← Адаб

Адаб · id 10521

الإمتاع والمؤانسة

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أصحابنا إذا ظنّوا وقالوا: إنّ الإنسان يستطيع حفظ جميع فنون العلم والقيام بها والإبقاء عليها، ولو كان هذا مقدورا عليه لوجد، ولو وجد لعرف، ولو عرف لذكر، وكيف يجوز هذا وقلب الإنسان مضغة، وقوّته مقصورة، وانبساطه متناه، واقتباسه وحفظه وتصوّره وذكره محدود؟ ولقد حدّثني عليّ بن المهديّ الطبريّ قال: قلت ببغداد لأبي بشر: لو نظرت في شيء من الفقه مع هذه البراعة التي لك في الكلام، ومع هذا اللسان الذي تحيّر فيه كلّ خصم. قال: أفعل، قال: فكنت أقرأ عليه بالنّهار مع المختلفة الكلام، وكان يقرأ عليّ باللّيل شيئا من الفقه، فلمّا كان بعد قليل أقصر عن ذلك، فقلت له: ما السّبب؟ قال: والله ما أحفظ مسألة جليلة في الفقه إلّا وأنسى مسألة دقيقة في الكلام، ولا حاجة في زيادة شيء يكون سببا لنقصان شيء آخر منّي. وسأل رجل آخر أن يقرضه مالا، فوعده ثمّ غدر به، فلامه النّاس، فقال: لأن يحمرّ وجهي مرّة أحبّ إليّ من أن يصفرّ مرارا كثيرة. وولي أريوس ولاية فقال له أصدقاؤه: الآن يظهر فضلك. فقال: ليست الولاية تظهر الرّجل، بل الرّجل يظهر الولاية. وقال ديوجانس: الدّنيا سوق المسافر، فليس ينبغي للعاقل أن يشتري منها شيئا فوق الكفاف. وقيل لاسطفانس: من صديقك؟ قال: الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشدّ مسارعة إلى قضائها منّي إلى طلبها. وقال أفلاطون: إن للنفس لذّتين: لذّة لها مجرّدة عن الجسد، ولذّة مشاركة للجسد، فأما التي تنفرد بها النفس فهي العلم والحكمة، وأما التي تشارك فيها البدن فالطعام والشراب وغير ذلك. وقيل لسقراط: كيف ينبغي أن تكون الدنيا عندنا؟ قال: لا تستقبلوها بتمنّ لها، ولا تتبعوها بتأسّف عليها، فلا ذلك مجد عليكم، ولا هذا راجع إليكم. وقال سقراط: القنية مخدومة، ومن خدم غير نفسه فليس بحرّ. وقال بعض ندماء الإسكندر له: إن فلانا يسيء الثناء عليك، فقال: أنا أعلم أن فلانا ليس بشرّير، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك، فبحث عن حاله فوجدها رثّة، فأمر له بصلة سنيّة، فبلغه بعد ذلك أنه يبسط لسانه بالثناء عليه في المحافل، فقال: أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خير أو شرّ. قيل لطيماثاوس: لم صرت تسيء القول في الناس؟ قال: لأنه ليس يمكنني أن أسيء إليهم بالفعل. وكان مرّة في صحراء، فقال له إنسان: ما أحسن هذه الصحراء! قال: لو لم تحضرها أنت.

стр. 177

وقال غالوس: ما وجه الاهتمام بما إن لم يكن، أجزئ فوته، وإن كان فالمنفعة به وبحضوره قليلة منقطعة. وقال سقراط: ينبغي إذا وعظت ألّا تتشكّل بشكل منتقم من عدوّ، ولكن بشكل من يسعط أو يكوي بعلاجه داء بصديق له، وإذا وعظت أيضا بشيء فيه صلاحك، فينبغي أن تتشكّل بشكل المريض للطبيب. ركب مقاريوس في حاجة، فمرّ بزيموس وقد تعلّق به رجل يطالبه بمال اختدعه عنه وعليهما جماعة من الناس، وهو يسأله تنجيم ذلك المال عليه نجوما ليؤدّيه، ويتضرّع أشدّ التضرّع. فقال منقاروس: ما طلبتك عند هذا الرجل؟ فقال: أتاني فخدعني بالزّهد والنّسك عن مالي، ووعدني أن يملأ بيتي ذهبا من صنعته، فلم أزل في الاسترسال إلى ظاهره السليم حتى أفقرني باطنه السقيم. فقال له مقاريوس: إنّ كلّ من بذل شيئا إنما يبذله على قدر وسعه، وكان زيموس أتاك على حاله التي هو عليها، ولم يكن ليتّسع لأكثر من ذلك القول، وأمّا عمل الذّهب فبيّن ظاهر، لأنّ فقره يدلّ على عجزه وضعفه عنه، ومن أمّل الغنى عند الفقير فغاية ما يمكن أن يبلغه أن يصير مثله، وآخر ما يؤمّل عند الفقير نيل الفقر. فقد أصبت ما كنت تحبّ أن تجده عند زيموس، وهو حظّ إن تمسّكت به لم يغل بما تلف من مالك، ولئن كان وعدك أن يفيدك مالا باطلا فلقد أفادك معدنا حقّا، من غير قصد إلى نفعك. ثم أقبل على زيموس وقال له: ما أبعد شبه معدنك من المعادن الطبيعيّة! إنّ المعادن تلفظ الذّهب، ومعدنك هذا يبتلع الذهب، ومن جاور معدنا منها أغناه، ومن جاور معدنك أفقره، والمعادن الطّبيعيّة تثمر من غير قول، ومعدنك يقول من غير إثمار. فقال زيموس: أيّها الفاضل، لئن عبتني فلست بأوّل حكيم لقي من النّاس الأذى. فقال له: أجل، ولا آخرهم ولا أوسطهم، لكنّك من الجهّال الّذين لقي النّاس منهم الأذى. فقال- أعلى الله قوله-: فهل لهذا الأمر- أعني الكيمياء- مرجوع؟ وهل له حقيقة؟ وما تحفظ عن هذه الطائفة؟ فكان الجواب: أمّا يحيى بن عديّ- وهو أستاذ هذه الجماعة- فكان في إصبعه خاتم من فضّة يزعم أنّ فضّته عملت بين يديه، وأنّه شاهد عملها عيانا، وأنه لا يشكّ في ذلك. وأمّا أصحابه كابن زرعة وابن الخمّار، فذكروا أنّ ذلك تمّ عليه من فعل لم يفطن له من بعض من اغترّه من هؤلاء المحتالين الخدّاعين. وأما شيخنا أبو سليمان فحصلت من جوابه على أنّه ممكن، ولم يذكر سبب إمكانه ولا دليل حقيقته.

стр. 178

وأما أبو زيد البلخيّ- وهو سيّد أهل المشرق في أنواع الحكمة فذكر أنّه محال ولا أصل له، وأنّ حكمة الله تعالى لا توجب صحة هذا الأمر، وأنّ صحّته مفسدة عامّة، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة: ٢٠٥] . وأمّا مسكويه- وها هو بين يديك- فيزعم أن الأمر حقّ وصحيح، والطبيعة لا تمنع من إعطائه، ولكنّ الصناعة شاقّة، والطّريق إلى إصابة المقدار عسرة، وجمع الأسرار صعب وبعيد، ولكنه غير ممتنع، فقد مضى عمره في الإكباب على هذا بالريّ أيام كان بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع رجل يعرف بأبي الطّيّب، شاهدته ولم أحمد عقله، فإنه كان صاحب وسواس وكذب وسقط، وكان مخدوعا في أوّل أمره، خادعا في آخر عمره. وأبين ما سمعته في هذا الحديث أنّ الطبيعة فوق الصناعة، وأنّ الصناعة دون الطبيعة، وأن الصّناعة تتشبّه بالطبيعة ولا تكمل، والطّبيعة لا تتشبّه بالصناعة وتكمل، وأنّ الطبيعة قوّة إلهيّة سارية في الأشياء واصلة إليها، عاملة فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة، إما على التّمام، وإما على النقصان. وقيل: إنّ الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ما في المادّة أبعد الطرق، ولا تترك أقرب الطّرق، فلما كانت المعادن هي التي تعطي هذه الجواهر على قدر المقابلات العلويّة والأشكال السماويّة والموادّ السّفليّة والكائنات الأرضية، لم يجز أن تكون الصناعة مساوية لها، كما لم يجز أن تكون مستعلية عليها، لأن الصناعة بشريّة مستخرجة من الطبيعة التي هي إلهيّة، ولا سبيل لقوّة بشريّة أن تنال قوّة إلهيّة بالمساواة، فأما التشبيه والتقريب والتّلبيس، فيمكن أن يكون بالصّناعة شيء كأنّه ذهب أو فضّة، وليس هو في الحقيقة، لا ذهب ولا فضّة، وإذا كان ظهور القطن بالطّبيعة وظهور الثوب بالصّناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه، ولا لهذه أن تعرض لهذه، والأمور موزونة، والصناعات متناهية، فإن ادّعي في شيء من الصناعة ما يزيد عليها حتى تكون كأنها الطبيعة، احتيج إلى برهان واضح، وإلى عيان مصرّح، لأنّا نعلم أنّه ما من صناعة ولا علم ولا سياسة ولا نحلة ولا حال إلا وقد حمل عليها، وزيد فيها وكذب من أجلها بما إذا طلبت صحّته بالبرهان لم تجد، أو بالعيان لم تقدر. فأما أصحاب النّسك ومن عرف بالعبادة والصّلاح، فقد ادّعي لهم أن الصّفر يصيّر لهم ذهبا، وشيئا آخر يصيّر فضة، وأن الله يزلزل لهم الجبل وينزل لهم القطر، وينبت لهم الأرض، وغير ذلك مما هو كالآيات للأنبياء الذين يأتون من قبل الله بالكتب والوصايا والأحكام والمواعظ والنصائح، وربما يسمّي كثير من الناس ما يظهر للزّهّاد والعبّاد من هذا الضرب كرامات ولا يسمّيها معجزات، والحقائق لا تنقلب بالأسماء، فإن المسمّى بالكرامة هو المسمّى بالمعجزة والآية.

стр. 179

والخوض في هذا الطّرف قديم، وفضله في الحقّ شاقّ، والتنازع فيه قائم، والظّنّ يعمل عمله، واليقين غير مظفور به، ولا موصول إليه، والطبيعة قد أولعت الناس بادّعاء الغرائب، وبعثتهم على نصرتها بالرّفق والخرق، والتسهيل واللّجاج، والمواتاة والمحك، ولله في طيّ هذا العالم العلويّ أسرار وخفايا وغيوب ومكامن لا قوّة لأحد من البشر بالحسّ ولا بالعقل أن يحوم حولها، أو يبلغ عمقها، أو يدرك كنهها، ومن تصرّف عرف، ومن عرف سلم، والسلام. وحكى لنا أبو سليمان أنّ أرسطوطاليس كتب إلى رجل لم يشفّعه في رجل سأله الكلام له في حاجة: إن كنت أردت ولم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت ولم ترد فسوف يجيء وقت تريد ولا تقدر. وقال بعض الحكماء: لا ترفّهوا السّفلة فيعتادوا الكسل والراحة، ولا تجرّئوهم فيطلبوا السّرف والشّغب، ولا تأذنوا لأولادهم في تعلّم الأدب فيكونوا لرداءة أصولهم أذهن «١» وأغوص، وعلى التعلّم أصبر، ولا جرم فإنهم إذا سادوا في آخر الأمر خرّبوا بيوت العلية أهل الفضائل. وقال فيلسوف: للنفس خمس قوى: الحسّ والوهم والذّهن والاختبار والفكر. فأما الحسّ فلحاق الأشياء بلا فحص، ولا يحتاج في ذلك اللّحاق إلى شيء آخر، إلا أن يكون ممنوعا بمانع، وذلك إذا وجد شيئا أبيض حكم بأنه أبيض بلا فكر ولا قياس. وأما الوهم، فإنه يقع على الأشياء بتوسّط الحسّ. وأما الاختبار فيوافق الفكر، كقولك: النفس لا تموت، فهذا قول اختباريّ بعد الفكر، فإن كان هذا هكذا فالاختبار ليس بقياس، ولكنه أفق القياس. وأما الذّهن فإنه لا يهجم على أوائل الأشياء. وقال آخر شبيها بهذا الكلام، ولا بأس أن يكون مضموما إليه، ليكون شمل الفائدة أكثر نظاما وأقرب مراما. قال: ليس للحواسّ والحركات فعل دون أن تبعثها القوّة المميّزة، فلذلك لا يحسّ السّكران ولا النائم، وكذلك أيضا البهائم فإنها لا تصيح إلا بعد أن يعرض في فكرها شيء، ولا تتحرّك إلّا بانبعاث القوّة المميّزة. ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة: نفسيّة في الدماغ، وحيوانيّة في القلب، وطبيعيّة في الكبد.

