Полный текст (408 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وينزّه عن الصفات فلم يطلق عليه حيوان، ولكن يقال: حيّ لأنّه أقرب الأسماء إلى المعنى المشار إليه، وبهذا التّقريب قيل أيضا لله: إنّه حيّ، وأنت إذا حدّدت الحيّ أو الحياة لم تقدر على أن تصف الله جلّ وعلا بشيء من ذلك ... وفي الجملة كلّ ما كان أدخل في البساطة كان أخرج من التّركيب، وكلّ ما كان أخرج من البساطة كان أدخل في التّركيب.
فأمّا المركّب الّذي ليس له من البسيط إلّا النّصيب النّزر، وإلّا طيف الخيال، فاسمه واضح والإشارة إليه سهلة، والعيان له مدرك، لأنّه محاط بحدوده في طوله وعرضه وعمقه.
وأمّا المركّب البسيط الّذي ليس له من التركيب إلّا النّصيب اليسير، فاسمه غامض، والإشارة إليه عسرة، والعيان عنه مكفوف، وهذا باب إذا حفظ فهم منه شيء كثير مما يقع فيه الغلط من الإنسان بفكره الرّديء، وينفع أيضا نفعا بيّنا في التّغالط العارض بين المتناظرين على جهة التّنافس والتّناصف.
قال أبو سليمان: من حرس هذا الثّغر أمن من جميع الأعداء، ومن أهمله كانت جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية عدوّه الثائر من ثغره.
وأمّا قوله: على أيّ وجه يقال لله حيّ والملك حيّ والفرس حيّ؟ فقد دخل الجواب عنه في ضمن ما تشقّق القول به، وتحقّق المعنى عليه في حديث المركّب والبسيط، ونزيد هاهنا حرفا يكون رديفا لما تقدّم، فنقول: أمّا الإنسان فإنّه يقال له:
حيّ، بسبب الحسّ والحركة وما يتبعهما مّا هو كمال الحيّ، وكذلك الفرس وما أشبهه. وأمّا الملك فلمّا كان ما يستحقّه ببساطته معدوما عندنا، لم نقدر على شيء نصفه به إلّا ما نصف به أنفسنا بيننا، ولو كنّا في عالم الملك لعلّنا كنّا ندري بأيّ شيء ينبغي أن ينعت ويسمّى ويذكر ويحكى، فإنّ من كان منّا في بلاد الصّين فإنّه يسمّي الإنسان والفرس والحمار والبقر بها بتعالم أهلها بينهم، وإذا كان هذا معوزا على ما ترى في الملك، أعني تسميته الحيّ، ونعته بالحياة، فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى أن يمسك عنه عجزا واستخذاء، وتضاؤلا واستعفاء، إلا بما وقع الإذن به من جهة صاحب الدّين الّذي هو مالك أزمّة العقول ومرشدها إلى السّعادات، وواقفها عند الحدود، وزاجرها عن التّخطّي إلى ما لا يجوز. فعلى هذا قد وضح أنّ الصّمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النّطق، لأنّ الصّمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم، والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة بالقدرة في موضعها، وليس للخلق من هذا الواحد الأحد إلا الإنّية والهويّة، فأما كيف ولم وما هو فإنها طائر في الرّياح كما تسمع وترى.
стр. 352
ولما حرّرت هذه الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها عليه قال لي: هذا والله جهد المقلّ، وفي غليلي بقيّة من اللهب.
قلت: أيّها الوزير، قال أبو سليمان: سنقول لك كلاما لا يكون فيه كلّ الرّضا، فقل له عند ذلك: إنّك سألت عن العالم بأسره، فلا طاقة لأحد أن يعرض عليك العالم بأسره، ولولا عجلة رسولك في المطالبة، وإدلاله بالإلحاح، وقوله: المراد التّقريب والإيجاز، لا التّطويل والإسهاب، لكان النّسج على غير هذا المنوال، والعمل على غير هذا الوشي.
قال: ومن المعالم الّتي ليس لها ناظر، ولا بها خابر، أنّ السائل يحضّ على التّلخيص المفهوم، ولعلّ ذلك يزيد الشيء إغلاقا، فإذا امتثل ما يرسم قال: ما شفاني القول، وإن زيد على ذلك قال: غرق المراد في حواشي التّكثير، فليس للعالم تخلّص من استزادة المتعلّم، ولا عند المتعلّم شكر على مبذول جهد العالم، وهذا أمر قد تقدّمت الاستغاثة منه على مرّ الدّهور، والأولى فيما لا حيلة فيه الرّضا بالميسور منه.
ثم قال: وإن أطال الله أيام هذه الدّولة، وحرس على هذه الجماعة القليلة النّعمة، استأنفنا نظرا أبلغ من هذا النّظر، ببيان أشفى من هذا البيان، وطريق أوضح من هذا الطريق- إن شاء الله.
قال الوزير: والله ما قلت قولي ذاك، لأنّ هذا الكلام سهل، وهذا المتناول قريب، وهذا المرمى كثب، كلّا، وإنّي لأظنّ بل أحقّ أنه ليس في بضائع أصحابنا الذين حولي من يدرك هذه المعاني على هذه الصّفة إذا قرئت عليه، فكيف من يفزع في شرحها وتهذيبها إليه.
ثم تمطّى وقال: وانعاساه، واضعف منّتاه، ثم فارقت المجلس.
стр. 353
الليلة السادسة والثلاثون
وقال- دامت أيّامه-: كيف تقول عند مهلّ الشّهر شيئا آخر من لفظه؟
فكان من الجواب: حكى العالم: عند هلول الشّهر ومستهلّه وهلّه وإهلاله واستهلاله.
قال: ورأيت الحاتميّ يقول: عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو، ولم أوثر شرحه لها لثقل روحه، ومغالاته بنفسه، وكأنّه لا علم إلّا عنده، ولا فائدة إلّا هي معه، فهل في حفظك هذه الكلمات؟
قلت: لا إله إلّا الله، اليوم ذكر الأندلسيّ هذه الكلمات وعدّها، وقد حفظتها، فقال: هات يا مبارك، فكان الجواب: منها البعو، وهو الجناية، والجعو، وهو الطّين، والدّعو، مصدر دعا دعوا، والسّعو: الشّمع، والشّعو: هو انتفاش الشّعر، والصّعو: الرّجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور والقعو: من البكرة، واللّعو: الحريص. والذّئب في بعض اللّغات، والمعو: الجنيّ من الرّطب، والنّعو:
الشّقّ في مشفر البعير.
قال: هذا حسن، لو أتى به الحاتميّ لملوي شدقه، وقال: تنحّ فقد جاء الأسد وغلب الطّوفان وخرج الدّجّال وطلعت الشمس من المغرب، ما بال أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء، ويغلب عليهم النّقص، ويستمكن منهم الشّيطان.
قلت: قال أبو سليمان: كلّ من غلب عليه حفظ اللّفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللّفظ، والمعاني صوغ العقل، واللّفظ صوغ اللّسان، ومن بعد من المعاني قلّ نصيبه من العقل، ومن قلّ نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذّكر.
стр. 354
الليلة السابعة والثلاثون
وقال الوزير ليلة: ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشّجعان! وما أشدّ انتفاع الضّيّق النّفس باستماع أخبار الكرام، لأنّ الأخلاق في الخلق أعراض، والأعراض منها لازم ومنها لاصق.
قال: وكان عيسى بن زرعة سرد عليّ سنة سبعين، ليالي كانت الأشغال خفيفة، والسّياسة بالماضي- نوّر الله قبره وضريحه- عامّة، والنّظر بالحسنى، شاملا- أشياء في الخلق أتى بها على عمود ما كان في نفسي، وذلك أنه ذكر العقل والحمق، والعلم والجهل، والحلم والسّخف، والقناعة والشّره، والحياء والقحة، والرّحمة والقسوة، والأمانة والخيانة، والتّيقّظ والغفلة، والتّقى والفجور، والجرأة والجبن، والتواضع والكبر، والوفاء والغدر، والنصيحة والغشّ، والصّدق والكذب، والسّخاء والبخل، والأناة والبطش، والعدل والجور، والنّشاط والكسل، والنّسك والفتك، والحقد والصّفح، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة، وتبعثه على إعادة حدودها، وإشباع القول فيها، مع إيجاز لا يكون به مدخل للخلل، ولا تقصير عن إيصال الآخر بالأوّل.
فلقيت عيسى وعرّفته الحديث، وأملى ما رسمته في هذا الجزء، وعرضته على أبي سليمان، فرضيه بعض الرّضا، ولم يسخط كلّ السّخط، وقال: تحديد الأخلاق لا يصحّ إلّا بضرب من التجوّز والتسمّح، وذلك أنّها متلابسة تلابسا، ومتداخلة تداخلا، والشيء لا يتميّز عن غيره إلّا بينونة واقعة تظهر للحسّ اللّطيف، أو تتّضح للعقل الشّريف.
ثم قال: ألا ترى أنّ الفكر مشوب بالرّويّة، والظّنّ مخلوط بالوهم، والذّكر معنيّ بالتّخيّل، والبديهة جانحة إلى الحسّ، والاستنباط موصوف بالغوص، وما هذا المعنى الذي ميّز التّواضع من شوب الضّعة، أو خلّص علوّ الهمّة من شوب الكبر، أو فرز عزّة النّفس من نقص العجب، أو أبان الحلم عن بعض الضّعف؟! هذا بالقول ربّما سهل وانقاد، ولكن بالعقل ربّما عزّ واعتاص، والأخلاق والخلق مختلطة، فمنها ما اختلاطه قويّ شديد، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل، ومنها ما اختلاطه نصف بين اللّين والشّدّة، وهذه ينفع العلاج في بعضها، وينبو العلاج عن بعضها، والحزم يقضي بألّا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج.
стр. 355
قال: وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج، والإنسان والإنسان، ألا ترى أنّك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الرّوم إلى الجود، والطّمع في جبان التّرك أن يتحوّل شجاعا أقوى من الطّمع في جبان الكرد أن يصير بطلا.
قال: ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود- وإن كان على ما قدّمناه- نافع جدّا، وإضمارها في النّفس مثمر أبدا، فهذا هذا.
وأما ما قال أبو عليّ فإنّه هذا.
قيل: ما الحلم؟ قال: ضبط الفكر بكفّ الغضب.
وقال شيخنا أبو سعيد السّيرافيّ: اعتباره من ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك أنّ الحلم شريك التّحلّم، «فكان الحليم الّذي يعدّ فيمن يحلم» في عرض الحليم الّذي لا يعاج عليه ولا يكترث له. قال: والتّحلّم نافع أيضا، وهو أحمد من التّحالم، لأنّ الثّاني أقرب إلى التّأنّي، كما أنّ الأوّل أقرب إلى الحقيقة.
وقيل لعيسى: ما العدل؟ فقال: القسط القائم على التّساوي.
وحكى جالينوس قال: إن الناس لشدّة حبّهم لأنفسهم يظنّون أنّ لهم ما يحبّون، فمن أجل ذلك وقعوا في العجب، فينبغي أن تكون محبّتك لنفسك حقيقيّة، ويتمّ ذلك لك إذا أنت صيّرت نفسك على الحال الّتي يرى من يرى أنّك عليها.
وقال: المعجب يحبّ نفسه أكثر ممّا يحقّ لها، وما أحسن بالإنسان أن يحبّ نفسه، ولكن بالعدل، فإن أراد أن يحبّها جدّا فيجب أن يجعلها من أهل المحبّة، ثم يحبّها من بعد.
قيل: فما الحسد؟ قال: شدّة الأسى على شيء يكون لغيره.
قيل: فما الكآبة؟ قال: إفراط الحزن.
قال أبو سليمان: الحزن والغمّ والهمّ والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة، ومن تعاطى وصف أغصان شجرة طال عليه، ولم يحظ بطائل، ويكفي أن نعرف شجرة التّفّاح من شجرة المشمش، وشجرة الكمّثري من شجرة السّفرجل، فإنّ عواقب المعارف نكرات، كما أنّ فواتح المعارف جهالات.
قيل: فما الشّجاعة؟ قال: الإقدام في موضع الفرصة من جميع الأمور.
قال أبو سليمان: الشجاعة إذا كانت نطقيّة كانت فرصتها تعاطي الحكمة والدؤوب في بلوغ الغاية، وبذل القوّة في نيل البغية، وإذا كانت غضبيّة كانت فرصتها شفاء الغيظ إمّا من مستحقّ، وإما من غير مستحقّ، وإذا كانت شهويّة كانت فرصتها التّحلّي بالعفّة التامّة، أعني في الخلوة والحفل.
قال لنا أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانيّ الشيخ الصالح: العفّة واسطة بين المقارفة والعصمة، والعصمة واسطة بين البشريّة والملكيّة.
стр. 356
وحكى عيسى بن زرعة في هذا الموضع- عند تدافع الحديث- أن أمورس قال: إنّي لأعجب من ناس يقولون: كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد، ومنهاج واحد، وهذا ما لا يستقيم ولا يقع به نظام.
قال: وهب أن يكون الناس وكلّ واحد منهم ملكا يأمر وينهى ويستمع له ويطاع، فمن كان المأمور المؤتمر، والمنهيّ المنتهي، والعاقل الحصيف يعلم أنه لا بدّ من التفاوت الّذي به يكون التّصالح، كالعالم والمتعلّم، والآمر والمأمور والصانع والمصنوع له.
ثم قال عيسى: من توابع الأخلاق المذمومة الغضب والكذب والجهل والجور والدّناءة.
قال أبو سيلمان: أمّا الغضب فلا يكون مذموما إلّا إذا أعمل في غير أوانه، وعلى غير ما يأذن الناموس الحقّ به، وأمّا الكذب ففيه أيضا مصالح، كما أنّ الصّدق ربّما أفضى إلى كثير من المفاسد- وإن كان الصّدق قد فاز بالوصف الأحسن، والكذب قد وصف بالنعت الأقبح- فكم كذب نجّى من شرّ، وكم صدق أوقع في هوّة، وبقي الآن أن نعرف الصّدق مع أوانه ومكانه، فيؤتى به أو ينهى عنه، وكذلك الكذب على حذوه ومثاله.
قال: وأمّا الجهل والجور والدّناءة فإنّها أثافيّ الرّذائل، فينبغي أن ينتفى منها جملة وتفصيلا، ولا يسلك أحد إلى شيء منها سبيلا، فإنّها أعدام،- هكذا قال-، والعدم كريه ومهروب منه، والوجود على أنقص النّعوت أتمّ وأشرف من العدم على أزيد الصّفات، وإن كان لا زيادة في العدم إلّا من طريق الوهم العارض ما يصحّ وما لا يصحّ.
قيل: فما العجب؟ قال: وزن النفس بأكثر من مثقالها.
وقال أيضا: العجب هو النّظر في النّفس بعين ترى القبيح جميلا.
ويقال: المعجب يدّعي أنّ ما يعجب منه قد حصل له من غير أن يكون كذلك، فأمّا إذا كان ذلك حاصلا فالعجب ليس بعجب إلّا من طريق الاسم، وإلّا فهو في الحقيقة إحساس بالفضل المعشوق، وشعور بالكمال الموموق، واستدعاء للزّيادة ممّا صار به هكذا، واستعداد لقبول الفيض من معدنه بالاختيار الثاني والاعتياد الأوّل.
