← Адаб

Адаб · id 10521

الإمتاع والمؤانسة

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

محتاجة إلى الكفاية، والقناعة مزّة فكهة ولكنّها فقيرة إلى البلغة، وصيانة النفس حسنة إلّا أنّها كلفة محرجة إن لم تكن لها أداة تجدّها وفاشية «١» تمدّها، وترك خدمة السلطان غير الممكن ولا يستطاع إلّا بدين متين، ورغبة في الآخرة شديدة، وفطام عن دار الدنيا صعب، ولسان بالحلو والحامض يلغ. قال ابن السمّاك: لولا ثلاث لم يقع حيف، ولم يسلّ سيف: لقمة أسوغ من لقمة، ووجه أصبح من وجه، وسلك «أنعم من سلك» ، وليس كلّ أحد له هذه القوّة، ولا فيه هذه المنّة «٢» والإنسان بشر، وبنيته متهافتة وطينته منتثرة، وله عادة طالبة، وحاجة هاتكة، ونفس جموح، وعين طموح، وعقل طفيف، ورأي ضعيف، يهفو لأوّل ريح، ويستخيل لأوّل بارق، هذا إذا تخلّص من قرناء السوء، وسلم من سوارق العقل، وكان له سلطان على نفسه، وقهر لشهواته، وقمع لهوائجه وقبول من ناصحه، وتهيّؤ في سعيه، وتبوّء في معان حظّه، وائتمام بسعادته، واستبصار في طلب ما عند ربه، واستنصاف من هواه المضلّ لعقله المرشد، هذا قليل وصعب ولو قلت معدوم أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد، لما خفت عائقا يعوقني، ولا حسودا يردّ قولي. قال ابن السّمّاك: الله المستعان على ألسن تصف وقلوب تعترف، وأعمال تختلف. وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- ورآه لا يلي له عملا، ولم يقبل منه نائلا-: يا ابن أخي، هي الدنيا، فإمّا أن ترضع معنا، وإمّا أن ترتدع عنّا. وربّما قال بعض المتكلّفين: قد قال بعض السلف ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا من ترك الآخرة للدنيا ولكنّ خيركم من أخذ من هذه وهذه. وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن. وربما قال آخر من المتقدمين: (اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا) . وهذا أيضا كلام منمّق، لا يرجع إلى معنى محقّق، أين هو من قول المسيح- ﵇ حين قال: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من الآخر، ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر. وأين هو من قول الآخر: الدنيا والآخرة ضرّتان، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى. وهذا لأنّ الإنسان صغير الحجم، ضعيف الحول، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربّه بأداء فرائضه، والقيام بوظائفه، والثبات على حدود أمره ونهيه.

