Полный текст (236 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كانت فيما خلا اسمها نعم.
وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقاً وخلقاً وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والاحجار، وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها؛ وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعاً، وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده؛ ومما قلت فيها: [من الطويل] .
مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت ... وسائر ربات الحجال نجوم أطار هواها القلب عن مستقره ... فبعد وقوع ظل وهو يحوم ومن مراثي فيها قصيدة منها: [من الطويل] .
كأني لم آنس بألفاظك التي ... على عقد الألباب هن نوافث ولم أتحكم في الأماني كأنني ... لإفراط ما حكمت فيهن عابث ومنها: ويبدي إعراضاً وهن أوالف ... ويقسمن في هجري وهن حوانث وأقول أيضاً في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبا المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب، وأقرضه فأقول: [من الطويل] .
стр. 142
قفا فاسألا الأطلال أين قطينها ... أمرت عليها بالبلى الملون على دارسات مقفرات عواطل ... كأن المغاني في الخفاء معاني واختلف الناس في أي الأمرين أشد: البين أم الهجر وكلاهما مرتقى صعب وموت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء، وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه: فأما ذو النفس الأبية الأنوف، الحنانة الألوف الثابتة على العهد، فلا شيء يعدل عنده مصيبة البين، لأنه أتى قصداً، وتعمدته النوائب عمداً، فلا يجد شيئاً يسلي نفسه؛ ولا يصرف فكرته في معنى من المعاني إلا وجد باعثاً على صبابته ومحركاً لأشجانه، وعلة لألمه، وحجة لوجده وحاضاً على البكاء على إلفه.
وأما الهجر فهو داعية السلو ورائد الإقلاع.
وأما ذو النفس التواقة الكثيرة النزوع والتطلع القلوق العزوف فالهجر داؤه وجالب حتفه، والبين له مسلاة ومنساة.
وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق، وما الهجر إلا جالب للكمد فقط، ويوشك إن دام أن يحدث إيغاراً، وفي ذلك أقول: [من المتقارب] .
وقالوا ارتحل فلعل السلو ... يكون وترغب أن ترغبه فقلت الردى لي قبل السلو ... ومن يشرب السم عن تجربه وأقول [المتقارب] سبى مهجتي هواه ... وأودت بها نواه كأن الغرام ضيف ... وروحي غدا قراه
стр. 143
ولقد رأيت من يستعجل هجر محبوبه ويتعمده خوفاً من مرارة يوم البين وما يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية، فهو حجة قاطعة على ان البين أصعب من الهجر، وكيف لا وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفاً من البين.
ولم أجد أحداً في الدنيا يلوذ بالبين خوفاً من الهجر، إنما يأخذ الناس أبداً الأسهل ويتكلفون الأهون.
وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها، ولعل ما تخوفوه لا يكون، وليس من يتعجل المكروه - وهو على غير يقين مما يتعجل - بحكيم، وفيه أقول شعراً منه: [من الخفيف] .
لبس الصب للصبابة بينا ... ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير ... خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من ان البين أصعب من الصد - أبياتاً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاماً أو نحوها، وهي: [من الكامل المجزوء] .
أجزعت أن أزف الرحيل ... وولهت ان نص الذميل كلا: مصابك فادح ... وأجل: فراقهم جليل كذب الألى زعموا بان ... الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي ... ل وقد تحملت الحمول أما الفراق فإنه ... للموت إن أهوى دليل ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة أولها: [من الكامل] .
стр. 144
لا مثل يومك ضحوة التنعيم ... في منظر حسن وفي تنعيم قد كان ذاك اليوم ندرة عاقر ... وصواب خاطئة وولد عقيم أيام برق الوصل ليس بخلب ... عندي ولا روض الهوى بهشيم من كل غانية تقول ثديها ... سيرى أمامك والإزار أقيمي ما بي تلك العيون وليس في ... برئي سواها في الورى بزعيم مثل الأفاعي ليس في شيء سوى ... أجسادها إبراء لدغ سليم والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع، وسقوا الديار ماء الشوق، وتذكروا ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتحبوا، وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا.
ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة - وقد استخبرته عنها - انه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعاباً مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كاليوث، وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشي - تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم
стр. 145
حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب اهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائماً فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآفاق النائية والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيها لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها باهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعاً لليلها في الهدوء والاستيحاش، فأبكى عيني وأوجع قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي، فقلت شعراً منه: [من الطويل] .
لئن كان أظمانا فقد طالما سقى ... وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر، وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
стр. 146
ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى ... يبين بينهم عني فقد وقفا أقول والليل قد أرخى أجلته ... وقد تألى بألا ينقضي فوفى والنجم قد حار في أفق السماء فما ... يمضي ولا هو للتغوير منصرفا تخاله مخطئاً أو خائفاً وجلا ... أو راقباً موعداً أو عاشقاً دنفا
стр. 147
- ٢٥ - باب القنوع
ولابد للمحب، إذا حرم الوصل، من القنوع بما يجد، وغن في ذلك لمتعللاً للنفس، وشغلاً للرجاء، وتجديداً للمنى، وبعض الراحة.
وهو مراتب على قدر الإصابة والتمكن ١ - فأولها الزيارة، وإنها لأمل من الآمال ومن سري ما يسنح في الدهر، مع ما تبدي من الخفر والحياء، لما يعلمه كل واحد منهما مما في نفس صاحبه؛ وهي على وجهين: أحدهما أن يزور المحب محبوبه.
وهذا الوجه واسع؛ والوجه الثاني ان يزور المحبوب محبه، ولكن لا سبيل إلى غير النظر والحديث الظاهر؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] فإن تنا بالوصال فإنني ... سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة ... وما كنت أرضى ضعف ذا منك لي قبل كذا همة الوالي تكون رفيعة ... ويرضى خلاص النفس إن وقع العزل وأما رجع السلام والمخاطبة فأمل من الآمال: وإن كنت أنا أقول
стр. 148
في قصيدة لي: [من الطويل] .
فها أنا ذا أخفي وأقنع راضياً ... برجع سلام إن تيسر في الحين فإنما هذا لمن ينتقل من مرتبة إلى ما هو أدنى منها.