قيل: فما الوفاء؟ قال: قضاء حقّ واجب، وإيجاب حقّ غير واجب، مع رقّة أنسيّة، وحفيظة مرعيّة.
قيل: فما الرّغبة؟ قال: حركة تكون من شهوة يرجى بها منفعة.
قال أبو سليمان: الرّغبة إذا كانت نطقيّة كانت مبعثة على التّحلّي بالفضائل، وإذا كانت سبعيّة أو بهيميّة كانت ملهجة بمواقعة أضدادها من الرّذائل.
стр. 357
وقيل: ما المهنة؟ فقال: حركة يتعاطاها الإنسان بلا حفز ولا استكراه. قال عليّ بن عيسى: المهنة صناعة، ولكنها إلى الذلّ أقرب، وفي الضعة أدخل، والصناعة مهنة، ولكنّها ترتفع عن توابع المهنة، وفي الصّناعات ما يتّصل به الذّلّ أيضا، ولكن ذلّ ليس من جهة حقيقة الصّناعة، ولكن من جهة العرض الذي بين الصّناعة والصناعة، والمرتبة والمرتبة.
قيل: فما العادة؟ قال: حال يأخذ بها المرء نفسه من غير أن تكون مسنونة يجري عليها مجرى ما هو مألوف طبيعيّ.
قال أبو سليمان: كأنّ هذا الاسم ليس يخلّص إلّا لمن أتى شيئا مرارا، فأمّا في أوّل ذلك فليس له هذا النعت، وإنّما يصير مألوفا بالتّكرار، ولهذا ما صيغت الكلمة من عاد يعود واعتاد يعتاد.
وأمّا قوله: طبيعيّ، فعلى وجه التّشبيه، لأن الطبيعيّ أشدّ رسوخا وأثبت عرقا، وأبعد من الانتفاض، فأمّا العادة فكلّ ذلك جائز عليها، وغير مأمون من الوقوع فيه.
قيل: كم الحركات؟ قال: ستّة أصناف، أوّلها حركة الانتقال، وهي ضربان: إمّا حركة الجسم بكلّه من مكان إلى مكان، وإمّا حركته بأجزائه كالفلك والرّحى، والثاني حركة الكون، والثالث حركة الفساد، والرابع حركة الرّبوّ، والخامس حركة النّقض والبلى، والسادس حركة الاستحالة، وهي ضربان: أمّا في الجسم فمثل اللّون، وأمّا في النّفس فمثل الغضب والرّضا، والعلم والجهل.
والنّقلة مكانيّة، والكون والفساد جوهريّان، والاستحالة هيئيّة، والنموّ والاضمحلال مكانيّان.
قال الكنديّ: وهاهنا حركة أخرى، وهي حركة الإبداع، إلّا أنّ بينها وبين حركة الكون فرقا، لأنّ هذه لا من موضوع، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه، ولذلك قيل: إن الكون خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة.
قال أبو سليمان: حركة الإبداع عبارة بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنى مركّب. قال: وإنّما قلت هذا لأنّ اللّفظ نظير اللّفظ في أغلب الأمر وليس المعنى نظير المعنى في أغلب الأمر، واللّفظ كلّه من واد واحد في التركب بلغة كلّ أمّة، والمعاني تختلف في البساطة على قدر العقل والعقل، والعاقل والعاقل، وإنّما حركة الإبداع مشار بها إلى مقوّم الأشياء بلا كلفة فاعل، ولا معاناة صانع، وإنّها بدت بالمبدع من المبدع للمبدع لا على أنّ الباء ألصقت به شيئا، ولا على أنّ من فصلت منه شيئا، ولا على أنّ اللّام أضافت إليه شيئا، فإنّ هذه العلامات والأمارات كلّها موجودة في الأشياء الّتي تعلّقت بالإبداع، فلم يجز أن ينعت بها المبدع، ولو جاز هذا لكان
стр. 358
داخلا فيها، وموجودا بها، وهذا بعيد جدا. فلمّا جلّ عن هذه الصّفات بالتّحقيق في الاختيار وصف بها بالاستعارة على الاضطرار، لأنّه لابدّ لنا من أن نذكره ونصفه وندعوه ونعبده ونقصده ونرجوه ونخافه ونعرفه وننحوه ونطلب ما عنده ونواجهه ونكافحه، وهذه نعمة منه علينا، ولطف منه بنا، وحكمة بينه وبيننا وإلا كانت العصمة تنبتر، والطمع ينقطع، والأمل يضعف، والرّجاء يخيب، والأركان تتخلخل، والذّرائع ترتفع، والوسائل تمتنع، والقواعد تسيح، والرّغبات تسقط، والجود والكرم والحكمة والقدرة والجبروت والملكوت تأبى ذلك، فصارت هذه الأسماء والصّفات سلالم لنا إليه، لا حقائق يجوز أن يظنّ به شيء منها، على سبيل السّياج الممدود والمنهاج المحدود.
سقت كلام عيسى في تصنيف الحركات من أجل هذه الفقرة الّتي كانت محفوظة في حركة الإبداع، فإني قد وجدت للقوم في هذا الباب حيرة عارضة أو راكدة، لا يستطيعون التّفصّي عنها، ولا يقدرون على البراءة منها، للضّلال الذي قد لزمهم، والأصنام الّتي قد تربّعت في نفوسهم، والأمثلة الّتي قد خالطت عقولهم، والأفياء التي استصحبوها من إحساسهم، والقائل هذا ينبغي أن يتحرّى ويتلبّث حتّى يعرى من هذه الأشياء ويتريّث، فحينئذ أضمن له أن يصحّ توحيده، ويتمّ تجريده، وإلى التوحيد تنتهي الفلسفة بأجزائها الكثيرة، وأبوابها المختلفة، وطرقها المتشعّبة.
وأنا أعوذ بالله من صناعة لا تحقّق التّوحيد ولا تدلّ على الواحد ولا تدعو إلى عبادته، والاعتراف بوحدانيّته، والقيام بحقوقه، والمصير إلى كنفه، والصبر على قضائه، والتسليم لأمره، ووجدت أرباب هذه الصناعات، أعني الهندسة والطبّ والحساب والموسيقى والمنطق والتّنجيم معرضين عن تجشّم هذه الغايات، بل وجدتهم تاركين الإلمام بهذه الحالات، وهذه آفة نسأل الله السّلامة منها، والعافية من عواقبها، والسلام.
قيل: ما التّمام؟ قال: بلوغ الشيء الحدّ الّذي ما فوقه إفراط، وما دونه تقصير.
قال أبو سليمان: التمام أليق بالمحسوسات، والكمال أليق بالأشياء المعقولة.
قال: وليست هذه الفتيا منّي جازمة، ولا عن العرب العاربة مرويّة، ولكن إذا لحطنا المعاني مختلفة، طلبنا لها أسماء مختلفة، ليكون ذلك معونة لنا في تحديد الأشياء أو في وصف الأشياء من طريق الإقناع الكافّ للجدل والتهمة، أو من طريق البرهان القاطع بالحجّة، الرافع للشّبهة، أو من طريق التّقليد الجاري على السّنن والعادة.
قال: ولهذا إذا قيل: ما أتمّ قامته! كان أحسن، وإذا قيل: ما أكمل نفسه! كان أجمل.
стр. 359
قيل له: هل يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به؟ فقال: أمّا على الحقيقة فلا، ولكن على السّعة، لأنّ الكون متصل بالفساد، إلّا أنهما يخفيان في مبادئهما حتى إذا امتدّ الآنان فصار آنا واحدا فحينئذ بان الكون من الفساد، وبان الفساد من الكون، وهذا بالاعتبار الحسّيّ، فأمّا العقل فيرتفع عن هذا، لأنّه يعلم حقيقة الشّيء على ما هو عليه، ولا يقبل من الحسّ حكما، ولا يحتكم إليه أبدا.
وإنّما الحسّ عامل من عمّال العقل. والعامل يجور مرّة ويعدل مرّة، فأمّا الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقّبه، فإن وجده جائرا أبطل قضاءه، وإن وجده عادلا أمضى حكمه، ومتى استشير الحسّ في قضايا العقل فقد وضع الشيء في غير موضعه، ومتى استشير العقل في أحكام الحسّ فقد وضع الشيء في موضعه.
قيل: فما الصّورة؟ قال: الّتي بها يخرج الجوهر إلى الظّهور عند اعتقاب الصّور إيّاه.
قال أبو سليمان: هذه الفتيا جزافيّة الصّور أصناف: إلهية وعقليّة، وفلكيّة وطبيعيّة، وأسطقسّيّة وصناعيّة، ونفسيّة ولفظيّة، وبسيطة ومركّبة، وممزوجة وصافية، ويقظيّة ونوميّة وغائبيّة وشاهديّة.
ثم اندفع فقال: أما الصّورة الإلهيّة- وهي أعلاها في الرّتبة والحقيقة. وهي أبعد منّا في التّحصيل إلّا بمعونة الله تعالى- فلا طريق إلى وصفها وتحديدها إلّا على التّقريب، وذلك أنّ البساطة تغلب عليها، إلا أنّها مع ذلك ترسم بأن يقال: هي التي تجلّت بالوحدة، وثبتت بالدّوام، ودامت بالوجود.
وأمّا الصّورة العقليّة فهي شقيقة تلك، إلا أنها دونها بالانحطاط الحسّي، ولكن بالمرتبة اللّفظيّة، وليس بين الصّورتين فصل إلّا من ناحية النّعت، وإلّا فالوحدة شائعة وغالبة وشاملة، لكن الصّورة الإلهيّة تلحظ لحظا، ولا يلفظ بوصفها لفظا، لمشاكهتها الصّورة النّفسيّة، فإذا كان كذلك أمكن أن ترسم فيقال: هي الّتي تهدي إلى العاقل ثلجا في الحكم، وثقة بالقضاء، وطمأنينة للعاقبة، وجزما بالأمر، ودحوضا للباطل، وبهجة للحقّ ونورا للصّدق.
والفرق بين الصورة الإلهيّة والصّورة العقليّة أنّ الصورة ترد عليك وتأخذ منك، والصورة العقليّة تصل إليك فتعطيك، فالأولى بقهر وقدرة، والثانية برفق ولطافة، وتلك تحجبك عن لم وكيف، وهذه تفتح عليك لم وكيف، وتلك لا تنحى ولا تطلب، وهذه يسعى إليها، ويسأل عنها وتوجد، وأنوار الصّورة العقليّة الإلهيّة بروق تمرّ، وأنوار الصّورة شموس تستنير، وتلك إذا حصلت لك بالخصوصيّة لا نصيب لأحد منها، وهذه إذا حصلت لك فأنت وغيرك شرع فيها، وتلك للصّون والحفظ، وهذه للبذل والإفاضة.
وأمّا الصّورة الفلكيّة فداخلة تحت الرّسم بالعرض، وللوهم فيها أثر كثير،
стр. 360
ولأنّها مأخوذة من الجسم الأعظم صارت مشاكهتها مقسومة بين البسيط الّذي لا تركيب فيه البتّة، وبين المركّب الّذي لا يخلو من التّركيب البتّة، ولهذا صار تأثير الفلك في المتحرّكات عنه أشدّ من تأثّر الفلك عن المحرّك له، وكأنّه أوّل محرّك متحرّك، وليس هكذا ما علا عنه.
والفلك بما جسم منقوص الصّورة، وبما هو دائم الحركة شريف الجوهر.
وأمّا الصّورة الطبيعيّة فتعلّقها بالمادّة القابلة لآثارها بحسب استعدادها لها، فلذلك ما هي مزحزحة عن الدّرجة العليا، وعشقها للقابل منها أشدّ من عشقها للمفيض عليها، ولهذا أيضا كانت منافعها ممزوجة، ومضارّها بحتة، وهي تجمع بين الحكمة والبله، وبين الجيّد والرّديء، ولو سألتها لم أنت ضارّة نافعة؟ لقالت:
بعدت، فلما بعدت صوّبت وصعّدت.
وسمعت أبا النّفيس يقول في وصف الطّبيعة كلاما له رونق في النّفس وأنا أصل هذه الجملة به.
قال: أيّتها الطبيعة، ما الّذي أقول لك، وبأيّ شيء أؤاخذك، وكيف أوجّه العتب عليك؟! فإنّك قد جمعت أمورا منكرة، وأحوالا عسرة، لا يفي نظامك فيها بانتثارك عليها، ولك بوادر ضارّة، وغوائل خفيّة تبدو منك، وتغور فيك، وترجع إليك، حتى إذا قلنا في بعضها: إنّك حكيمة، قلنا في بعضها: إنّك سفيهة، فالبله منك مخلوط باليقظة، والاستقامة فيك عائدة بالاعوجاج، وفيك فظائع ونزائع، وقوارع وبدائع، لأنّ حركاتك تستّن مرّة استنانا تعشقين عليه، وتحبّين من أجله، وتزيغ أخرى زيغا تمقتين عليه، وتبغضين بسببه، وربّما كانت حركتك نقضا للبناء المحكم والصّورة الرّائعة، والنظام البهيّ، وربما كانت بناء للمنتقض، وتجديدا للبالي وإصلاحا للفاسد، حتى كأنّك عابثة بلا قصد، وعائثة على عمد، وعلى جميع صفاتك من الواصفين لك لم يعلم من ظنّ، ولا رأى من تخيّل، ولا بعد لفظ من تأويل، ولا حال معنى عن توهّم، ولا أسفر حقّ عن باطل، ولا تميّز بيان عن تمويه، ولا وضح نصح من غشّ، ولا سلم ظاهر من تناقض، ولا خلت دعوى من معارض، فلهذا وأشباهه واجهتك بخطابي، وعرضت عليك ما في نفسي، فبالّذي أنت به قائمة، وبالّذي أنت به موجودة، وبالذي أنت له منقبلة، وإليه منساقة، إلّا خبّرتني عنك، وشفيت غليلي منك، ونعتّ لي غيب شأنك، وجعلت الخبر عنك كعيانك، وإنما ضرعت إليك هذا الضّرع، وعرضت عليك هذا الوجع، لأنّك جارتي وصاحبتي، وليس بيني وبينك حجاب إلّا ما هو عدوّ منك أو منّي، أعني بما هو منك لطف سحرك، وخفاء سرّك، وأعني بما هو منّي ما أعجز عن استبانته واستيضاحه إلّا بقوّة الإله الذي هو سبب لحركتك في أفانين تصرّفك، وأعاجيب عدلك وتحيّفك.
