Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
والتوزيع الإنساني، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل، وصواب رويّة الفكرة من صحّة الطباع، وصحّة الطباع من موافقة المزاج، وموافقة المزاج بالمدد الاتّفاقي والاتفاق الغيبيّ، أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق، ووجه الحادث المعلوم عند الله غيب، فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب.
فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة، وبين نادر لا يدوم العهد به، فدلّ ما ظهر واستمرّ على ما جاد به ووهب، ودلّ ما غاب واستتر على ما تفرّد به وغلب.
ولما كان الحيوان كلّه يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة، وكان الإنسان يتصرّف فيها بالاختيار، صحّ له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدا له في اختياره، وكذلك يكون النحل أيضا، صحّ له من الاختيار قسط في إلهامه حتى يكون ذلك معينا في اضطراره، إلّا أن نصيب الإنسان من الإلهام أقلّ كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر، وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودا بالاختيار، لأنّ قوّة الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظلّ.
ومراتب الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاث أنفس، فأحدهم ملهم فيتعلّم ويعمل، ويصير مبدأ للمقتبسين منه، المقتدين به، الآخذين عنه، الحاذين على مثاله، المارّين على غراره، القافين على آثاره، وواحد يتعلّم ولا يلهم فهو يماثل الأوّل في الدرجة الثانية، أعني التعلّم، وواحد يتعلّم ويلهم، فتجتمع له هاتان الخلّتان، فيصير بقليل ما يتعلّم مكثرا للعمل والعلم بقوّة ما يلهم ويعود بكثرة ما يلهم مصفّيا لكل ما يتعلّم ويعمل.
والكلام في هذه المواضع ربّما جمح فلم يمكن كفّه، فينبغي أن يضح العذر إذا عرض تفاوت في الترتيب، ودخل الخلل من ناحية التقريب.
وقال أبو سليمان لنا في هذه الأيام: الإنسان بين طبيعته وهي عليه وبين نفسه وهي له، كالمنتهب المتوزّع، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هو له من النفس، وضعف ما هو عليه من الطبيعة وإلا فقد قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من النفس.
وحكى لنا فقال: كان للحكماء الأوّلين مثل يضربونه ويكتبونه في هياكلهم ومتعبّداتهم وهو: «الملك الموكّل بالدنيا يقول: إنّ ههنا خيرا وههنا شرا، وههنا ما ليس بخير ولا شر، فمن عرف هذه الثلاثة حقّ معرفتها تخلّص منّي، ونجا سليما، وبقي كريما، وملك نعيما عظيما.
стр. 107
ومن لم يعرفها قتلته شرّ قتلة، وذلك أني لا أقتله قتلا وحيّا «١» يستريح به منّي، ولكن أقتله أوّلا فأوّلا في زمان طويل، بحسرات على فوت مأمول بعد مأمول، وبلايا يكون بها كالمغلول المكبول» .
قال: هذا كلام شريف في أعلى ذروة الحكمة، لكنّك خلّيت يدك من طرف الحديث في الخلق.
قلت: إذا طاب الحديث باسترسال السجيّة ووقوع الطّمأنينة لها الإنسان عن مباديه، وسال مع الخاطر الّذي يستهويه، ولتحفّظ الإنسان في قوله وعمله من الخطل والزّلل حدّ إذا بلغه كلّ الخاطر واختل.
ثم نعود فنقول: أخلاق الإنسان مقسومة على أنفسه الثلاث: أعني النفس الناطقة، والنفس الغضبيّة، والنفس الشهوانيّة، وسمات هذه الأخلاق مختلفة بعرض واسع.
ويمكن أن يقال في نعتها على مذهب التقريب: إنها بين المحمودة وبين المذمومة، وبين المشوبة بالحمد والذمّ، وبين الخارجة منهما. فمن أخلاق النفس الناطقة- إذا صفت- البحث عن الإنسان ثم عن العالم، لأنّه إذا عرف الإنسان فقد عرف العالم الصغير، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، وإذا عرف العالمين عرف الإله الّذي بجوده وجد ما وجد، وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ترتّب ما ترتب، وبمجموع هذا كلّه دام ما دام.
بهذا البحث يتبيّن له ما تشتمل عليه القوة الغضبية والقوّة الشهويّة فإن توابع هاتين القوّتين أكثر، لأنّهما بالتركيب أظهر، وفي الكثرة أدخل وعن الوحدة أخرج، فإذا ساستهما الناطقة حذفت زوائدهما، ونفت فواضلهما ووفّت نواقصهما، وذيّلت قوالصهما أعني إذا رأت غلمة في الشهويّة أخمدت نارها، وإذا وجدت السّرف في الغضبيّة قصّرت عنانها، فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم، فيعود السّفه حلما أو تحالما، والحسد غبطة أو تغابطا والغضب كظما أو تكاظما، والغيّ رشدا أو تراشدا، والطيش أناة أو تآنيا وصرّفت هذه الكوامن في المكامن- إذا سارت سورتها، وثارت ثورتها- على مناهج الصواب، تارة بالعظة واللّطف، وتارة بالزّجر والعنف وتارة بالأنفة وكبر النفس، وتارة بإشعار الحذر، وتارة بعلوّ الهمة، وهناك يصير العفو عند القادر ألذّ من الانتقام، والعفاف عند الهائج ألذّ من قضاء الوطر، والقناعة عند المحتاج أشرف من الإسفاف، والصّداقة عند الموتور آثر من العداوة، والمداراة عند المحفظ أطيب من المماراة.
وفي الجملة، الخلق الحسن مشتقّ من الخلق، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق كذلك لا قدرة على تحويل الخلق، لكنّ الحضّ على إصلاح الخلق وتهذيب النفس لم
стр. 108
يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة.
ومثاله أن الحبشيّ يتدلّك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا، ولكن ليستفيد نقاء شبيها بالبياض. ويقال للمهذار: «اكفف» لا ليكفّ عن النطق، ولكن ليؤثر الصمت.
ويقال للموتور: «لا تحقد» لا ليزول عنه ما حنق عليه، ولكن ليتكلّف الصبر ويتناسى الجزاء على هذا أبدا.
وقد تقرّر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله مختلفة، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضدّ أو شبيه بالضدّ كالحياة والموت، والنوم واليقظة، والحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير والشر، والرجاء والخوف، والعدل والجور، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، والحلم والسّفه، والطّيش والوقار، والعلم والجهل، والمعرفة والنّكرة والعقل والحمق، والصحة والمرض، والاعتدال والانحراف، والعفّة والفجور والتنبّه والغفلة، والذّكر والنسيان، والذكاء والبلادة، والغبطة والحسادة والدماثة والكزازة، والحق والباطل، والغيّ والرّشد، والبيان والحصر والثقة والارتياب، والطّمأنينة والتّهمة، والحركة والسكون، والشكّ واليقين والخلاعة والوقار، والتوقّي والتهوّر، والإلف والملل، والصدق والكذب والإخلاص والنفاق، والإحسان والإساءة، والنصح والغش، والمدح والذم وعلى هذا الجرّ والسّحب، ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع.
فما ينبغي أن يعنى الإنسان المحبّ للتبصرة، المؤثر للتذكرة، الجامع للنافع له، النافي للضارّ به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرّفة- ما استطاع- باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله، أو إطفاء جمرته، أو اجتناء ثمرته، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب، كأن تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أنّ هذين ليسا من الأخلاق ولا ممّا يعالج بالاجتهاد، وإلى النّوم واليقظة فتعلم أنّهما ضروريّان للبدن من وجه، وغير ضروريّين من وجه، فتنفي منهما ما خرج عن حدّ الضرورة وتسلم البدن ما دخل في حدّ الضرورة، ولا يكثرنّ الإنسان نومه ولا سهره، ولكن يطلب العدل بينهما بقدر جهده.
فأمّا الحسن والقبيح فلابدّ له من البحث اللطيف عنهما حتى لا يجور فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا، فيأتي القبيح على أنه حسن، ويرفض الحسن على أنّه قبيح، ومناشئ الحسن والقبيح كثيرة: منها طبيعيّ، ومنها بالعادة، ومنها بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة، فإذا اعتبر هذه المناشئ صدّق الصادق منها وكذّب الكاذب، وكان استحسانه على قدر ذلك، ومثال ذلك الكبر فإنه معيب بالنظر الأوّل، لكنّه حسن في موضعه بالعلّة الداعية إليه، والحال الموجبة له.
стр. 109
وأما الصواب والخطأ فأمران عارضان للأقوال والأفعال والآراء، وليسا بخلقين محضين، ولكنّهما موكولا إلى نور العقل، فما أشرق عليه العقل بنوره فهو صواب، وما أفل عنه العقل بنوره فهو خطأ.
وأما الخير والشرّ فهما في العموم والشّمول ليسا بدون الصواب والخطأ لهما مناط بكلّ شيء، ويغلبان على الأفعال، وإن كان أحدهما عدما للآخر.
وأمّا الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية، ولا يدخلان في باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه وهما كالعمادين للإنسان قد استصلح لهما، وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما.
وأما العدل والجور فقد يكونان خلقين بالفطرة، ويكونان فعلين بالفكرة وجانباهما بالفعل ألصق، وإلى الاكتساب أقرب.
وأما الشجاعة والجبن فهما خلقان متصلان بالخلق، ولهذا يعزّ على الشجاع أن يتحوّل جبانا، ويتعذر على الجبان أن يصير شجاعا، وكذلك طرفاهما داخلان في الخلق أعني التهوّر والتوقّي.
وأمّا السخاء والبخل فهما خلقان محضان أو قريبان من المحض، ولهذا تعلّق الحمد والذم بهما وبأصحابهما، والمدح والهجو سريا إليهما واتصلا بهما، وقد يندم السخيّ على بذله كثيرا خوفا من الإملاق، فلا يستطيع ذلك إذا أخذته الأريحيّة، وحرّكته اللّوذعيّة، وقد يلوم البخيل نفسه كثيرا إذا سلقته الألسنة الحداد، وجبه بالتوبيخ، وشمخ عند رؤيته الأنف، وغضّن الجبين وأولم بالعذل وقوبل، ومع ذلك فلا يرشح إلّا على بطء وكلفة وتضجّر، والكلام في هذين الخلقين طويل، لأنهما أدخل في تلاقي الناس وتعاطيهم في عشرتهم ومعاملتهم.
وأما الحلم والسّفه فهما أيضا خلقان، والأخلاق تابعة للمزاج في الأصل، ولذلك قلنا: إن الخلق ابن الخلق، والولد شبيه بوالده، وفي الجملة، كل ما يمكن أن يقال فيه للإنسان «لا تفعل هذا» ، «وأقلل من هذا وكف عنه» فإنه في باب الأفعال أدخل، وكل ما لم يجز أن يقال ذلك فيه فهو في باب الأخلاق أدخل، ثم لبعض هذا نسبة إلى الخلق أو الخلق، إما ظاهرة غالبة وإما خفية ضعيفة.
وأما الطّيش والوقار فهما يختلطان بالحلم والسّفه ويجريان معهما، فليس ينبغي أن ينشر الكلام ويطول الشرح.
وأما الجهل والعلم فليسا من الأخلاق ولا من الخلق وإنما يبرزان من صاحب الأخلاق والخلق للمزاج أثرين قويّين واحدهما عدم والآخر وجدان، والعدم لا يكون أعدم من عدم، والوجدان يكون أبين من وجدان.
стр. 110
وأما المعرفة والنكرة فهما في جوار العلم وضدّه، ولكنهما أعلق بالحسّ وألصق بالنفسين، أي الشّهويّة والغضبيّة.
وأمّا العقل والحمق فليسا من الخلق، والكلام في تفسير العقل مشهور، وعدمه الحمق.
وأما الصحة والمرض فليسا أيضا من الأخلاق، ولكنهما يوجدان في الإنسان بواسطة النفس، إما في البدن، وإما في العقل، ولذلك يقال: أمراض البدن، وأمراض النفس، وصحة البدن وصحة النفس.
وأما الاعتدال والانحراف فهما يدخلان في الخلق بوجه، ويخلصان منه بوجه، ويعمّان أعراض البدن وأعراض النفس، ويوصف بهما الإنسان، على أن الانحراف المطلق لا يوجد، والاعتدال المطلق لا يوجد، ولكن كلاهما بالإضافة.
وأما العفة والفجور فخلقان لهما جمرة وهمود، والحاجة تمسّ إلى العدل في استعمال العفة ونفي الفجور، وإذا قويت العفّة حالت عصمة، وإذا غلب الفجور صار عدوانا.
