← Адаб

Адаб · id 10521

الإمتاع والمؤانسة

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعيشا إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء «١» ، وازدانت الأرض، فهدّلت الثمار، واطّردت الأودية، وكثر اللّبن والأقط والجبن واللّحم والرّطب والتّمر والقمح، وقامت لهم الأسواق، وطابت المرابع وفشا الخصب، وتوالى النّتاج، واتّصلت الميرة، وصدق المصاب وأرفغ «٢» المنتجع، وتلاقت القبائل على المحاضر، وتقاولوا وتضايفوا، وتعاقدوا وتعاهدوا، وتزاوروا وتناشدوا، وعقدوا الذّمم، ونطقوا بالحكم، وقروا الطّرّاق، ووصلوا العفاة، وزوّدوا السابلة، وأرشدوا الضّلّال، وقاموا بالحمالات «٣» وفكّوا الأسرى، وتداعوا الجفلى «٤» ، وتعافوا النّقرى «٥» ، وتنافسوا في أفعال المعروف، هذا وهم في مساقط رؤوسهم، بين جبالهم ورمالهم، ومناشئ آبائهم وأجدادهم، وموالد أهلهم وأولادهم، على جاهليّتهم الأولى والثانية، وقد رأيت حين هبّت ريحهم وأشرقت دولتهم بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملّة، وعزّت ملّتهم بالنبوّة، وغلبت نبوّتهم بالشّريعة، ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضّرت خلافتهم بالسياسة الدينيّة والدّنيويّة، كيف تحوّلت جميع محاسن الأمم إليهم وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه المناقب والمفاخر، وهذه النوادر من المآثر عفوا، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهوا رهوا، وهكذا يكون كلّ شيء تولّاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلّى مستحقّيه باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدّل لحكم الله، ولذلك قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦] . ولله في خلقه أسرار، تتصرّف بها دوائر الليل والنهار، وتذلّلها مجاري الأقدار، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار. عزّ إلها معبودا، وجلّ ربّا محمودا مقصودا. وبعد، فالّذي لا شكّ فيه من وصف العرب، ولا جاحد له من حالها، أنه ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون القفر، وينتجعون السحاب والقطر، ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها، ويستبدّون في مصالحهم بكلّ ما عزّ وهان، وبكلّ ما قلّ وكثر، وبكل ما سهل وعسر، ويرجون الخير من السماء في صوبها، ومن الأرض في نباتها، مع مراعاة الأوان بعد الأوان، وثقة بالحال بعد الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب، ما للعرب فيما قدّمنا وصفه، وكرّرنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب، واللّين والقسوة، والحرّ والبرد،

стр. 72

والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة، والمخايل الصادقة، والأنواء المحمودة والمذمومة، والأسباب الغريبة العجيبة. وهذا لأنّهم مع توحّشهم مستأنسون، وفي بواديهم حاضرون، فقد اجتمع لهم من عادات الحاضرة أحسن العادات، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق. وهذا المعنى على هذا النّظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر، لأن الدناءة والرّقّة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخبّ تغلب على هؤلاء وتملكهم، لأن مدار أمرهم على المعاملات السيّئة، والكذب في الحسّ، والخلف في الوعد. والعرب قد قدّسها الله عن هذا الباب بأسره، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته، ولهذا تجد أحدهم وهو في بتّ «١» حافيا حاسرا يذكر الكرم، ويفتخر بالمحمدة، وينتحل النّجدة، ويحتمل الكلّ «٢» ، ويضحك في وجه الضيف ويستقبله بالبشر، ويقول: أحدّثه إن الحديث من القرى. ثمّ لا يقنع ببثّ العرف وفعل الخير والصبر على النوائب حتى يحضّ الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه، ويستنهضه نحوه، ويكلّفه مجهوده وعفوه. وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل «٣» : أما تجد البرد يا أخا العرب؟ فقال: أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي. والفارسيّ لا يحسن هذا النّمط، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللّطيفة، وكذلك الروميّ والهنديّ وغيرهما من جميع العجم. وممّا يدلّ على تحضّرهم في باديتهم، وتبدّيهم في تحضّرهم، وتحلّيهم بأشرف أحوال الأمرين، أسواقهم التي لهم في الجاهليّة، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي النصف بين العراق والشأم، كان ينزلها الناس أوّل يوم من شهر ربيع الأول، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وكان يعشّرهم أكيدر دومة، وربما غلبت على السوق كلب فيعشّرهم «٤» بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر، ثم ينتقلون إلى سوق هجر، وهو المشقّر في شهر ربيع الآخر، فتقوم أسواقهم، وكان يعشّرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم، ثم يرتحلون نحو عمان، فتقوم سوقهم بديار دبا، ثم بصحار، ثمّ يرتحلون فينزلون إرم، وقرى الشّحر فتقوم أسواقهم أيّاما، ثم يرتحلون فينزلون عدن أبين، ومن سوق عدن تشترى اللطائم وأنواع الطّيب،

стр. 73

ولم يكن في الأرض أكثر طيبا، ولا أحذق صنّاعا للطّيب من عدن، ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت، ومنهم من يجوزها ويرد صنعاء، فتقوم أسواقهم بها، ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبرود، وكانت تجلب إليها من معافر، وهي معدن البرود والحبر ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر الحرم، فتقوم أسواقهم بها، فيتناشدون ويتحاجّون ويتحادّون، ومن له أسير يسعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم، وكان آخرهم الأقرع بن حابس، ثم يقفون بعرفة، ويقضون ما عليهم من مناسكهم، ثم يتوجهون إلى أوطانهم. وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة، فيحضرها من قرب من العرب ومن بعد. هذا حديثهم، وهم همل لا عزّ لهم إلا بالسّؤدد، ولا معقل لهم إلّا السّيف، ولا حصون إلّا الخيل، ولا فخر إلّا بالبلاغة. ثم لمّا ملكوا الدّور والقصور والجنان والأدوية والأنهار والمعادن والقلاع والمدن والبلدان والسهل والجبل والبرّ والبحر، لم يقعدوا عن شأو من تقدّم بآلاف سنين، ولم يعجزوا عن شيء كان لهم، بل أبرّوا عليهم وزادوا، وأغربوا وأفادوا، وهذا الحكم ظاهر معروف، وحاضر مكشوف، ليس إلى مردّه سبيل ولا لجاحده ومنكره دليل. فليستحي الجيهاني بعد هذا البيان والكشف والإيضاح، بالإنصاف من القذع والسّفه اللّذين حشا بهما كتابه، وليرفع نفسه عما يشين العقل، ولا تقبله حكّام العدل، وصاحب العلم الرصين، والأدب المكين، لا يسلّط خصمه على عرضه بلسانه، ولا يستدعي مرّ الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره، فإنّ العصبيّة في الحق ربّما خذلت صاحبها وأسلمته، وأبدت عورته، واجتلبت مساءته، فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمّة من الأمم جاحدين، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمّة من الأمم جاهلين. فإنّ جاحد الحقّ يدلّ من نفسه على مهانة، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور، فهذا هذا، وفي الجملة المسلّمة، والدعوة المرسلة، أنّ أهل البرّ وأصحاب الصّحارى الذين وطاؤهم الأرض، وغطاؤهم السماء، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول، ومن الترفّه والرفاهية أبعد، وبالحول والقوّة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع، وعلى المصالح والمنافع أوقع، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف، وهذا للدّواعي الظاهرة، والحاجات الضروريّة، والعلائق الحاضّة على الألفة والمودّة، والشدائد المؤدبة، والعوارض اللّازبة «١» ، ولهذا يقال: عيب الغنى أنّه يورث البلادة، وفضيلة الفقر أنّه يبعث الحيلة، وهذا معنىّ كريم، لا يقرّ به إلّا كلّ نقّاب عليم.

стр. 74

وقال الجيهانيّ أيضا: ممّا يدل على شرفنا وتقدّمنا وعزّنا وعلوّ مكاننا، أنّ الله أفاض علينا النّعم، ووسّع لدينا القسم وبوّأنا الجنان والأرياف، ونعّمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذّبهم، وضيّق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة، ورقعة صغيرة، وسقاهم بأرنق ضاح، وبهذا يعلم أنّ المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة. فأطال هذا الباب بما ظنّ أنّه قد ظفر بشيء لا جواب عنه، ولا مقابل له، ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلّى له، بل قد خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها، ولا يفيد التفاته بالغيظ إليها، وقد دلّ كلامه على أنّه جاهل بالنعمة، غافل عمّا هو سرّ الحكمة. وعنده أنّ الجاهل إذا لبس الثوب الناعم، وأكل الخبز الحوّارى وركب الجواد، وتقلّب على الحشيّة، وشرب الرحيق، وباشر الحسناء، هو أشرف من العالم إذا لبس الأطمار، وطعم العشب، وشرب الماء القراح، وتوسّد الأرض، وقنع باليسير من رخى العيش، وسلا عن الفضول، هذا خطأ من الرأي، ومردود من الحكم، عند الله تعالى أوّلا، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا، وأصحاب التّقى والنّهى، وعلى طريقته أيضا أن البصير أشرف من الأعمى، والغنّي أفضل من الفقير. ألا يعلم أنّ المدار على العقل الّذي من حرمه فهو أنقص من كلّ فقير، وعلى الدّين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كلّ موسر، ونعمة الله على ضربين: أحد الضربين عمّ به عباده، وغمر بفضله خليقته، بدءا بلا استحقاق وذلك أنّه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ورهب وأجزل، وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان، والتسوية والمعمومة بالتفضّل والقدرة المشتملة على الحكمة، والضرب الثّاني هو الذي يستحقّ بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد، والاختيار والاعتقاد، ليكون جزاء وثوابا، ولهذا حرم العاصي المخالف، وأنال الطائع الموافق، فقد بان الآن أنّ المدار ليس بالجنان والترفّه، ولا بالذهب والفضّة، ولا الوبر والمدر. وقد مرّ هذا الكلام كلّه فليسكن من الجيهانيّ جأشه، وليفارقه طيشه، وليعلم أنّ من أنصف أعطى بيده، وسلّم الفضل لأهله، فإنّ التواضع للحقّ رفعة، والترفع بالباطل ضعة. وههنا بقيّة ينبغي أن يتبصّر فيها، من عرف النقص البحت، والنقص المشوب بالزيادة، والفضل الصّرف، والفضل الممزوج بالنقيصة لم يجحد بالهوى المغوي فضلا، ولم يدّع للعصبيّة المردية شرفا، ولم ينكر بالحسد مزيّة، والخلق كلّهم في نعم الله تعالى مشتركون، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه متفاضلون، وعلى قدرته متصرّفون، وإلى مشيئته صائرون، وعن حكمته مخبرون، ولآلائه ذاكرون، ولنعمائه

стр. 75

شاكرون، ولأياديه ناشرون، وعلى اختلاف قضائه صابرون، ولثوابه بالحسنات مستحقّون، ولعقابه بالسيّئات مستوجبون، ولعفوه برحمته منتظرون، والله خبير بما يعملون، وبصير بما يسرّون وما يعلنون، وأبو سليمان يقول من الجماعة: العرب أذهب مع صفو العقل، ولذلك هم بذكر المحاسن أبده، وعن أضدادها أنزه. ولو كانت روّيتهم في وزن بديهتهم، كان الكمال، ولكن لمّا عزّ الكمال فيهم، عزّ أيضا في غيرهم من الأمم، فالأمم كلّها شرع واحد في عدم الكمال إلّا أنّهم متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة الأولى، وبالاختيار الثاني، واختلفت أبصارهم في هذا الموضع، فأمّا ما منعه الإنسان في الأوّل فلا عتب عليه فيه، لأنّه لا يقال للأعمى: لم لا تكون بصيرا، ولا يقال للطويل: لم لا تكون قصيرا وقد يقال للقصير: سدّد طرفك، واكحل عينك، ومدّ ناظرك، كما يقال للطويل، تطامن، في هذا الزّقاق حتى تدخل، وتقاصر حتى تصل، وأما ما لم يمنعه الإنسان في الأوّل، بل أعطيه ووهب له، فهو فيه مطّلب بما عليه وله كما أنّه مطالب بما له وعليه. وقال الجيهانيّ أيضا: ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة، ولا الطّبّ ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل في خواصّ الأنفس. فليعلم الجيهانيّ أنّ هذا كلّه لهم بنوع إلهيّ لا بنوع بشريّ، كما أنّ هذا كلّه لغيرهم بنوع بشريّ لا بنوع إلهيّ، وأعنى بالإلهيّ والبشريّ الطّباعيّ والصناعيّ، على أن إلهيّ هؤلاء قد مازجه بشريّ هؤلاء، وبشريّ هؤلاء قد شابه إلهيّ هؤلاء، ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا، وما عندي أنّه مكابر فيدّعي هذا لهم. فإن قال: هو لليونان، ويونان من العجم، والفرس من العجم، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه، وشهادة على نقصه، لأنّه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدّعي هذا للفرس، ولا يمكنه أن يقول: نحن أيضا عجم، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متّصلة بنا، وراجعة إلينا. ومتى قال جبه بالمكروه وقوبل بالقذع «١» ، وقيل له: صه، كما يقال للجاهل- إن لم تقل له: «اخسأ» كما يقال- في كل الأحاديث، وإن أغفلته ظلمت نفسي، ومن حابى خصمه غلب. قال القاضي أبو حامد المرورّوذيّ: لو كانت الفضائل كلّها بعقدها وسمطها، ونظمها ونثرها، مجموعة للفرس، ومصبوبة على أرؤسهم، ومعلّقة بآذانهم، وطالعة من جباههم، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها، وأن يخرسوا عن دقّها وجلّها، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع، وضعيف بالسّماع،