стр. 361
وكان إذا بلغ هذا الحدّ وما شاكله أخذ في كلام كالجواب على طريق التأنيس والتّسلية والاستراحة، وهذا بالواجب، لأن الإنسان بسبب أغراضه المجهولة، وعوارضه الفاجئة الباغتة من الغيب والشّهادة يفتقر افتقارا شديدا إلى هذه النّعوت التي تقدّم ذكرها، وهذا كالدّاء والدّواء! وليس لأحد أن يتهكّم فيقول: هلّا ارتفع الدّاء أصلا فيستغنى عن الدّواء جملة، وهلّا وقع الدّواء أبدا على الدّاء ونفاه وصرفه. فإنّ هذا كلام مدخول، من عقل كليل، ولعمري إنّ من جهل القسمة الإلهيّة في الأزل بحسب شهادة العقل لعب به الوسواس في هذه المواضع، وظنّ أنّ الأمر لو كان بخلاف ما هو عليه كان أولى وأتمّ وأوثق وأحكم، يا ويحه! من أين يوجب هذا الحكم؟ وبأيّ شيء يثبت هذا القضاء؟ وكيف يثق بهذا الوهم؟
وكان يقول أيضا: إنّ الطّبيعة تقول: أنا قوّة من قوى البارئ، موكّلة بهذه الأجسام المسخّرة حتّى أتصرّف فيها بغاية ما عندي من النّقش والتّصوير والإصلاح والإفساد اللّذين لولاهما لم يكن لي أثر في شيء، ولا لشيء أثر منّي، وكان وجودي وعدمي سواء، وحضوري وغيابي واحدا، ولو بطلت بطل ببطلاني ما أنا به، وهذا زائف من القول، وخطل من الرّأي، وتحكّم من الظّانّ.
ولو احتمل إيراد كلّ ما كان يتنفّس به هذا الشيخ في حال نشاطه وانقباضه، لكان ذلك مرادا فسيحا، ومشرعا واسعا، ولكنّ ذلك متعذّر لعجزي عن الوفاء به، ولأنّ هذه الرّسالة تتقلّص عنه، وإنما أجول في هذه الأكناف لكلفي بالحكمة كيف دارت العبارة بها، وأمكنت الإشارة إليها، لا على التّقصّي لها وبلوغ الغاية منها، ومن يقدر على ذلك؟ ومن يحدّث نفسه بذلك؟ العالم أبعد غورا وأعلى قلّة وأثقل وزنا وأحدّ غربا وألطف أعراضا وأكشف أجراما وأعجب تركيبا وأغرب بساطة، من أن يأتي عليه إنسان واحد، وكلّ من كان في مسكه، وإن بلغ الغاية في دقّة الذّهن وحسن البيان وبلاغة اللّفظ، واستنباط الغامض في حاضره وغائبه، هذا ما لا يتوهّمه العقل.
وأنا أعوذ بالله من هذه الدّعوى، وأسأله أن يلهمني الشّكر على ما فتح وشرح، وهدى إليه ومنح، وأطلع عليه وندح، فإنّ الشّكر قرع لباب المزيد، والمزيد باعث على الشّكر الجديد، والشّكر- وإن خلص بالعرفان، وجرى بضروب البيان على اللّسان- فإنّه يقصر عن تواتر النّعمة بعد النّعمة، وتظاهر الفائدة بعد الفائدة.
وأما الصّورة الأسطقسّيّة، فهي لائحة لكلّ ذي حسّ بالتّناظم الموجود فيها، والتّباين الآخذ بنصيبه منها، ولها انقسام إلى آحادها، أعني أنّ صورة الماء مباينة لصورة الهواء، وكذلك صورة الأرض مخالفة لصورة النّار، فتحديدها بما يقرّرها مع غوصها في كلّ أسطقسّ شديد، واللّفظ لا يصفو، والمراد لا ينماز.
стр. 362
وأمّا الصّورة الصّناعة فهي أبين من ذلك، لأنّها مع غوصها في مادّتها بارزة للبصر والسّمع ولجميع الأحسان، كصورة السّرير والكرسيّ والباب والخاتم وما أشبه ذلك.
وأمّا الصّورة النّفسيّة فهي راجعة إلى العلم والمعرفة وتوابعهما فيما يحقّقهما أو يخدمهما وهي شقيقة للصّورة العقليّة بالحقّ.
وأمّا الصّورة البسيطة فالاختلاف مراتب البسيط ما يعزّ رسمها إلا بالإيماء إليها، فإن لحق هذا الإيماء سامعه فذاك، وإلّا فلا طمع في عبارة شافية عنها.
وأما الصّورة المركّبة فهي بادية للحسّ بآثار الطّبيعة في مادّتها، وبادية أيضا للنّفس بآثار العقل في سيحه عليها، وكما أنّ بين البسيط والبسيط فرقا يكاد البسيط يكون به مركّبا، كذلك بين المركّب والمركّب فرق يكاد المركّب يكون به بسيطا، وهذه جملة تفسيرها معوز.
وأما الصّورة الممزوجة فهي أخت الصّورة المركّبة، وكذلك الصّورة الصافية أخت الصّورة البسيطة، وليس هذا تمايزا في اللّفظ واللّفظ، إذا كانتا متصاحبتين ولم تكونا متعاندتين.
وأمّا الصّورة اليقظيّة فهي مجموعة من الأحساس، لجريانها على وجدان المشاعر كلّها، وما لها وبها.
وأمّا الصّورة النّوميّة فهي أيضا مميّزة عن أختها، أعني اليقظيّة، لأنها إغضاء عين وفتح عين، أعني أنّ النائم قد حيل بينه وبين مثالات الإحساس وعوارض الكون والفساد، وفتح عليه باب إلى وجدان شيء آخر يجري كظلّ الشّخص من الشّخص، فإن كان ذلك من وادي الطبيعة أومأ إلى آثار الأخلاط، وإن كان من وادي النّفس أومأ إلى نصب التماثيل، وإن كان من وادي العقل صرّح بحقائق الغيب في عالم الشّهادة إمّا بالتّقريب وإمّا بالتّهذيب أعني إمّا بوقوعه عقيب ذلك، وإمّا بعد مهلة.
وأمّا الصوّرة الغائبيّة والشاهديّة فقد اتّصل الكلام في شرحها بما تقدّم من حديث الصّورة اليقظيّة والنّوميّة، والعبارة عن الشاهد مقصورة على وجدان المشاعر، والعبارة عن الغائب مقصورة على ما تغلّق على المشاعر، وفي الغائب شاهد هو الملحوظ من الغائب، وفي الشاهد غائب هو المبحوث عنه في الشّاهد، فالشاهد غائب بوجه، والغائب شاهد بوجه، حتى إذا استجمعا لك كنت بهما في شعارهما. والإلهيّون من الفلاسفة هم الذين جمعوا بين هذين النّعتين وعلوا هاتين الذّروتين، فتوحّدوا عند ذلك بخصائصهم، وانسلخوا عن نقائصهم، فلو قلت: ما هؤلاء بشر كنت صادقا.
ولقد أحسن الّذي قال في وصف العصابة حيث وصف فقال:
فينا وفيك طبيعة أرضيّة ... تهوي بنا أبدا لشرّ قرار
стр. 363
لكنّها مقسورة مأسورة ... مغلوبة السّلطان في الأحرار
فجسومهم من أجلها تهوي بهم ... ونفوسهم تسمو سموّ النار
لولا منازعة الجسوم نفوسهم ... نفذت بسورتها من الأقطار
عرفوا لروح الله فيه فضل ما ... قد آثروا من صالح الآثار
فتنزّهوا وتكرّموا وتعظموا ... عن لؤم طبع الطّين والأحجار
نزعوا إلى البحر الذي منه أتت ... أرواحهم وسموا عن الأغوار
وهذا وصف بليغ بالإضافة إلى القوم.
فأما ما وراء هذا فهناك خبر ثقة بما قرّر وقال:
وأما الصّورة اللّفظيّة فهي مسموعة بالآلة التي هي الأذن، فإن كانت عجماء فلها حكم، وإن كانت ناطقة فلها حكم، وعلى الحالين فهي بين مراتب ثلاث: إمّا أن يكون المراد بها تحسين الإفهام، وإمّا أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاصّ مالها في بروزها من نفس القائل، ووصولها إلى نفس السامع، ولهذه الصّورة بعد هذا كلّه مرتبة أخرى إذا مازجها اللّحن والإيقاع بصناعة الموسيقار، فإنّها حينئذ تعطي أمورا ظريفة، أعني أنّها تلذّ الأحساس، وتلهب الأنفاس، وتستدعي الكاس والطاس، وتروّح الطّبع، وتنعم البال، وتذكر بالعالم المشوق إليه، المتلهّف عليه.
هذا منتهى كلامه على ما علقه الحفظ، ولقنه الذّهن، ولو كان مأخوذا عنه بالإملاء لكان أقوم وأحكم، ولكنّ السّرد باللّسان، لا يأتي على جميع الإمكان في كلّ مكان، فهذا هذا.
قال الوزير: هذا باب في غاية الإيفاء والاستيفاء، ومن يتحكّك بالاعتراض عليه فقد صغى، وأبدى صفحته بالبهت، ودلّ من عقله على الدّخل، ومن أخلاقه على الخلل، لقد وهب الله لهذا الرجل مقاما عاليا، ولا عجب فإنه معوّض بهذا عما فاته.
وقال: أنشدني في الخمر شيئا غريبا، فأنشدته:
ومورّد الوجنات يخ ... طر حين يخطر في مورّد
يسقيك من جفن اللّجين ... إذا سقاك دموع عسجد
حتّى تظنّ الشمس تن ... زل أو تظنّ الأرض تصعد
فإذا سقاك بعينه ... وبفيه ثمّ سقاك باليد
حيّاك بالياقوت تح ... ت الدّرّ من فوق الزّبرجد
قال: أحسنت والله، هات زيادة. فقلت:
وعذراء ترغو حين يضربها الفحل ... كذا البكر تنزو حين يقتضّها البعل
стр. 364
تدير عيونا في جفون كأنّما ... حماليقها بيض وأحداقها نجل
كأنّ حباب الماء حول إنائها ... شذور ودرّ ليس بينهما فصل
توهّمتها في كأسها فكأنّما ... توهّمت شيئا ليس يدركه العقل
إذا اشتبكت رجلاي من سورة الكرى ... درجت إليها مثل ما يدرج الطّفل
وأنشدت لآخر:
وكم عائب للخمر لو أنّ أمّه ... تبول مداما لم يزل يستبيلها
ولآخر:
خليليّ لوماني على الخمر أو دعا ... فلن تجدا عندي على اللّوم مطمعا
وشبّا سنا نار لعلّ نديمنا ... بنجران أن يلقى سناها فيتبعا
فما راعنا إذ أوقدت فوق ربوة ... من الأرض إلّا راكبان قد أوضعا
فهشّا إلينا ثم قالا: ألا انعما ... مساء فقلنا: دام ذاك لنا معا
وأنشدت لآخر:
سقوني وقالوا لا تغنّ ولو سقوا ... جبال شمام ما سقوني لغنّت
وأنشدت أيضا:
الكأس لا تدري ولا الخمر ... من أيّ شيء عجّل السّكر
أسكرني من قبل شربي لها ... من دأبه الإعراض والهجر
قلت له والخمر في كأسه ... كأنّها في كفّه بدر
أنت لعمري الخمر يا سيّدي ... ليس الّذي سقّيتني الخمر
آخر:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... فخار لي الله في تركه
وقد كنت قدما به معجبا ... أروح وأغدو إلى سفكه
فقال: قد جرى هذا أيضا على التّمام. اختم مجلسنا بدعاء الصّوفيّة.
فقلت: سمعت ابن سمعون يدعو في الجامع في آخر مجلسه ويقول: اللهمّ اجعل قولنا موصولا بالعمل، وعملنا محقّقا للأمل، ولا تضايقنا فيما نتحوّل به، ونتقلّب لك فيه، وكنّف علينا بسترك، وسوّغنا برّك، وألهمنا شكرك، وخفّف على أفواهنا ذكرك، واخصصنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك، اللهمّ اسمع واستجب وقرّب. وانصرفت.
стр. 365
الليلة الثامنة والثلاثون
وجرى ليلة بحضرة الوزير- أعلى الله كلمته، وأدام غبطته، ووالى نعمته- أحقّ من دعي له، وأشرف من بوهي به، وأكمل من شوهد في عصره- حديث ابن يوسف وما هو عليه من غثاثته ورثاثته، وعيارته وخساسته.
فقلت له: عندي حديث، ولا شكّ أنّ الوزير مطّلع عليه، عارف به. قال: ما ذاك؟ قلت: حدّثني أبو عليّ الحسن بن عليّ القاضي التّنوخيّ قال: كنت في الصّحبة إلى همذان سنة تسع وستّين، وكنّا جماعة وفينا ابن حرنبار أبو محمّد، وكان في جنبه ابن يوسف، فاتّفق أنّ عضد الدّولة- برّد الله مضجعه- قال لابن شاهويه: سر إلى ابن حرنبار وقل له: ينبغي أن تسير إلى البصرة وإنّا نجعل لك فيها معونة، فقد طال مقامك عندنا، وتوالى تبرّمنا بك، وتبرّمك بنا، وليس لك بحضرتنا ما تحبّه وتقترحه، والسلامة لك في بعدك عنّا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيّرنا. وكلاما في هذا النّوع.
قال: ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس يشهد التّبليغ والأداء، ويسمع الجواب والابتداء- على رسم كان معهودا في مثل هذا الباب- فلقي ابن حرنبار وشافهه بالرّسالة على التّمام، فقال أبو محمّد لما سمع: الأمر للملك، ولا خلاف عليه، ولعمري إنّ الناس بجدودهم ينالون حظوظهم، وبحظوظهم يستديمون جدودهم، ولو وفّقت ما كان عجيبا، فقد نال من هو أنقص منّي، وبلغ المنى من أنا أشرف منه، ولكنّ المقادير غالبة، وليس للإنسان عنها مرتحل، وقد قيل: من ساور الدهر غلب، ولكن أيّها الشيخ لي حاجة: أحبّ أن تبلّغ الملك كلمة عنّي. قال:
هاتها، قال: تقول له: أنا صائر إلى ما رسمت، ومتمثل ما أمرت، بعد أن تقضي لي وطرا في نفسي، قد تقطّع عليه نفسي، وذاك أن تتقدّم فيقام عبد العزيز بن يوسف بين اثنين فيصفعانه مائتين، ويقولان له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهّف، ولا عندك فرج لمكروب، ولا برّ لضعيف، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى لمنتجع، ولا مأوى لضيف، فلم تخاطب بسيّدنا، وتقبّل لك اليد، ويقام لك إذا طلعت؟؟
قال ابن شاهويه: فقبل أن لقيت الملك أفصح له الّذي كان معي مشرفا عليّ.
فلمّا دخلت الدار عرّف، فقال: عليّ به، فحضرته وابن يوسف قاعد بين يديه على رسمه. فقال لي: هات الجواب عما نفذت فيه، فقلت: الجواب عندك، فقال: ما
стр. 366
أعجب هذا! أنت حمّلت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب؟ قال: فتلوّيت حياء من ابن يوسف، فقال: هات يا هذا الحديث بفصّه، فو الله لا أقنع إلّا به، ما هذا التّواني والتكاسل، فكرهت اللّجاج، فسردته على وجهه، ولم أغادر منه حرفا، وابن يوسف يتقدّد في إهابه، ويتغيّر وجهه عند كلّ لفظة تمرّ به، فأقبل عليه الملك وقال: كيف ترى يا أبا القاسم الكيّس؟ فقال: يا مولانا، إنما أنا أقضي الحاجة بك، فإذا لم تقضها كيف أكون؟ فإن الحوائج كلّها إليك.