стр. 180

وفي كل واحد منها قوّة مميّزة بها يتم عمله، فالتي في الدّماغ هي العقل المميّز الحارس للبدن، ومنه ينبعث الحسّ والحركة، والتي في القلب تنبعث منها الحرارة الغريزية في جميع البدن، وزعموا أن تلك الحرارة هي الرّوح، والّتي في الكبد هي موضع الهضم والنضج، وهي التي تنضج الطعام وتغيره وتحيله دما وتوزّع في كلّ عضو ما هو ملائم له، وبالجاذبة تجذب، وبالحابسة تحبس، وبالهاضمة تهضم، وبالدّافعة تدفع. فأما الدّماغ فينقسم ثلاثة أقسام يحجز بينها أغشية، أحدها في مقدّم الرأس موضع التخيّل، والثاني في وسط الرأس موضع العقل والفكر والتمييز، والثالث في مؤخّر الرأس موضع الحفظ والذّكر والقبول، فكلّ واحد مما ذكرنا يخدم الآخر، وإن ضعف أحدها ضعف لضعفه الآخر، وباعتدالهنّ وسلامتهنّ قوام البدن والنّفس. ولكلّ واحد منها آلة بها يستعين على خدمة الآخر. قال: فكما أن الرّحى إذا نقصت شيئا منها أو زدت أفسد الطحن، إمّا بزيادة أو نقصان، كذلك سائر خدمه وآلاته. وقال: الدّماغ مسكن العقل، وخدمه الحسّ والحركة، والقلب مسكن الحرارة الغريزية، وخدمه العروق الضّوارب، والكبد مسكن النّضج والهضم، وخدمها العروق غير الضّوارب. وقال: النار تحرق، فإذا كانت موجودة فالدّخان والرّماد موجودان، والدّخان رماد لطيف، والرّماد دخان كثيف. وقال أبو سليمان: ذكر بعض البحّاثين عن الإنسان أنّه جامع لكلّ ما تفرّق في جميع الحيوان، ثم زاد عليها وفضّل بثلاث خصال: بالعقل والنظر في الأمور النافعة والضّارّة، وبالمنطق لإبراز ما استفاد من العقل بوساطة النظر، وبالأيدي لإقامة الصّناعات وإبراز الصّور فيها مماثلة لما في الطبيعة بقوّة النفس. ولمّا انتظم له هذا كلّه جمع الحيل والطّلب والهرب والمكايد والحذر، وهذا بدل السّرعة والخفّة التي في الحيوان، واتخذ بيده السلاح مكان الناب والمخلب والقرن، واتّخذ الجنن لتكون وقاية من الآفات، والعقل ينبوع العلم، والطبيعة ينبوع الصّناعات، والفكر بينهما قابل منهما، مؤدّ من بعض إلى بعض، فصواب بديهة الفكر من صحّة العقل، وصواب روّية الفكر من صحّة الطباع. وقال أبو العباس: الناس في العلم على ثلاث درجات، فواحد يلهم فيعلّم فيصير مبدأ، والآخر يتعلّم ولا يلهم فهو يؤدّي ما قد حفظ، والآخر يجمع له بين أن يلهم وأن يتعلم. فيكون بقليل ما يتعلّم مكثرا بقوّة ما يلهم.

стр. 181

وقال: الإنسان بين طبيعته- وهي عليه- ونفسه- وهي له- منقسم، فإن اقتبس من العقل قوّى نوره ما هو له من النّفس، وأضعف ما هو عليه من الطبيعة، فإن لم يكن يقتبس بقي حيران أو متهوّرا. وقال سقراط: الكلام اللطيف، ينبو عن الفهم الكثيف. وحكى لنا أبو سليمان قال: قيل لفيلسوف: ما بال المريض إذا داواه الطبيب ودخل عليه فرح به وقبل منه وكافأه على ذلك، والجاهل لا يفعل ذلك بالعالم إذا علّمه وبيّن له؟ فقال: لأنّ المريض عالم بما عند الطبيب، وليس الجاهل كذلك، لأنّه لا يعلم ما عند العالم. وقال ديوجانس لصاحبه: أما تعلم أنّ الحمام إذا كان سمائيّا كان أغلى ثمنا، وإذا كان أرضيّا كان أقلّ ثمنا. قال- أبقاه الله:- هذا مثل في غاية الحسن والوضوح. وقال ديوجانس: المأكول للبدن، والموهوب للمعاد، والمحفوظ للعدوّ. وقال فيلسوف: التهاون باليسير أساس للوقوع في الكثير. وقال أفلاطون: مثل الحكيم كمثل النملة تجمع في الصيف للشتاء، وهو يجمع في الدنيا للآخرة. وقال فيلسوف: من يصف الحكمة بلسانه ولم يتحلّ بها في سرّه وجهره فهو في المثل كرجل رزق ثوبا فأخذ بطرفه فلم يلبسه. وقال السيد المسيح: إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السّوس، ولا تدركه اللّصوص، فافعل. قال فيلسوف: إذا نازعك إنسان فلا تجبه، فإنّ الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها، وإن تركت إجابتها بترتها وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها، فكم من ولد ينمو بينهما في بطن واحد. وقال فيلسوف: إنّ البعوصة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت. وقال ديوجانس: إن تكن ملحا يصلح، فلا تكن ذبابا يفسد. وقيل لديوجانس: من أين تأكل؟ فقال: من حيث يأكل عبد له ربّ. وقال ديوجانس: كن كالعروس تريد البيت خاليا. قيل لأرسطوطاليس: إنّ فلانا عاقل. قال: إذا لا يفرح بالدنيا. وقيل لفيثاغورس: ما أملك فلانا لنفسه! قال: إذا لا تصرعه شهوته، ولا تخدعه لذّته.

стр. 182

وقيل لأسقلبيوس: فلان له همّة. قال: إذا لا يرضى لنفسه بدون القدر. ومدح رجل ثيودوروس على زهده في المال قال: وما حاجتي إلى شيء البخت يأتي به، واللؤم يحفظه، والنفقة تبدّده، إن قلّ غلبك الهمّ بتكثيره، وإن كثر تقّسّمك في حفظه، يحسدك من فاته ما عندك. ويخدعك عنه من يطمع فيه منك. وقال سقراط: ما أحبّ أن تكون النفس عالمة بكل ما أعدّ لها، قيل: ولم؟ قال: لأنها لو علمت طارت فرحا ولم ينتفع بها. وقال ديوجانس: القلب ذو لطافة، والجسم ذو كثافة، والكثيف يحفظ اللطيف كضوء المصباح في القنديل. وقال أفلاطون: العلم مصباح النفس، ينفي عنها ظلمة الجهل، فما أمكنك أن تضيف إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل. قال أبو سليمان: ما أحسن المصباح إذا كان زجاجه نقيّا، وضوءه ذكيّا، وزيته قويّا، وذباله سويّا. قيل لسقراط: ما أحسن بالمرء أن يتعلّمه في صغره؟ قال: ما لا يسعه أن يجهله في كبره. قال أبو سليمان: ومن ههنا أخذ من قال: يحسن بالمرء التعلّم ما حسنت به الحياة. قيل لهوميروس: ما أصبرك على عيب الناس لك! قال: لأنّا استوينا في العيب، فأنا عندهم مثلهم عندي. وقيل للإسكندر: أيّ شيء أنت به أسرّ؟ قال: قوّتي على مكافأة من أحسن إليّ بأحسن من إحسانه. وقال ديوجانس: إنّ إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزلة من وضع المائدة على مقبرة. ورأى ديوجانس رجلا يأكل ويتذرّع ويكثر، فقال له: يا هذا، ليست زيادة القوّة بكثرة الأكل، وربما ورد على بدنك من ذلك الضرر العظيم، ولكنّ الزيادة في القوّة بجودة ما يقبل بدنك منه على الملاءمة. وقال ديوجانس: الذهب والفضّة في الدار بمنزلة الشّمس والقمر في العالم.

стр. 183

قال أبو سليمان: هذا مليح، ولكن ينبغي أن تبقى الشمس والقمر فإنهما يكسفان فيكونان سببا لفساد كثير، ويذوبان «١» ويحميان فيكونان ضارّين. وقال أفلاطون: موت الرؤساء أصلح من رآسة السّفلة. وقال: إذا بخل الملك بالمال كثر الإرجاف به. وقال سولون: العلم صغير في الكمّيّة، كبير في الكيفيّة. وقال أبو سليمان: يعني أن القليل منه إذا استعملته على وجه كان له إتاء ونفع فائض ودرّ سائح، وغاية محمودة، وأثر باق. وهذه كلّها كيفيّات من تلك الكمّيّة. وقال أفلاطون: لا يسوس النفوس الكثيرة على الحقّ والواجب من لا يمكنه أن يسوس نفسه الواحدة. وقال سقراط: النّفس الفاضلة لا تطغى بالفرح، ولا تجزع من الترح، لأنها تنظر في كلّ شيء كما هو، لا تسلبه ما هو له ولا تضيف إليه ما ليس منه، والفرح بالشيء إنما يكون بالنّظر في محاسن الشيء دون مساوئه، والتّرح إنما يكون بالنظر في مساوئ الشيء دون محاسنه، فإذا خلص النظر من شوب الغلط فيما ينظر فيه انتفى الطّغيان والجزع، وحصل النظام وربع «٢» . قال ديوجانس: ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة، فإن كان وجهه حسنا استقبح أن يضيف إليه فعلا قبيحا، وإن كان وجهه قبيحا امتعض أن يضيف قبيحا إلى قبيح حتّى يتضاعف القبح. وقال إبقراط: منزلة لطافة القلب في الأبدان بمنزلة لطافة الناظر في الأجفان. وقال: للقلب آفتان، وهما: الغمّ والهمّ، فالغمّ يعرض منه النّوم، والهمّ يعرض منه السّهر، وذلك أنّ الهمّ فكر في الخوف مما سيكون، فمنه يغلب السّهر، والغمّ لا فكر فيه، لأنّه إنما يحدث لما قد مضى وكان. وقال أفلاطون: من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته، كما لا يجزع الغوّاص من ملوحة البحر. قال أبو سليمان: هذا كلام ضرّه أكثر من نفعه، وإنّما نفّقه صاحبه بالمثال، والمثال يستجيب للحقّ كما يستجيب للباطل، والمعوّل على ما ثبت بالدّليل، لا على ما يدّعى بالتّمثيل، وقد يجب أن يجتنب جانب السّلطان بغاية الاستطاعة والإمكان، إلا إذا كان الدهر سليما من الآفات الغالبة. فقال له الأندلسيّ: وما صورة الزمان