وإنما تتفاضل المخلوقات في جميع الأوصاف على قدر إضافتها إلى ما هو فوقها أو دونها.
وأني لأعلم من كان يقول لمحبوبه: عدني واكذب، قنوعاً بان يسلي نفسه في وعده وغن كان غير صادق؛ فقلت في ذلك: [من الكامل] .
إن كان وصلك ليس فيه مطمع ... والقرب ممنوع فعدني واكذب فعسى التعلل بالتقائك ممسك ... لحياة قلب بالصدود معذب فلقد يسلي المجدبين إذا رأوا ... في الأفق يلمع صوء برق خلب ومما يدخل في هذا الباب شيء رأيته ورآه غيري معي: أن رجلاً من إخواني جرحه من كان يحبه بمدية، فلقد رأيته وهو يقبل مكان الجرح ويندبه مرة بعد مرة، فقلت في ذلك: [من المتقارب] .
يقولون شجك من همت فيه ... فقلت لعمري ما شجني ولكن أحس دمي قربه ... فطار إليه ولم ينثن فيا قاتلي ظالما محسناً ... فديتك من ظالم محسن ٢ - ومن القنوع ان يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه، وإن له من النفس لموقعاً حسناً وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا، من ارتداد يعقوب بصيراً حين شم قميص يوسف ﵉.
وفي ذلك أقول: [من السريع] .
لما منعت القرب من سيدي ... ولج في هجري ولم ينصف صرت بإبصاري أثوابه ... أو بعض ما قد مسه أكتفي
стр. 149
كذاك يعقوب نبي الهدى ... إذ شفه الحزن على يوسف شم قميصاً جاء من عنده ... وكان مكفوفاً فمنه شفي وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند البين.
وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي إثر استعمالها، فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
أرى ريقها ماء الحياة تيقناً ... على أنها لم تبق لي في الهوى حشا خبر: وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب بجزيرة صقلية، وذكر أنه كان غاية في الجمال، فشاهده يوماً في بعض المتنزهات ماشياً وامرأة خلفه تنظر إليه، فلما بعد أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه مشيه فجعلت تقبله وتلثم الأرض التي فيها أثر رجله؛ وفي ذلك أقول قطعة أولها: [من الطويل] .
يلومنني في موطئ خفه خطا ... ولو علموا عاد الذي لام يحسد فيا أهل أرض لا يجود سحابها ... خذوا بوصاتي تستقلوا وتحمدوا خذوا من تراب فيه موضع وطئه ... وأضمن ان المحل عنكم يبعد فكل تراب واقع فيه رجله ... فذاك صعيد ليس يجحد
стр. 150
كذلك فعل السامري وقد بدا ... لعينيه من جبريل إثر ممجد فصير جوف العجل من ذلك الثرى ... فقام له منه خوار ممدد وأقول: [من الطويل] .
لقد بوركت ارض بها أنت قاطن ... وبورك من فيها وحل بها السعد فأحجارها در وسعدانها ورد ... وأمواهها شهد وتربتها ند ٣ - ومن القنوع الرضى بمزار اللطيف وتسليم الخيال، وهذا إنما يحدث عن ذكر لا يفارق، وعهد لا يحول، وفكر لا ينقضي، فإذا نامت العيون وهدأت الحركات سرى الطيف؛ وفي ذلك أقول: [من البسيط] .
زار الخيال فتى طالت صبابته ... على احتفاظ من الحراس والحفظه فبت في ليلتي جذلان مبتهجاً ... ولذة الطيف تنسي لذة اليقظه وأقول: [من الطويل] .
أتى طيف نعم مضجعي بعد هدأة ... ولليل سلطان وظل ممدد وعهدي بها تحت التراب مقيمة ... وجاءت كما قد كنت من قبل اعهد فعدنا كما كنا وعاد زماننا ... كما قد عهدنا قبل والعود أحمد وللشعراء في علة مزار الطيف أقاويل بديعة بعيدة المرمى مخترعة، كل سبق إلى معنى من المعاني، فأبو إسحاق ابن سيار النظام راس المعتزلة جعل علة مزار الطيف خوف الأرواح من الرقيب المرقب على لقاء الأبدان، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي جعل علته أن
стр. 151
نكاح الطيف لا يفسد الحب ونكاح الحقيقة يفسده والبحتري جعل علة إقباله استضاءته بنار وجده، وعلة زواله خوف الغرق في دموعه.
وأنا أقول من غير أن أمثل شعري بأشعارهم - فلهم فضل التقدم والسابقة، إنما نحن لاقطون وهم الحاصدون، ولكن اقتداء بهم، وجرياً في ميدانهم، وتتبعاً لطريقتهم التي نهجوا وأوضحوا - أبياتاً بينت فيها مزار الطيف مقطعة: [من الوافر] .
أغار عليك من إدراك طرفي ... وأشفق أن يذيبك لمس كفي فأمتنع اللقاء حذار هذا ... واعتمد التلاقي حين أغفي فروحي إن لنم، بك ذو انفراد ... من الأعضاء مستتر ومخفي ووصل الروح ألطف فيك وقعاً ... من الجسم المواصل ألف ضعف وحال المزور في المنام ينقسم أقساماً أربعة: ١ - أحدها محب مهجور قد تطاول غمه، ثم رأى في هجعته ان حبيبه وصله فسر بذلك وابتهج، ثم استيقظ فأسف وتلهف، حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها؛ وفي ذلك أقول: [من الخفيف] .
أنت في مشرق النهار بخيل ... وإذا الليل جن كنت كريما تجعل الشمس منك لي عوضاً ... هيهات ماذا الفعال منك قويما زارني طيفك البعيد فيأتي ... واصلاً لي وعائداً ونديما
стр. 152
غير أني منعتني من تمام ال ... عيش لكن أبحث لي التشميما
فكأني من أهل الأعراف لا الفر ... دوس داري ولا أخاف الجحيما
٢ - والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع، قد رأى في وسنه أن حبيبه يهجره فاهتم لذلك هماً شديداً، ثم هب من نومه فعلم أن ذلك باطل وبعض وساوس الإشفاق.
