Полный текст (408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
كذبك، وإن صدقته حربك متمرّدهم صاعقة على المعاملين، وصاحب سمتهم نقمة على المسترسلين، قد تعاطوا المنكر حتّى عرف، وتناكروا المعروف حتّى نسي، يتمسّكون من الملّة بما أصلح البضائع «١» ، وينهون عنها كلّما عادت بالوضائع، يسرّ أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفّقها، وغيلة لمسلم يحميه الإسلام، فإذا أحكم حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده، فغرّ وضرّ، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه، يعدّ الذي كان منه حذقا بالتكسّب، ورفقا بالمطّلب، وعلما بالتجارة، وتقدّما في الصّناعة.
فلمّا بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير: إن كان هذا الوصف عنى العامّة بهذا القول دخل في وصفه الخاصة أيضا، فو الله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلّا شائعة في أصناف الناس من الجند والكتّاب والتّنّاء والصالحين وأهل العلم، لقد حال الزّمان إلى أمر لا يأتي عليه النّعت، ولا تستوعبه الأخبار، وما عجبي إلّا من الزّيادة على مرّ السّاعات، ولو وقف لعلّه كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس منه، واعترض القنوط دونه.
فقال ابن زرعة وكان حاضرا: هذا لأنّ الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدّين رائع، وذا يد من السّياسة بسيطة، فأخلق اللّبوس وبلى، بل تمزّق وفني، وضعفت اليد بل شلّت وقطعت، ولا سبيل إلى سياسة دينيّة لأسباب لا تتفق إلّا بعلل فلكيّة، وأمور سماويّة، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها، في مقابلة حران الأمور الجامحة عنها، وذلك منتظر في وقته، وتمنّي ذلك قبل إبّانة وسواس النّفس، وخور الطّباع، والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلّبون بحوادث الدهور، ولا فكاك لهم من المكاره، ولا اعتلاق لهم بالمحابّ إلّا بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه، ولا إلى تبديل هذه بهذه، واختيارهم للتوجّه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف طفيف، ولولا ذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنّى، وهذا شأو محكوم به بقوّة النّفس، غير مستيقظ إليه بقوّة الحسّ.
فقال الوزير: أحسنت يا أبا عليّ في هذا الوصف، «وإنّ نفثك ليدلّ على أكثر من ذلك» ، ولو كان البال ظافرا بنعمة، والصّدر فارغا من كربة، لكنّا نبلغ من هذا الحديث مبلغا نشفي به غليلنا قائلين ونشفى به مستمعين، ولكنّي قاعد معكم وكأني غائب، بل أنا غائب من غير كاف التّشبيه، والله ما أملك تصرّفي ولا فكري في أمري، أرى وحدا
стр. 317
في فتل حبل، وآخر في حفر بئر، وآخر في نصب فخّ، وآخر في دسّ حيلة، وآخر في تقبيح حسن، وآخر في شحذ حديد، وآخر في تمزيق عرض، وآخر في اختلاق كذب، وآخر في صدع ملتئم، وآخر في حلّ عقد، وآخر في نفث سحر، وناري مع صاحبي رماد، وريحه عليّ عاصفة، ونسيمي بيني وبينه سموم، ونصيبي منه هموم وغموم، وإنّي أحدّثكم بشيء تعلمون به صدقي في شكواي، وتقفون منه على تفسّخي تحت بلواي، ولولا أنّي أطفئ بالحديث لهبا قد تضرّم صدري به نارا، واحتشى فؤادي منه أوارا، لما تحدّثت به، ولو استطعت طيّه لما نبست بحرف منه، ولكنّ كتماني للحديث أنقب لحجاب القلب من العتلة لسور القصر.
دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس، فقال لي: قد أعدت الخلعة فالبسها على الطائر الأسعد، فقلت: أفعل، وفي تذكرتي أشياء لابدّ من ذكرها وعرضها.
فقال: هات، فقلت: يتقدّم «١» بكذا وكذا، ويفعل كذا وكذا. فقال: عندي جميع ذلك، أمض هذا كلّه، واصنع فيه ما ترى، وما فوق يدك يد، ولا عليك لأحد اعتراض، فانقلبت عن المجلس إلى زاوية في الحجرة، وفيها تحدّرت دموعي، وعلا شهيقي، وتوالى نشيجي، حتّى كدت أفتضح فدنا منّي بعض خدمي من ثقاتي، فقال:
ما هذا؟ الناس وقوف ينتظرون بروزك بالخلعة المباركة والتّشريف الميمون، وأنت في نوح وندم؟ فقلت: تنحّ عنّي ساعة حتّى أطفئ نار صدري، وإنما كان ذلك العارض لأنّي كنت عرضت على صاحبي تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة، فأمضاها كلّها، ولم يناظرني في شيء منها، ولا زادني شيئا فيها، ولا ناظرني عليها، ولعليّ قد بلوته بها، وأخفيت مغزاي في ضمنها، فخيّل إليّ بهذه الحال أنّ غيري يقف موقفي، فيقول فيّ قولا مزخرفا، وينسب إليّ أمرا مؤلّفا، فيمضي ذلك أيضا له كما أمضاه لي، فوجدتني بهذا الفكر الذي قد فتق لي هذا النوع من الأمر كراقم على صفحة ماء، أو كقابض في جوّ على قطعة من هواء، أو كمن ينفخ في غير فحم، أو يلعب في قيد، ولقد صدق الأوّل حيث قال:
وإنّ امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور
غير أنّي أذكر لكم ما عنّ لي من هذا الأمر:
اعلموا أنّي ظننت أنّ ما نظّمه الماضي- ﵀ وأصلحه، وبناه وقوّمه، ونسجه ونوّقه لا يستحيل في ثلاثين سنة ولا خمسين سنة، وأنّ الحال تدوم على ذلك المنهاج، وتستمرّ على ذلك السّياج، ونكون قد أخذنا بطريق من السّعادة، وبلغنا
стр. 318
لأنفسنا بعض ما كنّا نسلّط عليه التمنّي من الإرادة فنجمع بين علوّ المرتبة، وشرف الرّياسة، ونيل اللّذّة، وإدراك السرور، واصطناع العرف، وكسب الثّناء، ونشر الذّكر، وبعد الصّيت، فعاد ذلك كلّه بالضّد، وحال إلى الخلاف ووقف على الفكر المضني، والخوف المقلق، واليأس الحيّ، والرّجاء الميّت، وما أحسن ما قال القائل:
أظمتني الدّنيا فلمّا جئتها ... مستسقيا مطرت عليّ مصائبا
فقال له ابن زرعة: إنّ الأمور كلّها بيد الله، ولا يستنجز الخير إلّا منه، ولا يستدفع الشرّ إلّا به، فسله جميل الصّنع وحسن النيّة وانو الخير، وبثّ الإحسان، وكل أعداءك إلى ربّك الّذي إذا عرف صدقك وتوكّلك عليه فلّل حدّهم، وعفّر خدّهم، وسيّح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها، وسلّط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها، وشغلهم بأنفسهم، وخالف بين كلمتهم، وصدّع شمل جميعهم، وردّهم إليك صاغرين ضارعين، وعرضهم عليك خاضعين، وما ذلك على الله بعزيز، وإنّ الله مع المحسنين على المسيئين.
قال: والله لقد وجدت روحا كثيرا بما قلت لكم وما سمعت منكم، وأرجو أنّ الله يعين المظلوم، ويهين الظّالم. قد تمطّى اللّيل، وتغوّرت النّجوم، وحنّ البدن إلى التّرفّه، فإذا شئتم. فانصرفنا متعجّبين.
стр. 319
الليلة الثالثة والثلاثون
عدنا إلى ما كنّا فيه من حديث الممالحة- وكان قد استزادني- فكتبت له هذه الورقات وقرأتها بين يديه، فقال كلاما كثيرا عند كلّ ما مرّ ممّا يكون صلة لذلك الحديث، خزلته طلبا للتّخفيف.
قال حمّاد الرّاوية: عن قتادة قال زياد لغيلان بن خرشة: أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النّعمة الّتي أصبحنا بها. فقال غيلان:
حدّثني عمّي قال: توالت على العرب سنون سبع في الجاهلية حصّت كلّ شيء، فخرجت على بكر لي في العرب، فمكثت سبعا لا أذوق فيهنّ شيئا إلّا ما ينال بعيري من حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم، فإذا ببيت جحش «١» عن الحيّ، فملت إليه، فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة، فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالت: لو كان عندنا شيء آنرناك به، والدالّ على الخير كفاعله، جس هذه البيوت فانظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه. ففعلت حتى دنوت إليه، فرحّب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقال: يا فلان، فأجابه، فقال: هل عندك (من) طعام؟ قال: لا، قال: فو الله ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه. فقال: هل عندك من شراب؟ قال: لا، ثم تأوّه وقال: قد أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها، فحدّثني عمّي أنّه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذف وكور الأهواز وفارس، وجاهد عند السّلطان وكثر ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قطّ كان ألذّ إليّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوة كجمّة الشّيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من يده، فحدّثني أنّه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته، فما أصيب بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة، فلمّا رآني كذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما، على ظهرها مثل رأس الرّجل الصّعل «٢» ، فكشف عن فوّهته ثم أوقد نارا، واجتبّ سنامها، ودفع إليّ مدية وقال: يا عبد الله، اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النّار، فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم
стр. 320
مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي، وكان قد قحل على عظمي حتّى كأنّه شنّ، ثم شربت ماء وخررت مغشيّا علي، فما أفقت إلى السّحر.
فقطع زياد الحديث وقال: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به.
قلت: عامر بن الطّفيل. قال: أبو عليّ؟ قلت: أبو عليّ.
واستعادني الوزير أدام الله علوّه هذا الحديث مرّتين وأكثر التعجّب، وقال:
صدق القائل في العرب: منعوا الطّعام وأعطوا الكلام.
تغدّى أبو العيناء عند ابن مكرّم، فقدّم إليه عراقا «١» ، فلما جسّه قال: قدركم هذه طبخت بشطرنج «٢» ؟
وقدّم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام، فقال: هذه قدر أم قبر؟
وأكل عنده أبو العيناء يوما، فسقي ثلاث شربات باردة، ثم طلب الرابعة فسقي شربة حارّة، فقال: لعلّ مزمّلتكم تعتريها حمّى الرّبع.
قال سلمة، بقي أبو القمقام ببغداد وكنّا نأتيه ونسمع منه، فجاءنا بجفنة فيها جوذاب فجعل أصحابنا يأكلون، ثم أتاهم بسفّود فيه يرابيع فسلتها في الجفنة، فعلم القوم أنّهم قد دهوا، فجعلوا يستقيئون ما أكلوا.
وقالت عائشة: ﵂: يا رسول الله، لي جارتان بأيّتهما أبدأ؟ قال:
«بأدناهما بابا منك» .
وقال حكيم: ينبغي ألّا يعطى البخيل أكثر من قوته، لحيكم عليه بمثل ما حكم به على نفسه.
وقال الشاعر:
أفلح من كانت له قوصرّه ... يأكل منها كلّ يوم مرّة
أفلح من كانت له مزخّه ... يزخّها ثم ينام الفخّه
أفلح من كانت له دوخلّه ... يأكل منها كلّ يوم ملّه
أفلح من كانت له هرشفّه ... ونشفة يملأ منها كفّه
أفلح من كانت له كرديده ... يأكل منها وهو ثان جيده
وقال أبو فرعون الشاشيّ يخاطب الحجّاج:
يا خير ركب سلكوا طريقا ... ويمّموا مكّة والعقيقا
وأطعموا ذا الكعك والسّويقا ... والخشكنان اليابس الرّقيقا
стр. 321
وقال آخر:
رأيت الجوع يطرده رغيف ... وملء الكفّ من ماء الفرات
وقال النبيّ ﷺ : «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصّابر» «١» .
قبّل مزبّد جارية بخراء، فقال لها: أظنّك تعشّيت بكرش، أو احتشيت صحنا، فقالت: ما أكلت إلّا خردلا، قال: قد ذهب النّصف الثاني وبقي ما قبله.
قال الشاعر:
وباتوا يعشّون القطيعاء ضيفهم ... وعندهم البرنيّ في جلل دسم
وقال آخر:
وما أطعمونا الأوتكى من سماحة ... ولا منعوا البرنيّ إلا من البخل
سمعت الحجّاجيّ يقول: كل الخبز أو السّمك، فإن أكل أحدهما كان مطيعا، فإذا نفيت فقلت: لا تأكل الخبز والسّمك، فإن أكل أحدهما لم يعصك، وإذا قلت:
لا تأكل الخبز أو السمك، لم يكن له أن يأكل أحدهما لأن التقدير في النفي لا تأكل أحدهما، والتقدير في الإيجاب ائت أيّهما شئت، فهذه خاصّيّة أو. السّويق:
الجشيش، لأنّه رضّ وكسر. المجشّة: رحى صغيرة يجشّ بها. روي أنّ رسول الله ﷺ رأى الشّبرم عند أسماء بنت عميس فقال: «حارّ حارّ» ، وأمر بالسّنا.
ويقال: أكل البطّيخ مجفرة، أي يقطع ماء النكاح.
ويقال: فلان عظيم المجرأش أي الوسط، فرس مجرئشّ الجنبين واجرأشّت الإبل، إذا بطنت، وإبل مجرئشّة أي بطان، ويقال: كثأة قدركم، وهي ما ارتفع منها عند الغلي.
وقال النبيّ ﷺ فيما رواه ابن عباس قال: سمعته يقول: «ليس بمؤمن من بات شبعان ريّان وجاره جائع طاو» «٢» .
стр. 322
قال عمر: مدمن اللّحم كمدمن الخمر.
وقال لقيط بن زرارة يذمّ أصحابه يوم جبلة:
إنّ الشّواء والنّشيل والرّغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الهام والخيل قطف
قيل لدبّ: لم تفقر رجلا في ليلة من كثرة ما تأكل من عنبه؟ فقال: لا تلمني، فإنّ بين يديّ أربعة أشهر أنجحر فيها فلا أتلمّظ إلّا بالهواء.