стр. 37

فإن صفق وجهه وقال: نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار، فهذا المذبذب الّذي لا هو من هذه ولا من هذه، ومن تخنّث وتليّث لم يكن رجلا ولا امرأة، ولا يكون أبا ولا أما، وهذا كما نرى. ونرجع فنقول: ونعوذ بالله من الفقر خاصّة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من التقوى، ولا عماد من الصبر، ولا دعامة من الأنفة، ولا اصطبار على المرارة. وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الربّانيين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتّسعون في أحوالهم، ويوسّعون على غيرهم من سعتهم، وكانوا يهتمّون بذخائر الشكر المعجّل في الدنيا، ويحرصون على ودائع الأجر المؤجّل في الأخرى، ويتلذّذون بالثناء، ويهتزّون للدعاء، وتملكهم الأريحيّة عند مسألة المحتاج، وتعتريهم الهزّة معها والابتهاج وذلك لعشقهم الثناء الباقي، والصنيع الواقي، ويرون الغنيمة في الغرامة، والرّبح في البذل، والحظّ في الإيثار، والزيادة في النقص، أعني بالزيادة: الخلف المنتظر من الله، وبالنقص: العطاء، ورأيت الناس يعيبون ابن العميد حين قال: أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك قال: ولو كان هذا صحيحا كان لا ينبغي أن يكتسب المال، لأنّه ليس في ترك كسبه أكثر من إخراجه بالإنفاق. هذا لقولهم بحكمته وعقله وتحصيله، وصواب الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ العاقل. نعم، وكانوا إذا ولوا عدلوا، وإذا ملكوا أفضلوا، وإذا أعطوا أجزلوا، وإذا سئلوا أجابوا وإذا جادوا أطابوا، وإذا عالوا صبروا، وإذا نالوا شكروا، وإذا أنفقوا واسوا، وإذا امتحنوا تأسّوا، وكانوا يرجعون إلى نقائب ميمونة، وإلى ضرائب «١» مأمونة، وإلى ديانات قويّة، وأمانات ثخينة، وكان لهم مع الله أسرار طاهرة، وعلانية مقبولة، ومع عباد الله معاملة جميلة، ورحمة واسعة ومعدلة فاشية، وكانت تجارتهم في العلم والحكمة، وعادتهم جارية على الضّيافة والتّكرمة، وكانت شيمتهم الصفح والمغفرة وربحهم من هذه الأحوال النجاة والكرامة في الأولى والعاقبة، وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير، وتناهوا عن الشرّ، وتنافسوا في اتّخاذ الصنائع، وادّخار البضائع (أعني صنائع الشكر، وبضائع الأجر) . فذهب هذا كلّه، وتاه أهله، وأصبح الدّين وقد أخلق لبوسه، وأوحش مأنوسه،

стр. 38

واقتلع مغروسه، وصار المنكر معروفا، والمعروف منكرا، وعاد كلّ شيء إلى كدره وخاثره، وفاسده وضائره، وحصل الأمر على أن يقال: فلان خفيف الرّوح، وفلان حسن الوجه، وفلان ظريف الجملة، حلو الشّمائل، ظاهر الكيس، قويّ الدّست «١» في الشّطرنج، حسن اللّعب في النّرد، جيّد في الاستخراج، مدبّر للأموال، بذول للجهد، معروف بالاستقصاء لا يغضي عن دانق، ولا يتغافل عن قيراط، إلى غير ذلك مما يأنف العالم من تكثيره، والكاتب من تسطيره. وهذه كلّها كنايات عن الظلم والتجديف، والخساسة والجهل وقلّة الدّين وحبّ الفساد، وليس فيها شيء ممّا قدّمنا وصفه عن القوم الّذين اجتهدوا أن يكونوا خلفاء الله على عباد الله بالرأفة والرّقّة والرحمة والاصطناع والعدل والمعروف. وأرجع عن هذه الشّكيّة الطويلة اللّاذعة والبليّة العامّة الشاملة، إلى عين ما رسمت لي ذكره، وكلّفتني إعادته، عائذا بالله في صرف الأذى عنّي وسوق الخير إليّ، ولائذا بكرمك الّذي رشتني به إلى الساعة، وكفيتني به مؤونة الخدمة لغيرك من هذه الجماعة، والأعمال بخواتيمها، والصّدور بأعجازها، وأنت أولى الناس بالصّفح والتجاوز عنّي إذا عرفت براءتي في كلّ ما يتعلّق بي من ذمامك، ويجب عليّ من الحقّ في مودّتك، والاعتصام بحبلك والانتجاع «٢» من عشبك، والارتغاء من لبنك.