стр. 76

ومردود عند كل ذي فطرة سليمة، ومستبشع في نفس كل من له جبلّة معتدلة. قال: ومن تمام طغيانهم، وشدّة بهتانهم، أنّهم زعموا أن هذا بإذن من الله تعالى، وبشريعة أتت من عند الله، والله تعالى حرّم الخبائث من المطعومات فكيف حلّل الخبائث من المنكوحات؟ قال: وكذب القوم، لم يكن زرادشت نبيّا، ولو كان نبيّا لذكره الله تعالى في عرض الأنبياء الّذين نوّه بأسمائهم وردّد ذكرهم في كتابه، ولذلك قال النبيّ ﷺ : «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» لأنّه لا كتاب لهم من عند الله منزّل على مبلّغ عنه. وإنّما هو خرافة خدعهم بها زرادشت بقوّة الملك الّذي قبل ذلك منه وحمل الناس عليه طوعا وكرها، وترغيبا وترهيبا، وكيف يبعث الله نبيا يدعو إلى إلهين اثنين؟ وهذا مستحيل بالعقل، وما خلق الله العقل إلّا ليشهد بالحق للمحقّ والباطل للمبطل، ولو كان شرعا لكان ذلك شائعا عند أهل الكتابين، أعني اليهود والنصارى، وكذلك عند الصابئين، وهم كانوا أكثر الناس عناية بالأديان والبحث عنها، والتوصّل إلى معرفة حقائقها، ليكونوا من دينهم على ثقة، فكيف صارت النصارى تعرف عيسى، واليهود تعرف موسى، ومحمّد- ﷺ يذكرهما ويذكر غيرهما، كداود وسليمان ويحيى وزكريّا، وغير هؤلاء، ولا يذكر زرادشت بالنبوّة وأنّه جاء من عند الله تعالى بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى ... «١» لكنّي بعثت ناسخا لكلّ شريعة، ومجدّدا لشريعة خصّني الله بها من بين العرب. قال: وهذا بيان نافع في كذبهم، وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه، وإلى حرام بالعقل فأباحوه، وإلى خبيث بالطبع فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه. وقد وجدنا في البهائم ما إذا أنزي الفحل منها على أمّه لم يطاوع، وإذا أكره وخدع وعرف غضب على أهله وندّ عنهم، وشرر عليهم، فما تقول في خلق لا ترضاه البهيمة، ولا تطاوعه فيه الطبيعة، بل يأباه حسّه مع كلوله وتبرد شهوته مع اشتعالها، ويرضاه هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم، وكبرهم في أنفسهم. ولو كان زرادشت أقام لهم على هذه الخصلة اللّئيمة والفعلة الذميمة كلّ آية وكلّ برهان، ونثر عليهم نجوم السماء، وأطلع لهم الشمس من المغرب، وفتّت لهم الجبال، وغيّض لهم البحار، وأراهم الثريّا تمشي على الأرض تخترق السّكك وتشهد له بالصدق، لكان من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحميّة وبالأنفة وبالتقزّز وبالتعزّز ألّا يجيبوه إلى ذلك، ويشكّوا في كل آية يرون منه، ويقتلوه، وينكّلوا به. ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرّة، ولو عاملوا زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا، ولا كان الحقّ إلا منصورا، ولا كان الباطل

стр. 77

إلا مقهورا، ولكن اتّفق على مزدك ملك عاقل فوضع باطله، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله، وما نزع الله عنهم الملك إلّا بالحق، كما قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] . ثم قال: وبعد، فكلّ شيء خارج من الحكمة الإلهيّة والعقليّة والطبيعيّة فهو ساقط بهرج، ومردود مرذول، إذا فعله جاهل عذر بالجهل، وإذا أتاه عالم عذل للعلم. قال: وكانت العرب بهذا الخلق الذميم، وهذا الفعل اللئيم، لو فعلته أعذر، لأنّهم أشدّ غلمة من غيرهم وأكثر تهيّجا، وأقوى على البضاع، وأوثب على النساء يدلّك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم، وتراهم مع هذه الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم يفعلوه، ولو أكرههم على هذا مكره ودعاهم إليه داع لما أطاعوه، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا إلى هذا، ولو كان لكان أوّل من دقّ رأسه بالعمد، وبعج بطنه بالخنجر، وما منعهم من هذا إلّا الأنفس الكريمة، والطباع المعتدلة، والشكائم الشديدة، والأرواح العيّفة، والعادات الرضيّة، والضرائب الطيّبة، وكان وأد البنات عندهم أنفى للمعاير، وأطرد للقبائح من هذا الّذي استحسنه زرادشت وقبل منه الفرس، وهم يدّعون الحكم والعلم والحزم والعزم، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم غفلوا عمّا يجوز أن يكون الله سبحانه مبيحا له أو حاظرا، أو مطلقا أو مانعا، أو محلّلا أو محرّما، هيهات ما كلّف الله أهل العقل القيام بالدّين والتّصفّح للحقّ من الباطل إلّا لما شرّفهم به في العاجل، وعرّضهم له في الآجل، والعاقبة للمتّقين. قال أبو الحسن الأنصاريّ- وكان حاضرا-: الهند أوضح عذرا في هذا الحديث لأنّهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة، ولم ينسبوا إلى الله شيئا منه، ولا استجازوا الكذب عليه، ولا علّقوه أيضا على نبيّ من عند الله، بل رأوه صوابا بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل بالمران والعادة. وبعد، فعقولهم مدخولة، والبارع منهم قليل، وهم إلى الإفك والوهم والسّحر أميل، وفي أبوابها أدخل. ثم قال أبو الحسن: انظر إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ضعف عقول الفرس في قبولهم منه هذا الفعل، وخيّر بينها وبين عقول العرب، فإنّهم قالوا: «اغتربوا لا تضووا» «١» . واستفاض هذا منهم حتى سمع من صاحب الشريعة ﷺ ، وذلك أنّ الضّوى مكروه، والعرب قالت هذا بالإلهام، لقرائحهم الصافية، وأذهانهم

стр. 78

الواقدة، وطينتهم الحرّة، وأعراقهم الكريمة، وعاداتهم السليمة: وإنّما شعروا بهذا لأن الضوى الواصل إلى الأبدان هو سار في العقول، ولكن الفرس عن هذا السرّ غافلون، ولا يفطن لهذا وأمثاله إلّا الألمعيّون الأحوذيّون، ثم قال: أنشد الأصمعيّ عن العرب قول قائلهم في مدح صاحب له: فتى لم تلده بنت عمّ قريبة ... فيضوى وقد يضوى رديد الأقارب قال: وقالت العرب: «أضواه حقّه» : إذا نقصه. قال: وقال آخر لولده: والله لقد كفيتك الضّؤولة، واخترت لك الخؤولة. وقال أيضا: العرب تقول: «ليس أضوى من القرائب، ولا أنجب من الغرائب» وقال الشاعر: أنذرت من كان بعيد الهمّ ... تزويج أولاد بنات العمّ ليس بناج من ضوى أو سقم ... وأنت إن أطعمته لا ينمي وقال الأسديّ يفتخر: ولست بضاويّ تموج عظامه ... ولادته في خالد بعد خالد تردّد حتى عمّه خال أمه ... إلى نسب أدنى من السر واحد ثم قال: والعرب لم ترد بهذا إلا نقص الذهن والعقل، لأنّها لو أرادت نقصان الجسم لكانت مخطئة، لأنّهم يريدون سمانة الجسم مع السلامة والصلابة. ثم قال: وعلى هذا طباع الأرض، ولذلك يقال: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض، لأنّ الرياح إذا اختلفت حوّلت تراب أرض إلى أرض، وإذا كان الاغتراب يؤثّر من التراب إلى التراب، فبالحريّ أن يؤثّر الإنسان في الإنسان بالاغتراب، لأن الإنسان أيضا من التراب. قال أبو حامد: فما ظنّك بقوم يجهلون آثار الطبيعة، وأسرار الشريعة؟ ما أذلّهم الله باطلا، ولا سلبهم ملكهم ظالما، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلّا جزاء على سيرتهم القبيحة، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة، وما الله بظلام للعبيد. فلما بلغ القول مداه قال: لله درّ هذا النّفس الطويل والنّفث الغزير! لقد كنت قرما إلى هذا النوع من الكلام، ففرّغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر فيه، وأشرب النفس حلاوته، وأستنتج العقيم منه، فإنّ الكلام إذا مرّ بالسمع حلّق، وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسفّ، والمحلّق بعيد المنال، والمسفّ حاضر العين، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكّر منه الشيء بعد الشيء بالوهم الذي لا انعقاد له، والخيال الّذي لا معرّج عليه. فقلت: أفعل سامعا مطيعا- إن شاء الله-.

стр. 79

الليلة السابعة ولما عدت إليه في مجلس آخر، قال: سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن عبيد، ففيم كنتما؟ قلت: كان يذكر أن كتابة الحساب أنفع وأفضل وأعلق بالملك، والسلطان إليه أحوج، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء والتحرير، فإذا الكتابة الأولى جدّ، والأخرى هزل، ألا ترى أنّ التشادق والتفيهق والكذب والخداع فيها أكثر، وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك والتفصيل. قال: وبعد هذا فتلك صناعة معروفة بالمبدأ، موصولة بالغاية، حاضرة الجدوى، سريعة المنفعة، والبلاغة زخرفة وحيلة، وهي شبيهة بالسّراب، كما أن الأخرى شبيهة بالماء. قال: ومن خساسة البلاغة أنّ أصحابها يسترقعون ويستحمقون، وكان الكتّاب قديما في دور الخلفاء ومجالس الوزراء يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين، وحماقة المعلّمين، وركاكة النحويّين، والمنشئ والمعلّم والنحويّ إخوة وإن كانوا لعلّات، والآفة تشملهم والعادة تجمعهم، والنقص يغمرهم، وإن اختلفت منازلهم، وتباينت أحوالهم. قال: ولو لم يكن من صنعة الإنشاء إلا أنّ المملكة العريضة الواسعة يكتفى فيها بمنشئ واحد، ولا يكتفى فيها بمائة كاتب حساب ... وإذا كانت الحاجة إلى هذه أمسّ، كانت الأخرى في نفسها أخسّ، وبعد، فمصالح أحوال العامّة والخاصّة معلّقة بالحساب، على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغار والكبار والعلية والسّفلة، وما زال أهل الحزم والتجارب يحثّون أولادهم ومن لهم به عناية على تعلّم الحساب، ويقولون لهم: هو سلّة الخبز. وهذا كلام مستفيض، ومن عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرّف أو موضوع غير موضعه وأفهم غيره، وبلغ به إرادته، وأبلغ غيره، فقد كفى، والزائد على الكفاية فضل والفضل يستغنى عنه كثيرا، والأصل يفتقر إليه شديدا، قال: ومن آفات هذه الكتابة أن أصحابها يقرفون بالريبة، ويرمون بالآفة، كآل الحسن بن وهب وآل ابن ثوابة. قال: هذه ملحمة منكرة، فما كان من الجواب؟ قلت: ما قام من مجلسه إلا بعد الذلّ والقماءة، وهكذا يكون حال من عاب القمر بالكلف، والشمس بالكسوف، وانتحل الباطل ونصر المبطل، وأبطل الحقّ