قال ابن الأعرابيّ: إذا أقدح «١» الرّجل مرّة بعد مرّة فأطعم لحمه المساكين سمّي متمّما، وبه سمّي ابن نويرة، ومن ذلك قول النابغة:
إنّي أتمّم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
الثّرتم من فتات الطعام ويقال التّرتم أيضا ما فضل من الطعام في الإناء، ويقال: طعام ذو نزل. والمليح والملح: السّمن، يقال: تملّحت الجارية وتحلّمت إذا سمنت.
وقال أبو الطمحان القينيّ:
وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم ... وما كشطت من جلد أشعث أغبرا
هكذا سمعت. ويقال: سمن حتى كأنّه خرس، والخرس: الدّنّ بعينه. وفي المثل: «إنّ آخر الخرس لدردي» أي آخر الدّنّ درديّ.
وأنشد:
حبّذا الصّيف حبّذا من أوان ... وزمان يفوق كلّ زمان
زمن الخمر والمساور والجش ... ن وورد الخلاف والرّيحان
زمن كانت المضائر فيه ... بلحوم الجداء والحملان
وصدور الدّجاج بالخلّ والم ... رّي ونثر السّذاب والأنجذان
وسمان من الفراريج تغلى ... بعصير الأعناب والرّمان
وشوا الوزّة اللذيذة والقا ... رص بين الحليب والألبان
ونقيّ السّويق بالسّكّر المن ... خول في الثلج في الزّجاج اليماني
وقلال تحطّ من بكرات ... مرويات غلائل العطشان
واعترض حديث العلم، فأنشد ابن عبيد الكاتب لسابق الزّبيريّ قوله:
العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلّي سواد الظّلمة القمر
стр. 323
وقال أيضا:
إذا ما لم يكن لك حسن فهم ... أسأت إجابة وأسأت فهما
آخر:
العلم ينعش أقواما فينقعهم ... كالغيث يدرك عيدانا فيحييها
فقال الوزير: عندي في صحيفة حفظ الصّبا: العلم سراج يجلّي الظلمة، وضياء يكشف العمى.
التّذلّل مكروه إلّا في استفادته، والحرص مذموم إلّا في طلبه، والحسد منهيّ عنه إلّا عليه.
ثم عاد الحديث إلى الممالحة:
حدثني مطهّر بن أحمد الكاتب عن ابن قرارة العطّار قال: اجتمع ذات يوم عندي على المائدة أبو عليّ بن مقلة وأبو عبد الله اليزيديّ، وكان ابن مقلة يفضّل الهريسة، وكان اليزيديّ يفضّل الجوذابة، وكان كلّ واحد منهما يصف النوع الذي يقول به ويؤثره، فقال اليزيديّ: الهريسة طعام السّوقيّين والسّفلة، وليست الجواذبة بهذه الصفة، فقال لي ابن مقلة: ما اسم الجوذابة بالفارسيّة؟ فقلت جوزاب، فقال:
ضمّ الكاف «١» . وفهمت ما أراد، فقلت: نسأل الله العافية، والله لقد عافتها نفسي، وسكت اليزيديّ.
قال يزيد بن ربيع: الكباب طعام الصّعاليك، والماء والملح طعام الأعراب، والهرائس والرّؤوس طعام السّلاطين، والشّواء طعام الدّعّار، والخلّ والزّيت طعام أمثالنا.
وحدّثني ابن ضبعون الصّوفيّ قال: قال لي أبو عمر الشاري صاحب الخليفة:
انهض بنا حتى نتغدّى، فإنّ عندي مصوصا وهلاما وبقيّة مطجّنة، وشيئا من الباذنجان البورانيّ البائت المخرّ. قلت: هذه كلها تزايين المائدة، فأين الأدم؟
كان عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس يكثر أكل الجوذاب ولا يؤثر عليه شيئا، وكان يقول: يشدّ العضدين، ويقوّي الساعدين، ويجلو الناظرين، ويزيد في سمع الأذنين، ويحمّر الوجنتين، ويزيد في المنيّ، وهو طعام شهيّ، فأيّ شيء بقي؟
وبلغ المنصور وصفه هذا، فقال: بحقّ ما وصفه، ولا نقبل أكله.
وقال وكيع بن الجرّاح: التّمتين على المائدة خير من زيادة لونين، وكمال المائدة كثرة الخبز، والسّميذ الأبيض أحلى من الأصفر.
стр. 324
وكان يحيى بن أكثم يحبّ الجوذاب، فبلغه أنّ رجلا ممّن يحضر عنده يعيب الجوذاب، فقال يحيى: إن ثبت عندي هذا توقّفت عن شهادته، وحكمت عليه بضعف الحسّ وقلّة التّمييز، فبلغ الرّجل ذلك، فاحترس، فقال له يحيى يوما: ما قولك في الجوذاب؟ فقال: أشرف مأكل وأطيبه، سهل المدخل، لذيذ المطعم، جيّد الغذا، قليل الأذى. قال: أصبت، هكذا أريدك.
أبو صالح عن ابن عبّاس قال: ما من داخل إلّا وله حيرة، فابدءوه بالسّلام، وما من مدعوّ إلا وله حشمة، فابدءوه باليمين.
قال حمدان: قلت لجارية أردت شراءها- وكانت ناعمة البدن رطبة شطبة غضّة بضّة-: ما كان غذاؤك عند مولاك؟ قالت: المبطّن. قلت: وما المبطّن؟ قالت: الأرز الرّيّان من اللّبن، بالفالوذج الرّيّان من العسل، والخبيصة الرّيّانة من الدّهن والسكّر والزّعفران. قلت: حقّ لك.
وقال ابن الجصّاص الصّوفيّ: دخلت على أحمد بن روح الأهوازيّ فقال:
ما تقول في صفحة أرز مطبوخ، فيها نهر من سمن، على حافاتها كثبان من السّكّر المنخول، فدمعت عيني. فقال: مالك؟ قلت: أبكي شوقا إليه، جعلنا الله وإيّاك من الواردين عليه بالغوّاصة والرّدّادتين. فقال لي: ما الغوّاصة والردّادتان؟ قلت: الغّواصة الإبهام، والرّدّادتان: السّبّابة والوسطى. فقال:
أحسنت، بارك الله عليك.
شكا رجل إلى عمر الجوع فقال: أكذك وأنت تنثّ نثّ الحميت؟ أي ترشح كما يرشح الزّقّ.
وقال ابن سكّرة:
أطمعني في خروفكم خرفي ... فجئت مستعجلا ولم أقف
وجئت أرجو أطرافه فغدت ... في طرف والسّماك في طرف
وحذّروني من ذكر رزّته ... يا حرّ صدري لها ويا لهفي
عاينته والذي يفصّله ... والقلب منّي على شفا جرف
ما حلّ بي منك عند منصرفي ... ما كنت إلّا فريسة التّلف
ويقال: القانع غنيّ وإن جاع وعري، والحريص فقير وإن ملك الدنيا.
قيل لإبراهيم الخليل- ﵇: بأيّ شيء اتّخذك الله خليلا؟ قال: بأني ما خيّرت بين أمرين إلا اخترت الّذي لله، وما اهتممت لما تكفّل لي به، وما تغدّيت وما تعشّيت إلّا مع ضيف.
стр. 325
واعترض حديث فقال: أنشدني بيتي ابن غسّان البصريّ في حديث بختيار، يعني عزّ الدّولة، فأنشدته:
أقام على الأهواز ستّين ليلة ... يدبّر أمر الملك حتّى تدمّرا
يدبّر أمرا كان أوّله عمى ... وأوسطه ثكلا وآخره خرا
فقال: ما أعجب الأمور الّتي تأتي بها الدّهور! عد إلى قراءتك، فعدت وقرأت.
روي في الحديث: لا تأكلوا ذروة الثّريد، فإنّ البركة فيها.
وقال أعرابيّ: اللّبن أحد اللّحمين، وملك العجين أحد الرّيعين، والمرقة أحد اللّحمين، والبلاغة أحد السّيفين والتمنّي أحد السّكرين.
أراد مزبّد أضحيّة فلم يجدها، فأخذ ديكا ليضحّي به، فوجّه إليه جيرانه شاة شاة حتى اجتمع عنده سبع شياه، فقال: ديكي أفضل عند الله من إسحاق لأنه فدى بكبش، وديكي بسبعة.
الكتل: اللّحم، والعيمة: شهوة اللبن، والقرم: شهوة اللّحم.
وقال ﷺ : «من أحبّ أن يرقّ قلبه فليكثر من أكل البلس» «١» . قيل: هو التّين.
وقال أعرابيّ:
يمنّ عليّ بالتّزويج شيخي ... وفي التّزويج لي همّ وشغل
وكنت من الهموم رخيّ بال ... فحلّ من الهموم عليّ ثقل
فقلت له: مننت بغير منّ ... ومالك بالّذي أسديت فضل
أعزّاب العشيرة لو علمتم ... بحالي حين لي بيت وأهل
علمتم أنكم في حال عيش ... رخيّ ماله يا قوم عدل
قال إسحاق الموصليّ: أملى بعض الفقهاء بالكوفة أنّ عمر بن الخطاب ﵁ كره السّمر إلا في الفقه، يريد كثرة السّمر إلّا في الفقه.
قيل لميسرة الرّأس: ما أكثر ما أكلت؟ قال: مائة رغيف بكيلجة ملح، فقيل: هذا أكلك في بيتك؟ قال: آكل في بيتي رغيفين، وأحتشي إلى الليل فشل الخيل.
تناول الفضل بن العبّاس تفّاحة فأكلها، فقيل: ويحك، تأكل التّحيّات؟ فقال:
والصّلوات والطّيّبات.
стр. 326
يقال: الطّعمة: الكسب. ويقال: جئت بالطّعمة. والطّعم: الطّعام: والطّعم:
الذّوق. وهذه الأرض طعمة لك وطعمة.
قال إسحاق: كنت يوما عند أحمد بن يوسف الكاتب، فدخل أحمد بن أبي خالد الكاتب ونحن في الغناء، فقال: والله ما أجد شيئا ممّا أنتم فيه. قال إسحاق: فهان عليّ وخفّ في عيني، فقلت له كالمستهزئ به: جعلت فداك، قصدت إلى أرقّ شيء خلقه الله وألينه على الأذن والقلب، وأظهره للسّرور والفرح، وأنفاه للهمّ والحزن، وما ليس للجوارح منه مؤونة غليظة، وإنما يقرع السّمع وهو منه على مسافة، فتطرب له النفس، فذممته!؟ ولكنه كان يقال: لا يجتمع في رجل شهوة كل لذّة، وبعد، فإنّ شهوة كلّ رجل على قدر تركيبه ومزاجه. قال: أجل، أمّا أنا فالطعام الرقيق أعجب إليّ من الغناء.
فقلت: إي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبليّة بالبازنجان المبزّر أيضا تقدّمه؟
فقال: الغناء مختلف فيه، وقد كرهه قوم. قلت: فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى تجمعوا على تحريمه، أعلمت- جعلت فداك- أنّ الأوائل كانت تقول: من سمع الغناء على حقيقته مات. فقال: اللهم لا تسمعناه على الحقيقة إذا فنموت. فاستظرفته في هذه اللفظة، وقدّموا إليه الطعام فشغل عن ذمّ الغناء.
قال سعيد بن أبي عروة: نزل الحجّاج في طريق مكّة، فقال لحاجبه: انظر أعربيّا يتغدّى معي، وأسأله عن بعض الأمر، فنظر الحاجب إلى أعرابيّ بين شملين، فقال: أجب الأمير، فأتاه، فقال له الحجّاج: إذن فتغدّ معي. فقال: إنّه دعاني من هو أولى منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله دعاني إلى الصّوم فصمت، قال: أفي هذا اليوم الحارّ؟ قال: نعم، صمته ليوم هو أشدّ منه حرّا. قال: فأفطر وصم غدا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إليّ. قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إنّه طعام طيّب. قال: إنّك لم تطيّبه ولا الخبّاز، ولكنّ العافية طيّبته، ولم يفطر، وخرج من عنده.
قال أعرابي: هذا الطّعام مطيبة للنّفس، محسنة للجسم.
قال أبو حاتم: حدّثنا الأصمعيّ قال: قال أبو طفيلة الحرمازيّ: قال أعرابيّ:
ضفت رجلا فأتانا بخبز من برّ كأنّه مناقير النّغران «١» ، وأتانا بتمر كأعناق الورلان»
، يوحل فيه الضّرس.
وقال آخر: ونظر إلى رجل يأكل بالعين والفم واليد والرأس والرجل: لو سألته عن اسمه لما ذكره، ولو طلع ولده الغائب عليه ما عرفه:
يلعب بالخمسة في قصعة ... لعب أخي الشّطرنج بالشّاه
стр. 327
قال ابن الأعرابيّ: كان المحسّن الضبي شرها على الطعام، وكان دميما، فقال له زياد ذات يوم: كم عيالك؟ قال: تسع بنات ... قال: فأين هنّ منك. فقال: أنا أحسن منهنّ وهنّ آكل منّي، فضحك. وقال: جاز ما سألت لهنّ. وأمر له بأربعة آلاف درهم، فقال:
إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهم ... فناد زيادا أو أخا لزياد
يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله ... إذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد
وقال سنان بن أبي حارثة:
ثمّة أطعم زادي غير مدّخر ... أهل المحلّة من جار ومن جادي
قد يعلم القوم إذ طال اغترابهم ... وأرملوا الزّاد أنّي منفد زادي
وقال السّفّاح بن بكر:
والمالئ الشّيزي لأضيافه ... كأنّها أعضاد حوض بقاع
لا يخرج الأضياف من بيته ... إلّا وهم منه رواء شباع
أورد أعرابيّ إبله، فأبى أهل الماء أن يجيزوه، وقالوا: إبلك كثيرة، فإن أوردت فشرط أن تقف بعيدا عن الماء وتسقي ما جاءك منها، ولا تحاجز بها، قال: أفعل، وأنشأ يقول:
ربّ طبيخ مرجل ملهوج ... يسلته القوم ولما ينضج
حشّ بشيء من ضرام العرفج
فانقضّت الإبل كلّها على الماء فشربت.
