Полный текст (408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقال فيلسوف آخر: العادات قاهرات، فمن اعتاد شيئا في السّرّ فضحه في العلانية.
قال أبو سليمان: وهذا صحيح، لأن حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد عوده، فهي- أعني العادة- الاستمرار الّذي يقهر من اعتاده، والخلوة حال، والعلانية حال، والعادة بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق، ولهذا ما قيل: العادة هي الطبيعة الثانية، كأنّ الطبيعة عادة، ولكنها الأولى بالجبلّة، والعادة طبيعة ولكنّها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار.
وقال فيلسوف: ما أكثر من ظنّ أنّ الفقير هو الّذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا فقير من جهة العرض، فأمّا الفقير الطبيعيّ فالّذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال، كما أن الغنيّ الطبيعيّ لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال، أي الّذي ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب إرادته، وقد ظنّ قوم أنّ الّذين منعوا من الشّهوات، ووصوا بالزّهد في اللّذات، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم، وحرموهم ما هو لهم، وصدّوهم عن محبوباتهم، وهذا ظنّ خطأ، وأيّ مراد في هذا للواعظين والمزهّدين، والذين وصّوا وأشفقوا، وردعوا عن الخوض في لذّات النفوس الغضبيّة والبهيميّة؟
والله ما كان ذلك منهم إلّا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار، إلّا أن يكون الّذين ظنوا هذا إنما ظنّوه لأنهم رأوا بعض المزهّدين راغبا، وبعض الناصحين غاشّا، وبعض الآمرين مخالفا، وليس العمل على المحتال، وعلى من آثر الغشّ في المقال، ولكنّ المرجع إلى ما يدلّ عليه الحقّ، ويشهد له العقل، ويصحّ فيه البرهان، أترى الفيلسوف غشّ في قوله لأصحابه: اقنعوا بالقوت، وانفوا عن أنفسكم الحاجة، ليكون لكم قربة إلى الله، لأنّ الله غير محتاج، كلّما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد، واهربوا من الشرّ والإثم، واطلبوا من الخير أعمّه وأعظمه، وأبقاه وأدومه، واعرفوا الأبد، واطلبوا السّرمد، فإنّ من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد، ومن طلب الأمد ثم وجد فنى على الأمد.
الحاجة ذلّ، والغنى عزّ، والعزّ ضدّ الذلّ، فمن طلب العزّ في العاجلة فقد طلب الذّلّ وهو لا يدري، ومن طلب العزّ في الآجلة فقد وجد العزّ وهو يدري.
في الحكمة أن يقال: اصبر على الذّلّ لتنال العزّ، وليس في الحكمة اثبت على العزّ لتنال الذلّ، هذا معكوس.
стр. 212
الليلة الثالثة والعشرون
وكان الوزير رسم بكتابة لمع من كلام الرّسول ﷺ ، فأفردت ذلك في هذه الورقات، وهي:
قال ﷺ : «أشدّ الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ من مالك، وشكر الله تعالى على كلّ حال» .
وقال الواقديّ: لمّا غالظ خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف قال النبيّ- ﷺ يا خالد: ذروا لي أصحابي، لو كان أحد ذهبا تنفقه قراريط في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من عبد الرحمن «١» .
وقال ﵇: «إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله إليه، وإن أخّرها أعرض عنه» وقال ﵇: «إنما فدك طعمة أطعمنيها الله حياتي، ثم هي بين المسلمين» . «٢»
стр. 213
وقال ﵇: «المقوّم قد يأثم ولا يغرم» .
وقال ﵇ في دعائه: «اللهمّ اجمع على الهدى أمرنا، وأصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا، واهدنا سواء السبيل وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، واصرف عنّا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرّياتنا ومعايشنا، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك، وتب علينا إنّك أنت التّواب الرّحيم» .
وقيل له ﷺ : إنّ فلانا استشهد، فقال: «كلّا، إن الشّملة التي أخذها من الغنائم يوم حنين اشتعلت عليه نارا» «١» .
وقال ﷺ : «من اطّلع من صير باب ففقئت عينه فهي هدر» «٢» .
стр. 214
وقال ﷺ لرجل يذبح شاة: «ارهف شفرتك، فإذا فريت فأرح ذبيحتك، ودعها تخبّ وتشخب، فإنّ ذلك أمرى للدّم وأحلى للّحم» .
وقال ﵇: «خير النّاس الغنيّ الخفيّ التقيّ» .
وقال: «التّاجر الصّدوق إن مات في سفره كان شهيدا، أو في حضره كان صدّيقا» .
وقال ﷺ : «ظهر المؤمن مشجبه، وبطنه خزانته، ورجله مطيّته، وذخيرته ربّه» .
وقال ﷺ : «ما نقص مال من صدقة «١» ، فتصدّقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله عزّا وعفوا، فاعفوا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلّا فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر، فاستعفّوا» .
وقال ﵇: «أجود الأعمال: الجود في العسر، والقصد في الغضب، والعفو عند المقدرة» .
стр. 215
وقال ﵇: «إنّ بين مصراعي باب الجنّة مسيرة مائة عام، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» «١» .
وفد على رسول الله ﷺ رسول قوم من بني عامر يستأذنه في المرعى حول المدينة، فقال ﵇: إنها ديار لا تضيق عن جارنا، وإنّ جارنا لا يظلم في ديارنا، وقد ألجأتكم الآزمة «٢» ، فنحن نأذن لكم في المرعى ونشرككم في المأوى، على أنّ سرحنا «٣» كسرحكم، وعانينا كعانيكم، ولا تعينوا علينا بعد اليوم، فقال: لا نعين عدوا ما أقمنا في جوارك، فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب آثارها، وتشفي ذحولها، فقال ﵇: يا بني عامر، أما علمتم أنّ اللّؤم كلّ اللؤم أن تنحاشوا عند الفاقة، وتثبوا عند العزّة، فقال: وأبيك إنّ ذلك للؤم، ولن نبغيك غائلة بعد اليوم، فقال: اللهمّ اشهد، وأذن لهم.
وسئل ﷺ : كيف يأتيه الوحي؟ فقال: «في مثل صلصلة الجرس، ثم ينفصم» «٤» .
стр. 216
وقد روى ابن الكلبي عن أبيه عن ابن صالح، عن ابن عبّاس قال: لما كان يوم بدر،- قال عليّ- ﵇ للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال له رسول الله ﷺ : أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا. قال: فركبه ووتر قوسه ورمى فأصاب أذن الفرس فصرمه، فضحك النبيّ ﷺ حتى أمسك على فيه، فلمّا رأى عليّ ضحكه غضب فسلّ سيفه، ثم شدّ على المشركين: فقتل ثمانية قبل أن يرجع، فقال عليّ- ﵇: لو أصابني شرّ من هذا كنت أهله حين يقول: «أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا» ، فعصيته.
وقال ﷺ : «إنّ امرأ عرف الله وعبده وطلب رضاه وخالف هواه لحقيق بأن يفوز بالرحمة» .
لما ورد محمد بن مسلمة على عمرو بن العاص من جهة عمر بن الخطاب ﵁، صنع عمرو له طعاما ودعاه إليه، فأبى محمد، فقال عمرو: أتحرّم طعامي؟ قال: لا، ولكني لم أومر به. فقال عمرو: لعن الله زمانا عملنا فيه لابن الخطاب، لقد رأيته وأباه وإنهما لفي شملة ما تواري أرساغهما، وإن العاصي بن وائل لفي مقطّعات الدّيباج مزرّرة بالذّهب. فقال محمد: أمّا أبوك وأبو عمر ففي النار، وأما أنت فلولا ما وليت لعمر لألفيتك معتقلا عنزا يسرّك غزرها ويسوءك بكؤها «١» ، فقال عمرو: المجالس أمانة، فقال محمد: أمّا ما دام عمر حيّا فنعم.
دخل النبيّ ﷺ على فاطمة- ﵉ يعودها من علّة، فبكت، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقالت: قلّة الطّعم، وشدّة السّقم، وكثرة الهم.
قال عبد الله بن مسعود: شرّ الأمور محدثاتها، وشرّ الغنى غنى الإثم،
стр. 217
وخير الغنى غنى النفس، والخمر جماع الإثم، والدنيا حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون. قيل له: أتقول هذا من تلقائك؟ قال: لا، بل من تلقاء من فرض الله عليّ طاعته.
وقال أبو ذرّ رحمة الله عليه: قال لي رسول الله- ﷺ يا أبا ذرّ: إني أراك ضعيفا، وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولّين مال يتيم «١» .
وقال أبو هريرة عن النبيّ- ﷺ : ستحرصون على الإمارة، وستكون حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة «٢» .
أبو أمامة يرفعه، قال: ما من رجل يلي أمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا، أطلقه العدل، أو أوثقه الجور.
قال العبّاس للنّبيّ ﷺ : أمّرني يا رسول الله فأصيب.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنّ رجلا جاء إلى النجاشيّ فقال له:
أقرضني ألف دينار إلى أجل، فقال: من الكفيل بك؟ فقال: الله. فأعطاه الألف، فلمّا بلغ الأجل أراد الرّدّ، فحبسته الرّيح، فعمل تابوتا وجعل فيه الألف وغلّفه، وألقاه في البحر، وقال: اللهمّ أدّ حمالتك، فخرج النّجاشيّ إلى البحر فرأى سوادا، فقال:
ائتوني به. فأتوه بالتّابوت، ففتحه، فإذا فيه الألف، ثم إنّ الرّجل جمع ألفا بعد ذلك، وطابت الرّيح وجاء إلى النّجاشيّ فسلّم عليه، فقال له النّجاشيّ: لا أقبلها منك حتى تخبرني بما صنعت فيها. فأخبره بالذي صنع، فقال النجاشي فقد أدّى الله عنك، وقد بلغت الألف في التابوت، فأمسك عليك ألفك.
رأى أبو هريرة رجلا مع آخر، فقال: من هذا الذي معك؟ قال: أبي. قال: فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسبّ له.
قال أبو هريرة: كان جريج يتعبّد في صومعته، فأتت أمّه فقالت: يا جريج، أنا أمّك، كلّمني، فقال: اللهمّ أمّي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت ثمّ أتته ثانية فقالت: يا جريج، كلّمني، فصادفته يصلّي فقال: اللهمّ أمّي وصلاتي، فاختار صلاته،
стр. 218
ثم جاءته فصادفته يصلّي، فقالت: اللهمّ إنّ هذا ابني قد عقّني فلم يكلّمني فلا تمته حتى تريه المومسات، ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الرّاعي، فحملت فولدت غلاما، فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب هذه الصّومعة، فأقبل الناس إليه بفؤوسهم ومساحيهم فبصروا به، فصادفوه يصلّي، فلم يكلّمهم، فأخذوا يهدمون ديره، فنزل وتبسّم ومسح رأس الصّبيّ وقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضّأن. فلمّا سمع القوم ذلك راعهم، وعجبوا، وقالوا: نحن نبني لك ما هدمنا بالذّهب والفضّة. قال: لا، أعيدوها كما كانت ترابا، ثم عاد.