стр. 80

وزرى على المحقّ. قلت: أيّها الرجل، قولك هذا كان يسلّم لو كان الإنشاء والتحرير والبلاغة بائنة من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة وعقد المؤامرة «١» . فأمّا وهي متّصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها وحاوية لها، فكيف يطّرد حكمك وتسلم دعواك؟ ألا تعلم أن أعمال الدواوين التي ينفرد أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة إلى إنشاء الكتب في فنون ما يصفونه ويتعاطونه، بل لا سبيل لهم إلى العمل إلّا بعد تقدمة هذه الكتب التي مدارها على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح، وذلك يوجد من الكاتب المنشئ الذي عبته وعضضته، وهذه الدواوين معروفة، والأعمال فيها موصوفة، وأنا أحصيها لك كي تعلم أنّك غالط وعن الصواب فيها منحرف: فمنها ديوان الجيش، وديوان بيت المال، وديوان التوقيع والدار، وديوان الخاتم، وديوان الفضّ، وديوان النّقد والعيار ودور الضّرب، وديوان المظالم وديوان الشرطة والأحداث، هذا إلى توابع هذه الدواوين مثل باب العين والمؤامرات، وباب النوادر والتواريخ، وإدارة الكتب ومجالس الديوان وقبل وبعد، كما يلزم كاتب الحساب أن يعرف وجوه الأموال حتى إذا جباها وحصّلها عمل الحساب أعماله فيها، فلا يمكنه أن يجبي إلّا بالكتب البليغة والحجج اللازمة واللطائف المستعملة، ومن تلك الوجوه الفيء، وهو أرض العنوة وأرض الصلح وإحياء الأرض والقطائع والصفايا والمقاسمة والوضائع وجزية رؤوس أهل الذمّة وصدقات الإبل والبقر والغنم وأخماس الغنائم والمعادن والركاز والمال المدفون، وما يخرج من البحر وما يؤخذ من التجار إذا مرّوا بالعاشر واللّقطة والضالّة وميراث من لا وارث له ومال الصدقة، إلى غير ذلك من الأمور المحتاجة إلى المكاتبات البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية، كعهد ينشأ في إصلاح البريد وتقسيط الشرب، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقصّ منها، وفي حرز الغلّة والدّياس، وفي الدّوالي والدواليب والغرّافات، وفي القلب والقسمة، وفي تقدير الخضر المبكّرة وفي المساحة وفي الطراز، وفي الجوالي، وفي قبض فرائض الصدقات، وفي افتتاح الخراجات، إلى غير ذلك من كتب المحاسبين. فإن قلت: «هذا كلّه مستغنىّ عنه» كابرت وبهتّ، لأن مدار المال ودروره، وزيادته ووفوره على هذه الدواوين الّتي إما أن يكون حظّ البلاغة فيها أكثر، وإمّا أن يكون أثر الحساب فيها أظهر، وإما أن يتكافآ، فعلى جميع الأحوال لا يكون الكاتب كاملا، ولا لاسمه مستحقا، إلا بعد أن ينهض بهذه الأثقال، ويجمع إليها أصولا من الفقه مخلوطة بفروعها، وآيات من القرآن مضمومة إلى سعته فيها، وأخبارا كثيرة

стр. 81

مختلفة في فنون شتّى لتكون عدّة عند الحاجة إليها، مع الأمثال السائرة والأبيات النادرة، والفقر البديعة، والتجارب المعهودة، والمجالس المشهودة، مع خطّ كتبر مسبوك، ولفظ كوشي محوك، ولهذا عزّ الكامل في هذه الصناعة، حتى قال أصحابنا: ما نظنّ أنّه اجتمع هذا كله إلّا لجعفر بن يحيى فإن كتابته كانت سواديّة، وبلاغته سحبانيّة، وسياسته يونانيّة، وآدابه عربية، وشمائله عراقيّة، أفلا ترى كيف غرق الحساب في غمار هذه الأبواب؟ ثم اعلم أن البليغ مستمل بلاغته من العقل، ومأخذه فيها من التمييز الصحيح، وليس كذلك الحساب في متناوله فلو ظنّ ظانّ بأن مدار الملك على الحساب- فهو صحيح- ولكن بعد بلاغة المنشئ، لأن السلطان يأمر وينهى ويلاطف ويخاطب ويحتجّ ويعنف ويوعد ويعد ويضمن ويمنّي ويعلّق الأمل ويؤكّد الرجاء ويحسم المادّة الضارّة ويذيق الرعيّة حلاوة العدل ويجنّبهم مرارة الجور، ثم يجبي، فإذا جبى احتاج إلى الحساب حتى يكون بالحاصل عالما، ثمّ يتقدّم بتوزيع ذلك على الحساب حتّى يكون من الغلط آمنا، فانظر إلى المنزلتين كيف اختلفتا؟ وكيف حصلت المزيّة لإحداهما، ولو أنصفت لعلمت أنّ الصناعة جامعة بين الأمرين، أعني الحساب والبلاغة، والإنسان لا يأتي إلى صناعة فيشقّها نصفين ويشرّف أحد النصفين على الآخر. وأما قولك: «إحدى الصناعتين هزل والأخرى جدّ» فبئسما سوّلت لك نفسك على البلاغة، هي الجدّ، وهي الجامعة لثمرات العقل، لأنّها تحقّ الحقّ وتبطل الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه، ثم تحقيق الباطل وإبطال الحقّ لأغراض تختلف، وأغراض تأتلف، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشرّ، وإباء وإذعان، وطاعة وعصيان، وعدل وعدول «١» ، وكفر وإيمان، والحاجة تدعو إلى صانع البلاغة وواضع الحكمة وصاحب البيان والخطابة، وهذا هو حدّ العقل والآخر حدّ العمل. وأما قولك: «الإنشاء صناعة مجهولة المبدإ، والحساب معروف المبدإ» فقد خرقت، لأنّ مبدأها من العقل، وممرّها على اللفظ، وقرارها في الخطّ، وأنت إذا قلت هذا دللت من نفسك على أنّه ليس لك ما تبصر به هذا المبدأ الشريف وهذا الأوّل اللطيف. وأما قولك: «والبلاغة زخرفة وهي شبيهة بالسراب» فقد أوضحنا لك فيه ما كفى، فإن لم يكف فأنت محتاج إلى بيّنة أخرى. وأما قولك: «إن أصحابها يسترقعون» فهذا شنع من القول، ولو عرفت الصّدق فيه لم تنبس به ولم تنطق بحرف منه، فإن فيه زراية على السلف الصالح والصدر

стр. 82

الأوّل، ولو وجب أن يسترقع البليغ إذا كان عاقلا، لوجب أن يستعقل العييّ إذا كان أحمق، وهذا خلف. وأما قولك: «المنشئ والمعلّم والنحويّ إخوة في الركاكة» فما يتعلّم الناس إلّا من المعلّم والعالم والنحويّ وإن ندر منهم واحد قليل البضاعة من الحقّ. وأما قولك: «إن المملكة تكتفي بمنشئ واحد» فقد صدقت، وذلك أن هذا الواحد في قوّته يفي بآحاد كثيرة، وهؤلاء الآحاد ليس في جميعهم وفاء بهذا الواحد، وهذا عليك لا لك. لكن بقي أن تفهم أنك محتاج إلى الأساكفة أكثر مما تحتاج إلى العطّارين، ولا يدلّ هذا على أنّ الإسكاف أشرف من العطّار، والعطّار دون الإسكاف، والأطبّاء أقلّ من الخيّاطين، ونحن إليهم أحوج، ولا يدلّ على أنّ الطبيب دون الخيّاط. وأمّا قولك: «ما زال الناس يحثّون أولادهم على تعلّم الحساب ويقولون: هو سلّة الخبز» فهو كما قلت، لأنّ الحاجة إليه عامّة للكبار والصغار، وأشرف الصناعات يحتاج إليها أشرف الناس، وأشرف الناس الملك، فهو محتاج إلى البليغ والمنشئ والمحرّر، لأنّه لسانه الّذي به ينطق، وعينه الّتي بها يبصر، وعيبته الّتي منها يستخرج الرأي ويستبصر في الأمر، ولأنّه بهذه الخاصّة لا يجوز أن يكون له شريك، لأنّه حامل الأسرار، والمحدّث بالمكنونات، والمفضى إليه ببنات الصدور. وأما قولك: «من عبّر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرّف وأفهم غيره فقد كفى» فكيف يصحّ هذا الحكم ويقبل هذا الرأي؟ والكلام يتغيّر المراد فيه باختلاف الإعراب، كما يتغيّر الحكم فيه باختلاف الأسماء، وكما يتغيّر المفهوم باختلاف الأفعال، وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف، ولقد قال رجل بالرّيّ كان نبيلا في حاله جليلا في مرتبته عظيما عند نفسه: «اقعد حتّى تتغدّى بنا» وهو يريد: «حتى تتغدّى معنا» ، فانظر إلى هذا المحال الّذي ركبه بلفظه وإلى المراد الذي جانبه بجهله، ولهذا نظائر غير خافية عليك ولا ساقطة دونك وكفى بالبلاغة شرفا أنّك لم تستطع تهجينها إلّا بالبلاغة، ولم تهتد إلى الكلام عليها إلّا بقوّتها، فانظر كيف وجدت في استقلالها بنفسها ما يقلّها ويقلّ غيرها، وهذا أمر بديع وشأن عجيب. وأمّا قولك: «ومن آفاتها أنّ أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب» فهذا ما لا يستحقّ الجواب، وما يضرّ الشمس نباح الكلاب، وصيانة اللّسان عن هذا النوع أحسن، قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] ، وقال عمر بن الخطّاب- ﵁: لو كان المرء أقوم من قدح لوجد له غامز. وآل ابن وهب وابن ثوابة كانوا أنبل وأفضل وأعقل من أن يظنّ بهمّ ما لا يظنّ بخساس

стр. 83

العبيد وسفهاء الناس وداصة «١» الرعيّة وسفلة العامّة، على أنا ما سمعنا هذا إلّا في مجلس ابن عبّاد، منه وممّن كان يخبط في هواه، ويتحرّى بمثل هذه الأحاديث رضاه، وحسده لهم في صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم، فالعجيب أنه يظن أن كذبه على غيره ينفي الصدق عن نفسه، ولو نزّه لسانه ومجلسه ومذهبه وأبوّته لكان أولى به وأزين له، ولكن النعمة والقدرة إذا عدمتا عقلا سائسا وحزما حارسا ودينا متينا وطريقا قويما أوردتا ولم تصدرا وخذلتا ولم تنصرا، ونعوذ بالله من نعمة تحور بلاء، ومرحبا ببلاء يورث يقظة ويكون تمحيصا لما نقص من التقصير، ولكن من هذا الّذي يشرب فلا يسكر ولا يثمل؟ ومن هذا الّذي إذا سكر عقل؟ ومن هذا الّذي إذا صحا لا يعتقب من شرابه خمارا يصدّع الرأس ويمكّن الوسواس؟ فقال: هذه جملة قامعة لمن ادّعى دعواه أو نحا منحاه، وأنّى لك هذا؟ لم لا تداخل صاحب ديوان ولم ترضى لنفسك بهذا اللّبوس؟ فقلت: «أنا رجل حبّ السلامة غالب عليّ، والقناعة بالطفيف محبوبة عندي» . فقال: كنيت عن الكسل بحبّ السلامة، وعن الفسولة بالرضا باليسير. قلت: إذا كنت لا أصل إلى السلامة إلّا بالفسولة، ولا أتطعّم الراحة إلّا بالكسل، فمرحبا بهما. فقال: لكلّ إنسان رأي واختيار وعادة ومنشأ ومألوف وقرناء متى زحزح عنها قلق، ومتى أريغ على سواها فرق، أظنّ أنّه قد نصف اللّيل. قلت: لعلّه. قال: في الدّعة، قد خبأت لك مسألة، وسألقيها عليك بعدها- إن شاء الله تعالى- وانصرفت.