стр. 39

الليلة الأولى وصلت أيّها الشيخ- أطال الله حياتك- أوّل ليلة إلى مجلس الوزير- أعزّ الله نصره، وشدّ بالعصمة والتوفيق أزره- فأمرني بالجلوس، وبسط لي وجهه الّذي ما اعتراه منذ خلق العبوس، ولطّف كلامه الّذي ما تبدّل منذ كان لا في الهزل ولا في الجدّ، ولا في الغضب ولا في الرضا. ثم قال بلسانه الذّليق، ولفظه الأنيق: قد سألت عنك مرّات شيخنا أبا الوفاء، فذكر أنّك مراع لأمر البيمارستان من جهته، وأنا أربأ بك عن ذلك، ولعلّي أعرّضك لشيء أنبه من هذا وأجدى، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس، ولأتعرّف منك أشياء كثيرة مختلفة تردّد في نفسي على مرّ الزمان، لا أحصيها لك في هذا الوقت، لكنّي أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض، فأجبني عن ذلك كلّه باسترسال وسكون بال، بملء فيك، وجمّ خاطرك، وحاضر علمك، ودع عنك تفنّن البغداديّين ... «١» مع عفو لفظك، وزائد رأيك، وربح ذهنك، ولا تجبن جبن الضّعفاء، ولا تتأطّر تأطّر الأغبياء «٢» ، واجزم إذا قلت، وبالغ إذا وصفت، واصدق إذا أسندت، وافصل إذا حكمت، إلّا إذا عرض لك ما يوجب توقّفا أو تهاديا، وما أحسن ما قال الأوّل: لا تقدح الظّنّة في حكمه ... شيمته عدل وإنصاف يمضي إذا لم تلقه شبهة ... وفي اعتراض الشكّ وقّاف وقد قال الأوّل: أبالي البلاء وإنّي امرؤ ... إذا ما تبيّنت لم أرتب وكن على بصيرة أنّي سأستدلّ ممّا أسمعه منك في جوابك عمّا أسألك عنه على صدقك وخلافه، وعلى تحريفك وقرافه. فقلت: قبل كلّ شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد منّي فإنّي إن منعته نكلت، وإن نكلت قلّ إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد،

стр. 40

وقد طمعت بالنّفاق» وانقلبت بالخيبة، وقد عقدت خنصري على المسألة. فقال- حرس الله روحه-: قل- عافاك الله- ما بدا لك، فأنت مجاب إليه ما دمت ضامنا لبلوغ إرادتنا منك، وإصابة غرضنا بك. قلت: يؤذن لي في كاف المخاطبة، وتاء المواجهة، حتّى أتخلّص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض، وأركب جدد القول من غير تقيّة ولا تحاش ولا محاوشة ولا انحياش. قال: لك ذلك، وأنت المأذون فيه، وكذلك غيرك، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة؟ إن الله تعالى- على علوّ شأنه، وبسطة ملكه، وقدرته على جميع خلقه- يواجه بالتاء والكاف، ولو كان في الكناية بالهاء رفعة وجلالة وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد لكان الله أحقّ بذلك ومقدّما فيه، وكذلك رسوله ﷺ والأنبياء قبله- ﵈ وأصحابه- ﵃ والتابعون لهم بإحسان- رحمة الله عليهم- وهكذا الخلفاء، فقد كان يقال للخليفة: يا أمير المؤمنين أعزّك الله، ويا عمر أصلحك الله، وما عاب هذا أحد، وما أنف منه حسيب ولا نسيب، ولا أباه كبير ولا شريف، وإنّي لأعجب من قوم يرغبون عن هذا وشبهه، ويحسبون أن في ذلك ضعة أو نقيصة أو حطّا أو زراية، وأظن أنّ ذلك لعجزهم وفسولتهم «٢» ، وانخزالهم وقلّتهم وضؤولتهم، وما يجدونه من الغضاضة في أنفسهم، وأن هذا التكلّف والتجبّر يمحوان عنهم ذلك النقص، وذلك النقص ينتفي بهذا الصلف، هيهات، لا تكون الرياسة حتّى تصفو من شوائب الخيلاء، ومن مقابح الزّهو والكبرياء. فقلت: أيّها الوزير، قد خالطت العلماء، وخدمت الكبراء وتصفّحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، فما سمعت هذا المعنى من أحد على هذه السّياقة الحسنة والحجّة الشافية والبلاغ المبين، وقد قال بعض السلف الصالح: «ما تعاظم أحد على من دونه إلّا بقدر ما تصاغر لمن فوقه» . والتصاغر دواء النفس، وسجيّة أهل البصيرة في الدنيا والدين، ولذلك قال ابن السمّاك للرشيد- وقد عجب من رقّته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته-: «يا أمير المؤمنين، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك، وإني أظنّ أنّ دمعتك هذه قد أطفأت أودية من النار وجعلتها بردا وسلاما» . قال: هذا باب مفترق فيه، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهيّ، سيّما إذا كان من خطرات العقل، قد خدم بالصواب في نغمة ناغمة، وحروف متقاومة، ولفظ عذب،

