الإفراد. كقوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) . وكذا دعاؤه بين السجدتين، وهو في السنن من حديث حذيفة، ومن حديث ابن عباس، وكلاهما كان النبي ﷺ فيه إماماً، أحدهما بحذيفة، والآخر بابن عباس. وحديث حذيفة: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) ، وحديث ابن عباس فيه: (اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني) ، ونحو هذا. فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد. وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك. حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية. وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور ـ إن صح ـ فالمراد به الدعاء الذي يُؤمِّن عليه المأموم ـ كدعاء القنوت ـ فإن المأموم إذا أَمَّن كان داعياً، قال الله تعالى لموسى وهرون: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ سورة يونس الآية ٨٩، وكان أحدهما يدعو، والآخر يؤمن. وإذا كان المأموم مؤمناً على دعاء الإمام، فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ، فإن المأموم إنما أمَّن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعاً، فإن لم يفعل، فقد خان الإمام المأموم. فأما المواضع التي يدعو فيها كل إنسان لنفسه ـ كالاستفتاح، وما بعد التشهد، ونحو ذلك ـ فكما أن المأموم يدعو لنفسه، فالإمام يدعو لنفسه. كما يسبح المأموم في الركوع والسجود، إذا سبح الإمام في الركوع والسجود، وكما يتشهد إذا تشهد، ويكبر إذا كبر، فإن لم يفعل المأموم ذلك فهو المفرط. وهذا الحديث لو كان صحيحاً صريحاً معارضاً للأحاديث المستفيضة المتواترة، ولعمل الأمة، والأئمة، لم يلتفت إليه، فكيف وليس من الصحيح، ولكن قد قيل: إنه حسن، ولو كان فيه دلالة لكان عاماً، وتلك خاصة، والخاص يقضي على العام. ثم لفظه (فيخص نفسه بدعوة دونهم) ، يراد بمثل هذا إذا لم يحصل لهم دعاء، وهذا لا يكون مع تأمينهم. وأما مع كونهم مؤمِّنين على الدعاء كلما دعا، فيحصل لهم كما حصل له بفعلهم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: (اللهم إنا نستعينك، ونستهديك) إلى آخره. ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع، ويتبع السنة على وجهها.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/١١٦-١١٨. وبيَّن العلامة ابن القيم هدي النبي ﷺ في الدعاء فقال: [وكان ﷺ يدعو في صلاته فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، وكان يقول في صلاته أيضاً: اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي فيما رزقتني، وكان يقول اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، وكان يقول في سجوده: رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وقد تقدم ذكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.] ثم قال العلامةابن القيم: [والمحفوظ في أدعيته ﷺ في الصلاة كلها بلفظ الإفراد كقوله رب اغفر لي وارحمني واهدني وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ومنها قوله في دعاء الاستفتاح اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث. وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث ثوبان عن النبي ﷺ : (لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) قال ابن خزيمة في صحيحه: وقد ذكر حديث اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث، قال في هذا دليل على رد الحديث الموضوع لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا الحديث عندي في الدعاء لذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه والله أعلم.] زاد المعاد ١/٢٦١-٢٦٤. وقد فسر العلامة علي القاري خيانة الإمام المذكورة في الحديث بقوله: [قال الطيبي: نسب الخيانة إلى الإمام لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه، قلت: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من جانب المأموم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣/١٥٧. وخلاصة الأمر أن الإمام يدعو بصيغة الجمع له وللمصلين في المواطن التي يجهر فيها بالدعاء ويؤمن المصلون على دعائه، كدعاء القنوت في الصلاة، والدعاء في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ونحوها، وأما المواطن التي يُسِر فيها بالدعاء، كالدعاء عند استفتاح الصلاة، والدعاء في السجود، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في آخر التشهد وقبل السلام، فهذه المواطن يجوز للإمام أن يدعو لنفسه خاصة، والمأمومون كلٌ يدعو لنفسه. وعليه فإذا خص الإمام نفسه بالدعاء في هذه المواطن فلا يعتبر خائناً للمأمومين، هذا إن صح الحديث، وهو لم يصح.

стр. 87

٩ - صلاة الجمعة يقول السائل: إنه يسكن في ضاحية من ضواحي مدينة القدس ويحافظ على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك إلا أن بعض الناس من سكان الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة من القدس يتركون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ويذهبون إلى بعض مساجد ضواحي القدس فيصلون فيها بحجة أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فما قولكم في ذلك؟ الجواب: أذكر أولاً بعض ما ورد من فضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء الآية ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء , ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم , والثاني كان قبلة الأمم السالفة , والثالث أسس على التقوى) فتح الباري ٣/٨٤. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ (أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثةً سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد النسائي وابن ماجه وابن حبان وهو حديث صحيح. وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر ﵁ قال (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه) رواه البخاري ومسلم وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد ٤/٧، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب ٢/١٧٥. وعن أبي ذر ﵁ قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/٧ وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٩٠٢، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٩٤. إذا تقرر هذا من مشروعية شد الرحال للمسجد الأقصى المبارك ومن مضاعفة الصلاة فيه فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائماً الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً وأما ما يفعله بعض الناس في أيام الجمعة كما ذكر السائل حيث إنهم يقصدون مسجداً من مساجد ضواحي بيت المقدس فيصلون الجمعة فيه وحجتهم في ذلك أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فهذا كما قال تعالى ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١، وخاصة إن فعله من هم بجوار المسجد الأقصى فيتركون الصلاة في المسجد الأقصى ويصلون في غيره لتلك الحجة الواهية وكأنهم يأخذون العلم من إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل؟؟!!! وينبغي أن أذكر الذين لا يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة فيقيمون عدة صلوات جمعة عند أبواب البلدة القديمة بأن هذا الفعل يؤدي إلى تعدد صلاة الجمعة في أماكن متقاربة مثل باب العمود وباب الساهرة فأرى لهؤلاء أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة. لأن تعدد الجمعة لا يشرع في مثل هذه الحالة. كما وأنبه إلى أنه لا يصح لهم أن يصلوا جمعة مع الإمام في المسجد الأقصى وإن سمعوا صوته لأنه هنالك انقطاعاً كبيراً جداً في الصفوف ولا تصح الجماعة مع هذا الانقطاع الكبير كما هو قول المحققين من العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف) فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول) الفتاوى الكبرى ١/١٦٠ وخلاصة الأمر أن من استطاع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فعليه أن يصلي فيه ولا يلتفت إلى من يدعوه إلى الصلاة في غير المسجد الأقصى المبارك من مساجد أحياء بيت المقدس بحجج واهية.

стр. 88

١٠ - تسوية الصفوف في صلاة الجماعة يقول السائل: هنالك تساهل من كثير من المصلين في تسوية الصفوف في صلاة الجماعة وكذلك فإن بعض أئمة المساجد لا يهتمون بذلك، وبعض المصلين يتضايق عندما يحاول أحد المصلين رص الصف، أرجو توضيح مسألة تسوية الصفوف؟ الجواب: قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقامة الصف من تمام الصلاة] ثم روى بإسناده عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) ثم روى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) ، ثم قال الإمام البخاري: [باب إثم من لم يتم الصفوف] ، ثم روى عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ، قال ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. وروى الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة.) وقال الإمام البخاري أيضاً: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والمراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. وقد ورد الأمر بسد خلل الصف والترغيب فيه في أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجاتٍ للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله.] فتح الباري ٢/٢٧٣. وعن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف، فقال: عباد الله؛ لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يُصَلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سدَّ فرجةً رفعه الله بها درجة.) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٢١. إذا تقرر هذا فإن تسوية الصفوف في صلاة الجماعة من تمام الصلاة أو من إقامة الصلاة، أو من حُسن الصلاة، كما ورد في الأحاديث، وتسوية الصفوف مطلوبة شرعاً إما على سبيل الندب كما هو مذهب جمهور أهل العلم، وإما على سبيل الوجوب كما هو قول الإمام البخاري وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد العثيمين، وعلى كلٍ فإن تسوية الصفوف أمر لابد منه، وهو مطلوب من المصلين عامةً، ومن الإمام خاصةً، فلا بد للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، كما هو ثابت عن رسول الله ﷺ ، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف.] ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري) . وينبغي أن يعلم أنه يدخل في تسوية الصفوف ما يلي: أولاً: إتمام الصف الأول فالأول، لما ثبت في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن كما قال المنذري والحافظ ابن حجر. وبناءً على ذلك قرر أهل العلم أنه لا يجوز ابتداء صفٍ قبل إتمام الصف الذي قبله. ثانياً: التراص في الصف الواحد، بأن يقف المصلون متراصين، ويكون ذلك بإلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، وسبق ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (وقال النعمان بن بشير) هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة ... واستدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرِجْل ـ وهو عند ملتقى الساق والقدم ـ وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه، خلافاً لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم ... ] فتح الباري ٢/٢٧٣-٢٧٤. وروى الإمام أحمد في المسند أن الرسول ﷺ قال: (حاذوا بين المناكب وسدوا الخلل) وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٧٤٣. ومن المؤسف أن بعض المصلين يتركون فرجة بينهم وبين من يقف بجانبهم بحجة عدم التضييق على الآخرين وغيرها من الحجج الواهية، ويتضايقون جداً إذا حاول أحد المصلين التراص في الصف، وينطبق على هؤلاء ما ورد عن بعض السلف: (ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم نفر منك كأنه بغل شموس) . ولا شك أن ترك الفرجات في الصف مخالف لما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (أتموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن خزيمة. وعن أنس ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمدٍ بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف) رواه أبو داود والنسائي. والحَذَف صغار الغنم. ولابد من التنبيه على أمر هام وهو أن تسوية الصف تكون بمحاذاة الكعبين لا بمساواة الأقدام برؤوس الأصابع، قال الشيخ محمد العثيمين: [الصحيح أنّ المعتمد في تسوية الصف، محاذاة الكعبين بعضهما بعضاً، لا رؤوس الأصابع، وذلك لأنّ البدن مركب على الكعب. والأصابع تختلف الأقدام فيها، فقدم طويل وآخر صغير فلا يمكن ضبط التساوي إلا بالكعبين. وأما إلصاق الكعبين بعضهما ببعض فلا شك أنه وارد عن الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يسوون الصفوف بإلصاق الكعبين بعضهما ببعض، أي: أنّ كل واحد منهم يلصق كعبه بكعب جاره لتحقيق المساواة. وهذا إذا تمت الصفوف وقام الناس، ينبغي لكل واحد أن يلصق كعبه بكعب صاحبه لتحقيق المساواة فقط وليس معنى ذلك أنه يلازم هذا الإلصاق ويبقى ملاصقاً له في جميع الصلاة. ومن الغلو في هذه المسألة ما يفعله بعض الناس: تجده يلصق كعبه بكعب صاحبه ويفتح قدميه فيما بينهما حتى يكون بينه وبين جاره في المناكب فرجة، فيخالف السنة في ذلك. والمقصود أنّ المناكب والأكعب تتساوى.] مجموع فتاوى العثيمين ١٣/٥١-٥٢. ثالثاً: المطلوب من المصلي أن يكون ليناً في حركته لا جامداً كأنه جلمود صخر، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الالباني في السلسلة الصحيحة حديث ٦/٧٤، قال أبو داود: [ومعنى (ولينوا بأيدي إخوانكم) إذا جاء رجلٌ إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجلٌ منكبيه حتى يدخل في الصف] ، وقال الإمام النووي: [يستحب أن يفسح لمن يريد الدخول إلى الصف ... ] المجموع ٤/٣٠١. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها) وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق. رابعاً: المقاربة بين الصفوف، فلا يبعد الصف عن الآخر، ويدل على ذلك قوله ﷺ : (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها) . وخلاصة الأمر أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، ومطلوب من الإمام أن يأمر بتسويتها ولا يدخل في الصلاة حتى تسوى الصفوف، وتكون تسوية الصف بإلصاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب، وبمقاربة الصفوف، وإتمام الصف الأول فالأول، وينبغب للمصلي أن يكون ليناً هيناً بأيدي إخوانه المصلين، فيسمح بدخول شخص للصف إن كان هنالك فسحة.

стр. 89

١١ - الدعاء بالأمور الدنيوية في صلاة الفريضة يقول السائل: سمعت أحد المشايخ يقول إنه لا يجوز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة المفروضة، فهل هذا الحكم صحيح، أفيدونا؟ الجواب: لا شك أن الدعاء عبادة عظيمة بل ورد في الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه الإمام النووي في الأذكار ص٣٣٣. قال الإمام ابن العربي المالكي: [وجه تسمية الدعاء عبادة بيِّن، لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد والقدرة لله وذلك غاية الذل والخضوع] عارضة الأحوذي ١٢/٩٠. وقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ تحض على الدعاء بشكل عام كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. وكما في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٤٠. وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق. وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحدٍ يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني المصدر السابق ٣/١٤٠. وغير ذلك من النصوص. ومن أعظم مواطن الدعاء الصلاة – فرضها ونفلها – فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.) رواه مسلم. وقوله (فقمن) قال الإمام النووي: هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع قال: وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير. شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١٤٨. وقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم. إذا ثبت هذا فإنه يجوز للمصلي أن يدعو في صلاته – الفرض والنافلة - بخيري الدنيا والآخرة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الإمام النووي [قال الشافعي والأصحاب: وله أن يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، ولكن أمور الآخرة أفضل وله الدعاء بالدعوات المأثورة في هذا الموطن والمأثورة في غيره وله أن يدعو بغير المأثور ومما يريده من أمور الآخرة والدنيا] ثم نقل عن بعض الشافعية تردده في جواز الدعاء بالأمور الدنيوية ثم قال: [والصواب الذي عليه جمهور الأصحاب أنه يجوز كل ذلك ولا تبطل الصلاة بشيء منه ودليله الأحاديث الصحيحة ... منها أن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ونحو ذلك من الأحاديث] المجموع ٣/٤٧٠. وقال الإمام النووي أيضاً [: مذهبنا أنه يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدين والدنيا كقوله اللهم ارزقني كسباً طيباً وولداً وداراً ... واللهم خلص فلاناً من السجن وأهلك فلاناً وغير ذلك، ولا يبطل صلاته شيء من ذلك عندنا وبه قال مالك والثوري وأبو ثور واسحق ... واحتج أصحابنا بقوله ﷺ " وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء " وفي الحديث الآخر " فأكثروا الدعاء " وهما صحيحان ... فأطلق الأمر بالدعاء ولم يقيده فتناول كل ما يسمى دعاءً، ولأنه ﷺ دعا في مواضع بأدعية مختلفة فدل على أنه لا حجر فيه، وفى الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله تعالي عنه عن النبي ﷺ في آخر التشهد " ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه وأحب إليه وما شاء " وفى رواية مسلم كما سبق في الفرع قبله وفى رواية أبي هريرة " ثم يدعو لنفسه ما بدا له " قال النسائي وإسناده صحيح كما سبق] المجموع ٣/٤٧١. ومما يدل على جواز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة مطلقاً أعني فرضاً كانت أم نافلة ما يلي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في صلاة قلنا السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ (لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه) رواه البخاري قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) زاد أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه " فيدعو به " ونحوه النسائي من وجه آخر بلفظ " فليدع به " ولإسحاق عن عيسى عن الأعمش " ثم ليتخير من الدعاء ما أحب " وفي رواية منصور عن أبي وائل عند المصنف في الدعوات " ثم ليتخير من الثناء ما شاء " ونحوه لمسلم بلفظ " من المسألة ". واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاووس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثوراً، قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم، وكذا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح في أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقاً لا يجوز.] فتح الباري ٢/٤١٥. وجاء في رواية عند مسلم: (ثم يتخير من المسألة ما شاء) قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (ثم يتخير من المسألة ما شاء) فيه استحباب الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، وفيه أنه يجوز الدعاء بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثماً، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨٩. واختار القول بجواز الدعاء بالأمور الدنيوية جماعة من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين منهم الشيخ ابن قدامة المقدسي حيث قال: [وحكى عنه ابن المنذر – أي عن الإمام أحمد - أنه قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه؛ من حوائج دنياه وآخرته. وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لظواهر الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: " ثم ليتخير من الدعاء “، وقوله: " ثم يدعو لنفسه بما بدا له “. وقوله: " ثم ليدع بعد بما شء “ ... ولأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يدعون في صلاتهم بما لم يتعلموه، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ ... ولما قال النبي ﷺ : (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) لم يعين لهم ما يدعون به، فدل على أنه أباح لهم كل الدعاء ... ] المغني ١/٤٩٣-٤٩٤. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال بعد أن ذكر أقوال العلماء: [وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولم يوقت في دعاء الجنازة شيئاً، ولم يوقت لأصحابه دعاءً معيناً، كما وقت لهم الذكر، فكيف يقيد ما أطلقه الرسول ﷺ من الدعاء] مجموع الفتاوى ٢٢/٤٧٨. واختار هذا القول أيضاً الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حيث قال بعد أن ساق الأدلة السابقة: [وهي تدل على شرعية الدعاء في هذه المواضع بما أحبه المسلم من الدعاء سواء كان يتعلق بالآخرة أو يتعلق بمصالحه الدنيوية بشرط ألا يكون في دعائه إثم ولا قطيعة رحم والأفضل أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي ﷺ ] فتاوى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، واختاره أيضاً الشيخ العلامة العثيمين حيث قال جواباً على السؤال التالي: هل يصح أن يدعو بشيء يتعلق بالدنيا؟ فيقول مثلاً: اللهم ارزقني زوجة صالحة، أو داراً واسعة أو ما أشبه ذلك؟ فأجاب: نعم يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) والإنسان مفتقر إلى ربه في حوائج دينه ودنياه. ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا، فقوله ضعيف؛ لأنه يخالف عموم قول الرسول ﷺ : "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ] فتاوى الشيخ العلامة العثيمين. وخلاصة الأمر أن الدعاء في الصلاة مشروع بل مندوب إليه، ولا فرق بين صلاة الفريضة والنافلة، ويجوز الدعاء بأمور الآخرة والدنيا، ولكن أفضل الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ .

стр. 90

١٢ - لا يجوز ترك حضور خطبة الجمعة بسبب نوعية الخطبة يقول السائل: هل يجوز لي أن لا أذهب يوم الجمعة إلى المسجد إلا بعد انتهاء الخطيب من خطبة الجمعة، لأن الخطيب في مسجدنا غير مؤهل وموضوعات خطبه مكررة ولا تعالج القضايا الهامة، أفيدونا؟ الجواب: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: [ ﴿ذكر الله﴾ أي الصلاة، وقيل الخطبة والمواعظ، قاله سعيد بن جبير. – قال - ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع، وأوله الخطبة. وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة. والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته، لأن المستحب لا يحرم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. والعبد يكون ذاكراً لله بفعله كما يكون مسبحاً لله بفعله] تفسير القرطبي ١٨/١٠٧. وقد قال جمهور الفقهاء: إن خطبة الجمعة شرط لصحة صلاة الجمعة، فلابد من خطبة تسبق صلاة الجمعة، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ونقل عن عطاء والنخعي وقتادة والثوري وإسحاق وأبي ثور ونقله القاضي عياض عن كافة العلماء، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال - أي الخرقي -: فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما ً. وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها كذلك قال عطاء والنخعي ,، وقتادة والثوري والشافعي ,، وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا ً, إلا الحسن قال: تجزئهم جميعهم، خطب الإمام أو لم يخطب، لأنها صلاة عيد , فلم تشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى، ولنا قول الله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والذكر هو الخطبة ,، ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال وقد قال: (صلوا كما رأيتمونى أصلي) ، وعن عمر ﵁ أنه قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقول عائشة نحو من هذا] المغني٢/٢٢٤، وانظر المجموع ٤/٥١٤، بدائع الصنائع ١/٥٨٩. إذا تقرر هذا فإن خطبة الجمعة لها شأن عظيم عند الله فهي ذكرٌ لله كما سماها الله في كتابه الكريم، وهي شعيرة من شعائر الدين، وقد صح في الحديث أن الملائكة تشهدها فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة - أي ناقة - ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم. وإذا كان لخطبة الجمعة هذه المكانة فإن كثيراً ممن يصعدون المنابر اليوم ما هم بخطباء على الحقيقة، بل هم أشباه خطباء، فليس كل من صعد المنبر يسمى خطيباً، قال محمد كاتب المهدي ـ وكان شاعراً راويةً وعالماً في النحو ـ: سمعت أبا داود بن جرير يقول ـ وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام ـ فقال: [رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحُليُّها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ] البيان والتبيين. إن كثيراً ممن يصعدون المنابر اليوم لا يقدرون قيمة هذا المنبر ولا يعطونه الأهمية التي يستحقها لأن مواصفات الخطيب الناجح بعيدة عنهم كل البعد، كما أنه لا تبذل جهود حقيقية للرقي بخطيب الجمعة وإعداده إعداداً صحيحاً ليقوم بهذه المهمة العظيمة، بعض من يصعدون المنابر في بلادنا يسيئون لخطبة الجمعة، فمثلاً بعض هؤلاء إذا اعتلى المنبر نظر للمصلين نظرة فوقية، فيبدأ بتوجيه اللوم لهم وكأنهم مسئولون عن كل النكبات التي حلت بالأمة الإسلامية، ولا تسمع منه إلا ذكر المصائب والآلام ويقتل روح الأمل في نفوس المصلين، مع أن واجب الخطيب الناجح أن يبعث الأمل في نفوس المصلين، ويغرس الثقة بالله في نفوس الناس، قال علي رضي الله تعالى عنه: [ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى. قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر] . جامع بيان العلم ٢/٥٥. ولا شك أن الأمة الإسلامية تمر في ظروف عصيبة ولكن هذا الظرف لا يدفعنا إلى القنوط واليأس، فالأمة تحتاج إلى خطيب يبعث الأمل، ويشحذ الهمم، ويمسح مرارة الأحداث، ولا شك أن الأمة المسلمة تسير إلى خيرٍ وتمكين، والوعد الرباني بنصر الإسلام والمسلمين سيتحقق بإذن الله : قال تعالى ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ سورة آل عمران ١٤٠. وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن عبد الله بن عياض قال دخل عبيد بن عمير على عائشة فسألت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير. قالت: عمير بن قتادة؟ قال: نعم يا أمتاه. قالت: أما بلغني أنك تجلس ويجلس إليك؟ قال: بلى يا أم المؤمنين، قالت: فإياك وتقنيط الناس وإهلاكهم] مصنف عبد الرزاق ٣/ ٢١٩-٢٢٠. وقد كان من هدي النبي ﷺ التفاؤل فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن أو الفأل الصالح) كما في روايات الحديث، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فلا يقبل من خطيب الجمعة أن ينظر نظرة سوداء متشائمة، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) رواه مسلم، ففي الحديث ذم للتشاؤم وتقنيط الناس، وفيه أيضا ذم من زكى نفسه وتنقص غيره بغير حق. قال الإمام النووي: [واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس، واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم، لأنه لا يعلم سر الله في خلقه. قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه كما قال: لا أعرف من أمة النبي ﷺ إلا أنهم يصلون جميعاً. هكذا فسره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه. وقال: الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساؤهم، ويقول: فسد الناس، وهلكوا، ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم. والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣٤-١٣٥. وبعض من يصعدون المنابر في بلادنا لا يخاطبون الناس على قدر عقولهم، فتراه يتكلم في موضوع يثير العامة عليه، فلا يحسن اختيار موضوع الخطبة، فليس كل حقٍ يصلح أن يذكر على المنابر، فهنالك أمور لا تطرح على العامة، لأنهم قد لا يستوعبونها، أو تخالف ما ألفوه وعرفوه، فيحتاج الأمر إلى تمهيد وإعداد وليس محل ذلك خطب الجمعة، لذا ينبغي أن يكون الخطيب حصيفاً عند اختيار موضوع الخطبة، ولا يقبل أن يتناول الخطيب موضوعاً يثير العامة عليه، وقد يؤدي ذلك إلى إحداث فوضى في المسجد وصياح واعتراض على الخطيب وينتهي الأمر بأن يقوم بعض العامة بسحب الخطيب عن المنبر، فلا شك أن هذا حمق، وقصر نظر من الخطيب، وإساءة بالغة لخطبة الجمعة وتضييع لهيبتها من نفوس الناس، وكذا فيه إساءة لأدب المسجد، إن من مقتضيات نجاح الخطيب أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وعلى الخطيب أن يعلم أنه يستحيل إصلاح الناس في خطبة واحدة، قال العلامة ابن القيم ﵀ واصفاً خطب النبي ﷺ : [وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم] زاد المعاد١/ ١٨٩. وقال ابن عباس ﵄ عمن وعظ العوام: [ليحذر الخوض في الأصول فإنهم لا يفهمون ذلك، لنه يوجب الفتن، وربما كفروه مع كونهم جهلة] الآداب الشرعية ٢/٨٧. وقال ابن مفلح المقدسي الحنبلي: [ومن التغفيل تكلم القصاص عند العوام الجهلة بما لا ينفعهم، وإنما ينبغي أن يخاطب الإنسان على قدر فهمه ومخاطبة العوام صعبة، فإن أحدهم ليرى رأياً يخالف فيه العلماء ولا ينتهي ... فالحذر الحذر من مخاطبة من لا يفهم بما لا يحتمل ... فاحذر العوام كلهم، والخلق جملة ... ] الآداب الشرعية ٢ / ٨٧-٨٨. ومع أن المقام لا يتسع لتفصيل صفات الخطيب الناجح، فقد كتبت فيه مؤلفات، فلا بد أن أذكر أن من عوامل نجاح الخطيب أن لا يتعرض للأمور الخلافية المحتملة، وأن لا يتعصب لرأيه، وأن يبتعد عن التجريح للأشخاص والجماعات مع التصريح بأسمائهم، فلا شك أن هذا على خلاف الهدي النبوي فقد صح عن النبي ﷺ في أكثر من مناسبة أنه كان يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) – كما في البخاري ومسلم وكتب السنن - دون أن يذكرهم بأسمائهم. وخلاصة الأمر أن خطبة الجمعة فريضة، وأنه لا يجوز لأحد أن يترك حضور خطبة الجمعة عمداً، لأن خطيب الجمعة لا يعجبه، أو أن خطيب الجمعة يطرح أموراً بعيدة عن واقع الأمة، فالأمة تذبح من الوريد إلى الوريد وهو يتحدث عن خطأ يقع فيه أحد المصلين، فلكل مقام مقال، ولا بد من الاهتمام بخطبة الجمعة، وأن يعاد تأهيل من يصعدون المنابر تأهيلاً علمياً صحيحاً حتى يستحقوا وصف خطيبٍ حقيقةً لا مجازاً.

стр. 91

١٣ - استعمال مكبرات الصوت في المسجد للإعلان عن الوفاة يقول السائل: هل يجوز إعلان وفاة شخص باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، وهل يعتبر هذا من النعي المحرم، أفيدونا؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات) . رواه البخاري ومسلم، والنعي المذكور في الحديث هو الإخبار عن وفاة الشخص قال الإمام الترمذي: [والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته] سنن الترمذي ٣/٣١٣. وقال الحافظ ابن عبد البر [وفيه- أي حديث نعي النجاشي- إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها ليجتمع إلى الصلاة عليها، وفي ذلك رد قول من تأول نهى رسول الله ﷺ عن النعي أنه الإعلام بموت الميت للاجتماع إلى جنازته، روي عن ابن مسعود أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإني أخشى أن يكون كنعي الجاهلية، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أنا مت فلا تقولوا للناس مات سعيد حسبي من يبلغني إلى ربي، وروي ذلك عن ابن مسعود قال: حسبي من يبلغني إلى حفرتي، وعن علقمة أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإن ذلك من النعي والنعي من أمر الجاهلية، وروي عن طائفة من السلف مثل ذلك قد ذكرتهم والأخبار عنهم في التمهيد، وروي عن ابن عون قال: قلت لإبراهيم أكان النعي يكره قال: نعم قال: وكان النعي أن الرجل يركب الدابة فيطوف ويقول أنعي فلاناً، قال ابن عون وذكرنا عن ابن سيرين أن شريحاً قال: لا تؤذنوا لجنازتي أحداً فقال إن شريحاً كان يكتفي بذكره ولا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه حميمه، وفي قول رسول الله ﷺ (من صلى على جنازة كان له من الأجر كذا) ، وقوله ﵇ (لا يموت أحد من المسلمين فتصلي عليه أمة من الناس يبلغون أن يكونوا مئة فيشفعون له إلا شفعوا فيه) ، وعنه ﵇ (ما من مسلم يصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب) ، دليل على إباحة الإنذار والإشعار بالجنازة والاستكثار من ذلك للدعاء وإقامة السنة في الصلاة عليها، وقد أجمعوا أن شهود الجنائز خير وفضل وعمل برٍ، وأجمعوا أن الدعاء إلى الخير من الخير، وكان أبو هريرة ﵁ يمر بالمجالس فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته، فإن قيل إن ابن عمر كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ثم خرج بجنازته، قيل قد روي عنه خلاف ذلك في جنازة رافع بن خديج لما نعي له قال كيف تريدون أن تصنعوا له؟ قالوا نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قريات حول المدينة ليشهدوا جنازته قال: نِعمَ ما رأيتم] الاستذكار ٨/٢٣٢-٢٣٣. وقال الإمام العيني: [ذكر ما يستنبط منه - أي من حديث نعي النجاشي- من الأحكام وهو على وجوه: الأول فيه إباحة النعي وهو أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته، وقال بعض أهل العلم لا بأس أن يعلم الرجل قرابته وإخوانه، وعن إبراهيم لا بأس أن يعلم قرابته، وقال شيخنا زين الدين: إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه استحسنه المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم وذكر صاحب الحاوي من أصحابنا وجهين في استحباب الإنذار بالميت وإشاعة موته بالنداء والإعلام: فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب لما فيه من كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره، وقال النووي والمختار استحبابه مطلقاً إذا كان مجرد إعلام] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٦/٢٦. وينبغي أن يعلم أن استعمال مكبرات الصوت في المساجد للإعلان عن وفاة الميت، إنما هو استخدام لوسيلة حديثة لإخبار الناس عن وفاة الشخص، وهذا أمر جائز لا بأس به ما دام الهدف منه هو مجرد الإخبار فقط، وهذا من النعي الجائز شرعاً، والنعي ليس كله محرم، وإنما المحرم نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المآثر والمفاخر، وعلى هذا يحمل النهي الوارد عن النعي كما في الحديث عن حذيفة ﵁ قال: (إذا متُّ فلا تؤذنوا بي، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني. وأما النعي الذي هو مجرد إخبار بالوفاة فقط ليشهد الناس الصلاة على الميت وليشهدوا جنازته ودفنه، فأمر مستحب لأنه وسيلة لأمور مندوبة ومستحبة، والوسائل لها أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام١/٤٦. ومما يدل على جواز هذا النعي ما ورد في الحديث عن يزيد بن ثابت ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فلانة مولاة بني فلان، قال: فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: ماتت ظهراً وكنت قائلاً صائماً فكرهنا أن نؤذيك قال: فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة، ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً) رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم قاله العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ٨٩. ويدل عليه ما ورد عن أبى هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شاباً - ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها - أو عنه - فقالوا مات. قال: أفلا كنتم آذنتموني، قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره – فقال: دلوني على قبره، فدلوه فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) رواه مسلم. ويدل عليه أيضاً ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أخذ الراية زيد فأصيب, ثم أخذها جعفر فأصيب, ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب) وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان, (ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرةٍ ففتحَ له) . رواه البخاري. وفي رواية أخرى عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) رواه البخاري. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن رشيد أحد شرَّاح صحيح البخاري قوله: [وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعونه فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام ... وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن، قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات، الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم] فتح الباري ٣/١٥٠-١٥١. وقال الإمام النووي: [والصحيح الذي تقتضتيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها، أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين، فهو مستحب، وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين] المجموع ٥/٢١٦. وقال العلامة الألباني: [ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك] أحكام الجنائز ص٣٢. وخلاصة الأمر أن الإخبار عن وفاة الميت باستعمال مكبرات الصوت في المساجد أمر جائز شرعاً، ومثل ذلك الإعلان عن وفاة الميت باستخدام الوسائل الحديثة كتداول الرسائل عبر الهواتف النقالة والبريد الإلكتروني وشبكة الإنترنت وغيرها بشرط أن يكون الإخبار خالياً من ذكر المآثر والمفاخر.