قال: صدقت، أنا لا أقضي حاجة لك، لأنك لا تقصد بها وجه الله، ولا تبغي بها مكرمة، ولا تحفظ بها مروءة، وإنّما ترتشي عليها، وتصانع بها، وتجعلني بابا من أبواب تجارتك وأرباحك، ولو كنت أعلم أنّك تقضي حاجة لله أو لمكرمة أو لرحمة ورقّة لكان ذلك سهلا عليّ، وخفيفا عندي، لكنّك معروف المذهب في الطّمع والحيلة، وجرّ النار إلى قرصك، وشرهك في جميع أحوالك، وليس الذّنب لك، ولكن لمن رآك إنسانا وأنت كلب.
وصدق- صدّق الله قوله- فإنّه كان أخسّ خلق الله، وأنتن الناس، وأقذر الناس، لا منظر ولا مخبر.
وكانت أمّه مغنّية من أهل البيضاء، وأبوه من أسقاط الناس، ونشأ مع أشكاله، وكان في مكتب الرّبضيّ على أحوال فاحشة، وورّق زمانا، ثم إنّ الزمان نوّه به، ونبّه عليه، ومثل هذا يكون، والأيام ظهور وبطون، وكما يسقط الفاضل إذا عانده الجدّ، كذلك يرتفع السّاقط إذا ساعده الجدّ فهذا هذا.
فقال: ما كان هذا الحديث عندي، وإنّه لمن الغريب.
ثم قال: كيف خبرك في الفتنة التي عرضت وانتشرت، وتفاقمت وتعاظمت؟
فكان من الجواب: خبر من شهد أوّلها، وغرق في وسطها، ونجا في آخرها.
قال: حدّثني فإنّ في روايته وسماعه تبصرة وتعجّبا، وزيادة في التّجربة. وقد قيل: تجارب المتقدّمين، مرايا المتأخّرين، كما يبصر فيها ما كان، يتبصّر بها فيما سيكون، والشاعر قد قال:
والدّهر آخره شبه بأوّله ... ناس كناس وأيّام كأيّام
وليس من حادثة ماضية إلّا وهي تعرّفك الخطأ والصّواب منها لتكون على أهبة في أخذك وتركك، وإقدامك ونكولك، وقبضك وبسطك، وهذا وإن كان لا يقي كلّ الوقاية، فإنّه لا يلقي في التّهلكة كلّ الإلقاء.
كان أوّل هذه الحادثة الفظيعة البشعة الّتي حيّرت العقول وولّهت الألباب، وسافر عنها التوفيق، واستولى عليها الخذلان، وعدمت فيه البصائر، شيء كلا شيء،
стр. 367
وإذا أراد الله [تعالى ذكره] أن يعظّم صغيرا فعل، وإذا شاء أن يصغّر عظيما قدر، له الخلق والأمر، ولا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، ولا صارف لقدره، وقدرة الإنسان محدودة، واستطاعته متناهية، واختياره قصير، وطاقته معروفة، وكلّ ما جاوز هذا الحدّ وهذا التّناهي فهو الذي يجري على الإنسان شاء أو أبي، كره أو رضي، وهاهنا يفزع إلى الله من نازل المكروه، وحادث المحذور.
وذاك أنّ الرّوم تهايجت على المسلمين، فسارت إلى نصيبين بجمع عظيم زائد على ما عهد على مرّ السّنين، وكان هذا في آخر سنة اثنتين وستّين، فخاف الناس بالموصل وما حولها، وأخذوا في الانحدار على رعب قذف في قلوبهم، ليكون سببا لما صار إليه الأمر، وماج الناس بمدينة السّلام واضطربوا، وتقسّم هذا الموج والاضطراب بين الخاصّة والعامّة، وصارت العامّة طائفتين، طائفة ترقّ للدّين ولما دهم المسلمين، وتستعظم ذلك فرقا مما ينته إليه، بعد ما يؤتى عليه، وطائفة وجدت فرصتها في العيث والفساد، والنّهب والغارة بوساطة التعصّب للمذهب.
وافترقت الخاصة أيضا فرقتين: فرقة أحبّت أن تكون للنّاس حميّة للإسلام، ونهوض إلى الغزو، وانبعاث في نصرة المسلمين، إذ قد أضرب السّلطان عن هذا الحديث، لانهماكه في القصف والعزف، وإعراضه عن المصالح الدّينيّة، والخيرات السّياسيّة، وطائفة اختارت السكون والإقبال على ما هو أحسم لمادّة الوثوب والهيج، وأقطع لشغب الشاغب، وأقمع لخلاف المتّهم، فإنّ الاختلاف إذا عرض خفي موضع الاتّفاق، والتبس الأمر على الصّغار والكبار، وبمثل هذا فتحت البلاد، وملكت الحصون، وأزيلت النّعم، وأريقت الدّماء، وهتكت المحارم، وأبيدت الأمم، ونعوذ بالله من غضب الله وممّا قرّب من سخط الله، وإذا أراد الله أمرا كثّر بواعثه، وفرّق نوابثه «١» .
ولمّا اشتعلت النائرة، واشتغلت الثّائرة، صاح الناس: النّفير النّفير، وإسلاماه، وا محمّداه، وا صوماه، وا صلاتاه، وا حجّاه، وا غزواه، وا أسراه، في أيدي الرّوم والطّغاة. وكان عزّ الدّولة قد خرج في ذلك الأوان إلى الكوفة للصّيد، ولأغراض غير ذلك، فاجتمع الناس عند الشيوخ والأماثل والوجوه والأشراف والعلماء، وكانت النّيّة بعد حسنّة، وللناس في ظلّ السلطان مبيت ومقيل، ويستعذبون ورده، ويستسهلون صدره، وعجّوا وضجّوا، وقالوا: الله الله، انظروا في أمر الضّعفاء وأحوال الفقراء، واغضبوا لله ولدينه، فإنّ هذا الأمر إذا تفاقم تعدّى ضعفاءنا إلى أقويائنا، وبطل رأي كبرائنا في تدبير صغرائنا، والتّدارك واجب، وهو الإسلام، إن لم نذبّ عنه غلب الكفر، وهو الأمن والسكون إن لم يحفظا، فهو الخوف والبلاء وذهاب الحرث
стр. 368
والنّسل، وفضيحة الولد والأهل. فسكّن المشايخ منهم، وطيّبوا أنفسهم، وقوّوا منّتهم ووعدوهم أن يرتئوا فيه متّفقين، ويجتمعوا عليه مجتهدين، ويستخيروا الله ضارعين، وانصرف الناس عنهم.
واجتمع القوم: أبو تمّام الزينبيّ، ومحمد بن صالح بن شيبان، وابن معروف القاضي، وابن غسّان القاضي، وابن مكرّم- وكان من كبار الشّهود في سوق يحيى- وابن أيّوب القطّان العدل وأبو بكر الرازيّ الفقيه، وعليّ بن عيسى والعوّاميّ صاحب الزبيريّ، وابن رباط شيخ الكرخ، ونائب الشّيعة ولسان الجماعة، وابن آدم التاجر، والشّالوسيّ أبو محمد، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وتشاوروا وتفاوضوا، وقلّبوا الأمر، وشعّبوا القول، وصوّبوا وصعّدوا، وقرّبوا وبعّدوا والتأمّ لهم من ذلك أن تخرج طائفة وراء الأمير بختيار إلى الكوفة وتلقاه وتعرّفه ما قد شمل مدينة السلام من الاهتمام، وأنّ الخوف قد غلبهم، وأنّ الذّعر قد ملكهم، وأنهم يقولون: لو كان لنا خليفة أو أمير أو ناظر سائس لم يفض الأمر إلى هذه الشناعة، وأنّ أمير المؤمنين المطيع لله إنما ولّاه ما وراء بابه ليتيقّظ في ليله، متفكّرا في مصالح الرّعايا، وينفّذ في نهاره آمرا وناهيا ما يعود بمراشد الدّين، ومنافع الدّانين والقاصين وإلّا فلا طاعة، وكلاما على هذا الطابع، وفي هذا النّسج، فاتّفق جماعة على صريمة الرأي في الحركة إلى الكوفة، منهم أبو كعب الأنصاريّ، وأبو الحسن مدره القوم، وعليّ بن عيسى، والعوّاميّ، وابن حسّان القاضي صاحب الوقوف، وأبو أحمد الجرجانيّ القاضي البليغ، وابن سيّار القاضي أبو بكر، وأبو بكر الرازيّ.
وأما جعل، فإنه ذكر ما به من وجع النّقرس، واستعفى.
وأما أبو سعيد السّيرافيّ، فإنّه ذكر ضعفا وسنّا، وقال: أنا أعين في هذه النائبة بإقامة رجل جلد مزاح العلّة بالفرس والسّلاح، وقعد الجمّ الغفير، وسارت الجماعة إلى الكوفة، ولحقت عزّ الدولة في التصيّد، وانتظرته، فلمّا عاد قامت في وجهه واستأذنت في الوصول إليه على خلوة وسكون بال وقلّة شغل، فلم يلتفت إليهم، ولا عاج عليهم- وكان وافر الحظّ من سوء الأدب، قليل التّحاشي من أهل الفضل والحكمة- ثم قيل له:
إنّ القوم وردوا في مهمّ لا يجوز التغافل عنه، والإمساك دونه، فأذن لهم بين المغرب والعتمة، فجلسوا بحضرته كما اتّفق من غير ترتيب، فقال: تكلّموا.
فقال أبو الوفاء المهندس لأبي بكر الرازيّ: تكلم أيّها الشيخ، فإنّك رضا الجماعة، ومقنع العصابة.
فقال أبو بكر: الحمد لله الّذي لا موهبة إلّا منه، ولا بلوى إلّا بقضائه، ولا مفزع إلّا إليه، ولا يسر إلّا فيما يسّره، ولا مصلحة إلّا فيما قدّره، له الحكم وإليه
стр. 369
المصير، وصلّى الله على سيّدنا محمّد رسوله المبعوث، إلى الوارث والموروث، أما بعد، فإنّ الله تعالى قد حضّ على الجهاد، وأمر بإعزاز الدّين، والذّبّ عن الحريم والإسلام والمسلمين في الدهر الصالح، والزمان المطمئنّ، فكيف إذا اضطرب الحبل وانتكثت مريرته، وأبرز مصونه، وعرّي حريمه بالاستباحة، ونيل جانبه بالضّيم، وضعضع مناره بالرّغم، وقصد ركنه بالهدم، وأنت أيها المولى من وراء سدّة أمير المؤمنين المطيع لله، والحامل لأعباء مهمّاته، والناهض بأثقال نوائبه وأحداثه، والمفزع إليك، والمعوّل عليك فإن كان منك جدّ وتشمير فما أقرب الفرج ممّا قد أظلّ وأزعج، وإن كان منك توان وتقصير فما أصعبه من خطب؟ وما أبعده من شعب!! وقد جئناك نحقّق عندك ما بلغك من توسّط هذه الطاغية أطراف الموصل وما والاها، وأنّ الناس قد جلوا عن أوطانهم، وفتنوا في أديانهم وضعفوا عن حقيقة إيمانهم، للرّعب الذي أذهلهم، والخوف الّذي وهلهم، وإنّما هم بين أطفال صغار، ونساء ضعاف، وشيوخ قد أخذ الزمان منهم، فهم أرض لكلّ واطئ، ونهب لكلّ يد، وشباب لا يقفون لعدوّهم لقلّة سلاحهم، وسوء تأتّيهم في القراع والدّفاع، ونحن نسألك أن تتوخّى في أمّة محمّد ﷺ ما يزلفك عنده، ويكون لك في ذلك ذخر من شفاعته. وبختيار مطرق.
ثم اندفع عليّ بن عيسى فقال: أيّها الأمير، إنّ الصغير يتدارك قبل أن يكبر، فكيف يجوز ألّا يستقبل بالجدّ والاجتهاد وهو قد عسا وكبر. والله إن بنا إلّا أن يظنّ أهل الجبل وأذربيجان وخراسان أنّه ليس لنا ذابّ عن حريمنا، ولا ناصر لديننا، ولا حافظ لبيضتنا، ولا مفرّج لكربتنا، ولا من يهمّه شيء من أمورنا، فالله الله، لا تجرّنّ علينا شماتتهم بنا، وخذ بأيدينا بقوّتك، وحسن نيّتك، وحميد طويّتك، وعزّك وسلطانك، وأوليائك وأعوانك، واكتب قبل هذا إلى عدّة الدّولة بما يبعثه على حفظ أطرافه، وحراسة أكنافه، مع استطلاع الرّأي من جهتك، ومطالعة أمير المؤمنين برأيك ومشورتك.
ثم رفع الأنصاريّ رأسه وقال: ليس في تكرير الكلام- أطال الله بقاء الأمير- فائدة كبيرة، ولئن كان الإيجاز في هذا الباب لا يكفي، فالإطناب فيه أيضا لا يغني، والله لو نهضت بنا ونحن أحراض كما ترى لا نقلّب مخصرة بكفّ، ولا نرمي دحروجة بيد، ولا نعرف سلاحا إلا بالاسم، لنهضنا وسرنا تحت رايتك، وتصرّفنا بين أمرك ونهيك، وفدّيناك بأرواحنا ضنّا بك، وبعثنا على مثل ذلك أحداثنا وأولادنا الذين ربّيناهم بنعمتك، وخرّجناهم في أيّامك، وادّخرناهم للنّوازل إذا قامت، والحوادث إذا ترامت، فإن كان في المال قلّة فخذ من موسرنا وممّن له فضل في حاله، فإنه يفرج عنه طاعة لك، وطمعا فيما عند الله من الثّواب.
стр. 370
وقال العوّاميّ: والله ما سمّيت للدّولة عزّا، إلا لأنّ الله- تعالى- قد ذخرك للمسلمين كنزا، وجعل لهم على يديك وبتدبيرك راحة وفوزا، ولم يعرّضك لهذه الفادحة إلّا ليخصّك بانفراجها على يدك ويبقي لك بها ذكرا يطبّق الأرض ويبلغ أمراء خراسان ومصر والحجاز واليمن فيصيبهم الحسد على ما هيّأ الله لك منها.
ونظر بختيار إلى ابن حسّان القاضي- وكان منبسطا معه لقديم خدمته- فقال: أيّها القاضي، أنت لا تقول شيئا؟ قال: أيّها الأمير، وما القول وعندك هؤلاء العلماء، والمصاقع الألبّاء، وإنّ سراجي لا يزدهر في شمسهم، وإنّ سحابتي لا تبلّ على بلالهم، وقد قالوا فأنعموا، وجروا فأمعنوا، وليس قدّامهم إمام، ولا وراءهم أمام، لكنّي أقول: ما جشمنا إليك هذه الكلف إلّا لتنظر على ضعف أركاننا، وعلوّ أسناننا وقلّة أعواننا، لأنّا رأيناك أهلا للنّظر في أمرنا، والاهتمام بحالنا، وبما يعود نفعه على صغيرنا وكبيرنا.