стр. 41

ومأخذ سهل، ومعرفة بالوصل والقطع، ووفاء بالنثر والسّجع، وتباعد من التكلّف الجافي، وتقارب في التلطّف الخافي، قاتل الله ذا الرّمّة حيث يقول: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وكنت أنشد أيّام الصّبا هذا بالذال، وكان ذلك من سوء تلقين المعلّم، وبالعراق ردّ عليّ وقيل: هو بالزاي، وقد أجاد القطاميّ أيضا وتغزّل في قوله: فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي قلت: ولهذا قال خالد بن صفوان حين قيل له: أتملّ الحديث؟ قال: إنّما يملّ العتيق، والحديث معشوق الحسّ، بمعونة العقل، ولهذا يولع به الصبيان والنساء. فقال: وأيّ معونة لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم؟ قلت: ههنا عقل بالقوّة وعقل بالفعل، ولهم أحدهما وهو العقل بالقوّة، وههنا عقل متوسّط بين القوّة والفعل مزمع، فإذا برز فهو بالفعل، ثم إذا استمرّ العقل بلغ الأفق، ولفرط الحاجة إلى الحديث ما وضع فيه الباطل، وخلط بالمحال ووصل بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل وتحقيق، مثل (هزار أفسان) «١» وكلّ ما دخل في جنسه من ضروب الخرافات، والحسّ شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث، لأنّه قريب العهد بالكون، وله نصيب من الطّرافة. ولهذا قال بعض السّلف: «حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة الدّثور» ، كأنّه أراد اصقلوها واجلوا الصّدأ عنها، وأعيدوها قابلة لودائع الخير، فإنها إذا دثرت- أي صدئت، أي تغطّت، ومنه الدّثار الّذي فوق الشّعار- لم ينتفع بها، والتعجّب كلّه منوط بالحادث، وأما التعظيم والإجلال فهما لكلّ- ما قدم: إمّا بالزمان، وإمّا بالدهر، ومثال ما يقدم بالزمان الذهب والياقوت وما شابههما من الجواهر الّتي بعد العهد بمبادئها، وسيمتدّ العهد جدا إلى نهاياتها، وأمّا ما قدم بالدهر، فكالعقل والنفس والطبيعة، فأمّا الفلك وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة، ومناطقه الخفيّة، فقد أخذت من الدهر صورة إلهيّة، وأحدثت فيما سلف منها صورة زمانيّة. فقال: بقي أن يتّصل به نعت العتيق والخلق. فكان من الجواب أنّ العتيق يقال على وجهين: فأحدهما يشار به إلى الكرم والحسن والعظمة، وهذا موجود في قول العرب: «البيت العتيق» ، والآخر يشار به إلى قدم من الزمان مجهول. فأمّا قولهم: «عبد عتيق» ، فهو داخل في المعنى الأوّل، لأنّه أكرم بالعتق، وارتفع عن العبوديّة، فهو كريم. وكذلك «وجه عتيق» لأنّه أعتقته الطبيعة من الدّمامة والقبح. وكذلك «فرس عتيق» .

