Полный текст (236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بها؛ قال لي: فتنزهنا يوماً إلى بعض ضياعنا بالسهلة غربي قرطبة مع بعض أعمامي، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار، إلى أن غيمت السماء وأقبل الغيث، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع؛ قال: فأمر عمي ببعض الأغطية فألقي علي وأمرها بالاكتنان معي، فظن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون، ويا لك من جمع كخلاء، واحتفال كانفراد، قال لي: فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبداً.
ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحاً على بعد العهد وامتداد الزمان؛ ففي ذلك أقول شعراً منه: [من الخفيف] .
يضحك الروض والسحائب تبكي ... كحبيب رآه صب معنى خبر: ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوى، وكان في المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر، فكانت تقف له في ذلك الموضع، وكان فيه بعض البعد، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها.
فخاطبها مستخبراً لها عن ذلك فأجابته: إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلم عليك فرددت عليه فصح الظن، فهذه علامة بيني وبينك، فإذا رأيت يداً مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي، فلا تجاوب.
وربما استحلي الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التجليح في الوصال، فلا يلفت إلى لائم ولا يستتر من حافظ ولا يبالي بناقل، بل العذل حينئذ يغري؛ وفي صفة الوصل أقول شعراً منه: [من السريع] .
стр. 107
كم درت حول الحب حتى لقد ... حصلت فيه كحصول الفراش ومنه: تعشو إلى الوصل دواعي الهوى ... كما سرى سنا النار عاش ومنه: عللني بالوصل من سيدي ... كمثل تعليل الظماء العطاش ومنه: لا توقف العين على غاية ... فالحسن فيه مستزيد وفاش وأقول من قصيدة لي: [من السريع] .
هل لقتيل الحب من وادي ... أم هل لعاني الحب من فادي أم هل لدهري عودة نحوها ... كمثل يوم مر في الوادي ظللت فيه سابحاً صادياً ... يا عجباً للسابح الصادي ضنيت يا مولاي وجداً فما ... تبصرني ألحاظ عوادي كيف اهتدى الوجد إلى غائب ... عن أعين الحاضر والبادي مل مداواتي طبيبي فقد ... يرحمني للسقم حسادي
стр. 108
- ٢١ - باب الهجر
ومن آفات الحب أيضاً الهجر، وهو على ضروب: ١ - فأولها؛ هجر يوجبه تحفظ من رقيب حاضر؛ وإنه لأحلى من كل وصل.
ولولا أن ظاهر اللفظ وحكم التسمية يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت به عنه ولأجللته عن تسطيره فيه.
فحينئذ ترى الحبيب منحرفاً عن محبه، مقبلاً بالحديث على غيره، معرضاً بمعرض لئلا تلحق ظنته أو تسبق استرابته؛ وترى المحب أيضاً كذلك، ولكن طبعه له جاذب، ونفسه له صارفة بالرغم، فتراه حينئذ منحرفاً كمقبل، وساكتاً كناطق، وناظراً إلى جهة نفسه في غيرها؛ والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن باطن حديثهما علم أن الخافي غير البادي، وما جهر به غير نفس الخبر، وإنه لمن المشاهد الجالبة للفتن، والمناظر المحركة للسواكن، الباعثة للخواطر، المهيجة للضمائر، الجاذبة للفتوة.
ولي أبيات في شيء من هذا أوردتها، وإن كان فيها غير هذا المعنى على ما شرطنا، منها: [من الطويل] يلوم أبو العباس جهلاً بطبعه ... كما عير الحوت النعامة بالصدى
стр. 109
ومنها: وكم صاحب أكرمته غير طائع ... ولا مكره إلا لأمر تعمدا وما كان ذاك البر إلا لغيره ... كما نصبوا للطير بالحب مصيدا وأقول من قصيدة محتوية على ضروب من الحكم وفنون من الآداب الطبيعية: [من الطويل] وسراء أحشائي لمن أنا مؤثر ... وسراء أنبائي لمن أتحبب فقد يشرب الصاب الكريه لعلة ... ويترك صفو الشهد وهو محبب وأعذل في إجهاد نفسي في الذي ... أريد وأني فيه أشقى وأتعب هل اللؤلؤ المكنون والدر كله ... رأيت بغير الغوص في البحر يطلب وأصرف نفسي عن وجوه طباعها ... إذا في سواها صح ما أنا أرغب كما نسخ الله الشرائع قبلنا ... بما هو أدنى للصلاح وأقرب كما صار لون الماء لون إنائه ... وفي الأصل لون الماء أبيض معجب ومنها: أقمت ذوي ودي مقام طبائعي ... حياتي بها والموت منهن يرهب ومنها: وما أنا ممن تطبيه بشاشة ... ولا يقتضي ما في ضميري التجنب أزيد نفاراً عند ذلك باطناً ... وفي ظاهري أهل وسهل ومرحب فإني رأيت الحرب يعلو اشتعالها ... ومبدؤها في أول الأمر ملعب وللحية الرقشاء وشي ولونها ... عجيب وتحت الوشي سم مركب وإن فرند السيف اعجب منظراً ... وفيه إذا هز الحمام المذرب وأجعل ذل النفس عزة أهلها ... إذا هي نالت ما لها فيه مرغب فقد يضع الإنسان في الترب وجهه ... ليأتي غداً وهو المصون المقرب فذل يسوق العز أجود للفتى ... من العز يتلوه من الذل مركب
стр. 110
وكم مأكل أربت عواقب غبه ... ورب طوى بالخصب آت ومعقب وما ذاق عز النفس من لا يذلها ... ولا التذ طعم الروح من ليس ينصب ورودك نغب الماء من بعد ظمأة ... ألذ من العل المكين وأعذب ومنها: وفي كل مخلوق تراه تفاضل ... فرد طيباً إن لم يتح لك أطيب ولا ترض ورد الرنق إلا ضرورة ... إذا لم يكن في الأرض حاشاه مشرب ولا تقربن ملح المياه فإنها ... شجى والصدا بالحر أولى وأوجب ومنها: فخذ من جداها ما تيسر واقتنع ... ولا تك مشغولاً بمن هو يغلب فما لك شرط عندها لا ولا يد ... ولا هي إن حصلت أم ولا أب ومنها: ولا تيأسن مما ينال بحيلة ... وإن بعدت فالأمر ينأى ويصعب ولا تأمن الإظلام فالفجر طالع ... ولا تلتبس بالضوء فالشمس تغرب ومنها: ألح فإن الماء يكدح في الصفا ... إذا طال ما يأتي عليه ويذهب وكثر ولا تفشل وقلل كثير ما ... فعلت فماء المزن جم وينضب فلو يتغذى المرء بالسم قاته ... وقام له منه غذاء مجرب ٢ - ثم هجر يوجبه التدلل وهو ألذ من كثير الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه، واستحكام
стр. 111
البصيرة في صحة عقده، فحينئذ يظهر المحبوب هجراناً ليرى صبر محبه، وذلك لئلا يصفو الدهر البتة، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك لا لما حل، لكن مخافة أن يترقى إلى ما هو أجل فيكون ذلك الهجر سبباً إلى غيره، أو خوفاً من آفة حادث ملل.