فقال عزّ الدولة: ما زوي عنّي ما طرق هذه البلاد، ولقد أشرفت عليه، وفكّرت فيه، وما أحببت تجشّم هذه الطائفة على الوجه. وما أعجبني هذا التقريع من الصّغير والكبير، وما كان يجوز لي أن أنعس على هذه الكارثة، وأنعم بالعيش معها، ولعمري إنّ الغفلة علينا أغلب، والسّهو فينا أعمل، ولكن فيما ركبتموه منّي تهجين شديد، وتوبيخ فاحش، وإنّ هذا المجلس لممّا يتهادى حديثه بالزّائد والناقص، والحسن والقبيح، وإنّكم لتظنّون أنّكم مظلومون بسلطاني عليكم، وولايتي لأموركم، كلّا، ولكن كما تكونون يولّى عليكم، هكذا قول صاحب الشّريعة فينا وفيكم، والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم، ولولا أنّي كواحد منكم، لما جعلت قيّما عليكم، ولو خلا كلّ واحد منّا بعيب نفسه لعلم أنّه لا يسعه وعظ غيره، وتهجين سلطانه، أيظنّ هذا الشيخ أبو بكر الرّازيّ أنّني غير عالم بنفاقه، ولا عارف بما يشتمل عليه من خيره وشرّه، يلقاني بوجه صلب، ولسان هدّار يري من نفسه أنّه الحسن البصريّ يعظ الحجّاج بن يوسف، أو واصل بن عطاء يأمر بالمعروف، أو ابن السّماك يرهب الفجّار، هذا قبيح، ولو سكتّ عن هذا لكان عيّا وعجزا، جزى الله أبا عبد الله شيخنا خيرا حين جلس، وكذلك أحسن الله عنّا مكافأة أبي سعيد السّيرافيّ، فإنّه لو علم أنّ في مساعدتكم رشدا لما توقّف، وأمّا أنت يا أبا الحسن- يريد عليّ بن عيسى- فوحقّ أبي إنّي لأحبّ لقاءك، وأوثر قربك، ولولا ما يبلغني من ملازمتك لمجلسك، وتدريسك لمختلفتك، وإكبابك على كتابك في القرآن، لغلّبتك على زمانك، ولا استكثرت ممّا قلّ حظّي منه في هذه الحال التي أنا مدفوع إليها، فإنها وازعة على هوى النّفس، وطاعة الشيطان، ومنازعة الأكفاء، وجمع المال، وأخذه من حيث يجب أو لا يجب، وتفرقته فيمن يستحقّ ومن لا يستحقّ، وإلى الله أفزع في قليل أمري وكثيره، إذا شئتم.
стр. 371
قال لي أبو الوفاء- وهو الّذي شرح لي المجلس من أوّله إلى آخره-: لقد شاهدت من عزّ الدولة في ذلك المجلس، المنصور «١» في جدّه وشهامته، وثبات قلبه وقوّة لسانه، مع بحح لذيذ ولثغة حلوة.
قال: لو قد قلت له بعد ذلك: أيّها الأمير، ما ظننت أنك إذا خلعت رداءك ونزعت حذاءك تقول ذلك المقال، وتجول ذلك المجال، وتنال ذلك المنال، لقد انصرف ذلك الرّهط على هيبة لك شديدة، وتعظيم بالغ، ولقد تداولوا لفظك، وتتبّعوا معانيك، وتشاحّوا على نظمك، وقالوا: ما ينبغي لأحد أن يسيء ظنّه بأحد إلّا بعد الخبرة والعيان، وإلّا بعد الشّهادة والبيان، أهذا يقال له متخلّف أو ناقص؟ لله درّه من شخص! ولله أبوه من فتى مدره! ولما بلغ هذا المجلس الّذي قعدوا عن المسير إليه- أعني عزّ الدولة- حمدوا الله تعالى، وعلموا أنّ الخيرة كانت قرينة اختيارهم.
قال الوزير: قرأت ما دوّنه الصّابي أبو إسحاق في (التّاجيّ) فما وجدت هذا الحديث فيه.
قلت: لعلّه لم يقع إليه، أو لعلّه لم ير التّطويل به، أو لعلّه لم يستخفّ ذكر عز الدّولة على هذا الوجه.
قال: هذا ممكن، فهل سمعت في أيام الفتنة بغريبة؟
قلت: كلّ ما كنّا فيه كان غريبا بديعا، عجيبا شنيعا، حصل لنا من العيّارين قوّاد، وأشهرهم، ابن كبرويه، وأبو الدّود، وأبو الذّباب، وأسود الزّبد، وأبو الأرضة، وأبو النّوابح، وشنّت الغارة، واتّصل النّهب، وتوالى الحريق حتى لم يصل إلينا الماء من دجلة، أعني الكرخ.
فمن غريب ما جرى أنّ أسود الزّبد كان عبدا يأوي إلى قنطرة الزّبد ويلتقط النّوى ويستطعم من حضر ذلك المكان بلهو ولعب، وهو عريان لا يتوارى إلا بخرقة، ولا يؤبه له، ولا يبالى به، ومضى على هذا دهر، فلما حلّت النّفرة أعني لمّا وقعت الفتنة، وفشا الهرج والمرج، ورأى هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السّيف وأعمله، طلب سيفا وشحذه، ونهب وأغار وسلب، وظهر منه شيطان في مسك إنسان، وصبح وجهه، وعذب لفظه، وحسن جسمه، وعشق وعشق، والأيّام تأتي بالغرائب والعجائب، وكان الحسن البصريّ يقول في مواعظه: المعتبر كثير، والمعتبر
стр. 372
قليل. فلمّا دعي قائدا وأطاعه رجال وأعطاهم وفرّق فيهم، وطلب الرّآسة عليهم، صار جانبه لا يرام، وحماه لا يضام.
فممّا ظهر من حسن خلقه- مع شرّه ولعنته، وسفكه للدّم، وهتكه للحرمة، وركوبه للفاحشة، وتمرّده على ربّه القادر، ومالكه القاهر- أنّه اشترى جارية كانت في النّخّاسين عند الموصليّ بألف دينار، وكانت حسناء جميلة، فلمّا حصلت عنده حاول منها حاجته، فامتنعت عليه، فقال لها: ما تكرهين منّي؟ قالت: أكرهك كما أنت.
فقال لها: فما تحبّين؟ قالت: أن تبيعني، قال لها: أو خير من ذلك أعتقك وأهب لك ألف دينار؟ قالت: نعم، فأعتقها وأعطاها ألف دينار بحضرة القاضي ابن الدّقاق عند مسجد ابن رغبان، فعجب الناس من نفسه وهمّته وسماحته، ومن صبره على كلامها، وترك مكافأتها على كراهتها، فلو قتلها ما كان أتى ما ليس من فعله في مثلها.
قال الوزير: هذا والله طريف، فما كان آخر أمره؟ قلت: صار في جانب أبي أحمد الموسويّ وحماه، ثم سيّره إلى الشأم فهلك بها.
قال: وكيف سلمت في هذه الحالات؟
قلت: ومتى سلمت؟ جاءت النّهابة إلى بين السّورين وشنّوا الغارة واكتسحوا ما وجدوا في منزلي من ذهب وثياب وأثاث، وما كنت ذخرته من تراث العمر، وجرّدوا السّكاكين على الجارية في الدّار يطالبونها بالمال، فانشقت مرارتها، ودفنت في يومها، وأمسيت وما أملك مع الشّيطان فجرة، ولا مع الغراب نقرة.
أيّها الشيخ- وفّقك الله في جميع أحوالك، وكان لك في كلّ مقالك وفعالك- إنما نثرت بالقلم ما لاق به، فأمّا الحديث الّذي كان يجري بيني وبين الوزير فكان على قدر الحال والوقت والواجب، والاتّساع يتبع القلم ما لا يتبع اللّسان، والرّويّة تتبع الخطّ ما لا تتبع العبارة، ولما كان قصدي فيما أعرضه عليك، وألقيه إليك، أن يبقى الحديث بعدي وبعدك، لم أجد بدّا من تنميق يزدان به الحديث، وإصلاح يحسن معه المغزى، وتكلّف يبلغ بالمراد الغاية، فليقم العذر عندك على هذا الوصف، حتى يزول العتب، ويستحقّ الحمد والشّكر.
стр. 373
الليلة التاسعة والثلاثون
وقال الوزير ليلة: يعجبني الجواب الحاضر، واللفظ النادر، والإشارة الحلوة، والحركة الرّضيّة، والنّغمة المتوسّطة، لا نازلة إلى قعر الحلق، ولا طافحة على الشفة.
فكان من الجواب: اقتراح الشيء على الكمال سهل، ولكنّ وجدانه على ذلك صعب، لأنّ التّمنّي صفو النّفس الحسّيّة، ونيل المتمنّى في الفرصة المحشوّة بالحيلولة.
وقد قال المدائنيّ: أحسن الجواب ما كان حاضرا مع إصابة المعنى وإيجاز اللّفظ وبلوغ الحجّة.
وقال أبو سليمان شارحا لهذا: أمّا حضور الجواب فليكون الظّفر عند الحاجة، وأما إيجاز اللفظ فليكون صافيا من الحشو، وأمّا بلوغ الحجّة فليكون حسما للمعارضة.
قال: ما أحسن ما وشّح هذه الفقرة بهذه الشّذرة! وحكى المدائنيّ قال: قال مسلمة بن عبد الملك: ما من شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإنّ الجواب إذا تعقّب لم يكن له وقع.
وحكى المدائنيّ بإسناده عن عبد الرّحمن بن حوشب أنّ رسول الله ﷺ قال لعمرو بن الأهتم التّميميّ: أخبرني عن الزّبرقان بن بدر، فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزّبرقان: يا رسول الله، إنه ليعلم منّي أكثر من هذا، ولكنّه حسدني، فقال عمرو: أما والله يا رسول الله إنّه لزمر المروءة، ضيّق العطن، لئيم الخال، أحمق الوالد، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، ولقد رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشّعر لحكما» .
«١» .
стр. 374
وقال أبو سليمان: السّحر بالقول الأعمّ والرّسم المفيد على أربعة أضرب: سحر عقليّ، وهو ما بدر من الكلام المشتمل على غريب المعنى في أيّ فنّ كان، وسحر طبيعيّ، وهو ما يظهر من آثار الطبيعة في العناصر المتهيّئة والموادّ المستجيبة، وسحر صناعيّ، وهو ما يوجد بخفّة الحركات المباشرة، وتصريفها في الوجوه الخفيّة عن الأبصار المحدّقة، وسحر إلهي وهو ما يبدو من الأنفس الكريمة الطّاهرة باللّفظ مرّة، وبالفعل مرّة. وعرض كلّ واحد من هذه الضّروب واسع، وكلّ حذق ومهارة وبلوغ قاصية في كلّ أمر هو سحر، وصاحبه ساحر.
وقال المدائني: نظر ثابت بن عبد الله بن الزّبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن عثمان بن عفّان: أتشتمهم لأنّهم قتلوا أباك؟ فقال: صدقت، ولكنّ المهاجرين والأنصار قتلوا أباك.
وقال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد الله بن الزّبير: أبوك كان أعلم بك حين شتمك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتدري لم كان يشتمني؟ إني نهيته أن يقاتل بأهل مكة وأهل المدينة، فإنّ الله لا ينصره بهما، وقلت له، أمّا أهل مكّة فأخرجوا رسول الله ﷺ وأخافوه، ثم جاؤوا إلى المدينة فأخرجهم منها وشرّدهم.- فعرّض بالحكم بن أبي العاص- وهو جدّ عبد الملك- وكان النبيّ ﷺ نفاه.- وأمّا أهل المدينة فخذلوا عثمان حتّى قتل بينهم، لم يروا أن يدفعوا عنه. فقال له عبد الملك: لحاك الله.
وقال عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: أما والله لو كنت بمكة لعلمت، فقال معاوية: كنت أكون ابن أبي سفيان ينشقّ عني الأبطح، وكنت أنت ابن خالد منزلك أجياد، أعلاه مدرة، وأسفله عذرة.
وقال المدائنيّ: قال ابن الضحّاك بن قيس الفهريّ لهشام بن عبد الملك قبل أن يملك- وهو يومئذ غلام شابّ-: يا بن الخلائف، لم تطيل شعرك وقميصك؟ قال أكره أن أكون كما قال الشاعر:
قصير القميص فاحش عند بيته ... وشرّ غراس في قريش مركّبا
قال: وهذا الشعر لأبي خالد مروان بن الحكم، هجا به الضّحّاك بن قيس.
وحكى أيضا، قال: مرّ عطاء بن أبي صيفيّ بعبد الرّحمن بن حسّان بن ثابت وعطاء على فرس له، فقال له بعد الرحمن: يا عطاء، لو وجدت زمام زقّ الخمر
стр. 375
خاليا ما كنت تصنع به؟ قال: كنت آتي به دور بني النّجّار فأعرّفه فإنّه ضالّة من ضوالّهم، فإن عرفوه وإلّا فهو لك لم يعدك، ولكن أخبرني أيّ جدّيك أكبر، أفريعة أم ثابت؟ قال: لا أدري. قال: فلم يعنيك ما في كنائن الرّجال وأنت لا تدري أيّ جدّيك أكبر؟ بل فريعة أكبر من ثابت، وقد تزوّجها قبله أربعة كلّهم يلقاها بمثل ذراع البكر، ثم يطلّقها عن قلى؟ فقال لها نسوة من قومها: والله يا فريعة إنّك لجميلة، فما بال أزواجك يطلّقونك؟ قالت: يريدون الضّيق ضيّق الله عليهم.
وحكى أيضا قال: قال أبو السّفر: بينا رسول الله ﷺ يسير إذ رفع بين مكة والمدينة قبر أبي سعيد بن العاص، فقال أبو بكر: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان يكذّب الله ورسوله، فقال خالد بن أسيد- وهو في القوم-: لا بل لعن الله أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف، ولا يمنع الضّيم، ولا يقاتل مع رسول الله ﷺ .
فقال رسول الله ﷺ : «إذا سبّني المشركون فعمّوهم بالسّبّ، ولا تسبّوا الأموات فإنّ سبّ الأموات يغضب الأحياء» ؟.
قال محمد بن عمارة: فذاكرت بهذا الحديث رجلا من أصحاب الحديث من ولد سعيد بن العاص، فعرفه، فقال: فيه زيادة ليست عندكم، قلت: وما هي؟ فقال:
قال خالد بن أسيد: يا رسول الله، والّذي بعثك بالحق ما يسرّني أنّه في أعلى علّيين وأنّ أبا قحافة ولده. فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه، وقال: «لا تسبّوا الأموات فإنّ سبّهم يغضب الأحياء» .