٣ - والثالث محب داني الديار يرى أن التنائي قد فدحه، فيكترث ويوجل ثم ينتبه فيذهب ما به ويعود فرحاً؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
رأيتك في نومي كأنك راحل ... وقمنا إلى التوديع والدمع هامل وزال الكرى عني وأنت معانقي ... وغمي إذا عاينت ذلك زائل فجددت تعنيقاً وضماً كأنني ... عليك من البين المفرق واجل ٤ - والرابع محب نائي المزار، يرى أن المزار قد دنا، والمنازل قد تصاقبت، فيرتاح ويأنس إلى فقد الأسى، ثم يقوم من سنته فيرى أن ذلك غير صحيح، فيعود إلى أشد ما كان فيه من الغم.
وقد جعلت في بعض قولي علة النوم الطمع في طيف الخيال، فقلت: [من البسيط] .
طاف الخيال على مستهتر كلف ... لولا ارتقاب مزار الطيف لم ينم
لا تعجبوا إذ سرى والليل معتكر ... فنوره مذهب في الأرض للظلم
٤ - ومن القنوع ان يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي تحتوي على من يحب، وقد رأينا من هذه صفته.
ولقد
стр. 153
حدثني أبو الوليد أحمد بن محمد بن اسحاق الخازن ﵀ من رجل جليل، أنه حدث عن نفسه بمثل هذا:
٥ - ومن القنوع أن يرتاع المحب، إلى أن يرى من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى من بلاده، وهذا كثير؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
توحش من سكانه فكأنهم ... مساكن عاد أعقبته ثمود
ومما يدخل في هذا الباب أبيات لي، موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني من أهل الأدب والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا، فجلنا ساعة ثم أفضى بنا القعود إلى مكان دونه يتمى، فتمددنا في رياض أريضة، وأرض عريضة، للبصر فيها منفسح، وللنفس لديها منسرح، بين جداول تطرد كأباريق اللجين، وأطيار تغرد بألحان تزري بما أبدعه معبد والغريض، وثمار مهدلة قد ذللت للأيدي ودنت للمتناول، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها فتتصور بين أيدينا كرقاع الشطرنج والثياب المدبجة، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة، وانهار متدفقة تنساب كبطون الحيات لها خرير يقوم ويهدأ، ونواوير مؤنقة مختلفة الألوان تصفقها الرياح الطيبة النسيم، وهواء سجسج، وأخلاق جلاس تفوق كل هذا، في يوم ربيعي ذي شمس ظليلة، تارة يغطيها الغيم الرقيق والمزن اللطيف، وتارة تتجلى فهي كالعذراء الخفرة الخجلة تتراءى لعاشقها من بين الأستار ثم تغيب فيها حذر عين مراقبة.
وكان بعضنا مطرقا كأنه يحادث الثرى، وذلك لسر
стр. 154
كان له، فعرض لي بذلك، وتداعبنا حينا فكلفت أن أقول على لسانه شيئاً في ذلك، فقلت بديهة، وما كتبوها إلا من تذكرها بعد انصرافنا، وعي: [من الطويل] .
ولما تروحنا بأكناف روضة ... مهدلة الأفنان في تربها الندي
وقد ضحكت أنوارها وتضوعت ... أساورها في ظل فيء ممدد
وأبدت لنا الأطيار حسن صريفها ... فمن بين شاك شجوه ومغرد
وللماء فيما بيننا متصرف ... وللعين مرتاد هناك ولليد
وما شئت من اخلقا أروع ماجد ... كريم السجايا للفخار مشيد
تنغص عندي كل ما قد وصفته ... ولم يهنني إذ غاب عني سيدي
فيا ليتني في السجن وهو معانقي ... وأنتم معاً في قصر دار المجدد
فمن رام منا أن يبدل حاله ... بحال أخيه أو بملك مخلد
فلا عاش إلا في شقاء ونكبة ... ولا زال في بؤسى وخزي مردد
فقال هو ومن حضر: آمين آمين.
وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في حقائق القناعة هي الموجودة في أهل المودة، بلا تزيد ولا إعياء.
٦ - وللشعراء فن من القنوع أرادوا فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على المعاني الغامضة والمرامي البعيدة، وكل قال على قدر قوة طبعه، إلا أنه تحكم باللسان وتشدق في الكلام واستطالة بالبيان، وهو غير صحيح في الأصل: فمنهم من قنع بأن السماء تظله هو ٤٦٤) .
стр. 155
ومحبوبه والأرض تقلهما، ومنهم من قنع باستوائهما في إحاطة الليل والنهار بهما، وأشباه هذا، وكل مبادر إلى احتواء الغاية في الاستقصاء، وإحراز قصب السبق في التدقيق، ولي في هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب أن يجد بعده متناولا، ولا وراءه مكاناً، مع تبيني علة قرب المسافة البعيدة، وهو: [من الطويل] .
قالوا بعيد قلت حسبي بأنه ... معي في زمان لا يطيق محيدا
تمر علي الشمس مثل مرورها ... به كل يوم يستنير جديدا
فمن ليس بيني في المسير وبينه ... سوى قطع يوم هل يكون بعيدا
وعلم إله الخلق يجمعنا معاً ... كفى ذا التداني ما أريد مزيدا
فبينت كما ترى أني قانع بالاجتماع مع من احب في علم الله الذي السموات والأفلاك والعوالم كلها وجميع الموجودات بسبب منه ولا تجزؤ فيه ولا يشذ عنه شيء، ثم اقتصرت من علم الله تعالى على انه في زمان؛ وهذا اعلم مما قاله غيري في إحاطة الليل والنهار، وإن كان الظاهر واحداً في البادئ إلى السامع، لان كل المخلوقات واقعة
стр. 156
تحت الزمان، وإنما الزمان اسم موضوع لمرور الساعات وقطع الفلك وحركاته وأجرامه، والليل والنهار متوالدان عن طلوع الشمس وغروبها، وهما متناهيان في بعض العالم الأعلى، وليس هكذا الزمان، فإنهما بعض الزمان.