وقال أبو الدّرداء: لا يحافظ على سبحة الضّحى إلّا أوّاب.
وقال أيضا: ليس على سارق الحمام قطع.
وقال: إذا اخترتم أرضا فلا تختاروا أرمينية، فإنّ فيها قطعة من عذاب الله، يعني البرد.
أبو هريرة يرفعه: ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنّينّ أقوام يوم القيامة أنّهم كانوا متعلّقين بين السماء والأرض يتذبذبون من الثّريّا، وأنهم لم يلوا عملا.
قال النبيّ ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» «١» .
وقال النبي ﷺ «٢» : «كلكم راع ومسؤول عن رعيّته، فالأمير راع على الناس
стр. 219
وهو مسئول أقام أمر الله فيهم أم ضيّع، والمرأة راعية على بيتها وما وليت من زوجها، ومسؤولة عنهم أقامت أمر الله فيهم أم ضيّعت، والخادم مسؤول عن مال سيّده أقام أمر الله فيه أم ضيّع» . هكذا رواه ابن عتبة عن نافع عن ابن عمر.
قال عياض الأشعريّ: قدم أبو موسى على عمر ومعه كاتب له، فرفع حسابه، فأعجب عمر. وجاء إلى عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على النّاس؟ قال: إنّه لا يدخل المسجد. قال: لم؟ أجنب هو؟ قال: إنّه نصرانيّ.
قال: فانتهره، وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأتمنهم وقد خوّنهم الله.
قال عبد الله بن نافع: جاء رجلان من الأنصار إلى النبي- ﷺ يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بيّنة، فقال ﷺ «١» : إنكم لتختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجّته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار، يأتي بها إسطاما «٢» في عنقه يوم القيامة. قال: فبكى الرّجلان، وقال كلّ واحد منهما: حقّي لأخي، فقال ﷺ : أمّا إذ قلتما هذا فاذهبا فاستهما، وتوخّيا الحقّ، وليحلّل كلّ واحد منكما صاحبه. وفي رواية أخرى: اذهبا فاصطلحا.
وروى ابن عباس أنّ رسول الله- ﷺ كتب إلى النّجاشيّ أصحمة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ
стр. 220
عيسى بن مريم روح الله وكلمته، فكتب النّجاشيّ: إلى محمد رسول ﷺ من النّجاشيّ أصحمة بن أبجر: سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمته وبركاته «١» .
وقال النبي ﷺ : «الكافر خبّ ضبّ، والمؤمن دعب لعب» .
وقال رجل للنبي- ﷺ : اعدل فإنّك إلى الآن لم تعدل. فقال: ويلك! إذا لم أعدل أنا فمن يعدل «٢» ؟
стр. 221
وقال ﷺ : «إنّ الواجد يبيح ظهره وعرضه» .
وقال عمر: ردّد الخصوم كي يصطلحوا.
وقال ﵇: لا تحلفوا بأيمانكم، ومن حلف بالله فليصدق، ومن حلف له فليقبل «١» .
وقال: من حلف يمينا كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان «٢» .
стр. 222
وقال: من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه «١» .
وقال- ﵇: لا تسافر المرأة ثلاثة أيّام إلّا مع ذي محرم «٢» .
حدّثنا أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد قال: حدّثنا محمد بن المرزبان قال:
حدّثنا المغيرة قال: حدّثنا محمد بن العبّاس المنقريّ قال: كان شريك بن عبد الله على القضاء بالكوفة، فقضى على وكيل لعبد الله بن مصعب بقضاء لم يوافق عبد الله، فلقي شريكا ببغداد، فقال له: قضيت على وكيلي قضاء لا يوافق الحقّ.
قال: من أنت؟ قال: من لا تنكر. قال: قد نكرتك أشدّ النّكير. قال: أنا عبد الله بن مصعب. قال: فلا كبير ولا طيّب. قال: كيف لا تقول هذا وأنت تشتم الشّيخين.
قال: من الشّيخان؟ قال: أبو بكر وعمر. قال: والله لا أشتم أباك وهو دونهما، فكيف أشتمهما وهما فوقي وأنا دونهما؟
وقال عقبة بن عامر الجهنيّ: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يؤتى الدّنيا ويوسّع له فيها وهو لله على غير ما يحبّ إلّا وهو مستدرج، لأنّ الله تعالى يقول: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الأنعام: ٤٤، ٤٥] » . قال ابن الأنباريّ: قوله ﷺ إلّا وهو مستدرج، معناه إلّا وهو مستدع هلكته، مأخوذ من الدّراج، وهو الهالك، يقال هو أعلم من دبّ ودرج، ويراد بدرج: هلك، وبدبّ: مشى.
وقال سعيد بن عامر بن حزيم، عن النبيّ ﷺ : «إنّ لله أمناء على خلقه يضنّ بهم على القتل يعيشهم في عافية، ويميتهم في عافية» «٣» .
стр. 223
قال ناشرة بن سميّ: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول يوم الجابية: إنّي قد نزعت خالد بن الوليد وأمّرت أبا عبيدة، فقال رجل: والله لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله ﷺ ، وأغمدت سيفا سلّه رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء شدّه رسول الله ﷺ : فقال عمر: إنّك لشابّ قريب القرابة، وهذا القائل هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ابن عمّ خالد.
قال قبيصة بن المخارق: نهى رسول الله عن الطّرق «١» والعيافة والخطّ.
قال النبي ﷺ : «الصّدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثنتان:
صلة وصدقة» «٢» .
قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[الشعراء: ٢١٤] ، انطلق رسول الله ﷺ إلى رضمة «٣» من جبل فعلا أعلاها حجرا، وقال: يا بني عبد مناف، يا بني فهر، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدوّ
стр. 224
فانطلق يريد أهله، وخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف وا صباحاه.
النّعمان بن بشير وقبيصة قالا: قال رسول الله- ﷺ : «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا تجلّى لشيء من خلقه خشع» «١» تزوّج رجل امرأة فمات قبل أن يدخل بها، ولم يسمّ لها صداقا، فسئل ابن مسعود فقال: لها صداق إحدى نسائه، لا وكس ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام أبو سنان في رهط من أشجع، فقالوا: لقد قضى فيها بقضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق الأشجعية «٢» .
عقبة السّلميّ قال: قال رسول الله- ﷺ : «إذا تباطأت المغازي وكثرت الغرائم واستؤثر بالغنائم فخير جهادكم الرّباط» .
стр. 225
حبّان الأنصاريّ قال: إنّ رسول الله ﷺ خطب الناس يوم حنين فأحلّ لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها، وحرّم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس يحلّلونها: أحلّ لهم أكل لحوم الأضاحي، وزيارة القبور، والأوعية «١» ، ونهاهم عن بياع المغنم حتى يقسم، ونهاهم عن النّساء من السّبابا ألّا يوطأن حتى يضعن أولادهنّ، ونهاهم ألّا تباع ثمرة حتّى يبدو صلاحها، ويؤمن عليها من العاهة.
وهب بن حذيفة، قال رسول الله ﷺ : الرّجل أحقّ بمجلسه «٢» .
حسّان بن ثابت قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور.
стр. 226
قال مالك بن عبادة الغافقيّ: مرّ رسول الله ﷺ بعبد الله بن مسعود فقال: لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك.
خالد بن عديّ الجهنيّ أنّ رسول الله ﷺ قال: من بلغه معروف من أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يردّه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه.
رافع بن مكيث- أخو جندب بن مكيث- شهد الحديبية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم، والصّدقة تدفع ميتة السّوء، والبرّ زيادة في العمر» .
وقال النبيّ ﷺ : إنّ يوم الجمعة يوم زينة كيوم الفطر والنّحر.
خبّاب بن الأرتّ- وكان من أصحاب النبيّ ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ صلّى يوما إلى جدار كثير الجحرة إمّا ظهرا أو عصرا، فلمّا صلّى خرجت إليه عقرب فلدغته، فغشي عليه، فرقاه الناس فأفاق، فقال: «إنّ الله شفاني وليس برقيتكم» .
قال الوزير: ما أحسن هذا المجلس.
стр. 227
الليلة الرابعة والعشرون
وجرى حديث الفيل ليلة فأكثر من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدة تعاد، ولا غريبة تستفاد، فحكيت: إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا تتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة، وتحت مدار برج الحمل، والزّرافة لا تكون إلا في بلاد الحبشة، والسّمّور وغزال المسك لا يكونان إلّا في الصّحاري الشرقيّة الشّمالية، وأما الصّقور والنّسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها لا تفرخ إلا في رؤوس الجبال الشامخة والعقاب. والنعام لا تفرخ إلا في البراريّ والقفار والفلوات. والوطواط والطّيطوى وأمثالهما من الطير لا تفرخ إلّا على سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام، والعصافير والفواخت وما شاكلها من الطير لا تفرخ إلّا بين الأشجار والدّحال «١» والقرى والبساتين.
وحدّث ابن الأعربيّ عن هشام بن سالم- وكان مسنّا من رهط ذي الرّمة- قال:
أكلت حيّة بيض مكّاء فجعل المكّاء يشرشر «٢» على رأسها ويدنو منها، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمّت به ألقى في فيها حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت.
وأنشد أبو عمرو الشّيبانيّ قول الأسديّ:
إن كنت أبصرتني قلّا ومصطلما ... فربّما قتل المكّاء ثعبانا
فقال- حرس الله نفسه-: من أين للحيوان غير الإنسان هذه الفطنة وهذه الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة؟
فقلت: شيخنا أبو سليمان يقول في هذه الأيام- وقد جرى حديث الحيوان وعجائب أفاعليه- إن الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرض عظيم، وبذلك الغرض لها تفاوت عظيم ظاهر وخاف، وأفعال معهودة ونادرة، ولها أخلاق معروفة، ومعارف موصوفة، ولولا ذلك ما كان يقال: أصول من جمل، وأغدر من ذئب، وأروغ من ثعلب، وأجبن من صفرد، وأجمع من ذرّة «٣» ، وآلف من كلب، وأهدى من
стр. 228
قطاة، [وأحمق] من عقعق، وأزهى من غراب، وأظلم من حيّة. وأشدّ عداوة من عقرب. وأخبث من قرد، وأحمق من حبارى، وأكذب من فاختة، وألأم من كلب على جيفة، وأعقّ من ضبّ، وأبرّ من هرّة، وأنفر من ظليم «١» ، وأجرأ من ليث، وأحقد من فيل، وعلى هذا.