стр. 184

الخالي من الآفات؟ فقال: أن يكون الدين طريّا، والدولة مقبلة، والخصب عامّا، والعلم مطلوبا، والحكمة مرغوبا فيها، والأخلاق طاهرة، والدعوة شاملة، والقلوب سليمة، والمعاملات متكافئة، والسياسة مغروسة، والبصائر متقاربة. فقال: هذا لو صحّ لارتفع الكون والفساد اللذان هما سوس هذا المكان، فقال: غلطت يا أبا عبد الله، فإن الكون والفساد يكونان على حاليهما، ولكنّهما يقعان على معلومين للصورة الثابتة، والسياسة العامّة الغالبة، كأنك لا تحس بالفرق بين زمان خصب الأرض وجدبها، وكما أنّ للأرض خصبا وجدبا، كذلك للأحوال والأديان وللدّول صلاح وفساد، وإقبال وإدبار، وزيادة ونقصان، ولو كان ما خلته لازما، لكنّا لا نتمنّى ملكا عادلا، ولا سائسا فاضلا، ولا ناظرا ناظما، ولا مدبّرا عالما، وكان هذا لا يعرف ولا يعهد، ويكون في عرض المحال كونه ووجدانه، وليس الأمر هكذا فقد عهدنا مثل أبي جعفر بسجستان، وكان والله بصيرا خبيرا، عالما حكيما، يقظا حذرا، يخلق ويفري، ويريش ويبري، ويكسو ويعري، ويمرض ويبري، وهكذا مثل أبي جعفر بالأمس ملك العراق في حزامته وصرامته وقيامه في جميع أموره، بنظره وتدبيره، وكذلك قد عهد الناس قبلنا مثل هذا، فلم يقع التعجّب من شيء عليه مدار الليل والنهار. وقال ديوجانس لصاحب له: اطلب في حياتك هذه، العلم والمال، تملك بهما الناس، لأنك بين الخاصّة والعامّة، فالخاصّة تعظّمك لفضلك، والعامّة تعظّمك لمالك «١» . وقال أفلاطون: إنّ الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع الرّزق، قال أبو سليمان: لأنّ العلم والمال كضرّتين قلّما يجتمعان ويصطلحان، ولأنّ حظّ الإنسان من المال إنما هو من قبيل النّفس الشّهويّة والسّبعيّة، وحظّه من العلم إنما هو من قبيل النّفس العاقلة، وهذان الحظّان كالمتعاندين والضّدّين. قال: فيجب على الحصيف والمميّز أن يعلم بأن العالم أشرف في سنخه وعنصره، وأوّله وآخره، وسفره وحضره، وشهادته ومغيبه من ذي المال، فإذا وهب له العلم فلا يأس على المال الذي يجزئ منه اليسير، ولا يلهب نفسه على فوته حسرة وأسفا، فالعلم مدبّر، والمال مدبّر، والعلم نفسيّ، والمال جسديّ، والعلم أكثر خصوصيّة بالإنسان من المال، وآفات صاحب المال كثيرة وسريعة، لأنّك لا ترى عالما سرق علمه وترك فقيرا منه، وقد رأيت جماعة سرقت أموالهم ونهبت وأخذت، وبقي أصحابها محتاجين لا حيلة لهم، والعلم يزكو على الإنفاق، ويصحب صاحبه على الإملاق، ويهدي إلى القناعة، ويسبل السّتر على الفاقة، وما هكذا المال.

стр. 185

الليلة الثامنة عشرة وقال مرّة: تعال حتّى نجعل ليلتنا هذه مجونيّة، ونأخذ من الهزل بنصيب وافر، فإنّ الجدّ قد كدّنا، ونال من قوانا، وملأنا قبضا وكربا هات ما عندك. قلت: قال حسنون المجنون بالكوفة يوما- وقد اجتمع إليه المجّان يصف كلّ واحد منهم لذّات الدّنيا- فقال: أمّا أنا فأصف ما جرّبته، فقالوا: هات، فقال: الأمن والعافية، وصفع الصّلع الزّرق، وحكّ الجرب، وأكل الرّمان في الصيف، والطّلاء في كلّ شهرين، وإتيان النّساء الرّعن والصبيان الزّعر «١» ، والمشي بلا سراويل بين يدي من لا تحتشمه، والعربدة على الثقيل، وقلّة خلاف من تحبّه والتّمرّس بالحمقى ومؤاخاة ذوي الوفاء، وترك معاشرة السّفلة وقال الشاعر: أصبحت من سفل الأنام ... إذ بعت عرضي بالطّعام أصبحت صفعانا لئى ... م النّفس من قوم لئام في است امّ ربّات الخيام ... ومن يحنّ إلى الخيام نفسي تحنّ إلى الهلا ... م الموت من دون الهلام من لحم جدي راضع ... رخص المفاصل والعظام هذا لأولاد الخطا ... يا والبغايا والحرام حيّ القدور الرّاسيا ... ت وإن صممن عن الكلام وقصاعهنّ إذا أتى ... نك طافحات بالسنام لهفي على سكباجة ... تشفي القلوب من السّقام يا عاذلي أسرفت في ... عذل الخليع المستهام رجل يعضّ إذا نصح ... ت له على فأس اللّجام دع عذل من يعصي العذو ... ل ولا يصيخ إلى الملام خلع العذار وراح في ... ثوب المعاصي والأثام شيخ يصلّي قاعدا ... وينيك عشرا من قيام

стр. 186

ويعاف نيك الغانيا ... ت ويشتهي نيك الغلام وتراه يرعد حين يذ ... كر عنده شهر الصّيام خوفا من الشّهر المعذّ ... ب نفسه في كلّ عام سلس القياد إلى التّصا ... بي والملاهي والحرام من للمروءة والفت ... وّة بعد موتي والنّدام من للسّماح وللرّما ... ح لدى الهزاهز والحسام من للّواط وللحلا ... ق وللملمّات العظام كان محمّد بن الحسن الجرجانيّ متقعّرا في كلامه، فدخل الحمّام يوما، فقال للقيّم: أين الجليدة التي تسلخ بها الضّويطة من الإخفيق «١» ؟ قال: فصفع القيّم قفاه بجلدة النّورة وخرج هاربا، فلما خرج من الحمّام وجّه إلى صاحب الشّرطة، فأخذ القيّم وحبسه، فلما كان عشاء ذلك اليوم كتب إليه القيّم رقعة يقول فيها: قد أبرمني المحبوسون بالمسألة عن السّبب الذي حبست له، فإمّا خلّيتني وإما عرّفتهم. فوجّه من أطلقه، واتصل الخبر بالفتح، فحدّث المتوكّل، فقال: ينبغي أن يغنى هذا القيّم عن الخدمة في الحمّام. وأمر له بمائتي دينار. قال: وكان بالبصرة مخنّث يجمع ويعشق بعض المهالبة، فلم يزل المخنّث به حتى أوقعه، قال: فلقيته من غد فقلت له: كيف وقعة الجفرة «٢» عندكم البارحة؟ فقال: لمّا تدانت الأشخاص، ورقّ الكلام، والتفّت الساق بالساق، ولطّخ باطنها بالبزاق، وقرع البيض بالذّكور، وجعلت الرّماح تمور «٣» ، صبر الكريم فلم يجزع، وسلّم طائعا فلم يخدع، ثم انصرف القوم على سلم، بأفضل غنم، وشفيت الصدور، وسكنت حرارة النفوس، ومات كلّ وجد، وأصيب مقتل كلّ هجر، واتّصل الحبل، وانعقد الوصل. قال: فلو كان أعدّ هذا الكلام لمسألتي قبل ذلك بدهر لكان قد أجاد. وقال أبو فرعون الشاشيّ: أنا أبو فرعون فاعرف كنيتي ... حلّ أبو عمرة وسط حجرتي وحلّ نسج العنكبوت برمتي ... أعشب تنّوري وقلّت حنطتي

стр. 187

وحالف القمل زمانا لحيتي ... وضعفت من الهزال ضرطتي وصار تبّاني «١» كفاف خصيتي ... أير حمار في حرامّ عيشتي أبو عمرة: صاحب شرطة المختار بن عبيد، كان لا ينزل بقوم إلا اجتاحهم، فصار مثلا لكلّ شؤم وشرّ. ويقال أيضا: إنّ أبا عمرة اسم الجوع، هكذا حدّثني به أبو الحسن البصريّ. وأنشد بشر بن هارون في أبي طاهر: أبا عبد الإله وأنت حرّ ... من الأحرار منزوع القلاده سألتك بالإله لتخبرنّي ... أجهلك مستفاد أم ولاده فإن يك فيك مولودا فعذر ... وإن يك حادثا لك باستفاده فواعجبا يزيد الناس فضلا ... وأنت تزيد نقصا بالزّياده! حكى الصّولي: حدّثنا ميمون بن مهران قال: كان معنا مخنّث يلقّب مشمشة- وكان أمّيّا- فكتب بحضرته رجل إلى صديق له كتابا، فقال المخنّث: اكتب إليه: مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد فعلت- وما كان فعل- فقال: أرني، فقال: هذا اسمك، فقال: هيهات، اسمي في الكتاب شبه داخل الأذن، فعجبنا من جودة تشبيهه. قال نضلة: مررت بكنّاسين أحدهما في البئر والآخر على رأس البئر، وإذا ضجّة، فقال الذي في البئر: ما الخبر؟ فقال: قبض على عليّ بن عيسى؟ فقال: من أقعدوا بدله؟ قال: ابن الفرات، قال: قاتلهم الله، أخذوا المصحف ووضعوا بدله الطّنبور. كتب أبو العيناء ابن مكرّم: قد أصبت لك غلاما من بني ناعظ، ثم من بني ناشرة، ثم من بني نهد. فكتب إليه: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. وقدم رجل مع امرأة إلى القاضي ومعها طفل، فقالت: هذا ابنه، فقال الرجل: أعزّ الله القاضي ما أعرفه، فقال القاضي: اتّق الله فإن النبيّ ﷺ يقول: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «٢» ، فهذا وأمّه على فراشك، قال الرجل: ما تنايكنا إلّا في

стр. 188

الاست، فمن أين لي ولد؟ فقالت المرأة: أعزّ الله القاضي، قل له: ما رأيت؟ يعرّفه «١» ، فكفّ الرّجل، وأخذ بيد ولده وانصرف. قال: وسمعت آخر يقول لشاطر «٢» : أسكت، فإنّ نهرا جرى فيه الماء لا بدّ أن يعود إليه. فقال له الآخر: حتى يعود إليه الماء تكون قد ماتت ضفادعه. ومن كلام الشّطّار: أنا البغل الحرون، والجمل الهائج، أنا الفيل المغتلم لو كلّمني عدوّي لعقدت شعر أنفه إلى شعر استه حتى يشمّ فساءه، كأنّه القنفذة. وقال بعض القصّاص: في النّبيذ شيء من الجنّة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] والنبيذ يذهب الحزن. قال وسمعت ماجنة تقول: ضرّ وسرّ، وقد وارقد، واطّرح واقترح. قال ابن أبي طاهر: دعا مرّة قوما وأمر جاريته أن تبخّرهم، فأدخلت يدها في ثوب بعضهم فوجدت أيره قائما، فجعلت تمرسه وتلعب به وأطالت، فقال مولاها: أيش آخر هذا العود؟ أما احترق؟ قالت: يا مولاي، هو عقدة. قال مزبّد: كان الرجل فيما مضى إذا عشق الجارية راسلها سنة، ثم رضي أن يمضغ العلك الّذي تمضغه، ثم إذا تلاقيا تحدّثا وتناشدا الأشعار، فصار الرجل اليوم إذا عشق الجارية لم يكن له همّ إلا أن يرفع رجلها كأنّه أشهد على نكاحها أبا هريرة. قال ابن سيرين: كانوا يعشقون من غير ريبة، فكان لا يستنكر من الرّجل أن يجيء فيحدّث أهل البيت ثم يذهب. قال هشام: ولكنّهم لا يرضون اليوم إلّا بالمواقعة. قل الأصمعيّ: قلت لأعرابيّ: هل تعرفون العشق بالبادية؟ قال: نعم، أيكون أحد لا يعرفه. قلت: فما هو عندكم؟ قال: القبلة والضّمّة والشّمّة، قلت: ليس هو هكذا عندنا. قال: وكيف هو؟ قلت: أن يتفخّذ الرّجل المرأة فيباضعها. فقال: قد خرج إلى طلب الولد.