وإن كان لبعض الفلاسفة قول: إن الظل متماد، فهذا يخطئه العيان، وعلل الرد عليه بينة ليس هذا موضعها، ثم بينت انه وإن كان في أقصى المعمور من الشرق وأنا في أقصى المعمور من الغرب، وهذا طوال السكنى، فليس بيني إلا مسافة يوم؛ إذ الشمس تبدو في أول النهار في أول المشارق وتغرب في آخر النهار في آخر المغارب.
٧ - ومن القنوع فصل أورده وأستعيذ بالله منه ومن أهله، وأحمده على ما عرف نفوسنا من منافرته، وهو ان يضل العقل جملة، وتفسد القريحة، ويتلف التمييز ويهون الصعب، وتذهب الغيرة، وتعدم الانفة، فيرضى الإنسان بالمشاركة فيمن يحب، وقد عرض هذا لقوم، أعاذنا الله من البلاء.
وهذا لا يصح إلا مع كلبية في الطبع، وسقوط من العقل - الذي هو عيار على ما تحته - وضعف حس.
ويؤيد هذا كله حب شديد معم.
فإذا اجتمعت هذه الأشياء وتلاحقت بمزاج الطبائع ودخول بعضها في بعض نتج بينهما هذا الطبع الخسيس، وتولدت هذه الصفة الرذلة، وقام منها هذا الفعل المقذور القبيح.
وأما رجل معه أقل همة وأيسر مروءة فهذا منه أبعد من الثريا، ولو مات وجداً وتقطع حباً، وفي ذلك أقول زارياً على بعض المسامحين في هذا الفصل: [من الطويل] .
رأيتك رحب الصدر ترضى بما أتى ... وأفضل شيء ان تلين وتسمحا فحظك من بعض السواني مفضل ... على أن يحوز الملك من أصلها الرحى وعضو بعير في الوزن ضعف ما ... تقدره في الجدي فاعص الذي لحا ولعب الذي تهوى بسيفين معجب ... فكن ناحياً في نحوه كيفما نحا
стр. 157
- ٢٦ - باب الضنى
ولابد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل - إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان واقع لمعنى - من أن يؤول إلى حد السقام والضنى والنحول، وربما أضجعه ذلك؛ وهذا الأمر كثير جداً موجود أبداً.
والأعراض الواقعة من المحبة غير الأعراض الواقعة من هجمات العلل، ويميزها الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] يقول لي الطبيب بغير علم ... تداو فأنت يا هذا عليل ودائي ليس يدريه سوائي ... ورب قادر ملك جليل أأكتمه ويكشفه شهيق ... يلازمني وإطراق طويل ووجه شاهدات الحزن فيه ... وجسم كالخيال ضن نحيل وأثبت ما يكون الأمر يوماً ... بلا شك إذا صح الدليل فقلت له: أبن عني قليلاً ... فلا والله تعرف ما تقول فقال: أرى نحولاً زاد جداً ... وعلتك التي تشكو ذبول فقلت له: الذبول تعل منه ال ... جوارح وهي حمى تستحيل وما أشكو لعمر والله حمى ... وإن الحر في جسمي قليل فقال: أرى التفاتأ وارتقاباً ... وأفكاراً وصمتاً لا يزول
стр. 158
وأحسب أنها السوداء فانظر ... لنفسك إنها عرض ثقيل فقلت له: كلامك ذا محال ... فما للدمع من عيني يسيل فأطرق باهتاً مما رآه ... ألا في مثل ذا بهت النبيل فقلت له: دوائي منه دائي ... ألا في مثل ذا ضلت عقول وشاهد ما أقول يرى عياناً ... فروع النبت إن عكست أصول وترياق الأفاعي ليس شيء ... سواه ببرء ما لدغت كفيل وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري، وكان حكيم الطبع عاقلاً فهيماً، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره، انه كان ببغداد في خان من خاناتها فرأى ابنة لوكيله الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكراً، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر إحليله، ففرت إلى أمها وتفادت منه، فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت ان تموت، ففارقها ثم ندم، ورام ان يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره، فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقة وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء.
وقد تقدم في أشعاري المذكورة في هذه الرسالة: من صفة النحول مفرقاً ما استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شيئاً خوف الإطالة، والله المعين والمستعان.
стр. 159
وربما ترقت إلى أن يغلب المرء على عقله ويحال بينه وبين ذهنه فيوسوس؛ خبر: وإني لأعرف جارية من ذوات المناصب والجمال والشرف من بنات القواد، وقد بلغ بها حب فتى من إخواني من أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار الأسود، وكادت تختلط، واشتهر الأمر وشاع جداً حتى علمه الأباعد، إلى ان تدوركت بالعلاج.
وهذا إنما يتولد عن إدمان الفكر، فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك التداوي خرج الأمر عن حد الحب إلى حد الوله والجنون، وإذا أغفل التداوي في أوائل المعاناة قوي جداً ولم يوجد له دواء سوى الوصال، ومن بعض ما كتبت إليه قطعة منها: [من الخفيف] قد سلبت الفؤاد منها اختلاساً ... أي خلق يعيش دون فؤاد فأغثها بالوصل تحي شريفاً ... وتفز بالثواب يوم المعاد وأراها تعتاض إن دام هذا ... من خلاخيلها حلى الأقياد أنت حقاً متيم الشمس حتى ... عشقها بين ذا الورى لك بادي خبر: وحدثني مولى أحمد بن محمد بن حدير، المعروف بالبليني: أن سبب اختلاط مروان بن يحيى بن أحمد بن حدير
стр. 160
وذهاب عقله اعتلاقه بجارية لأخيه، فمنعها وباعها لغيره، وما كان في إخوته مثله ولا أتم أدباً منه.
وأخبرني أبو العافية مولى محمد بن عباس بن أبي عبدة، أن سبب جنون يحيى بن محمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له كان يجد بها وجداً شديداً، كانت أمه أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض العامريات.
فهذان رجلان جليلان مشهوران فقدا عقولهما واختلطا وصارا في القيود والأغلال، فأما مروان فأصابته ضربة مخطئة يوم دخول البربر قرطبة وانتهابهم لها، فتوفي ﵀.