وأما التنبّه والغفلة فقريبان من الخلق ويغلبان على الإنسان، إلا أن فرط التنبّه موصول بالوحي، وفرط الغفلة موصول بالبهيمية.
وأما الذكر والنسيان فليسا بخلقين محضين، ومنشؤهما بالمزاج، وأحدهما من علائق النفس العالمة، والآخر من علائق النفس البهيمية.
وأما الذكاء والبلادة فهما خلقان، ونعتهما كنعت الذّكر والنسيان، إلا أن هذين يعرضان في الحين بعد الحين، والأخريان كالراسخين في الطينة.
وأما الغبطة والحسد فخلقان رسم الأوّل منهما بأن تتمنى لنفسك ما أوتيه صاحبك ورسم الثاني بأن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك وإن لم يصل إليك. ورسوم هذه الأخلاق أسهل من تحديدها، لكنّا تركنا ذلك، لأنّ الكلام الذي كان يجري هو على مذهب الخدمة.
على أن مراتب هذه الأخلاق مختلفة، فيبعد أن يعمّها حد واحد، وإنما اختلفت منازلها لأنها تارة تصفو بقوة النفس الناطقة، وتارة تكدر بالقوّتين الأخريين، ولبعضها حدّة بالزيادة، ولبعضها كلة بالنقص، فلم يكن التحديد يفصّل كلّ ذاك، فلم نعرج على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه.
ونتمّ بقيّة ما علق بهذه الجملة، فنقول:
وأما الدماثة والكزازة فخلقان محضان تابعان للمزاج، ثم المران يزيدهما قوّة
стр. 111
وضعفا، وهما للنعت أقرب، كالسهولة والعسر، ولذلك يقال: «ما أدمث هذه الأرض» ، أي ما أرخاها وألينها، وفي المثل:
«دمّث لجنبك قبل النوم مضطجعا» «١»
وأما الحق والباطل فليسا من الخلق ولا الخلق في شيء، وهما من نتائج المعرفة والنكرة، لأنّك تعرف الحق وتنكر الباطل، وذلك لأغراض تتبعهما، ولواحق تلتبس بهما.
وأما الغيّ والرّشد فليسا من الخلق، لكنهما من علائق الأفعال الحميدة والذميمة، وللرأي والعقل فيهما مدخل قويّ وحظّ تامّ.
وأما البيان والحصر فليس بينهما وبين الخلق علاقة، وإنما يتبعان المزاج ويزيد فيهما وينقص الجهد والتواني والطلب والقصور.
وأمّا الثقة والارتياب فخلقان يغلبان ينفعان ويضرّان ويحمدان ويذمّان، ألا ترى أنه يقال: لا تثق بكلّ أحد، «ولا ترتب بكلّ إنسان» وهكذا الطّمأنينة والتّهمة، لأنهما في طيهما.
وأما الحركة والسكون فليسا من حديث الخلق في شيء لأنّهما عامّان لجميع الأحوال سواء كان العمل مباشرا أم كان معتقدا.
وفي الحركة والسكون كلام واسع، وذلك أن ههنا حركة إلهيّة، وحركة عقليّة، وحركة نفسيّة، وحركة طبيعيّة، وحركة بدنية، وحركة فلكيّة، وحركة كوكبيّة، وحركة كأنها سكون. فأما السكون فهو ضرب واحد، لأنه في مقابل كلّ حركة ذكرناها. فإذا اعتبرت هذه المقابلة في كلّ مقابل لحظ الانقسام في السكون، كما وجد الانقسام في الحركة. والحركة أوضح برهان على كلّ موجود حسّيّ، والسكون أقوى دليل على كلّ موجود عقليّ، وهذا القدر كاف في هذا الموضع.
وأما الشكّ واليقين، فمن علائق النفس الناطقة، ولهذا لا يقال في الحيوان الذي لا ينطق: له يقين وشك.
وأما الخلاعة والوقار، فقد تقدّم البحث عنهما.
وأمّا التوقّي والتهوّر، فهما خلقان في جميع الحيوان، ويغلبان على نوع الإنسان، لأنّ العقل يبطل أحدهما، والحسّ يغلب الآخر.
وأما الإلف والملل فخلقان محضان، يذمّان ويحمدان على قدر المألوف والمملول، وإن كان جريان العادة قد وفّر الحمد على الإلف، والذم على الملل.
стр. 112
وقد مدح زيد فقيل: هو ألوف. وذمّ عمرو فقيل: هو ملول.
وأما الصّدق والكذب، فمن علائق النفس الناقصة والكاملة، وقد يكونان راسخين فيلحقان بالخلق، إلا أن الصدق ممدوح، والكذب مذموم، هذا في النظر الأول، وقد يعرض ما يوجب المصير إلى الكذب لينجى به، فهما إذن بعد الحقيقة الأولى وقف على الإضافة، وقد وجدنا من كذب لينتفع، ولم نجد من صدق ليكتسب الضرر.
وأمّا الإخلاص والنفاق، فهما يلحقان بالخلق، ولكنّهما يصدران عن عقيدة القلب وضمير النفس.
وأما الإحسان والإساءة، فهما يعمّان الأفعال والأقوال، فإذا رسخ اعتيادهما استحالا خلقين.
وأما النّصح والغشّ، فهما خلقان، وطرفاهما يتعلّقان بالخلق.
وكذلك الطّمع واليأس، والحبّ، والبغض، واللهج والسّلوّ، وما شاكل هذا الباب.
ولم يجر هذا كلّه في المذاكرة بالحضرة، ولكن رأيت من تمام الرسالة أن أضمّ هذا كلّه إلى حومته، وأبلغ الممكن من مقتضاه في تتمّته.
وقال لي: هات الوداع، فإنّ الليل قد همّ بالإقلاع.
قلت: قال أبو سعيد الذهبيّ الطبيب: لو علم الّذي يحمل الباذنجان أنّ على ظهره باذنجانا لصال على الثّيران.
فضحك- أضحك الله سنّه، وحقّق في كلّ خير ظنّه- وقال: إن كنت تحفظ في غرائب أخلاق الحيوان شيئا فاذكره إذا حضرت، فقد مرّ في أخلاق الإنسان ما يكفي مجلس الإمتاع والمؤانسة، فإذا ضمّ هذا إلى ذاك كان للإنسان فيه تبصّر كاف، وتذكّر شاف. وصدق- صدّق الله قوله- لأن الإنسان أشرف الحيوان، وإنما كان هكذا لأنه حاز جميع قوى الحيوان ثم زاد عليه بما ليس لشيء منه، فصار ربّا له سائسا، ومصرّفا له حارسا، ونظر إلى ما سخّر له منه فاعتبر، وقاد نفسه إلى حسن ما رأى، وعزفها عن قبيح ما وجد، ولم يجز في الحكمة أن يحرم الإنسان هذا مع ما فيه من المواهب السنيّة، والمنائح الهنية، فإن قال قائل: فالملائكة إذن قد حرمت هذه الفضيلة؟ فليعلم هذا القائل أن الملك لمّا خلق كاملا لم يكلّف أن يكمل ويتكامل ويستكمل، فصار كل شيء يطلبه ويتوخّاه سببا إلى كماله المعدّ له وغايته المقصودة. فإن زاد فقال: فهلا خلق كاملا؟ فليعلم أن كلامه على طريق الجدل، لا على طريق البحث عن العلل، لأنّه قد جهل أنّه بالحكمة وجب أن يكون الأمر مقسوما بين ما يحوز الكمال بالجبلّة، وبين ما يكسب الكمال بالقصد.
стр. 113
ولمّا وجب هذا بالحكمة سرت إليه القدرة، وساح به الجود، واشتملت عليه المشيئة، وأحاطت به الحكمة، وشاعت فيه الربوبيّة.
وههنا زيادة في شرح الخلق يتم بها الكلام، فليس من الرأي أن يقع الإخلال بذكرها، لأنّها مكشوفة ظاهرة، وهي أنّ الإنسان إذا غلبت الحرارة عليه في مزاج القلب يكون شجاعا نزالا، ملتهبا، سريع الحركة والغضب قليل الحقد، زكيّ الخاطر، حسن الإدراك.
وإذا غلبت عليه البرودة يكون بليدا، غليظ الطباع، ثقيل الرّوح.
وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون ليّن الجانب، سمح النفس، سهل التقبّل كثير النسيان.
وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابرا، ثابت الرأي، صعب القبول يضبط ويحتدّ، ويمسك ويبخل، وهذا النعت على هذا التنزيل- وإن كان مفهوما- فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة وخفيّة، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي، وعجائب لا تنقضي، وقد قال الأوّل:
كلّ امرئ راجع يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين
وقال آخر:
إرجع إلي خيمك المعروف ديدنه ... إنّ التخلّق يأتي دونه الخلق
ولولا أن النزوع عن الخلق شاقّ لما قالوا: تخلّق فلان.
وقد قيل أيضا: «وخالق الناس بخلق حسن» ، وعلى هذا يجري أمر الضريبة والطبيعة والنّحيتة والغريزة والنّحيزة والسّجيّة والشّيمة، وربما قيل: الطبيعة أيضا، ثم العادة تالية لهذه كلّها، أو زائدة فيما نقص فيها، وموقدة لما خمد منها.
стр. 114
الليلة العاشرة [والحادية عشرة والثانية عشرة]
ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة، تفضّل وقال: ما في العلم شيء إلّا إذا بدئ بالكلام فيه اتّصل وتسلسل حتّى لا يوجد له مقطع ولا منفذ. ثم قرأت عليه نوادر الحيوان، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته، فزاد عجبا وأنا أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرة وفائدة- إن شاء الله تعالى.
يقال: إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سنا.
وأسنان المرأة ثلاثون سنا.
وأسنان الخصيّ ثمان وعشرون سنّا.
وأسنان البقر أربع وعشرون سنا.
وأسنان الشاة إحدى وعشرون سنا.
وأسنان التّيس ثلاث وعشرون.
وأسنان العنز تسع عشرة سنا.
الذي ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلا: البومة والوطواط.
ومن الحيوان الوحشيّ ما يستأنس سريعا: الفيل.
ويحكى أن الحيوان الذي أسنانه قليلة عمره قصير، والذي أسنانه كثيرة عمره طويل.
الفيل إذا ولد نبتت أسنانه في الحال، فأمّا أسنانه الكبار وأنيابه الكبار فتظهر إذا شبّ وكبر.
قلب جميع الحيوان موضوع في الوسط من الصدر ما خلا الإنسان، فإن قلبه مائل إلى الجانب الأيسر.
الأفعى تبيض في رحمها، ثم يصير هناك حيوانا.
الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار والحاجبين.
وأول ما ينبت بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية:
(إن خصي الإنسان قبل احتلامه لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخّر نباته، وإن خصي بعد احتلامه فإن ذلك الشعر يزول، ما خلا شعر العانة فإنّه يبقى) .
стр. 115
المرأة إذا احتبس طمثها ربما خرج لها شعر يسير في موضع اللّحية.
شعر الحاجبين ربما طال عند الكبر.
وشعر الأشفار لا يطول.
للأرانب في داخل أشداقها شعر، وكذلك تحت أرجلها.
القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه.
والبرّيّة منها تسفد قائمة وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر.
الرجال يشتاقون إلى الجماع في الشتاء، والنساء في الصيف.
الخنزير إذا تمت له من ولادته ثمانية أشهر ينزو على الأنثى.
الكلبة تحمل وتبقى ستين يوما ويوما، وهذا أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن يتم حملها ستين يوما، فإن وضعت قبل ذلك فإنها لا تربّي ولا يبقى لها ولد.
الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين، وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع والأنثى تحمل سنتين، ولا تضع إلا واحدا.
إذا باض الطائر وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق بعد ذلك.
كل ما كان من البيض مستطيلا محدّد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان مستديرا عريض الأطراف يفرخ الذكور.
وجرّب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس على البيض تمرض.
القبج إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر، وهبت الريح من ناحية الذكر مقبلة إلى ناحيتها حملت من ساعتها.
الحمامة إذا نتفت ريشة من ريشها احتبس بيضها أكثر مما لها بالطبع.
مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة، وغذاؤه من الصّفرة، فإذا خرج فرخان كان أحدهما أكبر جثّة من الآخر، والذكر منهما من البيضة الأولى ومن الثانية الأنثى.
الفاختة تعيش أربعين عاما.
والحجل يعيش عشرين عاما.
الرخمة تفرخ على صخور مشرفة عالية لا ينالها أحد، ولا توجد رخمة وفراخها إلا في الفرط «١» .