стр. 189

قال بشر بن هارون: إن أبا موسى له لحية ... تدخل في الجحر بلا إذن وصورة في العين مثل القذى ... ونغمة كالوقر في الأذن كم صفعة صاحت إلى صافع ... بالنّعل من أخدعه: خذني وقال لنا أبو يوسف: قال جحظة: حضرت مجلسا فيه جماعة من وجوه الكتّاب، وعندنا قينة محسنة حاضرة النادرة، فقال لها بعضهم: بحياتي عليك غنّي لي: لست منّي ولست منك فدعني ... وامض عنّي مصاحبا بسلام فقالت: أهكذا كان أبوك يغنّيك؟ فأخجلته. اشترى مدينيّ رطبا، فأخرج صاحب الرّطب كيلجة صغيرة ليكيل بها، فقال المدينيّ: والله لو كلت بها حسنات ما قبلتها. سئل أبو عمارة قاضي الكوفة: أيّ بنيك أثقل؟ قال: ما فيهم بعد الكبير أثقل من الصّغير إلّا الأوسط. اجتمع جماعة عند جامع الصّيدنانيّ، فقال أحدهم: ليس للمخمور أنفع من سلحه، فقال جامع: أخذتها والله من فمي. قال رجل لرؤبة: أتهمز الخرأ؟ قال: بإصبعك يابن الخبيثة. وقف أعرابيّ على قوم يسائلهم، فقال لأحدهم: ما اسمك؟ قال: مانع، وقال للآخر: ما اسمك؟ قال: محرز، وقال للآخر: ما اسمك؟ قال: حافظ، قال: قبّحكم الله، ما أظن الأقفال إلا من أسمائكم. من كلام العامّة: «منارة الإسكندريّة عندك خشخاشة فارغة ... » . قال جحظة: قرأت على فصّ ماجنة: ليلة عرسي، ثقبوا بالأيركسّي. وعلى فصّ ماجنة أخرى: السّحق أخفى والنّيك أشفى. وقال جحا لأبي مسلم صاحب الدعوة: إني نذرت إن رأيتك آن آخذ منك ألف درهم. فقال: رأيت أصحاب النذور يعطون لا يأخذون، وأمر له بها. قال السّريّ: رأيت المخنّث الّذي يعرف بالغريب، وإنسان من العامة قد آذاه وطال ذلك، فالتفت إليه وقال له: يا مشقوق، نعلك زائفة، وقميصك مقرون الحاجبين، وإزارك صدف أزرق، وأنت تتلاهى بأولاد الملوك والأمراء. قال السّريّ: فخجل العامّيّ ومرّ، فقلت له: فسّر لي هذا الغريب. فقال: امض إلى ثعلب. فقلت: ليس هذا من عمله، فسّره لي. قال: النعل الزائفة التي تجرف التراب جرفا، والقميص المقرون، هو الخلق الذي في كتفيه رقعتان أجود منه، فهما تفصحان بيانا، والإزار

стр. 190

صدف أزرق، أي مخرّق مفتّت. فقلت: فقولك: يا مشقوق؟ قال: قطيع الظّهر. قيل للشّعبيّ: أيجوز أن يصلّى في البيعة؟ قال: نعم. ويجوز أن يخرأ فيها. وقال سعيد بن جبير: القبلة رسول الجماع. وقال الرشيد للجمّاز: كيف مائدة محمد بن يحيى، يعني البرمكيّ. قال: شبر في شبر، وصحفته من قشر الخشخاش، وبين الرّغيف والرغيف مضرب كرة، وبين اللّون واللّون فترة نبيّ. قال: فمن يحضرها؟ قال: الكرام الكاتبون، فضحك وقال: لحاك الله من رجل. قال نضلة: دخلت ساقية في الكرخ فتوضّأت، فلما خرجت تعلّق السّقاء بي وقال: هات قطعة، فضرطت ضرطة وقلت: خلّ الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلّاني. وعد رجل بعض إخوانه أن يهدي إليه بغلا، فطال مطله، فأخذ قارورة وبال فيها وجاء إلى الطّبيب وقال: انظر إلى هذا الماء، هل يهدي إليّ بعض إخواني بغلا. حدّثنا ابن الخلّال البصريّ قال: سمعت ابن اليعقوبيّ يقول: رأيت على باب المربد خالدا الكاتب وهو ينادي: يا معشر الظّرفاء، والمتخلّقين بالوفاء، أليس من العجب العجيب، والنادر الغريب، أنّ شعري يزنى به ويلاط منذ أربعين سنة وأنا أطلب درهما فلا أعطى، ثم أنشأ يقول: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأنّي ذبالة نصبت ... تضيء للنّاس وهي تحترق وسمعت الماجن المعروف بالغراب يقول: ويلك أيش في ذا؟ لا تختلط الحنطة بالشّعير، أو يصنع الباذنجان قرعا، أو يتحوّل الفجل إلى الباقلاء، ويصير الخرنوب إلى الأرندج. وسمعت دجاجة المخنّث يقول لآخر: إنما أنت بيت بلا باب، وقدم بلا ساق، وأعمى بلا عصا، ونار بلا حطب، ونهر بلا معبر، وحائط بلا سقف. وشتم آخر فقال: يا رأس الأفعى، ويا عصا المكاري، ويا برنس الجاثليق، يا كودن القصّار، يا بيرم النجّار، يا ناقوس النصارى، يا ذرور العين، يا تخت الثياب، يا طعن الرّمح في التّرس، يا مغرفة القدور، ومكنسة الدّور، لا تبالي أين وضعت؟ ولا أيّ جحر دخلت؟ ولا في أيّ خان نزلت، ولا في أيّ حمّام عملت، إن لم تكن في الكوّة مترسا فتح اللصوص الباب، يا رحى على رحى، ووعاء في وعاء، وغطاء على غطاء، وداء بلا دواء، وعمّى على عمى، ويا جهد البلاء، ويا سطحا بلا ميزاب،

стр. 191

ويا عودا بلا مضراب، ويا فما بلا ناب، ويا سكّينا بلا نصاب، ويا رعدا بلا سحاب، ويا كوّة بلا باب، ويا قميصا بلا مئزر، ويا جسرا بلا نهر، ويا قرّا على قرّ، ويا شطّ الصّراة، ويا قصرا بلا مسناة ويا ورق الكماه، يا مطبخا بلا أفواه، يا ذنب الفار، يا قدرا بلا أبزار، يا رأس الطّومار، يا رسولا بلا أخبار، يا خيط البواري، يا رحى في صحاري، يا طاقات بلا سواري. دخل أبو نواس على عنان جارية النّاطفيّ فقال لها: لو رأى في البيت جحرا ... لنزا حتى يموتا أو رأى في البيت ثقبا ... لتحوّل عنكبوتا فأجابته: زوّجوا هذا بألف ... وأظنّ الألف قوتا قبل أن ينقلب الدّا ... ء فلا يأتي ويوتى فقال- أدام الله دولته، وبسط لديه نعمته:- قدّم هذا الفنّ على غيره، وما ظننت أنّ هذا يطّرد في مجلس واحد، وربما عيب هذا النّمط كلّ العيب، وذلك ظلم، لأن النفس تحتاج إلى بشر. وقد بلغني أنّ ابن عبّاس كان يقول في مجلسه بعد الخوض في الكتاب والسّنّة والفقه والمسائل: احمصوا، وما أراه أراد بذلك إلا لتعديل النفس لئلّا يلحقها كلال الجدّ، ولتقتبس نشاطا في المستأنف، ولتستعدّ لقبول ما يرد عليها فتسمع، والسلام.

стр. 192

الليلة التاسعة عشرة ورسم بجمع كلمات بوارع، قصار جوامع، فكتبت إليه أشياء كنت أسمعها من أفواه أهل العلم والأدب على مرّ الأيام في السّفر والحضر، وفيها قرع للحسّ، وتنبيه للعقل، وإمتاع للرّوح، ومعونة على استفادة اليقظة، وانتفاع في المقامات المختلفة، وتمثّل للتجارب المخلّفة، وامتثال للأحوال المستأنفة. من ذلك: «الحمد لله» مفتاح المذهب. البرّ يستعبد الحرّ. القناعة عزّ المعسر. الصّدقة كنز الموسر. ما انقضت ساعة من أمسك إلّا ببضعة من نفسك. درهم ينفع خير من دينار يضرّ. من سرّه الفساد، ساءه المعاد. الشقيّ من جمع لغيره فضنّ على نفسه بخيره. زد من طول أملك في قصر عملك. لا يغرّنّك صحّة نفسك، وسلامة أمسك، فمدّة العمر قليلة، وصحة النّفس مستحيلة. من لم يعتبر بالأيّام، لم ينزجر بالملام. من استغنى بالله عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من ذكر المنيّة، نسي الأمنيّة. البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته. لكلّ امرئ من دنياه ما يعينه على عمارة أخراه. من ارتدى بالكفاف، اكتسى بالعفاف. لا تخدعنّك الدّنيا بخدائعها، ولا تفتننّك بودائعها. ربّ حجّة، تأتي على مهجة، وربّ فرصة، تؤدّي إلى غصّة. كم من دم، سفكه فم. كم إنسان، أهلكه لسان. ربّ حرف، أدّى إلى حتف. لا تفرط، فتسقط. الزم الصّمت، واخف الصّوت. من حسنت مساعيه، طابت مراعيه. من أعزّ فلسه، أذلّ نفسه. من طال عدوانه، زال سلطانه. من لم يستظهر باليقظة، لم ينتفع بالحفظة. من استهدى الأعمى عمي عن الهدى. من اغترّ بمحاله، قصّر في احتياله. زوال الدّول، باصطناع السّفل. من ترك ما يعنيه، دفع إلى ما لا يعنيه. ظلم العمّال، من ظلمة الأعمال. من استشار الجاهل ضلّ، ومن جهل موضع قدمه زلّ. لا يغرّنّك طول القامة، مع قصر الاستقامة، فإنّ الذّرّة مع صغرها، أنفع من الصّخرة على كبرها. تجرّع من عدوّك الغصّة، إن لم تنل منه الفرصة، فإذا وجدتها فانتهزها قبل أن يفوتك الدّرك، أو يصيبك الفلك، فإنّ الدّنيا دول تبنيها الأقدار، ويهدمها الليل والنّهار. من زرع الإحن، حصد المحن. من بعد مطمعه، قرب مصرعه. الثّعلب في إقبال جدّه، يغلب الأسد في استقبال شدّه. ربّ عطب، تحت طلب. اللّسان، رقّ

стр. 193

الإنسان. من ثمرة الإحسان، كثرة الإخوان. من سأل ما لا يجب، أجيب بما لا يحبّ، وأنشدت: وليس لنا عيب سوى أنّ جودنا ... أضرّ بنا والبأس من كل جانب فأفنى النّدى أموالنا غير ظالم ... وأفنى الرّدى أعمارنا غير عائب أبونا أب كان للنّاس كلّهم ... أب مثله أغناهم بالمناقب قال حميد بن الصّيمريّ لابنه: اصحب السّلطان بشدّة التّوقّي كما تصحب السّبع الضّاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة، واصحب الصّديق بلين الجانب والتواضع، واصحب العدوّ بالإعذار إليه والحجّة فيما بينك وبينه، واصحب العامّة بالبرّ والبشر واللطف باللّسان. وقّع عبد الحميد الكاتب على ظهر كتاب: يا هذا، لو جعلت ما تحمله القراطيس من الكلام مالا حويت جمالا وحزت كمالا. ووقّع السّفّاح مرّة: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وحاشيتنا خارجون منها، فعجّل أرزاقهم، وزد فيها على قدر كلّ رجل منهم إن شاء الله. قال الحسن بن عليّ: عنوان الشرف، حسن الخلف. وقال جعفر بن محمد- ﵉: إن لم تجف، فقلّما تصفو. وقال أعرابي: النخلة جذعها نماء، وليفها رشاء، وكربها «١» صلاء، وسعفها ضياء، وحملها غذاء. وقال الأصمعي: سمعت كسّاحا يقول لغلام له: ألم أضع إزارك، ألم أصنع عود مجرفتك؟ ألم أجعلك كسّاحا على حمارين؟ وجد كتاب باليمن فيه: أنا فلانة بنت فلان التّبّعيّ، كنت آكل البقل الرّطب من الهند وأنا باليمن، ثم جعنا حتى اشترينا مكّوك برّ بمكّوك درّ، من يوسف بن يعقوب بمصر، فمن رآنا فلا يغترّ بالدّنيا. وقال عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- لرجل من بني تغلب يوم صفّين: أآثرتم معاوية؟ فقال: ما آثرناه، ولكنّا آثرنا القسب «٢» الأصفر، والبرّ الأحمر، والزّيت الأخضر. قيل للحسن بن عليّ- ﵁ لمّا صالح معاوية: يا عار المؤمنين. فقال: العار خير من النار.