قال الشاعر:
شرب النّبيذ على الطعام قليله ... فيه الشّفاء وصحّة الأبدان
وإذا شربت كثيره فكثيره ... مزج عليك ركائب الشّيطان
فتكون بين الضاحكين كبومة ... عمياء بين جماعة الغربان
فاحذر بجهدك أن ترى كجنيبة ... بعد العشاء تقاد بالأرسان
قال حمزة المصنّف في بعض كتبه: قال النّبيّ ﷺ لسلمان الفارسيّ: أن اتّخذ لنا سورا، أي طعام كطعام الوليمة، وهي فارسيّة.
قال شيخنا أبو سعيد السّيرافيّ: أخطأ هذا المتأوّل، وإنما أراد النبيّ ﷺ : أنّ سلمان اتّخذ لنا خندقا يوم الأحزاب، لأنّه حضّ على ذلك، وليس ذا من ذلك إلّا باللفظ.
وقال جعيفران الموسوس في وصف عصيدة:
وماء عصيدة حمراء تحكي ... إذا أبصرتها ماء الخلوق
تزلّ عن اللهاة تمرّ سهلا ... وتجري في العظام وفي العروق
стр. 328
قال الحسن بن سهل: أشياء تذهب هباء: دين بلا عقل، ومال بلا بذل وعشق بلا وصل. فقال حميد: بقي عليه مائدة بلا نقل، ولحسة بلا فضل.
قيل لصوفيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: الموت.
وقيل لآخر: ما حدّ الشّبع؟ قال: آكل حتى يقع عليّ السّبات فأنام على وجهي وتتجافى أطرافي عن الأرض.
وقيل لآخر: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن أدخل إصبعي في حلقي فيصل إلى الطّعام.
قال يعقوب: أصبحت خالفا: لا أشتهي الطعام. وخلوف البطن تغيّره.
ويقال: مغسني بطني، وهو المغس، ورجل ممغوس.
ويقال: غمزني بطني وملكني.
والعامّة تقول: كلّ ما في القدر تخرجه المغرفة، ورجل مقرضب وقراضب وقرضاب إذا كان أكولا، وكذلك السّيف واللّصّ، قال الشاعر:
وليس يردّ النّفس عن شهواتها ... من القوم إلّا كلّ ماضي العزائم
ومرّ ابن عامر بن عبد القيس وهو يأكل بقلا بملح، فقال: لقد رضيت باليسير.
فقال: أرضى منّي باليسير من رضي بالدّنيا عوضا عن الآخرة.
قال عبد الملك بن مروان: لا تستاكنّ إلا عرضا، ولا تأكلنّ إلا عضّا ولا تشربنّ إلّا مصّا، ولا تركبنّ إلا نصّا «١» ، ولا تعقدنّ إلّا وصّا.
ويقال: ماء قراح، وخبز قفار: لا أدم معه، وسويق جافّ، ولبن صريح: لم يخالطه شيء.
وقال سعيد بن سلمة: شيئان لا تشبع منهما ببغداد: السّمك والرّطب.
قال أعرابيّ: أكلت «فرسكة» وعلى خوخة، فجاء غلام حزّوّر فنظر حرّتي.
الفرسكة: الخوخة المقدّدة. والخوخة: القميص الأخضر بطّن بفرو.
والحرّة: الأذن.
قيل لحاتم الأصمّ: بم رزقت الحكمة؟ قال: بخلاوة البطن، وسخاوة النّفس، ومكابدة اللّيل.
وقال شقيق البلخيّ: العبادة حرفة، وحانوتها الخلوة، وآلتها الجوع.
قال لقمان: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
стр. 329
وقال عمر: لولا القيامة لشاركناكم في لين عيشكم.
وقال بعض العرب: أقلل طعامك تحمد منامك.
قال يحيى بن معاذ: الشّبع يكنى بالكفر.
وقال غيره: الجوع يكنى بالرّحمة.
وقال أعرابيّ:
تحيّز منّي خيفة أن أضيفها ... كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
وذكر المهلّب اللّحم فقال: إذا التقى الوارد والغابر فتوقّع الفّساد.
стр. 330
الليلة الرابعة والثلاثون
وقال الوزير في بعض الليالي: قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامّة من خوضها في حديثنا، وذكرها أمورنا، وتتبّعها لأسرارنا، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا، ومكتوم شأننا، وما أدري ما أصنع بها، وإنّي لأهمّ في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد، لعلّ ذلك يطرح الهيبة ويحسم المادّة، ويقطع هذه العادة، لحاهم الله، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم المهمّة، ومعايشهم النافعة، وفرائضهم الواجبة؟ ولم ينقّبون عمّا ليس لهم، ويرجفون بما لا يجدي عليهم، ولو حقّقوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا فائدة، وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتّى كأنّه من الفرائض المحتومة، والوظائف الملزومة، وقد تكرّر منّا الزّجر، وشاع الوعيد، وفشا الإنكار بين الصّغار والكبار، ولقد تعايى عليّ هذا الأمر وأغلق دوني بابه، وتكاثف عليّ حجابه، والله المستعان.
فقلت: أيّها الوزير، عندي في هذا جوابان: أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي سليمان، وهو من تفوّق في الفضل والحكمة والتجربة ومحبّة هذه الدولة والشّفقة عليها من كل هبّة ودبّة، والآخر مما سمعته من شيخ صوفيّ، وفي الجوابين فائدتان عظيمتان، ولكن الجملة خشناء، وفيها بعض الغلظة، والحقّ مرّ، ومن توخّى الحقّ احتمل مرارته.
قال: فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين، فليس ينتفع بالدّواء إلّا بالصّبر على بشاعته، وصدود الطّبع عن كراهته.
قلت: أمّا أبو سليمان، فإنه قال في هذه الأيام: ليس ينبغي لمن كان الله جعله سائس الناس: عامّتهم وخاصّتهم وعالمهم وجاهلهم، وضعيفهم وقويّهم، وراجحهم وشائلهم، أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة، منها:
أنّ عقله فوق عقولهم، وحلمه أفضل من حلومهم، وصبره أتمّ من صبرهم، ومنها: أنّهم إنما جعلوا تحت قدرته، ونيطوا بتدبيره، واختبروا بتصريفهم على أمره ونهيه، ليقوم بحقّ الله تعالى فيهم، ويصبر على جهل جاهلهم، ويكون عماد حاله معهم الرّفق بهم، والقيام بمصالحهم، ومنها: أنّ العلاقة التي بين السّلطان وبين الرّعيّة قويّة، لأنّها إلهيّة، وهي أوشج من الرّحم التي تكون بين الوالد والولد، والملك والد كبير، كما أنّ الولد ملك صغير، وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرّفق به، والحنوّ عليه، والرّقّة له، واجتلاب المنفعة إليه، أكثر ممّا يجب على الولد في طاعة والده، وذلك أنّ الولد
стр. 331
غرّ، وقريب العهد بالكون، وجاهل بالحال، وعار من التّجربة، كذلك الرّعيّة الشبيهة بالولد، وكذلك الملك الشبيه بالوالد، ومما يزيد هذا المعنى كشفا، ويكسبه لطفا، أنّ الملك لا يكون ملكا إلّا بالرّعيّة، كما أنّ الرّعيّة لا تكون رعيّة إلا بالملك، وهذا من الأحوال المتضايفة، والأسماء المتناصفة، وبسبب هذه العلاقة المحكمة والوصلة الوشيجة، ما لهجت العامّة بتعرّف حال سائسها، والناظر في أمرها، والمالك لزمامها، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها، وطيب حياتها، ودرور مواردها، بالأمن الفاشي بينها، والعدل الفائض عليها، والخير المجلوب إليها، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة، ومندوب إليه أيضا في أحكام الشريعة.
قال: ولو قالت الرّعيّة لسلطانها: لم لا نخوض في حديثك، ولا نبحث عن غيب أمرك، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك؟ ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك، ومصالحنا متعلّقة بك، وخيراتنا متوقّعة من جهتك، ومسرّتنا ملحوظة بتدبيرك، ومساءتنا مصروفة باهتمامك، وتظلّمنا مرفوع بعزّك، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك، وشائع رحمتك وبليغ اجتهادك، ما كان جواب سلطانها وسائسها؟ أما كان عليه أن يعلم أنّ الرّعيّة مصيبة في دعواها الّتي بها استطالت، بلى والله، الحقّ معترف به وإن شغب الشاغب، وأعنت المعنت.
قال: ولو قالت الرّعية أيضا: ولم لا تبحث عن أمرك؟ ولم لا تسمع كلّ غثّ وسمين منّا! وقد ملكت نواصينا، وسكنت ديارنا، وصادرتنا على أموالنا، وحلت بيننا وبين ضياعنا، وقاسمتنا مواريثنا، وأنسيتنا رفاغة «١» العيش، وطيب الحياة، وطمأنينة القلب، فطرقنا مخوفة، ومساكننا منزولة، وضياعنا مقطعة، ونعمنا مسلوبة، وحريمنا مستباح، ونقدنا زائف، وخراجنا مضاعف، ومعاملتنا سيّئة، وجنديّنا متغطرس، وشرطيّنا منحرف، ومساجدنا خربة، ووقوفها منتهبة، ومارستاناتنا خاوية، وأعداؤنا مستكلبة، وعيوننا سخينة، وصدورنا مغيظة، وبليّتنا متّصلة، وفرحنا معدوم. ما كان الجواب أيضا عمّا قالت وعمّا لم تقل، هيبة لك، وخوفا على أنفسها من سطوتك وصولتك؟
وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنّه رفع إلى الخليفة المعتضد أنّ طائفة من النّاس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكّان شيخ تبّان، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث، وفيهم قوم سراة وتنّاء «٢» وأهل بيوتات سوى من يسترق السّمع منهم من خاصّة الناس، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم، فلمّا عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعا، وحرج صدرا، وامتلأ غيظا، ودعا بعبيد الله بن سليمان، ورمى بالرّفيعة «٣» إليه، وقال:
انظر فيها وتفهّمها. ففعل، وشاهد من تربّد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، وشرّد
стр. 332
آلف صبره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين. قال: فما الدّواء؟ قال: تتقدّم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإنّ العقوبة إذا اختلفت، كان الهول أشدّ، والهيبة أفشا، والزّجر أنجع، والعامّة أخوف.
فقال المعتضد- وكان أعقل من الوزير-: والله لقد برّدت لهيب غضبي بفورتك هذه، ونقلتني إلى اللّين بعد الغلظة، وحططت عليّ الرّفق، من حيث أشرت بالخرق، وما علمت أنّك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النّصيحة والنّظر للرّعيّة الضّعيفة الجاهلة أن تسألني الكفّ عن الجهل، وتبعثني على الحلم، وتحبّب إليّ الصّفح وترغّبني في فضل الإغضاء على هذه الاشياء. وقد ساءني جهلك بحدود العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر، وبما يكون كفأ للذّنوب، ولقد عصيت الله بهذا الرّأي ودللت على قسوة القلب وقلّة الرّحمة ويبس الطّينة ورقّة الدّيانة، أما تعلم أن الرّعيّة وديعة الله عند سلطانها؟ وأنّ الله يسائله عنها كيف سستها؟ ولعلّه لا يسألها، وإن سألها فليؤكّد الحجّة عليه منها، ألا تدري أنّ أحدا من الرّعيّة لا يقول ما يقول إلّا لظلم لحقه أو لحق جاره، وداهية نالته أو نالت صاحبا له؟ وكيف نقول لهم: كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم، غير خائضين في حديثنا، ولا سائلين عن أمرنا، والعرب تقول في كلامها: غلبنا السلطان فلبس فروتنا، وأكل خضرتنا. وحنق المملوك على المالك معروف، وإنما يحتمل السّيّد على صروف تكاليفه، ومكاره تصاريفه، إذا كان العيش في كنفه رافغا، والأمل فيه قويّا، والصّدر عليه باردا، والقلب معه ساكنا، أتظنّ أن العمل بالجهل ينفع، والعذر به يسمع، لا والله ما الرأي ما رأيت، ولا الصّواب ما ذكرت، وجّه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، ومعروفا بخير وصدق، حتّى يعرف حال هذه الطائفة، ويقف على شأن كل واحد منها في معاشه، وقدر ما هو متقلّب فيه ومنقلب إليه، فمن كان منهم يصلح للعمل فعلّقه به، ومن كان سيّئ الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله، ويفيده طمأنينة باله، ومن لم يكن من هذا الرّهط، وهو غنيّ مكفيّ، وإنما يخرجه إلى دكّان هذا التّبّان البطر والزهو، فادع به، وانصحه، ولاطفه، وقل له: إنّ لفظك مسموع، وكلامك مرفوع، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلّا في عرصة المقابر، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك، وتحمد عليها عند إخوانك، وإيّاك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعدما كان غيرك عظة لك، ولولا أنّ الأخذ بالجريرة الأولى مخالف للسّيرة المثلى، لكان هذا الّذي تسمعه ما تراه، وما تراه تودّ أنك لو سمعته قبل أن تراه. فإنّك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة، وملكت طرفي المصلحة، وقمت على سواء السّياسة، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة.
стр. 333
قال: وفارق الوزير حضرة الخليفة، وعمل بما أمر به على الوجه اللّطيف، فعادت الحال ترفّ بالسّلامة العامّة، والعافية التامّة، فتقدّم إلى الشّيخ التّبّان برفع حال من يقعد عنده حتّى يواسى إن كان محتاجا، ويصرّف إن كان متعطّلا، وينصح إن كان متعقّلا.
فقال الوزير: ما سمعت مثل هذا قطّ، وما ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا القدر، فهات الجواب الآخر الّذي حفظته عن الصّوفيّ.
فقلت: إن كان هذا كافيا فإنّ ذلك فضل.
فقال: هكذا هو، وإنّ فيما مرّ لكفاية، وما يزيد على الكفاية، ولكنّ الزّيادة من العلم داعية إلى الزيادة من العمل، والزّيادة من العمل جالبة الانتفاع بالعلم، والانتفاع بالعلم دليل على سعادة الإنسان، وسعادة الإنسان مقسومة على اقتباس العلم والتماس العمل، حتّى يكون بأحدهما زارعا، وبالآخر حاصدا، وبأحدهما تاجرا، وبالآخر رابحا.