العقاب يجلس على البيض ثلاثين يوما، وكذلك كلّ طائر عظيم الجثّة مثل الإوزّ وما أشبهه، والمتوسط الجثّة يجلس على البيض عشرين يوما، كالحدأة والبزاة وما أشبه ذلك.
стр. 116
إناث الغربان تجلس على البيض جلوسا دائما، والذكر يأتيها بالطعم حينئذ.
الحجل تعمل عشّين يجلس الذّكر على واحد، والأنثى على واحد.
الطاوس يعيش خمسا وعشرين سنة، وفي هذه المدة تنتهي ألوان ريشه.
ويحضن بيضه ثلاثين يوما. قيل: وربّما أكثر قليلا، ويبيض في كلّ سنة مرّة واحدة، وعدد بيضة اثنتي عشرة بيضة، ويلقي ريشه في زمن الخريف وبعده قليلا، وذلك حين يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا أوّل الشجر وظهرت فروعه، ونبت ورقه بدأ ريشه ينبت.
الدّلفين له لبن، ويرضع، ويحمل عشرة أشهر، وتلد في الصّيف ولا تلد في زمان آخر البتّة، وربّما غاب تحت الموج في الماء ثلاثين يوما لا يظهر، وهو محبّ لخرئه يأكله.
الجمل الذّكر يكره قرب الفرس ويقاتله إذا تمكّن منه.
الشاة إن مطرت بعد نزوها انتقض حملها.
الغنم إذا أنزيت والريح جنوب تضع أولادها إناثا، وإن كانت العروق الّتي تحت ألسن الكباش الفحول بيضا فإنّ إناث الغنم تضع حملانا بيضا، وإن كانت العروق سودا فإنها تضع حملانا سودا. وإن كانت لونين تكون مختلفة، وإن كانت شقرا خرجت شقرا.
الغنم إذا هاجت المسنّة منها أوّلا فالسنة ذات خصب، وإن هاجت الفتيّة أوّلا فالسنة رديئة على الغنم.
الكلب السّلوقيّ ينزو إذا تم له ثمانية أشهر، والأنثى منها تحمل ستين يوما، وربما زادت يوما أو يومين، وجراؤها عميّ اثنين وعشرين يوما. ومنها ما تحمل ثلاثة أشهر وتكون جراؤها عميا سبعة عشر يوما.
إناث الكلاب تطمث في كلّ سبعة أيام وتبول جالسة، ومنها ما ترفع رجلها عند البول.
ذكور الكلاب ترفع أرجلها للبول إذا تمت لها من ولادتها ثمانية أشهر وبعضها في ستة أشهر.
ذكور الكلاب السّلوقيّة تعيش عشر سنين، وإناثها اثنتي عشرة سنة، ومن أجناسها ما تعيش عشرين سنة، وإناثها كلّها أطول أعمارا من الذكور.
قال أوميروس الشاعر: إن كلب أديسوس هلك وهو ابن عشرين سنة.
وليس تلقى الكلاب شيئا من أسنانها سوى النابين، فإذا تمّ للكلب أربعة أشهر أبقاهما.
стр. 117
البقر تلقي أسنانها لسنتين، وإذا كثر نزو الذكور منها وحمل الإناث يكون ذلك علامة شتاء وجود أمطار وخصب، وإناثها تطمث.
إناث الخيل تضع أولادها في أحد عشر شهرا، أو في الثاني عشر.
الحيّات رغبة نهمة، قليلة شرب الماء، لأنها لا تضبط أنفسها، وإذا شمت الشراب فإنها تشتاق إليه جدّا.
الأسد إذا بال رفع رجله كما يرفع الكلب.
البقر تشتهي شرب الماء الصافي النقي، والخيل على الضد فإنها تشرب مثل الجمال الماء الكدر الغليظ.
الغنم في الخريف تشرب الماء الذي تصيبه ريح الشمال، وذلك الوقت أوفق لها.
الدّرّاج إذا هبّت الريح شمالا تتزاوج وتخصب، وإن كانت جنوبا ساءت حالها ومرضت.
السمك الذي يأوي إلى الشطوط من ناحية البرّ ألذّ من الذي يأوي اللّجج وما كان منها مستطيل الجثة فهو يخصب في الصّيف وهبوب الشمال، والعريض الجثة على ضد ذلك، وأكثر ما يصاد السمك قبل طلوع الشمس لكلبه على الرعي، وطلب الطّعم.
والسمك الجاسي الجلد يخصب في السنة المطيرة، لأن ماء البحر يحلو فيها.
الكلب له ثلاثة أمراض: الكلب، والذّبحة- وهو القاتل لها- والنّقرس.
والداء الذي يقال له الكلب يعرض للجمال أيضا، فإذا كلب الجمل بخر ولم يؤكل لحمه.
الخيل إذا ألقت حوافرها وقت تنصل نبت لها حافر آخر عاجلا، لأن نباته يطلع مع نصول الحافر. وعلامة ذلك اختلاج الخصية اليمنى.
ويعرض للخيل داء شبيه بالكلب، وعلامته استرخاء آذانها إلى ناحية أعرافها، وامتناعها من العلف، وليس لهذا الداء علاج إلا التسكين.
لا يكون في بلد الهند خنزير. لا أنيس ولا بريّ، وفي أرض تعرف بكذا يجزّ البقر كما يجز الغنم، وفي أرض النّوبة تولد الكباش نابتة القرون.
وإناث الكلاب السّلوقيّة أسرع إلى الأدب من الذكور.
جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع، ما خلا الذئبة، فإنها أصعب خلقا وأجرأ من الذكور.
العقاب والتّنّين يتقاتلان، والعقاب تأكل الحيّات حيثما وجدتها.
стр. 118
الغداف يخطف بيض البومة نصف النهار فيأكله، لأنّ البومة لا تبصر بصرا حادّا في ذلك الوقت. فإذا كان الليل شدّت البومة على بيض الغداف فأكلته.
بين العنكبوت وبين الحرذون شرّ، لأن الحرذون يأكل العنكبوت.
عصفور الشّوك يقاتل الحمار، لأن الحمار إذا مرّ بالشوك أفسد عشه، فإذا نهق بالقرب منه وقع بيضه، وإن كان فيه فراخ خرجت منه، فلهذه العلة يطير هذا العصفور حول الحمار وينقره.
والغراب يعادي الثور والحمار وينقرهما.
والحيّة تعادي الخنزير وابن عرس، لأنهما يأكلان الحيّة حيث وجداها.
الغداف مصادق للثعلب، والثعلب مصادق للحيّة، «والسبب في عداوة العصفور للحمار أن معاش العصفور من بزر الشوك وفيه يبيض، وهو وكره، والحمار يرعى ذلك الشوك إذا كان رطبا» .
البقر يكون في الجبال إذا ضلّت بقرة تبعتها الأخرى، ولذلك الرعاة إذا لم يجدوا بقرة واحدة وعدموها طلبوا سائر البقر وفقدوها من ساعتهم.
الخيل إذا ضلت الأنثى منها أو هلكت ولها ولد فإن إناث الخيل ترضعه وتربّيه، وذلك أن جنس الخيل في طباعها حبّ أولادها.
الأيايل تلقي قرونها في أماكن عسرة صعبة، لا ترتقى لئلا تؤخذ، ولذلك قيل في المثل: حيث تلقي الأيايل قرونها، فإذا ألقتها توقّت أن تظهر إلى أن تنبت، كأنها قد ألقت سلاحها. وقيل: إنه لم يعاين أحد القرن الأيسر من قرنيها، لأن فيه منفعة عظيمة.
وإذا وضعت أولادها أكلت مشائمها من ساعتها، ولا يمكن أخذها لأنها تأكل من قبل أن تقع على الأرض.
والأيّلة تصاد بالصّفير والغناء، ويفعل ذلك رجلان أحدهما يغنّي ويصفّر، والآخر يرشقها بالسهام، فلإصغائها إلى الصفير والغناء لا تحذر السهام.
ويقال إن الأيّل إذا كانت أذناه قائمتين فهو يسمع كل شيء ولا يخفى عليه ما يراد به، وإن كانتا مسترخيتين خفي ذلك عليه.
الفهد إذا أكل العشبة التي تسمى خانقة الفهود يطلب زبل الإنسان فيأكله ويتعالج به.
ابن عرس إذا قاتل الحيّة أكل السّذاب مخالفة للحيّة.
اللقالق إذا خرجت من قتال بعضها بعضا تضع على الجرح صعترا بريا.
يقال إن ذكور العصافير تبقى سنة فقط، والدليل على ذلك- أنها من قبل أطواقها
стр. 119
التي في أعناقها- لا تظهر في الربيع، بل بعد ذلك بأيام، لأنها لا تبقي شيئا من الذكور التي كانت من العام الماضي، فأما إناثها فهي أطول أعمارا.
إذا دنا الصيّاد من عش القبج تخرج الأنثى من بين يديه وتطمعه في صيدها حتى تهرب فراخها، ثم تطير وتدعو فراخها إليها.
وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر منها يطلب موضع بيض أنثاه فيدحرجه- مخافة أن تقعد عليه وتشتغل عنه- فيفسده، وهي تحتال أبدا في الهرب منه وتخفي موضع عشها، فتبيض في أماكن خفيّة، ومتى قصدها قامت عنه وأطمعت في نفسها حتى تبعد عن أماكن بيضها، فإذا بعد طارت ثم احتالت في الرجوع إليه.
الهدهد يعمل عشه من زبل الإنسان، فلذلك رائحته كريهة.
العقاب تصيد منذ حين الغداة إلى وقت الرواح، فأما من أوان الرّواح إلى أن يترحل النهار فهي قاعدة في مكانها لا تتحرك.
ومنقار العقاب الأعلى ينشأ ويعظم ويتعقّف حتى يكون ذلك سبب هلاكها لأنّها لا تنال به الطّعم، فإذا فضلت للعقاب فضلة من طعمه وضعها في عشّه لحاجة فراخه إليها.
أصناف الطير المعقّفة المخالب لا تجلس على الصخر إلا في الفرط، لأنّ خشونة الصخر مخالفة لتعقّف مخالبها.
النحل تعمل عشّها في زمانين: في الربيع والخريف. والعسل الذي تعمله في الربيع أشدّ بياضا وأجود من الذي تعمله في الخريف.
وأضعف العسل يكون أبدا في أعلى الإناء، والنقيّ الطيّب في أسفله.
الأسد عظامه جاسية جدا، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج من الحجارة.
الحيوان الذي له شعر في أشفار عينيه ليس في أشفار عينيه شعر إلا الشعر الأعلى.
والنعامة لها أشفار في الجفنين الأعلى والأسفل.
القنفذ تبيض خمس بيضات، وليس هو بيضا بالحقيقة، بل هو على صورة البيض، يشبه الشحم.
قلب كلّ حيوان طرفه حادّ، وهو أصلب من سائر جسده، وهو موضوع في وسط الصدر سوى الإنسان، فإنه مائل فيه إلى الناحية اليسرى، لأنه يكون بإزاء الجانب الأيسر فيعادل الناحية اليمنى، فإن اليسرى من الإنسان أكثر بردا.
وليس في قلوب جميع الحيوان عظم إلّا في الخيل، وفي جنس من البقر، فإن في قلب هذين عظما دون غيرهما من الحيوان.
стр. 120
وكلّ حيوان له قلب كبير يكون جزوعا.
الكلاب الهنديّة تتولّد من كلب وسبع شبيه بالكلب.
والحمار حيوان بارد، ولذلك لا يكون الوحشيّ منها إلّا في المكان البارد.
ذكور البغال لا تشمّ أبوال إناثها كسائر ذوات الحافر.
بيض الطير فيه لونان: بياض وصفرة.
وبيض السمك فيه لون واحد.
إذا كانت الريح جنوبا كان المولود أنثى، لأن الجنوب إذا هبّت رطّبت وإذا أشملت كان المولود ذكرا.
عيون جميع الصبيان ساعة ولادتهم شهل «١» ، ثم تنتقل إلى الطباع الغالبة عليها.
وعيون جميع الحيوان لون واحد، كالبقر فإن عيونها سود. وعيون البشر ألوان كثيرة.
صاحب العين الناتئة لا يبصر ما بعد عنه بصرا جيّدا، والغائرة تبصر ما بعد عنها، لأنّ حركتها لا تتفرّق ولا تتبدّد.
الفهد ربما نكح الدّبّ فيتولّد بينهما سبع مختلف المنظر، لا يتناول الناس ويصيد الكلاب ويأكلها ويستخفي في الشجر، فإذا مرّ به أيّل مفاجأة وثب عليه وأنشب مخالبه في أكتافه ومصّ دمه حتى يضعف الأيّل ويسقط فيجتمع عليه هذا الصنف من السباع فيأكله، فإن اجتاز بها أسد نهضت عنه وتركت الفريسة له تقرّبا إليه.