стр. 194

نظر الحجّاج يوما على المائدة إلى رجل وجأ عنق رجل آخر، فدعا بهما، فقال للواجئ: علام صنعت؟ فقال: غصّ بعظم فخفت أن يقتله، فوجأت عنقه فألقاه، فسأل الآخر فقال: صدق، فدعا بالطبّاخ فقال له: أتدع العظام في طعامك حتى يغصّ بها؟ فقال: إنّ الطعام كثير، وربما وقع العظم في المرق فلا يزال. قال: تصب المرق على المناخل. فكان يفعل. قال سلمة بن المحبّق: شهدت فتح الأبلّة، فوقع في سهمي قدر نحاس، فنظرت فإذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتبت في ذلك إلى عمر، فأجاب بأن يحلّف سلمة بأنه أخذها يوم أخذها وهي عنده، فإن حلف سلّمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين، قال: فحلفت فسلّمت إليّ، فأصول أموالنا اليوم منها. قال بعض الحكماء: لا يصبر على المروءة إلّا ذو طبيعة كريمة. .... «١» . أصاب عبد الرحمن بن مدين- وكان رجل صدق بخراسان- مالا عظيما فجهّز سبعين مملوكا بدوابّهم وأسلحتهم إلى هشام بن عبد الملك، ثم أصبحوا معه يوم الرّحيل، فلما استوى بهم الطريق نظر إليهم فقال: ما ينبغي لرجل أن يتقرّب بهؤلاء إلى غير الله. ثم قال: اذهبوا أنتم أحرار، وما معكم لكم. وقال أعرابيّ: من قبل صلتك فقد باعك مروءته، وأذلّ لقدرك عزّه. كتب زياد بن عبد الله الحارثيّ إلى المهديّ: أنا ناديت عفوك من قريب ... كما ناديت سخطك من بعيد وإن عاقبتني فلسوء فعلي ... وما ظلمت عقوبة مستقيد وإن تصفح فإحسان جديد ... عطفت به على شكر جديد وقال رجل لمحمد بن نحرير: أوصني، فقال: اسمع ولا تتكلّم، واعرف ولا تعرّف، واجلس إلى غيرك ولا تجلسه إليك. وقال رجل لابن أسيد القاضي: إنّ أمّي تريد أن توصي فتحضر وتكتب، فقال: وهل بلغت مبلغ النّساء؟ ودخل صاحب المظالم بالبصرة على رجل مبرسم وعنده طبيب يداويه، فأقبل على الطبيب وأهل المريض، وقال: ليس دواء المبرسم إلا الموت حتى تقلّ حرارة صدره، ثم حينئذ يعالج بالأدوية الباردة حتى يستبلّ.

стр. 195

واجتاز به بائع درّاج فقال: بكم تبيع الدّرّاجة؟ فقال: بدرهم، فقال له: أحسن. قال: كذا بعت. قال: نأخذ منك اثنتين بثلاثة. قال: هما لك. قال: يا غلام خذ منه، فإنه يسهّل البيع. ودخل حجّاج بن هارون على نجاح الكاتب، فذهب ليقبّل رأسه، فقال له: لا تفعل، فإن رأسي مملوء بالدّهن، فقال: والله لو أنّ عليه ألف رطل خراء لقبّلته. قدّم لابن الحسحاس سكباجة فقال لصديق له: كل فإنها أمّ القرى. وعزّى ابن الحسحاس صديقا له ماتت ابنته، فقال: من أنت حتى لا تموت ابنتك البظراء! قد ماتت عائشة بنت النبيّ ﷺ . أخذ يعقوب بن الليثيّ في أوّل أمره رجلا فاستصفاه، ثم رآه بعد زمان، فقال له: أبا فلان، كيف أنت الساعة؟ قال له: كما كنت أنت قديما. قال: وكيف كنت أنا؟ فقال: كما أنا الساعة، فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال ابن المبارك: إذا وضع الطعام فقد أذن للآكل. وقال عمر بن الخطّاب- ﵁ إنّ العرب لا تصلح ببلاد لا تصلح بها الإبل. وقال إبراهيم بن السّنديّ: نظر رجل من قريش إلى صاحب له قد نام في غداة من غدوات الصّيف طيّبة النسيم، فركضه برجله وقال: مالك تنام عن الدّنيا في أطيب وقتها، نم عنها في أخبث حالاتها، نم في نصف النهار لبعدك عن الليلة الماضية والآتية، ولأنها راحة لما قبلها من التّعب، وجمام لما بعدها من العمل، نمت في وقت الحوائج، وتنبّهت في وقت رجوع الناس، وقد جاء: «قيلوا فإنّ الشّياطين لا تقيل» «١» . وقال إبراهيم بن السّندي: أيقظت أعرابيّة أولادا لها صغارا قبل الفجر في

стр. 196

غداوت الربيع وقالت: تنسّموا هذه الأرواح، واستنشقوا هذا النسيم، وتفهّموا هذا النعيم، فإنه يشدّ من منّتكم. ويقال في الوصف: كأنه محراك نار، وكأنه الجأم «١» صدى. وإذا وصفوه بالقصر قالوا: كأنه عقدة رشا، وأبنة عصا. وإذا كان ضعيفا قالوا: كأنّه قطعة زبد، والمولّدون يقولون: كأنه أسكرّجة. قال بعض السّلف في دعائه: اللهم لا أحيط بنعمك عليّ فأعدّها، ولا أبلغ كنه واحدة منها فأحدّها. دعا عطاء السّنديّ فقال: أعوذ بك من عذابك الواقع، الّذي ليس له دافع، وأسألك من خيرك الواسع، الّذي ليس له مانع. ودعا بعض السلف: اللهم إنّ قلبي وناصيتي بيدك لم تملّكني منهما شيئا، وإذ فعلت ذلك فكن أنت وليّهما، فاهدنا سواء السّبيل. ودعا بعض الصّالحين: اللهم ما كان لي من خير فإنّك قضيته ويسّرته وهديته، فلا حمد لي عليه، وما كان منّي من سوء فإنّك وعظت وزجرت ونهيت فلا عذر لي فيه ولا حجّة. ودعا آخر: اللهمّ إنّي أعوذ بك من سلطان جائر، ونديم فاجر، وصديق غادر، وغريم ماكر، وقريب مناكر، وشريك خائن، وحليف مائن، وولد جاف، وخادم هاف، وحاسد ملافظ، وجار ملاحظ، ورفيق كسلان، وخليل وسنان، و ... «٢» ضعيف، ومركوب قطوف، وزوجة مبذّرة، ودار ضيّقة. قال المدائنيّ: قال بعض السّلف لابنه: اشحذ طبعك بالعيون والفقر وإن قلّت، فإن الشجرة لا يشينها قلّة الحمل إذا كان ثمرها نافعا، وأكلها ناجعا. وقيل للأوزاعي: ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه. قال مجاهد في قول الله تعالى: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: ٢٤] قال: قيامه عليهم بنفسه. وقال عمر بن عبد العزيز: ليس من المروءة أن تستخدم الضّيف. وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال أربع للشّريف لا ينبغي أن يأنف منهن وإن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته للعالم يتعلم منه، وإن سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم.

стр. 197

حاتم كان يقول: العجلة من الشّيطان إلا في خمسة أشياء، فإنّها من السّنة: إطعام الضّيف إذا حلّ، وتجهيز الميّت، وتزويج البكر، وقضاء الدّين، والتوبة من الذّنب. وقال: من أطعم الضّيف لحما وخبز حنطة وماء باردا فقد تمّم الضيافة. وقال حاتم: المزوّر المرائي إذا ضاف إنسانا حدّثه بسخاوة إبراهيم الخليل، وإذا ضافه إنسان حدّثه بزهد عيسى بن مريم. وقال ميمون بن ميمون: من ضاف البخيل صامت دابّته، واستغنى عن الكنيف، وأمن التّخمة. وقال بعض السلف الصالح: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحبّ إليّ من عتق رقبة. قال الأعمش: كان الربيع بن خيثم يصنع لنا الخبيص ويقدّمه ويقول: اللهم اغفر لأطيبهم نفسا، وأحسنهم خلقا، وارحمهم جميعا. وقال أنس بن مالك: كل بيت لا يدخله الضّيف لا تدخله الملائكة. ولمّا قرأته على الوزير- بلّغه الله آماله، وزكّى أعماله، وخفّف عن قلبه أثقاله- قال: ما علمت أن مثل هذا الحجم يحوي هذه الوصايا والملح، وهذه الكلمات الغرر ما فيها ما لا يجب أن يحفظ، والله لكأنها بستان في زمان الخريف، لكلّ عين فيه منظر، ولكل يد منه مقطف، ولكل فم منه مذاق. إذا فرغت فأضف لي جزءا أو جزءين أو ما ساعدك عليه النشاط، فإن موقعها يحسن، وذكرها يجمل، وأثرها يبقى، وفائدتها تروى، وعاقبتها تحمد. فقلت: السمع والطاعة.

стр. 198

الليلة العشرون وقال لي مرّة أخرى: اكتب لي جزءا من الأحاديث الفصيحة المفيدة. فكتبت: قال مالك بن عمارة اللّخميّ: كنت أجالس في ظلّ الكعبة أيام الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزّبير، وكنا نخوض في الفقه مرّة، وفي الذّكر مرّة، وفي أشعار العرب وآثار الناس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد منهم ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرّف في فنون العلم والفصاحة والبلاغة، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث، فخلوت معه ذات ليلة فقلت: والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرّفك وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إنك إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إليّ والأعناق قاصدة نحوي، فلا عليك أن تعمل إليّ ركابك. فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده، فوافيته يوم جمعة وهو يخطب الناس، فتصدّيت له، فلما وقعت عينه عليّ بسر في وجهي، وأعرض عنّي، فقلت: لم يثبتني معرفة ولو عرفني ما أظهر نكرة. لكنّني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل، فلم ألبث أن خرج الحاجب إليّ فقال: مالك بن عمارة، فقمت، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، فلما رآني مدّ يده إليّ وقال: إنّك تراءيت في موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض، فمرحبا وأهلا وسهلا، كيف كنت بعدنا؟ وكيف كان مسيرك؟ قلت: بخير، وعلى ما يحبّه أمير المؤمنين. قال: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت: نعم، وهو الذي أعملني إليك، فقال: والله ما هو بميراث ادّعيناه، ولا أثر وعيناه، ولكني أخبرك عن نفسي خصالا سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى، ما لاحيت ذا ودّ ولا ذا قرابة قطّ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ، ولا أعرضت عن محدّث حتى ينتهي، ولا قصدت كبيرة من محارم الله متلذّذا بها وواثبا عليها، وكنت من قريش في بيتها، ومن بيتها في وسطه، فكنت آمل أن يرفع الله مني، وقد فعل، يا غلام، بوّئه منزلا في الدار. فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق إلى رحلك، فكنت في أخفض حال، وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر عشاؤه أو غذاؤه أتاني الغلام وقال: إن شئت، صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس، فأمشي بلا حذاء ولا رداء فيرفع مجلسي، ويقبل على محادثتي، ويسألني عن العراق مرّة، وعن الحجاز مرّة،