فوصلت الحديث وقلت: حدّثني شيخ من الصّوفيّة في هذه الأيّام قال: كنت بنيسابور سنة سبعين وثلاثمائة، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدّة، فلجأ محمّد بن إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين، وهي حصنه ومعقله، وورد أبو العبّاس صاحب جيش آل سامان نيسابور بعدّة عظيمة، وعدّة عميمة، وزينة فاخرة، وهيئة باهرة، وغلا السّعر وأخيفت السّبل، وكثر الإرجاف، وساءت الظّنون، وضجّت العامّة، والتقس الرأي، وانقطع الأمل، ونبح كلب كلب من كلّ زاوية، وزأر كلّ أسد من كلّ أجمة، وضبح كلّ ثعلب من كلّ تلعة.
قال: وكنّا جماعة غرباء نأوي إلى دويرة الصّوفيّة لا نبرحها، فتارة نقرأ، وتارة نصلّي، وتارة ننام، وتارة نهذي، والجوع يعمل عمله، ونخوض في حديث آل سامان، والوارد من جهتهم إلى هذا المكان، ولا قدرة لنا على السّياحة لانسداد الطّرق، وتخطّف الناس للناس، وشمول الخوف، وغلبة الرّعب، وكان البلد يتّقد نارا بالسّؤال والتّعرّف والإرجاف بالصّدق والكذب، وما يقال بالهوى والعصبيّة، فضاقت صدورنا، وخبثت سرائرنا واستولى علينا الوسواس، وقلنا ليلة: ما ترون يا صحابنا ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة، كأنّا والله أصحاب نعم وأرباب ضياع نخاف عليها الغارة والنّهب، وما علينا من ولاية زيد، وعزل عمرو، وهلاك بكر، ونجاة بشر، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة، ولهذه الحياة القصيرة، بكسرة يابسة، وخرقة بالية، وزاوية من المسجد مع العافية من بلايا طلّاب الدّنيا. فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، ولا حظّ ولا أمل، قوموا بنا غدا حتى نزور أبا زكريّا الزاهد، ونظلّ نهارنا عنده لاهين عمّا نحن فيه، ساكنين معه، مقتدين به.
стр. 334
فاتّفق رأينا على ذلك، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزّاهد، فلما دخلنا رحّب بنا، وفرح بزيارتنا، وقال: ما أشوقني إليكم، وما ألهفني عليكم! الحمد لله الذي جمعني وإياكم في مقام واحد، حدّثوني ما الذي سمعتم، وماذا بلغكم من حديث الناس، وأمر هؤلاء السّلاطين؟ فرّجوا عنّي، وقولوا لي ما عندكم، فلا تكتموني شيئا فمالي والله مرعىّ في هذه الأيّام إلّا ما اتصل بحديثهم، واقترن بخبرهم! فلما ورد علينا من هذا الزّاهد العابد ما ورد، دهشنا واستوحشنا، وقلنا في أنفسنا: انظروا من أي شيء هربنا، وبأيّ شيء علقنا، وبأيّ داهية دهينا.
قال: فخفّفنا الحديث وانسللنا، فلمّا خرجنا قلنا: أرأيتم ما بلينا به، وما وقعنا عليه، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
[الصافات: ١٠٦] . ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزّاهد فله فضل وعبادة وعلم وتفرّد في صومعته حتى نقيم عنده إلى آخر النّهار، فقد نبا بنا المكان الأوّل، وبطل قصدنا فيما عزمنا عليه من العمل. فمشينا إلى أبي عمرو الزّاهد واستأذنّا، فأذن لنا، ووصلنا إليه فسرّ بحضورنا، وهش لرؤيتنا، وابتهج بقصدنا، وأعظم زيارتنا، ثم قال: يا أصحابنا ما عندكم من حديث الناس؟ فقد والله طال عطشي إلى شيء أسمعه، ولم يدخل عليّ اليوم أحد فأستخبره، وإنّ أذني لدى الباب لأسمع قرعة أو أعرف حادثة، فهاتوا ما معكم وما عندكم، وقصّوا عليّ القصّة بفصّها ونصّها، ودعوا التّورية والكناية، واذكروا الغثّ والثمين، فإنّ الحديث هكذا يطيب، ولولا العظم ما طاب اللّحم، ولولا النّوى ما حلا التّمر، ولولا القشر لم يوجد اللّب.
فعجبنا من هذا الزّاهد الثاني أكثر من عجبنا من الزّاهد الأوّل، وخاطفناه الحديث، وودّعناه، وخرجنا، وأقبل بعضنا على بعض يقول: أرأيتم أظرف من أمرنا وأغرب من شأننا؟ انظروا من أيّ شيء كان تعريجنا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ص: ٥] وتلدّدنا وتبلّدنا وقلنا: يا أصحابنا: انطلقوا إلى أبي الحسن الضرير، وإن كان مضربه بعيدا فإنّا لا نجد سكوننا إلّا معه، ولا نظفر بضالّتنا إلّا عنده، لزهده وعبادته وتوحّده وشغله بنفسه مع زمانته في بصره، وورعه، وقلّة فكره في الدّنيا وأهلها. وطوينا الأرض إليه، ودخلنا عليه، وجلسنا حواليه في مسجده، ولمّا سمع بنا أقبل على كلّ واحد منّا يلمسه بيده ويرحّب به، ويدعو له ويقرّب، فلمّا انتهى أقبل علينا وقال: أمن السماء نزلتم عليّ؟ والله لكأنّي قد وجدت بكم مأمولي، وأحرزت غاية سولي، قولوا لي غير محتشمين: ما عندكم من أحاديث النّاس؟ وما عزم عليه هذا الوارد؟ وما يقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين، وما الشائع من الأخبار؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس؟ وما يقع في هواجسكم ويستبق إلى نفوسكم؟ فإنّكم برد الآفاق، وجوّالة الأرض، ولقّاطة الكلام، ويتساقط إليكم من الأقطار ما يتعذّر على عظماء الملوك وكبراء الناس.
стр. 335
فورد علينا من هذا الإنسان ما أنسى الأوّل والثاني، ومما زاد في عجبنا أنّا كنا نعدّه في طبقة فوق طبقات جميع النّاس فخفّفنا الحديث معه، وودّعناه، وخنسنا من عنده، وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم، وظهر لنا من حالهم، وازدريناهم.
وانقلبنا متوجّهين إلى دويرتنا التي غدونا منها مستطرقين كالّين، فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن العامريّ، وله كتاب في التصوّف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا، وكان من الجوّالين الّذين نقّبوا في البلاد واطّلعوا على أسرار الله في العباد، فقال لنا: من أين درجتم، ومن قصدتم. فأجلسناه في مسجد، وعصبنا حوله، وقصصنا عليه قصّتنا من أوّلها إلى آخرها، ولم نحذف منها حرفا. فقال لنا:
في طيّ هذه الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه، وسرّ لا تهتدون إليه، وإنما غرّكم ظنّكم بالزّهاد، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامّة، لأنهم الخاصّة، ومن الخاصّة خاصة الخاصة، لأنّهم بالله يلوذون، وإيّاه يعبدون، وعليه يتوكّلون، وإليه يرجعون، ومن أجله يتهالكون، وبه يتمالكون.
قلنا له: فإن رأيت يا معلّم الخير أن تكشف عنّا هذا الغطاء، وترفع هذا السّتر، وتعرّفنا منه ما وهب الله لك من هذا الغيب، لنكون شاكرين، وتكون من المشكورين.
فقال: نعم، أمّا العامّة فإنّها تلهج بحديث كبرائها وساستها لما ترجو من رخاء العيش وطيب الحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال الجلب ونفاق السّوق وتضاعف الرّبح، فأما هذه الطائفة العارفة بالله، العاملة لله، فإنها مولعة أيضا بحديث الأمراء، والجبابرة العظماء، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم، وجريان أحكامه عليهم، ونفوذ مشيئته في محابّهم ومكارههم في حال النّعمة عليهم، والانتقام منهم، ألا ترونه قال جلّ ثناؤه: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[الأنعام: ٤٤] ، وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته، ويطّلعون على تتابع نعمته وغرائب نقمته، وهاهنا يعلمون أنّ كلّ ملك سوى ملك الله زائل، وكلّ نعيم غير نعيم الجنّة حائل، ويصير هذا كلّه سببا قويا لهم في الضّرع إلى الله، واللّياذ بالله، والخشوع لله، والتوكّل على الله، وينبعثون به من حران الإباء، إلى انقياد الإجابة، ويتنبّهون من رقدة الغفلة، ويكتحلون باليقظة من سنة السّهو والبطالة، ويجدّون في أخذ العتاد، واكتساب الزاد إلى المعاد، ويعملون في الخلاص من هذا المكان الحرج بالمكاره، المحفوف بالرّزايا، الّذي لم يفلح فيه أحد إلّا بعد أن هدّمه وثلمه، وهرب منه، ورحل عنه إلى محلّ لا داء فيه ولا غائلة، ساكنه خالد، ومقيمه مطمئن، والفائز به منعّم، والواصل إليه مكرّم، وبين الخاصّة والعامّة في هذه الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع الله طرفه إليه، وفتح باب السّرّ فيه عليه، قد يتشابه الرّجلان في فعل،
стр. 336
وأحدهما مذموم، والآخر محمود، وقد رأينا مصلّيا إلى القبلة وقلبه معلّق بإخلاص العبادة، وآخر إلى جانبه أيضا يصلّي إلى القبلة وقلبه في طرّ ما في كمّ الآخر، فلا تنظروا من كلّ شيء إلى ظاهره إلّا بعد أن تصلوا بنظركم إلى باطنه، فإنّ الباطن إذا واطأ الظاهر كان توحّدا، وإذا خالفه إلى الحقّ كان وحدة، وإذا خالفه إلى الباطل كان ضلالة، وهذه المقامات مرتّبة لأصحابها، وموقوفة على أربابها، ليس لغير أهلها فيها نفس، ولا لغير مستحقّها منها قبس.
قال الشيخ الصوفيّ: فو الله ما زال ذلك الحكيم يحشو آذاننا بهذه وما أشبهها، ويملأ صدورنا بما عنده حتى سررنا وانصرفنا إلى متعشّانا وقد استفدنا على يأس منّا فائدة عظيمة لو تمنّيناها بالغرم الثّقيل والسّعي الطويل لكان الرّبح معنا، والزيادة في أيدينا.
فلما سمع الوزير هذا عجب وقال: لا أدري: أكلام أبي سليمان في ذلك الاحتجاج أبلغ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى، أم رواية الشيخ الصوفيّ أطرف، وما علمت أنّ في البحث عن سرّ الإرجاف هذه اللّطيفة الخفيّة، وهذه الحجّة الجليّة، وكنت أرى أنّ الصّوفيّة لا يرجعون إلى ركن من العلم، ونصيب من الحكمة، وأنهم إنما يهذون بما لا يعلمون، وأنّ بناء أمرهم على اللّعب واللهو والمجون.
فقلت: لو جمع كلام أئمّتهم وأعلامهم لزاد على عشرة آلاف ورقة عمّن نقف عليه في هذه البقاع المتقاربة، سوى ما عند قوم آخرين لا نسمع بهم، ولا يبلغنا خبرهم.
قال: فاذكر لي جماعة منهم.
قلت: الجنيد بن محمد الصوفيّ البغداديّ العالم، والحارث بن أسد المحاسبيّ، ورويم، وأبو سعيد الخرّاز، وعمرو بن عثمان المكّي، وأبو يزيد البسطاميّ، والفتح الموصليّ، وهو الّذي سمع وهو يقول: إلى متى تردّدني في سكك الموصل، أما آن للحبيب أن يلقى حبيبه؟ فمات بعد جمعة.
فقال: هذا عجب. ولقد مرّ في هذا الفنّ ما كان فوق حسباني وأكثر ممّا كان في ظنّي، وكم من شيء حقير يطّلع منه على أمر كبير.
وقال: أنشدني شيئا، فأنشدته قول الشاعر:
رجعت على السّفيه بفضل حلمي ... وكان تحلّمي عنه لجاما
وظنّ بي السّفاه فلم يجدني ... أسافهه وقلت له: سلاما
فقام يجرّ رجليه ذليلا ... وقد كسب المذلّة والملاما
وفضل الحلم أبلغ في سفيه ... وأحرى أن ينال به انتقاما
فقال: ما أعجب أمر العرب، تأمر بالحلم مرّة، والصّبر والكظم مرّة، وتحثّ
стр. 337
بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر، وتذمّ السّفه وقمع العدوّ! وهكذا شأنها في جميع الأخلاق، أعني أنّها ربّما حضّت على القناعة والصّبر والرّضا بالميسور، وربّما خالفت هذا، فأخذت تذكر أنّ ذلك فسألة ونقصان همّة ولين عريكة ومهانة نفس، وكذلك أيضا تحثّ على البسالة والإقدام والانتصار والحميّة والجسارة، وربّما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسّجايا والضّرائب والأحوال، في أوقات يحسن فيها بعضها، ويقبح بعضها، ويعذر صاحبها في بعضها، ويلام في بعضها، وذلك لأنّ الطبائع مختلفة، والغرائز متعادية، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم، وهذا يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط، وهذا يذمّ الشّجاعة في عرض طلب السّلامة، وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كلّ زمان وفي كلّ مكان، ومع كلّ إنسان، بل لكلّ ذلك وقت وحين وأوان.
قال: ولعمري إنّ القيام بحقائق هذه الأشياء وحدودها صعب، لأنّها لا توجد إلّا متلابسة ومتداخلة، وتخليص كلّ واحد منها بحدّه وحقيقته ووزنه ممّا يفوت ذرع الإنسان الضعيف المنّة، المنتثر الطّينة.
قال: ومنه أنّ الحكيم قال للإسكندر: «أيّها الملك أرد حياتك لرجالك، ولا ترد رجالك لحياتك» ، ولو قلب عليه قالب فقال: لا: «ولكن أرد رجالك لحياتك، ولا ترد حياتك لرجالك» ، لكان الفضل واقعا، والدّعوى قائمة.
وكان يحكى عن أعرابيّ حديث مضحك: قيل لأعرابيّ: أتريد أن تصلب في مصلحة الأمّة؟ فقال: لا، ولكني أحبّ أن تصلب الأمّة في مصلحتي.