стр. 92

١٤ - ما ينبغي مراعاته عند بناء المسجد يقول السائل: ضاق المسجد الذي نصلي فيه بأهله وتداعى أهل الخير لتوسعته، ولكن تبين لهم أن المسجد قد بني بتصميم يجعل من توسعته أمراً صعباً جداً من الناحية الهندسية إلا إذا هدم معظم المسجد القائم، فهل نهدم المسجد ونبنيه من جديد، أفيدونا؟ الجواب: بناء المساجد من الأمور المرغب فيها شرعاً وهو باب من أبواب الخير ومن الصدقة الجارية وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩-١١١. إذا تقرر هذا فإن بناء المسجد له خصوصية من الناحية العمرانية، فبناء المسجد ليس كبناء البيت، وإنما هنالك خصوصيات في بناء المسجد أذكر أهمها: أولاً: تحديد اتجاه القبلة بطريقة صحيحة، فإن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة الآية ١٥٠، ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأً كبيراً في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة، [فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجّه المصلي إلى جهة الجنوب بناءً على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يميناً أو يساراً حتّى ٤٥ درجة فإنّه يظل متّجهاً إلى جهة الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتّجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأنّ كلّ جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب ٩٠ درجة. فإذا وصل إلى ٤٥ درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجّه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجّه إلى الغرب الجنوبي... فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد] . ثانياً: التقليل ما أمكن من عدد الأعمدة داخل المسجد، لأن الأعمدة تقطع اتصال الصفوف، وقد قرر العلماء كراهية الصف بين الأعمدة لغير حاجة من ضيق ونحوه، وقد وردت بعض الأحاديث التي تدل على كراهية الصف بين السواري فمن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده عن عبد الحميد بن محمود قال: (صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ... قال أبو عيسى – أي الترمذي -: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه يقول أحمد وإسحق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢/١٩. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: [كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً] رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وكذلك لا بد من الاهتمام بقضية الصفوف في المسجد وخاصة الصف الأول فعند بناء المسجد على شكل دائري مثلاً، فإن هذا يؤدي إلى إرباكٍ في الصفوف وتقليل حجم الصف الأول وغيره، لذا لا بد للمهندسين من أخذ هذه القضية بالاعتبار عند تصميم المسجد. ثالثاً: الاقتصاد عند بناء المسجد فليس هنالك داعٍ للزخارف الفخمة والثريات الباهظة الثمن والقباب المذهبة والمآذن الطويلة، بل يجب أن يكون المسجد في غاية البساطة مع الاتساع وتوفر المرافق المريحة للمصلين كالحمامات النظيفة ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة الجيدة وغير ذلك، ولا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المساجد التي تبنى في أيامنا هذه يلاحظ فيها المبالغة في البناء وإنفاق الأموال الطائلة في زخرفة المسجد وتزيينه، وقد سمعنا عن بعض المساجد التي كلف الواحد منها مئات الملايين مع أن الناس يعانون من الفقر في تلك البلاد، فكان أولى أن تنفق تلك الأموال لسد حاجات الناس الضرورية. ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام الصحيح المبالغة في بناء المسجد ولا إنفاق الملايين عليه مباهاةً وتفاخراً. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في الحديث عن ذلك فقد جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه ابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/١٢٣٧. وقال الشيخ الشوكاني: [أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها] نيل الأوطار ٢/١٦٩. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بنيان المسجد وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصَفّر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً] . وقال الحافظ ابن حجر قوله: [ثم لا يعمرونها: المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد به بنيانها ...] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٨٥-٨٦. وورد في الحديث عن الرسول ﷺ : (ما أمرت بتشييد المساجد) رواه أبو داود وابن حبان وصححه. قال الإمام البغوي: (والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله : ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وهي التي طول بناؤها... وقال أبو الدرداء ﵁: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم) شرح السنة ٢/٣٤٩-٣٥٠. وقال ابن رسلان معلقاً على حديث الرسول ﷺ السابق: [وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة إخباره ﷺ عما يقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية] نيل الأوطار ٢/١٦٨. رابعاً: العناية التامة بمرافق المسجد الملحقة به، مثل دورة المياه والمتوضأ، فلا بد أن تتحقق الشروط الصحية في هذه المرافق من حيث التهوية والنظافة وتناسب الأدوات المستخدمة فيها مع طريقة استعمالها فمثلاً ينبغي أن تكون صنابير المياه من النوع الذي يسمح بعملية الوضوء بشكل سهل، وأذكر أنني رأيت متوضأً وضعت فيه حنفيات قصيرة العنق لا تسمح للمتوضئ أن يغسل رجليه، وكذلك يقال في كراسي المراحيض. وكذلك الاهتمام بوجود ساحات حول المسجد لوقوف السيارات. خامساً: الاهتمام بعدة أمور عند بناء المسجد، كعملية العزل لمنع تدفق المياه إلى المسجد خلال فصل الشتاء، وكذا لحفظ المصلين من حرارة الصيف، وكذا موضع الشبابيك فينبغي أن تكون في مكان مناسب من المسجد للتهوية وإدخال الضوء، وألا تكون في قبلة المصلين بشكل مباشر. وكذا العناية بأبواب المسجد بحيث تكون متناسبة مع حجم المسجد، فالمسجد الكبير الواسع لا بد له من عدة أبواب، حتى لا يزدحم المصلون عند الخروج من المسجد، وكذا لا ينبغي أن تكون أبواب المسجد في جهة القبلة لما يترتب عليه من قطع الصفوف الأولى، وكذلك لا بد من الاهتمام بالشبكة الكهربائية للمسجد من حيث الإضاءة والمراوح والمكيفات وأن تكون مفاتيح التحكم فيها في مكان خاص يضبطه موظف المسجد، حتى لا تكون عرضة لأمزجة المصلين، وكذلك لا بد من الاهتمام بأماكن وضع الأحذية، وغير ذلك من الأمور التي يجب أن تراعى عند بناء المساجد، وبمناسبة الحديث عن بناء المساجد فإنني أدعو المهندسين المعماريين لوضع أسس لبناء المسجد تكون متفقة مع ثقافة المسجد في الإسلام ولا بد من التعاون في ذلك مع أهل العلم الشرعي. سادساً: لا بد من الاهتمام بمصلى النساء عند بناء المسجد ابتداءً، ومراعاة دخولهن وخروجهن بطريقة مشروعة، والأخذ بعين الاعتبار حاجاتهن الخاصة. سابعاً: عند التفكير في بناء مسجد جديد لا بد أن يكون بعيداً عن أي مسجد قائم، فلا يجوز بناء مسجد جديد بقرب المسجد القديم ما دام أن المسجد القديم يتسع لأهل الحي، لأن من المقاصد التي بنيت لها المساجد جمع أكبر عدد من المصلين في المسجد الواحد ليتعاونوا ويتعارفوا. كما أن الله جعل الثواب العظيم لمن يمشي إلى المسجد للصلاة ولو كان بعيداً كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) رواه البخاري ومسلم. وإنّ بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم يعتبر من باب الضرار عند العلماء لأنه سيؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين. وقد اعتبر الإمام السيوطي أن كثرة المساجد في المحلة الواحدة من المحدثات المخالفة لهدي الرسول ﷺ . انظر كتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٣٠٠. وخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً هدم المسجد من أجل تحقيق مصلحة شرعية كإعادة بنائه أو توسعته أو نحو ذلك من الأسباب الشرعية، كم ينبغي مراعاة عدة أسس وقواعد عند بناء المساجد ذكرت أهمها.

стр. 93

١٥ - الفرق بين المسجد والمصلى يقول السائل: يوجد في المؤسسة التي أعمل فيها مصلىً نصلي فيه صلاة الظهر غالباً وأحياناً نصلي صلاة العصر، وقد حصل نقاش بين الموظفين في تحية المسجد عند دخولنا لهذا المصلى، فأحد الموظفين يقول نصلي تحية المسجد لأن له حكم المسجد، فما قولكم في المسألة، أفيدونا. الجواب: الأصل في المسجد أنه كل موضع من الأرض لقول النبي ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً) رواه البخاري، قال الإمام الزركشي: [ثم العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص١٤. وأما المصلى فهو المحل المهيأ للصلاة في الفضاء والصحراء حيث تقام فيه صلاة العيد والاستسقاء، ويلحق بذلك ما تعارف عليه الناس من تخصيص غرفة في مؤسسة أو مستشفى أو شركة ونحوها لأداء الصلاة. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٧/١٩٥. قال الإمام النووي ﵀: [المصلى المتخذ للعيد وغيره، الذي ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب. وبه قطع الجمهور. وذكر الدارمي فيه وجهين وأجراهما في منع الكافر من دخوله بغير إذن، ذكره في باب صلاة العيد، وقد يحتج له بحديث أم عطية في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى، ويجاب عنه بأنهن أمرن باعتزاله ليتسع على غيرهن وليتميزن] المجموع ٢/١٨٠. ويجوز اتخاذ المصلى في محل العمل، وإن كان الأصل أن تؤدى الصلوات في المساجد، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عتبان بن مالك ﵁ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: قد أنكرت بصري أنا أصلي بقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي المسجد فأصلي بهم، وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، فقال له رسول الله ﷺ : (سأفعل إن شاء الله) . قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تحب أصلي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه سلم فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم ... ) رواه البخاري ومسلم. وقد ثبت في السنة المشرفة التفريق بين المسجد وبين المصلى فالمسجد له أحكام خاصة به لا يشاركه فيها المصلى ومنها تحية المسجد، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وثبت في رواية أخرى عن جابر أيضاً قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس. فقال رسول الله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. وعن أبي قتادة ﵁ قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه مسلم. وقد صح من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي صلاة العيد في المصلى فإذا وصل إلى المصلى بدأ الصلاة من غير أذان ولا إقامة فكان يصلي ركعتين فيهما تكبيرات زوائد، وما كان يصلي تحية المسجد، فقد جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ : (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة، وقال الحافظ العراقي إسناده صالح، ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (كان النبي ﷺ الناس يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه. فهذا الحديث يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد. وكذلك فقد كان من هدي النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء أنه يصليها في المصلى كما ورد في حديث ابن عباس ﵄، وقد سئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال: (خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه. وهذا الحديث أيضاً يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد. ومما يدل على التفريق بين المسجد والمصلى أنه يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد، قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في المصليات. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يذبح أضحيته في المصلى، ومعلوم أن ذلك لا يصح في المسجد، فقد ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى) . رواه البخاري. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ في قصة ماعز الأسلمي ﵁ أنه لما زنا (أمر به - النبي ﷺ فرجم بالمصلى) رواه البخاري. ومعلوم أن الحدود لا تقام في المسجد. ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن المسجد لا يجوز تحويله إلى شيء آخر بشكل عام، لأن المسجد وقف لله تعالى، وأما المصلى فلا حرج في تحويله إلى مكتب أو نحوه ما لم يكن موقوفاً للصلاة فيه. ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن الصلاة مع الجماعة في المسجد أفضل بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة كما ورد عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) . وكذلك فإن من أحكام المسجد الخاصة به أنه لا يجوز البيع والشراء فيه وكذلك نشد الضالة لما ورد في الحديث من قوله ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا: لا رد الله عليك) رواه الترمذي والدارمي وهو حديث صحيح. وروى أبو داود بسنده: (أن الرسول ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الإمام الترمذي وحسنه العلامة الألباني أيضاً. ولا بد من التذكير بمكانة بتحية المسجد فالتحية هي ما يُحيّا به الشيء أو يعظم به، ومن هنا جاءت تحية المسجد والأصل أنها تحية لرب المسجد، لأن المقصود بها التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد. وتحية المسجد سنة مؤكدة عند جماهير أهل العلم، وقال بعض العلماء بوجوبها، والأول أرجح، ومما يدل على عدم الوجوب ما رواه البخاري في (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها) حيث روى بسنده عن أبي واقد الليثي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل إثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله ﷺ قال (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ففي هذا الحديث لم ينكر انبي ﷺ على من جلس في الحلقة أو وراءها ولم يصل التحية. وخلاصة الأمر أن تحية المسجد خاصة بالمساجد فقط، وأما المصليات فلا تحية لها، وينبغي على المسلم أن يحافظ على تحية المسجد كلما دخل المسجد لما ورد فيها من أحاديث.

стр. 94

١٦ - حديث (صلوا خلف كل بر وفاجر) يقول السائل: ما صحة الحديث الوارد في الصلاة خلف كل بر وفاجر، أفيدونا؟ الجواب: روي في الحديث عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول اللَّه ﷺ : الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) . رواه أبو داود، ورواه الدارقطني بمعناه، ورواه البيهقي وغيره بلفظ (صلوا خلف كل برٍ وفاجر وصلوا على كل برٍ وفاجر وجاهدوا مع كل برٍ وفاجر) . وخلاصة كلام المحدثين أن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال الدارقطني: ليس في هذه الأحاديث شيء يثبت، وقد فصَّل الإمام الزيلعي الكلام على هذا الحديث في نصب الراية ٢/٢٦-٢٩. وقال العلامة الألباني [وأما حديث " صلوا خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر. . . " فهو ضعيف الإسناد كما أشرت إليه في " الشرح " وبينته في " ضعيف أبي داود " (٩٧) و" الإرواء " (٥٢٠) ولا دليل على عدم صحة الصلاة وراء الفاسق وحديث " اجعلوا أئمتكم خياركم " إسناده ضعيف جداً كما حققته في " الضعيفة " (١٨٢٢) ولو صح فلا دليل فيه إلا على وجوب جعل الأئمة من الأخيار وهذا شيء، وبطلان الصلاة وراء الفاسق شيء آخر لا سيما إذا كان مفروضاً من الحاكم. نعم لو صح حديث " ولا يؤم فاجر مؤمناً " لكان ظاهر الدلالة على بطلان إمامته ولكنه لا يصح أيضاً من قبل إسناده كما بينته في أول " الجمعة " من " الإرواء " رقم ٥٩١.] من تعليق الألباني على العقيدة الطحاوية، عن شبكة الإنترنت. ومع أن هذا الحديث ضعيف وكذا ما جاء في معناه إلا أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة تصح خلف الفاسق وتصح صلاة الجنازة عليه، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في المعتمد عندهم وهو رواية في مذهب الحنابلة وهو قول أهل الظاهر، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - صاحب العقيدة الطحاوية وهي العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة -: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم. وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي [قال ﷺ (صلوا خلف كل بر وفاجر) رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁ وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له الدارقطني أيضاً وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل بالكبائر والجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) ، وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، وفي صحيحه أيضاً أن النبي ﷺ : قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطأوا فلكم وعليهم) وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها. اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف وكذلك أنس ﵁ كما تقدم وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً ثم قال أزيدكم فقال له ابن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، وفي الصحيح أن عثمان بن عفان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان إنك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة فقال يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. ومن ذلك أن من أظهر بدعةً وفجوراً لا يترتب إماماً للمسلمين فإنه يستحق التعزيز حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسن الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك في كتب الفروع] شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٣. وقال أبو بكر الإسماعيلي: [ويرون – أي أهل السنة والجماعة - الصلاةَ الجمعة وغيرها خلف كل إمام مسلم، براً كان، أو فاجراً، فإن الله فرضَ الجمعة، وأمر بإتيانها فرضاً مطلقاً مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتاً دون وقت، ولا أمراً بالنِّداء للجمعة دون أمر.] اعتقاد أهل الحديث ص٧٥-٧٦ عن شبكة الإنترنت. وقال الإمام الشوكاني [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث: (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه) وحديث: (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمناً) ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق كحديث: (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه) وحديث: (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض، وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة وليس المقام مقام بسط الكلام في ذلك.] نيل الأوطار ٢/٢٨. وقال الإمام الشوكاني أيضاً [ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائرين لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى ... والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره وقد اعتضد هذا الأصل بما ذكر المصنف وذكرنا من الأدلة وبإجماع الصدر الأول عليه وتمسك الجمهور من بعدهم به فالقائل بأن العدالة شرط كما روي عن العترة ومالك بن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل ينقل عن ذلك الأصل] نيل الأوطار ٣/١٨٥- ١٨٦. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [والصواب عندنا أن الصلاة تصح خلف الفاسق، لكن الصلاة خلف غيره أولي وأكمل.] فتاوى العثيمين. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث غير ثابت عن النبي ﷺ ومع ضعفه فإن الصلاة خلف الفاسق صحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 95