стр. 199

حتى مضت لي عشرون ليلة. فتغدّيت عنده يوما، فلمّا تفرّق الناس نهضت للقيام، فقال: على رسلك أيّها الرجل، أيّ الأمرين أحبّ إليك: المقام عندنا، ولك النصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة، أم الشّخوص ولك الحباء والكرامة؟ فقلت: فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين، فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد، قال: بل أرى لك الرّجوع إليهم، فإنهم متطلّعون إلى رؤيتك، فتجدّد بهم عهدا ويجدّدون بك مثله، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار، وكسوناك وحملناك، أتراني ملأت يدك أبا نصر؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أراك ذاكرا لما رويت عن نفسك. قال: أجل، ولا خير فيمن ينسى إذا وعد، ودّع إذا شئت، صحبتك السلامة. قال الوزير: ما أحلى هذا الحديث! هات ما بعده. قلت: قال يحيى بن أبي يعلى: لمّا قدم المال من ناحية عمر بن عبد العزيز- ﵀ على أبي بكر بن حزم، قسمه بين الناس في المدينة، فأصاب كلّ إنسان خمسين دينارا، فدعتني فاطمة بنت الحسين- ﵇ فقالت: اكتب، فكتبت: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة بنت الحسين سلام الله عليك، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما تولّاه، وعصم به دينه، فإنّ أمير المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم فينا مالا من الكتيبة، ويتحرّى بذلك ما كان يصنع من قبله من الأئمّة الراشدين المهديّين، وقد بلّغنا ذلك، وقسم فينا، فوصل الله أمير المؤمنين، وجزاه من وال خير ما جزى أحدا من الولاة، فقد كانت أصابتنا جفوة، واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحقّ، فأقسم بالله يا أمير المؤمنين لقد اختدم من آل رسول الله ﷺ من لا خادم له، واكتسى من كان عاريا، واستقرّ من كان لا يجد ما يستقرّ به. وبعثت إليه رسولا. قال يحيى: فحدّثني الرسول قال: قدمت الشّام عليه، فقرأ كتابها وإنّه ليحمد الله ويشكره، فأمر لي بعشرة دنانير، وبعث إلى فاطمة خمسمائة دينار، وقال: استعيني بها على ما يعوزك، وكتب إليها كتابا يذكر فيه فضلها وفضل أهل بيتها، ويذكر ما فرض الله لهم من الحق. فرقّ الوزير عند هذا الحديث وقال: أذكرتني أمر العلويّة، وأخذ القلم، واستمدّ من الدواة، وكتب في التّذكرة شيئا، ثم أرسل إلى نقيب العلوّية العمريّ في اليوم الثاني بألف دينار، حتى تفرّق في آل أبي طالب، وقال لي: هذا من بركة الحديث. ثم قال: كيف تطاول هؤلاء القوم إلى هذا الأمر مع بعدهم من رحم رسول الله ﷺ وقرب بني هاشم منه؟ وكيف حدّثتهم أنفسهم بذلك؟ إنّ

стр. 200

عجبي من هذا لا ينقضي، أين بنو أميّة وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا؟ فقلت: أيّها الوزير، إذا حقّق النّظر واستشفّ الأصل لم يكن هذا عجيبا، فإنّ أعجاز الأمور تالية لصدورها، والأسافل تالية لأعاليها، ولا يزال الأمر خافيا حتى ينكشف سببه فيزول التعجّب منه، وإنما بعد هذا على كثير من الناس، لأنّهم لم يعنوا به وبتعرّف أوائله والبحث عن غوامضه، ووضعه في مواضعه، وذهبوا مذهب التعصّب. قال: فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التّعجّب ولزم التسليم؟ فكان من الجواب: لا خلاف بين الرّواة وأصحاب التاريخ أن النبي ﷺ توفّي وعتّاب بن أسيد على مكّة، وخالد بن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وسعيد بن القشب الأزديّ حليف بني أميّة على جرش ونحوها، والمهاجر بن أبي أميّة المخزوميّ على كندة والصّدف، وعمرو بن العاص على عمان، وعثمان بن أبي العاص على الطائف. فإذا كان النبي- ﷺ أسّس هذا الأساس، وأظهر أمرهم لجميع الناس، كيف لا يقوى ظنّهم، ولا ينبسط رجاؤهم، ولا يمتدّ في الولاية أملهم؟ وفي مقابلة هذا، كيف لا يضعف طمع بني هاشم، ولا ينقبض رجاؤهم، ولا يقصر أملهم؟ وهي الدنيا، والدّين عارض فيها، والعاجلة محبوبة، وهذا وما أشبهه حدّد أنيابهم، وفتح أبوابهم، وأترع كأسهم، وفتل أمراسهم، ودلائل الأمور تسبق، وتباشير الخبر تعرف. قال ابن الكلبي: حدّثني الحكم بن هشام الثّقفيّ قال: مات عبيد الله بن جحش عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت معه بأرض الحبشة، فخطبها النبيّ ﷺ إلى النّجاشيّ، فدعا بالقرشيّن فقال: من أولاكم بأمر هذا المرأة؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص: أنا أولاهم بها. قال: فزوّج نبيّكم. قال: فزوّجه ومهر عنه أربعمائة دينار، فكانت أوّل امرأة مهرت أربعمائة دينار، ثمّ حملت إلى النبيّ ﷺ ومعهما الحكم بن أبي العاص، فجعل النبيّ ﷺ يكثر النظر إليه، فقيل له: يا رسول الله، إنك لتكثر النّظر إلى هذا الشابّ. قال: أليس ابن المخزوميّة؟ قالوا: بلى، قال: إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم، وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلام قال لمعاوية: والله إني لأبو عشرة، وأخو عشرة، وعمّ عشرة، وما بقي إلا عشرة حتى يكون الأمر فيّ، فيقول معاوية بن أبي سفيان: أخذها والله من عين صافية. فهذا- كما تسمع- إن كان حقّا فلا سبيل إلى ردّه، وإن كان مفتعلا فقد صار داعية إلى الأمر الّذي وقع نزاع فيه، وجال الخصام عليه. وهاهنا شيء آخر.

стр. 201

قال القعقاع بن عمرو: قلت لعليّ بن أبي طالب- ﵇ ما حملكم على خلاف العباس بن عبد المطّلب وترك رأيه؟ وهذا يعني به أنّ العباس كان قال لعليّ- ﵇ في مرض النّبيّ ﷺ : قم بنا إليه لنسأله عن هذا الأمر، فإن كان لنا أشاعه في النّاس، وإن كان في غيرنا وصّى فينا، وكان عليّ ﵇ أبى على عمّه العباس ولم يطاوعه. قال القعقاع: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- ﵇ في جوابه لي: لو فعلنا ذلك فجعلها في غيرنا بعد كلامنا لم ندخل فيها أبدا، فأحببت أن أكفّ، فإن جعلها فينا فهو الّذي نريد، وإن جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منّا ممدواد، ولم ينقطع منّا ولا من الناس. قال القعقاع: فكان النّاس في ذلك فرقتين: فرقة تحزّب للعباس وتدين له، وفرقة تحزّب لعليّ وتدين له. وما أشبهه يضعف نفوسا، ويرفع رؤوسا. وبعد فهذا البيت خصّ بالأمر الأوّل، أعني الدّعوة والنبوّة والكتاب العزيز، فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم، وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: رحمك الله يا أبا عمارة، لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا. فإن قال قائل: فقد وصل هذا الأمر بعد مدّة إلى آل النبيّ ﷺ ، فالجواب: صدقت، ولكن لمّا ضعف الدّين وتحلحل ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر، فتطاول له ناس من آل رسول الله ﷺ بالعجم وبقوتهم ونهضتهم وعادتهم في مساورة الملوك، وإزالة الدّول وتناول العزّ كيف كان، وما وصل إلى أهل العدالة والطهارة والزّهد والعبادة والورع والأمانة، ألا ترى أن الحال استحالت عجما: كسرويّة وقيصريّة، فأين هذا من حديث النبوّة الناطقة، والإمامة الصادقة، هذا الربيع- وهو حاجب المنصور- يضرب من شمّت الخليفة عند العطسة، فيشكى ذلك إلى أبي جعفر المنصور، فيقول: أصاب الرجل السنّة وأخطأ الأدب. وهذا هو الجهل، كأنّه لا يعلم أنّ السنّة أشرف من الأدب، بل الأدب كلّه في السّنّة، وهي الجامعة للأدب النبويّ والأمر الإلهي، ولكن لما غلبت عليهم العزّة، ودخلت النّعرة في آنافهم، وظهرت الخنزوانة «١» بينهم سمّوا آيين «٢» العجم أدبا، وقدّموه على السّنّة التي هي ثمرة النبوّة، هذا إلى غير ذلك من الأمور المعروفة، والأحوال المتعالمة المتداولة التي لا وجه لذكرها، ولا فائدة لنشرها، لأنّها مقرّرة في التاريخ، ودائرة في عرض الحديث. ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت، وأواسطها على ما وصفت كان من نتائجها هذه الفتن والمذاهب، والتعصّب والإفراط، وما تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه، وصارت العامّة مع جهلها، تجد قوّة من خاصّتها مع علمها، فسفكت الدّماء، واستبيح الحريم، وشنّت الغارات، وخرّبت

стр. 202

الديارات، وكثر الجدال، وطال القيل والقال، وفشا الكذب والمحال، وأصبح طالب الحقّ حيران، ومحبّ السلامة مقصودا بكلّ لسان وسنان، وصار الناس أحزابا في النّحل والأديان «١» : فهذا نصيريّ، وهذا إسحاقي، وهذا جاروديّ، وهذا قطعيّ، وهذا جبّائيّ، وهذا أشعريّ، وهذا خارجيّ، وهذا شعيبيّ، وهذا قرمطيّ، وهذا راونديّ، وهذا نجّاريّ، وهذا زعفرانيّ، وهذا قدريّ، وهذا جبريّ، وهذا لفظيّ، وهذا مستدركيّ، وهذا حارثيّ، وهذا رافضيّ، ومن لا يحصي عددها إلّا الله الذي لا يعجزه شيء، لا جرم شمت اليهود والنّصارى والمجوس بالمسلمين، وعابوا وتكلّموا، ووجدوا آجرّا وجصّا فبنوا، وسمعوا فوق ما تمنّوا فرووا. وقال النبي ﷺ : «لا يزداد الأمر إلا صعوبة، ولا الناس إلا اتّباع هوى، حتى تقوم الساعة على شرار النّاس» . وقال أيضا: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء من أمّتي» «٢» . وقلت لابن الجلّاء الزاهد بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة: ما صفة هذا الغريب؟ فقال لي: يا بنيّ هو الذي يفرّ من مدينة إلى مدينة، ومن قلّة إلى قلّة، ومن بلد إلى بلد ومن برّ إلى بحر، ومن بحر إلى برّ، حتى يسلم، وأنّى له بالسلامة مع هذه النيران التي قد طافت بالشرق والغرب، وأتت على الحرث والنّسل، فقدّمت كلّ أفوه، وأسكتت كلّ ناطق، وحيّرت كلّ لبيب، وأشرقت كلّ شارب، وأمرّت على كلّ طاعم، وإنّ الفكر في هذا الأمر لمختلس للعقل وكارث «٣» للنّفس، ومحرق للكبد. فقال الوزير: والله إنّه لكذلك، وقد نال منّي هذا الكلام، وكبر عليّ هذا الخطب، والله المستعان. ونظرت إليه وقد دمعت عينه ورقّ فؤاده وهو- كما تعلم- كثير التّألّه، شديد التّوقّي، يصوم الاثنين والخميس، فإذا كان أوّل رجب أصبح صائما إلى أول يوم من

стр. 203

شوال، وما رأينا وزيرا على هذا الدّأب وبهذه العادة، لا منافقا ولا مخلصا، وقد قال الله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠] تولّاه الله أحسن الولاية وكفاه أكمل الكفاية، إنّه قريب مجيب. فلمّا رأيت دمعته، قلت: أيها الوزير، روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «حرّمت النار على عين بكت من خشية الله، وحرّمت النار على عين سهرت في سبيل الله وحرّمت النار على عين غضّت عن محارم الله» «١» ، فقال- أحسن الله توفيقه-: هو الهلاك إن لم ينقذ الله بفضله، ولم يتغمّد بعفوه، لو غرقت في البحر كان رجائي في الخلاص منه أقوى من رجائي في السلامة مما أنا فيه. قلت: إذا علم الله من ضميرك هذه العقيدة ألبسك ثوب عفوه، وحلّاك بشعار عافيته وولايته، وكفاك كيد أعدائك، وعصب برؤوسهم ما يريدونه بك إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] . فقال: اجمع لي جزءا من رقائق العبّاد وكلامهم اللّطيف الحلو، فإنّ مراميهم شريفة، وسرائرهم خالصة، ومواعظهم رادعة، وذاك- أظنّ- للدّين الغالب عليهم، والتألّه المؤثّر فيهم، فالصّدق مقرون بمنطقهم، والحقّ موصول بقصدهم، ولست أجد هذا المعنى في كلام الفلاسفة، وذاك- أظنّ أيضا- لخوضهم في حديث الطّبائع والأفلاك والآثار وأحداث الزّمان. قلت: أفعل، فكتبت تمام ما تقدّم به، ثم كتبت بعد ورقات في حديث النّسّاك. قال عتبة بن المنذر السلميّ: سئل رسول ﷺ أيّ الأجلين قضى موسى- ﵇؟ فقال: أكثرهما وأوفاهما، ثم قال رسول الله ﷺ : «إنّ موسى- ﵇ لما أراد فراق شعيب أمر امرأته تسأل أباها أن يعطيها من نتاج غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام، فلما وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلّا ضرب جنبها بعصاه، فوضعت قوالب ألوان كلّها ووضعت اثنتين أو ثلاثة كلّ شاة، ليس فيهنّ فشوش ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكفّ، فإن افتتحتم الشام وجدتم بها بقايا منها، فاتّخذوها، وهي السامريّة» «٢» .