بأرض يونان معزى جعدة الصوف، يقال لها: المعزى البريّة، فإذا أصابت قرونها شيئا من قضبان الكرم لم ينبت ورقه ولا ثمره، بل يجفّ مكانه ويسقط ما عليه من الورق والثمر.
السّلحفاة تخرج من البحر إلى الرمل فتبيض فيه، حتى إذا بلغ أوانه وخرج أولادها، فما كان ناظرا إلى ناحية البحر كان بحريا، وما كان وجهه إلى ناحية البرّ كان برّيا.
والسّلاحف تمتنع من الذّكران، فيأتيها بعود يحمله في فمه، ويدنو منها، فإذا رأت ذلك العود سكنت له.
وما كان من السلاحف بحريّا فخرج إلى البر وأصابه حرّ الشمس لم يستطع الرجوع إلى البحر وبقي حتى هلك. وما كان بريّا فوقع إلى ناحية البحر تلف ولم يستطع الرجوع إلى البرّ وهلك.
الثعلب يهيئ عشّه ووكره ذا سبعة أجحرة، فإذا طرقته الكلاب وغيرها مما يتخوّف في جحر خرج من غيره.
стр. 121
وإذا قارب الزرع أن يسنبل دخل الثعلب فيه وتمعّك فرحا به، فيفسد ذلك الزرع، ولذلك سمّى احتراق الشعر: داء الثعلب، لأنه يسقطه كما يذهب ورق السنبلة والشوكة.
القنفذ يعمد إلى الكرمة فيحرّكها فيقع منها العنب، فيتمرّغ فيه حتى يملأ شوكه ويعود إلى عشه، فإذا بصرت به جراؤه أطافت به تلتقط ذلك الحب من شوكه وتأكله.
الذئب إذا هيّئ من معاه وتر وهيّئ من معى الشاة وتر، ثم علّقا بآلات الملاهي، ثم ضرب بهما، صوّت المعمول من الذئب، وخرس الوتر المعمول من الشاة.
وكلّ شاة يتناول الذئب من لحمها يكون لحمها لذيذا، وكل جزّة صوف تهيّأ من الشاة التي قد تناول الذئب منها قمل الثوب المعمول منها من قبل سمّ أسنانه.
الكلب إذا مرض أكل حلفاء رطبة.
والأيّل إذا مرض أكل حيّة.
والضّبع إذا مرض أكل كلبا.
الأسد إذا أكل كلبا فإنه يكون قد ضرس فيزول ذلك.
الرخمة إذا ضعف بصرها بقرت مرارة إنسان.
الأعنز البريّة تألف حيتانا بحريّة، وتدع الجبال وتسلك طريقا بعيدا حتى تأتي البحر لمكان تلك الحيتان، فلما عرف ذلك الملّاحون سلخوا جلود تلك الأعنز، ودنوا بها من شاطئ البحر على ظهورهم، فإذا نظرت تلك الحيتان إليها فيصيدها الملاحون.
ليس من السباع شيء صلبه عظم واحد بلا خرز إلا الأسد والضبع.
من ربط على بدنه سنّا من أسنان الذئب ولبسه لم يخف الذئاب.
والفرس الذي يعلّق عليه شيء من أسنان الذئب يكون سريع الجري.
المعزى البرّية تكون صلبة القرون، تأوي أطراف الجبال وما كان مشرفا من الصخور على أودية، فإن بصرت بالصياد ألقت أنفسها من تلك الصخور لتقيها بقرونها، فإن سقطت على غيرها هلكت، وفي قرونها خرزات مستديرات على قدر ما يكون عدد سنيها.
والعجب أنها تحفظ إناثها عند الكبر وتتعهّدها بالمطعم والمشرب تحمله على أفواهها.
المعزى البرّيّة إذا صيد شيء من سخالها تبعته ورضيت بالعبودية مع ولدها وفي أطراف قرونها جحرة تتنفّس منها، فإن سدّت هلكت مكانها.
الورشان يحترّز بأن يضع ورق الغار في عشّه.
стр. 122
والحدأة تضع في عشها ورق العليق تتحرّز به.
الخطّاب يضع في عشه قضيب كرفس.
التّدرج يضع في عشه سرطانا نهريّا.
جميع السباع والدوابّ عند المشي تقدّم اليد اليمنى والرجل اليسرى.
لا تكون الزرافة إلّا في أرض قليلة الماء.
إذا همّ أصحاب الخيل أن ينزو حمارا على فرس جزّوا عرفها فتقرّ حينئذ وتذلّ لكدم الحمار لها.
بيونان ثيران لها أربعة قرون لا ترضى بمجامعة البقر، بل تجامع إناث الخيل، ويتولد بينهما خيول عجيبة المنظر.
الجاموس لا ينام أصلا وإن أرخى عينيه إرخاء يسيرا، لكنّه ساهر الليل والنهار.
الجمل إذا وقع على الناقة وقع الضراب ستر عن الرجال، فإن نظر إليه رجل غضب.
قالت الروم: إن السّنّور يتولّد من مجامعة الفهد لبعض السباع.
لا ينام البوم إلا إغفاءة.
ومن العجب أن السّنّور يكون صافي العين كثير البريق عند امتلاء الهلال وينقص ذلك الصفاء والبريق عند نقصان الهلال.
الأفعي إذا جامعها الذكر واسمه الأفعوان تحوّلت إليه، فإن ظفرت به أكلت رأسه من شدّة عشقها له.
ذكر العقرب اسمه عقربان، أسود صغير، سريع المشي، جادّ الذهاب، الحرذون تفسيره بالعربية الذي يخرج من الزعفران.
التمساح لا يكون إلا في النيل ونهر بأرض الهند يقال له: الرّسيس ويبيض كبيض الإوزّ، وربما يولد منه حراذين صغار، ثم يكبر حتى يبلغ طوله عشر أذرع، ويزداد طولا كلما ازدادت سنو حياته.
وسنّه اليسرى نافعة لحمى النافض.
وذكر أنّه يجامع ستّين مرّة في حركة واحدة ومحلّ واحد.
الحمار الوحشيّ يتولد بين الفرس والفيل، وله قرن ينبت من أنفه كأنّه سيف، وإن ضرب شجرة قطعها وبه يقاتل الفيل ويبعج بطنه بقرنه، ولم يعاين من هذا الجنس أنثى قط.
في البحر حوت يقال له: البوس، يتولّد من الصاعقة إذا كانت في البحر وإن
стр. 123
وضع ذلك الحوت بين اثنين فأكلا منه تحابّا ولا يحقد أحد على صاحبه، ويتآخيان أحسن الإخاء.
كلب الماء أبدا ذنبه على ظهره واقع مع انطباق والتواء، يرعى نبات الأرض، وهو شديد الجزع من النار، فإذا كان الليل خرج الصيادون بأيديهم شعل النار، فيأتون مجثمها، وتلك لا تتحرّك لجزعها من النار حتى تؤخذ، وإن كان منها ذكر لم يجامع أنثى قطّ، وإذا أرادت المجامعة فإنها تجتمع وتجلد فتفرخ.
وإن أخذ منها صياد بشبكة واحدا وثبت كلّها حتى تدخل الشبكة آبية فراق بعضها بعضا.
ومن لبس جوربا من جلودها وبه نقرس انتفع به جدا.
وإذا ابتلي إنسان برعاف ثم أخذ قطعة من جلدها، ثم انقعه في لبن واشتمّه انقطع ذلك الرّعاف.
اليرابيع إذا اجتمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون في موضع مشرف أو على صخرة أو تلّ ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية، فإن رأى أحدا مقبلا أو سبعا صرّ بأسنانه وصوّت، فإنه سمعته انصرفت عن الموضع إلى جحرتها فإذا أغفل ذلك وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ذلك الرئيس انصرفت إليه وقتلته لتضييعه أو غفلته.
وإذا كان حسن الرّصد مضت اليرابيع فقطعت أطرأ ما يكون من الخضرة وأطيب العشب فحملته بأفواهها حتى تأتيه تحية وتكرمة.
وإذا كانت في جحرتها خرج الرئيس أوّلا فيبصر الطريق، فإن لم ير أحدا صرّ بأسنانه وصوت لها لتخرج فترعى.
في البحر حوت يقال له: موفى، ضعيف الجسد، قليل القوة، إذا جاع خرج إلى الشاطئ فاستلقى على الرمل فأقام شوكة في رأسه، فإذا نظر إليه حوت آخر جاء مسرعا ليأكله يظن أنه ميت، فيدخل بطنه تلك الشوكة فيقتله بها ويأكله.
وإذا ألقى الملّاح صنارته ولقيت ذلك الحوت رمى مكانه بتلك الشوكة الحادّة يد الملّاح فتخدر ويطرح أداة صيده.
فإذا رأى الحوت أن الصّنارة داخلت أضلاعه غلبت الظلمة على بصره ومات من ساعته.
وفي جلد هذا الحوت عجب، وهو أن الصاعقة لا تدنو من جلده، والملّاحون يغطّون سفنهم به عند ما يتبيّنون الصواعق ووقوع المطر، ويدنو هذا الحوت إلى طرف مقدّم السفينة فيمسك بطرفه اللطيف، فلو اجتمعت الرياح كلها بأشد هبوبها لم تستطع تحريك تلك السفينة، فمن أخذ من جلدها وسمّر به شراع السفينة لم يخف على سفينته غرقا.
стр. 124
السريع الحضر أربعة: النّمر والحريش وعنز الجبل وكباشها.
عدوّ الحيات أربعة: القنفذ والفيل والأيّل والعقعق.
الجبان اثنان: الأرنب والأيّل.
ذو الزهو ثلاثة: الفرس والديك والطاوس.
ذو حدّة السمع ثلاثة: الذئب والحمار والخلد.
القادر في التزاوج ثلاثة: العصفور والحمام والعقعق.
ذو الشهوة ثلاثة: العصفور والثور والباشق.
المتحارس بالليل اثنان: الكركيّ والبط.
نافي فراخه ثلاثة: النعام والغداف والعقاب.
محب الظلمة ثلاثة: البوم والخفّاش والخلد.
ذو حدّة البصر ثلاثة: العقاب والظبي والباشق.
من أخذ لسان ضبع ومر به بين الكلاب لم تكلب عليه.
من مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من أصول عنب الحيّة هربت منه.
وعنب الحيّة هو الحنظل.
وذكر الحبارى يقال له: الخرب.
إذا أراد إنسان أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها بعيانه وبين يديه أحدهما.
من الحيوان ما لا يشبه الولد الوالد كالدببة والنحل والدّبر.
أما الدببة فتضع أولادها توائم لا صور لها حين تولد، غير أن أمّها تهيئ صورها، وتسوّيها بلحسها إيّاها بألسنتها ...
وأما الدّبر فإنها تلد دودا يتصوّر بعد ذلك.
الضفادع والغيالم والسرطانات لا ضرر عليها في ماء ولا يبس، لكنهما عندها سيّان لا تهلك في برّ ولا تخنق في بحر.
كلّ ما أكل اللحم فهو ذو أسنان قواطع صلاب، وأعناق قصار شداد، ومخالب وأظفار حداد، ومناقير معقّفة جذّابة.
للأسد ثلاث طبائع: الأولى منها أنه إذا مشي فشمّ ريح الصّيادين عفّى على آثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصّيادون ويقفوا عليه في عرينه فيتصيّدوه.
والثانية أن اللبؤة تلد شبلها ميّتا، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في اليوم الثالث فينفخ في منخره فيبعثه.
والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان.
стр. 125
ومن تمسّح بشحم كلى الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه، وإن افترس الأسد الفريسة ولم يأكلها ميّز أن ريحها منتنة جدا.
وأصناف الحيوان التي تلغ الدم بألسنتها: الكلاب والسنانير.
الأسد: تضع أولادها غير منفتحة العيون، وإنما تنفتح بعد ذلك.
وأما الأسد خاصّة فليس له من جنسه قرين، ولا يرى شيئا من السّباع كفؤا له فيصحبه، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو جهده الجوع ويهرّ زئيره كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوّة.
وإنما تلد اللّبؤة واحدا ويخرق بطن أمّه بأظفاره ويخرج منه.
الثعلب إذا جاع فلم يقدر على صيد عمد إلى أرض شديدة الحرّ وإلى موضع الطير إذا حمي، فاستلقى على ظهره ونظر إلى فوق، ثم اختلس نفسه وأخذ به داخلا حتى ينتفخ انتفاخا شديدا فيحسبه الطير قد مات، فيقع عليه ليأكل منه كما يأكل الجيفة، فإذا اجتمع الطير انتفض سريعا وقبض على ما وجد فأكله، لأنه ذو خبّ ومكر، كذلك طبيعته إن أصابه ضرر فأثّر فيه آثارا وكلم فيه كلوما أخذ من صمغ شجرة تدعى قنطوريا فأبرأها به.