ولقد عرض لي في الصبا هجر مع بعض من كنت آلف، على هذه الصفة، وهو لا يلبث أن يضمحل ثم يعود؛ فلما كثر ذلك قلت على سبيل المزاح شعراً بديهياً ختمت كل بيت منه بقسيم من أول قصيدة طرفة بن العبد المعلقة، وهي التي قرأناها مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس، ﵏، في المسجد الجامع بقرطبة، وهي: [من الطويل] تذكرت وداً للحبيب كأنه ... " لخولة أطلال ببرقة ثهمد " وعهدي بعهد كان لي منه ثابت ... " يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد " وقفت به لا موقناً برجوعه ... " ولا آيساً أبكي وأبكي إلى الغد " إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا ... " يقولون لا تهلك أسى وتجلد "
стр. 112
كان فنون السخط ممن أحبه ... " خلايا سفين بالنواصف من دد " كأن انقلاب الهجر والوصل مركب ... " يجور به الملاح طوراً ويهتدي " فوقت رضى يتلوه وقت تسخط ... " كما قسم الترب المفايل باليد " ويبسم نحوي وهو غضبان معرض ... " مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد " ٣ - ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا فيه بعض الشدة، لكن فرحة الرجعة وسرور الرضى يعدل ما مضى، فإن لرضى المحبوب بعد سخطه لذة في القلب لا تعدلها لذة، وموقعا من الروح لا يفوقه شيء من أسباب الدنيا.
وهل شاهد مشاهد أو رأت عين أو قام في فكر ألذ وأشهى من مقام قد قام عنه كل رقيب، وبعد عنه كل بغيض، وغاب عنه كل واش، واجتمع فيه محبان قد تصارما لذنب وقع من المحب منهما، وطال ذلك قليلاً، وبدأ بعض الهجر، ولم يكن ثم مانع من الإطالة للحديث، فابتدأ المحب في الاعتذار والخضوع والتذلل والادلاء بحجته الواضحة من الإدلال والإذلال والتذمم بما سلف، فطوراً يدل ببراءته، وطوراً يرد بالعفو ويستدعي المغفرة ويقر بالذنب ولا ذنب له، والمحبوب في كل ذلك ناظر إلى الأرض يسارقه اللحظ الخفي، وربما أدامه فيه، ثم يبسم مخفياً لتبسمه، وذلك علامة الرضى، ثم ينجلي مجلسهما عن قبول العذر، وتقبل القول، وامتحت ذنوب النقل، وذهبت آثار السخط، ووقع الجواب بنعم وذنبك مغفور، لو كان، فكيف ولا ذنب؛ وختما أمرهما بالوصل الممكن وسقوط العتاب والإسعاد، وتفرقا على هذا - هذا مكان تتقاصر دونه الصفات وتتلكن بتحديده الألسنة.
стр. 113
ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه؛ ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء، وانبساط مدبري الدول، فما رأيت أشد تبجحا ولا اعظم سروراً بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته له؛ وحضرت مقام المعتذرين بين أيدي السلاطين، ومواقف المهتمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين، فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره السخط وغلب عليه الجفاء.
ولقد امتحنت الأمرين وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وانفذ من السيف، لا أجيب إلى المدينة ولا أساعد على الخضوع، وفي الثانية أذل من الرداء، وألين من القطن، أبادر إلى أقصى غايات التذلل، وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع، وأتحلل بلساني، وأغوص على دقائق المعاني ببياني، وأفتن القول فنوناً، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي.
والتجني بعض عوارض الهجران، وهو يقع في أول الحب وآخره، فهو في أوله علامة لصحة المحبة، وفي آخره علامة لفتورها وباب للسلو.
خبر: وأذكر في مثل هذا أني كنت مجتازاً في بعض الأيام بقرطبة من مقبرة باب عامر في لمة من الطلاب وأصحاب الحديث، ونحن نريد مجلس الشيخ أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد المصري بالرصافة أستاذي ﵁، ومعنا أبو بكر عبد الرحمن
стр. 114
ابن سليمان البلوي من أهل سبتة، وكان شاعراً مفلقاً.
وهو ينشد لنفسه في صفة متجن معهود أبياتاً له، منها: [من الطويل] سريع إلى ظهر الطريق وإنه ... إلى نقض أسباب المودة أسرع يطول علينا أن نرقع وده ... إذا كان في ترقيعه يتقطع فوافق إنشاد البيت الأول من هذين البيتين خطور أبي [علي] الحسين بن علي الفاسي رحمه الله تعالى وهو يؤم أيضاً مجلس ابن أبي يزيد، فسمعه فتبسم ﵀ نحونا وطوانا ماشياً وهو يقول: بل إلى عقد المودة إن شاء الله، هذا على جد أبي [علي] الحسين ﵀ وفضله وتقربه وبراءته ونسكه وزهده وعلمه، فقلت في ذلك: [من الكامل] دع عنك نقض مودتي متعمداً ... واعقد حبال وصالنا يا ظالم ولترجعن أردته أو لم ترد ... كرهاً لما قال الفقيه العالم ويقع فيه الهجر والعتاب؛ ولعمري إن فيه إذا كان قليلاً للذة، وأما إذا تفاقم فهو فأل غير محمود، وأمارة وبيئة المصدر، وعلامة سوء، وهي بجملة الأمر مطية الهجران، ورائد الصريمة، ونتيجة التجني، وعنوان الثقل، ورسول الانفصال، وداعية القلى، ومقدمة الصد، وإنما يستحسن إذا لطف وكان أصله الإشفاق؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] لعلك بعد عتبك أن تجودا ... بما منه عتبت وأن تزيدا
стр. 115
فكم يوم رأينا فيه صحواً ... وأسمعنا بآخره الرعودا وعاد الصحو بعد كما علمنا ... وأنت كذاك نرجو أن تعودا وكان سبب قولي هذه الأبيات عتاب وقع في يوم هذه صفته من أيام الربيع فقلتها في ذلك الوقت.
وكان لي في بعض الزمن صديقان وكانا أخوين فغابا في سفر ثم قدما، وقد أصابني رمداً فتأخرا عن عيادتي، فكتبت إليهما، والمخاطبة للأكبر منهما، شعراً منه: [من المتقارب] وكنت اعدد أيضاً على ... أخيك بمؤلمة السامع ولكن إذا الدجن غطى ذكاء ... فما الظن بالقمر الطالع ٤ - ثم هجر يوجبه الوشاة، وقد تقدم القول فيهم وفيما يتولد من دبيب عقاربهم، وربما كان سبباً للمقاطعة البتة.