قال: وكما أنّ بين آحاد نوع الإنسان تفاوتا في الأخلاق، كذلك بين آحاد نوع الحيوان تفاوت، وكما أنه يزل بعض العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله، كذلك يزلّ ويغلط بعض الحمقى فيأتي بما لا يحسب أنّ مثله يهتدي إليه، فليس العقل بحاظر على صاحبه أن يندر منه ما يكون من الحيوان، وأصناف الحيوان من الناس وغير الناس تتقاسم هذه الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان المتباعدة، والأماكن المتنازحة، تقاسما محفوظ النّسب بالطبيعة المستولية، وإن كان ذلك التقاسم مجهول النّسب للغموض الذي يغلب عليه، وإذا عرف هذا الشرح وما أشبهه ممّا يزيده وضوحا، زال التعجّب الناشئ من جهل العلة وخفاء الأمر.
قال: ومن العجب أنا إذا قلنا: أروغ من ثعلب، وأجبن من صفرد، وأحقد من فيل، أن هذا الرّوغ وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصناف ليست لتكون عدّة لها مع نوع الإنسان، ولكن لتتعاطى أيضا بينها، وتستعملها عند الحاجة إليها، وكما يشبّه إنسان لأنّه لصّ بالفأرة، أو بالفيل لأنّه حقود، أو بالجمل لأنّه صؤول، كذلك يشبّه كلّ ضرب من الحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه إنسان.
ويقال للبليد من الناس: كأنّه حمار، ويقال للذكيّ من الخيل: كأنه إنسان، ولولا هذا التمازج في الأصل والجوهر، والسّنخ والعنصر، ما كان هذا التشابه في الفرع الظاهر، والعادة الجارية بالخبر والنّظر.
- فقال: هذا كلام لا مزيد عليه-.
وقالت العلماء: إن هذا الاعتبار واصل في الحقيقة إلى جنس النّبات، فإن النخل والموز لا ينبتان إلّا في البلدان الدّافئة والأرض اللّيّنة التّربة، والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلّا في البلدان الباردة والأرض الجبليّة. والدّلب وأمّ غيلان في الصّحارى والقفار، والقصب والصّفصاف على شطوط الأنهار.
قالوا: وهكذا أيضا وصف الجواهر المعدنيّة، كالذهب، فإنه لا يكون إلا في الأرض الرّمليّة والجبال والإحجار الرّخوة. والفضة، والنحاس والحديد لا تكون إلا في الأرض النّدية والتراب اللّيّن والرّطوبات الدّهنية، والأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي
стр. 229
والبقاع السّبخة، والجص والاسفيداج لا يكونان إلّا في الأرض الرمليّة المختلطة ترابها بالحصى، والزّاج لا يكون إلّا في التراب العفص، وقد أحصى بعض من عني بهذا الشأن هذه الأنواع المعدنيّة فوجدها سبعمائة نوع.
وقالوا: من الجواهر المعدنيّة ما هو صلب لا يذوب إلّا بالنار الشديدة، ولا يكسر إلّا بالفأس كالياقوت والعقيق، ومنها ترابيّ رخو لا يذوب ولكن ينفرك، كالملح والزاج، والطلق، ومنها مائيّ رطب ينفر من النار كالزّئبق، ومنها هوائيّ دهنيّ تأكله النار، كالكبريت والزّرنيخ، ومنها نباتيّ كالمرجان، ومنها حيوانيّ كالدّرّ، ومنها طلّ منعقد، كالعنبر والبادزهر، وذلك أنّ العنبر إنّما هو طلّ يقع على سطح ماء البحر، ثم ينعقد في مواضع مخصوصة في زمان مقدّر، وكذلك البادزهر، فإنّه طلّ يقع على بعض الأحجار، ثم يرشح في خللها، ويغيب فيها، وينعقد في بقاع مخصوصة، في زمان معلوم، وكالتّرنجبين الّذي هو طلّ يقع على ضرب من الشّوك، وكذلك اللك فإنّه يقع على نبات مخصوص ينعقد عليه، وكذلك الدّرّ فإنّه طلّ يرسخ في أصداف نوع من الحيوان البحريّ، ثم يغلط ويجمد وينعقد فيه، وكذلك الموميا، وهي طلّ يرسخ في صخور هناك ويصير ماء ثم ينزّ من مسامّ ضيّقة ويجمد وينعقد.
والطّلّ هو رطوبة هوائيّة تجمد من برد اللّيل، وتقع على النّبات والشّجر والحجر والصّخر، وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنيّة، فإن مادتها إنما هي رطوبات مائيّة، وأنداء وبخارات تنعقد بطول الوقوع ومرّ الزّمان.
وقالت الحكماء الأوّلون: هاهنا طبيعة تألف طبيعة أخرى، وطبيعة تلزق بطبيعة أخرى، وطبيعة تأنس بطبيعة، وطبيعة تتشبّه بطبيعة، وطبيعة تقهر طبيعة، وطبيعة تخبث مع طبيعة، وطبيعة تطيب مع طبيعة، وطبيعة تفسد طبيعة، وطبيعة تحمّر طبيعة، وطبيعة تبيّض طبيعة، وطبيعة تهرب من طبيعة، وطبيعة تبغض طبيعة، وطبيعة تمازج طبيعة.
فأمّا الطبيعة الّتي تألف طبيعة فمثل الماس فإنّه إذا قرب من الذّهب لزق به وأمسكه، ويقال: لا يوجد الماس إلّا في معدن الذّهب في بلد من ناحية المشرق.
ومثل طبيعة المغناطيس في الحديد، فإنّ هذين الحجرين يابسان صلبان، وبين طبيعتيهما ألفة، فإذا قرب الحديد من هذا الحجر حتى يشمّ رائحته ذهب إليه والتصق به وجذب الحديد إلى نفسه وأمسكه كما يفعل العاشق بالمعشوق. وكذلك يفعل الحجر الجاذب للخزّ والحجر الجاذب للشّعر، والجاذب للتّبن، وعلى هذا المثال ما من حجر من أحجار المعدن إلّا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلف واشتياق، عرف ذلك أو لم يعرف، ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل، وذلك أنّ من خاصّة كلّ عضو عليل اشتياقه إلى طبيعة الدّواء الّتي هي ضد طبيعة العلّة التي به، فإذا
стр. 230
حصل الدواء بالقرب من العضو العليل وأحسّ به جذبته القوّة الجاذبة إلى ذلك العضو وأمسكت الممسكة واستعانت بالقوّة المدبّرة لطبيعة الدواء على دفع الطبيعة المؤلّفة للعلة وقويت عليها ودفعتها عن العضو العليل، كما يستعين ويدفع المحارب والمخاصم بقوّة من يعينه على خصمه وعدوّه ويدفعه عن نفسه، وأمّا الطبيعة الّتي تقهر طبيعة أخرى فمثل طبيعة السّنباذج الّذي يأكل الأحجار عند الحكّ أكلا ويلينها ويجعلها ملساء. ومثل طبيعة الأسرب الوسخ في الماس القاهر لسائر الأحجار الصّلبة، وذلك أنّ الماس لا يقهره شيء من الأحجار، وهو قاهر لها كلّها، ولو ترك على السّندان وطرق بالمطرقة لدخل في أحدهما ولم ينكسر، وإن جعل بين صفيحتين من أسربّ وضمّتا عليه تفتّت، ومثل طبيعة الزئبق الطيار الرّطب القليل الصبر على حرارة النّار، إذا طلى به الاحجار المعدنية الصلبة مثل الذهب والفضّة والنّحاس والحديد أوهنها وأرخاها حتى يمكن أن تكسر بأهون سعي، وتتفتّت قطعا.
ومثل الكبريت المنتن الرائحة المسوّد للأحجار النيّرة البرّاقة، المذهب لأوانها وأصباغها، يمكّن النار منها حتّى تحترق في أسرع مدّة. والعلّة في ذلك أنّ الكبريت رطوبة دهنيّة لزجة جامدة، فإذا أصابته حرارة النار ذاب والتزق بأجساد الأحجار ومازجها، فإذا تمكنت النار منها احترق وأحرق معه تلك الأجساد ياقوتا كانت أو ذهبا أو غيرهما.
وأمّا الطبيعة التي ترسب في طبيعة أخرى وتنيرها، فمثل النّوشاذر الّذي يغوص في قعر الأشياء ويغسلها من الوسخ.
وأما الطبيعة التي تعين طبيعة أخرى فمثل البورق الذي يعين النار على سبك هذه الأحجار المعدنيّة الذائبة، ومثل الزّاجات والشّبوب التي تجلوها وتنيرها وتصبغها، ومثل المغنيسيا والقلى المعينين على سبك الرّمل وتصفيته حتّى يكون منه زجاج، وعلى هذا المثال جميع الأحجار المعدنيّة.
النار هي الحاكمة بين الجواهر المعدنيّة بالحق.
ويقال: من أدمن الأكل والشّرب في أواني النّحاس أفسدت مزاجه، وعرض له أمراض صعبة، وإن أدنيت أواني النّحاس من السّمك شممت لها رائحة كريهة وإن كبّت آنية النّحاس على سمك مشويّ أو مطبوخ بحرارته حدث منه سمّ قاتل.
القلعى قريب من الفضّة في لونه، ولكن يخالفها في ثلاث صفات: الرائحة والرّخاوة والصّرير، وهذه الآفات دخلت عليه وهو في معدنه كما تدخل الآفات على المفلوج وهو في بطن أمّه، فرخاوته لكثرة زئبقه، وصريره لغلظ كبريته.
ويقال: إنّ لون الياقوت الأصفر والذهب الإبريز، ولون الزعفران وما شاكلها من الألوان المشرقة منسوبة إلى نور الشمس وبريق شعاعها، وكذلك بياض الفضّة
стр. 231
والملح والبلّور والقطن وما شاكله من ألوان النّبات منسوبة إلى نور القمر وبريق شعاعه، وعلى هذا المثال سائر الألوان.
وقال أصحاب النجوم: السواد لزحل، والحمرة للمرّيخ، والخضرة للمشتري، والزّرقة للزّهرة، والصّفرة للشّمس، والبياض للقمر، والتّلوّن لعطارد.
ويقال: إن العلّة الفاعلة للجواهر المعدنيّة هي الطّبيعة، والعلّة الطّينيّة الزّئبق والكبريت، والعلّة الصّوريّة دوران الأفلاك وحركات الكواكب حول الأركان الأربعة الّتي هي: النّار والهواء والماء والأرض، والعلّة التّماميّة المنافع التي ينالها الإنسان والحيوان.
ويقال: إن الجواهر المعدنيّة ثلاثة أنواع: منها ما يكون في التّراب والطّين والأرض السّبخة، ويتمّ نضجه في السّنة وأقلّ كالكباريت والأملاح والشّبوب والزّاجات وما شابهها، ومنها ما يكون في قعر البحار وقرار المياه، ولا يتمّ نضجه إلّا في السّنة أو أكثر كالدّرّ والمرجان، فإنّ أحدهما نبات وهو المرجان، والآخر حيوان، وهو الدّرّ.
ومنها ما يكون في وسط الحجر وكهوف الجبال وخلل الرّمال فلا يتمّ نضجه إلّا في السّنين، كالذهب والفضّة والنّحاس والحديد والرّصاص وما شاكلها، ومنها ما لا يتمّ نضجه إلّا في عشرات السنين، كالياقوت والزّبرجد والعقيق وما شاكلها.