وحكى قال: رمى عمر بن هبيرة الفزاريّ إلى عرام بن شتير بخاتم له فضّة- وقد زوّج- فعقد عليه عرام سيرا وردّه إلى ابن هبيرة. أراد ابن هبيرة قول الشّاعر:
لقد زرقت عيناك يا بن ملعّن ... كما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
وعرّض له عرام بقول ابن دارة:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وقال المدائني: وكان ابن هبيرة يساير هلال بن مكمّل النّميري، فتقدّمت بغلة النّميريّ بغلة ابن هبيرة. فقال: غضّ من بغلتك. فالتفت إليه النّميريّ فقال: أصلح الله الأمير، إنّها مكتوبة. وإنما أراد ابن هبيرة:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد النّميريّ قول سالم بن دارة:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وقال الوليد العنبريّ: مرّت امرأة من بني نمير على مجلس لهم، فقال رجل
стр. 376
منهم: أيتها الرسحاء. فقالت المرأة: يا بني نمير، والله ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر، قال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
[النور: ٣٠] . وقال الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقال: مرّ الفرزدق بخالد بن صفوان بن الأهتم، فقال له خالد: يا أبا فراس، ما أنت الذي لمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ، فقال له الفرزدق: ولا أنت الذي قالت الفتاة لأبيها فيه: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
[القصص: ٢٦] .
قال: ودخل يزيد بن مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان مصفرّا نحيفا، فقال سليمان: على رجل أجرّك رسنك وسلّطك على المسلمين لعنة الله. فقال: يا أمير المؤمنين إنّك رأيتني والأمر عنّي مدبر، فلو رأيتني وهو عليّ مقبل لاستعظمت منّي يومئذ ما استصغرت اليوم. قال: فأين الحجّاج؟ قال: يجيء يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه حيث شئت.
وقال عبّاد بن زياد: كنت عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه أبو يوسف حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه بثينة. قال أبثينة جميل؟ قال: نعم، قال أدخلها، فدخلت امرأة أدماء طويلة يعلم أنّها كانت جميلة، فقال له: يا أبا يوسف ألق لها كرسيّا، فألقاه لها، فقال لها عبد الملك: ويحك ما رجا منك جميل، قالت: الذي رجت منك الأمّة حين ولّتك أمرها.
وقال سعيد بن عبد الرّحمن بن حسّان: إنّ رهطا من الأنصار دخلوا على معاوية، فقال: يا معشر الأنصار، قريش خير لكم منكم لهم، فإن يكن ذلك لقتلى أحد، فقد قتلتم يوم بدر مثلهم، وإن يكن لإمرة فو الله ما جعلتم لي إلى صلتكم سبيلا، خذلتم عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وصليتم بالأمر يوم صفّين. فتكلّم رجل منهم، فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا قولك: «إن يكن لقتلى أحد» فإن قتيلنا شهيد وحيّنا تائق، وأمّا ذكرك الإمرة، فإنّ رسول الله ﷺ أمر بالصّبر عليها.
وأمّا قولك إنّا خذلنا عثمان، فإنّ الأمر في عثمان إلى قتلته، وأما قولك إنا قتلنا أنصاره يوم الجمل فذلك ما لا نعتذر منه، وأما قولك إنّا قتلنا فإنّما كنّا مع رجل لم نأله خبرا، فإن لمتنا فربّ ملوم لا ذنب له.
ثم قام وأصحابه يجرّ ثوبه مغضبا، فقال معاوية: ردّوهم، فردّوا فترضّاهم حتى رضوا، ثم انصرفوا. وأقبل معاوية على رهط من قريش، فقال: والله ما فرغ من منطقه حتى ضاق بي مجلسي.
قال سعيد بن عبد الرّحمن بن حسّان: دخل قيس بن سعد بن عبادة مع قوم
стр. 377
من الأنصار على معاوية. فقال معاوية: يا معشر الأنصار، لم تطلبون ما قبلي، فو الله لقد كنتم قليلا معي، كثيرا عليّ، ولقد قتلتم جندي يوم صفّين حتى رأيت المنايا تلظّى في أسنّتكم، وهجوتموني بأشدّ من وخز الأشافي حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلتم: ارع فينا وصيّة رسول الله ﷺ ، هيهات، «أبى الحقين العذرة» «١» ، فقال قيس:
نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله لا سواه، لا بما تمتّ به إليك الأحزاب، وأما عداؤنا لك فلو شئت كففنا عنك، وأما هجاؤنا إيّاك فقول يزول باطله، ويثبت حقّه، وأمّا قتلنا جندك يوم صفّين فإنا كنا مع رجل نرى أنّ طاعته طاعة الله، وأمّا استقامة الأمر لك فعلى كره كان منّا، وأمّا وصيّة رسول الله ﷺ فينا، فمن آمن به رعاها، وأما قولك «أبى الحقين العذرة» ، فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك. فقام معاوية فدخل، وخرج قيس ومن كان معه.
وقال محمد بن خالد القرشيّ: دخل زفر بن الحارث الكلابيّ على عبد الملك بن مروان وعنده خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأميّة بن عبد الله بن خالد، فقال زفر: لو كان لعبد الله سخاء مصعب وكان لمصعب عبادة عبد الله لكانا ما شاء المتمنّي. فقال عبد الملك: ما كان سخاء مصعب إلا لعبا، ولا كانت عبادة عبد الله إلا عبثا، ولكن لو كان للضّحّاك بن قيس مثل رجال مروان لكانت قيس أربابا بالشّام، فقال زفر: لو كانت لمروان صحبة الضّحّاك لكان، فقال عبد الملك: والله ما أحبّ له مثل صحبته ومصرعه، فقال خالد: لولا أنّ أمير المؤمنين لا يبصر مرعى لما تركناك والكلام. فقال زفر: اربعا على أنفسكما ودعانا وخليفتنا واسحبا ذيولكما على خيانة خراسان وسجستان والبصرة.
وقال المدائنيّ: غاب مولى للزّبير عن المدينة حينا، فقال له رجل من قريش لمّا رجع: أما والله لقد أتيت قوما يبغضون طلعتك، وفارقت قوما لا يحبّون رجعتك. قال المولى: فلا أنعم الله ممّن قدمت عليه عينا، ولا أخلف الله على من فارقت بخير.
قال المدائنيّ: كان مرثد بن حوشب عند سليمان بن عبد الملك، فجرى بينه وبين أبيه كلام حتّى تسابّا، فقال له أبوه: والله ما أنت بابني، قال: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت كنت أغير على أمّي من أبيك على أمّك. فقال له سليمان: قاتلك الله، إنّك لابنه.
وسابّ مرثد أخاه ثمامة، فقال له ثمامة: يا حلقيّ، فقال له مرثد: يا خبيث،
стр. 378
أتسابّني مسابّة الصبيان، فو الله إنّك لابني، ولقد غلبني حوشب على أمّك، وقد ألقحتها بك.
وقال ابن عيّاش المنتوف لأبي شاكر بن هشام بن عبد الملك: لو قصّرت قميصك، قال له: ما يضرّك من طوله. قال: تدوسه في الطّين، قال وما ينفعك من دوسه.
وقال: كان على تبالة رجل من قريش، فقال لرجل من باهلة: من الذي يقول:
إن كنت ترجو أن تنال غنيمة ... في دور باهلة بن يعفر فارحل
قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
فقال الباهليّ: ما أدري غير أنّي أظنّه الذي يقول:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا اللّيل والحرم
قال: وتكلّم ابن ظبيان التّيميّ يوما فأكثر، فقال له مالك بن مسمع: إيها أبا مطر، فإن للقوم في الكلام نصيبا، فقال: والله ما إليك جئت، ولو أن بكر بن وائل اجتمعت في بيت بقّال لأتيتهم. فقال له مالك: إنما أنت سهم من سهام كنانتي. فقال ابن ظبيان: أنا سهم من سهام كنانتك؟ فو الله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها، وايم الله ما أراك تنتهي حتّى أرميك بسهم لم يرش، تذبل به شفتاك، ويجفّ له ريقك.
وقال رجل للأحنف: بأيّ شيء سدت تميما؟ فو الله ما أنت بأجودهم ولا أشجعهم ولا أجملهم ولا أشرفهم، قال: بخلاف ما أنت فيه. قال: وما خلاف ما أنا فيه؟ قال: تركي ما لا يعنيني من أمور الناس كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
ووفد عليم بن خالد الهجيميّ على هشام وعنده الأبرش الكلبيّ، فقال له الأبرش الكلبيّ: يا أخا بني الهجيم، من القائل:
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
ألكم يقوله؟ قال: نعم، لنا يقوله، قال: ولكنّكم يا معشر كلب تعبرون «١» النّساء وتجزّون الشّاء، وتكدّرون العطاء، وتؤخّرون العشاء، وتبيعون الماء. فضحك هشام، فلما خرجا قال الأبرش: يا أخا بني الهجيم، أما كانت عندك بقيّة؟ قال: بلى، لو كان عندك بقيّة.
قدّمت امرأة زوجها إلى زياد تنازعه، وقد كانت سنّة أعلى من سنّها فجعلت تعيب زوجها وتقع فيه، فقال زوجها: أيّها الأمير، إن شرّ شطري المرأة آخرها، وخير
стр. 379
شطري الرّجل آخره. المرأة إذا كبرت عقمت رحمها، وحدّ لسانها، وساء خلقها، وإنّ الرّجل إذا كبرت سنّه استحكم رأيه، وكثر حلمه وقلّ جهله.
وقال أعشى همدان لامرأته: إنّك لسلسة الثّقبة، سريعة الوثبة، حديدة الرّكبة، فقالت: والله إنّك لسريع الإراقة، بطيء الإفاقة، قليل الطاقة، فطلّقها، وقال:
تقادم عهدك أمّ الجلال ... وطاشت نبالك عند النّضال
وقد بتّ حبلك فاستيقني ... بأنّي طرحتك ذات الشّمال
وأن لا رجوع فلا تكذبى ... ن ما حنّت النّيب إثر الفصال
قال الغلابيّ عن غيره: قال رجل لامرأته: أما إنّك ما علمت لسؤل منعة، جزوع هلعة، تمشين الدّفقيّ وتقعدين الهبنقعة «١» ، فقالت: أما والله إن كان زادي منك لهديّة «٢» ، وإن كانت حظوتي منك لحذيّة «٣» ، فإنّك لابن خبيثة يهودية.
وقال المدائنيّ قبض كسرى أرضا لرجل من الدّهاقين، وأقطعها البحرجان، فقدم صاحب الأرض متظلّما، فأقام بباب كسرى، فركب كسرى يوما، فقعد له الرّجل على طريقه يكلّمه، فلما حذاه شدّ عليه حتى صكّ بصدره ركبته، ووضع يده على فخذه، فوقف له كسرى وكلّمه، فقال له: أرض كانت لأجدادي ورثتها من آبائي قبضتها فأقطعتها البحرجان؟ ارددها عليّ، فقال له كسرى: مذ كم هذه الأرض في أيدي أجدادك وآبائك؟ فذكر دهرا طويلا، فقال له كسرى: والله لقد أكلتموها دهرا طويلا، فما عليك في أن تدعها في يد البحرجان عارية سنيّات يستمتع بها ثم يردّها عليك، فقال: أيّها الملك، قد علمت حسن بلاء بهرام جور في طاعتكم، أهل البيت، وما كفاكم من حدّ عدوّكم، ودفعه عنكم كيد التّرك وحسن بلاء آبائه قبل ذلك في طاعة آبائك، فما كان عليك لو أعرته ملكك سنيّات يستمتع به ثم يردّه إليك؟ فقال كسرى:
يا بحرجان، أنت رميتني بهذا السّهم، اردد عليه أرضه فردّها.
قال رجل من القحاطنة لرجل من أبناء الأعاجم: ما يقول الشّعر منكم إلا من كانت أمّه زنى بها رجل منّا فنزع إلينا. فقال له الثّنوي: وكذلك كلّ من لم يقل الشّعر منكم، فإنما زنى بأمّه رجل منّا فحملت به، فنزع إلينا، فمن ثمّ لم يقل الشعر.
وقال رجل من العرب لرجل من أبناء العجم: رأيت في النّوم كأنّي دخلت الجنّة فلم أر فيها ثنويّا. فقال له الثنويّ: أصعدت الغرف؟ قال: لا. قال: فمن ثمّ لم ترهم، هم في الغرف.
стр. 380
قال ابن عيّاش: ما قطعني إلا رجل من قريش من آل أبي معيط، وكان ماجنا شارب خمر، وذاك أني وقفت على بيان التبّان الذي أتي به ابن هبيرة الفزاريّ فأمر بصلبه، فقال لي: ما وقوفك هاهنا يا أبا الجرّاح؟ قلت: أنظر إلى هذا الشقيّ الذي يقول: إنّه نبيّ، قال: وما أتى به في نبوّته؟ قلت: بتحليل الخمر والزّنا- وأنا أعرّض به- فقال: لا، والله لا يقبل ذلك منه حتى يبرئ الأكمه والأبرص.
قال المدائنيّ: ابن عيّاش أبرص.
وقال: دخل أبو الأسود الدؤليّ على عبيد الله بن زياد، فقال له ابن زياد- وهو يهزأ به-: أمسيت يا أبا الأسود العشيّة جميلا فلو علّقت تميمة تنفي بها عنك العين؟
فعرف أنه يهزأ به فقال: أصلح الله الأمير-.
أفنى الشّباب الّذي فارقت بهجته ... مرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا تخاف عليه لدغة الحدق
وقال المدائنيّ: وقع بين العريان بن الهيثم النّخعيّ وبين بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ كلام بين يدي خالد بن عبد الله القسريّ وخالد يومئذ على العراق- وكان متحاملا على بلال، وكان العريان على شرطة خالد- فقال العريان لبلال: إني والله ما أنا بأبيض الرّاحتين، ولا منتشر المنخرين، ولا أروح القدمين، ولا محدّد الأسنان، ولا جعد قطط، فقال بلال: يا عريان، أتعنيني بهذا؟ قال: لا والله، ولكن كلام يتلو بعضه بعضا. فقال بلال: يا عريان، أتريد أن تشتم أبا بردة وأشتم أباك، وتشتم أبا موسى وأشتم جدّك، هذا والله ما لا يكون، فقال العريان: إني والله ما أجعل أبا موسى فداء الأسود، ولا أبا بردة فداء الهيثم، فمثلي ومثلك في ذلك كما قال مسكين الدارميّ:
أنا مسكين لمن أنكرني ... ولمن يعرفني جدّ نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق
قال المدائنيّ: جرى بين وكيع بن الجراح وبين رجل من أصحابه كلام في معاوية واختلفا، فقال الرجل لوكيع: ألم يبلغك أن رسول الله ﷺ لعن أبا سفيان ومعاوية وعتبة فقال: «لعن الله الراكب والقائد والسائق» ، فقال وكيع: إن رسول الله ﷺ قال: «أيّما بعد دعوت عليه فاجعل ذلك (له أو عليه) رحمة» ، فقال الرجل:
أفيسرّك أنّ رسول الله ﷺ لعن والديك فكان ذلك لهما رحمة. فلم يحر إليه جوابا.
تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: وبهرك القول يا صعصعة؟ فقال: إن الجياد نضّاحة بالماء.
هكذا قال لنا السّيرافيّ، وقد قرأت عليه هذه الفقر كلّها، وإنما جمعتها للوزير بعد إحكامها وروايتها.
стр. 381
قال عليّ بن عبد الله: شهدت الحجّاج خارجا من عند عبد الملك بن مروان، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: إلى متى تقتل أهل العراق يا أبا محمّد! فقال: إلى أن يكفّوا عن قولهم في أبيك: إنّه كان يشرب الخمر.