стр. 42

وأمّا قولهم: «هذا شيء خلق» ، فهو مضمّن معنيين: أحدهما يشار به إلى أنّ مادّته بالية، والآخر أنّ نهاية زمانه قريبة. وكان ابن عبّاد قال لكاتبه مرّة- أعني ابن حسولة- في شيء جرى ... «نعم، العالم عتيق ولكن ليس بقديم» أي لو كان قديما لكان لا أوّل له، ولمّا كان عتيقا كان له أوّل، ومن أجل هذا الاعتقاد وصفوا الله تعالى بأنّه قديم، واستحسنوا هذا الإطلاق. وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق، فقالوا: ما وجدنا هذا في كتاب الله- ولا كلام نبيّه- ﷺ ولا في حديث الصحابة والتابعين. وسألت أبا سعيد السّيرافيّ الإمام: هل تعرف العرب أنّ معنى القديم ما لا أوّل له؟ فقال: هذا ما صح عندنا عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم، إلّا أنهم يقولون: «هذا شيء قديم» و «بنيان قديم» ويسرّحون وهمهم في زمان مجهول المبدأ. فقال: قد مرّ في كلامك شيء يجب البحث عنه، ما الفرق بين الحادث والمحدث والحديث؟ فكان من الجواب أنّ الحادث ما يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلّق بالذي كان عنه محدثا. والحديث كالمتوسّط بينهما مع تعلّق بالزمان ومن كان منه. وههنا شيء آخر، وهو الحدثان والحدثان، فأما الأول فكأنه لما هو «١» مضارع للحادث، وأما الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط، لأنه يقال: «كان كذا وكذا في حدثان ما ولي الأمير» ، أي في أوّل زمانه، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادث والحوادث. «وفلان حدث ملوك» كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك واحد. قال: «ما الفرق بين حدث وحدث» ؟ قلت: لا فرق بينهما إلا من وجهة أنّ حدث تابع لقدم، لأنه يقال: أخذه ما قدم وما حدث، فإذا قيل لإنسان: حدّث يا هذا. فكأنه قيل له: صل شيئا بالزمان يكون به في الحال، لا تقدّم له من قبل. ثم رجعت فقلت: ولفوائد الحديث ما صنّف (أبو زيد) رسالة لطيفة الحجم في المنظر، شريفة الفوائد في المخبر، تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة والتجربة في الأخبار والأحاديث، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها. وهي حاضرة. فقال: احملها واكتبها، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث. قلت: السمع والطاعة. ثم رويت أنّ عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه: قد قضيت الوطر من كلّ شيء إلّا من محادثة الإخوان في الليالي الزّهر، على التّلال العفر. وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال: والله إنّي لأشتري ليلة من