وأما يحيى بن محمد فهو حي على حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه، وقد رأيته أنا مراراً وجالسته في القصر قبل أن يمتحن بهذه المحنة، وكان أستاذي وأستاذه الفقيه أبو الخيار اللغوي، وكان يحيى لعمري حلواً من الفتيان نبيلاً.
وأما من دون هذه الطبقة فقد رأينا منهم كثيراً، ولكن لم نسمهم لخفائهم، وهذه درجة إذا بلغ المشغوف إليها فقد انبت الرجاء وانصرم الطمع، فلا دواء له بالوصل ولا بغيره، إذ قد استحكم الفساد في الدماغ، وتلفت المعرفة وتغلبت الآفة، أعاذنا الله من البلاء بطوله، وكفانا النقم بمنه.
стр. 161
- ٢٧ - باب السلو
وقد علمنا أن كل ما له أول فلا بد له من آخر، حاشا نعيم الله بالجنة لأوليائه وعذابه بالنار لأعدائه؛ وأما أراض الدنيا فنافذة فانية وزائلة مضمحلة، وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين: إما اخترام منية، وإما سلو حادث.
وقد نجد النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد، فكما نجد نفساً ترفض الراحات والملاذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء في الدنيا، حتى تشتهر بالزهد، فكذلك نجد نفساً تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها للأنفة المستحكمة المنافرة للغدر، أو استمرار سوء المكافأة في الضمير، وهذا أصح السلو.
وما كان من غير هذين الشيئين فليس إلا مذموماً.
والسلو المتولد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها؛ ولي في ذم السلو قصيدة منها: من الطويل] .
إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها ... وإن نطقت قلت السلام رطاب كأن الهوى ضيف ألم بمهجتي ... فلحمي طعام والنجيع شراب.
ومنها: صبور على الأزم الذي العز خلفه ... ولو أمطرته بالحريق سحاب
стр. 162
جزوع من الراحات إن أنتجت له ... خمولاً وفي بعض النعيم عذاب والسلو في التجزئة الجملية ينقسم قسمين: ١ - سلو طبيعي وهو المسمى بالنسيان، يخلو به القلب ويفرغ به البال، ويكون الإنسان كأنه لم يحب قط؛ وهذا القسم ربما لحق صاحبه الذم لأنه نسيان حادث عن أخلاق مذمومة، وعن أسباب غير موجبة استحقاق النسيان، وستأتي مبينة إن شاء الله تعالى، وربما لم تلحقه اللائمة لعذر صحيح.
٢ - والثاني سلو تطبعي، قهر النفس، وهو المسمى بالتصبر، فترى المرء يظهر التجلد وفي قلبه أشد لدغاً من وخز الإشفى، ولكنه يرى بعض الشر أهون من بعض، أو يحاسب نفسه بحجة لا تصرف ولا تكسر؛ وهذا قسم لا يذم آتيه، ولا يلام فاعله لأنه لا يحدث إلا عن عظيمة، ولا يقع إلا عن فادحة، إما لسبب لا يصبر على مثله الأحرار، وإما لخطب لا مرد له تجري به الأقدار، وكفاك من الموصوف به أنه ليس بناس لكنه ذاكر، وذو حنين واقف على العهد، ومتجرع مرارات الصبر.
والفرق العامي بين المتصبر والناسي، أنك ترى المتصبر وإن أبدى غاية الجلد وأظهر سب محبوبه والتحمل عليه، لا يحتمل ذلك من غيره؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] دعوني وسبي للحبيب فإنني ... وإن كنت أبدي الهجر لست معاديا ولكن سبي للحبيب كقولهم ... أجاد فلقاه الإله الدواهيا
стр. 163
والناسي ضد هذا.
وكل هذا فعلى قدر طبيعة الإنسان وإجابتها وامتناعها وقوة تمكن الحب من القلب أو ضعفه، وفي ذلك أقول وسميت السالي فيه المتصبر - قطعة منها: [من الكامل] ناسي الأحبة غير من يسلوهم ... حكم المقصر غير حكم المقصر ما قاهر للنفس عدل مجيبها ... ما الصابر المطبوع كالمتصبر والأسباب الموجبة للسلو المنقسم هذين القسمين كثيرة، وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يعذر السالي ويذم: ١ - فمنها الملل - وقد قدمنا الكلام عليه - وإن من كان سلوه عن ملل فليس حبه حقيقة، والمتوسم به صاحب دعوى زائفة، وإنما هو طلب لذة ومبادر شهوة، والسالي من هذا الوجه ناس مذموم.
٢ - ومنها الاستبدال، وهو وإن كان يشبه الملل ففيه معنى زائد، وهو بذلك المعنى أقبح من الأول، وصاحبه أحق بالذم.
٣ - ومنها حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين التعريض بما يجد، فيتطاول الأمر وتتراخى المدة، ويبلى جديد المودة ويحدث السلو؛ وهذا وجه إن كان السالي عنه ناسياً فليس بمنصف، إذ منه جاء سبب الحرمان، وإن كان متصبراً فليس بملوم، إذ آثر الحياء على لذة نفسه.
وقد ورد رسول الله ﷺ أنه قال: " الحياء من الإيمان والبذاء من النفاق..
وحدثنا أحمد بن محمد عن أحمد
стр. 164
بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك عن سلمة ابن صفوان الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: " لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء.
فهذه الأسباب الثلاثة أصلها من المحب وابتداؤنا من قبلة، والذم لاصق به في نسيانه لمن يحب.
٤ - فمنها: الهجر، وقد مر تفسير وجوهه؛ ولابد لنا أن نورد منه شيئاً في هذا الباب يوافقه.
والهجر إذا تطاول وكثر العتاب واتصلت المفارقة يكون باباً إلى السلو.
وليس من وصلك ثم قطعك لغيرك من باب الهجر في شيء لأنه الغدر الصحيح، ولا من مال إلى غيرك - دون أن تتقدم لك معه صلة - من الهجر أيضاً في شيء، إنما ذاك هو النفار - وسيقع الكلام في هذين الفصلين بعد هذا إن شاء الله تعالى - لكن الهجر ممن وصلك ثم قطعك لتنقيل واش أو لذنب واقع أو لشيء قام في النفس، ولم يمل إلى سواك ولا أقام أحداً غيرك مقامك؛ والناسي في هذا الفصل من المحبين ملوم دون سائر الأسباب الواقعة من المحبوب: لأنه لا تقع حالة تقيم العذر في نسيانه، وإنما هو راغب
стр. 165
عن وصلك، وهو شيء لا يلزمه.