٥ - ثم هجر الملل، والملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان، وأحرى لمن دهي به ألا يصفو له صديق، ولا يصح له إخاء، ولا يثبت على عهد، ولا يصبر على إلف ولا تطول مساعدته لمحب، ولا يعتقد منه ود ولا بغضة.
وأولى الأمور بالناس ألا يقربوه منهم وإن يفروا عن صحبته ولقائه، فلن يحلو منه بطائل، ولذلك أبعدنا هذه الصفة عن المحبين وجعلناها في المحبوبين، فهم بالجملة أهل التجني والتظني والتعرض للمقاطعة؛ وأما من تزيا باسم الحب وهو ملول فليس منهم، وحقه ألا يتجرع مذاقه، وينفى عن أهل هذه الصفة ولا يدخل في جملتهم.
وما رأيت قط هذه الصفة أشد تغلباً منها على أبي عامر
стр. 116
محمد بن [أبي] عامر ﵀، فلو وصف لي واصف بعض ما علمته منه لما صدقته.
وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة، وأقلهم صبراً على المحبوب وعلى المكروه، وبالضد؛ وانقلابهم عن الود علي قدر تسرعهم إليه؛ فلا تثق بملول ولا تشغل به نفسك، ولا تعنها بالرجاء في وفائه.
فغن دفعت إلى محبته ضرورة بعده ابن ساعته، واستأنفه كل حين من أحيانه بحسب ما تراه من تلونه، وقابله بما يشاكله.
ولقد كان أبو عامر المحدث عنه يرى الجارية فلا يصبر عنها، ويحيق به من الاغتمام والهم ما يكاد أن يأتي عليه حتى يملكها، ولو حال دون ذلك شوك القتاد، فإذا أيقن بتصيرها إليه عادت المحبة نفاراً، وذلك الأنس شروداً والقلق إليها قلقاً منها، ونزاعه نحوها نزاعاً عنها، فيبيعها بأوكس الأثمان.
هذا كان دأبه حتى أتلف فيما ذكرنا عشرات ألوف الدنانير عدداً عظيماً.
وكان ﵀ مع هذا من أهل الأدب والحذق والذكاء والنبل والحلاوة والتوقد، مع الشرف العظيم والمنصب الفخم والجاه العريض؛ وأما حسن وجهه وكمال صورته فشيء تقف الحدود عنه وتكل الأوهام عن وصف أقله ولا يتعاطى أحد وصفه.
ولقد كانت الشوارع تخلو من السيارة ويتعمدون الخطور على باب داره في الشاعر الآخذ من النهر الصغير على باب دارنا في الجانب الشرقي بقرطبة إلى الدرب المتصل بقصر الزاهرة، وفي هذا الدرب كانت داره ﵀ ملاصقة لنا، لا لشيء إلا للنظر منه.
ولقد مات من محبته جواركن علقن أوهامهن به، ووفي له فخانهن مما أملنه منه، فصرن رهائن البلى وقتلهن الوحدة.
وأنا اعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء، عهدي بها لا تتستر بمحبته حيثما جلست،
стр. 117
ولا تجف دموعها، وكانت قد تصيرت من داره إلى البركات الخيال صاحب الفتيان.
ولقد كان ﵀ يخبرني عن نفسه انه يمل اسمه فضلاً عن غير ذلك.
وأما إخوانه فإنه تبدل بهم في عمره على قصره مراراً، وكان لا يثبت على زي واحد كأبي براقش، حيناً يكون في ملابس الملوك وحيناً في ملابس الفتاك.
فيجب على من امتحن بمخالطة من هذه صفته على أي وجه كان ألا يستفرغ عامة جهده في محبته، وأن يقيم اليأس من دوامه حصناً لنفسه، فإذا لاحت له مخايل الملل قاطعه أياماً حتى ينشط باله، ويبعد به عنه، ثم يعاوده، فربما دامت المودة مع هذا؛ وفي ذلك أقول: [من المجتث] لا ترجون ملولاً ... ليس الملول بعده ود الملول فدعه ... عارية مسترده ٦ - ومن الهجر ضرب يكون متوليه المحب، وذلك عندما يرى من جفاء محبوبه والميل عنه إلى غيره، أو لثقيل يلازمه؛ فيرى الموت وتجرع غصص الأسى، والعض على نقيف الحنظل أهون من رؤية ما يكره، فينقطع وكبده تتقطع؛ وفي ذلك أقول: [من السريع]
стр. 118
هجرت من أهواه لا عن قلى ... يا عجباً للعاشق الهاجر لكن عيني لم تطق نظرة ... إلى محيا الرشأ الغادر فالموت أحلى مطعماً من هوى ... يباح للوارد والصادر وفي الفؤاد النار مذكية ... فاعجب لصب جزع صابر وقد أباح الله في دينه ... تقية المأسور للآسر وقد احل الكفر خوف الردى ... حتى ترى المؤمن كالكافر خبر: ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف من هام قلبه بمنتاء عنه نافر منه، فقاسى الوج زمناً طويلاً، ثم سنحت له الأيام بسانحة عجيبة من الوصل أشرف منها على بلوغ أمله، فحين لم يكن بينه وبين غاية رجائه إلا ك " لا " و " لا " عاد الهجر والبعد إلى أكثر مما كان قبل، فقلت في ذلك: [من السريع] .
كانت إلى دهري لي حاجة ... مقرونة في البعد بالمشتري فساقها باللطف حتى إذا ... كانت من القرب على محجري أبعدها عني فعادت كان ... لم تبد للعين ولم تظهر وقلت: [من الطويل] دنا أملي حتى مددت لأخذه ... يداً فانثنى نحو المجرة راحلا فأصبحت لا أرجو وقد كنت موقناً ... وأضحى مع الشعرى وقد كان حاصلا وقد كنت محسوداً فأصبحت حاسداً ... وقد كنت مأمولاً فأصبحت آملاً كذا الدهر في كراته وانتقاله ... فلا يأمنن الدهر من كان عاقلا
стр. 119
٧ - ثم هجر القلى، وهنا ضلت الأساطين ونفدت الحيل وعظم البلاء، وهو الذي خلى العقول ذواهل، فمن دهي بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه، وليتعمد ما يعرف أنه يستحسنه.
ويجب أن يجتنب ما يدري أنه يكرهه، فربما عطفه ذلك عليه إن كان المحبوب ممن يدري قدر الموافقة والرغبة فيه، وأما من لم يعلم قدر هذا فلا طمع في استصرافه، بل حسناتك عنده ذنوب.