стр. 43

ليالي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تحرّيك وشدّة تحفّظك وتنزّهك؟ فقال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير، إنّ في المحادثة تلقيحا للعقول، وترويحا للقلب، وتسريحا للهمّ، وتنقيحا للأدب. قال: صدق هذا الإمام في هذا الوصف، إن فيه هذا كلّه. قلت: وسمعت أبا سعيد السيرافيّ يقول: سمعت ابن السّرّاج يقول: دخلنا على ابن الروميّ في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا قوله: ولقد سئمت مآربي ... فكأنّ أطيبها خبيث إلّا الحديث فإنّه ... مثل اسمه أبدا حديث وقال سليمان بن عبد الملك: «قد ركبنا الفاره، وتبطّنّا الحسناء، ولبسنا اللّين، وأكلنا الطيّب حتى أجمناه «١» ، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج منّي إلى جليس يضع عني مؤونة التحفّظ ويحدّثني بما لا يمجّه السمع، ويطرب إليه القلب» . وهذا أيضا حقّ وصواب، لأنّ النفس تملّ، كما أنّ البدن يكلّ، وكما أن البدن إذا كلّ طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملّت طلبت الرّوح وكما لابد للبدن أن يستمدّ ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة للنّصب والضجر، كذلك لابدّ للنفس من أن تطلب الرّوح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس، ولهذا يرى بالعين، كما أن النفس لطيفة البدن، ولهذا لا توجد إلّا بالعقل، والنفس صفاء البدن، والبدن كدر النفس. فقال: أحسنت في هذه الروايات على هذه التوشيحات وأعجبني ترحّمك على شيخك أبي سعيد، فما كلّ أحد يسمح بهذا في مثل هذا المقام، وما كل أحد يأبه لهذا الفعل، هات ملحة الوداع حتى نفترق عنها، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون الحديث. قلت: حدّثنا ابن سيف الكاتب الراوية، قال: رأيت جحظة قد دعا بنّاء ليبني له حائطا، فحضر، فلمّا أمسى اقتضى البنّاء الأجرة، فتماكسا «٢» وذلك أنّ الرجل طلب عشرين درهما، فقال جحظة: إنّما عملت يا هذا نصف يوم وتطلب عشرين درهما؟ قال: أنت لا تدري، إنّي قد بنيت لك حائطا يبقى مائة سنة، فبينما هما كذلك وجب الحائط وسقط، فقال جحظة: هذا عملك الحسن؟ قال: فأردت أن يبقى ألف سنة؟ قال: لا، ولكن كان يبقى إلى أن تستوفي أجرتك. فضحك- أضحك الله سنّه-.

стр. 44

الليلة الثانية ثم حضرت ليلة أخرى، فقال: أوّل ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقيّ كيف كان كلامه فينا، وكيف كان رضاه عنّا ورجاؤه بنا، فقد بلغني أنّك جاره ومعاشره، ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره، وحافظ غاية خبره. فقلت: والله أيّها الوزير، ما أعرف اليوم ببغداد- وهي الرّقعة الفسيحة الجامعة، والعرصة «١» العريضة الغاصّة- إنسانا أشكر لك، وأحسن ثناء عليك، وأذهب في طريق العبوديّة معك، منه، ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء الصالح، رفعه الله إليه، والثناء الطيّب أشاعه الله، وقد عمل رسالة في وصفك ذكر فيها ما آتاك الله وفضّلك به من شرف أعراقك، وكرم أخلاقك وعلوّ همّتك، وصدق حدسك وصواب رأيك، وبركة نظرك، وظهور غنائك، وخصب فنائك، ومحبّة أوليائك، وكمد أعدائك، وصباحة وجهك، وفصاحة لسانك، ونبل حسبك، وطهارة غيبك، ويمن نقيبتك، ومحمود شيمتك، ودقيق ما أودع الله فيك وجليل ما نشر الله عنك، وغريب ما يرى منك، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العليّة، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده- إن شاء الله- وكان هذا منه قياما بالواجب، فإنك نعشت روحه وكان خفت، وبصّرته وكان عشي، وأنبتّ جناحه وكان قد حصّ، وبالرسم الذي وصل إليه لأنه كان قنط منه وهو قنوط، وسمعته يقول مرارا: من يذكرني وقد مضى الملك- رضوان الله عليه- ومن يخلفه في مصلحتي، ويجري على عادته معي؟ ومن يسأل عنّي، ويهتمّ بحالي؟ هيهات، فقد والله بالأمس من يطول تلفّتنا إليه ويدوم تلهّفنا عليه، إنّ الزمان بمثله لبخيل، كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال، وملتقى القفّال، ومحقّق الأقوال والأفعال، ومجري لجم الأحوال على غاية الكمال، كان والله فوق المتمنّى، وأعلى من أن يلحق به نظير، أو يوجد له مماثل، لذّته لمح في تهذيب الأمور، وهواه وقف على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير، ولولا أن عمر الفتى الأريحيّ قصير، لكنّا لا نبتلي بفقده، ولا نتحرّق على فوت ما كان لنا بحياته، الدنيا ظلوم، والإنسان فيها مظلوم.