وقال بعض من حضر المجلس- وهو الرّجل الفدم الثّقيل-: إنّ الزارع لا يزرع طالبا للعشب، بل قصده للحبّ، ولابدّ للعشب من أن ينبت إن أحبّ أو كره، فلم ذلك؟ فقيل له: قد يصحب المقصود ما ليس بمقصود، من حيث لا يتمّ المقصود إلّا بما ليس بمقصود، والعشب هو فضلات الحبّ، وبه صفاء الحبّ وتمامه، ولولا القوّة التي تصفّي الحبّ وتصوّره بصورته الخاصة به، وتنفي كدره وتحصّل صفوه لكان العشب في بدن الحبّ، وحينئذ لا يكون الحبّ المنتفع به المخصوص باسمه المعروف بعينه، بل يكون شيء آخر، فلمّا تميّزت تلك الشّوائب التي كانت ملابسة له من أجزاء الأرض والماء وآثار الهواء والنار، خلص منتفعا به، مقصودا بعينه، فوجب بهذا الاعتبار أن يكون الحبّ بالذّات، والعشب بالعرض.
فقال- أدام الله دولته-: هل تعرف العرب الفرق بين الرّوح والنّفس في كلامها؟
وهل في لفظها من نظمها ونثرها ما يدلّ على ما بينهما، أو هما كشيء واحد لحقه اسمان؟
فكان الجواب: إنّ الاستعمال يخلط هذا بهذه وهذه بهذا في مواضع كثيرة، وإذا جاء الاعتبار أفرد أحدهما من الآخر بالحدّ والرسم، وعلى هذا اتّفق رأي الحكماء، لأنّهم حكموا بأنّ الرّوح جسم لطيف منبثّ في الجسد على خاصّ ماهيته فيه فأمّا
стр. 232
النّفس الناطقة فإنها جوهر إلهيّ، وليست في الجسد على خاصّ ماهيته ولكنّها مدبّرة للجسد، ولم يكن الإنسان إنسانا بالرّوح، بل النّفس، ولو كان إنسانا بالرّوح لم يكن بينه وبين الحمار فرق، بأن كان له روح ولكن لا نفس له. فأما النّفسان الأخريان اللّتان هما الشّهويّة والغضبيّة فإنّهما أشدّ اتّصالا بالرّوح منهما بالنفس، وإن كانت النفس الناطقة تدبّرهما وتمدّهما وتأمرهما وتنهاهما، فهذا أيضا يوضّح الفرق بين الرّوح والنّفس، فليس كلّ ذي روح ذا نفس، ولكن كلّ ذي نفس ذو روح، وقد وجدنا في كلام العرب مع هذا الفرق بينهما، فإن النابغة قد قال للنّعمان بن المنذر:
وأسكنت نفسي بعد ما طار روحها ... وألبستني نعمى ولست بشاهد
وقال أبو الأسود:
لعمرك ما حشاك الله روحا ... به جشع ولا نفسا شريرة
قال: هذا من الفوائد التي كنت أحنّ إليها، وأستبعد الظّفر بها، وما أنفع المطارحة والمفاتحة وبثّ الشكّ واستماحة النّفس، فإنّ التّغافل عمّا تمسّ إليه الحاجة سوء اختيار، بل سوء توفيق.
وما أحسن ما قال بعض الجلّة: توانيت في أوان التعلّم عن المسألة عن أشياء كانت الحاجة تحفز إليها والكسل يصدّ عنها، فلما كبرت أنفت من ذكرها وعرضها على من علمها عنده، فبقيت الجهالة في نفسي، وركدت الوحشة بين قلبي وفكري.
ثم جرى في حديث النفس ذكر بعض العلماء فإنّه قال: إنّ نفسك هي إحدى الأنفس الجزئيّة من النفس الكلّيّة، لا هي بعينها، ولا منفصلة عنها، كما أنّ جسدك جزء من جسد العالم لا هو كلّه ولا منفصل عنه، وقد مرّ من أمر النّفس ما فيه إيضاح تامّ واستبصار واسع، وإن كان الكلام في نعت النّفس لا آخر له، ولا وقوف عنه.
ولو قال قائل: إنّ جسدك هو كلّ العالم لم يكن مبطلا، لأنّه شبيه به، ومسلول منه، وبحقّ الشّبه يحكيه، وبحقّ الانسلال يستمدّ منه، وكذلك النّفس الجزئيّة هي النفس الكلّيّة، لأنها أيضا مشاكهة لها، وموجودة بها، فبحقّ الشّبه أيضا تحكي حالها، وبحقّ الوجود تبقى بقاءها، فليس بين الجسد إذا أضيف إلى العالم، والنّفس إذا قيست بالأخرى فرق، إلّا أنّ الجسد معجون من الطّينة، والنّفس مدبّرة بالقوّة الإلهيّة، ولهذا احتيج إلى الإحساس والموادّ، وإلى الاقتباس والالتماس حتى تكون مدّة الحياة الحسّية بالغة إلى آخرها من ناحية الجسد، ويكون مبدأ الحياة النفسيّة موصولا بالأبد بعد الأبد.
فقال- أدام الله سعادته-: لو كان ما يمرّ من هذه الفوائد الغرر والمرامي اللّطاف مرسوما بسواد على بياض، ومقيّدا بلفظ وعبارة، لكان له ريع وإتاء، وزيادة ونماء.
стр. 233
فكان الجواب، إنّ هذا غير متعذّر ولا صعب إنّ نفّس الله في البقاء، وصرف هذه الهموم الّتي تقسّم الفكر بالعوارض التي لا تحتسب، والأسباب التي لا تعرف، فأمّا والأشغال على تكاثفها، والزّمان على تلوّنه فكيف يمكن ذلك، والعجب أنّه يجري حرف من هذه الأمور الشريفة في هذه الأوقات الضيّقة.
ولقد قال أبو سليمان أمس: كيف نشاط الوزير- أدام الله سعادته- في شأنه، وكيف كان تقبّله لرسالتي إليه، وتلطّفي له، وخدمتي لدولته؟
فقلت: ما ثمّ شيء يحتاج إلى الزيادة من فهم ودراية، وبيان واستبانة، وهشاشة ورفق، واطّلاع وتأنّ، ولكنّ الوقت مستوعب بالتّدبير والنّظر، وكفّ العدوّ بالمداورة مرّة، وبالإحسان مرّة. فقال: الله يبقيه، ويرينا ما نحبّه فيه.
وقال أيضا أبو سليمان: كيف لا يكون ما تقلّده ثقيلا، وما تصدّى له عظيما، وما يباشره بلسانه وقلمه صعبا، والأولياء أعداء، والأعداء جهّال، والحضّ عليه من ورائه شديد، ونصيحه غاشّ، وثقته مريب، والشّغب متّصل، وطلب المال لا آخر له، والمصطنع مستزيد، والمحروم ساخط، والمال ممزّق، والتجديف من الطالب واقع، والتحكّم بالإدلال دائم، والاستقالة من الكبير والصغير زائدة، والكلام ليس ينفع، والتدبّر ليس يقمع، والوعظ هباء منثور، والأصل مقطوع مبتور، والسرّ مكشوف، والعلانية فاضحة، وقد ركب كلّ هواه، وليس لأحد فكّر في عقباه، واختلط المبرم بالسّحيل، وضاق على السّالك كلّ سبيل، ومنابع الفساد ومنابت التخليط كلّها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة؟ وإنما سؤلها تعجيل حظّ وإن كان نزرا، واستلاب درهم وإن كان زيفا، ولعمري ليس يكون الكدر إلّا بعد الصّفو، كما لا يكون الصّفو إلّا بعد الكدر، هكذا الليل والنّهار، والنور والظّلام، هذا يخلف هذا، وهذا يتلو هذا.
قال: أعني بهذا أنّه لما فقد الملك السعيد- ﵁ بالأمس حدث هذا كلّه، فإنه كان قد زمّ وخطم، وجبر وحطم، وأسا وجرح، ومنع ومنح، وأورد وأصدر، وأظهر وستر، وسهل ووعّر، ووعد وتوعّد، وأنحس وأسعد، ووهب زمانه وحياته لهذا، لأنه جعل لذّته فيه، وغايته إليه، واشتهى أن يطير صيته في أطراف الأرض فيسمع ملوكها بفطنته وحزمه، وتصميمه وعزمه، وجدّه وتشميره، ورضاه في موضع الرّضا، وسخطه في وقت السّخط، ورفعه لمن يرفعه بالحقّ، ووضعه لمن يضعه بالواجب، يجري الأمور بسنن الدّين ما استجابت، فإن عصت أخذ بأحكام السياسة التي هي الدنيا، ولمّا كانت الأمور متلبّسة بالدّين والدنيا لم يجز للعاقل الحصيف، والمدبّر اللّطيف أن يعمل التدبير فيها من ناحية الدّين فحسب، ولا من ناحية الدّنيا فقط، لأنّ دائرة الدّين إلهيّة، ودائرة الدنيا حسّيّة، وفي الإحسان أحقاد لا
стр. 234
بدّ من إطفاء ثائرتها، وصنائع لابدّ من تربيتها، وموضوعات لابد من إشالتها ومرفوعات لابدّ من إزالتها، وتدبيرات لابدّ من إخفائها، وأحوال لابدّ من إبدائها، ومقامات لابدّ من الصّبر على عوارض ما فيها، وأمور هي مسطورة في كتب السّياسات للحكماء لابدّ من عرفانها والعمل بها والمصير إليها، والزيادة عليها، فليس الخبر كالعيان، ولا الشاهد كالغائب، ولا المظنون كالمستيقن.
ثم قال:- أعني أبا سليمان- وهذا كلّه منوط بالتوفيق والتأييد اللّذين إذا نزلا من السّماء واتّصلا بمفرق السائس تضامّت أحواله على الصّلاح، وانتشرت على النّجاح، وكفي كثيرا من همومه، ثم دعا للوزير بالبقاء المديد، والعيش الرّغيد والجدّ السّعيد، وأمّن الحاضرون على ذلك، وكانوا جمّا غفيرا، لا فائدة في ذكر أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم، وكلّهم لمّا سمعوا هذا الكلام الشريف عجبوا منه، وعوّذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالة في السياسة، فقال: قد رسمت شيئا منذ زمان، وقد شاع وفشا، وكتب وحمل في جملة الهديّة إلى قابوس بجرجان، فهذا- أيّها الشيخ- نمط أبي سليمان وأنت عنه مشغول، قد رضيت بترك النّظر في أمره، وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه، والله ما هذا لسوء عهدك فيه، ولا لحيلولة نيّتك عنه، ولكن لقلّة حظّه منه وإنحاء الزّمان على كلّ من يجري مجراه، مع عوز مثله في عصره، وكيف تتّهم بسوء اعتقاد وقلّة حفاظ، وتوان عن رعاية عهد، وقيام بحقّ، وأنت من فرقك إلى قدمك فضل وخير وجود ومجد وإحسان وكرم ومعونة ورفد وإنعام وتفقّد وتعهّد وبذل وعرف، ولو كان امرؤ من الذّهب المصفّى لكنته ولو كان أحد من الرّوح الصّرف لكنته، ولو كان أحد من الضّياء المحيط لكنته، فسبحان من خلقك صرفا بلا مزاج، وصفوا بلا كدر، وواحدا بلا ثان، لقد فخر بك الشّرق على الغرب، وسلّم لك بلا خصومة ولا شغب، فأدام الله لك ما آتاك وأفاض عليك من لدنه ما ينوّر مسعاك، وبلّغك السعادة العظمى في عقباك، كما بلّغك السعادة الصّغرى في دنياك.