القرد أهيأ الحيوان لقبول التعليم، وهو لعوب غضوب سريع الحسّ، لا يكون في بلد كثير السباع، عدوّ لجميع الحيوان، مليح الإهاب، نهوش خطوف، إلا أنه إذا شبع نام في غاره ثلاثة أيّام، فإذا خرج صاح بصوت عال تخرج منه رائحة طيّبة، فيجتمع إليه الحيوان لحسن صوته.
ومن أراد ختله فليتمسّح بشحم الضبع ويدخل عليه في غاره، فإنه لا يمتنع، خفيف الجرم، حديد الشدّ يقظان.
دابة يقال لها بالفارسية (بادستر) إذا طلبه القانص استلقى لظهره وأراه أنه لا خصية له، كأنه قد علم ما يطلب منه.
خلق الجبان من الحيوان الخائف سريع الحضر سريع الحركة، وجعل الصّنف الجريء العادي بطيء الحضر مبلّدا.
الضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان، وذلك أنها تصير مرّة ضبعا ذكرا ومرّة أنثى، تلقّح أحيانا كالذكر، وتقبل اللّقاح أحيانا كالأنثى.
وطبيعتها أنّها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة مشت على الآثار ووطئت ظلّه فوقع.
«ومن قتل ضبعا وأخذ لسانه ومرّ بين الكلاب لم تكلب عليه، ولم تعرض له.
ومن مرّ بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من حنظل، أسكتها عنه وهربت منه» .
стр. 126
القنفذ عدوّ الحيّات، إذا قبض على حيّة تركها تضطرب على شوكه حتى تموت، فإذا ماتت قطّعها قطعا.
الدبّ يقتل الثور، والغالب عليه الانجحار في مغارته.
الفيل ليس له شهوة السّفاد، فإذا أراد الولد أتى رياضا وجنانا فيها اللّفاح هو وإناثه فهيّج له اللفّاح برائحته وقوّة حرارته شهوته فتسافدت، فإذا ولدت ولدت قائمة، لأنّ أوصالها ليست مواتية كأوصال الّتي تلد باركة ورابضة غير أنّها تلد في الماء حذرا على دغفلها أن يموت إذا وقع على الأرض، فلذلك تدخل ساحل البحر حتى يبلغ الماء بطنها فتضع ولدها على الماء كالفراش الوثير والذّكر في ذلك يحرسها وولدها من الحيّة.
ما أشدّ عداوة الفيل للحيّة، حيثما أصاب الفيل الحيّة وطئها وقتلها.
وإن هو سقط على جنبه لم يستطع القيام، إنما نومه إذا اتكأ على شجرة.
ومن هناك- لمّا عرف أهل تلك البلاد كيف نومه- يأتون الشجرة فينشرونها بالمنشار، فإذا أتاها الفيل واتكأ عليها وقعا على الأرض معا، وحينئذ يشتدّ صياحه بصوت رفيع، ويجتمع إليه لذلك فيلة كثيرة تحاول معاونته على النهوض والانبعاث، فلا تقدر على ذلك، فتصيح جماعتها بصوت واحد جزعا من ضعف حيلتها وعجزها حتى يأتي الفيل الذي هو في الجسم أصغر، وفي الحيلة أكبر منها، فيدخل مشفره تحت الفيل الساقط، وتفعل كفعله جميعا في إدخال مشافيرها تحته حتى تدعمه فينبعث، وإنما كوّن رأس الفيل في عنق قصير، وكوّن له بدل العنق الطويل المشفر الطويل ليكتفي به من الضيق، وبه يتناول طعامه وشرابه.
وخلقت قوائمه غير منفصلة، لكنّها كالأساطين المصمتة والسّواري الوثيقة لتحمل الكثير الثقيل، وربطت بعراقيب صغار غير منحنية ولا منثنية على الأوصال، لكنّ عظامه مفرغة إفراغا.
تطول أعمارها إلى ثلاثمائة سنة، غير أنّ القردان والبقّ تعلق بالفيلة فتؤذيها.
السّمندل: دابّة لا تخاف النار، لأنّها لا تحرقها، وإن دخلت أخدودا متأجّجا مضطرما بالنار لم تحفل بذلك، وصارت النار الّتي تبيد الأجسام مبعثا لهذه الدابّة المهينة الحقيرة، تستلذّ التقلّب فيها استلذاذ القلب بالهواء البسيط وهبوب أرواحه الطيّبة، ونضارة جلدها وتنقيته بالنار، فيزداد بالنار حسن لون.
الأرنب من طباعها الجبن والخوف، وهي كثيرة الولادة.
الكلب ذو فحص واقتفاء للأثر، وبشمّه يسترشد ويهتدي ويستدلّ إذا شمّ المولى عرفه إن كان له أو لغيره.
стр. 127
ومن طباعه الترضّي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه.
ليس في الحيوان أشدّ حبا لصاحبه منه، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه رافعا ذنبه مستعدّا كالفارس البطل والشجاع النّجد، مع نشاطه في الطلب وهو يعلم أن الصيد ليس بحاضر، لكنّ ذلك منه حسن طاعة.
فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأمّ ولأب فمما قد عهد وشوهد، وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط، فلا يخطف واحد منها ذلك، لكنها تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض، غير مستأثرة به ولا محاربة عليه.
الفرس من طباعه الزّهو والحرارة وشهوة الإناث للسّفاد. وإن وطيء الفرس أثر وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كلّه.
الذئب إذا رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه، فإن رآه خاف وجبن اجترأ وحمل عليه وكبسه.
وليس كلّ ذئب يعدو، ولكن هو الذي يكون ضاريا، وفيه خلّتان: إحداهما أن يكون منفردا يمشي وحده، والأخرى حدّة سمعه، إن خفي عليه مكان الغنم أتى مكانا وعوى صوتين أو ثلاثة، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب الّتي مع الغنم ونباحها حين سمعت عواءه، فإذا سمع نباح الكلاب شدّ مسرعا نحوها، قاصدا إليها، فإذا قرب من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من حرس الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه من الغنم.
حمار الوحش إذا ولدت الأنثى الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي تلك الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد أو تشاركه في طروقة، إلّا أنّ الأنثى ربّما وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتدّ جسمه وتصلب حوافره، ويقوى بالشدّ على النّجاة من الفحل، ولهذا السّبب يقلّ منها الفحول.
الحريش دابّة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا، غير أن لها من قوّة الجسم وسرعة الحضر ما يعجز القنّاص عنها، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد منتصب مستقيم، به تناطح جميع الحيوان فلا يغلبها شيء.
احتل لصيدها بأن تعرض لها فتاة عذراء وضيئة، فإذا رأتها وثبت إلى حجرها كأنّها تريد الرضاع، وهذه محبّة فيها طبيعية ثابتة، فإذا هي صارت في حجر الفتاة أرضعتها من ثديها على غير حضور اللّبن فيها حتى تصير كالنّشوان من الخمر والوسنان من النوم، فيأتيها القنّاص على تلك الحال فيشدّ من وثاقها على سكون منها بهذه الحيلة.
الأيّل عدوّ الحيّات إن قربت منه حيّة فانجحرت في صدع صفا ملاء الأيّل فاه من الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك الصّدع، ثم اجتذب الحيّة إليه بالقوّة حتى
стр. 128
يقتلها، وإن كانت فوق أنزلها، وكذلك إن كانت أسفل، فإن كان جائعا أكل ما أصاب منها، وإن لم يكن به جوع قتلها وتركها فصارت الحيّات ذوات السّم الزّعاف المميت لكل من أصابه أو خالط بدنه غذاء هذه الأيايل، ويكون ملائما لها لذيذا عندها.
وإن دخّن البيت الّذي فيه الحيّات بدخان حريق قرن الأيّل فرّت منه كلّها خوفا.
على أن الأيّل نفسه جبان شديد الرعب، إذا أكل الحية بدأ بذنبها حتى ينتهي إلى رأسها، ثم يقطعه بأسنانه، وأكبر من ذلك أنه يتعلّق برؤوسها وتبقى في الهواء. وتكثر فيه المرّة ويعطش عطشا شديدا فيعوج إلى غدير الماء.
الغزال، يقال: ليس في الحيوان أبصر من الظّباء، ويقال لها باليونانية النّظّارة والمبصرة.
الثور دابّة عمول كدود مقدّر جسمه بقدر قوّته. من طبيعته كثرة المنيّ وتوقّد شهوة السّفاد، إن لم يخص لم يذلّل للعمل ولم يسكن ولم يصحّ جسمه لأنّ الغلمة تحلّ جسمه وتنحله، والخصاء يقطع ذلك كلّه. وبينه وبين الدّبّ عداوة شديدة.
أعنز الجبل وكباشه وهي الأرواء والتّيايل هذا جنس متمرّد في الجبال سريع الحضر في الشواهق والتوقّل «١» فيها وطبيعتها أن تلد توائم.
قد يوجد من البهائم ما لا يحمل، فأما أنثى الخيل إذا كانت حاملا فوطئت أثر الذئب بحافرها أجهضت حملها.
الحمار في طبيعته معرفة صوت الإنسان الذي اعتاد استماعه وإيناسه، لا يضلّ عن طريق سلكه مرّة ولا يخطئه، إذا ضلّ راكبه الطريق هداه وحمله على المحجّة.
وأمّا حدّة السمع، فليس في البهائم فيما يذكر أحدّ سمعا منه.
اليامورة دابّة وحشية نافرة، لها قرنان طويلان، كأنّهما منشاران تنشر بهما الشجر، إذا عطشت وردت الفرات وعليه غياطل»
وغياض ملتفّة أشجارها تفرّعت من أغصانها غصون طوال دقاق مشبّكة، فإذا شربت ريّها وأرادت الصّدر اشتهت الاستتار والعدو بين تلك الأشجار «ولجّت هناك» فعلق قرناها بتلك الغصون اللّدنة المتينة، وكلّما عالجتها لتفلت ازدادت ارتباطا فإذا ضجرت مما وقعت فيه عجّت جزعا، وسمع القنّاص صوتها فأتوها فقتلوها.
الجمل: حقود، يرتصد من ضاربه الفرصة والخلوة لينتقم منه، فإذا أصاب ذلك لم يستبق صاحبه، فأما ظهره فذو سنام مقبّب يكون لكثرة الحمل واحتمال الثّقل،
стр. 129
وأوصال ركبته وعراقيبه كبار صلاب، وأوتارها وعروقها متينة شديدة، وعصبه وثيق لم يشتد بضغط التحام مفاصله واتصالها ولم يسترخ مطويّا، لكنها هيّئت على الاعتدال ليهون عليه بذلك البروك والنهوض بحمله، مع تسهيل الارتقاء عليه في ذلك.
البغال: نوع هجين قد أنبئنا أنه لا يلد، إلّا أنّه أهدى للطريق للناس وأثبت حفظا.
الثيران وكلّ ذي قرن لا يأخذه الفؤاق.
وأما سباع الطير وآكلات اللحم منها فصلاب الأظفار، حجن «١» المناقير ذات حدّة وقوّة، قويّة الأجنحة.
والنواهض «٢» التي فيها القوادم أكثر طيرا.
الديك صلف في طبيعته، غير أنّ له مع ذلك إيقاظا للنائم بصياحه في آناء الليل، والتبشير بإقبال الصبح وطلوع الشمس، يؤنس السيارات في السّفر بصياحه في الليل، ويحرّضهم على السير، مع إيقظاه الفلّاحين لعملهم، والصّنّاع لصناعتهم، وإذا سمع المرضى صوته داخلهم من ذلك روح وخفّة من مرضهم.
الطاوس يحبّ الزينة، غير عفيف الطبيعة، يدعوه زهوه وحرصه على التزيّن إلى نشر ذنبه وعقده كالطاق لتراه الأنثى بحسن زينته.
الكراكيّ تتحارس باللّيل، ويجعل الحارس منها يتردد في المحلة ويهتف بصوت يسمع محذّرا، فإذا قضى نوبته استراح وأعقبه الذي كان مستريحا نائبا عنه حتى تقضي كلّها ما يلزمها من الحراسة، فإذا طارت لم تطر متقطعة، لكنّها تطير نسقا غير مشتّتة، يقدمها واحد منها كالرأس والهادي لها حتى تتلوه كلّها لازمة صفّها، ثم يعقبه بعده آخر متقدّم حتى يصير المتقدم الأوّل متأخرا في آخرها، وتقتسم كرامة المتقدم كلّها بالسويّة، وفيها ما يبعد سفره وينتقل عن مصيفه إذا هجم الشتاء.