١٧ - انتهاك حرمة المساجد من الفرق الكشفية المصحوبة بالآلات الموسيقية والطبول يقول السائل: ما قولكم فيما حصل في بعض المساجد من دخول الفرق الكشفية مصحوبة بالآلات الموسيقية والطبول وقيامها بالعزف في ساحة المسجد إحياء للاحتفالات الدينية كما يُزعم، أفيدونا؟ الجواب: قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ سورة النور الآيتان ٣٦ - ٣٧. البيوت المذكورة في الآية الكريمة هي المساجد كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري ورجحه القرطبي في تفسيره ١٢/٢٦٥، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في المساجد أنها تبنى لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة، والمساجد لها أحكام خاصة بها وآداب لا بد من المحافظة عليها كي تبقى للمسجد هيبته وحرمته في نفوس المسلمين لذا يمنع المسلم من فعل أمور كثيرة في المساجد مع أنه يجوز فعلها خارج المساجد وقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ (أن رجلاً نشد في المسجد – أي طلب ضالة له - فقال النبي ﷺ : من دعا إلى الجمل الأحمر؟ لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) رواه مسلم. قال الإمام النووي [في هذين الحديثين فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويُلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد ... وقوله ﷺ (إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها] شرح النووي عل مسلم ٢/٢١٥. وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر ذكر حديث بريدة السابق: [وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه؛ فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه دعوه) . فتركوه حت بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ... وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت!] تفسير القرطبي ١٢/٢٦٩. وورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني. وقد همّ عمر بن الخطاب ﵁ بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد فقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل - أي رماني بحصاة - فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . ونقل العينى عن المحب الطبري قوله: [إن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص] عمدة القاري ٦/٢٧٠. ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي [ ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. ولا شك أن المساجد داخلة في عموم شعائر الله. إذا تقرر هذا فإنه يجب تنزيه المساجد عن إقامة الاحتفالات التي تكون مصحوبة بفرق الإنشاد والموسيقى مع ضرب الدفوف أو فرق الكشافة المصحوبة بالطبول والأجراس، لأن هذا يشكل مخالفة واضحة لمنهج الإسلام. ويحاول بعض الناس إلباس هذه المناسات لباس الدين وليس لها أصل صحيح في دين الله وإنما هي من المحدثات المبتدعات. وإن من الغرائب والعجائب أن نقرأ في برنامج الإعلان عن إحياء موسم النبي موسى ﵇ الفعاليات الآتية التي ستعقد في الموسم: دبكة شعبية، فرقة موسيقية وعزف على العود مع غناء وطني، زجل شعبي، صندوق العجب، عرض دمى، ورشة رسم على الوجوه مهرجين، عزف على الآلات الشرقية ... إلخ وهذه ستعقد في المقام وهو في الأصل مسجد، إن هذه الأمور مشتملة على مخالفات شرعية بينة، وإن ألبست لباس التراث الشعبي أو لباس الوطنية أو لباس الثقافة فهذه الأمور لا تفعل في بيوت الله ، وقد كنت بحثت مسألة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇ في كتابي (إتباع لا ابتداع ص ١٨٨- ٢٠٠ حيث ذكرت الأحكام الشرعية المتعلقة بها) وبينت أن الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇ من البدع القديمة المتجددة وأن هذا الاحتفال في لبه ولحمته وسداه مخالف لدين الله ولسنة رسول الله ﷺ وأنه ترتكب فيها المخالفات الشرعية الكثيرة باسم الدين وأن الإسلام بريء من هذه الاحتفالات التي تنسب إلى الدين زوراً وبهتاناً. والذي ظهر لي من خلال ما كتبه بعض المؤرخين كالدكتور كامل العسلي في كتابه (موسم النبي موسى) أنه كان موسم رقص وطرب واختلاط بين النساء والرجال بل إن النساء كن يرقصن في الحلقات أمام الرجال وأن هذا الموسم كان عليه مسحة من الصوفية المنحرفة. كما أن مقام النبي موسى المذكور ليس له صلة بنبي الله موسى ﵇، قال مجير الدين الحنبلي: [ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه] الأنس الجليل ١/١٩٩. كما ويجب أن يعلم أنه لا علاقة لصلاح الدين الأيوبي بموسم النبي موس ﵇ كما زعم بعض الكاتبين أن السلطان صلاح الدين الأيوبي هو أول من أنشأ موسم النبي موسى لمواجهة التجمعات الصليبية التي كانت تقام في عيد الفصح انظر المفصل في تاريخ القدس ص ١٧٦-١٧٧. وقد قرر المحققون من المؤرخين أن موسم النبي موسى حدث بعد ذلك، يقول الدكتور كامل العسلي: [وعلى أية حال فإنه من المهم أن نؤكد أننا لم نجد في الكتب القديمة التي وضعت في العصر الأيوبي ومنها كتاب العماد الأصفهاني وابن واصل والبهاء بن شداد وأبي شامة المقدسي أي إشارة إلى الموسم ولا إلى علاقة صلاح الدين الأيوبي أو ورثته بالموسم كما أنه ليس في الكتب التي وضعت زمن الأيوبيين ولا في الكتب التي وضعت زمن المماليك أو العثمانيين حسب علمنا ما يشير إلى أن الاحتفال بالنبي موسى كان ذا صبغة سياسية ... إن أول إشارة لموسم النبي موسى وقعنا عليها في الكتب، وردت في " إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى " لشمس الدين السيوطي المتوفى بعد سنة ٨٨٠ هـ ... وقد دون السيوطي كتابه هذا سنة ٨٧٥ هـ والإشارة الثانية وجدناها في مخطوط " الدر النظيم في أخبار سيدنا موسى الكليم " لأبي البقاء نجم الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة المتوفى بعد سنة ٩٠١ هـ] موسم النبي موسى ص٨٧-٨٩. وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً إقامة الحفلات الموسيقية في المساجد وفي ساحاتها وكذا يحرم إقامة حفلات الرقص والطرب والدبكة فيها ويجب شرعاً منع فرق الكشافة من إقامة طقوسها في المساجد وفي ساحاتها والواجب على المسؤوين منع كل انتهاك لحرمات المساجد تحت مسمى الاحتفال بالمناسبات الدينية بغض النظر عن أهداف ومسميات تلك الاحتفالات.

стр. 96

١٨ - المسح على الجورب الرقيق من مسائل الخلاف المعتبر السؤال: أرسل لي أحد طلبة العلم نشرة وزعت في بعض المساجد بعنوان (القول الأصوب في بطلان المسح على الجورب) وطلب مني إبداء الرأي فيها؟ الجواب: قرأت النشرة المذكورة ووجدت أن كاتبها متعصب للقول الذي يجيز المسح على الجوربين وفق الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب من كون الجورب مجلداً ثخيناً يمكن السير فيه ولا ينفذ الماء إليه..إلخ الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب، ونقل كلام بعض العلماء في تضعيف حديث المغيرة بن شعبة قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وغيرهما ونقل بعد ذلك كلاماً عن المذاهب الأربعة تؤيد دعواه كما زعم، وقال أخيراً [ ... التزم أقوال العلماء الأعلام وعليك بالإتباع وترك الابتداع] ثم ختم نشرته بجزء مبتور من حديث للنبي ﷺ (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) هذا أهم ما جاء في النشرة المشار إليها. وأقول إننا في هذه البلاد قد ابتلينا بأشباه طلبة العلم الذين يظن الواحد منهم أنه إن قرأ كتاباً أو سمع أشرطة لدروس شيخ أو عالم، صار عالم زمانه الأوحد، وصار الحق حكراً له فالحق عنده والباطل عند من خالفه!!! هذه البلوى الحقيقية وليست البلوى ما زعمه كاتب النشرة من أن البلوى هي تفشي ظاهرة المسح على الجورب الرقيق؟؟!! فالأخيرة مسألة خلافية وهي من مسائل الخلاف المعتبر عند أهل العلم لأنها مسألة اجتهادية وفيها مجال للنظر والأخذ والرد، ومن الجهل الفاضح أن يختم كاتب النشرة كلامه بالجزء المبتور من حديث النبي ﷺ ليصل إلى نتيجة باطلة قطعاً وهي إن العلماء القائلين بجواز المسح على الجورب الرقيق هم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) . وأقول ما قاله الشاعر قديماً: أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل لنرجع إلى نص الحديث النبوي الذي اقتطعت منه الجملة التي ساقها الكاتب لنرى هل ينطبق هذا الحديث على أؤلئك العلماء أم لا؟ نص الحديث هو (عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن اشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي [قوله ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٤٧. إن الكاتب المذكور اجتزأ النص ليوافق هواه، وفعل فعل الذين يقولون (ويل للمصلين) !! قاتل الله التعصب فهكذا يفعل بأهله يوصلهم إلى الكذب على رسول الله ﷺ بوضع النصوص في غير محالها. إذا تقرر هذا فإن الخطب يسير في مسألة المسح على الجورب الرقيق، وليس الأمر كما يحاول أن يصوره بعض المتعصبين للمذاهب والذين تضيق صدورهم بالخلاف الفقهي المعتبر، وقد سبق أن بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في أكثر من موضع من سلسلة يسألونك، وبينت أدلة من أجاز المسح على الجورب دون اعتبار لما شرطه بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط، فإنه لم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط. ولا أريد تكرار الكلام في المسألة، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن مسألة الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف هي مسألة اجتهادية، وهذا أمر معروف عند العلماء، والحديث الوارد في المسح على الجوربين خير مثال على ذلك، فقد صححه جماعة من المحدثين وضعفه آخرون. وكذلك فقد نص العلماء على أنه لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية ومسألة المسح على الجورب الرقيق داخلة في ذلك لأن المجيز للمسح على الجورب الرقيق لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً. قال الإمام النووي [ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٤. وقال العلامة ابن القيم [إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلداً] إعلام الموقعين ٣/ ٣٦٥. وهكذا كان سلف الأمة يتعاملون مع المسائل الخلافية قال القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه [إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة] وقال سفيان الثوري: [إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه] الفقيه والمتفقه ٢/٦٩. ونقل الخطيب البغدادي عن سفيان الثوري أنه قال: [ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به] الفقيه المتفقه ٢/٦٩. وقال يحيى بن سعيد: [ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه، ولا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله] . وقال الإمام أحمد فيما نقله ابن مفلح [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم.] ويقول ابن مفلح [لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع] الآداب الشرعية ١/١٨٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٢٠٧. وخلاصة الأمر أن القول بجواز المسح على الجورب الرقيق قول معتبر عند أهل العلم، لا عند المتسورين على العلم الشرعي. ولا ينكر على من أخذ به، والحديث الوارد في ذلك من أهل العلم من صححه وعمل به، ولا يجوز الاحتجاج بقول النبي ﷺ (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) في مسألة خلافية بين العلماء هي محل اجتهاد ونظر.

стр. 97

١٩ - اللحاق بالإمام في صلاة الجماعة يقول السائل: إذا دخلت المسجد أثناء صلاة الجماعة في صلاة العصر ووجدت الإمام في الجلوس الأوسط فهل ألتحق معه مباشرة أم أنتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة، أفيدونا؟ الجواب: الأصل أن يلحق المصلي بالإمام في أي جزء كان الإمام من الصلاة، فإذا دخل المسجد فوجد الإمام ساجداً فليسجد معه ولا ينتظر أن يقوم من السجود وهكذا إذا أدركه في التشهد الأوسط فإنه يلتحق به فوراً ولا ينتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة، قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [واتفقوا أن من جاء والإمام قد مضى من صلاته شيء قلَّ أو كثر ولم يبق إلا السلام فإنه مأمور بالدخول معه وموافقته على تلك الحال التي يجده عليها ما لم يجزم بإدراك الجماعة في مسجد آخر] مراتب الإجماع ص ٢٥. ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث يدل على أن المتأخر عن الصلاة يدخل مع إمامه مباشرة لقوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا) . ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح، وحسنه العلامة الألباني في صحيح أبي داود ١/١٦٩. ويدل عليه أيضاً ما رواه الترمذي بإسناده عن علي وعن معاذ بن جبل ﵄ قالا: قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده إلا ما روي من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام واختار عبد الله بن المبارك أن يسجد مع الإمام وذكر عن بعضهم فقال لعله لا يرفع رأسه في تلك السجدة حتى يغفر له) والحديث المذكور صححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٨٣. قال صاحب تحفة الأحوذي: [قوله: (فليصنع كما يصنع الإمام) أي فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك، أي فلا ينتظر الإمام إلى القيام كما يفعله العوام] وقال الأمير الصنعاني [وفي الحديث دلالة على أنه يجب على من لحق بالإمام أن ينضم إليه في أي جزء كان من أجزاء الصلاة فإذا كان الإمام قائماً أو راكعاً فإنه يعتد بما أدركه معه كما سلف فإذا كان قاعداً أو ساجداً قعد بقعوده وسجد بسجوده، ولا يعتد بذلك] سبل السلام ٢/٤٣٨. ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بإسناده في حديث طويل عن معاذ ﵁ ( ... قال وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي ﷺ قال فكان الرجل يشير إلى الرجل إن جاء كم صلى فيقول واحدة أو اثنتين فيصليها ثم يدخل مع القوم في صلاتهم قال فجاء معاذ ﵁ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني. قال فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها قال فثبت معه فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى فقال رسول الله ﷺ إنه قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا) ورواه أبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٣. وقال الشوكاني [ويشهد له أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعاً: (من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها) ، وما أخرجه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبي شيبة والظاهر أنه يدخل معه في الحال التي أدركه عليها مكبراً معتداً بذلك التكبير وإن لم يعتد بما أدركه من الركعة كمن يدرك الإمام في حال سجوده أو قعوده. .. .] نيل الأوطار ٣/ ١٧٢- ١٧٣. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه وإن لم يعتد له به لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) رواه أبو داود، وروى الترمذي عن معاذ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة وقال بعضهم: لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له] المغني ١/٣٦٤. وقال الإمام النووي [إذا أدركه في التشهد الأخير كبر للإحرام قائماً وقعد وتشهد معه ولا يكبر للقعود على الصحيح والتشهد سنة وليس بواجب على هذا المسبوق بلا خلاف ... ولا يقرأ دعاء الافتتاح في الحال ولا بعد القيام وسبق دليل الجميع وتحصل له فضيلة الجماعة لكن دون فضيلة من أدركها من أولها هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع المصنف والجمهور من أصحابنا العراقيين والخراسانيين ... ] المجموع ٤/٢١٩. وخلاصة الأمر أن من دخل المسجد فوجد الإمام ساجداً فليسجد معه ولا ينتظر أن يقوم من السجود وهكذا إذا أدركه في التشهد الأوسط فإنه يلتحق به فوراً ولا ينتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة.