قال: وليس يجوز أن يكون الناس مختلفين في ظاهرهم بالصّور والحلى حتى يعرف بها زيد من عمرو، وبكر من خالد، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعا على الشحّ وإن مدح الجود، وهذا مجبولا على الجبن، وإن تشيّع للشجاعة، وليس يجوز في الحكمة أن يكثروا ولا يختلفوا، وليس يجوز أيضا أن يضمّ الجنس والنّوع ولا يأتلفوا، وكلّ ما أساغته الحكمة أبرزته القدرة، وكلّ ما جادت به القدرة شهدت له الحكمة، فسبحان من له هذا التّدبير اللّطيف، وهذا العزّ الغالب، وهذا السّرّ الخافي، وهذه العلانية البادية، وهذا الفعل المحكم، وهذا النّعت المستعظم.
وحكيت أيضا في شيء جرى، قال حكماء فارس: قد جرّبنا الملوك، فإذا ملكنا السّمح الجواد جادت علينا السماء والأرض، وإذا ملكنا البخيل بخلت علينا السماء والأرض.
قال أبو سليمان: هذا إذا صحّ فهو شاهد الفيض الإلهيّ المتّصل بالملك السّمح، ونضوبه عن الملك البخيل لأنّ الملك إله بشري.
وقال مرّة: ما التّمنّي؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السّؤال عنه-.
стр. 338
فقلت: أحفظ نصّا لبعض الحكماء: إنّ التّمنّي فضل حركة النّفس. فقال:
جواب رشيق وإن كان فقيرا إلى البسط. فقال: هات من حديث يونان شيئا آخر.
فقلت: قال أرسطوطاليس: لو كنّا نطلب العلم لنبلغ غايته كنّا قد بدأنا العلم بنقيضه، ولكنّا نطّلبه لننقص كلّ يوم من الجهل، ونزداد كلّ يوم من العلم.
قال: حدّثني بشيء فيه جواب حاضر، وللبديهة فيه توقّد ظاهر.
فحدّثت أنّ رجلا أتى الزّهريّ فسأله أن يحدّثه ويروي له، فأبى عليه، فقال له الرجل: إنّ الله لم يأخذ الميثاق على الجهّال أن يتعلّموا حتى أخذ الميثاق على العلماء أن يعلّموا، فقال: صدقت، وحدّثه.
وحدّثنا القاضي أبو حامد المرورّوذيّ، قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس ابن عبدل المنصوريّ، وابن معروف، وأبو تمّام الزّينبيّ، فسأل وألحّ، فقلت له من بين الجماعة- وقد ضجرت من إلحاحه وصفاقة وجهه-: يا هذا: نزلت بواد غير ذي زرع. قال: صدقت، ولكن يجبى إليه ثمرات كلّ شيء. فضحكت الجماعة، ووهبنا له دراهم.
ومن الجواب الحاضر المسكت الّذي حزّ الكبد ونقب الفؤاد ما جرى لأبي الحسين البتّي مع الشريف محمد بن عمر، فإنّ ابن عمر قال للبتّيّ: أنت والله شمّامة ولكنّها مسمومة. فقال البتّيّ على النّفس: لكنك أيّها الشريف شمّامة مشمومة، عطّرت الأرض بها، وسارت البرد بذكرها.
وقال نصر بن سيّار بخراسان لأعرابي: هل أتخمت قطّ. قال: أمّا من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال: إنّ نصرا حمّ من هذا الجواب أيّاما، وقال: ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشّيطان.
وجرى حديث الذّكور والإناث، فقال الوزير: قد شرّف الله الإناث بتقديم ذكرهنّ في قوله : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
[الشورى: ٤٩] فقلت: في هذا نظر، فقال: ما هو؟
قلت: قدّم الإناث- كما قلت- ولكن نكّر، وأخّر الذّكور ولكن عرّف، والتّعريف بالتأخير أشرف من النّكرة بالتّقديم. ثم قال: هذا حسن. قلت: ولم يترك هذا أيضا حتى قال: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً
[الشورى: ٥٠] فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذّكران، فقال: هذا مستوفىّ.
وقال: ما معنى كأس أنف؟
فكان من الجواب أن يعقوب قال: يقال كأس أنف، أي لم يشرب منها قبل ذلك، وكذلك يقال: روضة أنف، إذا لم يكن رعاها أحد.
стр. 339
وقال لقيط:
إنّ الشّواء والنّشيل والرّغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للطاعنين الخيل والخيل قطف
قال: ما النّشيل؟ فإنّ الشّواء والرّغف معروفان.
قلت: ما ضمّته القدر من اللّحم وغيره، لأنه ينشل ويغرف، فقال: هذا باب إن ألححنا عليه جوّع.
قال: ما تحفظ في حديث الأكل؟ قلت: الأكل والذّمّ. ومن مليحه ما حضرني: قيل لجمّيز: ما تشتهي؟ قال: بسيس مقليّ بين غليان قدور، على رائحة شواء، بجنب خبيص.
فضحك- أضحك الله سنّه بالفرح والسّرور، وانتظام الأحوال واتساق الأمور-.
وقال: هات حديثا نخرج به ممّا كنّا فيه.
فقلت: كتب سعد بن أبي وقّاص إلى رستم صاحب الأعاجم: إسلامكم أحبّ إلينا من غنائمكم، وقتالكم أحبّ إلينا من صلحكم. فبعث إليه رستم: أنتم كالذّباب إذ نظر إلى العسل فقال: من يوصلني إليه بدرهمين، فإذ نشب فيه قال: من يخرجني منه بأربعة، وأنت طامع، والطمع سيرديك. فأجابه سعد: أنتم قوم تحادّون الله وتعاندون أنفسكم، لأنّكم قد علمتم أنّ الله يريد أن يحوّل الملك عنكم إلى غيركم، وقد أخبركم بذلك حكماؤكم وعلماؤكم، وتقرّر ذلك عندكم، وأنتم دائما تدفعون القضاء بنحوركم، وتتلّقون عقابه بصدوركم، هذه جرأة منكم وجهل فيكم، ولو نظرتم لأبصرتم، ولو أبصرتم لسلمتم، فإنّ الله غالب على أمره، ولمّا كان الله معكم كانت علينا ريحكم، والآن لمّا صار الله معنا صارت ريحنا عليكم، فانجوا بأنفسكم، واغتنموا أرواحكم، وإلا فاصبروا لحرّ السلاح وألم الجراح، وخزي الافتضاح، والسلام.
كتب حذيفة إلى عمر بن الخطّاب- ﵁: إنّ العرب قد تغيّرت ألوانها ولحومها. فكتب عمر إلى سعد: ارتد للعرب منزلا مراحا. فارتاد لهم الكوفة، وهي بقعة حصباء، ورملة حمراء، فقال سعد: اللهمّ ربّ السماء وما أظلّت، والأرض وما أقلّت، والرّيح وما ذرت، بارك لنا في هذه الكوفة.
وسمع عمر منشدا ينشد:
ما ساسنا مثلك يا بن الخطّاب ... أبرّ بالأقصى وبالأصحاب
بعد النبيّ صاحب الكتاب
فنخسه عمر وقال: أين أبو بكر ويلك.
قال عمر وهو بمكّة: لقد كنت أرعى إبل الخطّاب بهذا الوادي في مدرّعة
стр. 340
صوف، وكان فظّا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصّرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد، ثم تمثّل:
لا شيء ممّا ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تسري الرّياح به ... والإنس والجنّ فيما كلّفوا عبد
أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كلّ أوب إليها راكب يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لابدّ من وردنا يوما كما وردوا
وقال عمر: خير الدّوابّ الحديد الفؤاد، الصحيح الأوتاد.
وقال عمر: خير الدّواب الحديد الفؤاد، الصحيح الأوتاد.
وقال عمر: كانت العرب أسدا في حزيرتها يأكل بعضها بعضا، فلمّا جمعهم الله بمحمّد لم يقم لهم شيء.
رأى رستم في النّوم أنّ النبيّ- ﷺ أخذ سلاح فارس وختم عليه ودفعه إلى عمر، فارتاع رستم من ذلك وأيقن أنّه هالك.
وقال: أنشدني شيئا، فأنشدته لبعض آل أبي طالب:
ولست بمذعن يوما مطيعا ... إلى من لست آمن أن يجورا
ولكنّي متى ما أخش منه ... أحالف صارما عضبا ثؤورا
وأنزل كلّ رابية براح ... أكون على الأمير بها أميرا
وأنشدني لعبد الله بن الزّبير، ولقد تمثّل به:
إنّي لمن نبعة صمّ مكاسرها ... إذا تقادحت القصباء والعشر
ولا ألين لغير الحقّ أتبعه ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وحدّثته أنّ المأمون قال: قليل السّفه يمحو كثير الحلم، وأدنى الانتصار يخرج من فضل الاغتفار، وعلى طالب المعروف المعذرة عند الامتناع، والشّكر عند الاصطناع، وعلى المطلوب إليه تعجيل الموعود، والإسعاف بالموجود.
فقال: من أفضل هؤلاء؟ يعني بني العبّاس.
فكان الجواب أنّ المنصور أنقدهم، والمأمون أمجدهم، والمعتصم أنجدهم، والمعتضد أقصدهم. فقال: كذلك هو. وقال: فالباقون؟ قلت ليس فيهم بعد هؤلاء من يوحّد بالذكر، لأنّه في نقصه وزيادته مشاكل لغيره. فقال: لله درّك.
стр. 341
الليلة الخامسة والثلاثون
وقال ليلة: ما الفرق بين الإرادة والاختيار؟
فكان من الجواب أنّ كلّ مراد مختار، وليس كلّ مختار مرادا، لأنّ الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب الولد النّجيب وهو لا يريد، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجئ وهو لا يريد، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما- وهو الاختيار- لا يحدث إلّا عن جولان وتنقير وتمييز، والآخر- وهو الإرادة- يفجأ ويبغت وربّما حمل على طلب المراد بالكره الشديد، وفي عرض الاختيار سعة للتمكّن، وليس ذلك في عرض الإرادة. والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة، والأوّل من راغ يروغ، والثاني من راد يرود، والهمزة مجتلبة للتّعدّي.
قال: فما الفرق بين المحبّة والشّهوة؟
فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطّبيعة، والمحبّة أصدر عن النفس الفاضلة، وهما انفعالان، إلا أنّ أحد الانفعالين أشدّ تأثّرا، وهو انفعال الشّهوة، وأنّه يقال:
شهي وأشهى، ويقال في الآخر: حبّ وأحبّ، ويتداخلان كثيرا بالاستعمال، لأنّ اللّغة جارية على التوسّع، كما هي جارية على التّضيّق، ومن ناحية التضيّق فزع إلى التّحديد والتّشديد، ومن ناحية التوسّع جري على الاقتدار والاختيار، وفي عرض هذين بلاء آخر، لأنّه بين الإيجاز والإطناب، وبين الكناية، والتصريح، وبين الإنجاز والإبطاء. فقال: هذا باب.
ثم ناولني رقعة بخطّه فيها مطالب نفيسة تأتي على علم عظيم، وقال: باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن في مجاراته فائدة من عالم كبير، ومتعلّم صغير، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغنيّ، ولا تحقر أحدا فاه بكلمة من العلم، أو أطاف بجانب من الحكمة، أو حكم بحال من الفضل، فالنّفوس معادن، وحصّل ذلك كلّه وحرّره في شيء وجئني به، وكان في الرّقعة:
ما النّفس؟ وما كمالها؟ وما الّذي استفادت في هذا المكان؟ وبأيّ شيء باينت الرّوح؟ وما الرّوح؟ وما صفته؟ وما منفعته؟ وما المانع من أن تكون النفس جسما أو عرضا أو هما؟ وهل تبقى؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما كان الإنسان فيه هاهنا؟ وما الإنسان؟ وما حدّه؟ وهل الحدّ هو الحقيقة، أم بينهما بون؟ وما الطبيعة، وهلّا أغنى
стр. 342
الرّوح عن النّفس، أو هلّا أغنت النفس عن الرّوح؟ وهلّا كفت الطّبيعة؟ وما العقل؟
وما أنحاؤه؟ وما صنيعه؟ وهل يعقل العقل؟ وهل تتنفّس النّفس! وما مرتبته (اعني العقل) عند الإله؟ وهل ينفعل؟ وهل يفعل؟ وإن كان ينفعل ويفعل فقسط الفعل فيه أكثر من قسط الانفعال؟ وما المعاد المشار إليه؟ أهو للإنسان؟ أم لنفسه؟ أم لهما؟ وما الفرق بين الأنفس، أعني نفس عمرو وزيد وبكر وخالد؟ ثم ما الفرق بين أنفس أصناف الحيوان؟ وهل الملك حيوان؟ فقد علمت أنّه يقال له: حيّ، وهل فيه حياة؟
وعلى أيّ وجه يقال: إنّ الله حيّ والملك حيّ والإنسان حيّ والفرس حيّ؟
وهل يقال: الطبيعة حيّة، والنّفس حيّة، والعقل حيّ؟ فإنّ هذا وما أشبهه شاغل لقلبي، وجاثم في صدري، ومعترض بين نفسي وفكري، وما أحبّ أن أبوح به لكلّ أحد، وقد بيّنته في هذه الرّقعة، فإن أحببت أن تعرضها على أبي سليمان فافعل، ولكن لا تدع خطّي عنده، بل انسخه له، وحصّل ما يجيبك به، ويصدع لك بحقيقته، ولخّصه، وزنه بلفظك السّهل، وإفصاحك البيّن، وإن وجب أن تباحث غيره فافعل، فهذا هذا، وإن كان الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافيا، فليس ذلك مثل البحث عنه باللّسان، وأخذ الجواب عنه بالبيان، والكتاب موات، ونصيب الناظر فيه منزور، وليس كذلك المذاكرة والمناظرة والمواتاة، فإنّ ما ينال من هذه أغضّ وأطرأ، وأهنأ وأمرأ، واجعل هذه الخدمة مقدّمة على كلّ مهمّ لك، فإنّي ناظرك، طامعا في الجواب المقنع الشّافي.
فعرضتها كما رسم على أبي سليمان وقرأتها عليه، وتمهّلت في إيرادها بحضرته، فلمّا فهمها ووقف عليها عجب وقال: هذه مسائل المتحكّمين، وطلبات المدلّين، واقتراحات المقتدرين، ومنيّة الأوّلين والآخرين.