البط له يقظة حارسة تدل على حدة حسّه.
الجراد معروف الحال.
العقاب تطلب عين الماء، فإذا أصابتها تحلّق طائرة إلى حر الشمس وهو موضوع دورانها فيحترق ريشها وما كان من جناح، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابّة «وتذهب ظلمة عينيها» .
وأما الطريح فيقيّض الله له طائرا يقال له: قاس، فيضمّه إليه ولا يدعه يهلك، ولكنّه يقوّيه ويربّيه مع أفراخه.
стр. 130
وأجنحة العقبان مفصّلة شبه ريشها.
وبصرها قويّ بعيد تحت الشّعاع المستنير.
ويقال: إنها أبصر الطير.
الحجل يأتي أعشاش نظرائه فيسرق بيضها ثم يحضنها، فإذا تحرّكت الفراخ وطارت لحقت بأمّهاتها.
البوم مأواه ومحلّه الخراب، يوافقه اللّيل، لأنّه باللّيل بصير وبالنهار كليل، مع حبّه التوحّد والخلوة بنفسه، وبينه وبين الغربان عداوة ما تنقضي.
النّسر يتّخذ وكره في المكان العالي المرتفع، وعليه يقع وفيه ينام كالراصد، إما في ذروة الجبل أو في وسطه من شظاياه وثناياه وموضع المنعة.
وإذا حملت زوجته مضى إلى الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة إذا حرّك سمع به صوت حجر آخر- يتحرّك في وسطه- كصوت الجرس، فإن عسرت على زوجته الولادة جعلت ذلك الحجر تحتها وعلت عليه فيذهب عنها العسر.
قال: ورأيت مرّة أنثى من جنس الطير مات زوجها فامتنعت من الطعام والنوم ليالي كثيرة صارت فيها كالنائحة الباكية على زوجها بتنفّس الصعداء وزفرات الحزن لا تلقط أيّاما متتابعة شيئا.
البزاة من طبيعتها أن تداوي أنفسها وفراخها فلا تموت، لأنّها تستعمل في بعض المرض والداء نبتة تعرفها وتعرف طبّها ... «ومنه ما ينقص ويزيد» ؟.
النعام: لا يعول أفراخه إلا أيّاما يسيرة، ثم يدحضها ويطردها من عنده إنكار لها.
الغداف لا يبيض ولا يفرخ من سفاد، فإذا أفرخت أنثاه فراخا لم يزقّها ولم يطعمها، إلا أنّ البقّ والبعوض يقع عليها لزهومتها ونتن لحمها، فتفتح أفواهها وتبلغ ما دخل فيها من ذلك البقّ، فهو يمسكها ويقوّيها.
أنحاء طيران الطير مختلفة كاختلاف الطير، بعضها يطير قريبا من الأرض كالبط وما أشبهه، وبعضها يرتفع، غير أنّه لا يبعد، كالحمام والغربان، وبعضها يحلّق تحليقا، كالعقاب والصّقور والأجادل والبزاة.
وما كان من الطير بدنه أعظم من جناحه فهو قريب الطيران من الأرض، لسرعة إعياء أجنحته واضطراره إلى الوقوع على الأرض.
البيضانيّ والأبغث: هذا طائر يحبّ ولده، فإذا تحرّكت فراخه ودرجت ضربت وجهه بأجنحتها فيدعوه المحك والغضب المطبوعان فيه إلى قتلها، فإذا ماتت اكتأب عليها الأبوان وأقاما عليها شبه المأتم ثلاثة أيّام، ثم إن الأمّ في اليوم الثالث تشقّ جنبها حتّى يقطر دمها على تلك الفراخ، فيصير ذلك نشورا لها بعد موتها.
стр. 131
مالك الحزين ينشل الحيتان من الماء فيأكلها وهي طعامه، لا يحسن السباحة، فإن أخطأه انتشال فجاع طرح نفسه على شاطئ النهر في بعض ضحضاحه، فإذا اجتمعت إليه السمك الصغار لتأكله أسرع لأكل ما يؤكل منه.
من الطير ما يلقح من هبوب الريح، لا يحتاج إلى تزاوج ولا إلى سفاد.
والخفّاش له خصيتان كخصى الحيوان، وله أربع قوائم وأسنان حداد كأسنان ذوات الأربع، يرضع ولده من اللبن إرضاعا، وجلده أملس.
العقعق لا يأوي تحت سقف ولا يستظلّ به، ولكنه يهيّئ وكره في المواضع المشرفة العالية والعراء الكاشف وجه الهواء الفسيح، وطبيعته الزّنا وخيانة الزوج، فإذا باضت الأنثى بيضها حصّنته بورق الدّلب وغطّته كيلا يقربه الخفّاش، فإن مسّه مرق البيض من ساعته وفسد.
النحل يلد من غير لقاح الذكور.
الحية إذا هرمت وكلّ بصرها واسترخى جلدها دخلت في صدع صفاة ضيّق أو جحر ضاغط يعسر عليها النفوذ فيه حتى ينسلخ عنها جلدها فتأتي عين الماء فتنغمس فيها حتى يقوى لحمها وينعصب، فإذا هي فعلت ذلك عادت شابّة كما كانت. فإذا أرادت أن تضيء عينها أكلت الرازيانج الرطب فاشتفت عيناها واحتد بصرها، وإن ضربت ضربة بقصبة استرخت فلم تستطع الفرار، فإن ثنيتها وثبت وسعت هاربة.
إن أنقع الحسك «١» في الماء ثم نضح ذلك الماء بين يدي جحر الحيّة فرت من هناك.
وإن وضع في جحرها أصل حمّص رطب فرّت أيضا.
وإن رأت الحيّة إنسانا عريانا استحيت منه ولم تقربه.
وإن رأته كاسيا حملت عليه بجرأة شديدة، وما أشدّ طلبها لثأرها، وإن شدخ رأسها ماتت من ساعتها.
السّمسمة، وهي حيّة حمراء برّاقة، إذا كبرت وأصابها وجع العين وكمدت «٢» التمست حائطا مقابل المشرق، فإذا تبدّت الشمس أحدّت إليها بصرها قدر ساعة فإذا دخل شعاع الشمس عينها كشط عنها العمى والإظلام، ولا تزال تفعل ذلك سبعة أيّام حتّى يتجدّد بصرها تاما.
стр. 132
الأفعى تزاوج دابّة بحريّة، تأتي الأفعى شفير البحر فتصوّت، وصوتها مهيّج لتلك الدابّة البحريّة.
من أحرق عقربا طرد برائحة حريقها عقارب ذلك البيت.
فأما حمة العقرب فهي جوفاء كهيئة المزمار معقّفة الرأس مكوّنة للدّغ، فإذا ضربت شيئا تحركت فخرج سمها وجرى في حمتها وسرى في الملدوغ.
الإناث من بنات عرس إنما تلقح من أفواهها وتلد من آذانها.
من عادة هذا الجنس أن يسرق ما وجد من حليّ الذهب والفضة، ويخبؤه في جحرته، فإن وجد أيضا في البيت حبوبا خلط بعضها ببعض، كأنّ عمله عمل الطباخين في خلط التوابل.
الفار الفارسيّ أطيب ريحا من كلّ طيب.
وإن أخذ إنسان جرذا فربطه في بيت فرّت منه الجرذان كلّها.
وإن وضع في جحر الجرذ البريّ ورق الدّفلى ماتت الجرذان.
الدودة الهنديّة هي دودة القزّ، لها في رأسها قرنان، ثم تتحوّل بيضة ثم تتصوّر في هيئة أخرى، ذات جناحين عريضين منتصبين، وصناعتها دمقس الحرير.
النمل عمول مواظب، فإذا جمع الحبّ قطّعه كيلا ينبت إذا أصابه النّدى والبلّة، ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر، فإذا يبس أدخله.
ومن جرّب طبائع النمل أدرك علم أزمان المطر والصّحو.
ومن أراد أن يقتل النمل فليدقّ الكبريت والحبق ويذرّهما في جحرته. ولا يولد من تزاوج، ولكنه يخرج منه شيء قليل صغير فيقع في الأرض فيصير بيضا، ثم يتصوّر من البيض بالهيئة التي ترى، وإذا شمّت الورد موّتت وأجنحتها مدمجة لاصقة بها.
البقّ والبعوض لا نتاج لهما، وإنما تنجل «١» من عفن الماء ووسخه ونتنه.
ومن وضع غصن العنب في موضع تحت سريره لم يقربه بقّ ولا بعوض.
ومن أراد ألّا يتأذّى بالبراغيث فليحفر في وسط البيت حفرة ويملأها دم تيس فإن البراغيث تجتمع هناك.
وإن وضع في الحفرة ورق دفلى ماتت البراغيث.
الخلد غير ذي عينين، دائم الحفر في غير نفع، وطعامه من أصول النبت وعروقه الذاهبة في الأرض، فهو يصيب ذلك في خلال حفره.
стр. 133
يقال: إنّ في بلد كذا نهرا ماؤه في البحر منحدرا إليه على حال طبيعته ستّ ساعات، وفي الستّ الثاني يحتبس ماؤه في ينبوعه ويرى جوفه ناضبا قد يبس.
ونهر آخر يجري في كلّ سبع سنين نهر كبريت، ولا يكون فيه سمك، لأن ماءه يتغيّر في كلّ يوم ثلاث مرّات، وينبعث منه شبه ثور ليس له رأس.
وأهل الشأم إذا أرادوا أخذه ألقوه في سفينة، ولا يستطيعون قطعه بفأس ولا كسره بحجر، إنما يؤتى بالماء المنتن ودم الحيض فيخلطان جميعا ثم ينضحان عليه، فإذا وقعا عليه تحلّل وتكتّل كتلا صغارا، وتستعمل في أشياء ينتفع بها.
عين النار تنبع منها نار تضيء بالليل للسيّارات فلا تطفأ ولا تحتاج إلى شيء يمسكها، لكنّها محفوظة بالحجارة، إن حمل إنسان منها شعلة قبس إلى موضع لم توقد.
البحر الميّت يقال له ذلك لأنه يموت فيه كلّ حيّ.
السّرطان ينسلخ جلده في السنة سبع مرّات، ويتّخذ بجحره بابين: أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى اليبس، وإذا سلخ جلده سدّ عليه الشارع إلى الماء لكيلا يدخل السمك فيأكله، إلا أنّه يدع الّذي إلى اليبس مفتوحا فتصيبه الريح وما ينفع لحمه ويعصمه، فإذا اشتدّ لحمه وعاد إلى حاله فتح ذلك المسدود وسلك في الماء وطلب طعمه وما يقيم حياته.
الزامور حوت صغير الجسم إلف لأصوات الناس، مستأنس باستماعها ولذلك يصحب السفن متلذذا بأصوات الناس، فإذا رأى الحوت الأعظم يريد الاحتكاك بها وكسرها، وثب الزامور ودخل أذنه، فلا يزال زامرا فيها حتى يفرّ الحوت إلى الساحل يطلب خزفا أو صخرة، فإذا أصاب ذلك لا يزال يضرب به رأسه حتى يموت.
وركّاب السفينة يحبّونه ويطعمونه ويتفقّدونه، ليدوم إلفه لهم وصحبته لسفينتهم، ويسلموا به من ضرر السّمك العادي.
وإذا ألقوا شبكة ليصطادوا السمك فوقع فيها الزامور خلّوه حيّا وأخذوه وأعتقوا لكرامته أصناف السمك الواقع في الشبكة أحياء.
وإني قرأت هذا الفصل على الوزير- كبت الله كلّ شانئ له- في ليلتين، فتعجّب وقال: ما أوسع رحمة الله، وما أكثر جند الله، وما أغرب صنع الله. قلت:
نعم، وما أغفل الإنسان عن حقّ الله الّذي له هذا الملك المبسوط، وهذا الفلك المربوط، وهذه العجائب التي تصعد فوق العقول التامّة بالاعتبار والاختبار بعد الاختبار، وإنما بثّ الله تعالى هذا الخلق في عالمه على هذه الأخلاق المختلفة والخلق المتباينة، ليكون للإنسان المشرّف بالعقل طريق إلى تعرّف خالقها، وبيان
стр. 134
لصحّة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها، ونيل لرضوانه بما يتزوّد من عبره الّتي يجد فيها، وليكون له موقظ منها وداع حاد إلى طاعة من أبداها وأبرزها، وخلطها وأفردها.