أعرض أيّها الشّيخ هذا الحديث على ما ترى، والكلام ذو جيشان، والصّدر ذو غليان، والقلم ذو نفيان ومتدفّقه لا يستطاع ردّه، ومنبعثه لا يقدر على تسهيله، وخطبه غريب، وشأنه عجيب، وإنما يعرف دقّه وجلّه من يذوق حلوه ومرّه، ومع هذا كلّه، فإني أذكّرك أمري لتلحظه بعين الرّعاية، وأعرض عليك حديثي لتحفظه في صحيفة العناية، فلقد أمسيت بين صديق يشقّ عليّ حزنه لي، وبين عدوّ تسوءني شماتته بي، وقد صحّ عندي أنّ إقبالك عليّ يسر، كما أنّ إعراضك عنّي عسر، وأرجع إلى تمام هذين الجزأين وإنه أحرى.
وأما حديث الزّهّاد وأصحاب النّسك، فإنّه كان تقدّم بإفراد جزء فيه، وقد أثبتّه في هذا الموضع، ولم أحبّ أن أعزله عن جملته، فإن فيه تنبيها حسنا، وإرشادا
стр. 235
مقبولا، وكما قصدنا بالهزل الذي أفردنا فيه جزءا جماما للنّفس قصدنا بهذا الجزء الذي عطفنا عليه إصلاحا للنفس وتهذيبا للخلق، واقتداء بمن سبق إلى الخير واتّباعا لمن قصد النّصح، وشرف الإنسان موقوف على أن يكون فاتحا لباب من أبواب الخير على نفسه وعلى غيره، فإن لم يكن ذلك فلا أقلّ من أن يكون مقتفيا لأثر من كان فاتحا قبله، ومن تقاعس عن هذين الأمرين فهو الخاسر الذي جهل قيمة نفسه، وضلّ عن غاية حياته، وحرم التوفيق في إصابة رشده، والله المستعان.
قال ابن مسعود: لو عرفت البهائم ما عرفتم ما أكلتم سمينا.
وقال أبو هريرة: اللهم إني أسألك قلبا قارّا، ورزقا دارّا، وعملا سارّا.
وقال بعض السّلف: اللهمّ إنّي أسألك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا صابرا.
وقال صالح بن مسمار: لا أدري أنعمته عليّ فيما بسط لي أفضل، أم نعمته فيما زوى عنّي، لأنّه فيما بسط لي أحياني، وفيما زوى عنّي حماني، نظر لي بما يزيد على نظري لنفسي، وآتاني من عنده أكثر ممّا عندي.
وقال الله لموسى- ﵇: حبّبني إلى عبادي. قال: وكيف أحبّبك؟ قال: ذكّرهم آلائي ونعمائي.
وقال شدّاد بن حكيم لبعض الواعظين: أيّ شيء تقول إذا جلست على المنبر؟
قال: أذكّرهم آلاء الله ليشكروا، وأذكّرهم جفاءهم ليتوبوا، وأخبرهم عن إبليس وأعوانه حتى يحذروا.
وقال بعض الصّالحين: مثل الدّنيا ونعيمها كخابية فيها سمّ وعلى رأسها عسل، فمن رغب في العسل سقي من السّمّ، ومثل شدّة الدنيا كمثل خابية مملوءة من العسل وعلى رأسها قطرات من سمّ، فمن صبر على أكلها بلغ إلى العسل.
جاء رجل إلى حاتم الزّاهد بنميمة، فقال: يا هذا أبطأت عني وجئت بثلاث جنايات، بغّضت إليّ الحبيب، وشغلت قلبي الفارغ، وأعلقت نفسك التّهمة، وأنت آمن.
وكان خالد بن صفوان يقول: قبول قول النّمام شرّ من النميمة، لأن النميمة دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبل وأجاز.
وقال ابن السماك الواعظ: يدرك النّمّام بنميمته ما لا يدرك الساحر بسحره.
وقال معمر: ما نزلت بعبد نازلة فكان مفزعه إلى الله إلّا فرّج الله عنه.
وقال عمر: ما أسأل الله الرزق وقد فرغ منه، ولكن أسئله أن يبارك لي فيه.
وقال مالك بن دينار: الجلوس مع الكلب خير من الجلوس مع رفيق سوء.
وقال أبو هريرة: تهادوا عباد الله يتجدّد في قلوبكم الودّ، وتذهب السّخيمة.
стр. 236
وقال حاتم: صاحب الضّغن غير ذي دين، والغائب «١» غير ذي عبادة. والنّمّام غير صدوق، والحاسد غير منصور.
وقال بعض السّلف: من استقصى عيوب الناس بقي بلا أصدقاء.
وقال محمد بن واسع: ينبغي للرّجل أن يكون مع المرأة كما يكون أهل المجنون مع المجنون، يحتملون منه كلّ أذى ومكروه.
قيل لمالك بن دينار: لو تزوجت، قال: لو استطعت لطلّقت نفسي.
قال شقيق: اشتريت بطّيخة لأمّي، فلما ذاقتها سخطت. فقلت: يا أمّي، على على من تردّين القضاء ومن تلومين، أحارثها أم مشتريها أم خالقها؟ فأمّا حارثها ومشتريها فما لهما ذنب، فلا أراك تلومين إلا خالقها.
ويقال: إنّ عبدا حبشيّا ناوله مولاه شيئا يأكله، وقال: أعطني قطعة منه فأعطاه، فلما أكله وجده مرّا، فقال: يا غلام، كيف أكلت هذا مع شدّة مرارته. قال: يا مولاي، قد أكلت من يدك حلوا كثيرا، ولم أحبّ أن أريك من نفسي كراهة لمرارته.
وأوحى الله تعالى إلى عزير: إذا نزلت بك بليّة لا تشكني إلى خلقي كما لم أشكك إلى ملائكتي عند صعود مساوئك إليّ، وإذا أذنبت ذنبا فلا تنظر إلى صغره، ولكن انظر من أهديته إليه.
وقال لقمان: إنّ الذّهب يجرّب بالنّار، وإنّ المؤمن يجرّب بالبلاء.
وقال بعض السّلف: عليكم بالصّبر فإن الله تعالى قال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
[البقرة: ١٥٥] وقال: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[الزمر: ١٠] وقال:
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا
[الفرقان: ٧٥] . وقال: اصْبِرُوا وَصابِرُوا
[آل عمران: ٢٠٠] . وقال: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ
[الرعد: ٢٤] .
وقال الأوزاعيّ: المؤمن يقلّ الكلام ويكثر العمل. والمنافق يكثر الكلام ويقلّ العمل.
وقال فضيل بن عياض: الخوف ما دام الرجل صحيحا أفضل، فإذا نزلت الموت فالرّجاء أفضل.
وقال النّبي- ﷺ : إيّاكم والخيانة، فإنها بئست البطانة «٢» ، وقال النبي ﷺ :
стр. 237
«من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه لفح النار يوم القيامة» «١» .
وروي: من وقي شرّ لقلقه وقبقبه وذبذبه «٢» فقد وقي شرّة الشّباب.
وقيل لابن المبارك: إنك لتحفظ نفسك من الغيبة. قال: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والديّ، لأنهما أحقّ بحسناتي.
وقال بعض الصّالحين: لو أنّ رجلا تعشّى بألوان الطّعام وقد أصاب من النّساء في اللّيل، ورجلا آخر رأى رؤيا على مثال ما أصاب الأوّل في اليقظة، فإذا مضيا صار الحالم والآخر سواء.
وقال شقيق: من أبصر ثواب الشّدّة لم يتمنّ الخروج منها.
وقال شقيق لأصحابه: أيّما أحبّ إليكم، أن يكون لكم شيء على المليء، أو يكون شيء للمليء عليكم؟ فقالوا: بل نحبّ أن يكون لنا على المليء. فقال: إذا كنتم في الشدّة يكون لكم على الله، وإذا كنتم في النّعمة يكون لله عليكم.
وقال بعض السّلف: شتّان ما بين عملين: عمل تذهب لذّته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى ذخره.
وقال الرّقاشي في مواعظه: خذوا الذّهب من الحجر، واللؤلؤ من المزبلة.
وقال يحيى بن معاذ: العلم قبل العمل، والعقل قائد الخير، والهوى مركب المعاصي، والمال داء المتكبّر.
стр. 238
وقال: من تعلّم علم أبي حنيفة فقد تعرّض للسلطان، ومن تعلّم النحو والعربيّة دلّه بين الصّبيان، ومن علم علم الزّهاد بلغ إلى العرش.
وقال بعض الصّالحين: إنّ العلماء يسقون الناس، فبعضهم من الغدران والحياض، وبعضهم من العيون والقلب، وبعضهم من البحار الواسعة.
وقال حاتم: لا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال.
وقال مالك بن دينار: إنّي لا أقدر أن أعمل بجميع ما أقول.
وقال وهيب بن الورد: مثل عالم السّوء كمثل الحجر يقع في السّاقية فلا هو يشرب الماء، ولا يخلّي عن الماء فيذهب إلى الشجرة.
وقال النبيّ ﷺ : لأنّا من غير الدّجّال أخوف عليكم. قيل: ومن هو؟ قال:
الأئمة المضلّون.
وقال الثّوريّ: نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر، وفتنة القائد الجاهل.
وقال النبي ﷺ : «سيكون في أمّتي علماء فسّاق، وقرّاء جهّال» .
وقال الثّوريّ: العلم طبيب الدّين، والمال داؤه، فإذا رأيت الطّبيب يجرّ الداء إلى نفسه فكيف يعالج غيره.
وقال عيسى بن مريم: ما ينفع الأعمى ضوء الشّمس وهو لا يبصرها.
وقال النبيّ ﷺ : «أشدّ الناس حسرة يوم القيامة عالم علم الناس ونجوا به، وارتهن هو بسوء عمله» .
وقال أحمد بن حرب: إن منازل الدّنيا لا تقطع بالكلام، فكيف يقطع طريق الآخرة بالكلام.
وقال أبو مسلم الخولانيّ: العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه وعاش به الناس، ورجل عاش بعلمه ولم يعش به الناس، ورجل عاش بعلمه الناس وهلك هو.