فغن لم يقدر المرء على استصرافه فليتعمد السلوان وليحاسب نفسه بما هو فيه من البلاء والحرمان، وليسع في نيل رغبته على أي وجه أمكنه.
ولقد رأيت من هذه صفته، وفي ذلك أقول قطعة أولها: [من الطويل] دهيت بمن لو أدفع الموت دونه ... لقال إذاً يا ليتني في المقابر ومنها: ولا ذنب لي إذ صرت أحدو ركائبي ... إلى الورد والدنيا تسيء مصادري وماذا على الشمس المنيرة بالضحى ... إذا قصرت عنها ضعاف البصائر وأقول: [من مخلع البسيط] ما أقبح الهجر بعد وصل ... وأحسن الوصل بعد هجر كالوفر تحويه بعد فقر ... والفقر يأتيك بعد وفر وأقول: [من السريع] معهود أخلاقك قسمان ... والدهر فيك اليوم صنفان
стр. 120
فإنك النعمان فيما مضى ... وكان للنعمان يومان يوم نعيم فيه سعد الورى ... ويوم بأساء وعدوان فيوم نعماك لغيري ويو ... مي منك ذو بؤس وهجران أليس حبي لك مستأهلا ... لأن تجازيه بإحسان وأقول قطعة منها: [من الكامل] يا من جميع الحسن منتظم ... فيه كنظم الدر في العقد ما بال حتفي منك يطرقني ... قصداً ووجهك طالع السعد وأقول قصيدة أولها: [من الطويل] أساعة توديعك أم ساعة الحشر ... وليلة بيني منك أم ليلة النشر وهجرك تعذيب الموحد ينقضي ... ويرجو التلاقي أم عذاب ذوي الكفر ومنها: سقى الله أياماً مضت وليالياً ... تحاكي لنا النيلوفر الغض في النشر فأوراقه الأيام حسناً وبهجة ... وأوسطه الليل المقصر للعمر لهونا بها في غمرة وتآلف ... تمر فلا ندري وتأتي فلا ندري فأعقبنا منه زمان كأنه ... ولا شك حسن العقد أعقب بالغدر ومنها: فلا تيأسي يا نفس عل زماننا ... يعود بوجه مقبل غير مزور كما صرف الرحمن ملك أمية ... إليهم، ولوذي بالتجمل والصبر
стр. 121
وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر هشام بن محمد أخا أمير المؤمنين عبد الرحمن المرتضى ﵀، فأقول: أليس يحيط الروح فينا بكل ما ... دنا وتناءى وهو في حجب الصدر كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه ... محيط بما فيه وإن شئت فاستقر ومنها: إتاوتهم تهدى إليه، ومنة ... تقبلها منهم تقاوم بالشكر كذا كل نهر في البلاد وإن طمت ... غزارته ينصب في لجج البحر
стр. 122
- ٢٢ - باب الوفاء
ومن حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء؛ وإنه لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، وهو يتفاضل بالتفاضل اللازم للمخلوقات.
وفي ذلك أقول قطعة منها: وهو [من البسيط] .
أفعال كل امرئ تنبي بعنصره ... والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا ومنها: وهل ترى قط دفلى أنبتت عنباً ... أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا ١ - وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب على المحب والمحبوب، لا يحول عنه إلا خبيث المحتد لا خلاق له ولا خير عنده.
ولولا أن رسالتنا هذه لم نقصد بها الكلام في أخلاق الإنسان وصفاته المطبوعة والمتطبع بها، وما يزيد من المطبوع بالتطبع وما يضمحل من التطبع بعدم الطبع، لزدت في هذا المكان ما يجب أن يوضع في مثله، ولكنا إنما قصدنا التكلم فيما رغبته من أمر الحب فقط، وهذا أمر كان يطول جداً إذ الكلام فيه يتفنن كثيراً.
стр. 123
خبر: ومن أرفع ما شاهدته من الوفاء في هذا المعنى وأهوله شأناً قصة رأيتها عياناً، وهو أني أعرف من رضي بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه، ومن كان الموت عنده أحلى من هجر ساعة في جنب طيه لسر أودعه، والتزم محبوبه يميناً غليظة ألا يكلمه أبداً ولا يكون بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر؛ على ان صاحب ذلك السر كان غائباً فأبى من ذلك وتمادى هو على كتمانه والثاني على هجرانه إلى أن فرقت بينهما الأيام.
٢ - ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر، وهي للمحب دون المحبوب، وليس للمحبوب ها هنا طريق ولا يلزمه ذلك، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع الصدر حر النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقدة ماجد الخلق سالم النية.
ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة، ولكن الحال التي قدمنا تفوقها جداً وتفوتها بعداً.
وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة الأذى بمثله، والكف عن سيء المعارضة بالفعل والقول، والتأني في جذ حبل الصحبة ما أمكن ورجيت الألفة وطمع في الرجعة ولاحت للعودة أدنى مخيلة وشيمت منها أقل بارقة، أو توجس منها أيسر علامة.
فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ فحينئذ [لذ] بالسلامة ممن غرك، والأمن ممن ضرك، والنجاة ممن آذاك، وأن يكون ذكر ما سلف مانعاً من شفاء الغيظ فيما وقع، فرعي الأذمة حق وكيد على أهل العقول، والحنين
стр. 124
إلى ما مضى وألا ينسى ما قد فرغ منه وفنيت مدته أثبت الدلائل على صحة الوفاء.
وهذه الصفة حسنة جداً وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس فيما بينهم على أي حال كانت.
خبر: ولعهدي برجل من صفوة إخواني قد علق بجارية فتأكد الود بينهما، ثم غدرت بعهده ونقضت وده وشاع خبرهما، فوجد لذلك وجداً شديداً.
خبر: وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة لا يكفر بمثلها، وكان علم كل واحد منا سر صاحبه وسقطت المؤنة، فلما تغير علي أفشى كل ما اطلع لي عليه مما كنت اطلعت منه على أضعافه، ثم اتصل به أن قوله في قد بلغني، فجزع لذلك وخشي أن أقارضه على قبيح فعلته؛ وبلغني ذلك فكتبت إليه شعراً أونسه فيه وأعلمه أني لا أقارضه.
خبر: ومما يدخل في هذا الدرج، وإن كان ليس منه، ولا هذا الفصل المتقدم من جنس الرسالة والباب، ولكنه شبيه له على ما قد ذكرنا وشرطنا، وذلك أن محمد بن وليد بن مكسير الكاتب كان متصلا بي ومنقطعاً إلي أيام وزارة أبي رحمة الله عليه، فلما وقع بقرطبة ما وقع وتغيرت الأحوال خرج إلى بعض النواحي فاتصل بصاحبها فعرض جاهه وحدثت له وجاهة وحال حسنة.