فقال: قد كنت قلت: إنّه يجري كلام في النّفس منذ ليال، فهل لك في ذلك؟
قلت: أشدّ الميل وأوحاه، لكن بشرط أن أحكي ما عندي، وأروي ما حصّلت من هذه العصابة بسماعي وسؤالي. فقال: نستأنف الخوض في ذلك- إن شاء الله- فإن النّعسة قد جذبت العين، فأنا كما قال:
قد جعل النّعاس يغرنديني «١» ... أدفعه عنّي ويسرنديني «٢»
أنشدني أبياتا ودّعني بها، ولتكن من سراة نجد، ليشتمّ منها ريح الشّيح والقيصوم.
فأنشدته لأعرابيّ قديم:
مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت ... شقاشق منها رائب وحليب
ورامت رجال من رجال ظلامة ... وعادت ذخول بيننا وذنوب
ونصّت ركاب للصّبا فتروّحت ... لهنّ كما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحيّ حتّى كأنّه ... رجا منهل من كرّهنّ نخيب
بني عمّنا لا تعجلوا ينضب الثّرى ... غليلا ويشفي المسرفين طبيب
فلو قد تولّى النبت وامتيرت القرى ... وحثّت ركاب الحيّ حين تؤوب
وصار عيوف الخود وهي كريمة ... على أهلها- ذو جدّتين قشيب
وصار الذي في أنفه خنزوانة ... ينادي إلى داعي الرّدى فيجيب
أولئك أيّام تبيّن ما الفتى ... أكاب سكيت أم أشمّ نجيب
فعجب وقال: هذا جنى غرس قد جذّ أصله، ونزيح قليب قد غار مدّه وجزره، وانصرفت.
стр. 135
الليلة الثالثة عشرة
فلما حضرت ليلة أخرى قال: هات.
قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثّرها في أطراف متناوحة «١» وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكلّ قد قال ما عنده بقدر قوّته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح.
قال بعض الفلاسفة: إذا تصفّحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصوّر بالعقل شيئا فإنّه لا يتصوّره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النّفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوّره بالعقل، فيظنّ الظانّ منّا أنّ النفس لا تفعل بالبدن، لأنّ هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسميّة.
وقد تعرف النفس أيضا الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحسّ من الإحساس، ففعل النفس إذن يفارق البدن، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصّها خلو من البدن، مثل التصور بالعقل، وكلّ ما له فعل يخصّه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة.
وقال أيضا: وجدنا الناس متّفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنّهم يتصدّقون عن موتاهم، فلولا أنّهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنّها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر، ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم.
وقال أيضا: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان يدبّر البدن ويرأسه.
والله جلّ وعزّ المدبّر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء الميّت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس.
وقال أيضا: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر.
стр. 136
وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلة للعظم، فليست النفس إذا بهيولى.
وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم، ولا هيولى، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة.
وقال آخر: حركة كلّ متحرّك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتّة، كحركة النار ما دامت نارا، وقسم هو كحركة النفس تهيج أحيانا وتسكن أحيانا، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة.
والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعا كما يدفع السهم ويطلق عن القوس، والآخر يجرّ جرّا كما تجرّ العجلة والجيفة.
وقال: فنقول: ليس يخفى أنّ جسدنا ليس مدفوعا دفعا ولا مجرورا جرّا ولمّا كان كلّ مدفوع أو مجرور متحرّك من خارج متحرّكا لا محالة من داخل، فالجسد إذن متحرّك من داخل اضطرارا.
وقال: إن كان جسدنا متحرّكا من داخل، وكان كلّ متحرّك من داخل إمّا متحرّكا حركة طبيعيّة لا تسكن، وإما نفسيّة تسكن.
فليس يخفى أنّ حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة لا تدوم، وكانت حركة كلّ ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركة طبيعيّة لا تسكن، بل نفسيّة من قبل نفس تحرّكه وتحثثه.
وقال: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحرّكه، وكان كلّ محرّك يحرّك غيره حيّا قائما موجودا، فالنفس إذا حيّة قائمة موجودة.
وقال أيضا: النفس جوهر لا عرض، وحدّ الجوهر أنّه قابل للأضداد من غير تغيّر، وهذا لازم للنّفس، لأنّها تقبل العلم والجهل، والبرّ والفجور والشجاعة والجبن، والعفّة وضدّها، وهذه أشياء أضداد، من غير أن تتغيّر في ذاتها، فإذا كانت النفس قابلة لحدّ الجوهر، وكان كلّ قابل لحدّ الجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر.
وقال: قد استبان أن النفس هي المحيية المحرّكة للجسد الّذي هو الجوهر ولما كان كلّ محي محرّك للجوهر جوهرا فالنّفس إذا جوهر.
وقال: لا سبيل أن يكون المحيا المحرّك جوهرا ويكون المحيي المحرّك غير جوهر، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرّك للموجود غير موجود، فالنفس إذا لا يمكن أن تكون غير موجود.
стр. 137
وقال: إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد.
وقال: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد، فما كان قائما بذاته فهو جوهر، فالنفس إذا جوهر.
وقد أملى علينا أبو سليمان كلاما في حديث النفس هذا موضعه، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموما إلى غيره، وإن كان كلّ هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير- أبقاه الله ومد في عمره- لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالف للإضافة باللسان، لأن القلم أطول عنانا من اللسان، وإفضاء اللّسان أحرج من إفضاء القلم، والغرض كلّه الإفادة، فليس يكثر الطويل.
قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامّة أن فينا شيئا ليس بجسم له مدّات ثلاث:
أعني الطول والعرض والسّمك، ولا يجزّأ من جسم ولا عرض من الأعراض، ولا حاجة به إلى قوّة جسميّة، لكنّه جوهر مبسوط غير مدرك بحسّ من الإحساس. ولمّا وجدنا فينا شيئا غير الجسم وضدّ أجزائه بحدته وخاصّته، ورأينا له أحوالا تباين أحوال الجسم حتّى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنّما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا، قضينا أنّ هاهنا شيئا ليس بجسم ولا جزء من الجسم، ولا هو عرض، ولذلك لا يقبل التغيّر ولا الحيلولة، ووجدنا هذا الشيء أيضا يطّلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال، ويتضح هذا بشيء أقوله: كلّ جسم له صورة فإنّه لا يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلّا بعد مفارقته الصورة الأولى، مثل ذلك أنّ الجسم إذا قبل صورة أو شكلا كالتثليث، فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير إلّا بعد مفارقة الشكل الأول. وكذلك إذا قبل نقشا أو مثالا فهذا حاله، وإن بقي فيه من رسم الصّورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح، بل تنقش فيه الصورتان، ولا تتمّ واحدة منهما، وهذا يطّرد في الشّمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقش في الخاتم، ونحن نجد النفس تقبل الصور كلّها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصّة ضدّ لخاصّة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلّما نظر وبحث وارتأى وكشف.
ويتضح أيضا عن كثب أن النفس ليست بعرض، لأنّ العرض لا يوجد إلّا في غيره، فهو محمول لا حامل وليس هو قواما، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض.
وكان يقول: إذا صدق النظر، وكان الناظر عاريا من الهوى، وصحّ طلبه للحق
стр. 138
بالعشق الغالب، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحرّكة للبدن، وبين البدن المتحرّك بالنفس.
قال: ولمّا عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم، ولم يكن لهم لحظ ولا اطّلاع فظنّوا أنّ الرباط الّذي بين النفس والبدن إذا انحلّ فقد بطلا جميعا.
وهذا ظنّ فيه عسف، لأنّهما لم يكونا في حال الإرتباط على شكل واحد وصورة واحدة، أعني أنّهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما.
ألا ترى أنّ البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس؟ هذا ظاهر.
وليس هذا حكم النّفس في شأنها مع البدن، لأنّها واصلته في الأوّل عند مسقط النطفة، فما زالت تربّيه وتغذّيه وتحييه وتسوّيه حتّى بلغ البدن إلى ما ترى، ووجد الإنسان بها، لأنّ النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، بل الإنسان بهما إنسان، فإذا الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
وهذه الكثرة توجد في الأوّل من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، يضمّه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحقّ باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه.
وغاية المعرفة الاتّصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله، وهذا هو الصّراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كلّ من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة.
فأمّا من هو عن هذا كلّه عم، وعمّا يجب عليه ساه، فهو في قطيع النّعم، وإن كان متقلّبا في أصناف النّعم.
وكان يقول كثيرا: الناس أصناف في عقولهم: فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلّا حظوظهم المعجّلة، فلذلك يكدّون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكلّ وسع وطاقة على الظّفر.
وصنف عقولهم منتبهة، لكنّها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرّضون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيرا، وذلك أنّهم لم يكملوا في جبلّتهم الأولى وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أنّ النّعت الأوّل موجود في طالبي الدّنيا بكل حيلة ومحالة.
وصنف عقولهم ذكيّة ملتهبة، لكنّها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللّطيفة والسّمعة الرّبانيّة، وهذا نعت موجود في العلماء الّذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين، وقصّروا عن
стр. 139
حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشّداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة.
وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفيّ، والاصطفاء السنيّ، والاجتباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، فتراهم حضورا وهم غيب، وأشياعا وهم متباينون.
وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ.
وهذا كما تقول: «الملوك ساسة، ولكل واحد منهم خاصة» ، وكما يقولون:
«هؤلاء شعراء ولكلّ واحد منهم بحر» ، «وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب» وكما تقول: «علماء ولكلّ واحد منهم مذهب» .
وعلى هذا أبو سليمان- حفظه الله- إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره بالحكمة، وفيض صوبه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة.
وقال: إنّا بعد هذا المجلس تركنا صنفا لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرّعاع الذين إن قلت: «لا عقول لهم» كنت صادقا، وإن قلت: «لهم أشياء شبيهة بالعقول» كنت صادقا، إلا أنهم في العدد، من جهة النسبة العنصريّة والجبلّة الطينيّة والفطرة الإنسيّة، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها، ولذلك قال بعض الحكماء: «لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السّوق» .
فضحك- أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره- فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطّى بصلبه، وناء بكلكله «١» . وانصرفت.
стр. 140
الليلة الرابعة عشرة
ومرّ بعد ذلك في عرض السّمر: ما تقلّد امرؤ قلادة أفضل من سكينة. فقال:
ذكّرتني شيئا كنت مهتمّا به قديما، والآن قرعت إليّ بابه، ما السكينة؟ فإني أرى أصحابنا يردّدون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه.
فكان من الجواب:
سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي؟ فقال: السكائن كثيرة: طبيعيّة، ونفسيّة وعقليّة، وإلهيّة. ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة، ومقادير متفاوتة ومتباعدة.
والسكينة الطبيعيّة اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسّات، تحدث به لصاحبه شارة تسمّى الوقار، ويكون للعقل فيها أثر باد، وهو زينة الرّواء المقبول.
والسكينة النفسية مماثلة الرّويّة للبديهة، ومواطأة البديهة للرويّة، وقصد الغاية بالهيئة المتناسبة، يحدث بها لصاحبها سمت ظاهر ورنوّ دائم وإطراق لا وجوم معه، وغيبة لا غفلة معها، وشهامة لا طيش فيها.
والسكينة العقليّة حسن قبول الاستفاضة بنسبة تامة إلى الإفاضة، ومعنى هذا أن القابل مستغرق بقوّة المقبول منه، وبهذه الحال يحدث لصاحبها هدى يشتمل على وزن الفكر في طلب الحقّ مع سكون الأطراف في أنواع الحركات.
والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد، لأنها كالحلم في الانتباه وكالإشارة في الحلم، وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة، لأن هذين نعتان محمودان في عالم السيلان والتبدّل، جاريان على التخيل والتجوّز بزوائد لا ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها، روحانيّة في روحانيّة، كما يقال: «هذا صفو هذا» ، و «هذا صفو الصّفو» ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه الحقيقة استغنى عن رسوم محدودة بألف ولام، وحقائق مكنونة في عرض الكلام، وإذا جهلنا أشياء هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها، وعبارات أنسوا بها، كيف نجد السّبيل إلى الإفصاح والإشارة إليها.
فهذا باب واضح، والطمع في نيله نازح، وإذا كان المنال صعبا في الموضع الذي عمدنا إليه، فكيف يكون حالنا في البحث عما في حيّز الألوهيّة وبحبوحة الرّبوبيّة، ولا كون هناك ولا ما نسبته للكون، وأقوى ما في أيدينا أن نتعلّل بالوجود،
стр. 141
فالموجود والوجدان والجود، وهذه كلّها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة بالإضافة إلى أعيانها.