стр. 84

الليلة الثامنة وقال لي مرّة أخرى: أوصل وهب بن يعيش الرقيّ اليهوديّ رسالة يقول في عرضها بعد التقريظ الطويل العريض: إن هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذلّلة مسلوكة مختصرة فسيحة، ليس على سالكها كدّ ولا شقّ في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة، وإنّ أصحابنا طوّلوا وهوّلوا وطرحوا الشوك في الطريق، ومنعوا من الجواز عليه غشّا منهم وبخلا ولؤم طباع وقلة نصح وإتعابا للطالب وحسدا للراغب، وذلك أنّهم اتّخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشة ومكسبة، ومأكلة ومشربة، فصار ذلك كسور من حديد لطلّاب الحكمة والمحبّين للحقيقة والمتصفّحين لأثناء العالم، وكلاما هذا معناه، وإلى هذا يرجع مغزاه. فكان من الجواب: قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب، وهو جاري، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين، وتقرّب بها، ونفعته بالمسألة والتفقّد له، فإنّه شديد الفقر، ظاهر الخصاصة، لاصق بالدّقعاء، وللّذي قاله وادّعاه، وقصده وانتحاه، وجه واضح وحجّة ظاهرة، وللّذي قاله أصحابنا- أعني مخالفيه- وجه أيضا وتأويل وللقولين أنصار وحماة، وحفظة ورعاة. قال: هات- على بركة الله- فإنّي أحب أن أسمع في هذا الخطب كلّ ما فيه وأكثر ما يتّصل به، فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه الخطبة أنّ عمر الإنسان قصير، وعلم العالم كثير، وسرّه مغمور، وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركّبة بالوضع المحكم، وذو نضائد مزيّنة بالتأليف المعجب المتقن، والإنسان الباحث عنه وعمّا يحتويه ذو قوى متقاصرة، وموانع معترضة، ودواع ضعيفة، وإنه مع هذه الأحوال منتبه بالحسّ، حالم بالعقل، عاشق للشاهد، ذاهل عن الغائب، مستأنس بالوطن الّذي ألفه ونشأ فيه، مستوحش من بلد لم يسافر إليه ولم يلمّ به وإن كان صدر عنه، فليس له بذلك معرفة باقية ولا ثقة تامّة، وإن الأولى بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضّعف والعجز أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته قريبا ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه، وإن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى، فإنه متى عرف هذه الجملة بالتفصيل، واطّلع على هذا التفصيل بالجملة، فقد فاز الفوز الإكبر ونال الملك الأعظم، وكفي مؤونة عظيمة في

стр. 85

قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير، مع العناء المتّصل في الدرس والتصحيح والنّصب في المسألة والجواب، والتنقير عن الحق والصواب. وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا خارج عن حومة الحق، وإن كان الأمر فيه أيضا صعبا وشاقا وهائلا وعاملا، ولكن ليس لكلّ أحد هذه القوّة الفائضة، وهذه الخصوصيّة الناهضة، وهذا الاستبصار الحسن، وهذا الطبع الوقّاد، والذهن المنقاد، والقريحة الصافية والاستبانة والتأمّل، لأن هذه القوّة إلهيّة، فإن لم تكن إلهيّة فهي ملكية، وإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشريّة، وليس يوجد صاحب هذا النعت إلّا في الشاذّ النادر، وفي دهر مديد بين أمّة جمّة العدد، والفائق من كلّ شيء والبائن من كلّ صنف عزيز في هذا العالم الوحشيّ، كما أن الرديء والفاسد معدوم في هذا العالم الإلهيّ، ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى: إن من يتكلّم بالإعراب والصحّة ولا يلحن ولا يخطئ ويجري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة، قليل أو عزيز، وإنّ الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجيّة وهذا المنشأ إلى أن يتعلّم النحو ويقف على أحكامه، ويجري على منهاجه، ويفي بشروطه في أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها، ومتى اتفق إنسان بهذه الحلية وعلى هذا النّجار، فلعمري إنّه غنيّ عن تطويل النحويّين كما يستغني قارض الشّعر بالطبع عن علم العروض، وهكذا يستغني صاحب تلك القوّة التي أشار إليها ابن يعيش عن ذلك، ولكن أين ذاك الفرد والشاذّ والنادر؟ فإن حضر فما تفعل معه إلّا أن تقلّده وتأخذ عنه وتتّبعه. وإنّما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا لهذه الغاية، ولا سبيل لك إليها من تلقاء نفسك، وإنما هو شيء يأتي من تلقاء غيرك، فإذن بالضرورة وبالواجب ينبغي أن تخطو على آثار المنطقيّين والطبيعيّن والمهندسين بالزحف والعناء والتكلّف والدّءوب حتى تصير متشبّها بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع النادر، فقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف أيضا وجه ما حثّ عليه مخالفوه، ولا عيب على المنقوص أن يطلب الزيادة ببذل المجهود، وإن الكامل مربوط بما منح من العطيّة من غير طلب. وأمّا قوله في صدر كلامه: «إن القوم صدّوا عن الطريق وطرحوا الشوك فيه، واتّخذوا نشر الحكمة فخّا للمثالة العاجلة» ، فما أبعد، بل قارب الحقّ فإن «متّى» كان يملي ورقة بدرهم مقتدريّ وهو سكران لا يعقل، ويتهكّم، وعنده أنّه في ربح، وهو من الأخسرين أعمالا، الأسفلين أحوالا. ثم إنّي أيّها الشيخ- أحياك الله لأهل العلم وأحيى بك طالبيه- ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافيّ وأبي بشر متّى واختصرتها.

стр. 86

فقال لي: اكتب هذه المناظرة على التمام فإنّ شيئا يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده، ولا يتهاون بشيء منه. فكتبت: حدّثني أبو سعيد بلمع من هذه القصّة. فأما علي بن عيسى الشيخ الصالح فإنّه رواها مشروحة. لما انعقد المجلس سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة- وفيهم الخالديّ وابن الأخشاد والكتبيّ وابن أبي بشر وابن رباح بن كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهريّ وعلي بن عيسى الجرّاح وابن فراس وابن رشيد وابن عبد العزيز الهاشمي وابن يحيى العلويّ ورسول ابن طغج من مصر والمرزبانيّ صاحب آل سامان-: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متّى في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحقّ من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشرّ والحجّة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه. فأحجم القوم وأطرقوا. قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدّكم في العلم بحارا، وللدّين وأهله أنصارا، وللحق وطلّابه منارا، فما هذا الترامز والتغامز اللّذان تجلّون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافيّ رأسه فقال: اعذر أيّها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة والعيون المحدقة والعقول الحادّة والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مكسرة، ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة، وليس البراز في معركة خاصّة كالمصاع في بقعة عامّة. فقال ابن الفرات: أنت لها أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك. فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلّة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسّلم. ثم واجه متّى فقال: حدّثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه وردّ خطئه على سنن مرضيّ وطريقة معروفة. قال متّى: أعني به أنّه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإنّي أعرف به الرّجحان من النقصان، والشائل من الجانح. فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنّا نتكلّم بالعربيّة، وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنّا نبحث بالعقل، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك

стр. 87

بمعرفة الموزون أيّما هو حديد أو ذهب أو شبه» أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدّها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلّا نفعا يسيرا من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأوّل: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وبعد، فقد ذهب عليك شيء هاهنا، ليس كلّ ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح وفيها ما يحزر وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئيّة، فإنّه على ذلك أيضا في المعقولات المقرّرة، والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظة والمماثلة الظاهرة. ودع هذا، إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم التّرك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ قال متّى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفّح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء ألا ترى أنّ أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه. قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البيّنة في أربعة وأربعة وأنّهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موّهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التموية. ولكن مع هذا أيضا إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ قال: نعم. قال: أخطأت، قل في هذا الموضع: بلى. قال: بلى، أنا أقلّدك في مثل هذا. قال: أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانيّة وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها؟ وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الّذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها، على أنّك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحوّلة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانيّة، ثم من هذه إلى أخرى عربية؟ قال متّى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدّت المعاني، وأخلصت الحقائق.

стр. 88

قال أبو سعيد: إذا سلّمت لك أنّ الترجمة صدقت وما كذبت، وقوّمت وما حرّفت، ووزنت وما جزفت، وأنها ما التاثت ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدّمت ولا أخّرت، ولا أخلّت بمعنى الخاصّ والعامّ ولا بأخصّ الخاصّ ولا بأعمّ العامّ- وإن كان هذا لا يكون، وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني- فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلّا ما أبرزوه. قال متّى: لا، ولكنّهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كلّ ما يتّصل به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم. قال أبو سعيد: أخطأت وتعصّبت وملت مع الهوى، فإنّ علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة، ومع هذا فإنما كان يصحّ قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظّاهرة، والبنية المخالفة، وأنّهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأنّ السكينة نزلت عليهم، والحقّ تكفّل بهم، والخطأ تبرّأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم، وهذا جهل ممّن يظنّه بهم، وعناد ممن يدّعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال، وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما هو رجل منهم، وقد أخذ عمّن قبله كما أخذ عنه من بعده، وليس هو حجّة على هذا الخلق الكثير والجمّ الغفير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم، ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ «١» وطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثّر فيه؟ هيهات هذا محال، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه، فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع لأنّه منعقد بالفطرة والطباع، وأنت لو فرّغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللّغة التي تحاورنا بها، وتجارينا فيها، وتدارس أصحابنا بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان بعبارة أصحابها، لعلمت أنّك غنيّ عن معاني يونان كما أنك غنيّ عن لغة يونان.

стр. 89

وهاهنا مسألة، تقول: إن الناس عقولهم مختلفة، وأنصباؤهم منها متفاوتة. قال: نعم. قال: وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب؟ قال: بالطبيعة. قال: فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعيّ والتفاوت الأصليّ؟ قال متّى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفا. قال أبو سعيد: فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ودع هذا، أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميّزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الّذي تدلّ به وتباهي بتفخيمه، وهو (الواو) ما أحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فبهت متّى وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقيّ إليه، وبالنحويّ حاجة شديدة إلى المنطق، لأنّ المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقيّ باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحويّ بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى. فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن الكلام والنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتّمنّي والنهي والحضّ والدعاء والنداء والطلب كلّها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة، ألا ترى أنّ رجلا لو قال: «نطق زيد بالحقّ ولكن ما تكلّم بالحق، وتكلّم بالفحش ولكن ما قال الفحش، وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح، وأبان المراد ولكن ما أوضح، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ، أو أخبر ولكن ما أنبأ» ، لكان في جميع هذا محرّفا ومناقضا وواضعا للكلام في غير حقّه، ومستعملا اللّفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره، والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعيّ والمعنى عقليّ، ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان، لأن الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان، لأن مستملي المعنى عقل والعقل إلهي، ومادّة اللفظ طينيّة، وكلّ طينيّ متهافت، وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى بها، إلا أن تستعير من العربيّة لها اسما فتعار، ويسلّم لك ذلك بمقدار، وإذا لم يكن لك بدّ من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلابدّ لك أيضا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثّقة والتوقّي من الخلّة اللاحقة. فقال متّى: يكفيني من لغتكم هذه الاسم والفعل والحرف، فإني أتبلّغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذّبتها لي يونان. قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد

стр. 90

في المتحرّكات، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة، على أنّ هاهنا سرّا ما علق بك، ولا أسفر لعقلك، وهو أن تعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها، في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها، واستعارتها وتحقيقها، وتشديدها وتخفيفها، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها، ووزنها وميلها، وغير ذلك ممّا يطول ذكره، وما أظنّ أحدا يدفع هذا الحكم أو يشكّ في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف، فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ بل أنت إلى تعرّف اللغة العربيّة أحوج منك إلى تعرّف المعاني اليونانيّة، على أنّ المعاني لا تكون يونانيّة ولا هنديّة، كما أنّ اللغات تكون فارسيّة وعربيّة وتركيّة، ومع هذا فإنّك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر، فلم يبق إلّا أحكام اللّغة، فلم تزري على العربيّة وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها، مع جهلك بحقيقتها؟ وحدّثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها حال قوم كانوا قبل واضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبّر كما تدبّروا، لأنّ اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقّرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاب والاجتهاد. ما تقول له؟ أتقول: إنّه لا يصحّ له هذا الحكم ولا يستتبّ هذا الأمر، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت؟ ولعلّك تفرح بتقليده لك- وإن كان على باطل- أكثر ممّا تفرح باستبداده وإن كان على حقّ، وهذا هو الجهل المبين، والحكم المشين. ومع هذا، فحدّثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبيّن أنّ تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئا، وأنت تجهل حرفا واحدا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان، ومن جهل حرفا أمكن أن يجهل حروفا، ومن جهل حروفا جاز أن يجهل اللغة بكمالها، فإن كان لا يجهلها كلّها ولكن يجهل بعضها، فلعلّه يجهل ما يحتاج إليه، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه. وهذه رتبة العامّة أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير، فلم يتأبّى على هذا ويتكبّر، ويتوهّم أنه من الخاصّة وخاصية الخاصّة، وأنه يعرف سرّ الكلام وغامض الحكمة وخفيّ القياس وصحيح البرهان؟ وإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلّها، وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والّتي لها بالتجوّز، سمعتكم تقولون: إن «في» لا يعرف النحويّون مواقعها، وإنما يقولون: هي «للوعاء» كما يقولون: «إن الباء للإلصاق» ، وإن «في» تقال على وجوه: يقال: «الشيء في الإناء» «والإناء في المكان» «والسائس في السياسة» «والسياسة في السائس» . أترى أن هذا التشقيق هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها؟ ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند والترك والعرب؟ فهذا جهل من كلّ من يدّعيه، وخطل من القول الّذي أفاض