وقد تقدم من أذمة الوصال وحق أيامه، ما يلزم التذكر ويوجب عهد الألفة، ولكن السالي على وجهة التصبر والتجلد هاهنا معذور إذا رأى الهجر متمادياً ولم ير للوصال علامة ولا للمراجعة دلالة؛ وقد استجاز كثير من الناس أن يسموا هذا المعنى غدراً إذ ظاهرهما واحد، ولكن علتيهما مختلفتان، فلذلك فرقنا بينهما في الحقيقة؛ وأقول في ذلك شعراً منه: [من الطويل] فكونوا كمن لم أدر قط فإنني ... كآخر لم تدروا ولم تصلوه أنا كالصدى ما قال كل أجيبه ... فما شئتموه اليوم فاعتمدوه وأقول أيضاً قطعة، ثلاثة أبيات قلتها وأنا نائم واستيقظت فأضفت إليها البيت الربع: [من الوافر] ألا لله دهر كنت فيه ... أعز علي من روحي وأهلي فما برحت يد الهجران حتى ... طواك بنانها طي السجل سقاني الصبر هجركم كما قد ... سقاني الحب وصلكم بسجل وجدت الوصل أصل الوجد حقاً ... وطول الهجر أصلاً للتسلي وأقول أيضاً قطعة: [من الكامل المجزوء] لو قيل لي من قبل ذا ... أن سوف تسلو من تود لحلفت ألف قسامة ... لا كان ذا أبد الأبد وإذا طويل الهجر ما ... معه من السلوان بد لله هجرك إنه ... ساع لبرئي مجتهد فالآن أعجب للسل ... ووكنت أعجب للجلد وأرى هواك كجمرة ... تحت الرماد لها مدد
стр. 166
وأقول: [من الكامل] كانت جهنم في الحشا من حبكم ... فلقد أراها نار إبراهيما ثم الأسباب الثلاث الباقية التي هي من قبل المحبوب، فالمنتصر من الناس فيها غير مذموم، لما سنورده إن شاء الله في كل فصل عنها: ٥ - فمنها نفار يكون في المحبوب وانزواء قاطع للأطماع؛ خبر: وإني لأخبر عني أني ألفت في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاماً؛ وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، بديعة البشر، مسبلة الستر، فقيدة الذام، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة القطوب، كثيرة الوقار، مستلذة النفار، لا توجه الأراجي نحوها، ولا تقف المطامع عليها، ولا معرس للأمل لديها، فوجهها جالب كل القلوب، وحالها طارد من أمها.
تزدان في المنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، موقوفة على الجد في أمرها غير راغبة في اللهو، على أنها كانت تحسن العود إحساناً جيداً، فجنحت إليها وأحببتها حباً مفرطاً شديداً، فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة.
فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء تجمعت فيه دخلتنا ودخلة أخي، ﵀، من النساء ونساء فتياننا ومن لاث بنا من خدمنا، ممن يخف موضعه ويلطف محله،
стр. 167
فلبثن صدراً من النهار ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها، مفتحة الأبواب؛ فصرن ينظرن من خلال الشراجيب وأنا بينهن، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنساً بقربها متعرضاً للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره؛ وكانت قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عدداً كثيراً، وإذا كلهن ينتقلن من باب إلى باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها عليها، واعلم أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج في الآثار، ثم نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها، فأمرتها فأخذت العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله، وإن الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف، حيث يقول: [من البسيط] إني طربت إلى شمس إذا غربت ... كانت مغاربها جوف المقاصير شمس ممثلة في خلق جارية ... كأن أعطافها طي الطوامير ليست من الإنس إلا في مناسبة ... ولا من الجن إلا في التصاوير
стр. 168
فالوجه جوهرة، والجسم عبهرة ... والريح عنبرة، والكل من نور كأنها حين تخطو في مجاسدها ... تخطو على البيض أو حد القوارير فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك اليوم ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا، وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من رؤيتها وسماع كلامها؛ وفي ذلك أقول: [من الحفيف] لا تلمها على النفار ومنع ال ... وصل ما ذاكم لها بنكير هل يكون الهلال غير بعيد ... أو يكون الغزال غير نفور وأقول: [من الوافر] منعت جمال وجهك مقلتيا ... ولفظك قد ضننت به عليا أراك نذرت للرحمن صوماً ... فلست تكلمين اليوم حيا وقد غنيت للعباس شعراً ... هنيئاً ذا لعباس هنيا فلو يلقاك عباس لأضحى ... لفوز قاليا وبكم شجيا ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة.
وانتقلت أنا بانتقاله، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك.
ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والترقيب والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير
стр. 169
رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب، فلقد أثارت وجداً دفيناً وحركت ساكناً، وذكرتني عهداً قديماً، وحباً تليداً، ودهراً ماضياً، وزمناً عافياً، وشهوراً خوالي، وأخباراً توالي، ودهوراً فواني، وأياماً قد ذهبت، وآثاراً قد دثرت، وجددت أحزاني، وهيجت بلابلي، على أني كنت في ذلك النهار مرزءاً مصاباً من وجوه، وما كنت نسيت، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف، واستجلب الوجد ما كان منه كامناً فلباه مجيباً، فقلت قطعة منها: [من الطويل] يبكي لميت مات وهو مكرم ... وللحي أولى بالدموع الذوارف فيا عجباً من آسف لامرئ ثوى ... وما هو للمقتول ظلماً بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا، وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر، ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك، وما كدت أن أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها وذهبت نضارتها، وفنيت تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف الصقيل والمرآة الهندية، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهراً ويرتاد فيه متخيراً وينصرف عنه متحيراً، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل، والخبر المخبر عن الجميع، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنا وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها منه مما كانت تصان
стр. 170
وترفع عنه قبل ذلك؛ وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت؛ ولذلك قال من قال: إن حسن الرجال أصدق صدقاً وأثبت أصلاً وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طرباً أو لمت فرحاً، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني.
وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم يقع تثبت يوجب الوفاء، ولا عهد يقتضي المحافظة، ولا سلف ذمام، ولا فرط تصادق يلام على تضييعه ونسيانه.
٦ - ومنها جفاء يكون من المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفساً لها بعض الألفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيراً منقطعاً أو دائماً أو كبيراً منقطعاً احتمل وأغضي عليه، حتى إذا كثر ودام فلا وفاء عليه، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا.
٧ - ومنها الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم، وهو المسلاة حقاً ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسياً أو متصبراً، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه.
ولولا ان القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد ان يستحق الملامة والتعنيف؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي
стр. 171
الحفيظة والسري السجايا، من الغدر، فما يصبر عليه إلا دنئ المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] .
هواك فلست أقربه غرور ... وأنت لكل من يأتي سرير وما إن تصبرين على حبيب ... فحولك منهم عدد كثير فلو كنت الأمير لما تعاطى ... لقاءك خوف جمعهم الأمير رأيتك كالأماني ما على من ... يلم بها ولو كثروا غرور ولا عنها لمن يأتي دفاع ... ولو حشد الأنام لهم نفير ٨ - ثم سبب ثامن: وهو لا من المحب ولا من المحبوب ولكنه من الله تعالى وهو اليأس، وفروعه ثلاثة، إما موت وإما بين لا يرجى معه أوبة، وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة الحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها؛ وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر.
وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل، وإن لليأس لعملاً في النفوس عجيباً، وثلجاً لحر الأكباد كبيراً؛ وكل هذه الوجوه المذكورة أولاً وآخراً فالتأني فيها واجب، والتربص على أهلها حسن، فيما يمكن فيه التأني ويصح لديه التربص، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال فحينئذ يقوم العذر.
وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن، ويثنون على المثابر على اللذات، وهذا يدخل في باب السلو؛ ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب وافتخر به، وهو كثيراً ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره، تحكماً بلسانه واقتداراً على القول، وفي مثل هذا أقول شعراً منه: [من الخفيف]
стр. 172
خل هذا وبادر الدهر وارحل ... في رياض الربى مطي العقار واحدها بالبديع من نغمات ال ... عود كيما تحث بالمزمار إن خيراً من الوقوف على الدا ... ر وقوف البنان بالأوتار وبدا النرجس البديع كصب ... حائر الطرف مائلا كالمدار لونه لون عاشق مستهام ... وهو لا شك هائم بالبهار ومعاذ الله أن يكون نسيان ما درس لنا طبعاً، ومعصية الله بشرب الراح لنا خلقاً، وكساد الهمة لنا صفة، ولكن حسبنا قول الله تعالى، ومن أصدق من الله قيلاً في الشعراء:) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون.
وانهم يقولون ما لا يفعلون (.
(الشعراء: ٢٢٤) .
فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ.
وكان سبب هذه الأبيات أن " ضنى " العامريه، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر، كلفتني صنعتها فأجبتها، وكنت أجلها؛ ولها فيها صنعة في طريقة النشيد والبسيط رائقة جداً، ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال سروراً بها: يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا.
فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية: منها ثلاثة هي من المحب، اثنان منها يذم إلسالي فيهما على كل وجه، وهما الملل والاستبدال، وواحد منها يذم السالي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الحياء كما قدمنا.
وأربعة من المحبوب، منها واحد يذم الناسي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الهجر الدائم، وثلاثة لا يذم السالي فيها على أي وجه كان ناسياً أو متصبراً، وهي النفار والجفاء والغدر، ووجه ثامن وهو من
стр. 173
قبل الله ، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن، والمتصبر في هذه معذور.
وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبداً، وغني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التغيب من نفسي أحياناً لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته، وعزة نفس لا تقر على الضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف، مؤثرة للموت عليه؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى فأحتمل، واستعمل الأناة الطويلة، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه أحد، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من البسيط] لي خلتان أذاقاني الأسى جرعاً ... ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي كلتاهما تطبيني نحو جبلتها ... كالصيد ينشب بين الذئب والأسد وفاء صدق فما فارقت ذا مقة ... فزال حزني عليه آخر الأبد وعزة لا يحل الضيم ساحتها ... صرافة فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه، وإن كان ليس منه، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها، وأسقطت المؤونة بيني وبينه، وأعددته ذخراً وكنزاً، وكان كثير السمع من كل قائل، فدب ذوو النميمة بيني وبينه، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده، فانقبض عما كنت أعهده.
فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب، فلم يزدد إلا انقباضاً فتركته وحاله.
стр. 174
- ٢٨ - باب الموت
ربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سبباً للموت ومفارقة الدنيا، وقد جاء في الآثار: " من عشق فعف فمات فهو شهيد ".
وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] فإن أهلك هوى اهلك شهيداً ... وإن تمنن بقيت قرير عين روى هذا لنا قوم ثقات ... نأوا بالصدق عن جرح ومين ولقد حدثن أبو السري عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به: أن الكاتب ابن قزمان امتحن بمحبة أسلم [بن أحمد بن سعيد بن قاضي
стр. 175
الجماعة أسلم] بن عبد العزيز أخي الحاجب هاشم بن عبد العزيز.
وكان أسلم غاية في الجمال، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية.
وكان أسلم كثير الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه إلى أن توفي أسفاً ودنفاً.
قال المخبر: فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال: هلا أعلمتني فقلت: ولم قال: كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه، فما علي في ذلك ضرر.
وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفنن، مع حظ من الفقه وافر، وذا بصارة في الشعر، وله شعر جيد، وله معرفة بالأغاني وتصرفها، وهو صاحب تأليف في طرائق غناء زرياب وأخباره،
стр. 176
وهو ديوان عجيب جداً، وكان أحسن الناس خلقاً وخلقاً، وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكناً بالجانب الغربي من قرطبة.