قلت: هو كما قلت أيّها الشيخ، ولابدّ من جواب يعرض عليه يأتي على بعض مآرب النفس، وإن لم يأت على قاصية في المطلوب. فقال كلاما كثيرا واسعا أنا أحكيه على وجهه من طريق المعنى، وإن انحرفت عن أعيان لفظه، وأسباب نظمه، فإنّ ذلك لم يكن إملاء ولا نسخا، وأجتهد أن ألزم متن المراد، وسمت المقصود- إن شاء الله .
قال: أمّا قوله: ما النّفس؟ فإنّ التحديد يعوز، والرّسم لا يشفي، والوصف مقصّر عن الغاية، لأنّها ليس لها جنس ولا فصل فينشأ الحدّ بهما ومنهما، والاسم الشائع- أعني النفس- أخلص إلى المطلوب، وأحضر للمقصود من التّحديد، ولهذا ما اختلف الناس قديما وحديثا في حدّها، فقال قائل: النّفس مزاج الأركان. وقال قائل: النّفس تألّف الأسطقسّات، وقال قائل: النفس عرض محرّك بذاته. وقال قائل:
النفس هوائيّة. وقال قائل: النفس روح حارّة. وقال قائل: النفس طبيعة دائمة
стр. 343
الحركة. وقال قائل: النفس تمام لجسم طبيعيّ ذي حياة. وقال قائل: النفس جوهر ليس بجسم محرّك للبدن. وعلى هذا، ولعلّ آخرين يقولون في تحديدها ونعتها أقوالا أخر، لأنّ الملحوظ بسيط، والمدروك بعيد، والناظرين كثيرون، والباحثين مختلفون، والكثرة فاتحة الاختلاف، والاختلاف جالب للحيرة، والحيرة خانقة للإنسان، والإنسان ضعيف الأسر، محدود الجملة، محصور التفصيل، مقصور السّعي، مملوك الأوّل والآخر، غشاؤه كثيف، وباعه قصير، وفائته أكثر من مدركه، ودعواه أحضر من برهانه، وخطؤه أكثر من صوابه، وسؤاله أظهر من جوابه، فعلى هذا كلّه الاعتراف بها- أعني بالنفس وبوجدانها- أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها.
قال: وإنما صعب هذا لأنّ الإنسان يريد أن يعرف النّفس وهو لا يعرف النّفس إلّا بالنّفس، وهو محجوب عن نفسه بنفسه، وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أنّ كلّ من كانت نفسه أصفى، ونوره أشعّ، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد، كان من الشكّ أنجى، وعن الشّبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب، والإنسان ذو أشياء كثيرة، من جملتها نفسه، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو به واحد، أي إنسان، وكيف لا يكون هذا النّعت حقّا، وهذا المقول صدقا، وهو مركّب في مركّب، والنّفس مبسوطة، وإنما فيه جزء يسير ونصيب قليل من ذلك البسيط، فكيف يدرك بجزء منها كلّها وبقليل منها جميعها، هذا متعذّر إن لم يكن محالا، وبعيد إن لم يكن معدوما، ويكفي أن تعلم أن النفس قوة إلهية واسطة بين الطبيعة المصرّفة للأسطقسّات والعناصر المتهيّئة، وبين العقل المنير لها، الطالع عليها، الشائع فيها، المحيط بها، وكما أن الإنسان ذو طبيعة لآثارها الظاهرة في بدنه كذلك هو ذو نفس، لآثارها الظاهرة في آرائه وأبحاثه، ومطالبه ومآربه، وكذلك هو ذو عقل لتمييزه وتصفّحه، واختباره وفحصه واستنباطه، ويقينه وشكّه، وعلمه وظنّه، وفهمه ورويّته وبديهته وذكره، وذهنه وحفظه وفكره، وحكمته وثقته وطمأنينته، وكذلك هو ذو اعتراف بالأحد الّذي لا سبيل إلى جحده، والبراء من هويّته، وكيف يجد أثر الجحد، أو يحسّ بلمسة من الشكّ؟ وسنخه ينبو عن ذلك، وفطرته تأباه، ولهذا النّبوّ والإباء يفزع إليه، ويتوكّل عليه، ويطلب الفرج من عنده، ويلتمس الخير من لدنه، فانظر إلى هذه السّلسلة الوثيقة التي لا يفصمها شيء لا في زمان ولا في مكان، ولا في يقظة ولا في منام، فهذا هذا؟ وفيه مقنع.
وأمّا فعل النّفس، فقد وضح أنّه إثارة العلم من مظانّه، واستخلاصه من العقل بشهادته، مع إفاضات لها أخر، وإنالات منها جليلة عند الإنسان، بها ينال ما يكمل به، وبكماله يجد السعادة، وبسعادته ينجو من شقوته.
وأمّا قوله: ما الّذي استفادت في هذا المكان؟ فإنّها أفادت وما استفادت، إلّا أن
стр. 344
تجعل إفادتها للقابل منها استفادة لها، وفي هذا تجوّز ظاهر، ولا يقال للشمس إذا طلعت على بسيط الأرض والعالم: ما الّذي استفادت. ولكن يقال: ما الّذي أفادت:
فيعلم حينئذ بالعيان أنّها أفادت أشياء كثيرة، صورا مختلفة، ومنافع جمّة بالقصد الأوّل، وأمّا القصد الثاني فأضداد هذه، وهذا القصد مفروض باللفظ ليكون معينا على تبليغ الحكمة إلى أهلها.
وأمّا قوله: بأيّ شيء باينت النفس الرّوح؟ فهو ظاهر، وذلك أنّ الرّوح جسم يضعف ويقوى، ويصلح ويفسد، وهو واسطة بين البدن والنّفس، وبه تفيض النفس قواها على البدن، وقد يحسّ ويتحرّك، ويلذّ ويتألم، والنفس شيء بسيط على الرّتبة، بعيد عن الفساد، منزّه عن الاستحالة.
وأمّا المانع أن تكون النفس جسما فللبساطة التي وجدت للنفس ولم توجد للجسم، وبيان هذا أن كلّ نعت أطلق على الجسم نزّهت عنه النفس، وكلّ نعت أطلق على النفس نبا عنه الجسم، فذاك كان المانع من ذلك، وقد أتت مذاكرة في النفس منذ ليال بشرح مغن، وبيان تامّ، إلّا أن هذا المكان أحوج إلى الإلمام، ولم يأت على ما في النفس. وإذا بطل أن تكون النفس جسما فهي بألّا تكون عرضا أقمن وأخلق، لأنّه لا قوام للعرض بنفسه.
وأما قوله: وهل تبقى؟ فكيف لا تبقى وهي مبسوطة لا يدخل عليها ضدّ، ولا يدبّ إليها فساد، ولا يصل إلى شيء منها بلى، والإنسان إنما يبلى ويفسد ويخلق ويبطل ويموت ويفقد، لأنّه يفارق النّفس، والنفس تفارق ماذا حتّى تكون في حكم الإنسان بشكله؟ ولو كانت كذلك كانت لعمري تموت وتبلى، فأمّا والإنسان بها كان حيّا وجب ألا يكون حكمها حكم الإنسان.
وأمّا قوله: أو هما؟ فقد بان أنّ النفس متى لم تكن جسما، ولا عرضا على حدة أنها لا تكون أيضا بهما نفسا، لأنّ البينونة التي منعت في الأوّل هي الّتي تمنع في الثاني، وليست النفس والعرض كالخلّ والسّكّر حتى إذا جمع بينهما كان منهما شيء آخر، لأنّ الجسم والجسم إذا اختلطا كان منهما شيء ما، له قوام، وإنّ ذلك القوام مستلّ منهما، وليس كذلك البسيط وغير البسيط، فهذا هذا.
وأمّا قوله: وهل تفنى؟ فقد بان أنّها تبقى ولا تفنى، وليس يطرأ عليها ما يفنيها، لبساطتها وبعدها من التّركيب العجيب المعرّض للتحلّل.
وأما قوله: وهل تعلم ما كان فيه الإنسان هاهنا؟ فإنّ هذا بعيد من الحقّ لأنّها قد وصلت إلى معدن الكرامة وجنّة الخلد، فلا حاجة بها إلى علم العالم السّفليّ الّذي لا ثبات له ولا صورة، لغلبة الحيلولة عليه، وتذكّر الحيلولة حيلولة،
стр. 345
وذلك دليل النّقص، واعتراض الألم، ولو أن إنسانا نقل من كرب حبس ضيّق إلى روض بستان ناضر بهيج مونق، ثم تذكّر ما كان فيه في حال ما هو عليه لكان ذلك مؤذيا لنفسه، وكاربا لقلبه، وقادحا في روحه، وآخذا من حبوره وغبطته، ومدخلا للتّنغيص عليه في نشوته.
وأمّا قوله: وما الإنسان؟ فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطّبيعة للمادّة المخصوصة بالصّور البشريّة، المؤيّد بنور العقل من قبل الإله، وهذا وصف يأتي على القول الشائع عن الأوّلين إنّه حيّ ناطق مائت أي حيّ من قبل الحسّ والحركة، ناطق من قبل الفكر والتمييز، مائت من قبل السّيلان والاستحالة، فمن حيث هو حيّ شريك الحيوان الّذي هو جنسه، ومن حيث هو مائت هو شريك ما يتبدّل ويتحلّل، ومن حيث هو ناطق هو إنسان عاقل حصيف، ومن حيث يبلغ إلى مشاكهة الملك بقوّة الاختيار البشريّ، والنور الإلهي- أعني ينعت في حياته هذه التي وهبت له بدءا، بصحّة العقيدة وصلاح العمل وصدق القول- هو ملك، فإن لم يكن ملكا فهو جامع لصفاته، ومالك لحيلته، ولمّا كان جنسه مشتملا على التفاوت الطّويل العريض، كان نوعه مشتملا على التفاوت الطويل العريض، ومن كان نوعه كذلك كانت آحاده كذلك، وكما أنّ الجنس يرتقي إلى نوع كامل، كذلك النوع يرتقي إلى شخص كامل.
وأمّا قوله: هل الحدّ هو الحقيقة، أو بينهما بون؟ فإنّ الحدّ راجع إلى واضعه ومتقصّيه بدلالة أنّه يضعه ويفصّله، ويخلّصه ويسوّيه ويصلحه. فأما الحقيقة فهي الشيء وبها هو ما هو، حدّه صاحبه أم لم يحدّه، رسمه قاصده أم لم يرسمه، فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحدّ ليس هو عين الشيء.
وأمّا قوله: وما الطبيعة؟ فهي أيضا قوة نفسيّة، فإن قلت عقلية لم تبعد، وإن قلت إلهية لم تبعد، وهي الّتي تسري في أثناء هذا العالم محرّكة ومسكّنة، ومجدّدة ومبلية، ومنشئة ومبيدة، ومحيية ومميتة، وتصاريفها ظاهرة للحسائس، وهي آخر الخلفاء في هذا العالم، وهي بالموادّ أعلق، والموادّ لها أعشق، وليس لها ترقى النّفس في الثّاني إلى عالم الرّوح، لأنّه لا كون هناك ولا فساد، فلو رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة، وليس كذلك النفس، فإنّ لها في عالمها البهجة والغبطة، والحبور والسّرور، وهذا هناك في مقابلة ما كان لها هاهنا من الفضائل التي لا يأتي عليها إحصاء، ولا يحصّلها استقصاء.
وأمّا قوله: وهلّا أغنى الرّوح عن النّفس؟ فهو يغني عنها، ولكن في جنس الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنسانا. فأمّا في الإنسان فلا، لأنّ الإنسان بالنّفس هو إنسان لا بالرّوح، وإنما هو بالرّوح حيّ فحسب.
стр. 346
وأمّا قوله: وهلّا أغنت النفس عن الرّوح؟ فإنّ الرّوح كالآلة للنفس حتى ينفذ تدبيرها بواسطته في صاحب الرّوح، وليس ذلك لعجز النفس، ولكن لعجز ما ينفذ فيه التدبير، وإذا حقّق هذا الرّمز لم يكن هناك عجز لأنّه نظام موجود على هذه الصورة، وصورة قائمة على هذا النظام، فليس لأحد أن يعلّل ذلك بلم ولا بكيف إلّا من طريق الإقناع.
وأمّا قوله: هلّا كفت الطبيعة؟ فقد كفت في مواضعها التي لها الولاية عليها من قبل النّفس، كما كفت النفس في الأشياء التي لها عليها الولاية من قبل العقل، كما كفى العقل في الأمور التي له الولاية عليها من قبل الإله، وإن كان مجموع هذا راجعا إلى الإله، فإنّه في التفصيل محفوظ الحدود على أربابها، وهذا كالملك الّذي له في بلاده جماعة فيصدرون عن رأيه، وينتهون إلى أمره، ويتوخّون في كلّ ما يعقدونه ويحلّونه، وينقضونه ويبرمون، ما يرجع إلى وفاقه، وكلّ ذلك منه وله وبأمره، وقد كفاه أولئك القوم ذلك كلّه.
فإن قال قائل: فكيف مثّلت سياسة إلهية بسياسة بشريّة، وأين هذه من تلك؟
فالجواب: أنّ البشر المسكين لم يجدّ هذه السياسة من تلقاء نفسه، ولا بما هو به مهين ضعيف عاجز مسكين، بل بما فاض عليه من تلك القوى وتلك الصّور، فهو إذا أبرز شيئا أبرز على مثال تلك، لأنّه قد أعطي القالب، فقد سهل عليه أن يفرغ فيه، ووهب له الطابع، فهو يختم به، وهيّئ على ذلك فهو يجري عليه، وهذا سوق إلهيّ وإن كان الانسياق بشريّا، ونظم ربوبيّ وإن كان الانتظام إنسيّا، وفي الجملة، إحدى السّياستين، أعني البشري هي ظلّ للأخرى، أعني الإلهيّة، والسّفليّات منقادة منفعلة للعلويّات، والعلويّات مستوليات على السّفليّات، بحقّ العدل وما هو مقتضاها، ولأنّ هذه فواعل، أعني العلويّات، وتلك قوابل، أعني المنفعلات، ووجب ذلك لأن الصورة في الفاعل أغلب، والهيولى في القابل أغلب، والعالمان متواصلان، والسّياستان متماثلتان، والسّيرتان متعادلتان، والتّدبيران متقابلان، ولكنّ التدبير إذا نفذ في السّفليّ يسمّى بشريّا، وإذا نفذ في العلويّ يسمّى إلهيّا، وأن كانا في التّحقيق إلهيّين، وإنّما اختلفا بحسب الصّدور والورود، والفصول والوصول، والشّخوص، والبلوغ، والعادة جارية بأن يشبّه الإنسان شيئا من الأشياء بالشّمس والقمر، ولا يشبّه الشّمس والقمر بشيء آخر، لأنّ للأعلى النّعت الأوّل، وللأسفل النّعت الأرذل، فهذا كما ترى.