стр. 91

فيه، النحويّ إذا قال «في» للوعاء فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح، وكنى مع ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل، ومثل هذا كثير، وهو كاف في موضع التّكنية. فقال ابن الفرات: أيّها الشيخ الموفّق، أجبه بالبيان عن مواقع «الواو» حتى تكون أشدّ في إفحامه، وحقّق عند الجماعة ما هو عاجز عنه، ومع هذا فهو مشنّع به. فقال أبو سعيد: للواو وجوه ومواقع: منها معنى العطف في قولك: «أكرمت زيدا وعمرا» ومنها القسم في قولك: «والله لقد كان كذا وكذا» ومنها الاستئناف في قولك: «خرجت وزيد قائم» لأن الكلام بعده ابتداء وخبر، ومنها معنى ربّ الّتي هي للتقليل نحو قولهم «١» : وقاتم الأعماق خاوي المخترق ومنها أن تكون أصلية في الاسم، كقولك: واصل واقد وافد، وفي الفعل كذلك، كقولك: وجل يوجل، ومنها أن تكون مقحمة نحو قول الله : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤] ، أي ناديناه، ومثله قول الشاعر «٢» : فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى المعنى: انتحى بنا، ومنها معنى الحال في قوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [آل عمران: ٤٦] أي يكلّم الناس في حال كهولته، ومنها أن تكون بمعنى حرف الجرّ، كقولك: استوى الماء والخشبة أي مع الخشبة. فقال ابن الفرات لمتّى: يا أبا بشر: أكان هذا في نحوك. ثم قال أبو سعيد: دع هذا، هاهنا مسألة علاقتها بالمعنى العقليّ أكثر من علاقتها بالشكل اللّفظي، ما تقول في قول القائل: «زيد أفضل الإخوة» ؟ قال: صحيح. قال: فما تقول إن قال: «زيد أفضل إخوتهه» ؟ قال: صحيح، قال: فما الفرق بينهما مع الصّحّة؟ فبلح «٣» وجنح وغصّ بريقه. فقال أبو سعيد: أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة، المسألة الأولى جوابك عنها صحيح وإن كنت غافلا عن وجه صحّتها، والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح وإن كنت أيضا ذاهلا عن وجه بطلانها. قال متّى: بيّن لي ما هذا التهجين؟

стр. 92

قال أبو سعيد: إذا حضرت الحلقة استفدت، ليس هذا مكان التدريس هو مجلس إزالة التلبيس، مع من عادته التمويه والتشبيه، والجماعة تعلم أنّك أخطأت، فلم تدّعي أن النحويّ إنما ينظر في اللّفظ دون المعنى، والمنطقيّ ينظر في المعنى لا في اللفظ؟ هذا كان يصحّ لو أنّ المنطقيّ كان يسكت ويجيل فكره في المعاني، ويرتّب ما يريد بالوهم السانح والخاطر العارض والحدس الطارئ، فأمّا وهو يريغ أن يبرز ما صح له بالاعتبار والتصفّح إلى المتعلّم والمناظر، فلابدّ له من اللفظ الّذي يشتمل على مراده، ويكون طباقا لغرضه، وموافقا لقصده. قال ابن الفرات لأبي سعيد: تمّم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس، والتبكيت عاملا في نفس أبي بشر. فقال: ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلّا ملل الوزير، فإن الكلام إذا طال ملّ. فقال ابن الفرات: ما رغبت في سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة، فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر. فقال أبو سعيد: إذا قلت: «زيد أفضل إخوته» لم يجز، وإذا قلت: «زيد أفضل الإخوة» جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم. والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل فقال: «من إخوة زيد» لم يجز أن تقول: زيد وعمرو وبكر وخالد وإنما تقول: بكر وعمرو وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل إخوته، كما لم يجز أن تقول: «إن حمارك أفره البغال» لأن الحمير غير البغال، كما أن زيدا غير إخوته، فإذا قلت: «زيد خير الإخوة» جاز، لأنّه أحد الإخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل: «من الإخوة» ؟ عددته فيهم، فقلت: «زيد وعمرو وبكر وخالد» فيكون بمنزلة قولك: «حمارك أفره الحمير» لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير. فلما كان على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس، فتقول: «زيد أفضل رجل» و «حمارك أفره حمار» فيدلّ «رجل» على الجنس كما دلّ الرجال، وكما في «عشرين درهما ومائة درهم» . فقال ابن الفرات: ما بعد هذا البيان مزيد، ولقد جلّ علم النحو عندي بهذا الاعتبار وهذا الإسفار. فقال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخّي الصواب في ذلك وتجنّب الخطأ من ذلك، وإن زاغ شيء عن هذا النعت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردودا لخروجه عن عادة القوم الجارية على

стр. 93

فطرتهم. فأما ما يتعلّق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلّم لهم ومأخوذ عنهم، وكلّ ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطّرد على الأصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيّين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلّفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون. وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادّعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى. ثم أقبل أبو سعيد على متّى فقال: أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب، وتقول بالمثل: هذا ثوب والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبا، لأنّه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دونه لحمته ولحمته لا تكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته ورقّة سلكه كرقّة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كلّه ثوب، ولكن بعد تقدمة كلّ ما يحتاج إليه فيه. قال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى، فإن هذا كلّما توالى عليه بان انقطاعه، وانخفض ارتفاعه، في المنطق الّذي ينصره، والحقّ الذي لا يبصره. قال أبو سعيد: ما تقول في رجل يقول: «لهذا عليّ درهم غير قيراط، ولهذا الآخر عليّ درهم غير قيراط» . قال: ما لي علم بهذا النّمط. قال: لست نازعا عنك حتى يصحّ عند الحاضرين أنّك صاحب مخرقة وزرق «١» ، هاهنا ما هو أخفّ من هذا، قال رجل لصاحبه: «بكم الثوبان المصبوغان» ، وقال آخر: «بكم ثوبان مصبوغان» وقال آخر: «بكم ثوبان مصبوغين» بيّن هذه المعاني التي تضمّنها لفظ لفظ. قال متى: لو نثرت أنا أيضا عليك من مسائل المنطق أشياء لكان حالك كحالي. قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه، فإن كان له علاقة بالمعنى وصحّ لفظه على العادة الجارية أجبت، ثمّ لا أبالي أن يكون موافقا أو مخالفا، وإن كان غير متعلّق بالمعنى رددته عليك، وإن كان متّصلا باللفظ ولكن على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضا لأنه لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقرّرة بين أهلها. ما وجدنا لكم إلّا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب والآلة والسّلب والإيجاب والموضوع والمحمول والكون والفساد والمهمل والمحصور، وأمثلة لا تنفع ولا تجدي، وهي إلى العيّ أقرب، وفي الفهاهة أذهب. ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقص ظاهر، لأنكم لا تفون بالكتب ولا هي

стр. 94

مشروحة، فتدّعون الشّعر ولا تعرفونه وتذكرون الخطابة وأنتم عنها في منقطع التراب، وقد سمعت قائلكم يقول: الحاجة ماسّة إلى كتاب البرهان. فإن كان كما قال فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب، وإن كانت الحاجة قد مسّت إلى ما قبل البرهان، فهي أيضا ماسّة إلى ما بعد البرهان، وإلّا فلم صنّف ما لا يحتاج إليه ويستغنى عنه. هذا كلّه تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق. وإنما بودّكم أن تشغلوا جاهلا، وتستذلّوا عزيزا؟ وغايتكم أن تهوّلوا بالجنس والنوع والخاصّة والفصل والعرض والشخص، وتقولوا: الهليّة والأينيّة والماهيّة والكيفيّة والكميّة والذاتيّة والعرضيّة والجوهريّة والهيوليّة والصورية والأيسية واللّيسيّة والنفسيّة؟ ثم تتطاولون فتقولون: «جئنا بالسّحر» في قولنا: «لا» «١» في شيء من «ب» و «ج» في بعض «ب» ، ف «لا» في بعض «ج» و «لا» في كلّ «ب» و «ج» في كل «ب» فإذن «لا» في كل «ج» ، هذا بطريق الخلف، وهذا بطريق الاختصاص. وهذه كلّها خرافات وترّهات، ومغالق وشبكات، ومن جاد عقله وحسن تمييزه ولطف نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه استغنى عن هذا كلّه- بعون الله وفضله- وجودة العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة النفس من منائح الله الهنيّة، ومواهبه السنيّة، يختصّ بها من يشاء من عباده وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجها، وهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم وتتبّع طريقتكم، وبيّن خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردّوا عليه كلمة واحدة مما قال، وما زدتم على قولكم: لم يعرف غرضنا ولا وقف على مرادنا، وإنّما تكلّم على وهم. وهذا منكم تحاجز ونكول ورضى بالعجز وكلول، وكلّ ما ذكرتم في الموجودات فعليكم فيه اعتراض هذا قولكم في «يفعل وينفعل» لم تستوضحوا فيهما مراتبهما ومواقعهما، ولم تقفوا على مقاسمهما، لأنكم قنعتم فيهما بوقوع الفعل من «يفعل» وقبول الفعل من «ينفعل» ، ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم، ومعارف ذهبت عنكم وهذا حالكم في الإضافة. فأما البدل ووجوهه، والمعرفة وأقسامها، والنكرة ومراتبها، وغير ذلك مما يطول ذكره، فليس لكم فيه مقال ولا مجال. وأنت إذا قلت لإنسان: «كن منطقيا» ، فإنما تريد: كن عقليّا أو عاقلا أو اعقل ما تقول لأنّ أصحابك يزعمون أن النّطق هو العقل، وهذا قول مدخول، لأن النطق على وجوه أنتم عنها في سهو. وإذا قال لك آخر: «كن نحويّا لغويّا فصيحا» فإنما يريد: افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك.

стр. 95

وقدّر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدّر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه، هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به. فأمّا إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد فاجل اللفظ بالروادف الموضّحة والأشباه المقرّبة، والاستعارات الممتعة، وبيّن المعاني بالبلاغة، أعني لوّح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها والشّوق إليها، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه عزّ وجلا، وكرم وعلا، واشرح منها شيئا حتّى لا يمكن أن يمترى فيه أو يتعب في فهمه أو يعرّج عنه لاغتماضه، فهذا المذهب يكون جامعا لحقائق الأشباه ولأشباه الحقائق، وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس، على أنّي لا أدري أيؤثّر فيك ما أقول أو لا؟ ثم قال: حدّثنا هل فصلتم قطّ بالمنطق بين مختلفين، أو رفعتم الخلاف بين اثنين، أتراك بقوّة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة، وأن الواحد أكثر من واحد، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد، وأن الشرع ما تذهب إليه، والحقّ ما تقوله؟ هيهات، هاهنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم، وتدقّ عن عقولهم وأذهانهم. ودع هذا، هاهنا مسألة قد أوقعت خلافا، فارفع ذلك الخلاف بمنطقك: قال قائل: «لفلان من الحائط إلى الحائط» ما الحكم فيه؟ وما قدر المشهود به لفلان؟ فقد قال ناس: له الحائطان معا وما بينهما. وقال آخرون: له النصف من كلّ منهما. وقال آخرون: له أحدهما. هات الآن آيتك الباهرة، ومعجزتك القاهرة، وأنّى لك بهما، وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك. ودع هذا أيضا، قال قائل: «من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم محال، ومنه ما هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ» . فسّر هذه الجملة. واعترض عليه عالم آخر، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض وأرنا قوّة صناعتك التي تميّز بها بين الخطأ والصواب، وبين الحقّ والباطل؟ فإن قلت: كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته، والآخر لم أحصّل اعتراضه؟ قيل لك: استخرج بنظرك الاعتراض إن كان ما قاله محتملا له، ثم أوضح الحقّ منهما، لأن الأصل مسموع لك، حاصل عندك وما يصحّ به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك، فلا تتعاسر علينا، فإن هذا لا يخفى على أحد من الجماعة. فقد بان الآن أنّ مركّب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل، والمعاني معقولة ولها اتّصال شديد وبساطة تامّة، وليس في قوّة اللفظ من أيّ لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به، وينصب عليه سورا، ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج، ولا شيئا من خارجه أن يدخل، خوفا من الاختلاط الجالب للفساد، أعني أنّ ذلك يخلط الحقّ بالباطل، ويشبّه الباطل بالحقّ، وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأوّل قبل وضع المنطق، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق، وأنت لو عرفت تصرّف