قال المدائنيّ: أسرت مزينة حسّان بن ثابت- وكان قد هجاهم- قال:
مزينة لا يرى فيها خطيب ... ولا فلج يطاف به خضيب
أناس تهلك الأحساب فيهم ... يرون التّيس يعدله الحبيب
فأتتهم الخزرج يفتدونه، فقالوا: نفاديه بتيس، فغضبوا وقاموا، فقال لهم حسّان: يا إخوتي خذوا أخاكم وادفعوا إليهم أخاهم.
وقال المدائنيّ: فرّق عمر بن الخطّاب بين منظور بن أبان وبين امرأته- وكان خلف عليها بعد أبيه- فتزوّجها طلحة بن عبد الله، فلقيه منظور، فقال له: كيف وجدت سؤري؟ فقال: كما وجدت سؤر أبيك. فأفحمه.
وقال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب رسول الله- ﷺ وأبلغته رسالته، فضحك ثمّ قال: كتب إليّ صاحبك أن أتبعه على دينه، فما يمنعه- إن كان نبيّا- أن يدعو الله أن يسلّط عليّ البحر فيغرقني فيكتفي مؤونتي ويأخذ ملكي؟ قلت: فما صنع عيسى إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه، وجعلوا عليه إكليل شوك، وحملوا خشبته الّتي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتّى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيّا بحربة حتّى مات، هذا على زعمكم، فما منعه أن يسأل الله فينجيه ويهلكهم فيكفى مؤونتهم ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريّا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله فقتله، وبعث برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله تعالى أن ينجيه ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: إنّه والله لحكيم، وما يخرج الحكيم إلا من عند الحكماء.
قال المدائنيّ: أبطأ على رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرّحمن ما قبله- وهو على خراسان- وكان يقال للرجل: زامل بن عمرو من بني أسد بن خزيمة، فدخل على الجنيد يوما فقال: أصلح الله الأمير، قد طال انتظاري، فإن رأى الأمير أن يضرب لي موعدا أصير إليه فعل. فقال: موعدك الحشر، فخرج زامل متوجّها إلى أهله، ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال: أصلح الله الأمير:
أرحني بخير منك إن كنت فاعلا ... وإلّا فميعاد كميعاد زامل
قال: وما فعل زامل؟ قال: لحق بأهله. فأبرد الجنيد في أثره بريدا وبعث يعهده إلى الكورة التي يدرك بها، فأدرك بنيسابور، فنزلها.
стр. 382
وامتدح رجل الحسن بن عليّ- ﵇ بشعر، فأمر له بشيء، فقيل:
أتعطي على كلام الشّيطان؟ فقال: أبتغي الخير لنفي الشّرّ.
قال المدائنيّ: أتى العبدانيّ حمّاد بن أبي حنيفة وقد ملا عينه كحلا قد ظهر من محاجر عينه، وعند حمّاد جماعة. فقال له حمّاد: كأنك امرأة نفساء. قال: لا، ولكنّي ثكلى. قال: على من؟ قال: على أبي حنيفة.
وقال مروان بن الحكم ليحيى: إنّ ابنتك تشكو تزويجك وتزعم أنّه يبول في دثاره. قال: فهو يبول منها فيما هو أعظم من دثاره.
وقال معاوية: هذا عقيل عمّه أبو لهب. فقال عقيل: هذا معاوية عمّته حمّالة الحطب.
قال: ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر فقارب في خطوه، فقال أبو جعفر:
كبرت سنّك يا معن. قال: في طاعتك. قال: وإنّك لجلد. قال: على أعدائك. قال:
إنّ فيك لبقيّة. قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال المنصور لسفيان بن معاوية المهلّبيّ: ما أسرع الناس إلى قومك؟ قال سفيان:
إنّ العرانين تلقاها محسّدة ... ولن ترى للئام النّاس حسّادا
فقال: صدقت.
قال المدائني: حضر قوم من قريش مجلس معاوية وفيهم عمرو بن العاص وعبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحيّ وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فقال عمرو: احمدوا الله يا معشر قريش إذ جعل والي أموركم من يغضي على القذى، ويتصامم عن العوراء، ويجرّ ذيله على الخدائع. قال عبد الله بن صفوان: لو لم يكن هذا لمشينا إليه الضّراء، ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجنّ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مصر.
وقال معاوية: يا معشر قريش، حتّى متى لا تنصفون من أنفسكم؟
فقال عبد الرحمن بن الحارث: إن عمرا وذوي عمرو أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، ما كان لو أغضيت على هذه؟ فقال: إنّ عمرا لي ناصح، قال: أطعمنا ممّا أطعمته، ثم خذنا بمثل نصيحته، إنّك يا معاوية تضرب عوامّ قريش بأياديك في خواصّها كأنّك ترى أنّ كرامها جاروك دون لئامها، وايم الله: إنّك لتفرغ من إناء فعم في إناء ضخم، ولكأنك بالحرب قد حلّ عقالها ثمّ لا تنظرك. فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك. ثم أنشد معاوية:
أغرّ رجالا من قريش تشايعوا ... على سفه، منّا الحيا والتّكرّم؟
стр. 383
وقال المدائنيّ: كان عروة بن الزّبير عند عبد الملك بن مروان يحدّثه- وعنده الحجّاج بن يوسف- فقال له عروة في بعض حديثه: قال أبو بكر- يعني عبد الله بن الزّبير- فقال الحجّاج: أعند أمير المؤمنين تكني ذلك الفاسق؟ لا أمّ لك. فقال عروة:
ألي تقول هذا لا أمّ لك وأنا ابن عجائز الجنّة خديجة وصفيّة وأسماء وعائشة، بل لا أمّ لك أنت يا بن المستفرمة بعجم زبيب الطّائف.
وقال: لمّا صنع هشام بن عبد الملك بغيلان الواعظ ما صنع، قال له رجل: ما ظلمك الله ولا سلّط عليك أمير المؤمنين إلّا وأنت مستحقّ، فقال غيلان: قاتلك الله، إنّك جاهل بأصحاب الأخدود.
قال عمرو بن العاص: أعجبتني كلمة من أمة، قلت لها ومعها طبق: ما عليه يا جارية؟ قالت: فلم غطّيناه إذا؟
وقع ابن الزّبير في معاوية، ثم دخل عليه فأخبره معاوية ببعضه، فقال: أنّى علمت ذلك؟ فقال معاوية: أما علمت أنّ ظنّ الحكيم كهانة.
وقيل لعمر بن عبد العزيز: ما تقول في عليّ وعثمان وفي حرب الجمل وصفّين؟ قال: تلك دماء كفّ الله يدي عنها، فأنا أكره أن أغمس لساني فيها.
وقال: طلّق أبو الخندف امرأته أمّ الخندف، فقالت له: يا أبا الخندف طلّقتني بعد خمسين سنة، فقال: مالك عندي ذنب غيره.
وقال: لقي جرير الأخطل فقال: يا مالك، ما فعلت خنازيرك! قال: كثيرة في مرج أفيح، فإن شئت قريناك منها، ثم قال الأخطل: يا أبا حزرة ما فعلت أعنازك؟
قال: كثيرة في واد أروح، فإن شئت أنزيناك على بعضها.
وقال الشّعبيّ: ذكر عمرو بن العاص عليّا فقال: فيه دعابة، فبلغ ذلك عليّا فقال: زعم ابن النّابغة أنّي تلعابة تمراحة ذو دعابة أعافس وأمارس، هيهات، يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب ومن كان له قلب ففي هذا عن هذا له واعظ وزاجر، أما وشرّ القول الكذب- إنّه ليعد فيخلف، ويحدّث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنّه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرّجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه.
قال المدائنيّ: بعث المفضّل الضّبيّ إلى رجل بأضحيّة، ثم لقيه فقال: كيف كانت أضحيّتك؟ فقال: قليلة الدّمّ. وأراد قول الشاعر:
ولو ذبح الضّبّيّ بالسّيف لم تجد ... من اللؤم للضّبّيّ لحما ولا دما
وقال المدائنيّ: مرّ عقيل بن أبي طالب على أخيه عليّ بن أبي طالب ﵇ ومعه تيس، فقال له عليّ: إنّ أحد ثلاثتنا أحمق. فقال عقيل: أمّا أنا وتيسي فلا.
стр. 384
وكلّم عامر بن عبد قيس حمران يوما في المسجد. فقال له حمران: لا أكثر الله فينا مثلك. فقال عامر: لكن: أكثر الله فينا مثلك، فقال له القوم: يا عامر، يقول لك حمران ما لا تقول مثله؟ فقال: نعم يكسحون طرقنا، ويحوكون ثيابنا، ويخرزون خفافنا. فقيل له: ما كنّا نرى أنّك تعرف مثل هذا، قال: ما أكثر ما نعرف ممّا لا تظنّون بنا.
وقال: مرّ جرير بن عطية على الأحوص وهو على بغل، فأدلى البغل، فقال الأحوص: بغلك يا أبا حزرة على خمس قوائم. قال جرير: والخامسة أحبّ إليك.
ومرّ جرير بالأحوص وهو يفسق بامرأة وينشد:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرّت
فقال له جرير: فإنّه يقر بعينها أن تقعد على مثل ذراع البكر، أفتراك تفعل ذلك؟
فقال الوزير: من رأيت من الكبار كان يحفظ هذا الفنّ وله فيه غزارة وانبعاث وجسارة على الإيراد؟
قلت: ابن عبّاد على هذا، ويبلغ من قوّته أنه يفتعل أشياء شبيهة بهذا الضّرب على من حضر، فقال: الكذب لا خير فيه، ولا حلاوة لروايه، ولا قبول عند سامعيه.
وقال: أرسل بلال بن أبي بردة إلى أبي علقمة فأتاه، فقال: أتدري لأيّ شيء أرسلت إليك؟ قال: نعم، لتصنع بي خيرا. قال: أخطأت ولكن لأسيء بك.
فقال: أمّا إذ قلت ذاك لقد حكّم المسلمون حكمين، فسخر أحدهما بالآخر. فقال الوزير: أيقال سخر به! فكان الجواب أنّ أبا زيد حكاه، وصاحب التّصنيف قد رواه، وسخر منه أيضا كلام، وإنما يقال هو أفصح، لأنه في كتاب الله ، وإلّا فكلاهما جائز.
وقال حمزة بن بيض الحنفيّ للفرزدق: يا أبا فراس، أيّما أحبّ إليك أن تسبق الخير أم يسبقك! قال: ما أريد أن أسبقه ولا أن يسبقني، بل نكون معا. ولكن حدّثني أيّما أحبّ إليك: أن تدخل منزلك فتجد رجلا على حرامّك، أو تجدها قابضة على قمدّ الرجل. فأفحمه.
فلما قرأت الجزء في ضروب الجواب المفحم. قال: ما أفتح هذا النوع من الكلام لأبواب البديهة! وأبعثه لرواقد الذّهن! وما يتفاضل الناس عندي بشيء أحسن من هذه الكلمات الفوائق الروائق، ما أحسن ما جمعت وأتيت به.
стр. 385
الليلة الأربعون
وقال مرّة أخرى: حدّثني عن اعتقادك في أبي تمّام والبختريّ.
فكان الجواب: إن هذا الباب مختلف فيه، ولا سبيل إلى رفعه، وقد سبق هذا من الناس في الفرزدق وجرير ومن قبلهما في زهير والنابغة حتّى تكلم على هذا الصدر الأول، مع علوّ مراتبهم في الدّين والعقل والبيان، لكن حدّثنا أبو محمد العروضيّ عن أبي العبّاس المبرّد قال: سألني عبيد الله بن سليمان عن أبي تمّام والبحتريّ، فقلت:
أبو تمّام يعلو علوّا رفيعا، ويسقط سقوطا قبيحا، والبحتريّ أحسن الرجلين نمطا، وأعذب لفظا، فقال عبيد الله:
قد كان ذلك ظنّي ... فعاد ظنّي يقينا
فقلت: وهذا أيضا شعر. فقال: ما علمت.
فقال: هذه حكاية مفيدة من هذا العالم المتقدّم، وحكم يلوح منه الإنصاف، وقد أغنى هذا القول عن خوض كثير.
ودع ذا، من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا الافتراق، وتباينوا هذا التّباين، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة الدّم والمال وردّ الشّهادة وإطلاق اللّسان بالجرح وبالقذع والتّهاجر والتّقاطع! فكان الجواب: إنّ المذاهب فروع الأديان، والأديان أصول المذاهب، فإذا ساغ الاختلاف في الأديان- وهي الأصول- فلم لا يسوغ في المذاهب وهي الفروع.
فقال: ولا سواء، الأديان اختلفت بالأنبياء، وهم أرباب الصّدق والوحي الموثوق به، والآيات الدّالّة على الصّدق، وليس كذلك المذاهب.
فقيل: هذا صحيح، ولا دافع له، ولكن لمّا كانت المذاهب نتائج الآراء، والآراء ثمرات العقول، والعقول منائح الله للعباد، وهذه النتائج مختلفة بالصّفاء والكدر، وبالكمال والنّقص، وبالقلّة والكثرة، وبالخفاء والوضوح، وجب أن يجري الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق وإن كانت تلك منوطة بالنبوّة، وبعد، فما دام الناس على فطر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلابدّ من الاختلاف في كلّ ما يختار ويجتنب،
стр. 386
ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما جرى مجرى المذاهب والأديان، ألا ترى أنّ الاتّفاق لم يحصل في تفضيل أمة على أمّة، ولا في تفضيل بلد على بلد، ولا في تقديم رجل على رجل، ولو لم يكن في هذا الأمر إلا التّعصّب واللّجاج والهوى والمحك والذّهاب مع السابق إلى النفس، والموافق للمزاج، والخفيف على الطّباع، والمالك للقلب، لكان كافيا بالغا بالإنسان كلّ مبلغ.
وشيخنا أبو سليمان يقول كثيرا: إنّ الدّين موضوع على القبول والتّسليم، والمبالغة في التّعظيم، وليس فيه «لم» و «لا» و «كيف» إلا بقدر ما يؤكّد أصله ويشدّ أزره، وينفي عارض السّوء عنه، لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشكّ، ويقدح في الفرع بالتّهمة.
قال: وهذا لا يخصّ دينا دون دين، ولا مقالة دون مقالة، ولا نحلة دون نحلة، بل هو سار في كلّ شيء في كلّ حال في كلّ زمان، وكلّ من حاول رفع هذا فقد حاول رفع الفطرة ونفي الطّباع وقلب الأصل، وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع ولا ممكن، وقد قيل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
وقال لنا القاضي أبو حامد المرورّوذيّ: أنا منذ أربعين سنة أجتهد مع أصحابنا البصريّين في أن أصحّح عندهم أن بغداد أطيب من البصرة، وأنا اليوم في كلامي معهم كما كنت في أوّل كلامي لهم، وكذلك حالهم معي، فهذا هذا. أنظر إلى فضل ومرعوش- وهما من سقط النّاس وسفلتهم- كيف لهج الناس بهما وبالتعصّب لهما حتى صار جميع من ببغداد إما مرعوشيّا وإمّا فضليّا.