فحللت أنا تلك الناحية في بعض رحلتي فلم يوفني حقي بل ثقل عليه مكاني وأساء معاملتي وصحبتي، وكلفته في خلال ذلك حاجة لم يقم فيها ولا قعد، واشتغل
стр. 125
عنها بما ليس في مثله شغل، فكتبت إليه شعراً أعاتبه فيه، فجاوبني مستعتباً على ذلك، فما كلفته حاجة بعدها.
ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه أبيات قلتها، منها: [من البسيط] .
وليس يحمد كتمان لمكتتم ... لكن كتمك ما أفشاه مفشيه كالجود بالوفر أسنى ما يكون إذا ... قل الوجود له أو ضن معطيه ٣ - ثم مرتبة ثالثة وهي الوفاء مع اليأس البات وبعد حلول المنايا وفجاءات المنون، وإن الوفاء في هذه الحالة لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء.
خبر: ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن وهب المعروف بابن الركيزة من ولد بدر، الداخل مع الإمام عبد الرحمن بن معاوية ﵁، جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في تركته، فأبت أن ترضى بالرجال بعده، وما جعلها رجل إلى أن لقيت الله ؛ وكانت تحسن الغناء فأنكرت علمها به، ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات للنسل واللذة والحال الحسنة وفاء منها لمن دثر ووارته الأرض والتأمت عليه الصفائح، ولقد رامها سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع سائر جواريه ويخرجها مما هي فيه فأبت، فضربها غير مرة وأوقع بها الادب، فصبرت على ذلك كله، فأقامت على امتناعها؛ وإن هذا من الوفاء غريب جداً.
واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له
стр. 126
ألزم، لان المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأذمة، والقاصد لتأكيد المودة والمستدعي صحة العشرة، والأول في عداد طالبي الأصفياء، والسابق في ابتغاء اللذة باكتساب الخلة، والمقيد نفسه بزمام المحبة - قد عقلها بأوثق عقال وخطمها بأشد خطام، فمن قمبره على هذا كله إن لم يرد إتمامه ومن أجبره على استجلاب المقة إن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها والمحبوب إنما هو مجلوب إليه ومقصود نحوه ومخير في القبول أو الترك، فإن قبل فغاية الرجاء، وإن أبى فغير مستحق للذم.
وليس التعرض للوصل والإلحاح فيه والتأتي لكل ما يسجلب به من الموافقة وتصفية الحضرة والمغيب، من الوفاء في شيء، فحظ نفسه أراد الطالب، وفي سروره سعى وله احتطب، والحب يدعوه ويحدوه على ذلك شاء أو أبى، وإنما يحمد الوفاء ممن يقدر على تركه.
وللوفاء شروط على المحبين لازمة: فأولها أن يحفظ عهد محبوبه ويرعى غيبته، وتستوي علانيته وسريرته، ويطوي شره وينشر خيره، ويغطي على عيوبه ويحسن أفعاله، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة ويرضى بما حمله ولا يكثر عليه بما ينفر منه، وألا يكون طلعة دبوباً ولا ملة طرفا.
وعلى المحبوب إن ساواه في المحبة مثل ذلك، وإن كان دونه فيها فليس للمحب أن يكلفه الصعود إلى مرتبته ولا له الاستشاطة عليه بان يسومه الاستواء معه في درجته.
وبحسبه منه حينئذ كتمان خبره وألا يقابله بما يكره ولا يخيفه
стр. 127
به، وإن كانت الثالثة - وهي السلامة مما يلقى بالجملة - فليقنع بما وجد، وليأخذ من الأمر ما استدف ولا يطلب شرطاً ولا يقترح عقداً، وإنما له ما سنح بجده أو ما حان بكده.
واعلم أنه لا يستبين قبح الفعل لأهله، ولذلك يتضاعف قبحه عند من ليس من ذويه، ولا أقول قولى هذا ممتدحاً ولكن آخذاً بأدب الله وأما بنعمة ربك فحدث ((الضحى: ١١) : لقد منحني الله من الوفاء لكل من يمت إلى بلقية واحدة، ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثته ساعة حظاً أنا له شاكر وحامد، ومنه مستمد ومستزيد، وما شيء أثقل علي من الغدر؛ ولعمري ما سمحت نفسي قط في الفكرة في إضرار من بيني وبينه أقل ذمام، وإن عظمت جريريته وكثرت إلي ذنوبه، ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إلا بالحسنى، والحمد لله على ذلك كثيراً.
وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما مضنا من النكبات، ودهمنا من الحل والترحال والتجول في الآفاق، أولها: [من البسيط] .
ولي فولى جميل الصبر يتبعه ... وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه جسم ملول وقلب آلف فإذا ... حل الفراق عليه فهو موجعه لم يستقر به دار ولا وطن ... ولا تدفأ منه قط مضجعه
стр. 128
كأنما صيغ من رهو السحاب فما ... تزال ريح إلى الآفاق تدفعه كأنما هو توحيد تضيق به ... نفس الكفور فتأبى حين تودعه أو كوكب قاطع في الأفق منتقل ... فالسير يغربه حيناً ويطلعه أظنه لو جزته أو تساعده ... ألقت عليه انهمال الدمع يتبعه وبالوفاء أيضاً أفتخر في قصيدة لي طويلة أوردتها، وإن كان أكثرها ليس من جنس الكتاب، فكان سبب قولي لي أن قوماً من مخالفي شرقوا بي فأساءوا العتب في وجهي وقذفوني بأني أعضد الباطل بحجتي، عجزاً منهم عن مقاومة ما أوردته من نصر الحق وأهله، وحسداً لي، فقلت وخاطبت بقصيدتي بعض إخواني وكان ذا فهم، منها: [من الطويل] .
وخذني عصا موسى وهات جميعهم ... ولو أنهم حيات ضال نضانض ومنها: يذيعون في عيبي عجائب جمة ... وقد يتمنى الليث والليث رابض ومنها: ويرجون ما لا يبلغون كمثل ما ... يرجى محالاً في الإمام الروافض ومنها: ولو جلدي في كل قلب ومهجة ... لما أثرت فيها العيون المرائض أبت عن دني الوصف ضربة لازب ... كما أبت الفعل الحروف الخوافض
стр. 129
ومنها: ورأيي له في كل ما غاب مسلك ... كما تسلك الجسم العروق النوابض يبين مدب النمل في غير مشكل ... ويستر عنهم للفيول المرابض
стр. 130
- ٢٣ - باب الغدر
وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات، فكذلك الغدر من ذميمها ومكروهها، وإنما يسمى غدراً من البادئ به، وأما المقارض بالغدر على مثله - وإن استوى معه في حقيقة الفعل - فلييس بغدر ولا هو معيباً بذلك، والله يقول:) وجزاء سيئة سيئة مثلها ((الشورى: ٤٠) وقد علمنا أن الثانية ليست بسيئة، ولكن لما جانست الأولى في الشبه أوقع عليها مثل اسمها، وسيأتي هذا مفسراً في باب السلو إن شاء الله.