стр. 98

٢٠ - إذا جمع المسافر بين الصلاتين ثم وصل بلده أتناء وقت الصلاة الثانية فلا يلزمه الإعادة يقول السائل: أنا من سكان الجليل وأحضر إلى المسجد الأقصى يوم السبت ونجمع الظهر مع العصر جمع تقديم ثم نرجع إلى بلدنا ونصل إليها قبل غروب الشمس بساعة فهل يلزمنا أن نعيد صلاة العصر، أفيدونا؟ الجواب: يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر تقديماً وتأخيراً وكذلك المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً وقد ثبت ذلك عن الرسول ﷺ بأحاديث منها: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء قال سالم وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعله إذا أعجله السير) رواه البخاري. وعن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين هاتين الصلاتين في السفر يعني المغرب والعشاء) رواه البخاري. وعنه أيضاً قال (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما) رواه مسلم. وعن معاذ ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً) رواه مسلم، وفي رواية أخرى عن معاذ ﵁: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليها جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. ويجب أن يعلم أن النبي ﷺ كان يجمع إذا جدَّ به السير ولم يكن يجمع وهو نازل أثناء السفر، قال العلامة ابن القيم: [ولم يكن من هديه ﷺ الجمع راكباً في سفره كما يفعله كثير من الناس ولا الجمع حال نزوله أيضا وإنما كان يجمع إذا جد به السير وإذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم نقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي ﵀ وشيخنا – أي ابن تيمية -] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٤٨١. وقد قرر العلماء أن من الأفضل للمسافر إذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيصل إلى بلده قبل صلاة العصر أو قبل صلاة العشاء فالأفضل له ألا يجمع لأنه ليس هناك حاجة للجمع، وإن جمع فلا بأس. انظر مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العلامة العثيمين ١٥ /٤٢٢. ويجب أن يعلم أيضاً أن المسافر إذا نوى جمع التأخير، فوصل إلى محل إقامته قبل خروج وقت الصلاة الأولى، فلا يجوز له الجمع بل يجب أن يصلي الصلاة التي أدرك وقتها تامة، فإذا فرضنا أن مسافراً نوى جمع التأخير بين الظهر والعصر فدخل إلى بلده قبل دخول وقت العصر، فيجب عليه أن يصلي الظهر تامة في وقتها، ولا يصح له أن يؤخرها حتى يجمعها مع العصر. وإذا جمع المسافر جمع تقديم فوصل إلى بلده بعد خروج وقت الأولى، فجمعه صحيح ولا يلزمه إعادة الصلاة الثانية على الراجح من قولي العلماء في المسألة وذكر الإمام النووي وجهين في المسألة ثم قال [أصحهما لا يبطل الجمع كما لو قصر ثم أقام، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد وغيره من العراقيين] المجموع ٤/٣٧٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... وإن أتم الصلاتين في وقت الأولى ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية أجزأته، ولم تلزمه الثانية في وقتها لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته وبرئت ذمته منها فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر فلم يبطل بزواله بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة.] المغني ٢/٢٠٧. وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتاويها [إذا جمع المسافر بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء جمع تقديم، ثم وصل إلى مقر إقامته قبل دخول وقت العصر أو بعده، أو قبل دخول وقت العشاء أو بعده، فإن صلاته صحيحة؛ لكونه جمعها مع الأولى بمسوغ شرعي، وهو السفر] . وخلاصة الأمر أن المسافر إذا جمع بين الصلاتين جمع تقديم ثم وصل إلى بلده أو محل إقامته في وقت الصلاة الثانية فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.

стр. 99

٢١ - حكم لبس الكفوف (القفازات) أثناء الصلاة يقول السائل ما حكم لبس الكفوف (القفازات) أثناء الصلاة؟ الجواب: لا حرج في لبس القفازين (الكفوف) أثناء الصلاة فإنه لا يشترط مباشرة الأعضاء للأرض دون حائل عند جماهير أهل العلم قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح سجوده علي شيء من ذلك وبه قال داود واحمد في رواية، وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي واسحق وأحمد في الرواية الأخرى يصح، قال صاحب التهذيب وبه قال أكثر العلماء واحتج لهم بحديث أنس ﵁ قال " كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه " رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس ﵄ قال " لقدر رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه " رواه ابن حنبل في مسنده، وعن الحسن قال " كان أصحاب رسول الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته " رواه البيهقي، وبما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم " سجد على كور عمامته " وقياساً على باقي الأعضاء.] المجموع ٣/٤٢٥-٤٢٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ولا تجب مباشرة المصلي بشيء من هذه الأعضاء قال القاضي: إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله، فالصلاة صحيحة رواية واحدة. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة. وممن رخص في السجود على الثوب في الحر والبرد عطاء، وطاووس، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ورخص في السجود على كور العمامة الحسن، ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد، وسجد شريح على برنسه] المغني ١٣٧١-٣٧٢. ويدل على الجواز أيضاً ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر) رواه البخاري ومسلم. والشاهد فيه أن الركبتين مغطاتان وكذا القدمين إذا كان المصلي يلبس الجوربين فنقيس اليدين عليها. وخلاصة الأمر أن الصلاة بالكفوف صحيحة.

стр. 100

٢٢ - الاستخلاف في الصلاة وكون المستخلف مسبوقا يقول السائل: إن الإمام في صلاة الجماعة طرأ عليه عذر فقدَّم مأموماً مسبوقاً لإتمام الصلاة فكيف يصنع، أفيدونا؟ الجواب: ما فعله الإمام يسمى عند الفقهاء استخلافاً، وهو أن يخلف الإمامَ شخصٌ آخر لإكمال الصلاة إذا حصل للإمام طارئ أثناء الصلاة. والاستخلاف مشروع على الراجح من قولي العلماء في المسألة، وبه قال عمر بن الخطاب وعلي ﵄ وعلقمة وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد وأحمد في رواية عنه، قال الإمام النووي [ولم يصرح ابن المنذر بحكاية منع الاستخلاف عن أحد] المجموع ٤/ ٢٤٥. وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين: [إذا ذكر الإمام في أثناء الصلاة أنه محدث وجب عليه الانصراف ويستخلف من يكمل بهم الصلاة، لأن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي بعد أن شرع في صلاة الصبح تناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فصلى بهم صلاة خفيفة] الشرح الممتع ٤/٢٤٣. وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر أن من منع الاستخلاف في الصلاة احتج بما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيديه أن امكثوا فذهب ثم رجع على جلده أثر الماء والحديث في الصحيحين، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: [لا تتبين لي حجة من كره الاستخلاف استدلالاً بحديث هذا الباب لأن رسول الله ﷺ ليس في الاستخلاف كغيره إذ لا عوض منه مع سعة الوقت ولا يجوز لأحد أن يتقدم بين يديه إلا بإذنه وقد قال لهم: مكانكم، فلزمهم أن ينتظروه وهذا إذا صح أنه تركهم في صلاة وقد قيل إنه لم يكن كبر ... وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم والصلاة أعظم الدين، وفي حديث سهل بن سعد دليل على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر وتقدم النبي ﷺ في تلك الصلاة وحسبك بما مضى عليه عمل الناس] الاستذكار ٣/١٠٩. ويدل على مشروعية الاستخلاف في الصلاة ماروه الإمام البخاري في صحيحه في قصة طعن عمر ﵁ وفيها (وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ... فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة) رواه البخاري، وقد كان ذلك بمحضر من الصحابة فأقروه على ذلك قال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر قصة عمر ﵁ [وفيه جواز الاستخلاف للإمام عند عروض عذر يقتضي ذلك لتقرير الصحابة لعمر ﵁ على ذلك وعدم الإنكار من أحد منهم فكان إجماعاً وكذلك فعل علي ﵁ وتقريرهم له على ذلك وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك] نيل الأوطار ٣/٢٠٠. وروى سعيد بن منصور في سننه (أن علياً ﵁ رُعف وهو في الصلاة فأخذ بيد رجل فقدَّمه ليتم بالناس ثم انصرف) وروى الأثرم بسنده عن ابن عباس ﵂ قال: خرج علينا عمر ﵁ لصلاة الظهر، فلما دخل في الصلاة أخذ بيد رجل كان عن يمينه ثم رجع يخرق الصفوف، فلما صلينا إذا نحن بعمر يصلي خلف سارية، فلما قضى الصلاة قال: لما دخلت في الصلاة وكبرت رابني شيء فلمست بيدي فوجدت بلة) . قال الإمام البيهقي [وروينا عن عمر ﵁ في قصة أخرى أنه وجد بللاً حين جلس في الركعتين الأوليين، فلما قام أخذ بيد رجل من القوم فقدمه مكانه، وروي في جواز الاستخلاف عن علي ﵁، فقوله الجديد –أي قول الشافعي في المذهب الجديد - في جواز الاستخلاف أصح القولين] سنن البيهقي وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن استخلف الإمام فقد استخلف عمر وعلي وإن صلوا وحداناً فقد طعن معاوية وصلى الناس وحداناً من حيث طعن أتموا صلاتهم. نيل الأوطار ٣/١٩٩. والقائلون بجواز الاستخلاف اتفقوا على جوازه في حالات منها أن الإمام إذا سبقه الحدث في الصلاة من بول، أو ريح أو غيرهما، انصرف واستخلف، وكذا إذا طرأ على الإمام ما يمنع الإمامة لعجز عن ركن، كعجزه عن الركوع أو القراءة في بقية الصلاة أو عجز عن إتمام الفاتحة وكذلك إذا تذكر الإمام نجاسة، أو جنابة لم يغتسل منها، أو تنجس في أثناء الصلاة، بشرط أن يستخلف الإمام من يصلح للإمامة، فلو استخلف صبياً أو امرأة أو أمياً وهو من لا يحسن شيئاً من القرآن فلا يصح. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/٢٥٣-٢٥٥. وقد نص الفقهاء على أن كل من يصلح إماماً ابتداءً يصح استخلافه، ومن لا يصلح إماماً ابتداء لا يصح استخلافه، ونصوا على أن الأولى أن لا يستخلف الإمام مسبوقاً فقد ذكر ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق أن الأولى للإمام أن يقدم مدركاً، ولكن إن قدم مسبوقاً صح استخلافه، وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أصحابنا: يجوز أن يستخلف من سبق ببعض الصلاة ولمن جاء بعد حدث الإمام فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين وحكي هذا القول عن عمر وعلي وأكثر من وافقهما في الاستخلاف] المغني ٢/٧٦. والمطلوب من المستخلف المسبوق أن يتم الصلاة من المحل الذي خرج منه الإمام، قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وإذا استخلف مأموماً مسبوقاً لزمه مراعاة ترتيب الإمام فيقعد موضع قعوده، ويقوم موضع قيامه، كما كان يفعل لو لم يخرج الإمام من الصلاة، فلو اقتدى المسبوق في ثانية الصبح ثم أحدث الإمام فيها فاستخلفه فيها قنت وقعد عقبها وتشهد ثم يقنت في الثانية لنفسه ولو كان الإمام قد سها قبل إقتدائه أو بعده سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه على أصح القولين كما سبق، وإذا تمت صلاة الإمام قام لتدارك ما عليه، والمأمومون بالخيار إن شاءوا فارقوه وسلموا وتصح صلاتهم بلا خلاف للضرورة وان شاءوا صبروا جلوساً ليسلموا معه] المجموع ٤/٢٤٣. وخلاصة الأمر أن الأولى للإمام أن يستخلف مدركاً للصلاة من أولها، فإن استخلف مسبوقاً فيجوز ذلك، ويلزم المستخلف أن يتم الصلاة من حيث توقف إمامه، فإذا كان مسبوقاً بركعتين مثلاً أتم صلاة الجماعة أولاً ثم يأتي بما فاته، وفي هذه الحالة فالمأمومون مخيرون بين أن يفارقوا الإمام الثاني فيسلموا لوحدهم أو ينتظرونه ليسلموا معه وهذا أولى.

стр. 101

٢٣ - كيفية صلاة الإستسقاء يقول السائل: كيف تصلى صلاة الاستسقاء وهل يقلب الناس أرديتهم في الصلاة، أفيدونا؟ الجواب: صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثبتت مشروعيتها بسنة رسول الله ﷺ عند قلة الأمطار وانحباسها فلا بد للناس أن يبادروا إلى التوبة والاستغفار مصداقاً لقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) سورة نوح الآيات ١٠-١٢. وقال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ... ) سورة هود الآية ٥٢. قال العلامة ابن القيم [ثبت عنه ﷺ أنه استسقى على وجوه: أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا. الوجه الثاني: أنه ﷺ وعد الناس يوماً يخرجون فيه إلى المصلى فخرج لما طلعت الشمس متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً فلما وافى المصلى صعد المنبر - إن صح وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبره وكان مما حفظ من خطبته ودعائه: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إلا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغاً إلى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداء ألبتة جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية. الوجه الثالث: أنه ﷺ استسقى على منبر المدينة اسسقاءً مجرداً في غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاء صلاة. الوجه الرابع: أنه ﷺ استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله فحفظ من دعائه حينئذ اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائث – غير بطيء ولا متأخر - نافعاً غير ضار. الوجه الخامس: أنه ﷺ استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله ﷺ . وقال بعض المنافقين لو كان نبياً لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٤٥٧-٤٥٨. وأكمل وجوه صلاة الاستسقاء هو الثاني قال الإمام النووي [أفضلها وهو الاستسقاء بصلاة ركعتين] المجموع ٥/٦٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، أكملها الخروج والصلاة على ما وصفنا ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر ... والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم وفي خلواتهم] المغني ٢/٣٢٧. وتكون صلاة الاستسقاء كصلاة العيد فيبدأ الإمام بالخطبة لما ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فكبر ﷺ وحمد الله ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ... ونزل فصلى ركعتين) رواه أبو داود وابن حبان وقال الإمام النووي [وأما حديث عائشة فصحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح وقال هو إسناد جيد ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح علي شرط البخاري ومسلم] المجموع ٥/٦٤.. ويصح أن تكون الخطبة بعد الصلاة أيضاً لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وقال رجاله ثقات وقال البوصيري إسناده صحيح. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... وأياً ما فعل من ذلك فهو جائز لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها , فإن شاء فعلها وإن شاء تركها والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد] المغني ٢/ ٣٢٢، وانظر الشرح الممتع ٥/٢٨٠-٢٨١. وأما تحويل الثياب فإنه يستحب قلب الرداء وتحويله تفاؤلاً بتحويل الحال من القحط إلى الرخاء ويحوّل الرجال فقط أرديتهم وهم جلوس فمثلاً من كان يلبس عباءة يقلبها على ظهره بأن يجعل أعلاها أسفلها ونحو ذلك، ويكون تحويل الثياب أثناء الخطبة، لما ورد في الحديث عن عبد الله بن زيد ﵁ (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وخلاصة الأمر أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة وأن أكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلون ركعتين كصلاة العيد مع خطبة، فإن استسقى إمام الجمعة أثناء خطبة الجمعة فحسن، ولا أرى أن يصلي ركعتين بعد الجمعة ويقنت في الثانية بعد الركوع لأن هذه الصفة لم تنقل عن النبي ﷺ ، ولم يقل بها أحد من العلماء فيما أعلم، وإنما يكتفى بالدعاء في خطبة الجمعة.