وأنا اعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن يوجب السخط، فباعها، فجزعت لذلك جزعاً شديداً وما فارقها النحول والأسف، ولا بان عن عينها الدمع إلى ان سلت، وكان ذلك سبب موتها؛ ولم تعش بعد خروجها عنه إلا أشهراً ليست بالكثيرة.
ولقد أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهي قد صارت كالخيال نحولاً ورقة فقالت لها: أحسب هذا الذي بك من محبتك لفلان، فتنفست الصعداء وقالت: والله لا نسيته أبداً، وإن كان جفاني بلا سبب.
وما عاشت بعد هذا القول إلا يسيراً.
وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي ﵀، وكان متزوجاً بعاتكة بنت قند، صاحب الثغر الأعلى أيام المنصور أبي عامر محمد ابن عامر، وكانت التي لا مرمى وراءها في جمالها وكريم خلالها، ولا تأتي الدنيا بمثلها في فضائلها، وكانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا قدر لها، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاتب مدة ثمانية أعوام، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه وأنحلها شدة كلفها به، حتى صارت كالخيال المتوهم دنفاً، لا يلهيها من الدنيا شيء، ولا تسر من أموالها - على عرضها وتكاثرها - بقليل ولا كثير إذ فاتها اتفاقه معها وسلامته لها، إلى ان توفي أخي ﵀ في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة، وهو ابن اثنين وعشرين سنة، فما انفكت منذ
стр. 177
بان عنها من السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الأرض عاماً؛ ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده: ما يقوي صبري ويمسك رمقي في الدنيا ساعة واحدة بعد وفاته إلا سروري وتيقني أنه لا يضمه وامرأة مضجع أبداً، فقد أمنت هذا الذي ما كنت أتخوف غيره، وأعظم آمالي اليوم اللحاق به.
ولم يكن قبلها ولا معها امرأة غيرها، وهي كذلك لم يكن لها غيره، فكان كما قدرت، غفر الله لها ورضي عنها.
وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى [بن محمد] ابن الحسين التميمي، المعروف بابن الطبني: فإنه كان ﵀ كأنه قد خلق الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه، لم أشهد له مثلاً حسناً وجمالاً وخلقاً وعفة وتصاوناً وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسؤدداً وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة وصبراً وإغضاء وعقلا ومروءة وديناً ودراية وحفظاً للقرآن والحديث والنحو واللغة، و [كان] شاعراً مفلقاً حسن الخط وبليغاً مفنناً، مع حظ صالح من الكلام والجدل، وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي أستاذي في هذا الشأن، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاما في السن، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان، وكنا أليفين لا نفترق، وخدنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء، إلى أن ألقت الفتنة جرانها وأرخت عزاليها، ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي
стр. 178
بقرطبة ونزولهم فيها، وكان مسكن أبي عبد الله في الجانب الشرقي ببلاط مغيث، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة وسكنى مدينة المرية، فكنا نتهادى النظم والنثر كثيراً، وآخر ما خاطبني به رسالة في درجها هذه الأبيات: [من الخفيف] ليت شعري عن حبل ودك هل يم ... سي جديداً لدي غير رثيث وأراني أرى محياك يوماً ... وأناجيك في بلاط مغيث فلو آن الديار ينهضها الشو ... ق أتاك البلاط كالمستغيث ولو آن القلوب تستطيع سيراً ... سار قلبي إليك سير الحثيث كن كما شئت لي فإني محب ... ليس لي غير ذكركم من حديث لك عندي وإن تناسيت عهد ... في صميم الفؤاد غير نكيث فكنا على ذلك إلى ان انقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين، وطهرت دولة الطالبية وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمد في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس.
وفي إثر ذلك نكبي خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله من الباغين، وقد انتقم الله منهم، عني وعن محمد ابن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهراً ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله بن هذيل التجيبي،
стр. 179
المعروف بان المقفل، فأقمنا عنده شهوراً في خير دار إقامة، وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفاً وأتمهم سيادة.
ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن بن محمد، وساكناه بها، فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب القبري صديقنا، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطبني وأخبرني بموته ﵀، ثم أخبرني بعد ذلك بمديدة القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله المرادي وأبو عمرو أحمد لن محرز أن أبا بكر المصعب بن عبد الله الأزدي المعروف بابن الفرضي حدثهما - وكان والد المصعب هذا قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي وكان المصعب لنا صديقاً وأخاً وأليفاً أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة - قالا، قال لنا المصعب: سألت أبا عبد الله بن الطبني عن سبب علته، وهو قد نحل وخفيت محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة، وصار يكاد أن يطيره النفس، وقرب من الانحناء، والشجا باد على وجهه، ونحن منفردان.
فقال لي: نعم، أخبرك أني كنت في باب داري بغدير ابن الشماس في حين دخول علي بن
стр. 180
حمود قرطبة، والجيوش واردة عليها في الجهات تتسارب، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته، فغلب علي عقلي وهام به لبي، فسألت عنه فقيل لي: هذا فلان ابن فلان، من سكان جهة كذا، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ، فيئست من رؤيته بعد ذلك.
ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسي، فكان ذلك.
وأنا اعرف ذلك الفتى وأدريه، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات، والتقى كلاهما عند الله ، عفا الله عن الجميع.
هذا على أن عبد الله، أكرم الله نزله، ممن لم يكن له وله قط، ولا فارق الطريقة المثلى، ولا وطئ حراماً قط، ولا قارف منكراً، ولا أتى منهياً عنه يخل بدينه ومروءته؛ ولا قارض من جفا عليه، وما كان في طبقتنا مثله.
ثم دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن محمود المأمون فلم أقدم شيئاً على قصد أبي عمر القاسم بن يحيى التميمي أخي [أبي] عبد الله ﵀، فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه، وما كان أولى بالتعزية عنه مني، ثم سألته عن أشعاره ورسائله إذ كان الذي عندي منه قد ذهب بالنهب في السبب الذي ذكرته في صدر هذه الحكاية، فأخبرني عنه أنه لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم يشك في الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها، فقطعها كلها ثم أمر بدفنها.
قال أبو عمر، فقلت له: يا أخي دعها تبقى.
следующие страницы →