فعلى هذا: الصمت أوجد للمراد من النّطق، والتسليم أظفر بالبغية من البحث.
قال البخاريّ: فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله، وغموضه وخفائه، كيف يظهر على جبلّة بشريّة وبنية طينيّة وكمّيّة مادّيّة وكيفيّة عنصريّة؟
فقال: يا هذا، إنما يشعّ من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من نور العقل، وقبس النفس، وهبة الطبيعة، وصحّة المزاج، وحسن الاختيار واعتدال الأفعال، وصلاح العادة، وصحة الفكرة، وصواب القول، وطهارة السرّ ومساواته للعلانية، وغلبته بالتوحّد، وانتظام كلّ صادر منه ووارد عليه.
وهاهنا تمّحى الجبلّة البشريّة، وتتبدّد الجبلّة الطّينيّة، وتبيد الكميّة المادّيّة وتعفو الكيفيّة العنصريّة، ويكون السلطان والولاية والتصريف والسياسة كلّها لتلك السكينة التي قدّمنا وصفنا لها، واشتدّ وجدنا بها، وطال شوقنا إليها ودام تحديقنا نحوها، واتصل رنوّنا إليها، وتناهت نجوانا بذكرها.
وهذا هو الخلع الّذي سمعت بذكره، واللّباس الذي سألت عنه، أعني خلع ما أنت منه إنسان، ولبس ما أنت به ملك. الله المستغاث منكم، ما أشدّ بلواي بكم، لم [لا] تتحرّكون إلا إلى ما لا سكون لكم فيه؟ ولم تسألون عمّا لا اطلاع لكم عليه؟
سلوا ربّكم أعينا بصيرة، وآذانا واعية، وصدورا طاهرة، وقوّة متتابعة، فإنكم إذا منحتموها هديتم لها، وإذا حرمتموها قطعتم دونها، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
قال البخاريّ: وقد تركنا يا سيّدنا حديث السكينة المجموعة من هذه الجملة بأنصباء مختلفة.
فقال: لا عجب أن ينشأ العالم بكلّ ما فيه في هذه الحومة التي لذنا بها وحاولنا الوصول إليها، وأيّ شيء أعجب في هذا المقام، ورسم أو قوام، أو ثبات أو دوام، إلّا له نصيب من عناية الله تعالى الكريم.
نعم، والسكينة المجموعة من كلّ ما سلف القول فيه تقاسمها نوع الإنسان بالزيادة والنقصان، والغموض والبيان، والقلّة والكثرة، والضّعف والقوّة، وهذا يتبيّن بأن تقسم الطيش والحدّة والعجلة والخفّة على أصحابها، فتجد التفاوت ظاهرا.
وكذلك إذا قسمت الهدوء والقرار والسكون والوقار على أهلها، فإنك تجد التباين مكشوفا والاختلاف ظاهرا.
ثم قال: أما السكينة الّتي هي في أعلى المراتب فهي لأشخاص هم فوق البشر،
стр. 142
وليس لهم نسبة من الخلق إلا الخلقة الحسّيّة والعشرة البشريّة، وإلّا فهم في ذروة عالية، ومحلّة إلهيّة.
قال: وأمّا السكينة التي تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف حظوظهم منها لأنّها مرتبات تنقسم بين المنام واليقظة انقساما متفاوتا بالعرض الحامل للصّدق وللشبيه بالصدق، وللحقّ وللقرب من الحق، وللصحيح والتالي للصحيح، ثم يختلف بيانهم عن ذلك بالتعريض والإيضاح، والكناية والإفصاح، والتشبيه والاستعارة.
قال: فأمّا السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على طائفة تخلف الأنبياء، وذلك أنّ بقايا قواهم يرثها الّذين صحبوهم، واستضاءوا بنورهم، وفهموا عنهم، ولقّنوا منهم، ودخلوا في زمرتهم، وحاكوهم في الشّمائل والأخلاق، وسلكوا منهاجهم في القياد والسياق، وصلحوا سفراء بين الأبعدين، كما كانوا سجراء «١» للأقربين، وهم الذين يفسرون الغامض، ويوضحون المشكل، ويبسطون المطويّ، ويشرحون المكنيّ، ويبرزون المراد والمعنى، ويوطّدون الأساس، ويرفعون الالتباس، وينفون الوحشة ويحدثون الإيناس.
وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على أتباع هؤلاء بالسّهام العلويّة، والمقادير العدليّة، والمناسيب العقليّة، من غير جور ولا حيف، ولا انحراف ولا ميل.
فقال البخاريّ: أهي- أعني السكينة- في معنى فاعلة أو مفعولة؟
فقال: الفضاء أعرض مما تظن، وإن كان في غاية العرض، والذّروة أعلى من أن ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض.
هي بوجه في معنى فاعلة إذا شعرت بتأثيرها، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا شعرت بتأثرها. وبوجه آخر، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في معانيها قبل تأثيرها وتأثرها، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ووزن الترتيب، بشائع العادة وقائم العرف، والسكينة وراء هذا كلّه بالحق والواجب والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه، فإذا شهدت المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلة لعبارتك عن أخلاق رضيّة وأحوال مرضيّة، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك متلجلجة لا نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال الطارئة، فأحقّ ما ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر، ويكشف وينقّر، ويستقصي ويسبر ويسأل ويستبصر، حتى إذا بلغ هذه الآفاق، وشهد هذه الأعلام، ووجد الصّواب الذي لا شوب فيه، وصادف اليقين الذي لا ريب معه، وعرف الاستنابة التي تغني عن البيان، وذاق
стр. 143
المعنى الذي هو فوق العيان، أمسك وانتهى، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام غشيه، ولكن لسلطان شعاع ملكه، لأن ذلك النور محيط بكل شيء دونه، ومستول على كلّ شيء تحته.
وكان يقول في هذا الفنّ إذا جدّ به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر، ما لا يوعى بحفظ، ولا يروى بلفظ.
وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظا لينظموا منه شذرا وعقدا، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كلّه، وتعاونوا على تحبيره، وتصادقوا على مفهومهم منه، وتجنّبوا المنازعة والشغب عليه، وأخذوا بالعفو والممكن منه، لئلّا يفوتهم المعنى، ولا يتحيّرون في المنتهى.
وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها، ونقصها وكمالها.
فقال: اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور، وفي جميع المعاني والأمور، اشتراكا أتى على أول التفاوت ووسطه وآخره، ثم استبدّت كلّ أمة بقوالب ليست لأختها، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع، وفيما اشتركوا فيه المحمود والمذموم.
ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة، لأن الاشتراك لو سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكا، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسما، فصار ما من أجله يفترقون، به يجتمعون، وما من أجله ينتظمون، به ينتثرون.
فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللّغات، والعقائد والصناعات، وجرّ المنافع ودفع المضارّ، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع.
ألا ترى أنّ لغة الهند غير لغة الروم، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري مجراهما، إلا أنّهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه، وبين الاختيار والتقدمة، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان. والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيّل والشعبذة للهند.
والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسّحر باللسان للعرب، والرويّة والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبوديّة والرّبوبيّة للفرس.
فأمّا التّرك فلها الشجاعة. والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة، وليس للترك بعد هذا حظّ ولا دراية إلّا بقسط من الظلّ من الشخص.
والعرب مع منطقها البارع لها المزيّة المعروفة على الترك بعد في السياسة وإن كانت قاصرة، وأمّا الزّنج والسودان فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم الضعيفة، كما شاكلت الترك السّباع القويّة.
стр. 144
قيل له: إن أبا زيد قد عمل كتابا في أخلاق الأمم. قال: قد رأيته وقرأته وقد أفاد، وكلّ من تكلم على طريقة الحكماء الّذين يتوخّون من الأمور لبابها، ويصرفون عنها قشورها، فله السابقة والتقدّم على من يخبط كفلان وفلان.
ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كلّ مجال وتميّزها باللسان فقد كابر.
ومن أنكر تقدّم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت.
ومن دفع مزيّة الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصّة والعامّة بحقّ ما لها وعليها فقد عاند.
وهكذا من دفع ما للهند.
فليس من شخص وإن كان زريّا قميئا إلّا وفيه سرّ كامن لا يشركه فيه أحد، وإذا كان هذا في شخص على ما قلنا، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع. وهكذا إذا ارتقيت إلى الجنس، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع، كما أن عرض النوع أوسع من عرض الشخص، وليس دون الشخص تحت، كما أنه ليس فوق الجنس فوق. وأما انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصّا بالطّرف والوسط والأفق وليكون سحّا بالغا من المصدر إلى المورد.
وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع، ولولا النوع لم يوجد شخص.
وكذلك العكس.
قال أبو سعيد الطبيب: أللعالم العلويّ أجناس وأنواع وأشخاص؟
قال: كيف يخلو العالم العلويّ من هذا التقسيم، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم السّفلي حكاية ذلك العالم العلويّ حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة.
فقال له مستزيدا: فهل في البسائط الإلهيّة أجناس وأنواع وأشخاص؟
فقال: لا، إلا أنّ يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السّفليّ بقوّة العالم العلويّ، وذلك كالبرق إذا خطف، والنسيم إذا لطف.
قال: فهل ينال البسائط نقص بالإخبار بالأجزاء المركبة عنها كما ينال المركّبات كمال بالأجزاء البسيطة عنها؟
فقال، لا، لأنّ ما علا يؤثّر ولا يقبل التأثير، وما سفل يتأثّر. ألا ترى أنّ ما علا من الكواكب لا يتّصل بشيء دونه، وما سفل منها يتصل بما علا عنه.
وقال له أيضا: إذا قلنا: الرّوحانيّات، فماذا ينبغي أن يلحظ منها؟
فقال: الروحانيات على أقسام، فقسم منها متبدّد في المركّبات من الحيوان والجماد، وقسم منها مكتنف للحيوان والجماد، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأوّل المتبدّد، وقسم منها فوق القسم المكتنف، وهو الّذي منه
стр. 145
مادّة المحيط، وقسم آخر فوق هذا الممتدّ، ثم فوق هذا ما لا يملكه وهم، ولا يدركه فهم، وذلك أنه في جناب القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى الجنّ والإنس.
وسألت أبا سليمان فقلت: إنّ عليّ بن عيسى الرمّانيّ ذكر أن التمكين من القبيح قبيح، لأن التمكين من الحسن حسن. فلو كان التمكين من القبيح قبيحا مع كونه من الحسن حسنا كان حسنا قبيحا، وهذا تناقض، كيف صحّة هذا الّذي أومأ إليه؟
فقال: أخطأت، لأن التمكين وحده اسم مجرّد لشيء محدّد، والأسماء المحدّدة دلالتها على الأعيان لا على صفات الأعيان أو ما يكون من الأعيان أو ما يكون في الأعيان.
والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به، فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنّه علّة القبيح، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن.
وهذا كما تقول: هذا الدرهم نافع أو ضارّ؟ فيقال: إن صرفته فيما ينبغي فهو نافع، وإن أنفقته فيما لا ينبغي فهو ضارّ، وكذلك السّيف في الآلات، وكذلك اللّفظ في الكلمات، والإضافة قوّة إلهيّة سرت في الأشياء سريانا غريزيا قاهرا متملكا قاسرا، فلاجرم لا ترى حسيّا أو عقليّا أو وهميّا أو ظنيّا أو علميّا أو عرفيّا أو عمليّا أو حلميا أو يقظيا إلا والتصاريف سارية فيها، والإضافة حاكمة عليها.
وهذا لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحقّ، لأنّ مصدرها من الله الحقّ، فالإضافة لازمة، والنسبة قائمة، والمشابهة موجودة. ولولا إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما تفاهمنا ولا تعاونّا.
قال: إذا كنّا بالتضايف نتوالى، فبأيّ شيء بعده نتعادى؟
قال: هذا أيضا بالإضافة، لأن الإضافة ظلّ، والشخص بالظلّ يأتلف، وبالظلّ يختلف.
وقال: ويزيدك بيانا أنّ العدم والوجود شاملان لنا، سائران فينا فبالوجود نتصادق، وبالعدم نتفارق.
وسأل «١» مرّة عن الطّرب على الغناء والضرب وما أشبههما.
فكان من الجواب: قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقيّ: لم طرب الإنسان على الغناء والضرب؟ فقال: لأنّ نفسه مشغولة بتدبير الزمان من داخل ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاصّ ما لها.
فإذا سمعت الغناء انكشفت عنها بعض ذلك الحجاب، فحنّت إلى خاصّ ما لها من
следующие страницы →