стр. 102

٢٤ - وقوف الصبيان مع الرجال في صلاة الجماعة يقول السائل: إن إمام مسجدنا يمنع الأولاد من الوقوف في الصف الأول وإذا رأى أحدهم في الصف الأول طرده ويطلب منهم أن يصفوا لوحدهم ويحتج بقول النبي ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) فما قولكم في ذلك؟ الجواب: أبدأ أولاً بالكلام على الحديث المذكور في السؤال فهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي مسعود ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال أبو مسعود فأنتم اليوم أشد اختلافاً) ورواه مسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثاً وإياكم وهيشات الأسواق) ، وأبو مسعود راوي الحديث الأول هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري ﵁ توفي سنة ٤٠ هجرية وهو غير راوي الحديث الثاني عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ المتوفى سنة ٣٢ هجرية. ومعنى قول النبي ﷺ (ليلني) أي ليدن مني وليقرب مني، قال الإمام النووي: [وأولو الأحلام هم العقلاء وقيل البالغون و (النهى) بضم النون العقول. فعلى قول من يقول: أولو الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى – واحد - , فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيداً. وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء قال أهل اللغة واحدة (النهى) نهية بضم النون وهي العقل ورجل (نهٍ) و (نهى) من قوم نهين , وسمي العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوز , وقيل: لأنه ينهى عن القبائح. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهى مصدراً كالهدى , وأن يكون جمعاً كالظلم , قال: والنهى في اللغة معناه الثبات والحبس. ومنه النهى والنهى بكسر النون وفتحها والنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس فالنهية هي التي تنهى وتحبس عن القبائح.] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١١٦. وقوله ﷺ (ثم الذين يلونهم) معناه الذين يقربون من أول النهى في هذا الوصف وقوله صلى الله عله وسلم (ثم الذين يلونهم) أي كالصبيان المميزين والذين هم أنزل مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً والمعنى أنه هلم جرا، فالتقدير ثم الذين يلونهم كالنساء ... ] كما قاله الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح ٣/١٧٢. إذا تقرر هذا فإن المقصود من الحديث هو أن يقف خلف الإمام الرجال العقلاء فهم أولى الناس بالوقوف خلف الإمام في الصلاة فينبغي أن يقدموا على غيرهم لأنه قد يطرأ طارئ على الأمام أثناء الصلاة كأن يحتاج لمن يفتح عليه أو أن يستخلف أو يسهو فيحسن أولو الأحلام والنهى التصرف، قال الإمام النووي: [في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام , ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى , ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره , وليضبطوا صفة الصلاة , ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس وليقتدي بأفعالهم من ورائهم ولا يختص هذا التقديم بالصلاة , بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة , ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها , ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب , والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١١٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن ويلي الإمام أكملهم وأفضلهم، قال أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن وتؤخر الصبيان والغلمان ولا يلون الإمام] المغني ٢/١٦٠. وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكره أن يقوم الناس في المسجد خلف الإمام إلا من قد احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة. فقلت له: ابن اثنتي عشرة سنة أو نحوها، قال: ما أدري. قلت له: فكأنك تكره ما دون هذا السن، قال: ما أدري، فذكرت له حديث أنس واليتيم. فقال: ذاك في التطوع. ولا يدل الحديث السابق على منع الصبيان من الوقوف في الصف الأول ولكنه يدل على أنهم لا يقفون خلف الإمام مباشرة لأن خلف الإمام لأولي الأحلام والنهى كما في الحديث، وأما الصبيان فلهم أن يصفوا في أطراف الصف الأول، ذات اليمين وذات الشمال، وفيما يليه من الصفوف. ولا ينبغي طرد الصبيان من الصف الأول لأن الصبي إذا سبق للصف الأول فهو أحق به من غيره لما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فإن الحديث بعمومه يدخل فيه الصبي قال الشيخ ابن مفلح الحنبلي [ليس له تأخير الصبيان السابقين، وهو مذهب الشافعية وصوبه في الإنصاف، فإن الصبي إذا عقل القرب كالبالغ في الجملة، والحديثان (من سبق إلي مكان فهو أحق به) (ولا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه) عامان ولو كان تأخيرهم أمراً مشهوراً لاستمر العمل عليه، ولنقل نقلاً لا يحتمل الاختلاف.] الفروع وينبغي أن يعلم أن بعض الفقهاء يرى أن الصفوف في صلاة الجماعة تكون بالترتيب التالي: الرجال أولاً ثم الصبيان ثانياً ثم النساء ثالثاً، لما ورد في الحديث عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري ﵁: ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ قال فأقام الصلاة وصف الرجال وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم فذكر صلاته) رواه أبو داود، وفي رواية في مسند أحمد (أن أبا مالك الأشعري ﵁ جمع قومه فقال يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي ﷺ صلى لنا بالمدينة فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن فصف الرجال في أدنى الصف وصف الولدان خلفهم وصف النساء خلف الولدان ثم أقام الصلاة ... ) ولكن الحديث ضعيف كما قال العلامة الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ١/٣٤٨. ومن الفقهاء من يرى أن الصبيان لا ينفردون في صف خاص بهم بل يقفون بين الرجال فيقف صبي بين كل رجلين، [يستحب أن يقف بين كل رجلين صبى ليتعلموا منهم أفعال الصلاة] المجموع ٤/٢٩٣، وهذا القول أرجح قولي الفقهاء في المسألة قال الإمام البخاري في صحيحه [باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز] وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله: (باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز) ... وذكر فيه طرفاً من حديث ابن عباس المذكور , وكان ابن عباس في زمن النبي ﷺ دون البلوغ لأنه شهد حجة الوداع وقد قارب الاحتلام ... ] فتح الباري ٣/٢٤٢. وقال الإمام البخاري في صحيحه أيضاً [باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز] ثم ذكر الحديث عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلاً فقال متى دفن هذا قالوا البارحة قال أفلا آذنتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام فصففنا خلفه قال ابن عباس وأنا فيهم فصلى عليه (وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله: (باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز) ... قال ابن رشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم , لقوله في الحديث الذي ساقه فيها " وأنا فيهم "] فتح الباري ٣/٢٥٣. وقد رجح العلامة محمد بن صالح العثيمين هذا القول وبين المحذور من تأخير الصبيان عن الصف الأول فقال: [لو قلنا بإزاحة الصبيان عن المكان الفاضل وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لعبهم لأنهم ينفردون بالصف، ثم هنا مشكل إذا دخل الرجال بعد أن صف الجماعة هل يرجعونهم وهم في الصلاة؟ وإن بقوا صفاً كاملاً فسيشوشون على من خلفهم من الرجال ثم إن تأخيرهم عن الصف الأول بعد أن كانوا فيه يؤدي إلى محذورين: الأول: كراهة الصبي للمسجد لأن الصبي وإن كان صبياً لا تحتقره، فالشيء ينطبع في ذهنه. المحذور الثاني: كراهته للرجل الذي أخره عن الصف، فالحاصل أن هذا القول ضعيف – أي القول بتأخير الصبيان عن أماكنهم -] الشرح الممتع ٣٢١. وخلاصة الأمر أنه يجوز للصبيان أن يقفوا في الصف الأول ولكنهم لا يقفون خلف الإمام مباشرة لأن ذاك مقام أولو الأحلام والنهى ولا ينبغي جمع الصبيان في صف واحد خلف الرجال لما يترتب على ذلك من التشويش.

стр. 103

٢٥ - مدة الانتظار بين الأذان والإقامة يقول السائل: اختلف المصلون في مسجدنا حول وقت الانتظار بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب حيث يفصل المؤذن بينهما بخمس دقائق فمنهم من يقول بأن وقت الانتظار قصير ومنهم من يقول بأن وقت الانتظار كافٍ، فما قولكم؟ الجواب: الفصل بين الأذان والإقامة بفاصل زمني ثابت عن رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة منها: عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة ثلاثاً لمن شاء) رواه البخاري ومسلم، والمقصود بالأذانين في الحديث الأذان والإقامة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (بين كل أذانين) أي أذان وإقامة , ولا يصح حمله على ظاهره لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة , والخبر ناطق بالتخيير لقوله " لمن شاء " , وأجرى المصنف - أي البخاري - الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد , وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم القمرين للشمس والقمر] فتح الباري ٢/١٤١. وعن جابر بن سمرة ﵁ يقول: (كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أمر المؤذن أن يجعل وقتاً بين الأذان والإقامة حتى يتمكن المصلون من الاستعداد للصلاة، فقد روى الترمذي بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لبلال: يا بلال إذا أذنت فترسل في أذانك وإذا أقمت فاحدر – أي أسرع في كلمات الإقامة - واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته - هو من يؤذيه بول أو غائط أي يفرغ الذي يقضي حاجته - ولا تقوموا حتى تروني) ، ورواه الإمام أمد في مسنده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا يفرغ الآكل من طعامه في مهل ويقضي المتوضئ حاجته في مهل) وقد اختلف المحدثون في الحديث السابق فمنهم من حسنه واحتج به ومنهم من ضعفه كالحافظ ابن حجر العسقلاني كما في فتح الباري ٢/١٤٠. وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث السابق بأنه حديث حسن لتعدد طرقه كما في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٨٨٧ وكذلك حسنه في صحيح الجامع حديث رقم ١٥٠. وبناءً على الأحاديث السابقة استحب الفقهاء الفصل بين الأذان والإقامة وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه (باب كم بين الأذان والإقامة) ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن بطال قوله: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت، واجتماع المصلين] فتح الباري ٢/١٤٠. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين يتهيئون فيها] المغني ١/٢٩٩. وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي [والمستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة] المهذب مع شرحه المجموع ٣/ ١٢٠. وقال الشوكاني بعد أن ذكر حديث جابر السابق [والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة وكراهة الموالاة بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها ; لأن من كان على طعامه أو غير متوضئ حال النداء إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل لا سيما إذا كان مسكنه بعيدا من مسجد الجماعة, فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها.] نيل الأوطار ٢/١٠. ومن الفقهاء من حدد مقدار الفصل بين الأذان والإقامة، قال الإمام الزيلعي: [قال ﵀ (ويجلس بينهما إلا في المغرب) أي بين الأذان والإقامة لما روينا ولما روي أنه ﵊ (قال لبلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفساً يفرغ المتوضئ من وضوئه مهلاً والمتعشي من عشائه) ولأن المقصود الإعلام بدخول الوقت ليتأهب السامعون بالطهارة ونحوها فيفصل بينهما ليحصل به المقصود ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الفصل وروى الحسن عن أبي حنيفة في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آية وفي الظهر قدر ما يصلي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة عشر آيات وفي العصر بقدر ركعتين يقرأ فيهما عشرين آية والعشاء كالظهر والأولى أن يصلي بينهما لقوله ﵊: بين كل أذانين صلاة إن شاء] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/٩٢. إذا تقرر أن الفصل مشروع بين الأذان والإقامة فإن ذلك يشمل صلاة المغرب أيضاً على الراجح من أقوال أهل العلم خلافاً لبعض العلماء الذين يرون عدم الفصل للأمر بتعجيلها ولكن ينبغي أن يكون الفاصل في صلاة المغرب قصيراً يكفي لصلاة ركعتين قبل الإقامة لما ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة لم يكن بينهما إلا قليل) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (شيء) التنوين فيه للتعظيم, أي لم يكن بينهما شيء كثير] فتح الباري ٢/١٤٢. وعن عبد الله المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: (صلوا قبل صلاة المغرب قال في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) رواه البخاري، وروى مسلم عن مختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر فقال: (كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فقلت له أكان رسول الله ﷺ صلاهما قال كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا. قال الإمام النووي: [وفي هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب. وفي المسألة وجهان لأصحابنا أشهرهما: لا يستحب , وأصحهما عند المحققين , يستحب لهذه الأحاديث ... والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة, وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ : (صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, قال في الثالثة: لمن شاء) وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه, ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها, وأما من زعم النسخ فهو مجازف ; لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ, وليس هنا شيء من ذلك.] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٤٤٠-٤٤١. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس أن الركعتين بعد المغرب وقبل صلاة المغرب كان أمراً أقر النبي ﷺ أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه, وهذا يدل على الاستحباب, وكأن أصله قوله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة "] فتح الباري ٢/١٤٢. وخلاصة الأمر أن الفصل بين الأذان والإقامة أمر مشروع في جميع الصلوات المفروضة وينبغي أن يكون الوقت الفاصل بينهما يتسع لتمكين المصلين من اللحاق بالجماعة فمن المستحسن أن يكون ذلك الفاصل بمقدار عشرين دقيقة إلى ثلاثين في صلاة الفجر وعشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة في الظهر والعصر والعشاء وأما المغرب فخمس دقائق تكفي ولا ينبغي أن يزيد على عشر دقائق للأمر بتعجيلها.

стр. 104

٢٦ - تسمية المسجد باسم شخص يقول السائل: إنه سمع أحد المشايخ في إحدى الفضائيات يمنع تسمية المسجد باسم شخص معين فما قولكم في ذلك أفيدونا؟ الجواب: إن بناء المساجد من الأمور المرغب فيها شرعاً وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩-١١١. إذا تقرر هذا فإن إضافة المساجد لله تعالى إنما هي إضافة تشريف كما ورد في قوله تعالى ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ سورة الجن الآية ١٨. وقال تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ سورة البقرة الآية ١١٤. وقال تعالى ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ سورة التوبة الآيتان ١٧- ١٨. قال الإمام ابن العربي المالي [المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفاً , فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع , وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق) وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية , كأنها في قبلتهم , وقد تكون بتحبيسهم , فإن الأرض لله ملكاً , ثم يخص بها من يشاء , فيردها إليه , ويعينها لعبادته , فينفذ ذلك بحكمه , ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك] أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٨٦٩. وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه (باب هل يقال مسجد بني فلان) ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله (باب هل يقال مسجد بني فلان) أورد فيه حديث ابن عمر في المسابقة, وفيه قول ابن عمر " إلى مسجد بني زريق " وزريق بتقديم الزاي مصغراً , ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلي فيها , ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها , وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالاً إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه , ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده , والأول أظهر والجمهور على الجواز , والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنه كان يكره أن يقول مسجد بني فلان ويقول مصلى بني فلان لقوله تعالى (وأن المساجد لله) , وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك ... (تنبيه) : الحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها ياء أخيرة ممدودة, والأمد الغاية. واللام في قوله " الثنية " للعهد من ثنية الوداع.] فتح الباري ١/٦٦٧. وثبت أن النبي ﷺ قد أضاف المسجد لنفسه الشريفة كما صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) رواه البخاري ومسلم. وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن عبد الله بن عبد الرحمن ﵁ قال: (جاءنا النبي ﷺ فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعاً يديه على ثوبه إذا سجد) قال في الزوائد إسناده متصل. سنن ابن ماجة ١/٣٢٩. وعن ابن عمر ﵁ (أن النبي ﷺ دخل مسجد بني عمرو بن عوف فدخل الناس يسلمون عليه وهو في الصلاة قال فسألت صهيباً كيف كان يرد عليهم قال هكذا وأشار بيده) رواه الدارمي وغيره وهو صحيح على شرط الصحيحين كما في فتح المنان ٦/٣٧٥. قال الإمام النووي [ولا بأس أن يقال مسجد فلان ومسجد بني فلان على سبيل التعريف] المجموع ٢/ ١٨٠. ويضاف إلى ما سبق أن المسلمين على مر العصور والأيام قد تعارفوا على تسمية المساجد بأسماء الأشخاص سواء كانوا صحابة أو علماء أو قادة أو غيرهم، قال الشيخ العلامة د. بكر أبو زيد حفظه الله تعالى [إن المساجد قد حصل بالتتبع وجود تسميتها على الوجوه الآيتة وهي: أولاً: تسمية المسجد باسم حقيقي، كالآتي: ١. إضافة المسجد إلى من بناه، وهذا من إضافة أعمال البر إلى أربابها، وهي إضافة حقيقية للتمييز، وهذه تسمية جائزة ومنها: ((مسجد النبي ﷺ ) ويُقال: ((مسجد رسول الله ﷺ ) . ٢. إضافة المسجد إلى من يصلي فيه، أو إلى المحلة، وهي إضافة حقيقية للتمييز فهي جائزة ومنها: ((مسجد قباء)) و ((مسجد بني زريق)) ، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر – ﵄ – في حديث المسابقة إلى مسجد بني زريق. ((ومسجد السوق)) . كما ترجم البخاري – ﵀ – بقوله: ((باب العلماء في مسجد السوق)) . ٣. إضافة المسجد إلى وصف تميز به مثل: ((المسجد الحرام)) و ((المسجد الأقصى)) كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الاسراء: من الآية١] . وفي السنة ثبت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة: ((لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام. والمسجد الأقصى. ومسجدي هذا)) . ومنه: ((المسجد الكبير)) . وقد وقع تسمية بعض المساجد التي على الطريق بين مكة والمدينة باسم: ((المسجد الأكبر)) . كما في صحيح البخاري، ومثله يُقال: ((الجامع الكبير)) . ثانياً: تسمية المسجد باسم غير حقيقي لكي يتميز ويعرف به. وهي ظاهرة منتشرة في عصرنا؛ لكثرة بناء المساجد وانتشارها ولله الحمد في بلاد المسلمين، في المدينة وفي القرية، بل في الحي الواحد، فيحصل تسمية المسجد باسم يتميز به، واختيار إضافته إلى أحد وجوه الأُمة وخيارها من الصحابة ﵃، فمن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، مثل: ((مسجد أبي بكر ﵁) ، ((مسجد عمر ﵁) ، وهكذا للتعريف، فهذه التسمية لا يظهر بها بأس، لاسيما وقد عُرف من هدي النبي ﷺ تسميته: سلاحه، وأثاثه، ودوابه، وملابسه، كما بينها ابن القيم – رحمه الله تعالى – في أول كتاب زاد المعاد ... ثالثاً: تسمية المسجد باسم من أسماء الله تعالى مثل: ((مسجد الرحمن)) ، ((مسجد القدوس)) ، ((مسجد السلام)) ، ومعلوم أن الله سبحانه قال وقوله الفصل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] . فالمساجد جميعها لله تعالى بدون تخصيص، فتسمية مسجد باسم من أسماء الله ليكتسب العلمية على المسجد أمر محدث لم يكن عليه من مضى، فالأولى تركه ... ] معجم المناهي اللفظية ص ٥٠٤ – ٥٠٦. قلت ما ذكره الشيخ أخيراً من أن الأولى عدم تسمية المساجد بنحو ((مسجد الرحمن)) ، ((مسجد القدوس)) ، ((مسجد السلام)) لا أرى فيه بأساً فتجوز إضافة المساجد إلى أسماء الله الحسنى. وخلاصة الأمر أنه لا حرج في تسمية المساجد بأسماء أشخاص وإن كنت أفضل أن لا يسمى مسجد باسم شخص قد بناه إذا كان الباني حياً وذلك بعداً عن الرياء وأما بعد موته فلا بأس بتسمية المسجد باسم بانيه، كما ينبغي أن تسمى المساجد بأسماء الصحابة والتابعين والأئمة والقادة الصالحين ونحوهم.