стр. 96

العلماء والفقهاء في مسائلهم، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة والكنايات المفيدة والجهات القريبة والبعيدة، لحقّرت نفسك، وازدريت أصحابك، ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوه عليه أقلّ في عينك من السّها عند القمر، ومن الحصا عند الجبل. أليس الكنديّ وهو عليم في أصحابك يقول في جواب مسألة «هذا من باب عدّ» . فعدّ الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب، حتّى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها من الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع، فاعتقد فيه أنّه صحيح وهو مريض العقل فاسد المزاج حائل الغريزة مشوّش اللّب. قالوا له: أخبرنا عن اصطكاك الأجرام، وتضاعف الأركان؟ هل يدخل في باب وجوب الإمكان؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ما يخفى عن الأذهان؟ وقالوا له أيضا: ما نسبة الحركات الطبيعيّة إلى الصّور الهيولانيّة؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان، أو مزايلة له مزايلة على غاية الإحكام؟ وقالوا له: ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الرّكاكة والضّعف والفساد والفسالة والسّخف. ولولا التوقّي من التطويل لسردت ذلك كلّه، ولقد مرّ بي في خطّه: التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به، لأنّه يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع، وكلّ ما يكون على هذا النّهج فالنّكرة تزاحم عليه المعرفة، والمعرفة تناقض النّكرة، على أنّ النّكرة والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسرار الإلهيّة، لا من باب الإلهيّة العارضة في أحوال البشرية. ولقد حدثنا أصحابنا الصابئون عنه بما يضحك الثكلى ويشمت العدوّ ويغرّ الصّديق، وما ورث هذا كلّه إلّا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق ونسأل الله عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التحصيل، والفعل الجاري على التعديل، إنّه سميع مجيب. هذا آخر ما كتبت عن عليّ بن عيسى الرّمّاني الشيخ الصالح بإملائه. وكان أبو سعيد قد روى لمعا من هذه القصّة. وكان يقول: لم أحفظ عن نفسي كلّ ما قلت، ولكن كتب ذلك أقوام حضروا في ألواح كانت معهم ومحابر أيضا، وقد اختلّ عليّ كثير منه. قال علي بن عيسى: وتقوّض المجلس وأهله يتعجّبون من جأش أبي سعيد الثابت ولسانه المتصرف ووجهه المتهلّل وفوائده المتتابعة.

стр. 97

وقال الوزير ابن الفرات: عين الله عليك أيّها الشيخ، فقد ندّيت أكبادا وأقررت عيونا، وبيّضت وجوها، وحكت طرازا لا يبليه الزمان، ولا يتطرّق إليه الحدثان. قلت لعلي بن عيسى: وكم كانت سنّ أبي سعيد في ذلك الوقت؟ قال: مولده سنة ثمانين ومائتين، وكان له يوم المناظرة أربعون سنة، وقد عبث الشّيب بلهازمه «١» مع السّمت والوقار والدّين والجدّ، وهذا شعار أهل الفضل والتقدّم، وقلّ من تظاهر به أو تحلّى بحليته إلا جلّ في العيون وعظم في النفوس، وأحبّته القلوب، وجرت بمدحه الألسنة. وقلت لعليّ بن عيسى: أما كان أبو عليّ الفسويّ النحويّ حاضر المجلس؟ قال: لا، كان غائبا، وحدّث بما كان، فكان يكتم الحسد لأبي سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور، والثناء المذكور. فقال لي الوزير عند منقطع هذا الحديث: ذكّرتني شيئا قد دار في نفسي مرارا، وأحببت أن أقف على واضحه، أين أبو سعيد من أبي عليّ، وأين عليّ بن عيسى منهما، وأين ابن المراغيّ أيضا من الجماعة؟ وكذلك المرزبانيّ وابن شاذان وابن الورّاق وابن حيّويه؟ فكان من الجواب: أبو سعيد أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب وأدخل في كلّ باب، وأخرج من كلّ طريق، وألزم للجادّة الوسطى في الدّين والخلق، وأروى في الحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، وأحضر بركة على المختلفة، وأظهر أثرا في المقتبسة. ولقد كتب إليه نوح بن نصر- وكان من أدباء ملوك آل سامان- سنة أربعين كتابا خاطبه فيه بالإمام وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة مسألة، الغالب عليها الحروف، وباقي ذلك أمثال مصنوعة على العرب شكّ فيها فسأل عنها، وكان هذا الكتاب مقرونا بكتاب الوزير البلعميّ خاطبه فيه بإمام المسلمين، ضمّنه مسائل في القرآن وأمثالا للعرب مشكلة. وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الدّيلم من أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ الإسلام، سأله عن مائة وعشرين مسألة، أكثرها في القرآن، وباقي ذلك في الروايات عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم. وكتب إليه ابن حنزابة من مصر كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل، وسأله فيه عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث المرويّ عن النبيّ ﷺ وعن السلف.

стр. 98

وقال لي الدّارقطنيّ سنة سبعين: أنا جمعت ذلك لابن حنزابة على طريق المعونة. وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان على يد شيخنا أبي سليمان كتابا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد، سأله عن سبعين مسألة في القرآن، ومائة كلمة في العربية وثلاثمائة بيت من الشعر، هكذا حدّثني به أبو سليمان، وأربعين مسألة في الأحكام وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلّمين. قال لي الوزير: وهذه المسائل والجواب عنها عندك؟ قلت: نعم. قال: في كم تقع؟ قلت: لعلّها تقع في ألف وخمسمائة ورقة، لأنّ أكثرها في الظهور. قال: ما أحوجنا إلى النظر فيها والاستمتاع بها والاستفادة منها! وأين الفراغ وأين السكون؟ ونحن كلّ يوم ندفع إلى طامّة تنسي ما سلف، وتوعد بالداهية، اللهم هذه ناصيتي بيدك، فتولّني بالعصمة، واخصصني بالسلامة، واجعل عقباي إلى الحسنى. ثم قال: صل حديثك. قلت: وأما أبو عليّ فأشدّ تفرّدا بالكتاب «١» وأشدّ إكبابا عليه، وأبعد من كلّ ما عداه ممّا هو علم الكوفيّين، وما تجاوز في اللّغة كتب أبي زيد، وأطرافا ممّا لغيره، وهو متّقد بالغيظ على أبي سعيد، وبالحسد له، كيف تمّ له تفسير كتاب سيبويه من أوّله إلى آخره بغريبه وأمثاله وشواهده وأبياته ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [المائدة: ٥٤] ، لأنّ هذا شيء ما تمّ للمبرّد ولا للزجّاج ولا لابن السّرّاج ولا لابن درستويه مع سعة علمهم، وفيض كلامهم. ولأبي عليّ أطراف من الكلام في مسائل أجاد فيها ولم يأتل، ولكنه قعد على الكتاب على النّظم المعروف. وحدّثني أصحابنا أن أبا عليّ اشترى شرح أبي سعيد في الأهواز في توجّهه إلى بغداد سنة ثمان وستين- لاحقا بالخدمة المرسومة به، والنّدامة الموقوفة عليه- بألفي درهم، وهذا حديث مشهور، وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلّا من زعم أنّه أراد النقض عليه، وإظهار الخطأ فيه. وقد كان الملك السعيد- ﵁ همّ بالجمع بينهما فلم يقض له ذلك، لأنّ أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستّين وثلاثمائة. وأبو عليّ يشرب ويتخالع ويفارق هدي أهل العلم وطريقة الربانيّين وعادة المتنسّكين.

стр. 99

وأبو سعيد يصوم الدهر، ولا يصلّي إلّا في الجماعة، ويقيم على مذهب أبي حنيفة، ويلي القضاء سنين، ويتألّه ويتحرّج، وغيره بمعزل عن هذا، ولولا الإبقاء على حرمة العلم، لكان القلم يجري بما هو خاف ويخبر بما هو مجمجم ولكنّ الأخذ بحكم المروءة أولى، والإعراض عما يجلب اللائمة أحرى. وكان أبو سعيد حسن الخطّ، ولقد أراده الصّيمريّ أبو جعفر على الإنشاء والتحرير فاستعفى وقال: هذا أمر يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها، وإلى سياسة وأنا غريب فيها: ومن العناء رياضة الهرم وحدّثنا النّصري أبو عبد الله- وكان يكتب النوبة للمهلّبيّ- بحديث مفنّد لأبي سعيد هذا موضعه، قال: كنت أخطّ بين يدي الصّيمريّ أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمّد، فالتمسني يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني، وكان أبو سعيد السيرافيّ بحضرته، فظنّ أنّه بفضل علمه أقوم بالجواب من غيره، فتقدّم إليه أن يكتب ويجيب، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضرب والإصلاح، ثم أخذ يحرّر، والصّيمريّ يقرأ ما يكتبه، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا، مباينا لما يريده ترتيبا. قال: ودخلت في تلك الحال، فتمثّل الصّيمريّ بقول الشاعر: يا باري القوس بريا ليس يصلحه ... لا تظلم القوس، أعط القوس باريها ثم قال لأبي سعيد: خفّف عليك أيّها الشيخ وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله تلميذك ليجيب عنه، فخجل من هذا القول، فلمّا ابتدأت الجواب من غير نسخة تحيّر منّي أبو سعيد، ثم قال: أيّها الأستاذ، ليس بمستنكر ما كان منّي، ولا بمستكثر ما كان منك، إنّ مال الفيء لا يصحّ في بيت المال إلّا بين مستخرج «١» وجهبذ، والكتّاب جهابذة الكلام، والعلماء مستخرجوه. فتبسّم الصّيمريّ وأعجبه ما سمع، وقال: على كلّ حال ما أخليتنا من فائدة. وكان أبو سعيد بعيد القرين، لأنّه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط والفرائض والنحو واللغة والعروض والقوافي والحساب والهندسة والحديث والأخبار وهو في كل هذا إمّا في الغاية وإمّا في الوسط. وأما علي بن عيسى فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به، إلا أنّه لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا، هذا مع الدّين الثخين، والعقل الرزين.

стр. 100

وأمّا ابن المراغيّ فلا يلحق بهؤلاء، مع براعة اللفظ، وسعة الحفظ، وعزّة النفس، وبلل الريق «١» ، وغزارة النّفث، وكثرة الرواية، ومن نظر في كتاب البهجة له عرف ما أقول، واعتقد فوق ما أصف، ونحل أكثر ممّا أبذل. وأما المرزبانيّ وابن شاذان وابن القرمسينيّ وابن حيّويه فهم رواة وحملة ليس لهم في ذلك نقط ولا إعجام، ولا إسراج ولا إلجام. فقال: فصل حديثك عن هؤلاء بحديث أصحابنا الشعراء، صف لي جماعتهم، واذكر لي بضاعتهم، وما خصّ كلّ واحد منهم. قلت: لست من الشعر والشعراء في شيء، وأكره أن أخطو على دحض «٢» ، وأحتسي غير محض. قال: دع هذا القول، فما خضنا في شيء إلى هذا الوقت إلّا على غاية ما كان في النفس، ونهاية ما أفاد من الأنس. فكان من الوصف: أما السّلاميّ فهو حلو الكلام، متّسق النظام، كأنّما يبسم عن ثغر الغمام خفيّ السرقة، لطيف الأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب «٣» ، وعبث بالرّوح، وبرد على الكبد. وأمّا الحاتميّ فغليظ اللّفظ، كثير العقد، يحبّ أن يكون بدويّا قحّا، وهو لم يتمّ حضريّا، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر، على تشابه بينهما في الجفوة وقلّة السّلامة، والبعد من المسلوك، بادي العورة فيما يقول، لكأنما يبرز ما يخفي، ويكدّر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر «٤» ، يتطاول شاخصا، فيتضاءل متقاعسا، إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو مشين. وأما ابن جلبات فمجنون الشّعر، متفاوت اللّفظ، قليل البديع، واسع الحيلة، كثير الزّوق، قصير الرّشاء، كثير الغثاء، غرّه نفاقه «٥» ونفّقه نفاقه. وأمّا الخالع فأديب الشّعر، صحيح النّحت، كثير البديع، مستوي الطريقة،