وأما قوله: وما العقل، وما أنحاؤه، وما صنيعه؟ فإن الجواب عن هذا لو وقع في خلد كثير، لكان محمولا على التقصير، وكذلك فيما تقدّم، ولكن هذا مكان قد اقترح فيه الإيجاز والتّقريب، وهذان لا يكونان إلّا بحذف الزوائد المفيدة، وإلّا بتفريق العلائق الموضّحة. وبعد، فالعقل أيضا قوّة إلهيّة أبسط من الطبيعة، كما أن الطبيعة
стр. 347
قوّة إلهيّة أبسط من الأسطقسّات، وكما أن الأسطقسّات أبسط من المركّبات، وعلى هذا حتّى تنتهي المركّبات إلى مركّب في الغاية، كما بلغت المبسوطات إلى مبسوط في النهاية، فالتقى الطّرفان على ما يقال له: كلّ، فلم يكن بعد ذلك مطلب لا في هذا الطّرف ولا في هذا الطّرف، والعقل هو خليفة الله، وهو القابل للفيض الخالص الّذي لا شوب فيه ولا قذى، وإن قيل: هو نور في الغاية، لم يكن ببعيد، وإن قيل بأنّ اسمه مغن عن نعته، لم يكن بمنكر، وإنما عجزنا عن تحديد هذه البسائط لأنا حاولنا عند علمها أن تكون في صورة المركّبات أو قريبة منها، وأن تصير لنا أصناما نتمثّلها ونوكّل بها، وهذا منّا تعجرف مردود علينا، وخطأ يلزمنا الاعتذار منه إلى كلّ من أحسّ به منّا، وينبغي أن نتوب إلى الله في كلّ وقت من وصفه بما لا يليق به، ومن طرح الوهم على شيء قد حجبه عن معارفنا، ورفعه عن عقولنا، وقصرنا على حدودها اللازمة لنا، وأشكالنا المشتملة علينا.
هذا حديث العقل إذا لحظ في ذروته.
فأما إذا فحص عن آثاره في حضيضه فإنّه تمييز وتحصيل وتصفّح وحكم وتصويب وتخطئة، وإجازة وإيجاب وإباحة، وإيّاك أيّها السامع أن يكون مفهومك من هذه الأسماء والأفعال والحروف أشياء متمايزة فتجعل شيئا واحدا أشياء، ومن كثّر الواحد فهو أشدّ خطأ ممّن وحدّ الكثير، لأنّ تكثير الواحد انحطاط إلى المركز، وتوحيد الكثير استعلاء إلى المحيط، بل يجب أن يكون محصولك منها شيئا واحدا لم تصل إليه إلّا بترادف هذه الكلمات، وتصاحب هذه الصّفات.
وأما أنحاؤه، فعلى قدر ما يقال: فلان عاقل وفلان أعقل من فلان، وفلان في عقله لوثة، وفلان ليس بعاقل، وأصحاب العقل أنصباؤهم منه مختلفة بالقلّة والكثرة، والصّفاء والكدر، والإنارة والظّلمة، واللّطافة والكثافة، والخفّة والحصافة، كما تجدهم مختلفين في الصّور والألوان والخلق بالطّول والقصر، والحسن والقبح، والاعتدال والانحراف، والرّدّ والقبول، إلّا أنّ هذا القبيل يدرك بالحسّ، ويشهد بالعيان، ويعاين بالحضور، وذلك القبيل محجوب عن هذا كلّه، فلم يجز أن تكون الإحاطة بتفاوت ما غاب عنّا في وزن الإحاطة بتفاوت ما حضر، فإنّهما ما تباينا ليأتلفا، بل ليختلفا، وهذا التفاوت معترف به إذا اعتبر من خارج، وذلك أنّك تجد أصحاب المال أيضا يتباينون في مقادير ما يملكون من المال، ولا يتّفقون على مقدار واحد منه عند جماعتهم، ولا يتّفقون على نوع واحد أيضا من أعيان المال، لأنّ هذا يملك الصامت، وذاك يملك الناطق، وهذا يمارس القزّ، وهذا يمارس الصّوف، وهذا ينظر في الصّرف، وهذا يبيع الحيوان، وكلّ منهم صاحب مال ومباشر له، وعلى هذا المثال احتذى أهل العقل في مطالبهم، فصار هذا يملك بعقله غير ما يملك الآخر،
стр. 348
أعني أنّ هذا ينظر في الهندسة، وهذا في الطّبّ، وهذا في النّحو، وهذا في الفقه، والعبارة تمنع من إشباع هذا المعنى، وحصر هذا الفنّ، فعلى هذا أنحاؤه، وإنها لكثيرة إن لم تكن بلا نهاية.
وأمّا صنيعه، فهو الحكم بقبول الشيء وردّه، وتحسينه وتقبيحه، إذا كان المعروض عليه على جهته غير مموّه ولا مغشوش، ولا مشتبه فيه ولا ملبوس، فإن كان مموّها اختلف حكمه، لأنّ العقل يرى الباطل حقّا في وقت، ويرى الحقّ باطلا في وقت، معاذ الله من هذا، ذلك للحسّ المنقوص، والذّهن الملبوس، لأنّ العارض موّه معروضه على العقل، فحكم له بما يستحقّه، إلّا أن يكون العارض لم يشعر بذلك التّمويه، ولم يفطن لذلك الغشّ، فحينئذ يهديه العقل ويرشده، ويفتح عليه، وينصح له.
وأما قوله: وهل يعقل العقل؟ فإن الأولى أن يقال: العاقل يعقل بالعقل معقوله، ألا ترى أنّه يقال: السّراج أضاء البيت، ويبعد أن يقال: أضاء نفسه، لأنّه مضيء بنفسه، فليس به فقر إلى أن يضيء نفسه، وإنّما أضاء غيره ... ولو عقل العقل لعقل بالعقل، وهذا إذا استمرّ كان مردودا، ونحن إذا قلنا: عقل العاقل معقوله، فإنما نصفه بأنّه انفعل انفعال كمال، والعقل يرى من هذا الانفعال ألّا يتوخّى أنّه يعقل الإله الّذي هو به ما هو، فإنّه يجوز أن يضرّ به انفعال لائق به يكون عبارة عن شوقه إليه، وكماله به، واقتباسه منه، وهذا صراط حديد، والواطئ عليه على خطر شديد، والوقوف دونه أصدع بالحجّة، وأوضح للعذر، لأن الإنسان خوّار بالطّبع، وإن كان جسورا بالنّفس.
وأمّا قوله: وهل تتنفّس النّفس؟ فإن أريد بذلك النّفس النامية والحيوانيّة فهو قريب، وأمّا الناطقة فإنّ ذلك يبعد منها لأنّ ذلك التنفّس استمداد شيء به يكون الشيء حيّا أو كالحيّ، والناطقة غنيّة عن ذلك.
فإن قيل: فهل تقتبس من العقل وتستمدّ؟ قيل: هذا لا يسمّى تنفّسا، وليس اللفظ يبعده عن الحقيقة تأويل في الوضع، ولا وجه في الاعتمال وإدخال العويص في المكان الذي يحتاج فيه إلى رفع اللّبس وزوال الإشكال، مداجاة في العلم وخيانة للحكمة وجناية على المستنصح.
وأمّا مرتبته عند الإله فقد وضح بأنه كالشمس تطلع فتحيي، وتضيء فتنفع.
فإن قيل: فالعقل أيضا هكذا، قيل: العقل أيضا شمس أخرى، ولكنها تطلع على النفس التي ليست حاوية لجدار وسطح، وبرّ وبحر، وجبل وسهل، لأنّه لمّا كان العقل أشرق من النّفس- لأنّه مستخلف للنفس، والنفس خليفته- كان إشراقه ألطف، ومنافعه في إشراقه أشرف، وأيضا فإنّ الشمس تجدها بالحسّ لها غروب وطلوع، وتجلّ وكسوف، وليس كذلك العقل، لأن إشراقه دائم، ونوره منتشر، وطلوعه سرمد، وكسوفه معدوم، وتجلّيه غير متوقّف.
стр. 349
فإن قيل: نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقت ويثوب إليه في وقت.
فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو، وبكر وخالد، لأن ذلك ينعت بالطّلوع والغروب، وبالحضور والغيوب، لأنه هاهنا مضاف ومنحاز، أو كالمنحاز، وليس كذلك هو، فإنّه هناك على بهجته التامّة، وسلطانه القاهر، وملكوته الأفيح، وبسيطه الفائق، وفضائه العريض.
وأمّا قوله: وهل ينفعل؟ فقد مرّ الكلام عليه في طيّ ما مرّ، وليس للتّكرار وجه، ولا في التّطويل عذر.
وأما قوله: فقسط الفعل أكثر، أم قسط الانفعال؟ فإنّ هذا يلحظ من وجهين، إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر، وإذا لحظ فيضه على النّفس فقسط الفعل فيه أكثر، لأنّه بجوده على غيره يشاركه من جاد عليه بجوده، وهذا لطيف جدّا.
وأمّا قوله: وما المعاد؟ فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصّعب الهائل الذي كلّ أمر متعلّق به، وكلّ رجاء حائم حوله، وكلّ طمع متوجّه إليه، وكلّ شيء مقصور عليه، وكلّ إنسان به يهيم، وكلّ مصرّح عنه يصرّح، وكلّ كان عنه يكني، وكلّ مترنّم به يحدو، وكلّ لحن إليه يشير، وكلّ سامع إليه يطرب، ونرجع فنقول- على العيّ والبيان، وعلى الزّحف والعدوان:- إنّ عود النّفس إنما هو تخليتها للبدن إذا حان وقت التّخلية، إما لأن البدن غير محتمل لمادّة الحياة، وإمّا لأنّ النفس قد أزمعت أمرا آخر، ولا يتمّ لها ذلك إلّا بتخلية هذا، وإمّا لهما.
فإن قال قائل: فما نصيب الإنسان من عود النّفس الذي هو تخليتها للبدن وخروجها عنه، وترك استعمالها له؟ فالجواب من طريق التّمثيل، والرّضا بالرّأي الأصوب، والحكم الأجلى أن يقال: لو قيل لرجل من عرض النّاس وافر أو ناقص:
إنّك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة، وأذنك السامعة، هل ترى ذلك نعمة عليك، وإحسانا إليك، فإنّ عينك إذا بقيت أبصرت العالم بعدك كما كنت تبصره وهي معك، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار، لأنّها كانت معك ترمد بسببك، وتعشى من أجلك، وربّما عرض لها سوء بسوء تدبيرك، أو باتفاق رديء عليك، من عشى أو عمى وخفش وعمش وعور وآفات كثيرة، وهي آمنة بعدك من هذه الأعراض المكروهة، والأحوال الداهية، فإنا نعلم حقّا وعيانا أنّه يقول: قد رضيت بل أتمنّى هذا، ومن لي به، أي إن أعطيت هذا فمن منّي أسمع وأبصر، وإذا كنت أكره الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا أحبّ الدّنيا إذا وجدتهما، فإن كان هذا التمثيل واقعا، وهذا التقريب نافعا، والحقّ في تضاعيفه واضحا، فليكن ذلك مطّردا في بقاء نفس الإنسان التي بها كان إنسانا، وبها كان ينعم في هذا العالم، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ويصيب، ويجد لذّة اللّذيذة من ناحية العقل والحسّ، وبها كان يتمنّى البقاء
стр. 350
والدّوام والخلود، وإنّما استحال ذلك التّمنّي من أجل كونه وفساده اللّذين لم يكن بدّ من انتهائهما إلى الفناء الّذي هو مفارقة النّفس الجسد وتخليتها للبدن، ونسبة نفس الإنسان إلى الإنسان أوكد وألصق من نسبة العين إليه، ألا ترى أنّه بالنّفس إنسان، وبالبدن حافظ لشكل الإنسان، فإذا كان للإنسان في هذا التّمثيل فائدة متمنّاة، وحالة محبوبة هنيئة، أعني في بقاء العين والأذن حتى يبصر بإحداهما هذا العالم المحشوّ بالآفات، ويسمع بالأخرى ما يجري فيه من ضروب الاستحالات، فبالحريّ أن يكون رضاه ببقاء النّفس في محلّ الرّوح والأمن، ومقام الكرامة والسّكينة على حال الخلود والطّمأنينة، إنّ هذا لعجيب، وأعجب من هذا العجيب عقل لا يعلق به، وروح لا يهشّ لسماعه، ونفس لا تجد حلاوته، وصدر لا يتصدّع طربا عليه، والتياحا إليه، فإنّ من لم يشعر بهذه الفائدة، ولم يحمد الله على هذه النّعمة، لعازب الرّأي، ضعيف العقل، خفيف المثقال، رديء الاختيار، قليل الحصافة، سيّئ النّظر، حيوان خسيس، في مسك إنسان رئيس، فقد بان- على مذهب التقريب- ما المعاد المشار إليه، وما الإنسان منه، وما لنفسه به.
وأمّا قوله: وما الفرق بين الأنفس، أي نفس زيد وعمرو وبكر وخالد، وما الفرق أيضا بين أنفس أصناف الحيوان. فإنّما الفرق بين هذه الأنفس بقدر قسط كلّ واحد منهم منها، وهذه الأقساط إذا اجتمعت تفاوتت، وإذا تفاوتت كانت منها نفس باقية حيّة، ونفس فانية ميّتة، ألا ترى الشمس كيف تطلع على هذه المواضع المختلفة بالعلو والسّفل، وبالتّعريج والاستقامة، والأشكال الكثيرة، فيقول كلّ إنسان: مشرقتي أطيب من مشرقة فلان، وما أشبه هذا الكلام، وطلوع الشمس على جميعها طلوع واحد، ولكنّ حظوظ البقاع منها مختلفة، فليس بمنكر أن تكون نفس زيد أنجى من الكدر، وأخلص من الآفة، وأوصل إلى السعادة، ونفس بكر على خلاف ذلك، ومراتب هذه الأنفس موقوفة على الإضافات الحاصلة لها بأصحابها، والأنصباء المذخورة لها باكتسابها.