стр. 105

٢٧ - حكم إقامة صلاة جماعة قبل جماعة إمام المسجد يقول السائل: كما تعلمون فهنالك وقت بين الأذان وإقامة الصلاة وقد كنا ننتظر إقامة الصلاة في المسجد فدخل بعض الناس وأقاموا الصلاة وصلوا لوحدهم قبل الجماعة مع إمام المسجد فما حكم ذلك؟ الجواب: الأصل أنه لا تجوز إقامة صلاة جماعة في المسجد قبل جماعة الإمام الراتب [وهو الذي رتبه السلطان، أو نائبه، أو الواقف، أو جماعة من المسلمين والإمام الراتب يقدم في إمامة الصلاة على غيره من الحاضرين وإن اختص غيره بفضيلة كأن يكون أعلم منه أو أقرأ منه، فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال: صاحب المسجد أحق.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٤٦. ولا يجوز لأحد أن يفتات على الإمام الراتب - والافتيات هو الاستبداد بالرأي، والسبق بفعل شيء دون استئذان من يجب استئذانه، أو من هو أحق منه بالأمر فيه، والتعدي على حق من هو أولى منه - الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/٢٨٠. والمقصود بالافتيات هنا التعدي على حق الإمام الراتب بأن تصلى جماعة قبل جماعة الإمام الراتب لأن ذلك يعتبر تعدياً على حق الإمام الراتب ومخالفة لنظام المسجد وباباً من أبواب الفوضى فيصير كل من دخل أقام الصلاة وصلى مع غيره وهذا مناف للحكمة من صلاة الجماعة وقد ورد في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم. قال الإمام النووي [قوله ﷺ : (ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه) معناه: ما ذكره أصحابنا وغيرهم: أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره , وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه , وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم , وإن شاء قدَّم من يريده , وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين ; لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٠٢. وقد أخذ أهل العل من هذا الحديث أنه لا ينبغي لأحد أن يفتات على إمام المسجد الراتب فيقيم جماعة قبل جماعة الإمام الراتب قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وإمام المسجد الراتب أولى من غيره لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً له , وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم , فأبى وقال: صاحب المسجد أحق ولأنه داخل في قوله: ﷺ (من زار قوماً فلا يؤمهم) ] المغني ٢/١٥١. وحديث (من زار قوماً فلا يؤمهم) رواه الترمذي وحسنه. وقال الإمام النووي [قال الشافعي والأصحاب: إذا حضرت الجماعة، ولم يحضر إمام فإن لم يكن للمسجد إمام راتب قدموا واحداً وصلى بهم، وإن كان له إمام راتب، فان كان قريباً بعثوا إليه من سيعلم خبره ليحضر أو يأذن لمن يصلي بهم، وإن كان بعيداً أو لم يوجد في موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أن لا يتأذى بتقدم غيره، ولا يحصل بسببه فتنة استحب أن يتقدم أحدهم ويصلي بهم، للحديث المذكور، ولحفظ أول الوقت، والأولى أن يتقدم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام، وإن خافوا أذاه أو فتنة انتظروه. فإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة، هكذا ذكر هذه الجملة الشافعي والأصحاب] المجموع ٤/٢٠٧ إذا تقرر هذا فإن حصل وأقيمت جماعة قبل جماعة الإمام الراتب فمن أقامها فعمله يدور بين التحريم وبين الكراهة على الخلاف بين الفقهاء فقال الحنابلة بتحريم ذلك وقال الحنفية والشافعية والمالكية بكراهته وكذلك فمن أهل العلم من قال ببطلان تلك الصلاة ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم وهو الذي أميل إليه وأختاره. قال ابن مفلح المقدسي الحنبلي [تحرم الإمامة بمسجد له إمام راتب إلا بإذنه، قال أحمد: ليس لهم ذلك. وقال في الخلاف: فقد كره ذلك، قال في الكافي: إلا مع غيبة، والأشهر لا، إلا مع تأخره وضيق الوقت. ويراسل إن تأخر عن وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة. أو لم يظن حضوره، أو ظن ولا يكره ذلك. وإن بعد صلوا، وحيث حرم فظاهره لا تصح. وفي الرعاية لا يؤم، فإن فعل صح ويكره، ويحتمل البطلان للنهي] الفروع ١/٥٨١. وقال الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين في شرح قول صاحب زاد المستقنع [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب] أي: إذا كان المسجد له إمامٌ راتب. أي: مولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين، أو مولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد، فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ، لقولِ النبي ﷺ : (لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه) ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه، والنهيُ هنا للتحريمِ، فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره. وكما أن هذا مقتضى الحديث، فهو مقتضى القواعد الشرعية؛ لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛ لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع. قوله: (إلا بإذنه) أي: إلَّا إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصاً أو توكيلاً عاماً. فالتوكيل الخاص: أن يقول: يا فلان صَلِّ بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا. قوله: «أو عذره» العذر مثل: لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد فلنا أن نُصلِّيَ، وإنْ لم يأذن. مسألة: لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟ فالجواب: في هذا لأهلِ العِلمِ قولان: القول الأول: أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم. القول الثاني: أنهم آثمون، ولا تصحُّ صلاتُهم، ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها. والرَّاجح القول الأول: لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل، وأما صِحةُ الصلاةِ؛ فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ، وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛ لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام، والتقدُّم على حَقِّهِ، فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ.] الشرح الممتع ٤/٢١٦- ٢١٨. وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي تحت عنوان الافتئات على الإمام الراتب: [يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب أي يتقدمون بالصلاة جماعة عليه قبل أن تقام له فيختزلون من الجامع ناحية يؤمون بها أناساً على شاكلتهم رغبة في العجلة أو حباً في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة إلا بإذنه وإلا فلا تصح صلاته كما في الإقناع وشرحه. وقالت المالكية كره إقامتها قبل الراتب وحرم معه ووجب الخروج عند إقامتها للراتب كما في أقرب المسالك، وكره ذلك الشافعية وأفتى ابن حجر بمنعه بتاتاً، وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له راتب وكره ذلك الحنفية. ولا يخفى أن ما ينشأ عن هذا الإفتئات من المفاسد يقضي بتحريمه لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين والتشيع والتحزب في العبادة، ولمخالفة أمر السلطان أو نائبه لأنه أذن للراتب فقط. ولاتباع الهوى ومضادة حكمة مشروعية الجماعة من الاتحاد للتآلف والتعارف والتعاون على البر والتقوى فإن في تقسيمها تناكر النفوس وتبديل الأنس وحشة، إلى مفاسد أخرى تنتهي إلى قريب الأربعين مفسدة، وقد جمعت في حظر ذلك رسالة سميتها (إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الإمام الراتب من الكتاب والسنة وأقوال سائر أئمة المذاهب) فليحذر من هذه البدعة الشنيعة هدى الله المفتاتين للإقلاع عنها] إصلاح المساجد عن البدع والعوائد ص ٧٨-٧٩. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يقيم صلاة جماعة قبل جماعة الإمام الراتب لأن في ذلك افتياتاً على الإمام الراتب ومنافاة لحكمة مشروعية صلاة الجماعة فمن فعل ذلك صحت صلاته مع الإثم.

стр. 106

٢٨ - الصفوف في الصلاة يقول السائل: إنه سجين وإن السجناء يصلون جماعة داخل الخيمة بسبب المطر، وبسبب الازدحام فإنه لا يمكن اتصال الصفوف، فبعض السجناء يصلي على الأرض وبعضهم يصلي على الأبراش (الأسرَّة) ويكون الإمام على الأرض وهم أعلى منه في المكان، فما حكم في ذلك؟ الجواب: يجب أن يُعلم أولاً أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة كما ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وكذلك فإنه ينبغي على الإمام أن يأمر المصلين بتسوية الصفوف فقد ثبت في الحديث عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم. وعن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائمة عند ربها! فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف) رواه مسلم. وعن أنس أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فيكون في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني. إذا تقرر هذا فإن الأصل في الصفوف في صلاة الجماعة أن تكون منضبطة ومتصلة ولا ينبغي أن يكون هنالك انقطاع بينها. ولكن نظراً للظروف السائدة في السجن كما ذكر السائل فإنه يجوز أن يصف المساجين على أبراشهم (أسرَّتهم) والانقطاع الحاصل بين المصلي والآخر في هذه الحالة لا بأس به بسبب طبيعة الوضع داخل الخيمة ولا حرج في ارتفاع المأموم عن الإمام في المكان في هذه الحالة حيث أجاز الفقهاء ارتفاع المأمومين عن الإمام. ومع كل ما سبق فإني أنصح المساجين أن يحاولوا قدر الاستطاعة أن يصفوا بالطريقة المشروعة إن أمكنهم ذلك. وإلا فإنهم معذورون إن شاء الله تعالى. والتكليف لا يكون إلا حسب الوسع والطاقة, فقد قال الله تعالى: ? لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? سورة البقرة الآية ٢٨٦. وقال : ? فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ? سورة التغابن الآية ١٦.

стр. 107

٢٩ - حكم إلحاق السجين بالمسافر في الجمع وقصر الصلاة يقول السائل: ما قولكم بالفتوى التي تقول إن الأسير والمعتقل لهما حكم المسافر في قصر الصلاة وجمعها فيقصران ويجمعان باستمرار؟ الجواب: إن القول بإلحاق المعتقل والسجين بالمسافر فيعطيان أحكام المسافر قول غير صحيح على إطلاقه بناء على الإطلاع على واقع المساجين، وهذا الإلحاق من باب القياس وهو مساواة الفرع للأصل في علة حكمه ويشترط في إلحاق الفرع بالأصل في القياس الأصولي الاشتراك في العلة بين الفرع والأصل وقد نص أهل العلم على أن علة القصر والجمع للصلاة في حق المسافر هي قطع المسافة وهذه العلة غير موجودة في حق المعتقلين والمساجين وقد توجد في حقهم في بعض الحالات عند نقلهم من سجن لآخر أو إلى المحكمة في مدينة أخرى ونحو ذلك. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سورة النساء الآية ١٠١، ففي هذه الآية الكريمة علَّق الله قصر الصلاة على الضرب في الأرض أي السفر ولا أراه متحققاً في حق السجين فهذا القياس قياس مع الفارق فلا يصح، لأن القياس إنما هو تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فلا بد إذن من توافرها فيهما معاً، ومثال ذلك قياس النبيذ على الخمر، فإن العلة في الأصل هي الإسكار وهي قائمة في الفرع أيضاً، أما قياس الماء على الخمر فممتنع لأن العلة في الخمر هي الإسكار وهي غير موجودة في الماء، فلا يصح القياس لذلك، وهنا لا يصح قياس السجين على المسافر لأن العلة في الأصل وهي السفر - والسفر هو قطع المسافة - غير موجودة في الفرع وهو السجين. ويضاف إلى ذلك أن جمهور الفقهاء قد نصوا على أن المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر لا يجوز له أن يقصر أو يجمع ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق) . قال الإمام الشوكاني: [والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أياماً من دون تردد لا يقال له مسافر فيتم الصلاة ولا يقصر إلا لدليل ولا دليل ههنا إلا ما في حديث الباب من إقامته ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة والاستدلال به متوقف على ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامة أربعة أيام إلا أن يقال إن تمام أعمال الحج في مكة لا يكون في دون الأربع فكان كل من يحج عازماً على ذلك فيقتصر على هذا المقدار ويكون الظاهر والأصل في حق من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام وإلا لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة ولا قائل به. ولا يرد على هذا قوله ﷺ في إقامته بمكة في الفتح إنا قوم سفر كما سيأتي لأنه كان إذ ذاك متردداً ولم يعزم على إقامة مدة معينة] نيل الأوطار ٣/٢٣٧. ومن المعلوم أن السجين يقيم في سجنه أكثر من أربعة أيام بل إن بعضهم يقيم أشهراً وسنواتٍ فلا يصح إلحاقه بالمسافر. وكذلك فإن القول بأن السجين ملحق بالمسافر فمعنى ذلك أنه لا يجب عليه صوم رمضان ولا يصلي جماعة ولا جمعة ولا صلاة العيد وفي هذا حرمان من خير كثير وخاصة إذا كان محكوماً لمدة طويلة وكذلك فإنه يخسر المعاني العظيمة التي تترتب على إقامة هذه الشعائر. وإذا قررنا انتفاء العلة التي تلحق الأسير بالمسافر بطل القول بجواز جمع السجين بين الصلوات أيضاً لأن انتفاء العلة يعني نفي الحكم فالحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً ويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي إن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقَّته فهو موقوت ووقَّته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠. وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك الشيخ ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٨-٢٨٩. وقد ذكر ابن كثير عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر (من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة) . وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي، فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرةً فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير١/٤٨٥. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب: [الحمد لله، نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر، بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) . ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢/٥٣-٥٤. وخلاصة الأمر أن قياس السجين على المسافر قياس باطل فلا يجوز للسجين أن يقصر الصلاة الرباعية ولا أن يجمع بين الصلاتين إلا إذا سافر حقيقة. وأنصح إخواني المساجين – فك الله أسرهم - بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع والقصر لأن جمعهم وقصرهم يعتبر باطلاً.