стр. 101

متشابه الصّناعة، بعيد من طفرة المتحيّر، قريب من فرصة المتخيّر، كان ذو الكفايتين يقدّمه بالرّيّ، ويقبله على النّشر والطّيّ. وأمّا مسكويه فلطيف اللفظ، رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السّكب، بطيء السّبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التّوقّي، ضعيف الترقّي، يرد أكثر ممّا يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر، ويطير بعيدا ويقع قريبا، ويسقي من قبل أن يغرس، ويمتح من قبل أن يميه، وله بعد ذلك مآخذ كشدو «١» من الفلسفة، وتأتّ «٢» في الخدمة، وقيام برسوم النّدامة «٣» ، وسنّة في البخل، وغرائب من الكذب، وهو حائل «٤» العقل لشغفه بالكيمياء. وأمّا ابن نباتة فشاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلّا حاسد أو جاهل أو معاند، قد لحق عصابة (سيف الدولة) وعدا معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكّان البادية، لطيف الائتمام بهم، خفيّ المغاص في واديهم، ظاهر الإطلال على ناديهم، هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس. وأمّا ابن حجّاج فليس من هذه الزّمرة بشيء، لأنّه سخيف الطريقة بعيد من الجدّ، قريع في الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له في قرضه مثال، على أنّه قويم اللّفظ، سهل الكلام، وشمائله نائية بالوقار عن عادته الجارية في الخسار، وهو شريك ابن سكّرة في هذه الغرامة «٥» ، وإذا جدّ أقعى، وإذا هزل حكى الأفعى. وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيّبة. قال: ما هي؟ قلت: لما ورد ذو الكفايتين سنة أربع وستين وهزم الأتراك مع أفتكين، وكان من الحديث ما هو مشهور، سأل عن ابن حجاج- وكان متشوقا له لما كان يقرأ عليه من قوافيه، فأحبّ أن يلقاه، لأنّه ليس الخبر كالمعاينة، والمسموع والمبصر كالأنثى والذكر، ينزع كلّ واحد منهما إلى تمامه، فلمّا حضره أبو عبد الله احتبسه للطعام، وسمع كلامه، وشاهد سمته، واستحلى شمائله، فقام من مجلسه، فلمّا خلا به قال: يا أبا عبد الله، لقد والله تهت عجبا منك، فأمّا عجبي بك فقد تقدّم، لقد كنت أفلي ديوانك، فأتمنّى لقاءك، وأقول: من صاحب هذا الكلام، أطيش طائش، وأخفّ خفيف، وأغرم غارم، وكيف يجالس من يكون في هذا الإهاب؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتّاب

стр. 102

وأصحاب الآداب، حتّى شاهدتك الآن، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك، وسكون لفظك، وتناسب حركاتك، وفرط حيائك وناضر ماء وجهك، وتعادل كلّك وبعضك، وإنك لمن عجائب خلق الله وطرف عباده، والله ما يصدّق واحد أنّك صاحب ديوانك، وأنّ ذلك الديوان لك، مع هذا التنافي الّذي بين شعرك وبينك في جدّك. فقال أبو عبد الله: أيها الأستاذ، وكان عجبي منك دون عجبك مني، لو تقارعنا على هذا لفلجت عليك بالتعجب منك. قال: لأني قلت إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقا جافيا وفظّا غليظا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليّا ديلميّا متكائبا متعاظما، حتى رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء، وأرقّ من الماء، وأغزل من جميل بن معمر، وأعذب من الحياة، وأرزن من الطّود، وأغزر من البحر، وأبهى من القمر، وأندى من الغيث، وأشجع من اللّيث، وأنطق من سحبان، وأندى من الغمام، وأنفذ من السّهام، وأكبر من جميع الأنام. فقال أبو الفتح وتبسّم: هذا أيضا من ودائع فضلك «١» ، وباعث تفضّلك. ووصله وصرفه. قال: لم يكن هذا الحديث عندي. وأما بشر بن هارون فليس من هذه الطبقة في شيء، لكنه يقرص فيحزّ ويشتمّ فيهزّ، ويجرح فيجهز، والمدهوّون «٢» منه كثير، «وأصحابنا يستحسنون قول ابن الحجاج في الوزير حين يقول: لله درّ الحسين من قمر ... ردّت إليه وزارة الشمس فقال: إن قبلت هذا منهم خفت أن يقال: مادح نفسه يقرئك السلام، وما أصنع بهذا البيت وهو مضموم إلى كلّ بيت سخيف في القصيدة» . ثم قال: وجب أن نصف قبل هذا عصابة العلماء، فلم تركنا ذكرهم ونحن لا نخلو في حديثهم من غرّة لائحة، وفائدة نافعة، وصواب زائد في العقل وفضيلة على الأدب، وحلم يزدان به في وقت الحاجة، وحكمة يستعان بها في داهمة، ورأي يكون مقيلا للتمييز عند تهجيرنا به. قلت: أما أبو عبد الله الجعل فقد شاهدته. قال: صدقت، ولكن لم أقف على مذهبه ودخلته وسيرته في اعتقاده. قلت: كان الرجل ملتهب الخاطر، واسع أطراف الكلام، مع غثاثة اللّفظ، وكان يرجع إلى قوّة عجيبة في التدريس، وطول نفس في الإملاء، مع ضيق صدر عند لقاء

стр. 103

الخصم ومعاركة القرن، بعيد العهد بالمصاع والدفاع والوقاع، وكان سبب هذا الجبن والخور قلّة الضّراوة على هذه الأحوال، ولقد خزي في مشاهد عظيمة. وأمّا يقينه فكان ضعيفا، وأما سيرته فكانت واقفة على حبّ الرياسة وبذل المال والجاه إذا حضرا، مع تعصّب شديد لمن قدّمه وأحبّه، وإنحاء مفرط على من عاداه، وكان خوضه في الدول والولايات- ولهذا رغب عنه الواسطيّ وكان أخا ورع ودين وقال: هذا منفّر عن الدين والمذهب، ودافع للناس عن القول بالحق، وطارح للشبهة في القلوب-. وكان يجهر بهذا وأشباهه، ولكن كان جاه الرجل لا ينتقص بهذا القدر وركنه لا يتخلخل على هذا الهدّ، لأسباب انعقدت له، وأصحاب ذبّوا عنه. وأما ابن الملّاح فشيخ حسن المعرفة بالمذهب، شديد التوقّي، محمود القناعة ظاهر الرضا، تدل سيرته الجميلة على أنّه حسن العقيدة. وأما ابن المعلّم فحسن اللّسان والجدل، صبور على الخصم، كثير الحيلة ظنين «١» السرّ، جميل العلانيّة. وأمّا أبو إسحاق النصيبي فدقيق الكلام، يشكّ في النبوّات كلّها، وقد سمعت منه فيها شبها، ولغته معقّدة، وله أدب واسع، ولقد أضلّ بهمذان كاتب فخر الدولة ابن المرزبان. وحمله على قلّة الاكتراث بظلم الرعيّة، وأراه أنه لا حرج عليه في غبنهم لأنهم بهائم، وما خرج من الجبل حتى افتضح. وأما ابن خيران فشيخ لا يعدو الفقه، وفيه سلامة. وأما الدّاركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة، وهو يأكل الدنيا بالدين، ويغلب عليه اللّواط، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة، ولقد تهتّك بنيسابور قديما، وببغداد حديثا، هذا مع الفدامة والوخامة، ولقد ندّ بجعل غلام، وهو اليوم قاضي الري. وابن عبّاد يكنفه ويقرّبه ليكون داعية له ونائبا عنه، وليس له أصل وهو من سواد همذان، وأبوه كان فلّاحا، ولقد رأيته، إلّا أنّه تأتى لابن عباد في سمته ولزوم ناموسه حتى خفّ عليه، وهو اليوم قارون، وقد علت رتبته في الكلام حتّى لا مزيد عليها، إلا أنه مع ذلك نغل «٢» الباطن، خبيث الخبء، قليل اليقين، وذلك أن الطريقة التي قد لزموها وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك والارتياب، لأن الدّين لم يأت بكمّ وكيف في كلّ باب، ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصار الأثر، مزية على أصحاب الكلام وأهل النظر، والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر المحشوّ بالشكّ والريبة، ولم يأت

стр. 104

الجدل بخير قطّ. وقد قيل: من طلب الدين بالكلام ألحد، ومن تتبّع غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر. وما شاعت هذه الوصيّة جزافا، بل بعد تجربة كرّرها الزمان، وتطاولت عليها الأيام، يتكلم أحدهم في مائة مسألة ويورد مائة حجّة لا ترى عنده خشوعا ولا رقة، ولا تقوى ولا دمعة، وإن كثيرا من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجّون ولا يناظرون ولا يكرمون ولا يفضّلون خير من هذه الطائفة وألين جانبا، وأخشع قلبا، وأتقى لله ، وأذكر للمعاد، وأيقن بالثواب والعقاب، وأقلق من الهفوة، وألوذ بالله من صغير الذنب، وأرجع إلى الله بالتوبة، ولم أر متكلّما في مدّة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه ويتلاقون متخادعين، ويصنّفون متحاملين، جذّ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح العباد والبلاد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفتهم على صغار الناس وكبارهم، ودبّ داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعا «١» . قال: فما تقول في ابن الباقلاني؟ قلت: فما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذي لا تصبحينا «٢» يزعم أنه ينصر السنّة ويفحم المعتزلة وينشر الرواية، وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرّميّة، وطرائق الملحدة. قال: والله إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن الغلاظ، والأمراض التي ليس لها علاج. ثم قال: إنّ الليل قد ولّى، والنعاس قد طرق العين عابثا، والرأي أن نستجمّ لننشط، ونستريح لنتعب، وإذا حضرت في الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق والخلق- إن شاء الله- وأنا أزوّدك هذا الإعلام ليكون باعثا لك على أخذ العتاد بعد اختماره في صدرك، وتحيل الحال به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن الضعفاء، ولكن قل واتّسع مجاهرا بما عندك، منفقا ممّا معك. وانصرفت.

стр. 105

الليلة التاسعة وعدت ليلة أخرى فقال: فاتحة الحديث معك، فهات ما عندك. فكان من الجواب: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان، وذلك أن الإنسان صفو الجنس الذي هو الحيوان، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع، وما كان صفوا ومصاصا «١» بهذا النظر انتظم فيه من كلّ ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر، وظهر ذلك عليه وبطن أيضا بالأقل والأكثر والأغلب والأضعف، كالكمون الذي في طباع السبع والفأرة، والثبات الّذي في طباع الذئب، والتحرّز الذي في طباع الجاموس من بنات الليل، والحذر الذي في طباع الخنزير، والتقدم الذي في طباع الفيل أمام قطيعه تمثّلا بصاحب المقدّمة. وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثّلا بصاحب الساقة، وكالحراسة التي في طباع الكلب، وكاوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدّغل والأشب والغياض. ولهذا قال بعض الحكماء: خذ من الخنزير بكوره في الحوائج، ومن الكلب نصحه لأهله، ومن الهرّة لطف نفسها عند المسألة. وقالت الترك: ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشر خصال من ضروب الحيوان: سخاء الديك، وتحنّن الدجاجة، ونجدة الأسد، وحملة الخنزير وروغان الثعلب، وصبر الكلب، وحراسة الكركيّ، وحذر الغراب، وغارة الذئب، وسمن بعروا، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء. ولما وهب الإنسان الفطرة، وأعين بالفكرة، ورفد بالعقل، جمع هذه الخصال وما هو أكثر منها لنفسه وفي نفسه، وبسبب هذه المزية الظاهرة فضل جميع الحيوان حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير والإعمال واستخراج المنافع منها وإدراك الحاجات بها، وهذه المزية التي له مستفادة بالعقل، لأن العقل ينبوع العلم، والطبيعة ينبوع الصناعات، والفكر بينهما مستمل منهما ومؤدّ بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني

стр. 106

والتوزيع الإنساني، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل، وصواب رويّة الفكرة من صحّة الطباع، وصحّة الطباع من موافقة المزاج، وموافقة المزاج بالمدد الاتّفاقي والاتفاق الغيبيّ، أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق، ووجه الحادث المعلوم عند الله غيب، فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب. فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة، وبين نادر لا يدوم العهد به، فدلّ ما ظهر واستمرّ على ما جاد به ووهب، ودلّ ما غاب واستتر على ما تفرّد به وغلب. ولما كان الحيوان كلّه يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة، وكان الإنسان يتصرّف فيها بالاختيار، صحّ له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدا له في اختياره، وكذلك يكون النحل أيضا، صحّ له من الاختيار قسط في إلهامه حتى يكون ذلك معينا في اضطراره، إلّا أن نصيب الإنسان من الإلهام أقلّ كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر، وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودا بالاختيار، لأنّ قوّة الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظلّ. ومراتب الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاث أنفس، فأحدهم ملهم فيتعلّم ويعمل، ويصير مبدأ للمقتبسين منه، المقتدين به، الآخذين عنه، الحاذين على مثاله، المارّين على غراره، القافين على آثاره، وواحد يتعلّم ولا يلهم فهو يماثل الأوّل في الدرجة الثانية، أعني التعلّم، وواحد يتعلّم ويلهم، فتجتمع له هاتان الخلّتان، فيصير بقليل ما يتعلّم مكثرا للعمل والعلم بقوّة ما يلهم ويعود بكثرة ما يلهم مصفّيا لكل ما يتعلّم ويعمل. والكلام في هذه المواضع ربّما جمح فلم يمكن كفّه، فينبغي أن يضح العذر إذا عرض تفاوت في الترتيب، ودخل الخلل من ناحية التقريب. وقال أبو سليمان لنا في هذه الأيام: الإنسان بين طبيعته وهي عليه وبين نفسه وهي له، كالمنتهب المتوزّع، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هو له من النفس، وضعف ما هو عليه من الطبيعة وإلا فقد قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من النفس. وحكى لنا فقال: كان للحكماء الأوّلين مثل يضربونه ويكتبونه في هياكلهم ومتعبّداتهم وهو: «الملك الموكّل بالدنيا يقول: إنّ ههنا خيرا وههنا شرا، وههنا ما ليس بخير ولا شر، فمن عرف هذه الثلاثة حقّ معرفتها تخلّص منّي، ونجا سليما، وبقي كريما، وملك نعيما عظيما.