стр. 204

قال جعفر بن أبي طالب للنّجاشيّ في حديث: بعث الله تعالى رسولا فينا نعرف صدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وقال صاحب التاريخ: ولدت لعمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب- ﵇ زيدا ورقيّة، وأمّ أمّ كلثوم فاطمة بنت النبيّ ﷺ . قال أنس بن مالك: صلّى الناس على رسول الله ﷺ لمّا توفّي أفرادا لم يؤمّهم عليه أحد. ولمّا بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين، هلك عبد المطّلب، وهو شيبة أبو الحارث، وذلك بعد الفيل بثمان سنين، وتوفّيت آمنة أمّه وهو ابن ستّ سنين بالأبواء بين مكّة والمدينة، كانت قدمت به على أخواله من بني عديّ بن النجّار تزيره إيّاهم، فماتت وهي راجعة إلى مكّة.

стр. 205

الليلة الحادية والعشرون وسأل مرّة عن المغنّي إذا راسله آخر «١» لم يجب أن يكون ألذّ وأطيب، وأحلى وأعذب؟ فكان من الجواب: أنّ أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع من اقتضاب قول وتكلّف جواب، ذكر أنّ المسموع الواحد إنما هو بالحسّ الواحد، وربما كان الحسّ الواحد أيضا غليظا أو كدرا، فلا يكون لنيله اللذّة به بسط ونشو ولذاذة، وكذلك المسموع ربّما لم يكن في غاية الصّفاء على تمام الأداء بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء، فلا تكون أيضا إنالته للذّة على التّمام والوفاء، فإذا ثنّي المسموع- أعني توحّد النّغم بالنّغم- قوي الحسّ المدرك، فنال مسموعين بالصناعة، ومسموعا واحدا بالطبيعة، والحسّ لا يعشق المواحدة والمناسبة والاتّفاق إلّا بعد أن يجدها في المركّب، كما أن العقل لا يعشق إلّا بعد أن ينالها في فضاء البسيط، فكلّما قويّ الحسّ باستعماله، التذّ صاحبه بقوّته حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحسّ أو أكثر، وكماأن الحسّ إذا كان كليلا كان الذي يناله كليلا، كذلك الحسّ إذا كان قويّا كان ما يناله قويّا. قال: هذا كلّه موهوب للحسّ، فما للعقل في ذلك؟ فإنّا نرى العاقل تعتريه دهشة وأريحيّة واهتزاز. قلت: قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو سليمان في مذاكرته لابن الخمّار، وذكر أنّ من شأن العقل السّكون، ومن شأن الحسّ التهيّج، ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة، ومن دونه يوصف بالطّيش والعجرفة، والإنسان ليس يجد العقل وجدانا فيلتذّ به، وإنما يعرفه إمّا جملة وإمّا تفصيلا، أعني جملة بالرسم وتفصيلا بالحدّ، ومع ذلك يشتاق إلى العقل، ويتمنّى أن يناله ضربا من النّيل ويجده نوعا من الوجدان، فلما أبرزت الطبيعة الموسيقى في عرض الصّناعة بالآلات المهيّأة، وتحرّكت بالمناسبات التّامّة والأشكال المتّفقة أيضا، حدث الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه وانجلائه، فبهر الإحساس، وبثّ الإيناس، وشوّق إلى عالم الرّوح والنّعيم، وإلى محلّ الشرف العميم، وبعث على كسب الفضائل الحسّية

стр. 206

والعقليّة، أعني الشجاعة والجود والحلم والحكمة والصبر، وهذه كلّها جماع الأسباب المكمّلة للإنسان في عاجلته وآجلته، وبالواجب ما كان ذلك كذلك، لأن الفضائل لا تقتنى إلّا بالشّوق إليها، والحرص عليها، والطّلب لها، والشوق والطلب والحرص لا تكون إلّا بمشوّق وباعث وداع، فلهذا برزت الأريحيّة والهزّة، والشوق والعزّة، فالأريحيّة للرّوح، والهزّة للنفس، والشوق للعقل، والعزّة للإنسان. وما يجب أن يعلم أنّ السّمع والبصر أخصّ بالنفس من الإحساسات الباقية، لأنهما خادما النفس في السرّ والعلانية، ومؤنساها في الخلوة، وممدّاها في النّوم واليقظة، وليست هذه الرتبة لشيء من الباقيات، بل الباقيات آثارها في الجسد الذي هو مطيّة الإنسان، لكنّ الفرق بين السمع والبصر في أبواب كثيرة: ألطفها أنّ أشكال المسموع مركّبة في بسيط، وأشكال المبصر مبسوطة في مركّب. قلت: وقد حكيت هذا لأبي زكريّاء الصّيمريّ فطرب وارتاح وقال: ما أبعد نظر هذا الرجل! وما أرقى لحظه! وما أعزّ جانبه!

стр. 207

الليلة الثانية والعشرون وقال لي مرّة أخرى: ارو لي شيئا من كلام أبي الحسن العامريّ، فإني أرى أصحابنا يرذّلونه ويذيلونه، فلا يرون له في هذه العصبة قدما، ولا يرفعون له في هذه الطائفة علما. فقلت: كان الرجل لكزازته وغلظ طباعه وجفاء خلقه ينفّر من نفسه، ويغري الناس بعرضه، فإذا طلب منه الفنّ الذي قد خصّ به وطولب بتحقيقه وجد على غاية الفضل. فمن كلامه قوله: الطبيعة تتدرّج في فعلها من الكلّيّات البسيطة، إلى الجزئيّات المركّبة، والعقل يتدرّج من الجزئيّات المركّبة، إلى البسائط الكلّيّة، والإحاطة بالمعاني البسيطة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني المركّبة، ليتوصّل بتوسّطها إلى إثبات إنّيّاتها، والإحاطة بالمعاني المركّبة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني البسيطة ليتوصّل بتوسطها إلى تحقيق إثباتها. وكما أن القوّة الحسّيّة عاجزة بطباعها عن استخلاص البسائط الأوائل، بل تحتاج معها إلى القوّة العاقلة، وإن قويت لصار العقل فضلا- كذلك أيضا القوّة العاقلة لا تقوى بذاتها على إثبات إنّيّاتها المركّبات إلا من جهة القوة الحسّاسة، ولو قويت عليه لصار الحسّ فضلا للعاقلة. قال: هذا كلام بارع من صدر واسع، وأحبّ أن تزيدني من نمطه. قلت: وقال أيضا: الكلّيّ مفتقر إلى الجزئي لا لأن يصير بديمومته محفوظا بل لأن يصير بتوسّطه موجودا، والجزئي مفتقر إلى الكلّيّ لا لأن يصير بتوسّطه موجودا، بل لأن يصير بديمومته محفوظا. وقال: الحال في جميع السّبل- أعني مسالك الأشياء في تكوّنها صناعيّة كانت أو تدبيريّة أو طبيعيّة أو اتفاقية- واحدة، مثاله أنّ الإنسان وإنّ التذّ بالدّستنبان «١» فلن يعدّ موسيقارا إلّا إذا تحقّق بمبادئه الأول التي هي الطّنينات وأنصاف الطّنينات، وكذلك الإنسان وإن استطاب الحلو فلن يسمّى حلوانيّا إلّا إذا عرف بسائطه وأسطقسّاته. وقال: العلم لا يحيط بالشيء إلّا إذا عرف مبادئه القريبة والبعيدة والمتوسّطة.

стр. 208

وقال: نتوصّل إلى كريّة القمر بما نراه من اختلاف أشكاله، أعني أنّا نراه في الدّورة الواحدة هلاليّا مرّتين ومنصّفا مرّتين وبدرا مرّة واحدة، وهذه الأشكال وإن كانت متقدّمة عندنا فإن كونه كريّا هو المتقدّم بالذات. وقال: ما هو أكثر تركيبا فالحسّ أقوى على إثباته، وما هو أقلّ تركيبا فالعقل أخلص إلى ذاته. وقال: الأحداث- وهي الذوات الإبداعيّة- الوقوف على إثباتها يغني عن البحث عن ماهيّاتها. وقال: كلّ معنى يوجد بوجوده غيره لا يرتفع بارتفاع ذلك الذي هو غيره، بل يرتفع غيره بارتفاعه، فإنه أقدم ذاتا من غيره، مثاله الجنس لا يرتفع بارتفاع واحد من أنواعه، والأنواع ترتفع بارتفاع الجنس، وكذلك حال النّوع مع الشخص، فالجنس أقدم من النوع، والنوع أقدم من الشخص، وأعني بالجنس والنوع الطبيعيّين لا المنطقيّين. وقال: معرفتنا أوّلا تتعلق بالأشخاص الجزئية ثم بتوسّطها ثبتت الأجناس فإذا المتقدّم بالذات غير المتقدّم إلينا. وقال: مسلك العقل في تعرّف المعاني الطبيعية مقابل لمسلك الطبيعة في إيجادها، لأنّ الطبيعة تتدرّج من الكلّيّات البسيطة إلى الجزئيّات المركّبة، والعقل يتدرّج من الجزئيات المركّبة إلى البسائط الكلّيّة. قال أبو النضر نفيس: إنما كان هذا هكذا لأن الطبيعة متناولة من العقل والعقل مناول للطبيعة، فوجب أن يختلف الأمران، فإن قال قائل: فهلا تمّ الأمران معا بواحد منهما، أعني الطبيعة أو العقل؟ فالجواب أنّ أحدهما في العلو، والآخر في السّفل، فليس للعالي أن يهبط، ولا للسافل أن يعلو، فلمّا كان هذا محالا توسّط بينهما- أعني العالي والسافل- المناولة والتّناول حتى اتّصل الأوّل بالثاني، وغصّ الفضاء بينهما بضروب الأفراد والأزواج، وانتظم الكلّ فلم يكن فيه خلل، ولا دونه مأتىّ، ولا وراءه متوهّم. وقال: الإنسان مركّب من الأعضاء الآليّة بمنزلة الرأس واليدين والرّجلين وغيرها، ثم كلّ واحد من هذه الأعضاء مركّب من الأعضاء المتشابهة الأنواع بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشّريان، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركّب من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمرّتان، ثم كلّ واحد من هذه الأخلاط مركب من الأسطقسّات الأربعة التي هي النار والهواء، والأرض والماء، ثم كلّ واحد من هذه الأسطقسّطات مركّب من الهيولى والصورة.