وشاور رجل محمد بن أسلم فقال: إنّي أريد أن أزوّج بنتي، فبمن أزوّج؟ قال:
لا تزوّجها عالما مفتونا، ولا كاسبا كاذبا، ولا عابدا شاكّا.
قيل: نصح إبليس فقال: إيّاك والكبر، فإنّي تكبّرت فلعنت، وإياك والحرص فإن أباك حرص على أكل الشّجرة فأخرج من الجنّة، وإيّاك والحسد فإنّ أحد بني آدم قتل أخاه بالحسد.
ومرّ حاتم بقوم يكتبون العلم فنظر إليهم وقال: إن لم يكن معكم ثلاثة أشياء لن تفلحوا. قالوا: وما هي؟ قال: همّ أمس، واغتمام اليوم، وخوف الغد.
وقال ابن عمر: كان في بني إسرائيل ثلاثة خرجوا في وجه، فأخذهم المطر
стр. 239
فدخلوا كهفا، فوقع حجر عظيم على باب الكهف، وبقوا في الظلمة وقالوا: لا ينجينا إلا ما عملناه في الرخاء. فقال أحدهم: إني كنت راعيا فأرحت وحلبت، وكان لي أبوان وأولاد وامرأة فسقيت أوّلا الوالدين ثم الأولاد، فجئت يوما فوجدت أبويّ قد ناما فلم أوقظهما لحرمتهما ولم أسق الأولاد وبقيت قائما إلى الصبح، فإن كنت يا ربّ قبلت هذا منّي فاجعل لنا فرجا. فتحرّك الحجر ودخل عليهم الضّوء.
وقال الثاني: إني كنت صاحب ضياع، فجاءني رجل بعد ما متع النهار، وكان لي أجراء يحصدون الزرع، فاستأجرته، فلما تمّ عملهم أعطيتهم أجورهم، فلما بلغت إلى ذلك الرجل أعطيته وافيا كما أعطيت غيره، فغضبوا وقالوا: تعطيه مثل ما أعطيتنا.
فأخذت تلك الأجرة واشتريت بها عجّولا ونمى حتى كثر البقر، فجاء صاحب الأجر يطلب فقلت: هذه البقر كلّها لك، فسلّمتها إليه، فإن كنت يا ربّ قبلت منّي هذا الوفاء ففرّج عنا. فتحرّك الحجر ودخل منه ضوء كثير.
وقال الثالث: كانت لي بنت عمّ فراودتها، فأبت، حتى أعطيتها مائة دينار فلما أردت ما أردت اضطربت وارتعدت. فقلت لها: ما لك؟ فقالت: إني أخاف الله.
فتركتها ورجعت عنها، إلهي فإن كنت قبلت ذلك منّي ففرّج عنّا. فتحرّك الحجر وسقط عن باب الكهف وخرجوا منه يمشون.
وقال حاتم: لو أدخلت السوق شياه كثيرة لما اشترى أحد المهزول، بل يقصد السّمين للذّبح.
وقال يحيى بن معاذ: في القلب عيون يهيج منها الخير والشّرّ.
وقال بعض الصالحين في دعائه: اللهم إنّ أحدنا لا يشاء حتى تشاء، فاجعل مشيئتك لي أن تشاء ما يقرّبني إليك، اللهم إنك قدّرت حركات العبد، فلا يتحرك شيء إلّا بإذنك، فاجعل حركاتي في هواك.
وقال قاسم بن محمّد: لأن يعيش الرّجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم.
وقال الشعبي: لم يكن مجلس أحبّ إليّ من هذا المجلس، ولأن أبعد اليوم عن بساطه أحبّ إليّ من أن أحبس فيه.
وقال حاتم: إذا رأيت من أخيك عيبا فإن كتمته عليه فقد خنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته، قيل له: كيف أصنع؟ قال: تكني عنه، وتعرّض به، وتجعله في جملة الحديث.
وقال: إذا رأيت من أخيك زلّة فاطلب لها سبعين وجها من العلل، فإن لم تجد فلم نفسك.
стр. 240
وقال إبراهيم بن جنيد: اتّخذ مرآتين، وانظر في إحداهما عيب نفسك، وفي الأخرى محاسن الناس.
وقال يحيى بن معاذ: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يعمرها.
وقال ابن السماك: الدنيا كالعروس المجلوّة تشوّفت لخطّابها وفتنت بغرورها، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة.
وقال بعض العارفين: الدنيا أربعة أشياء: الفرح والرّاحة والحلاوة واللّذّة، فالفرح بالقلب والرّاحة بالبدن، واللّذة بالحلق، والحلاوة بالعين.
وقال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان، فمن سكر منها لم يفق إلا في مسكن النّادمين.
وقال بعض السلف: الزهد خلع الراحة، وبذل الجهد، وقطع الأمل.
وقال الأنطاكي أحمد بن عاصم: الزّهد هو الثّقة بالله، والتبرّؤ من الخلق، والإخلاص في العمل، واحتمال الذّل.
وقال داود- ﵇ في دعائه: يا رازق النّعّاب في عشّه.
وقال بعض السّلف: لو كنت على ذنب الرّيح لم تفرّ من رزقك.
وقال آخر: الإنسان بين رزقه وأجله، إلا أنه مخدوع بأمله.
وقال عيسى بن مريم ﵇: خلقك ربّك في أربع مراتب، فكنت آمنا ساكنا في ثلاث، وقلقلت في الرابعة، أولاها في بطن أمّك في ظلمات ثلاث، والثانية حين أخرجك منه وأخرج لك لبنا من بين فرث ودم. والثالثة إذا فطمت أطعمك المريّ الشّهيّ، حتى إذا اشتدت عظامك وبلغت تمامك صرت خائنا وأخذت في السّرقة والحيلة.
وقال أنس: رأيت طائرا أكمه فتح فاه فجاءت جرادة فدخلت فمه.
وقال عيسى- ﵇: يا ابن آدم اعتبر رزقك بطير السماء، لا يزرعن ولا يحصدن وإله السّماء يرزقهنّ. فإن قلت: لها أجنحة فاعتبر بحمر الوحش وبقر الوحش ما أسمنها وما أبشمها وأبدنها! وقال ابن السّمّاك: لو قال العبد: يا ربّ لا ترزقني، لقال الله: بل أرزقك على رغم أنفك، ليس لك خالق غيري، ولا رازق سواي، إن لم أرزقك فمن يرزقك؟
وقيل لراهب: من أين تأكل؟ فقال: إن خالق الرّحى يأتي بالطّحين.
стр. 241
وقال حاتم: الحمار يعرف طريق المعلف، والمنافق لا يعرف طريق السماء.
وقال إبراهيم بن أدهم: سألت راهبا من أين تأكل؟ قال: ليس هذا العلم عندي، ولكن سل ربّي من أين يطعمني.
وقال حاتم: مثل المتوكّل مثل رجل أسند ظهره إلى جبل.
وقال بعض الأبرار: حسبك من التّوكّل ألّا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لرزقك خازنا غيره، ولا لعملك شاهدا غيره.
وقال عبد الحميد بن عبد العزيز: كان لأبي صديق ورّاق، فقال له أبي يوما:
كيف أصبحت؟ قال: بخير ما دامت يدي معي، فأصبح الورّاق وقد شلّت يده.
قال أبو العالية: لا تتّكل على غير الله فيكلك الله إليه، ولا تعمل لغير الله فيجعل ثواب عملك عليه.
وقال رجل لأبي ذرّ: أنت أبو ذرّ؟ قال: نعم. قال: لولا أنك رجل سوء ما أخرجت من المدينة. فقال أبو ذرّ: بين يديّ عقبة كؤود إن نجوت منها لا يضرّني ما قلت، وإن أقع فيها فأنا شرّ ممّا تقول.
وقيل لفضيل: إن فلانا يقع فيك. فقال: لأغيظنّ من أمره بذلك، اللهمّ اغفر له.
وقال رجل لأبي هريرة: أنت أبو هريرة؟ قال: نعم. قال: سارق الذّريرة «١» ؟ قال:
اللهمّ إن كان كاذبا فاغفر له، وإن كان صادقا فاغفر لي، هذاك أمرني رسول الله ﷺ .
وقال رجل لابن مكدّم: يا كافر. قال: وجب عليّ الشّكر، حيث لم يجر ذلك على لساني، ولم تجب عليّ إقامة الحجّة فيه، وقد طويت قلبي على جملة أشياء.
قال: وما هنّ؟ قال: إن قلت ألف مرّة لا أجيبك مرّة، ولا أحقد عليك، ولا أشكوك إلى أحد، وإن نجوت من الله بعد هذه الكلمة شفعت لك. فتاب الرجل.
كان للحسن جار نصرانيّ، وكان له كنيف على السّطح، وقد نقب ذلك في بيته، وكان يتحلّب منه البول في بيت الحسن، وكان الحسن أمر بإناء فوضع تحته، فكان يخرج ما يجتمع منه ليلا، ومضى على ذلك عشرون سنة، فمرض الحسن ذات يوم فعاده النّصرانيّ، فرأى ذلك، فقال: يا أبا سعيد: مذ كم تحملون منّي هذا الأذى؟
فقال: منذ عشرين سنة. فقطع النّصرانيّ زنّاره وأسلم.
وجاءت جارية لمنصور بن مهران بمرقة فهراقتها عليه، فلما أحسّ بحرّها نظر إليها، فقالت: يا معلّم الخير اذكر قول الله. قال: وما هو؟ قالت:
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
[آل عمران: ١٣٤] قال: كظمت. قالت: واذكر وَالْعافِينَ عَنِ
стр. 242
النَّاسِ
[آل عمران: ١٣٤] قال: قد عفوت. قالت: واذكر وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[آل عمران: ١٣٤] . قال: اذهبي فأنت حرّة.
قال الحسن: ما جزعة أحبّ إليّ من جزعة مصيبة ردّها صاحبها بصبر، وجزعة غضب ردّها صاحبها بحلم.
وكان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول: ما أشبهك بسيّدك؟
وقال أبو ذرّ: كيف يكون حليما من يغضب على حماره وسخله وهرّه.
ومات ابن للرشيد فجزع جزعا شديدا، فوعظه العلماء فلم يتعظ، فدخل مخنّث وقال: أتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلّم. فكشف عن رأسه وقام بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل، وقد تشبّهت بالنّساء كما ترى، فأيّ شيء كنت تصنع لو كان ابنك في الأحياء وكان على صورتي، فاتّعظ به وأخرج النّوّاحات من الدّار.
قال وهب: مكتوب في الكتب القديمة: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا عبادي.
وقال جعفر بن محمد- ﵉: حسن الجوار عمارة الدّيار ومثراة المال.
ولما قرأ هذا الجزء- حرسه الله- ارتاح وقال: أين نحن من هذه الطّريقة، إلى الله المشتكى.