стр. 108

٣٠ - لا تصح إمامة المرأة للرجال في صلاة الجمعة ي قول السائل: ما قولكم فيما نشر في وسائل الإعلام أن أول امرأة ستؤم المصلين من النساء والرجال في صلاة الجمعة وستقام بمدينة نيويورك الأمريكية وستطالب هذه المرأة بحق النساء المسلمات في المساواة مع الرجال في التكاليف الدينية كحق المرأة في الإمامة، وعدم ضرورة أن يصلي النساء في صفوف خلفية وراء الرجال باعتبار أن هذا الأمر هو ناتج عن عادات وتقاليد بالية وليس من الدين في شيء وترى أنه لا يوجد في سلوكيات النبي ﷺ ما يمنع أن تؤم المرأة المسلمين رجالا ونساء!!؟ الجواب: إن الأصل الذي قرره العلماء في العبادات عامة والصلاة بشكل خاص هو التلقي عن النبي ﷺ فالأصل فيها التوقيف أو الحظر كما يعبر بعض العلماء أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي ﷺ ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان. يقول الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ويقول الرسول ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. وكان ﵊ يقول في خطبه: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم. فالأصل في المسلم أن يقف عند موارد النصوص فلا يتجاوزها لأننا أمرنا بالإتباع ونهينا عن الابتداع فنحن مأمورون بإتباعه والإقتداء به ﷺ كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري هذه هو الأصل الأصيل وأما ما نقل عن المرأة المسلمة الأمريكية فإنه لعجب عجاب ولا يستبعد أن تكون أيدي خفية تدفعها لهذا الأمر للتشويش على الإسلام وإن كنا لا نستغرب مثل هذه الأمور في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في أنحاء العالم اليوم. وما زعمته هذه المرأة من افتراءات على دين الإسلام واضح بطلانها حيث إنها زعمت أنه لا يعرف عن رسول الله ﷺ أنه منع المرأة من إمامة الرجال فهذا كذب صريح على رسول الله ﷺ وقد صح في الحديث من قوله ﷺ (: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وجاء في رواية أخرى أنه ﷺ قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . ولم يعرف في تاريخ الإسلام أن امرأة أمت الرجال في صلاة الجمعة. وقد اتفق جماهير علماء الإسلام على أن من صلى خلف امرأة في الفريضة فصلاته وصلاتها باطلة كما اتفقوا على أن المرأة لا تكون إماماً في الصلوات المفروضات ومنها صلاة الجمعة ولا في النوافل أيضاً قال الإمام الشافعي (وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة، وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة؛ لأن الله جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهنَّ عن أن يكن أولياء وغير ذلك، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبداً) . الأم١/١٦٤. وقال الإمام النووي: [ ... واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري ... وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف ﵏ وحكاه البيهقى عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود] المجموع ٥/٣٣٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء] المغني٢ /١٤٦ وقال ابن حزم الظاهري: [وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، وَلاَ الرِّجَالَ , وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّصَّ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ إذَا فَاتَتْ أَمَامَهُ. عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , مَعَ قَوْلِهِ ﵇ الإِمَامُ جُنَّةٌ وَحُكْمُهُ ﵇ بِأَنْ تَكُونَ وَرَاءَ الرَّجُلِ، وَلاَ بُدَّ فِي الصَّلاَةِ , وَأَنَّ الإِمَامَ يَقِفُ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ لاَ بُدَّ أَوْ مَعَ الْمَأْمُومِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهِ وَمِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ يَثْبُتُ بُطْلاَنُ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ , وَلِلرِّجَالِ يَقِينًا] المحلى ٢/١٦٧. ومن أوضح الأدلة على منع المرأة من إمامة الصلاة أن النبي ﷺ أمر بتأخير صفوف النساء عن صفوف الرجال فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن صفوف النساء تكون بعد صفوف الرجال وهذه المرأة تزعم أنه لم يرد عن النبي ﷺ ما يمنع من إقامة صلاة تختلط فيها النساء مع الرجال ولقد أعظمت الفرية على رسول الله ﷺ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [ ... وأن المنع من إمامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/٢٤٩ وقال الإمام الباجي المالكي: [ ... فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِهَا: الْأُنُوثَةُ. وَالثَّانِيَةِ: الصِّغَرُ وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ. وَالثَّالِثَةِ: نَقْصُ الدِّينِ. فَأَمَّا الْأُنُوثَةُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لا تَؤُمُّ رِجَالاً وَلَا نِسَاءً فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ... ] المنتقى شرح الموطأ ٢/٢٠٣. وقد اتفق الفقهاء على أن من شروط الإمام في صلاة الجمعة الذكورة حيث إن صلاة الجمعة ليست واجبة على النساء وكذا اتفقوا على أنه يشترط في خطيب الجمعة أن يكون رجلاً. انظر حاشية قليوبي وعميرة على شرح المنهاج للمحلي ١/٢٧٨. والعجب من بعض المشايخ الذين ظهروا على بعض المحطات الفضائية وزعموا أن المسألة محل خلاف بين الفقهاء وأن فيها عدة أقوال، أقول لهم إن المسألة محل اتفاق بين الفقهاء وهي منع المرأة من الإمامة والخطابة في صلاة الجمعة فلم يقل أحد من أهل العلم بأن المرأة تتولى خطبة الجمعة والإمامة في صلاة الجمعة والذكورة شرط في فرضية الجمعة باتفاق الفقهاء وإنما وقع خلاف في إمامة المرأة في غير صلاة الجمعة فقال بعض العلماء يجوز أن تؤم بالفرائض الخمس وقال آخرون تؤم في النافلة كالتراويح، قال المرداوي الحنبلي [وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ... وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ ... وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ , ... قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ , قِيلَ: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ قَارِئَةً وَهُمْ أُمِّيُّونَ , ... وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ مِنْ الرِّجَالِ , وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ وَذَا رَحِمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ , وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ ذَا رَحِمٍ أَوْ عجُوزٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا ... ] الإنصاف٢/٢٦٣. وقال آخرون تؤم النساء فقط. وأما ما ورد في الحديث عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية ﵂ أن النبي ﷺ لما غزا بدراً قالت قلت له يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني شهادة قال قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة قال فكانت تسمى الشهيدة قال وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها ... وفي رواية أخرى عند أبي داود (وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها وجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيراً) رواه أبو داود وغيره والحديث ضعيف عند جماعة من المحدثين وممن ضعفه الإمام الباجي المالكي حيث قال: [وهذا الحديث مما لا يجب أن تعول عليه] المنتقى شرح الموطأ ٢/٢٠٣. وممن ضعفه الحافظ ابن حجر كما في التلخيص الحبير ٢/٢٧ وقد صححه ابن خزيمة كما ذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام ص ٨٤ وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١١٨. فإن قلنا بأن الحديث صالح للاحتجاج فقد حمله بعض أهل العلم على أن أم ورقة ﵂ قد أمت بنساء دارها فقط وأن ذلك خاص بها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها , ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذناً والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل فلا يجوز المصير إليه ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة لكان خاصا بها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة , فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة] المغني ٢/١٤٧. وحمله بعض العلماء على أنها تؤم بمحارمها قال الصنعاني [وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ أَهْلَ دَارِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ وَكَانَ شَيْخًا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّهُ وَغُلَامَهَا وَجَارِيَتَهَا] سبل السلام ٢/٤٣٦. وحمله ابن مفلح الحنبلي على أن ذلك في النافلة فقط فقال [ ... رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ بِإِسْنَادٍ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ , وَإِنْ صَحَّ فَيَتَوَجَّهُ حَمْلُهُ عَلَى النَّفْلِ , جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ ... ] الفروع ٢/١٨. ومثل ذلك قال صاحب منتهى الإرادات. وخلاصة الأمر أن إمامة المرأة في صلاة الجمعة منكر ومعصية ظاهرة وبدعة جديدة مخالفة لما هو مقرر شرعاً ومخالف لما مضى عليه العمل من لدن رسول الله ﷺ وحتى عصرنا الحاضر وهو أمر شاذ بل في غاية الشذوذ.

стр. 109

٣١ - قام الإمام إلى ركعة خامسة في صلاة الظهر يقول السائل: كنَّا نصلي صلاة الظهر جماعة فقام الإمام إلى ركعة خامسة سهواً فسبح بعض المصلين فلم يرجع الإمام وأتم الخامسة ثم سجد للسهو. وأما المأمومون فمنهم من تابع الإمام ومنهم من بقي جالساً حتى سلَّم الإمام فسلموا معه وقد روجع الإمام فقال إنه قد اقتدى بالنبي ﷺ لما سها وقام إلى خامسة فعلى المصلين أن يقتدوا به في الخامسة، فما قولكم؟ الجواب: النسيان والسهو من الأمور الملازمة للإنسان ولا إثم على الانسان في حال السهو لما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. والسهو في الصلاة واقع فقد سها النبي ﷺ أكثر من مرة في صلاته كما ثبت ذلك في عدة أحاديث منها: عن عبد الله بن بحينة ﵁ أنه قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلَّم) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلَّم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جِذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وسجود السهو واجب في الصلاة إذا وُجد المقتضي له على الراجح من أقوال أهل العلم كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٣/٢٧-٢٨. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه , لزم المأمومين تنبيهه , فإن كانوا رجالاً سبحوا به , وإن كانوا نساءً صفقن ببطون أكفهن على ظهور الأخرى , وبهذا قال الشافعي ... ولقول النبي ﷺ (من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله) متفق عليه] المغني ٢/١٥ وتذكير المأمومين للإمام واجب كما ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي ويدل عليه أيضاً ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال ( ... إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين) رواه البخاري ومسلم. فقوله ﷺ فذكروني أمر والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. إذا تقرر هذا فأعود لجواب السؤال فأقول: إذا سها الإمام عن الجلوس الأخير في الصلاة فقام إلى ثالثة في الفجر أو رابعة في المغرب أو خامسة في الظهر أو العصر أو العشاء فسبح بعض المصلين فينبغي أن يرجع ثم يجلس للتشهد ويسجد سجدتي السهو والرجوع واجب على الإمام في هذه الحال إلا إذا كان متيقناً من خطأ المأمومين فإنه لا يرجع. وأما المأموم في السؤال المذكور فإذا كان متيقناً أنه صلى أربعاً فلا يجوز أن يتابع الإمام في الخامسة فإن فعل بطلت صلاته لأنه تعمد الزيادة في الصلاة وأما إن كان غير متأكد من عدد الركعات التي صلاها فتابع الإمام فصلاته صحيحة. وأما من تيقن أنه صلى أربعاً فإنه إما أن يبقى جالساً حتى يسلم الإمام فيسلم معه وإما أن ينوي مفارقة الإمام. . [سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يسه فهل يقومون معه أم لا؟ فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن.] مجموع الفتاوى ٢٣/٥٣ وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [لو صلى خمساً يعني في صلاة رباعية فإنه متى قام إلى الخامسة في الرباعية، أو إلى الرابعة في المغرب، أو إلى الثالثة في الصبح، لزمه الرجوع متى ما ذكر، فيجلس، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته، سجد للسهو، ثم يسلم. وإن كان تشهد، ولم يصل على النبي ﷺ صلى عليه، ثم سجد للسهو وسلم وإن لم يكن تشهد، تشهد وسجد للسهو، ثم سلم. فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة، سجد سجدتين، عقيب ذكره، وتشهد وصلاته صحيحة. وبهذا قال علقمة والحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق وأبو ثور ... ولنا: ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال ﴿صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا قالوا: فإنك قد صليت خمساً فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين﴾ . وفي رواية قال: ﴿إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون ثم سجد سجدتي السهو﴾ . وفي رواية، فقال ﴿فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين﴾ رواها كلها مسلم والظاهر أن النبي ﷺ لم يجلس عقيب الرابعة، لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقداً أنه قام عن ثالثة ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى] المغني ٢/٢٥-٢٦. وأما إدعاء الإمام بأن على المصلين أن يتابعوه في الخامسة اقتداءً بالنبي ﷺ لما سها وتابعه الصحابة رضوان الله عليهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة فالجواب أن هذا إدعاء باطل لأن النبي ﷺ لم يأمر من تابعه من الصحابة في الزيادة بأن يعيد الصلاة فعلة ذلك أنهم كانوا في عصر التشريع وقد ظنوا أن الصلاة قد زيد فيها فلذلك لم ينبه الرسول ﷺ أحداً من الصحابة ﵃ في الزيادة إلا بعد الصلاة، كما سبق من حديث عبد الله بن مسعود ﷺ قال (صلى النبي ﷺ الظهر خمساً فقالوا أزيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا صليت خمساً فثنى رجليه وسجد سجدتين) وأما الادعاء بوجوب متابعة الإمام في هذه الحالة فقد أجاب عنه العلامة محمد صالح العثيمين فقال [ولقد ساءني ما نقله لي ثقة عن شخص كان يجادله في إمام صلى الظهر خمساً والمأموم يعلم أنه قد زاد في صلاته فقال هذا المجادل أنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الزيادة لأن النبي ﷺ قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به) فتأمل تأمل خطأ هذا المجادل في الحكم والفهم وتأمل أن طرد قاعدته يستلزم أن الإمام لو صلى الظهر عشر ركعات لوجب على المأموم أن يتابعه إن هذا والله لهو الجهل المركب بل مركب المركب جهل في الحكم وجهل في الفهم وجهل بأدلة الشريعة الأخرى أفلا يعلم هذا الجاهل المجادل أن النبي ﷺ بيّن الواجب في إئتمام المأموم بإمامه بقوله (فإذا كبر فكبروا) إلى أن قال (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) والفاء في قوله ﷺ فإذا كبر إلى آخره للتفريع فما بعدها تفريع على ما قبلها وإفصاح للمراد به تبين المراد بالإتمام ولم يقل النبي ﷺ إذا صلى الإمام خمساً فصلوا خمساً ونحن نعلم علم اليقين أن الإنسان لو صلى خمساً متعمداً لبطلت صلاته لأن النبي ﷺ قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فهل صلاة الظهر خمساً عليها أمر الله ورسوله وإذا لم يكن عليها أمر الله ورسوله فهي باطلة مردودة بمقتضى هذا الحديث وإذا كانت باطلة فهل يجوز إتباع الغير فيما هو باطل أيها المسلمون إن الحكم في هذه المسألة إذا قام الإمام إلى خامسة أنه يجب على المأموم أن ينبهه فيقول سبحان الله ثم إن رجع الإمام فذلك هو المطلوب وحينئذ يرجع ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو سجدتين بعد السلام ويسلم ويتابعه المأموم في ذلك وإن أبى أن يرجع لكونه يتيقن أنه على صواب فإن المأموم الذي يتيقن أنه على صواب وأن الإمام مخطئ يجب عليه أن يجلس ولا يجوز له أن يتابع الإمام لأنه لو تابعه لزاد في الصلاة ركعة عمداً وهذا يبطلها ولكنه يبقى حتى إذا رجع الإمام إذا قضى الركعة التي قام إليها وتشهد سلم مع الإمام] عن شبكة الإنترنت. وخلاصة الأمر أن الإمام إذا قام إلى خامسة في صلاة رباعية فعليه أن يرجع إذا سبح المصلون وعليه سجود السهو إلا إذا تيقن من خطأ المأمومين وأما المأمومون فكل من تيقن أنه صلى أربعاً فيحرم عليه متابعة الإمام في الخامسة فإن تابعه بطلت صلاته، وهو مخير بين أن ينتظر الإمام فيسلم معه أو ينوي مفارقة الإمام. وأما من كان غير متيقن فتابع الإمام فصلاته صحيحة.

стр. 110

٣٢ - حكم جمع السجين بين الصلاتين بسبب المطر يقول السائل: ما حكم الجمع بين الصلاتين بسبب المطر في حق السجين؟ الجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر ومثل ذلك في التساهل أيضاً جمع السجين في سجنه فمن المعروف أن السجين يصلي في سجنه ولا يذهب إلى المسجد فلا يتأذى من المطر. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه ... ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦ وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معللاً القول بمنع المنفرد من الجمع للمطر: [لأن الجمع لأجل المشقة فيختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة يختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه] المغني ٢/٢٠٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع لمطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في سجنه؟ وأنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف " ويجوز الجمع " أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤. ويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي أن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقَّته فهو موقوت ووقَّته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠. وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٨-٢٨٩. وقد روي في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث ضعيف ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم ٤٥٨١. وقال محمد بن الحسن الشيباني: [وبلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث عن مكحول] الموطأ برواية محمد بن الحسن ص٨٢. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال (قُرىء علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين) يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنميمة) . الدر المنثور ٢/ ٥٠٢. وقال الإمام البيهقي: [" باب ذكر الأثر في أن الجمع من غير عذر من الكبائر مع ما دلت عليه أخبار المواقيت ثم روى بسنده عن عمر ﵁ قال: (جمعُ الصلاتين من غير عذر من الكبائر) قال الشافعي في سنن حرملة العذر يكون بالسفر والمطر وليس هذا بثابت عن عمر هو مرسل. قال الشيخ هو كما قال الشافعي والإسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا وهو مرسل. أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁ وقد روى ذلك بإسناد آخر قد أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه ... (أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً وقد روي فيه حديث موصول عن النبي ﷺ في إسناده من لا يحتج به ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (جمعٌ بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) . لفظ حديث نعيم وفي رواية يعقوب (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره] سنن البيهقي ٣/١٦٩. وذكر ابن كثير الأثر عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة. وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير١/٤٨٥. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب الحمد لله نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) . ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢/٥٣-٥٤. وخلاصة الأمر فإني أنصح المساجين – فك الله أسرهم - بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأن جمعهم يعتبر جمعاً بدون عذر شرعي وعليهم أن يصلوا كل صلاة في وقتها.
следующие страницы →