ولكثرة وجود الغدر في المحبوب استغرب الوفاء منه، فصار قليله الواقع منهم يقاوم الكثير الموجود في سواهم.
وفي ذلك أقول: [من الوافر] .
قليل وفاء من يهوى يجل ... وعظم وفاء من يهوى يقل فنادرة الجبان أجل مما ... يجيء به الشجاع المستقل ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه يستريح إليه بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه؛ وفيه أقول: [من الطويل] .
أقمت سفيراً قاصداً في مطالبي ... وثقت به جهلاً فضرب بيننا وحل عرى ودي وأثبت وده ... وأبعد عني كل ما كان ممكنا
стр. 131
فصرت شهيداً بعدما كنت مشهدا ... وأصبح ضيفاً بعدما كان ضيفنا خبر: ولقد حدثني القاضي يونس بن عبد الله قال: أذكر في الصبا جارية في بعض السدد يهواها فتى من أهل الأدب من أبناء الملوك وتهواه ويتراسلان، وكان السفير بينهما والرسول بكتبهما فتى من أترابه كان يصل إليها، فلما عرضت الجارية للبيع أراد الذي كان يحبها ابتياعها، فبدر الذي كان رسولاً فاشتراها.
فدخل عليها يوماً فوجدها قد فتحت درجاً لها تطلب فيه بعض حوائجها، فأتى إليها وجعل يفتش الدرج، فخرج إليه كتاب من ذلك الفتى الذي كان يهواها مضمخاً بالغالية مصوناً مكرماً، فغضب وقال: من أين هذا يا فاسقه قالت: أنت سقته إلي، فقال: لعله محدث بعد ذلك الحين، فقالت: ما هو إلا من قديم تلك التي تعرف؛ قال: فكأنما ألقمته حجراً، فسقط في يده وسكت.
стр. 132
- ٢٤ - باب البين
وقد علمنا أنه لابد لكل مجتمع من افتراق، ولكل دان من تناء، وتلك عادة الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق، ولو سالت الأرواح به فضلاً عن الدموع كان قليلا.
وسمع بعض الحكماء قائلاً يقول: الفراق أخو الموت، فقال: بل الموت أخو الفراق.
والبين ينقسم أقساماً: ١ - فأولها مدة يوقن بانصرامها وبالعودة عن قريب، وإنه لشجى في القلب، وغصة في الحلق لا تبرأ إلا بالرجعة.
وأنا أعلم من كان يغيب من يحب عن بصره يوماً واحداً فيعتريه من الهلع والجزع وشغل البال وترادف الكرب ما يكاد يأتي عليه.
٢ - ثم بين منع من اللقاء وتحظير على المحبوب من أن يراه محبه، فهذا - ولو كان من تحبه معك في دار واحدة - فهو بين، لأنه
стр. 133
بائن عنك، وإن هذا ليولد من الحزن والأسف غير قليل، ولقد جربناه فكان مراً، وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
أرى دارها في كل حين وساعة ... ولكن من في الدار عني مغيب وهل نافعي قرب الديار وأهلها ... على وصلهم مني رقيب مرقب فيا لك جار الجنب أسمع حسه ... وأعلم أن الصين أدنى وأقرب كصاد يرى ماء الطوي بعينه ... وليس إليه من سبيل يسبب كذلك من في اللحد عنك مغيب ... وما دونه إلا الصفيح المنصب وأقول من قصيدة مطولة: [من الطويل] .
متى تشتفي نفس أضر بها الوجد ... وتصقب دار قد طوى أهلها البعد وعهدي بهند وهي جارة بيتنا ... وأقرب من هند لطالبها الهند بلى إن في قرب الديار لراحة ... كما يمسك الظمآن أن يدنو الورد ٣ - ثم بين يتعمده المحب بعداً عن قول الوشاة، وخوفاً أن يكون بقاؤه سبباً إلى منع اللقاء، وذريعة إلى أن يفشو الكلام فيقع الحجاب الغليظ.
٤ - ثم بين يولده المحب لبعض ما يدعوه إلى ذلك من آفات الزمان، وعذره مقبول أو مطرخ على قدر الحافز له إلى الرحيل.
خبر: ولعهدي بصديق لي داره المرية، فعنت له حوائج إلى شاطبة فقصدها، وكان نازلاً بها في منزلي مدة إقامته بها، وكان له بالمرية علاقة هي أكبر همه وأدهى غمه، وكان يؤمل تبتيته وفراغ أسبابه وأن يوشك الرجعة ويسرع الأوبة، فلم يكن إلا حين لطيف بعد احتلاله
стр. 134
عندي حتى جيش الموفق أبو الجيش مجاهد صاحب الجزائر الجيوش وقرب العساكر ونابذ خيران صاحب المرية وعزم على استئصاله، فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب، وتحوميت السبل واحترس البحر بالأساطيل، فتضاعف كربه إذ لم يجد إلى الانصراف سبيلاً البتة، وكاد يطفأ أسفاً، وصار لا يأنس بغير الوحدة، ولا يلجأ إلا إلى الزفير والوجوم، ولعمري لقد كان ممن لم أقدر قط فيه أن قلبه يذعن للود، ولا شراسة طبعه تحبب إلى الهوى.
وأذكر أني دخلت قرطبة بعد رحيلي عنها ثم خرجت منصرفاً عنها فضمني الطريق مع رجل من الكتاب قد رحل لأمر مهم وتخلف سكن له، فكان يرتمض لذلك.
وإني لأعلم من علق بهوى له وكان في حال شظف، وكانت له في الأرض مذاهب واسعة ومناديح رحبة ووجوه متصرف كثيرة، فهان عليه ذلك وآثر الإقامة مع من يحب؛ وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الكامل] .
لك في البلاد منادح معلومة ... والسيف غفل أو يبين قرابه
стр. 135
٥ - ثم بين رحيل وتباعد ديار، ولا يكون من الأوبة فيه على يقين خبر، ولا يحدث تلاق، وهو الخطب الموجع، والعم المفظع، والحادث الأشنع، والدواء الدوي.
وأكثر ما يكون الهلع فيه إذا كان النائي هو المحبوب؛ وهو الذي قالت فيه الشعراء كثيراً؛ وفي ذلك أقول قصيدة منها: [من الطويل] .