فأمّا أنفس أصناف الحيوان كالفرس والحمار فإنّها أنفس ناقصة غير كاملة، وهي ضعيفة، لأنّها لم تجد إلّا الإحساس والحركات، لم يشعّ فيها نور النّفس الشريفة، ولم ينبثّ فيها شعاع العقل الكريم، فوجب من هذا الوجه أن تكون تابعة لأبدانها، جارية على فسادها وبطلانها، لأنّ الحكمة انتهت إلى ذلك الحدّ في كونها حشوا لهذا العالم وزينة ومنافع ومبالغ إلى غايات وأغراض.
وأمّا قوله: وهل الملك حيوان؟ فقد علمت أنّه يقال له حيّ، وهذا وقف على الأسماء الجارية، والعادات القائمة، وكأنّ الحيوان إنما شاع في غير الملك لما فيه من الحسّ والحركة والاهتداء والتّصرّف على ما لاق بجنسه ونوعه وشخصه، فأما ما يعلو
стр. 351
وينزّه عن الصفات فلم يطلق عليه حيوان، ولكن يقال: حيّ لأنّه أقرب الأسماء إلى المعنى المشار إليه، وبهذا التّقريب قيل أيضا لله: إنّه حيّ، وأنت إذا حدّدت الحيّ أو الحياة لم تقدر على أن تصف الله جلّ وعلا بشيء من ذلك ... وفي الجملة كلّ ما كان أدخل في البساطة كان أخرج من التّركيب، وكلّ ما كان أخرج من البساطة كان أدخل في التّركيب.
فأمّا المركّب الّذي ليس له من البسيط إلّا النّصيب النّزر، وإلّا طيف الخيال، فاسمه واضح والإشارة إليه سهلة، والعيان له مدرك، لأنّه محاط بحدوده في طوله وعرضه وعمقه.
وأمّا المركّب البسيط الّذي ليس له من التركيب إلّا النّصيب اليسير، فاسمه غامض، والإشارة إليه عسرة، والعيان عنه مكفوف، وهذا باب إذا حفظ فهم منه شيء كثير مما يقع فيه الغلط من الإنسان بفكره الرّديء، وينفع أيضا نفعا بيّنا في التّغالط العارض بين المتناظرين على جهة التّنافس والتّناصف.
قال أبو سليمان: من حرس هذا الثّغر أمن من جميع الأعداء، ومن أهمله كانت جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية عدوّه الثائر من ثغره.
وأمّا قوله: على أيّ وجه يقال لله حيّ والملك حيّ والفرس حيّ؟ فقد دخل الجواب عنه في ضمن ما تشقّق القول به، وتحقّق المعنى عليه في حديث المركّب والبسيط، ونزيد هاهنا حرفا يكون رديفا لما تقدّم، فنقول: أمّا الإنسان فإنّه يقال له:
حيّ، بسبب الحسّ والحركة وما يتبعهما مّا هو كمال الحيّ، وكذلك الفرس وما أشبهه. وأمّا الملك فلمّا كان ما يستحقّه ببساطته معدوما عندنا، لم نقدر على شيء نصفه به إلّا ما نصف به أنفسنا بيننا، ولو كنّا في عالم الملك لعلّنا كنّا ندري بأيّ شيء ينبغي أن ينعت ويسمّى ويذكر ويحكى، فإنّ من كان منّا في بلاد الصّين فإنّه يسمّي الإنسان والفرس والحمار والبقر بها بتعالم أهلها بينهم، وإذا كان هذا معوزا على ما ترى في الملك، أعني تسميته الحيّ، ونعته بالحياة، فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى أن يمسك عنه عجزا واستخذاء، وتضاؤلا واستعفاء، إلا بما وقع الإذن به من جهة صاحب الدّين الّذي هو مالك أزمّة العقول ومرشدها إلى السّعادات، وواقفها عند الحدود، وزاجرها عن التّخطّي إلى ما لا يجوز. فعلى هذا قد وضح أنّ الصّمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النّطق، لأنّ الصّمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم، والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة بالقدرة في موضعها، وليس للخلق من هذا الواحد الأحد إلا الإنّية والهويّة، فأما كيف ولم وما هو فإنها طائر في الرّياح كما تسمع وترى.
стр. 352
ولما حرّرت هذه الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها عليه قال لي: هذا والله جهد المقلّ، وفي غليلي بقيّة من اللهب.
قلت: أيّها الوزير، قال أبو سليمان: سنقول لك كلاما لا يكون فيه كلّ الرّضا، فقل له عند ذلك: إنّك سألت عن العالم بأسره، فلا طاقة لأحد أن يعرض عليك العالم بأسره، ولولا عجلة رسولك في المطالبة، وإدلاله بالإلحاح، وقوله: المراد التّقريب والإيجاز، لا التّطويل والإسهاب، لكان النّسج على غير هذا المنوال، والعمل على غير هذا الوشي.
قال: ومن المعالم الّتي ليس لها ناظر، ولا بها خابر، أنّ السائل يحضّ على التّلخيص المفهوم، ولعلّ ذلك يزيد الشيء إغلاقا، فإذا امتثل ما يرسم قال: ما شفاني القول، وإن زيد على ذلك قال: غرق المراد في حواشي التّكثير، فليس للعالم تخلّص من استزادة المتعلّم، ولا عند المتعلّم شكر على مبذول جهد العالم، وهذا أمر قد تقدّمت الاستغاثة منه على مرّ الدّهور، والأولى فيما لا حيلة فيه الرّضا بالميسور منه.
ثم قال: وإن أطال الله أيام هذه الدّولة، وحرس على هذه الجماعة القليلة النّعمة، استأنفنا نظرا أبلغ من هذا النّظر، ببيان أشفى من هذا البيان، وطريق أوضح من هذا الطريق- إن شاء الله.
قال الوزير: والله ما قلت قولي ذاك، لأنّ هذا الكلام سهل، وهذا المتناول قريب، وهذا المرمى كثب، كلّا، وإنّي لأظنّ بل أحقّ أنه ليس في بضائع أصحابنا الذين حولي من يدرك هذه المعاني على هذه الصّفة إذا قرئت عليه، فكيف من يفزع في شرحها وتهذيبها إليه.
ثم تمطّى وقال: وانعاساه، واضعف منّتاه، ثم فارقت المجلس.
стр. 353
الليلة السادسة والثلاثون
وقال- دامت أيّامه-: كيف تقول عند مهلّ الشّهر شيئا آخر من لفظه؟
فكان من الجواب: حكى العالم: عند هلول الشّهر ومستهلّه وهلّه وإهلاله واستهلاله.
قال: ورأيت الحاتميّ يقول: عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو، ولم أوثر شرحه لها لثقل روحه، ومغالاته بنفسه، وكأنّه لا علم إلّا عنده، ولا فائدة إلّا هي معه، فهل في حفظك هذه الكلمات؟
قلت: لا إله إلّا الله، اليوم ذكر الأندلسيّ هذه الكلمات وعدّها، وقد حفظتها، فقال: هات يا مبارك، فكان الجواب: منها البعو، وهو الجناية، والجعو، وهو الطّين، والدّعو، مصدر دعا دعوا، والسّعو: الشّمع، والشّعو: هو انتفاش الشّعر، والصّعو: الرّجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور والقعو: من البكرة، واللّعو: الحريص. والذّئب في بعض اللّغات، والمعو: الجنيّ من الرّطب، والنّعو:
الشّقّ في مشفر البعير.
قال: هذا حسن، لو أتى به الحاتميّ لملوي شدقه، وقال: تنحّ فقد جاء الأسد وغلب الطّوفان وخرج الدّجّال وطلعت الشمس من المغرب، ما بال أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء، ويغلب عليهم النّقص، ويستمكن منهم الشّيطان.
قلت: قال أبو سليمان: كلّ من غلب عليه حفظ اللّفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللّفظ، والمعاني صوغ العقل، واللّفظ صوغ اللّسان، ومن بعد من المعاني قلّ نصيبه من العقل، ومن قلّ نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذّكر.
стр. 354
الليلة السابعة والثلاثون
وقال الوزير ليلة: ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشّجعان! وما أشدّ انتفاع الضّيّق النّفس باستماع أخبار الكرام، لأنّ الأخلاق في الخلق أعراض، والأعراض منها لازم ومنها لاصق.
قال: وكان عيسى بن زرعة سرد عليّ سنة سبعين، ليالي كانت الأشغال خفيفة، والسّياسة بالماضي- نوّر الله قبره وضريحه- عامّة، والنّظر بالحسنى، شاملا- أشياء في الخلق أتى بها على عمود ما كان في نفسي، وذلك أنه ذكر العقل والحمق، والعلم والجهل، والحلم والسّخف، والقناعة والشّره، والحياء والقحة، والرّحمة والقسوة، والأمانة والخيانة، والتّيقّظ والغفلة، والتّقى والفجور، والجرأة والجبن، والتواضع والكبر، والوفاء والغدر، والنصيحة والغشّ، والصّدق والكذب، والسّخاء والبخل، والأناة والبطش، والعدل والجور، والنّشاط والكسل، والنّسك والفتك، والحقد والصّفح، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة، وتبعثه على إعادة حدودها، وإشباع القول فيها، مع إيجاز لا يكون به مدخل للخلل، ولا تقصير عن إيصال الآخر بالأوّل.
فلقيت عيسى وعرّفته الحديث، وأملى ما رسمته في هذا الجزء، وعرضته على أبي سليمان، فرضيه بعض الرّضا، ولم يسخط كلّ السّخط، وقال: تحديد الأخلاق لا يصحّ إلّا بضرب من التجوّز والتسمّح، وذلك أنّها متلابسة تلابسا، ومتداخلة تداخلا، والشيء لا يتميّز عن غيره إلّا بينونة واقعة تظهر للحسّ اللّطيف، أو تتّضح للعقل الشّريف.
ثم قال: ألا ترى أنّ الفكر مشوب بالرّويّة، والظّنّ مخلوط بالوهم، والذّكر معنيّ بالتّخيّل، والبديهة جانحة إلى الحسّ، والاستنباط موصوف بالغوص، وما هذا المعنى الذي ميّز التّواضع من شوب الضّعة، أو خلّص علوّ الهمّة من شوب الكبر، أو فرز عزّة النّفس من نقص العجب، أو أبان الحلم عن بعض الضّعف؟! هذا بالقول ربّما سهل وانقاد، ولكن بالعقل ربّما عزّ واعتاص، والأخلاق والخلق مختلطة، فمنها ما اختلاطه قويّ شديد، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل، ومنها ما اختلاطه نصف بين اللّين والشّدّة، وهذه ينفع العلاج في بعضها، وينبو العلاج عن بعضها، والحزم يقضي بألّا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج.
стр. 355
قال: وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج، والإنسان والإنسان، ألا ترى أنّك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الرّوم إلى الجود، والطّمع في جبان التّرك أن يتحوّل شجاعا أقوى من الطّمع في جبان الكرد أن يصير بطلا.
قال: ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود- وإن كان على ما قدّمناه- نافع جدّا، وإضمارها في النّفس مثمر أبدا، فهذا هذا.
وأما ما قال أبو عليّ فإنّه هذا.
قيل: ما الحلم؟ قال: ضبط الفكر بكفّ الغضب.
وقال شيخنا أبو سعيد السّيرافيّ: اعتباره من ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك أنّ الحلم شريك التّحلّم، «فكان الحليم الّذي يعدّ فيمن يحلم» في عرض الحليم الّذي لا يعاج عليه ولا يكترث له. قال: والتّحلّم نافع أيضا، وهو أحمد من التّحالم، لأنّ الثّاني أقرب إلى التّأنّي، كما أنّ الأوّل أقرب إلى الحقيقة.
وقيل لعيسى: ما العدل؟ فقال: القسط القائم على التّساوي.
وحكى جالينوس قال: إن الناس لشدّة حبّهم لأنفسهم يظنّون أنّ لهم ما يحبّون، فمن أجل ذلك وقعوا في العجب، فينبغي أن تكون محبّتك لنفسك حقيقيّة، ويتمّ ذلك لك إذا أنت صيّرت نفسك على الحال الّتي يرى من يرى أنّك عليها.
وقال: المعجب يحبّ نفسه أكثر ممّا يحقّ لها، وما أحسن بالإنسان أن يحبّ نفسه، ولكن بالعدل، فإن أراد أن يحبّها جدّا فيجب أن يجعلها من أهل المحبّة، ثم يحبّها من بعد.
قيل: فما الحسد؟ قال: شدّة الأسى على شيء يكون لغيره.
قيل: فما الكآبة؟ قال: إفراط الحزن.
قال أبو سليمان: الحزن والغمّ والهمّ والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة، ومن تعاطى وصف أغصان شجرة طال عليه، ولم يحظ بطائل، ويكفي أن نعرف شجرة التّفّاح من شجرة المشمش، وشجرة الكمّثري من شجرة السّفرجل، فإنّ عواقب المعارف نكرات، كما أنّ فواتح المعارف جهالات.
قيل: فما الشّجاعة؟ قال: الإقدام في موضع الفرصة من جميع الأمور.
قال أبو سليمان: الشجاعة إذا كانت نطقيّة كانت فرصتها تعاطي الحكمة والدؤوب في بلوغ الغاية، وبذل القوّة في نيل البغية، وإذا كانت غضبيّة كانت فرصتها شفاء الغيظ إمّا من مستحقّ، وإما من غير مستحقّ، وإذا كانت شهويّة كانت فرصتها التّحلّي بالعفّة التامّة، أعني في الخلوة والحفل.
قال لنا أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانيّ الشيخ الصالح: العفّة واسطة بين المقارفة والعصمة، والعصمة واسطة بين البشريّة والملكيّة.
следующие страницы →