ولقد اجتاز ابن معروف وهو على قضاء القضاة بباب الطاق فتعلّق بعض هؤلاء المجّان بلجام بغلته، وقال: أيّها القاضي، عرّفنا، أنت مرعوشيّ أم فضليّ، فتحيّر وعرف ما تحت هذه الكلمة من السّفه والفتنة، وأنّ التخلّص بالجواب الرّفيق أجدى عليه من العنف والخرق وإظهار السّطوة، فالتفت إلى الحرّانيّ- وكان معه وهو من الشهود- فقال: يا أبا القاسم، نحن في محلّة من؟ قال: في محلّة مرعوش، فقال ابن معروف: كذلك نحن- عافاك الله- من أصحاب محلّتنا لا نختار على اختيارهم، ولا نتميّز فيهم. فقال العيّار: امش أيّها القاضي في ستر الله، مثلك من تعصّب للجيران.
فقال الوزير- أحسن الله توفيقه-: هذا كلّه تعصّب وهوى وتماحك وتكلّف. قيل:
هذا وإن كان هكذا فهو داخل فيما عداه من حديث الدّين والمذهب والصّناعة والبلد.
قال أبو سليمان: ولمصلحة عامّة نهي عن المراء والجدل في الدّين على عادة المتكلّمين، الذين يزعمون أنّهم ينصرون الدّين، وهم في غاية العداوة للإسلام والمسلمين، وأبعد الناس من الطّمأنينة واليقين.
стр. 387
ثم حدّث فقال:
اجتمع رجلان: أحدهما يقول بقول هشام، والآخر يقول بقول الجواليقيّ، فقال صاحب الجواليقيّ لصاحب هشام: صف لي ربّك الّذي تعبده، فوصفه بأنه لا يد له ولا جارحة ولا آلة ولا لسان، فقال الجواليقيّ: أيسرّك أن يكون لك ولد بهذا الوصف! قال: لا، قال: أما تستحي أن تصف ربّك بصفة لا ترضاها لولدك! فقال صاحب هشام: إنّك قد سمعت ما نقول، صف لي أنت ربّك. فقال: إنه جعد قطط في أتمّ القامات وأحسن الصّور والقوام. فقال صاحب هشام: أيسرّك أن تكون لك جارية بهذه الصّفة تطؤها؟! قال: نعم، قال: أفما تستحي من عبادة من تحبّ مباضعة مثله!! وذلك لأنّ من أحبّ مباضعته فقد أوقع الشّهوة عليه.
فقال: هذا من شؤم الكلام ونكد الجدل، فلو كان هناك دين لكان لا يدور هذا في وهم ولا ينطق به لسان.
وحكى أيضا قال: ابتلي غلام أعجميّ بوجع شيد، فجعل يتأوّه ويتلوّى ويصيح. فقال له أبوه: يا بنيّ اصبر واحمد الله تعالى فقال: ولماذا أحمده! قال:
لأنّه ابتلاك بهذا، فاشتدّ وجع الغلام ورفع صوته بالتأوّه أشدّ ممّا كان، فقال له أبوه:
ولم جزعك! فقال: كنت أظنّ أنّ غير الله ابتلاني بهذا فكنت أرجوه أن يعافيني من هذا البلاء ويصرفه عنّي، فأمّا إذ كان هو الّذي ابتلاني به فمن أرجو أن يعافيني! فالآن اشتدّ جزعي، وعظمت مصيبتي. قال: ولو علم أنّ الّذي ابتلاه هو الذي استصلحه بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها بحسّ صحيح وعلم تامّ، لكان لا يرى ما قاله وتوهّمه لازما.
وحكى أيضا أنّ رجلا من العجم حجّ وتعلّق بأستار الكعبة فطفق يدعو ويقول:
يا من خلق السّباع الضارية، والهوامّ العادية، وسلّطها على الناس، وضربهم بالزّمانة والعمى والفقر والحاجة، فوثب الناس عليه وسبّوه وزجروه وقالوا: ادع الله بأسمائه الحسنى. فأظهر لهم الندّامة، والتّقارف فخلّوا عنه بعد ما أرادوا الوقيعة به، فرجع وتعلّق بأستار الكعبة، وجعل ينادي: يا من لم يخلق السّباع الضّارية، ولا الهوامّ، ولا سلّطها على النّاس، ولم يضرب الناس بالأوجاع والأسقام. فوثبوا عليه أيضا وقالوا له: لا تقل هذا فإنّ الله خالق كلّ شيء، فقال: ما أدري كيف أعمل؟ إن قلت: إنّ الله خالق هذه الأشياء وثبتم عليّ، وإن قلت: إنّ الله لم يخلقها وثبتم عليّ. فقالوا:
هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع الله به.
قال أبو سليمان: وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلّمين الّذين يقولون: لا يجوز أن يعتقد شيء بالتقليد، ولابدّ من دليل، ثم يدلّلون ويختلفون، ثم يرجعون إلى القول بأنّ الأدلّة متكافئة.
стр. 388
وكان ابن البقّال يجهر بهذا القول، فقلت له مرّة: لم ملت إلى هذا المذهب؟
فقال: لأني وجدت الأدلّة متدافعة في أنفسها، ورأيت أصحابها يزخرفونها ويموّهونها لتقبل منهم، وكانوا كأصحاب الزّيوف الّذين يغشّون النّقد لينفق عندهم، وتدور المغالطة بينهم. فقلت له: أما تعرف بأنّ الحقّ حقّ والباطل باطل؟ قال: بلى، ولكن لا يتبيّن أحدهما من الآخر. قلت: أفلأنّه لا يتبيّن لك الحقّ من الباطل تعتقد أنّ الحقّ باطل وأنّ الباطل حقّ؟ قال: لا أجيء إلى حقّ أعرفه بعينه فأعتقد أنّه باطل، ولا أجيء أيضا إلى باطل أعرفه بعينه فأعتقد أنّه حقّ، ولكن لمّا التبس الحقّ بالباطل والباطل بالحق قلت إنّ الأدلّة عليهما ولهما متكافئة، وإنها موقوفة على حذق الحاذق في نصرته، وضعف الضّعيف في الذّبّ عنه. قلت: فكأنّك قد رجعت عن اعترافك بالحقّ أنّه حقّ، وبالباطل أنّه باطل. قال: ما رجعت. قلت: فكأنّك تدّعي الحقّ حقّا جملة والباطل باطلا جملة من غير أن تميّز بالتفصيل. قال: كذا هو. قلت: فما نفعك بالاعتراف بالحقّ وأنّه متميّز عن الباطل في الأصل، وأنت لا تميّز بينهما في التفصيل؟
قال: والله ما أدري ما نفعي منه. قلت: فلم لا تقول: الرأي أن أقف فلا أحكم على الأدلّة بالتّكافؤ، لأنّ الباطل لا يقاوم الحقّ، والحقّ لا يتشبّه بالباطل، إلى أن يفتح الله بصري فأرى الحقّ حقّا في التفصيل، والباطل باطلا على التّحصيل، كما رأيتهما في الجملة، وأنّ الّذي فتح بصري على ذلك في الأوّل هو الّذي غضّ بصري عنه في الثاني؟ قال: ينبغي أن أنظر فيما قلت. فقلت: انظر إن كان لك نظر، ولا تتكلّف النّظر ما دام بك عمى أو عشا أو رمد.
وحكى لنا أبو سليمان قال: وصف لنا بعض النّصارى الجنّة فقال: ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح. فسمع ذلك بعض المتكلّمين فقال: ما تصف إلّا الحزن والأسف والبلاء.
وقال أبو عيسى الورّاق- وكان من حذّاق المتكلّمين-: إن الآمر بما يعلم أنّ المأمور لا يفعله سفيه، وقد علم الله من الكفّار أنّهم لا يؤمنون، فليس لأمرهم بالإيمان وجه في الحكمة.
قال أبو سليمان: انظر كيف ذهب عليه السّرّ في هذه الحال، من أين أتوا، وكيف لزمتهم الحجّة.
وقال أبو عيسى أيضا: المعاقب الّذي لا يستصلح بعقوبته من عاقبه، ولا يستصلح به غيره، ولا يشفي غيظه بعقوبته جائر، لأنّه قد وضع العقوبة في غير موضعها. قال: لأنّ الله تعالى لا يستصلح أهل النار ولا غيرهم، ولا يشفي غيظه بعقوبتهم، فليس للعقوبة وجه في الحكمة. هذا غرض كتابه الّذي نسبه إلى الغريب المشرقيّ.
стр. 389
وقال أبو سعيد الحضرميّ- وكان من حذاق المتكلّمين ببغداد، وهو الذي تظاهر بالقول بتكافؤ الأدلّة-: إن كان الله عدلا كريما جوادا عليما رؤوفا رحيما فإنّه سيصيّر جميع خلقه إلى جنّته، وذلك أنّهم جميعا على اختلافهم يجتهدون في طلب مرضاته، فيهربون من وقع سخطه بقدر علمهم ومبلغ عقولهم، وإنّما تركوا اتّباع أمره لأنّهم خدعوا، وزيّن لهم الباطل باسم الحقّ، ومثلهم في ذلك مثل رجل حمل هديّة إلى ملك، فعرض له في الطريق قوم شأنهم الخداع والمكر والاستلال، فنصبوا له رجلا، وسمّوه باسم الملك الذي كان قصده فسلّم الهدية إليهم، فالملك الّذي قصده إن كان كريما فإنّه يعذره ويرحمه ويزيد في كرامته وبرّه حين يقف على قصّته، وهذا أولى به من أن يغضب عليه ويعاقبه.
وقال أبو سليمان: ذكروا أنّ رجلا رأى قوما يتناظرون، فجلس إليهم فرآهم مختلفين، فأقبل على رجل منهم فقال: أتلزمني أن أقول بقولك وأنا لا أعلم أنّك محقّ؟ فإن قلت: نعم، قلت لك: إنّ بعض جلسائك يدعوني إلى مخالفتك واتّباعه، وليس عندي علم بالمحقّ منكم، وإن ألزمتني أن أتّبع كلّكم فهذا محال، وإن قلت:
لا يلزمك أن تتّبعني ولا غيري إلّا بعد العلم بالمحقّ منكم، لم يخل العلم بذلك من أن يكون فعلي أو فعل غيري، فإن كان العلم فعلا لغيري فقد صرت مضطرّا، ولا أستوجب عليه حمدا ولا ذمّا وإن كان الفعل لي فمن أعظم جهالة ممّن يفعل ما يلزمه الأمر والنهي به، وإن قصّر صيّره ذلك إلى العطب والهلاك، مع أنّ هذا القول يؤدّي إلى أن أكون أنا المعترض على نفسي، لأنه إنما يلزمني ذلك إذا علمت أنّي أقدر أن أعلم وألّا أعلم.
وحكى لنا أيضا قال: سئل عندنا رجل من المتحيّرين بسجستان فقيل له: ما دليلك على صحّة مقالتك؟ فقال لا دليل ولا حجّة. فقيل له: وما الّذي أحوجك إلى هذا؟ قال: لأنّي رأيت الدليل لا يكون إلّا من وجوه ثلاثة:
إمّا من طريق النبوّة والآيات، فإن كان إنما يثبت من هذه الجهة فلم أشاهد شيئا من ذلك ثبتت عندي مقالته.
وإما أن يكون ينبت بالكلام والقياس فإن كان إنما يثبت بذلك فقد رأيتني مرّة أخصم ومرّة أخصم، ورأيتني أعجز عن الحجّة فأجدها عند غيري، وأتنبّه إليها من تلقاء نفسي بعد ذلك، فيصحّ عندي ما كان باطلا، ويفسد عندي ما كان صحيحا، فلمّا كان هذا الوصف على ما وصفت لم يكن لي أن أقضي لشيء بصحّة من هذه الجهة، ولا أقضي على شيء بفساد لعدم الحجّة.
وإمّا أن تكون ثبتت بالأخبار عن الكتب فلم أجد أهل ملّة أولى بذلك من
стр. 390
غيرهم، ولم أجد إلى تصديق كلّهم سبيلا. وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما سواها جورا، لأنّ الفرق متساوية في الدّعوى والحجّة والذّبّ والنّصرة.
فقيل له: فلم تدين بدينك هذا الذي أنت على شعاره وحليته، وهديه وهيئته؟
فقال: لأنّ له حرمة ليست لغيره، وذاك أنّي ولدت فيه، ونشأت عليه، وتشرّبت حلاوته، وألفت عادة أهله، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظلّ فيه ساعة من نهار والسّماء مصحية، فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبّر ولا معرفة بصلاحه، فبينا هو كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا، ووكف البيت، فنظر إلى البيوت التي في الفندق فرآها أيضا تكف، ورأى في صحن الدّار ردغة، ففكّر أن يقيم مكانه ولا ينتقل إلى بيت آخر ويربح الرّاحة، ولا يلطّخ رجليه بالرّدغة والوحل اللّذين في الصّحن، ومال إلى الصّبر في بيته، والمقام على ما هو عليه، وكان هذا مثلي، ولدت ولا عقل لي، ثم أدخلني أبواي في هذا الدّين من غير خبرة منّي، فلمّا فتّشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره، ورأيتني في صبري عليه أعزّ منّي في تركه، إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلّا باختيار منّي لذلك، وأثرة له عليه، ولست أجد له حجّة إلّا وأجد لغيره عليه مثلها.
وحكى لنا ابن البقّال- وكان من دهاة الناس- قال: قال ابن الهيثم: جمع بيني وبين عثمان بن خالد، فقال لي: أحبّ أن أناظرك في الإمامة، فقلت: إنّك لا تناظرني، وإنّما تشير عليّ، فقال: ما أفعل ذلك، ولا هذا موضع مشورة، وإنما اجتمعنا للمناظرة، فقلت له: فإنّا قد أجمعنا على أنّ أولى الناس بالإمامة أفضلهم، وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم، وإنما يعرف فضلهم بالنّقل والخبر، فإن أحببت سلّمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك، وتسلّم لي ما أرويه أنا وفرقتي في صاحبي، ثم أناظرك في أيّ الفضائل أعلى وأشرف، قال: لا أريد هذا، وذاك أني أروي مع أصحابي أنّ صاحبي رجل من المسلمين يصيب ويخطئ، ويعلم ويجهل، وأنت تقول في صاحبك: إنّه معصوم من الخطأ، عالم بما يحتاج إليه.
فكيف أرضى هذه الجملة؟ قلت: فأقبل كلّ شيء ترويه أنت وأصحابك في صاحبي من حمد أو ذمّ، وتقبل أنت كلّ شيء أرويه أنا وأصحابي في صاحبك من حمد أو ذمّ، قال: هذا أقبح من الأوّل، وذلك أني وأصحابي نروي أنّ صاحبك مؤمن خيّر فاضل، وأنت وأصحابك تروون أنّ صاحبي كافر منافق، فكيف أقبل هذا منك وأناظرك عليه؟
قال ابن الهيثم: فلم يبق إلّا أن أقول: دع قولك وقول أصحابك، واقبل قولي وقول أصحابي، قال: ما هو إلّا ذاك، قلت: هذه مشورة، وليست مناظرة.
قال: صدقت.
следующие страницы →