стр. 243
الليلة الخامسة والعشرون
وقال- أدام الله دولته- ليلة: أحبّ أن أسمع كلاما في مراتب النّظم والنّثر، وإلى أيّ حدّ ينتهيان، وعلى أيّ شكل يتّفقان، وأيّهما أجمع للفائدة، وأرجع بالعائدة، وأدخل في الصّناعة، وأولى بالبراعة؟؟
فكان الجواب: إنّ الكلام على الكلام صعب. قال: ولم؟ قلت: لأنّ الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحسّ ممكن، وفضاء هذا متّسع، والمجال فيه مختلف. فأمّا الكلام على الكلام فإنّه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه، ولهذا شقّ النّحو وما أشبه النّحو من المنطق، وكذلك النّثر والشّعر وعلى ذلك.
وقد قال الناس في هذين الفنّين ضروبا من القول لم يبعدوا فيها من الوصف الحسن، والإنصاف المحمود، والتّنافس المقبول، إلّا ما خالطه من التعصّب والمحك، لأنّ صاحب هذين الخلقين لا يخلو من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ذلك يصير له مدخل فيما يراد تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من البلوغ بها، وهذه آفة معترضة في أمور الدّين والدّنيا، ولا مطمع في زوالها، لأنّها ناشئة من الطّبائع المختلفة، والعادات السّيّئة، لكنّي مع هذه الشّوكة الحادّة، والخطّة الكادّة، أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشّأن، والمنتمين لهذا الفن، وإن عنّ شيء يكون شكلا لذلك وصلته به تكميلا للشّرح، واستيعابا للباب، وصمدا «١» للغاية، وأخذا بالحياطة، وإن كان المنتهى منه غير مطموع فيه، ولا موصول إليه، والله المعين.
قال شيخنا أبو سليمان: الكلام ينبعث في أوّل مبادئه إمّا من عفو البديهة، وإمّا من كدّ الرّويّة، وإمّا أن يكون مركّبا منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقلّ، فضيلة عفو البديهة أنّه يكون أصفى، وفضيلة كدّ الرّويّة أنه يكون أشفى، وفضيلة المركّب منهما أنه يكون أوفى، وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقلّ، وعيب كدّ الرويّة أن تكون صورة الحسّ فيه أقلّ، وعيب المركّب منهما بقدر قسطه منهما: الأغلب والأضعف، على أنّه إن خلص هذا المركّب من شوائب التكلّف، وشوائن التّعسّف،
стр. 244
كان بليغا مقبولا رائعا حلوا، تحتضنه الصّدور، وتختلسه الآذان، وتنتهبه المجالس، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس، والتّفاضل الواقع بين البلغاء في النّظم والنّثر، إنما هو في هذا المركّب الذي يسمّى تأليفا ورصفا، وقد يجوز أن تكون صورة العقل في البديهة أوضح، وأن تكون صورة الحسّ في الرّويّة الوح إلا أنّ ذلك من غرائب آثار النّفس ونوادر أفعال الطّبيعة، والمدار على العمود الذي سلف نعته، ورسا أصله.
وسمعت أبا عائذ الكرخيّ صالح بن عليّ يقول: النّثر أصل الكلام، والنّظم فرعه، والأصل أشرف من الفرع، والفرع أنقص من الأصل، لكن لكلّ واحد منهما زائنات وشائنات، فأما زائنات النّثر فهي ظاهرة، لأنّ جميع النّاس في أوّل كلامهم يقصدون النّثر، وإنما يتعرضون للنّظم في الثاني بداعية عارضة، وسبب باعث، وأمر معيّن.
قال: ومن شرفه أيضا أنّ الكتب القديمة والحديثة النازلة من السّماء على ألسنة الرّسل بالتّأييد الإلهيّ مع اختلاف اللّغات كلّها منثورة مبسوطة، متباينة الأوزان، متباعدة الأبنية، مختلفة التصاريف، لا تنقاد للوزن، ولا تدخل في الأعاريض، هذا أمر لا يجوز أن يقابله ما يدحضه، أو يعترض عليه بما يحرضه «١» .
قال: ومن شرفه أيضا أن الوحدة فيه أظهر، وأثرها فيه أشهر، والتكلف منه أبعد، وهو إلى الصّفاء أقرب، ولا توجد الوحدة غالبة على شيء إلا كان ذلك دليلا على حسن ذلك الشيء وبقائه، وبهائه ونقائه.
قال: ومن فضيلة النّثر أيضا كما أنّه إلهي بالوحدة، كذلك هو طبيعيّ بالبدأة، والبدأة في الطّبيعيات وحدة، كما أنّ الوحدة في الإلهيّات بدأة، وهذا كلام خطير.
قال: ألا ترى أنّ الإنسان لا ينطق في أوّل حاله من لدن طفوليّته إلى زمان مديد إلا بالمنثور المتبدّد، والميسور المتردّد، ولا يلهم إلا ذاك، ولا يناغى إلا بذاك، وليس كذلك المنظوم، لأنه صناعيّ، ألا ترى أنّه داخل في حصار العروض وأسر الوزن وقيد التأليف، مع توقّي الكسر، واحتمال أصناف الزّحاف، لأنّه لما هبطت درجته عن تلك الرّبوة العالية، دخلته الآفة من كلّ ناحية.
قال: فإن قيل: إن النّظم قد سبق العروض بالذّوق، والذّوق طباعي، قيل في الجواب: الذّوق وإن كان طباعيّا فإنه مخدوم الفكر، والفكر مفتاح الصّنائع البشريّة، كما أنّ الإلهام مستخدم للفكر، والإلهام مفتاح الأمور الإلهيّة.
قال: ومن شرف النّثر أيضا أنّه مبرّأ من التكلّف، منزّه عن الضّرورة، غنيّ عن الاعتذار والافتقار، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرير، وما هو أكثر من هذا مما
стр. 245
هو مدوّن في كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم فيها.
وقال عيسى الوزير: النّثر من قبل العقل، والنّظم من قبل الحسّ، ولدخول النّظم في طيّ الحسّ دخلت إليه الآفة، وغلبت عليه الضّرورة، واحتيج إلى الإغضاء عمّا لا يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر.
وقال ابن طرّارة- وكان من فصحاء أهل العصر بالعراق-: النثر كالحرّة، والنّظم كالأمة، والأمة قد تكون أحسن وجها، وأدمث شمائل، وأحلى حركات، إلّا أنّها لا توصف بكرم جوهر الحرّة ولا بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها.
وقال: ولشرف النّثر قال الله تعالى في التّنزيل إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
[الإنسان: ١٩] ولم يقل: لؤلؤا منظوما، ونجوم السماء منتثرة وإن كان انتثارها على نظام، إلّا أنّ نظامها في حدّ العقل، وانتثارها في حدّ الحسّ، «لأنّ الحكمة إذا غطّيت نفسها كانت الغلبة للصّورة القائمة بالقدرة» .
وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدّولة: الكلام المنثور أشبه بالوشي، والمنظوم أشبه بالمنير المخطّط، والوشي يروق ما لا يروق غيره.
ويقال: كنّا في نثار فلان، ولا يقال: كنّا في نظام فلان.
وقال ابن هندو الكاتب: إذا نظر في النظم والنّثر على استيعاب أحوالهما وشرائطهما، والاطّلاع على هواديهما وتواليهما كان أنّ المنظوم فيه نثر من وجه، والمنثور فيه نظم من وجه، ولولا أنّهما يستهمان هذا النّعت لما ائتلفا ولا اختلفا.
وقال ابن كعب الأنصاري: من شرف النّثر أنّ النبيّ ﷺ لم ينطق إلا به آمرا وناهيا، ومستخبرا ومخبرا، وهاديا وواعظا، وغاضبا وراضيا، وما سلب النّظم إلا لهبوطه عن درجة النّثر، ولا نزّه عنه إلا لما فيه من النّقص، ولو تساويا لنطق بهما، ولمّا اختلفا خصّ بأشرفهما الّذي هو أجول في جميع المواضع، وأجلب لكلّ ما يطلب من المناف.
فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرة لباغي هذا الشأن، ولمن يتوخّى حديثه عند كلّ إنسان.
وأمّا ما يفضّل به النّظم على النّثر فأشياء سمعناها من هؤلاء العلماء الذين كانت سماء علمهم درورا، وبحر أدبهم متلاطما، وروض فضلهم مزدهرا، وشمس حكمتهم طالعة، ونار بلاغتهم مشتعلة، وأنا آتي على ما يحضرني من ذلك، منسوبا إليهم، ومحسوبا لهم، ليكون حقّهم به مقضيّا، وذكرهم على مرّ الزّمان طريّا.
قال السلاميّ: من فضائل النّظم أن صار لنا صناعة برأسها، وتكلّم الناس في قوافيها، وتوسّعوا في تصاريفها وأعاريضها، وتصرّفوا في بحورها، واطّلعوا على
стр. 246
عجائب ما استحزن فيها من آثار الطّبيعة الشّريعة، وشواهد القدرة الصادقة، وما هكذا النّثر، فإنّه قصّر عن هذه الذّروة الشّامخة، والقلّة العالية، فصار بذلك بذلة لكافّة الناطقين من الخاصّة والعامّة والنساء والصّبيان.
وقال أيضا: من فضائل النّظم أنّه لا يغنّى ولا يحدى إلا بجيّده ولا يؤهّل للحن الطّنطنة، ولا يحلّى بالإيقاع الصحيح غيره، لأن الطّنطنات والنّقرات، والحركات والسكنات لا تتناسب إلّا بعد اشتمال الوزن والنّظم عليها، ولو كان فعل هذا بالنّثر كان منقوصا، كما لو لم يفعل هذا بالنّظم لكان محسوسا، والغناء معروف الشّرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معابثة الروح، ومناغاة العقل، وتنبيه النّفس، واجتلاب الطّرب وتفريج الكرب، وإثارة الهزّة، وإعادة العزّة، وإذكار العهد، وإظهار النّجدة، واكتساب السّلوة، وما لا يحصى عدده.
ويقال: ما أحسن هذه الرسالة لو كان فيها بيت من الشّعر، ولا يقال: ما أحسن هذا الشّعر لو كان فيه شيء من النّثر، لأنّ صورة المنظوم محفوظة، وصورة المنثور ضائعة.
وقال ابن نباتة: من فضل النّظم أنّ الشّواهد لا توجد إلّا فيه، والحجج لا تؤخذ إلّا منه، أعني أنّ العلماء والحكماء والفقهاء والنحويّين واللّغويّين يقولون: «قال الشاعر» ، و «هذا كثير في الشّعر» ، و «الشّعر قد أتى به» ، فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجّة، والشعر هو الحجّة.
وقال الخالع: للشّعراء حلبة، وليس للبلغاء حلبة، وإذا تتبّعت جوائز الشّعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرّخة، ومجالسهم الفاخرة، وأنديتهم المشهورة، وجدتها خارجة عن الحصر، بعيدة من الإحصاء، وإذا تتبّعت هذه الحال لأصحاب النّثر لم تجد شيئا من ذلك، والناس يقولون: ما أكمل هذا البليغ لو قرض الشّعر! ولا يقولون: ما أشعر هذا الشاعر لو قدر على النّثر! وهذا لغنى الناظم عن النّاثر، وفقر الناثر إلى الناظم، وقد قدّم الناس أبا عليّ البصير على أبي العيناء، لأنّ أبا عليّ جمع بين الفضيلتين، وضرب بالسّيفين في الحومتين، وفاز بالقدحين المعلّيين في المكانين.