стр. 107

ومن لم يعرفها قتلته شرّ قتلة، وذلك أني لا أقتله قتلا وحيّا «١» يستريح به منّي، ولكن أقتله أوّلا فأوّلا في زمان طويل، بحسرات على فوت مأمول بعد مأمول، وبلايا يكون بها كالمغلول المكبول» . قال: هذا كلام شريف في أعلى ذروة الحكمة، لكنّك خلّيت يدك من طرف الحديث في الخلق. قلت: إذا طاب الحديث باسترسال السجيّة ووقوع الطّمأنينة لها الإنسان عن مباديه، وسال مع الخاطر الّذي يستهويه، ولتحفّظ الإنسان في قوله وعمله من الخطل والزّلل حدّ إذا بلغه كلّ الخاطر واختل. ثم نعود فنقول: أخلاق الإنسان مقسومة على أنفسه الثلاث: أعني النفس الناطقة، والنفس الغضبيّة، والنفس الشهوانيّة، وسمات هذه الأخلاق مختلفة بعرض واسع. ويمكن أن يقال في نعتها على مذهب التقريب: إنها بين المحمودة وبين المذمومة، وبين المشوبة بالحمد والذمّ، وبين الخارجة منهما. فمن أخلاق النفس الناطقة- إذا صفت- البحث عن الإنسان ثم عن العالم، لأنّه إذا عرف الإنسان فقد عرف العالم الصغير، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، وإذا عرف العالمين عرف الإله الّذي بجوده وجد ما وجد، وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ترتّب ما ترتب، وبمجموع هذا كلّه دام ما دام. بهذا البحث يتبيّن له ما تشتمل عليه القوة الغضبية والقوّة الشهويّة فإن توابع هاتين القوّتين أكثر، لأنّهما بالتركيب أظهر، وفي الكثرة أدخل وعن الوحدة أخرج، فإذا ساستهما الناطقة حذفت زوائدهما، ونفت فواضلهما ووفّت نواقصهما، وذيّلت قوالصهما أعني إذا رأت غلمة في الشهويّة أخمدت نارها، وإذا وجدت السّرف في الغضبيّة قصّرت عنانها، فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم، فيعود السّفه حلما أو تحالما، والحسد غبطة أو تغابطا والغضب كظما أو تكاظما، والغيّ رشدا أو تراشدا، والطيش أناة أو تآنيا وصرّفت هذه الكوامن في المكامن- إذا سارت سورتها، وثارت ثورتها- على مناهج الصواب، تارة بالعظة واللّطف، وتارة بالزّجر والعنف وتارة بالأنفة وكبر النفس، وتارة بإشعار الحذر، وتارة بعلوّ الهمة، وهناك يصير العفو عند القادر ألذّ من الانتقام، والعفاف عند الهائج ألذّ من قضاء الوطر، والقناعة عند المحتاج أشرف من الإسفاف، والصّداقة عند الموتور آثر من العداوة، والمداراة عند المحفظ أطيب من المماراة. وفي الجملة، الخلق الحسن مشتقّ من الخلق، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق كذلك لا قدرة على تحويل الخلق، لكنّ الحضّ على إصلاح الخلق وتهذيب النفس لم

стр. 108

يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة. ومثاله أن الحبشيّ يتدلّك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا، ولكن ليستفيد نقاء شبيها بالبياض. ويقال للمهذار: «اكفف» لا ليكفّ عن النطق، ولكن ليؤثر الصمت. ويقال للموتور: «لا تحقد» لا ليزول عنه ما حنق عليه، ولكن ليتكلّف الصبر ويتناسى الجزاء على هذا أبدا. وقد تقرّر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله مختلفة، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضدّ أو شبيه بالضدّ كالحياة والموت، والنوم واليقظة، والحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير والشر، والرجاء والخوف، والعدل والجور، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، والحلم والسّفه، والطّيش والوقار، والعلم والجهل، والمعرفة والنّكرة والعقل والحمق، والصحة والمرض، والاعتدال والانحراف، والعفّة والفجور والتنبّه والغفلة، والذّكر والنسيان، والذكاء والبلادة، والغبطة والحسادة والدماثة والكزازة، والحق والباطل، والغيّ والرّشد، والبيان والحصر والثقة والارتياب، والطّمأنينة والتّهمة، والحركة والسكون، والشكّ واليقين والخلاعة والوقار، والتوقّي والتهوّر، والإلف والملل، والصدق والكذب والإخلاص والنفاق، والإحسان والإساءة، والنصح والغش، والمدح والذم وعلى هذا الجرّ والسّحب، ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع. فما ينبغي أن يعنى الإنسان المحبّ للتبصرة، المؤثر للتذكرة، الجامع للنافع له، النافي للضارّ به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرّفة- ما استطاع- باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله، أو إطفاء جمرته، أو اجتناء ثمرته، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب، كأن تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أنّ هذين ليسا من الأخلاق ولا ممّا يعالج بالاجتهاد، وإلى النّوم واليقظة فتعلم أنّهما ضروريّان للبدن من وجه، وغير ضروريّين من وجه، فتنفي منهما ما خرج عن حدّ الضرورة وتسلم البدن ما دخل في حدّ الضرورة، ولا يكثرنّ الإنسان نومه ولا سهره، ولكن يطلب العدل بينهما بقدر جهده. فأمّا الحسن والقبيح فلابدّ له من البحث اللطيف عنهما حتى لا يجور فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا، فيأتي القبيح على أنه حسن، ويرفض الحسن على أنّه قبيح، ومناشئ الحسن والقبيح كثيرة: منها طبيعيّ، ومنها بالعادة، ومنها بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة، فإذا اعتبر هذه المناشئ صدّق الصادق منها وكذّب الكاذب، وكان استحسانه على قدر ذلك، ومثال ذلك الكبر فإنه معيب بالنظر الأوّل، لكنّه حسن في موضعه بالعلّة الداعية إليه، والحال الموجبة له.

стр. 109

وأما الصواب والخطأ فأمران عارضان للأقوال والأفعال والآراء، وليسا بخلقين محضين، ولكنّهما موكولا إلى نور العقل، فما أشرق عليه العقل بنوره فهو صواب، وما أفل عنه العقل بنوره فهو خطأ. وأما الخير والشرّ فهما في العموم والشّمول ليسا بدون الصواب والخطأ لهما مناط بكلّ شيء، ويغلبان على الأفعال، وإن كان أحدهما عدما للآخر. وأمّا الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية، ولا يدخلان في باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه وهما كالعمادين للإنسان قد استصلح لهما، وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما. وأما العدل والجور فقد يكونان خلقين بالفطرة، ويكونان فعلين بالفكرة وجانباهما بالفعل ألصق، وإلى الاكتساب أقرب. وأما الشجاعة والجبن فهما خلقان متصلان بالخلق، ولهذا يعزّ على الشجاع أن يتحوّل جبانا، ويتعذر على الجبان أن يصير شجاعا، وكذلك طرفاهما داخلان في الخلق أعني التهوّر والتوقّي. وأمّا السخاء والبخل فهما خلقان محضان أو قريبان من المحض، ولهذا تعلّق الحمد والذم بهما وبأصحابهما، والمدح والهجو سريا إليهما واتصلا بهما، وقد يندم السخيّ على بذله كثيرا خوفا من الإملاق، فلا يستطيع ذلك إذا أخذته الأريحيّة، وحرّكته اللّوذعيّة، وقد يلوم البخيل نفسه كثيرا إذا سلقته الألسنة الحداد، وجبه بالتوبيخ، وشمخ عند رؤيته الأنف، وغضّن الجبين وأولم بالعذل وقوبل، ومع ذلك فلا يرشح إلّا على بطء وكلفة وتضجّر، والكلام في هذين الخلقين طويل، لأنهما أدخل في تلاقي الناس وتعاطيهم في عشرتهم ومعاملتهم. وأما الحلم والسّفه فهما أيضا خلقان، والأخلاق تابعة للمزاج في الأصل، ولذلك قلنا: إن الخلق ابن الخلق، والولد شبيه بوالده، وفي الجملة، كل ما يمكن أن يقال فيه للإنسان «لا تفعل هذا» ، «وأقلل من هذا وكف عنه» فإنه في باب الأفعال أدخل، وكل ما لم يجز أن يقال ذلك فيه فهو في باب الأخلاق أدخل، ثم لبعض هذا نسبة إلى الخلق أو الخلق، إما ظاهرة غالبة وإما خفية ضعيفة. وأما الطّيش والوقار فهما يختلطان بالحلم والسّفه ويجريان معهما، فليس ينبغي أن ينشر الكلام ويطول الشرح. وأما الجهل والعلم فليسا من الأخلاق ولا من الخلق وإنما يبرزان من صاحب الأخلاق والخلق للمزاج أثرين قويّين واحدهما عدم والآخر وجدان، والعدم لا يكون أعدم من عدم، والوجدان يكون أبين من وجدان.

стр. 110

وأما المعرفة والنكرة فهما في جوار العلم وضدّه، ولكنهما أعلق بالحسّ وألصق بالنفسين، أي الشّهويّة والغضبيّة. وأمّا العقل والحمق فليسا من الخلق، والكلام في تفسير العقل مشهور، وعدمه الحمق. وأما الصحة والمرض فليسا أيضا من الأخلاق، ولكنهما يوجدان في الإنسان بواسطة النفس، إما في البدن، وإما في العقل، ولذلك يقال: أمراض البدن، وأمراض النفس، وصحة البدن وصحة النفس. وأما الاعتدال والانحراف فهما يدخلان في الخلق بوجه، ويخلصان منه بوجه، ويعمّان أعراض البدن وأعراض النفس، ويوصف بهما الإنسان، على أن الانحراف المطلق لا يوجد، والاعتدال المطلق لا يوجد، ولكن كلاهما بالإضافة. وأما العفة والفجور فخلقان لهما جمرة وهمود، والحاجة تمسّ إلى العدل في استعمال العفة ونفي الفجور، وإذا قويت العفّة حالت عصمة، وإذا غلب الفجور صار عدوانا. وأما التنبّه والغفلة فقريبان من الخلق ويغلبان على الإنسان، إلا أن فرط التنبّه موصول بالوحي، وفرط الغفلة موصول بالبهيمية. وأما الذكر والنسيان فليسا بخلقين محضين، ومنشؤهما بالمزاج، وأحدهما من علائق النفس العالمة، والآخر من علائق النفس البهيمية. وأما الذكاء والبلادة فهما خلقان، ونعتهما كنعت الذّكر والنسيان، إلا أن هذين يعرضان في الحين بعد الحين، والأخريان كالراسخين في الطينة. وأما الغبطة والحسد فخلقان رسم الأوّل منهما بأن تتمنى لنفسك ما أوتيه صاحبك ورسم الثاني بأن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك وإن لم يصل إليك. ورسوم هذه الأخلاق أسهل من تحديدها، لكنّا تركنا ذلك، لأنّ الكلام الذي كان يجري هو على مذهب الخدمة. على أن مراتب هذه الأخلاق مختلفة، فيبعد أن يعمّها حد واحد، وإنما اختلفت منازلها لأنها تارة تصفو بقوة النفس الناطقة، وتارة تكدر بالقوّتين الأخريين، ولبعضها حدّة بالزيادة، ولبعضها كلة بالنقص، فلم يكن التحديد يفصّل كلّ ذاك، فلم نعرج على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه. ونتمّ بقيّة ما علق بهذه الجملة، فنقول: وأما الدماثة والكزازة فخلقان محضان تابعان للمزاج، ثم المران يزيدهما قوّة
следующие страницы →