стр. 209

وقال: كما أن لكل عضو قوة تخصه بتدبيرها، كذلك لجميع البدن قوّة أخرى ضامنة لتدبيره. قال: وقال الحكيم في كتاب «السماء» : علّة الأنواع والأجناس ودوامها هي الفلك المستقيم، وعلة كون الأشخاص وتجدّد حدوثها هي الفلك المائل، فأما الكلّيات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة القياسية المستتبّة لها عند تكوّن الحسّ على واحد منها. قال أبو النضر نفيس: هذا حكم بالوهم، ورأيّ خرج من الظّنّ، الفلك المستقيم والفلك المائل هما بنوع الوحدة ونسبة الاتّفاق، فليس لأحدهما اختصاص بالأنواع والأجناس، ولا بتجدّد الأشخاص، والدليل على هذا أن قالبا لو قلب قالبه ذلك لم يكن له عنه انفصال. وللرّأي زلّات، كما أنّ للّسان فلتات، وللحكيم هفوات، كما أنّ للجواد عثرات، وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ما لا يعرف، وما أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري، ومن الذي حقّق عنده أنّ الفلك المستقيم هذا نعته، والفلك المائل تلك صفته، هذا توهّم وتلفيق، لا يرجع مدّعيه إلى تحقيق، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليد، كما أنّ دعوى ذاك الحكيم توهّم، ومحبّة الرّجال للرّجال فتنة حاملة على قبول الباطل، وبغض الرّجال للرّجال فتنة حاملة على ردّ الحق؟ وهذا أمر قد طال منه الضّجيج، وفزع إلى الله منه بالتضرّع. قال أبو الحسن: الموجود له حقيقة واحدة لا تدرك إلّا عقلا، وليس له مبدأ، ولو كان له مبدأ لشاركه المبدأ في طبيعة الوجود، وليس بمتحرّك لأنه لا مقابل له فيتحرّك إليه. وقال أبو النضر نفيس: عنى بهذا الموجود الحقّ الأوّل الّذي هو علّة العلل، وهو البارئ الإله، وما أنصف، لأنّه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه، ويصف مرتبة كلّ موجود على ما هي عليه وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى إلى آخر الموجود الأسفل، أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود الأعلى، فإنّه ممّا يعقل ويحسّ إلّا وله من هذا الوجود نصيب به استحقّ أن يكون موجودا، وإن كان ذلك النّصيب قليلا. وقال: قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو كثير بالأسماء، ويوصف بأنّه واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى، ويوصف بأنه واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع، ويوصف بأنه واحد بالنّوع وهو كثير بالشّخوص، ويوصف بأنه واحد بالاتّصال وهو كثير بالأجزاء، وقد نقول في شيء: إنه واحد بالموضوع وهو كثير بالحدود، كالتّفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللّون والطّعم والرائحة، وقد يكون واحدا في الحدّ وكثيرا في الموضوع، كالبياض الذي يوجد في الثّلج والقطن والإسفيداج، وقد يكون كثيرا بالحدّ

стр. 210

والموضوع كالعلم والحركة، فإنّ موضوع هذا الجسم، وموضوع ذاك النفس، وحدّ أحدهما غير حدّ الآخر، وقد يكون واحدا بالموضوع والحدّ بمنزلة السّيف والصّمصام، وقد نقول أشياء تكون واحدة بالفعل، وهي بالقوة كثيرة، كالسّراج الواحد، فأما أن يكون واحدا بالقوّة وكثيرا بالفعل من وجه واحد، فلا يكون، بل من جهات مختلفة. قال أبو النضر نفيس: الواحد الذي ينقسم فتنشأ منه الكثرة غير الواحد الذي لا ينقسم، والكثير الذي يتوحّد حتى يكون واحدا غير الكثير الذي لا يتوحّد، فالواحد الذي لا ينقسم علّة الواحد المنقسم، والكثير الذي يتوحّد هو علّة الكثير الذي لا يتوحّد، وبالحكمة الإلهية، ما كان هكذا حتى يكون الكثير الذي يتوحّد في مقابلة الكثير الذي لا يتوحّد، والواحد الذي ينقسم في مقابلة الواحد الذي لا ينقسم، وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة التمام الحاصل للكلّ، وليست هي عبارة عن صورة مزاحمة لصورة، أو كثرة غالبة لكثرة، المستغاث بالله من قصور العبارة عن الغاية، وتقاعس اللّفظ عن المراد. وقال: يعجبني من جملة الحكم الأمثال التي يضربونها، والعيون التي يستخرجونها، والمعاني الّتي يقرّبونها. قلت: صدقت، مثل قول فيلسوف: البدن للنّفس بمنزلة الدّكّان للصانع، والأعضاء بمنزلة الآلات، فإذا انكسرت آلات الصانع وخرّب الدّكان وانهدم، فإنّ الصانع لا يقدر على عمله الذي كان يعمله إلا أن يتّخذ دكانا آخر، وآلات جددا أخر. قال: أحبّ أن أسمع شيئا من منثور كلامهم في فنون مختلفة. قلت: قال فيلسوف: العاقل يضلّ عقله عند محاورة الأحمق. قال أبو سليمان: هذا صحيح، ومثاله أنّ العاقل إذا خاطب العاقل فهم وإن اختلفت مرتبتاهما في العقل، فإنهما يرجعان إلى سنخ «١» العقل، وليس كذلك العاقل إذا خاطب الأحمق، فإنهما ضدّان، والضّدّ يهرب من الضدّ، وقد قيل لأبي الهذيل العلّاف- وكان متكلّم زمانه-: إنّك لتناظر النّظّام وتدور بينكما نوبات، وأحسن أحوالنا إذا حضرنا أن ننصرف شاكّين في القاطع منكما والمنقطع، ونراك مع هذا يناظرك زنجويه الحمّال فيقطعك في ساعة. فقال: يا قوم إن النظّام معي على جادّة واحدة لا ينحرف أحدنا عنها إلّا بقدر ما يراه صاحبه فيذكّره انحرافه، ويحمله على سننه فأمرنا يقرب، وليس هكذا زنجويه الحمّال فإنه يبتدئ معي بشيء، ثم يطفر إلى شيء بلا واصلة ولا فاصلة، وأبقى، فيحكم عليّ بالانقطاع، وذاك لعجزي عن ردّه إلى سنن الطريق الذي فارقني آنفا فيه.

стр. 211

وقال فيلسوف آخر: العادات قاهرات، فمن اعتاد شيئا في السّرّ فضحه في العلانية. قال أبو سليمان: وهذا صحيح، لأن حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد عوده، فهي- أعني العادة- الاستمرار الّذي يقهر من اعتاده، والخلوة حال، والعلانية حال، والعادة بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق، ولهذا ما قيل: العادة هي الطبيعة الثانية، كأنّ الطبيعة عادة، ولكنها الأولى بالجبلّة، والعادة طبيعة ولكنّها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار. وقال فيلسوف: ما أكثر من ظنّ أنّ الفقير هو الّذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا فقير من جهة العرض، فأمّا الفقير الطبيعيّ فالّذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال، كما أن الغنيّ الطبيعيّ لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال، أي الّذي ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب إرادته، وقد ظنّ قوم أنّ الّذين منعوا من الشّهوات، ووصوا بالزّهد في اللّذات، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم، وحرموهم ما هو لهم، وصدّوهم عن محبوباتهم، وهذا ظنّ خطأ، وأيّ مراد في هذا للواعظين والمزهّدين، والذين وصّوا وأشفقوا، وردعوا عن الخوض في لذّات النفوس الغضبيّة والبهيميّة؟ والله ما كان ذلك منهم إلّا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار، إلّا أن يكون الّذين ظنوا هذا إنما ظنّوه لأنهم رأوا بعض المزهّدين راغبا، وبعض الناصحين غاشّا، وبعض الآمرين مخالفا، وليس العمل على المحتال، وعلى من آثر الغشّ في المقال، ولكنّ المرجع إلى ما يدلّ عليه الحقّ، ويشهد له العقل، ويصحّ فيه البرهان، أترى الفيلسوف غشّ في قوله لأصحابه: اقنعوا بالقوت، وانفوا عن أنفسكم الحاجة، ليكون لكم قربة إلى الله، لأنّ الله غير محتاج، كلّما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد، واهربوا من الشرّ والإثم، واطلبوا من الخير أعمّه وأعظمه، وأبقاه وأدومه، واعرفوا الأبد، واطلبوا السّرمد، فإنّ من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد، ومن طلب الأمد ثم وجد فنى على الأمد. الحاجة ذلّ، والغنى عزّ، والعزّ ضدّ الذلّ، فمن طلب العزّ في العاجلة فقد طلب الذّلّ وهو لا يدري، ومن طلب العزّ في الآجلة فقد وجد العزّ وهو يدري. في الحكمة أن يقال: اصبر على الذّلّ لتنال العزّ، وليس في الحكمة اثبت على العزّ لتنال الذلّ، هذا معكوس.

стр. 212

الليلة الثالثة والعشرون وكان الوزير رسم بكتابة لمع من كلام الرّسول ﷺ ، فأفردت ذلك في هذه الورقات، وهي: قال ﷺ : «أشدّ الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ من مالك، وشكر الله تعالى على كلّ حال» . وقال الواقديّ: لمّا غالظ خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف قال النبيّ- ﷺ يا خالد: ذروا لي أصحابي، لو كان أحد ذهبا تنفقه قراريط في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من عبد الرحمن «١» . وقال ﵇: «إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله إليه، وإن أخّرها أعرض عنه» وقال ﵇: «إنما فدك طعمة أطعمنيها الله حياتي، ثم هي بين المسلمين» . «٢»

стр. 213

وقال ﵇: «المقوّم قد يأثم ولا يغرم» . وقال ﵇ في دعائه: «اللهمّ اجمع على الهدى أمرنا، وأصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا، واهدنا سواء السبيل وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، واصرف عنّا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرّياتنا ومعايشنا، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك، وتب علينا إنّك أنت التّواب الرّحيم» . وقيل له ﷺ : إنّ فلانا استشهد، فقال: «كلّا، إن الشّملة التي أخذها من الغنائم يوم حنين اشتعلت عليه نارا» «١» . وقال ﷺ : «من اطّلع من صير باب ففقئت عينه فهي هدر» «٢» .

стр. 214

وقال ﷺ لرجل يذبح شاة: «ارهف شفرتك، فإذا فريت فأرح ذبيحتك، ودعها تخبّ وتشخب، فإنّ ذلك أمرى للدّم وأحلى للّحم» . وقال ﵇: «خير النّاس الغنيّ الخفيّ التقيّ» . وقال: «التّاجر الصّدوق إن مات في سفره كان شهيدا، أو في حضره كان صدّيقا» . وقال ﷺ : «ظهر المؤمن مشجبه، وبطنه خزانته، ورجله مطيّته، وذخيرته ربّه» . وقال ﷺ : «ما نقص مال من صدقة «١» ، فتصدّقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله عزّا وعفوا، فاعفوا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلّا فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر، فاستعفّوا» . وقال ﵇: «أجود الأعمال: الجود في العسر، والقصد في الغضب، والعفو عند المقدرة» .

стр. 215

وقال ﵇: «إنّ بين مصراعي باب الجنّة مسيرة مائة عام، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» «١» . وفد على رسول الله ﷺ رسول قوم من بني عامر يستأذنه في المرعى حول المدينة، فقال ﵇: إنها ديار لا تضيق عن جارنا، وإنّ جارنا لا يظلم في ديارنا، وقد ألجأتكم الآزمة «٢» ، فنحن نأذن لكم في المرعى ونشرككم في المأوى، على أنّ سرحنا «٣» كسرحكم، وعانينا كعانيكم، ولا تعينوا علينا بعد اليوم، فقال: لا نعين عدوا ما أقمنا في جوارك، فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب آثارها، وتشفي ذحولها، فقال ﵇: يا بني عامر، أما علمتم أنّ اللّؤم كلّ اللؤم أن تنحاشوا عند الفاقة، وتثبوا عند العزّة، فقال: وأبيك إنّ ذلك للؤم، ولن نبغيك غائلة بعد اليوم، فقال: اللهمّ اشهد، وأذن لهم. وسئل ﷺ : كيف يأتيه الوحي؟ فقال: «في مثل صلصلة الجرس، ثم ينفصم» «٤» .
следующие страницы →