وبي علة أعيا الطبيب علاجها ... ستوردني لا شك منهل مصرعي رضيت بان أضحى قتيل وداده ... كجارع سم في رحيق مشعشع فما لليالي ما أقل حياءها ... وأولعها بالنفس من كل مولع كأن زماني عبشمي يخالني ... أعنت على عثمان أهل التشيع وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
أظنك تمثال الجنان أباحه ... لمجتهد النساك من أوليائه وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
لأبرد باللقيا غليلا من الهوى ... توقد نيران الغضا هيمانه وأقول شعراً منه: [من الطويل] .
خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر ... فاعجب بأعراض تبين ولا شخص غدا الفلك الدوار حلقة خاتم ... محيط بما فيه وأنت له فص وأقول من قصيدة: [من الطويل] .
غنيت عن التشبيه حسناً وبهجة ... كما غنيت شمس السماء عن الحلي
стр. 136
عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت ... وهجرانه دفني وفقدانه نعيي وللجسد الغض المنعم كيف لم ... تذبه يد خشناء [تقوى على] البري وغن للأوبة من البين الذي تشفق منه النفس لطول مسافته وتكاد تيأس من العودة فيه، لروعة تبلغ ما لا حد وراءه، وربما قتلت؛ وفي ذلك أقول: [من الخفيف] .
للتلاقي بعد الفراق سرور كسرور المفيق حانت وفاته فرحة تبهج النفوس وتحيي ... من دنا منه بالفراق مماته ربما قد تكون داهية المو ... ت وتودي بأهله هجماته كم رأينا من عب في الماء عطشا ... ن فزار الحمام وهو حياته وإني لأعلم من نأت دار محبوبه زمناً ثم تيسرت له اوبة، فلم يكن إلا بقدر التسليم واستيفائه حتى دعته نوى ثانية، فكاد ان يهلك؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
أطلت زمان البعد حتى إذا انقضى ... زمان النوى بالقرب عدت إلى البعد فلم يك إلا كرة الطرف قربكم ... وعاودكم بعدي وعاودني وجدي كذا حائر في الليل ضاقت وجوهه ... رأى البرق في داج من الليل مسود فأخلفه منه رجاء دوامه ... وبعض الأراجي لا تفيد ولا تجدي وفي الأوبة بعد الفراق أقول قطعة منها: [من الطويل] .
لقد قرت العينان بالقرب منكم ... كما سخنت أيام يطويكم البعد فلله فيما مضى الصبر والرضى ... ولله فيما قد قضى الشكر والحمد خبر: ولقد نعي إلي بعض من كنت احب من بلدة نازحة، فقمت فاراً بنفسي نحو المقابر، وجعلت امشي بينها وأقول: [من الوافر] .
стр. 137
وددت بان ظهر الأرض بطن ... وأن البطن منها صار ظهراً وأني مت قبل ورد خطب ... أتى فأثار في الأكباد جمرا وأن دمي لمن قد بان غسل ... وان ضلوع صدري كن قبرا ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك الخبر فقلت: [من السريع] .
بشرى أتت واليأس مستحكم ... والقلب في سبع طباق شداد كنت فؤادي خضرة بعدما ... كان فؤادي لابسا للحداد جلى سواد الغم عني كما ... يجلى بلون الشمس لون السواد هذا وما آمل وصلاً سوى ... صدق وفاء بقديم الوداد فالمزن قد يطلب لا للحيا ... لكن لظل بارد ذي امتداد ويقع في هذين الصنفين من البين الوداع، أعني رحيل المحب أو رحيل المحبوب.
وإنه لمن المناطر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة كل ماضي العزائم، وتذهب قوة كل ذي بصيرة، وتسكب كل عين جمود، ويظهر مكنون الجوى.
وهو فصل من فصول البين يجب التكلم فيه، كالعتاب في باب الهجر.
ولعمري لو أن ظريفاً يموت في ساعة الوداع لكان معذوراً إذا تفكر فيما يحل به بعد ساعة من انقطاع الآمال، وحلول الأوجال، وتبدل السرور بالحزن.
وإنها ساعة ترق القلوب القاسية، وتلين الأفئدة الغلاظ.
وإن حركة الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجاب القلب، وموصلة إليه من الجزع بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا والإشارة بالعين والتبسم في مواطن الموافقة.
стр. 138
والوداع ينقسم قسمين، أحدهما لا يتمكن فيه إلا بالنظر والإشارة والثاني يتمكن فيه بالعناق والملازمة، وربما لعله كان لا يمكن قبل ذلك البتة مع تجاوز المحال وإمكان التلاقي، ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى، وما ذاك بحسن ولا بصواب ولا بالأصيل من الرأي، فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات، فكيف إذا كان البين أياماً وشهوراً وربما أعواماً وهذا سوء من النظر ومعوج من القياس، وإنما أثنيت على النوى في شعري تمنياً لرجوع يومعا، فيكون في كل يوم لقاء ووداع، على أن تحتمل مضض هذا الاسم الكريه، وذلك عندما يمضي من الأيام التي لا التقاء فيها فحينئذ يرغب المحب من يوم الفراق لو أمكنه في كل يوم؛ وفي الصنف الأول من الوداع أقول شعراً منه: [من البسيط] .
تنوب عن بهجة الأنوار بهجته ... كما تنوب عن النيران أنفاسي وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعراً منه: [من البسيط] .
وجه تخر له الأنوار ساجدة ... والوجه تم فلم ينقص ولم يزد دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة ... وبارد ناعم والشمس في الأسد ومنه: يوم الفراق لعمري لست أكرهه ... أصلا وإن شت شمل الروح عن جسدي ففيه عانقت من أهوى بلا جزع ... وكان من قبله إن سيل لم يجد أليس من عجب دمعي وعبرتها ... يوم الوصال ليوم البين ذو حسد
стр. 139
وهل هجس في الأفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين محبين، ثم فجأتهما النوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران، فقاما إلى الوداع وقد نسي العتاب، وجاء ما طم عن القوى وأطار الكرى؛ وفيه أقول شعراً منه: [من الطويل] .
وقد سقط العتب المقدم وامحى ... وجاءت جيوش البين تجري وتسرع وقد ذعر البين الصدود فراعه ... فولى فما يدرى له اليوم موضع كذئب خلا بالصيد حتى أظله ... هزبر له من جانب الغيل مطلع لئن سرني في طرده الهجر إنني ... لإبعاده عني الحبيب لموجع ولابد عند الموت من بعض راحة ... وفي غبها الموت الوحي المصرع وأعرف من أتى ليودع محبوبه يوم الفراق فوجده قد فات، فوقف على آثاره ساعة وتردد في الموضع الذي كان فيه ثم انصرف كئيباً متغير اللون كاسف البال، فما كان بعد أيام قلائل حتى اعتل ومات، ﵀.
وإن للبين في إظهار السرائر المطوية عملاً عجباً: ولقد رأيت من كان حبه مكتوماً وبما يجد فيه مستتراً حتى وقع حادث الفراق فباح المكنون وظهر الخفي.
وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] .
بذلت من الود ما كنت قبل ... منعت وأعطيتنيه جزافا وما لي به حاجة عند ذاك ... ولو جدت قبل بلغت الشغافا وما ينفع الطب عند الحمام ... وينفع قبل الردى من تلافى وأقول: [من الكامل] .
الآن إذ حل الفراق وجدت لي ... بخفي حب كنت تبدي بخله
стр. 140
قد زدتني في حسرتي أضعافها ... ويحي فهلاً كان هذا قبله ولقد أذكرني هذا أني خطبت في بعض الأزمان مودة رجل من وزراء السلطان أيام جاهه فأظهر بعض الامتساك، فتركته حتى ذهبت أيامه وانقضت دولته، فأبدى لي من المودة والاخوة غير قليل، فقلت: [من الطويل] .
بذلت لي الأعراض والدهر مقبل ... وتبذل لي الإقبال والدهر معرض وتبسطني إذ ليس ينفع بسطكم ... فهلا أبحث البسط إذ كنت تقبض ٦ - ثم بين الموت وهو الفوت، وهو الذي لا يرجى له إياب، وهو المصيبة الحالة، وهو قاصمة الظهر وداهية الدهر، وهو الويل، وهو المغطي على ظلمة الليل، وهو قاطع كل رجاء وماحي كل طمع والمؤيس من اللقاء.
وهنا حارت الألسن، وانجذم حبل العلاج، فلا حيلة إلا الصبر طوعاً أو كرهاً.
وهو أجل ما يبتلى به المحبون، فما لمن دهي به إلا النوح والبكاء إلى أن يتلف أو يمل؛ فهو القرحة التي لا تنكا، والوجع الذي لا يفنى، وهو الغم الذي يتجدد على قدر بلاء من اغتمدته في الثرى وفيه أقول: [من مشطور المديد] كل بين واقع ... فمرجى لم يفت لا تعجل قنطاً ... لم يفت من لم يمت والذي قد مات فال ... يأس عنه قد ثبت وقد رأينا من عرض له هذا كثيراً.
وعني أخبرك أني أحد من دهي بهذه الفادحة وتعجلت له هذه المصيبة، وذلك أني كنت أشد الناس كلفاً وأعظمهم حباً بجارية لي،
стр. 141
كانت فيما خلا اسمها نعم.
وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقاً وخلقاً وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والاحجار، وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها؛ وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعاً، وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده؛ ومما قلت فيها: [من الطويل] .
مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت ... وسائر ربات الحجال نجوم أطار هواها القلب عن مستقره ... فبعد وقوع ظل وهو يحوم ومن مراثي فيها قصيدة منها: [من الطويل] .
كأني لم آنس بألفاظك التي ... على عقد الألباب هن نوافث ولم أتحكم في الأماني كأنني ... لإفراط ما حكمت فيهن عابث ومنها: ويبدي إعراضاً وهن أوالف ... ويقسمن في هجري وهن حوانث وأقول أيضاً في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبا المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب، وأقرضه فأقول: [من الطويل] .
стр. 142
قفا فاسألا الأطلال أين قطينها ... أمرت عليها بالبلى الملون على دارسات مقفرات عواطل ... كأن المغاني في الخفاء معاني واختلف الناس في أي الأمرين أشد: البين أم الهجر وكلاهما مرتقى صعب وموت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء، وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه: فأما ذو النفس الأبية الأنوف، الحنانة الألوف الثابتة على العهد، فلا شيء يعدل عنده مصيبة البين، لأنه أتى قصداً، وتعمدته النوائب عمداً، فلا يجد شيئاً يسلي نفسه؛ ولا يصرف فكرته في معنى من المعاني إلا وجد باعثاً على صبابته ومحركاً لأشجانه، وعلة لألمه، وحجة لوجده وحاضاً على البكاء على إلفه.
وأما الهجر فهو داعية السلو ورائد الإقلاع.
وأما ذو النفس التواقة الكثيرة النزوع والتطلع القلوق العزوف فالهجر داؤه وجالب حتفه، والبين له مسلاة ومنساة.
وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق، وما الهجر إلا جالب للكمد فقط، ويوشك إن دام أن يحدث إيغاراً، وفي ذلك أقول: [من المتقارب] .
وقالوا ارتحل فلعل السلو ... يكون وترغب أن ترغبه فقلت الردى لي قبل السلو ... ومن يشرب السم عن تجربه وأقول [المتقارب] سبى مهجتي هواه ... وأودت بها نواه كأن الغرام ضيف ... وروحي غدا قراه
стр. 143
ولقد رأيت من يستعجل هجر محبوبه ويتعمده خوفاً من مرارة يوم البين وما يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية، فهو حجة قاطعة على ان البين أصعب من الهجر، وكيف لا وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفاً من البين.
ولم أجد أحداً في الدنيا يلوذ بالبين خوفاً من الهجر، إنما يأخذ الناس أبداً الأسهل ويتكلفون الأهون.
وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها، ولعل ما تخوفوه لا يكون، وليس من يتعجل المكروه - وهو على غير يقين مما يتعجل - بحكيم، وفيه أقول شعراً منه: [من الخفيف] .
لبس الصب للصبابة بينا ... ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير ... خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من ان البين أصعب من الصد - أبياتاً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاماً أو نحوها، وهي: [من الكامل المجزوء] .
أجزعت أن أزف الرحيل ... وولهت ان نص الذميل كلا: مصابك فادح ... وأجل: فراقهم جليل كذب الألى زعموا بان ... الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي ... ل وقد تحملت الحمول أما الفراق فإنه ... للموت إن أهوى دليل ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة أولها: [من الكامل] .
стр. 144
لا مثل يومك ضحوة التنعيم ... في منظر حسن وفي تنعيم قد كان ذاك اليوم ندرة عاقر ... وصواب خاطئة وولد عقيم أيام برق الوصل ليس بخلب ... عندي ولا روض الهوى بهشيم من كل غانية تقول ثديها ... سيرى أمامك والإزار أقيمي ما بي تلك العيون وليس في ... برئي سواها في الورى بزعيم مثل الأفاعي ليس في شيء سوى ... أجسادها إبراء لدغ سليم والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع، وسقوا الديار ماء الشوق، وتذكروا ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتحبوا، وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا.
ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة - وقد استخبرته عنها - انه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعاباً مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كاليوث، وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشي - تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم
стр. 145
حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب اهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائماً فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآفاق النائية والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيها لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها باهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعاً لليلها في الهدوء والاستيحاش، فأبكى عيني وأوجع قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي، فقلت شعراً منه: [من الطويل] .
لئن كان أظمانا فقد طالما سقى ... وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر، وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
следующие страницы →