وقال لنا الأنصاريّ: سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول: لو تصفّحنا ما صار إلى أصحاب النثر من كتّاب البلاغة، والخطباء الذين ذبّوا عن الدّولة، وتكلّموا في صنوف أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به، ممّا فتق به الرّتق، ورتق به الفتق، وأصلح به الفاسد، ولمّ به الشّعث، وقرّب به البعيد، وبعّد به القريب، وحقّق به الحقّ، وأبطل به الباطل، لكان يوفي على كلّ ما صار إلى جميع من قال الشّعر ولاك القصيد، ولهج بالقريض، واستماح بالمرحمة، ووقف موقف المظلوم، وانصرف انصراف المحروم،
стр. 247
وأين من يفتخر بالقريض، ويدلّ بالنّظم، ويباهي بالبديهة، من وزير الخليفة، ومن صاحب السّرّ، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة، ولا بين أذنه وأذنه حجاب؟! ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء؟! ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتّكرمة؟! ومتى قعد شاعر لوزير على رجاء وتأميل؟! بل لا ترى شاعرا إلّا قائما بين يدي خليفة أو وزير أو أمير باسط اليد، ممدود الكفّ، يستعطف طالبا، ويسترحم سائلا، هذا مع الذّلّة والهوان، والخوف من الخيبة والحرمان، وخطر الرّدّ عليه في لفظ يمرّ، وإعراب يجري، واستعارة تعرض، وكناية تعترض، ثمّ يكون مقليّا مشينا بما يظنّ به من الهجاء الذي ربما دلّاه في حومة الموت، وقد برّأ الله تعالى بإحسانه القديم ومنّه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كلّه، وكفاه مؤونة الغدر به، والضّرر فيه.
قال: وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق شأوه، ولا يشقّ غباره، ولا يطمع في جوابه.
قال: وله مناظرات واسعة في هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه، وكاشفوه وواجهوه، فثبت لهم، وانتصف منهم، وأربى عليهم، ولم يقلع عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم، وراجعوا ما هو أولى بهم.
قال أبو سليمان: المعاني المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس، لا يحوم عليها شيء قبل الفكر، فإذا لقيها الفكر بالذّهن الوثيق والفهم الدّقيق ألقى ذلك إلى العبارة، والعبارة حينئذ تتركّب بين وزن هو النّظم للشّعر، وبين وزن هو سياقة الحديث، وكلّ هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة، وصورة حسناء أو قبيحة، وتأليف مقبول أو ممجوج، وذوق حلو أو مرّ وطريق سهل أو وعر، واقتضاب مفضّل أو مردود، واحتجاج قاطع أو مقطوع، وبرهان مسفر أو مظلم، ومتناول بعيد أو قريب، ومسموع مألوف أو غريب.
قال: فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته الّتي لا تنكر، وللنّظم شرفه الّذي لا يجحد ولا يستر، لأنّ مناقب النّثر في مقابلة مناقب النّظم، ومثالب النّظم في مقابلة مثالب النّثر، والذي لابدّ منه فيهما السّلامة والدّقّة، وتجنّب العويص، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص.
وقد قال بعض العرب: خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام.
ووقف أعرابيّ على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النّحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال:
أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا.
стр. 248
وقال أعرابيّ آخر:
ما زال أخذهم في النّحو يعجمني ... حتّى سمعت كلام الزّنج والرّوم
وقال أبو سليمان: نحو العرب فطرة، ونحونا فطنة، فلو كان إلى الكمال سبيل لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم.
وقال: لمّا تميّزت الأشياء في الأصول، تلاقت ببعض التّشابه في الفروع، ولمّا تباينت الأشياء بالطّبائع، تألّفت بالمشاكلة في الصّنائع، فصارت من حيث افترقت مجتمعة، ومن حيث اجتمعت مفترقة، لتكون قدرة الله- آتية على كلّ شيء، وحكمته موجودة في كلّ شيء، ومشيئتة نافذة في كلّ شيء.
وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا المكان رسمه فيه، لأنّه موافق لما نحن فيه في ذكره ووصفه.
قال:
ماذا لقيت من المسعربين ومن ... تأسيس نحوهم هذا الّذي ابتدعوا
إن قلت قافية فيه يكون لها ... معنى يخالف ما قاسوا وما وضعوا
قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض ... وذاك نصب وهذا ليس يرتفع
وحرّشوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد وطال الضّرب والوجع
إنّي نشأت بأرض لا تشبّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع
ولا يطا القرد والخنزير ساحتها ... لكنها بها الهيق والسّيدان «١» والصدع
ما كلّ قولي معروف لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين على إعرابهم طبعوا
وبين قوم رأوا شيئا معاينة ... وبين قوم رووا بعض الّذي سمعوا
فهذا هذا.
وقال أبو سليمان: البلاغة ضروب: فمنها بلاغة الشّعر ومنها بلاغة الخطابة ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل.
قال: فأمّا بلاغة الشّعر فأن يكون نحوه مقبولا، والمعنى من كلّ ناحية مكشوفا، واللفظ من الغريب بريئا، والكناية لطيفة، والتصريح احتجاجا، والمؤاخاة موجودة، والمواءمة ظاهرة.
وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللّفظ قريبا، والإشارة فيها غالبة، والسّجع عليها مستوليا، والوهم في أضعافها سابحا، وتكون فقرها قصارا، ويكون ركابها شوارد إبل.
стр. 249
وأما بلاغة النثر فأن يكون اللّفظ متناولا، والمعنى مشهورا، والتهذيب مستعملا، والتأليف سهلا، والمراد سليما، والرّونق عاليا، والحواشي رقيقة، والصّفائح مصقولة، والأمثلة خفيفة المأخذ، والهوادي متّصلة، والأعجاز مفصّلة.
وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضبا، والحذف محتملا، والصورة محفوظة، والمرمى لطيفا، والتّلويح كافيا، والإشارة مغنية، والعبارة سائرة.
وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النّفس من مسموعه إلى الأذن، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترصيع اللّفظ، وتقفية الحروف، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب، ويكون المقصود ملحوظا في عرض السّنن، والمرمى يتلقّى بالوهم لحسن التّرتيب.
وأما بلاغة البديهة فأن يكون انحياش اللّفظ للّفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى، وهناك يقع التعجّب للسامع، لأنّه يهجم بفهمه على ما لا يظنّ أنه يظفر به كمن يعثر بمأموله، على غفلة من تأميله، والبديهة قدرة روحانيّة، في جبلّة بشريّة، كما أنّ الرّويّة صورة بشريّة، في جبلّة روحانيّة.
وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبّر والتصفّح، وهذان يفيدان من المسموع وجوها مختلفة كثيرة نافعة، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدّين والدّنيا، وهي الّتي تأوّلها العلماء بالاستنباط من كلام الله وكلام رسوله- ﷺ في الحرام والحلال، والحظر والإباحة، والأمر والنّهي، وغير ذلك مما يكثر، وبها تفاضلوا، وعليها تجادلوا، وفيها تنافسوا، ومنها استملوا، وبها اشتغلوا، ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الرّوح كلّه، وبطل الاستنباط أوّله وآخره، وجولان النفس واعتصار الفكر إنّما يكونان بهذا النّمط في أعماق هذا الفنّ، وهاهنا تنثال الفوائد، وتكثر العجائب، وتتلاقح الخواطر، وتتلاحق الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدّمة بالصّفات الممثّلة، حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون، وإنارة المراد المخزون.
وأمثلة هذه الأبواب موجودة في الكتب، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل فنّ مثالا وشكّلت شكلا، ولو فعلت ذلك لكنت مكرّرا لما قد سبق إليه، ومتكلّفا ما قد لقّن من قبل. على أنّ الزّهد في هذا الشّأن قد وضع عنّا وعن غيرنا مؤونة الخوض فيه، والتعنّي به، والتوفّر عليه، وتقديمه على ما هو أهمّ منه، أعني طلب القوت الّذي ليس إليه سبيل إلا ببيع الدّين، وإخلاق المروءة، وإراقة ماء الوجه، وكدّ البدن، وتجرّع الأسى، ومقاساة الحرفة، ومضّ الحرمان، والصّبر على ألوان وألوان، والله المستعان.
стр. 250
وقد كان هذا الباب يتنافس فيه أوان كان للخلافة بهجة، وللنّيابة عنها بهاء، وللدّيانة معتقد وللمروءة عاشق، وللخير منتهز، وللصّدق مؤثر، وللأدب شراة، وللبيان سوق، وللصّواب طالب، وفي العلم راغب، فأما اليوم واليد عنه مقبوضة، والذّيل دونه مشمّر، والمتحلّي بجماله مطرود، والمباهي بشرفه مبعد، فما يصنع به، ولله أمر هو بالغه.
وقال ابن دأب: قال لي ابن موسى: اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان فقال:
أيّ الآداب أغلب على الناس؟ فقلنا فأكثرنا في كل نوع، فقال عبد الملك: ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون القول، ويتعاطون البيان، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها، إن الكلام فارق للحكم بين الخصوم، وضياء يجلو ظلم الأغاليط، وحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية.
وقد قال زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم
فقلنا: لم يقله زهير، إنما قاله زياد الأعجم، فقال: لا، قاله من هو أعظم تجربة وأنطق لسانا منه.
وقال أبو العيناء: سمعت العبّاس بن الحسن العلويّ يصف كلام رجل فقال:
كلامه سمح سهل، كأنّ بينه وبين القلوب نسب، وبينه وبين الحياة سبب، كأنّما هو تحفة قادم، ودواء مريض، وواسطة قلادة.
ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو يعجب من فصل قرأه من كتاب ورد عليه، وهو: أشعر قلبك يأس مجاوز السّبيل، مقصّر عن الشّوط.
وقال ابن ذكوان: سمعت إبراهيم بن العبّاس الصّوليّ يقول: ما سمعت كلام محدثا أجزل في رقّة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العبّاس بن الأحنف:
تعالي نجدّد دارس العهد بيننا ... كلانا على طول الجفاء ملوم
أناسية ما كان بيني وبينها ... وقاطعة حبل الصّفاء ظلوم
وفي الجملة، أحسن الكلام ما رقّ لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه نظم، يطمع مشهوده بالسّمع، ويمتنع مقصوده على الطّبع، حتّى إذا رامه مريغ حلّق، وإذا حلّق أسفّ، أعني يبعد على المحاول بعنف، ويقرب من المتناول بلطف.
وما رأيت أحدا تناهى في وصف النّثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة بن جعفر
следующие страницы →