стр. 45

فلمّا وصل إليه ذلك الرّسم- وهو مائة دينار- وحاجته ماسّة إلى رغيف، وحوله وقوّته قد عجزا عن أجرة مسكنه، وعن وجه غدائه وعشائه عاش. وممّا زاد في حديث الرسم أنّه وصل إليه مع العذر الجميل، والوعد العريض الطويل، ولو رأيته وهو يترفّل ويتحنّك لعجبت. فقال: سررتني لسروره بما كان منّي، وإن عشت كففت الزمان عن ضيمه، وفللت عنه حدّ نابه، ولولا الضّمانة «١» مانعة عن نفسه، ومتمنّع معها بنفسه، لغشي هذا المجلس فيكم فاستأنس وآنس، ولكنّه على حال لا محتمل له عليها، ولا صبر عليه معها، أتحفظ ما قال البديهيّ فيه؟ قلت: نعم، قال: أنشدنيه، فرويت: أبو سليمان عالم فطن ... ما هو في علمه بمنتقص لكن تطيّرت عند رؤيته ... من عور موحش ومن برص وبابنه مثل ما بوالده ... وهذه قصّة من القصص فقال: قاتله الله، فلقد أوجع وبالغ، ولم يحفظ ذمام العلم، ولم يقض حق الفتوّة. حدّثني عن درجته في العلم والحكمة، وعرّفني محلّه فيهما من محلّ أصحابنا ابن زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى بن عدي وعيسى بن عليّ. فقلت: وصف هؤلاء أمر متعذّر، وباب من الكلفة شاقّ، وليس مثلي من جسر عليه، وبلغ الصواب منه، وإنما يصفهم من نال درجة كلّ واحد منهم، وأشرف بعد ذلك عليهم، فعرف حاصلهم وغائبهم، وموجودهم ومفقودهم. فقال: هذا تحايل لا أرضاه لك، ولا أسلمه في يدك، ولا أحتمله منك، ولم أطلب إليك أن تعرّفهم بما هو معلوم الله منهم، وموهبه لهم، ومسوقه إليهم، ومخلوعه عليهم، على الحدّ الذي لا مزيد فيه ولا نقص، إنما أردت أن تذكر من كلّ واحد ما لاح منه لعينيك، وتجلّى لبصيرتك، وصار له به صورة في نفسك، فأكثر وصف الواصفين للأشياء على هذا يجري، وإلى هذا القدر ينتهي. فقلت: إذا قنع مني بهذا، فإني أخدم بما عندي، وأبلغ فيه أقصى جهدي. أما شيخنا أبو سليمان فإنه أدقّهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدّرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة من العجمة وقلّة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز.

стр. 46

وأما ابن زرعة فهو حسن الترجمة، صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، محمود النقل إلى العربيّة، جيّد الوفاء بكلّ ما جلّ من الفلسفة، ليس له في دقيقها منفذ، ولا له من لغزها مأخذ، ولولا توزّع فكره في التجارة، ومحبّته في الربح، وحرصه على الجمع، وشدّته على المنع، لكانت قريحته تستجيب له، وغائمته تدرّ عليه، ولكنّه مبدّد مندّد، وحبّ الدنيا يعمي ويصمّ. وأمّا ابن الخمار ففصيح، سبط الكلام، مديد النّفس، طويل العنان مرضيّ النقل، كثير التدقيق، لكنه يخلط الدّرّة بالبعرة ويفسد السمين بالغثّ، ويرقع الجديد بالرّثّ، ويشين جميع ذلك بالزّهو والصّلف ويزيد في الرقم والسّوم، فما يجديه من الفضل يرتجعه بالنقص، وما يعطيه باللّطف يستردّه بالعنف، وما يصفيه بالصواب، يكدّره بالإعجاب. ومع هذا يصرع في كل شهر مرّة أو مرّتين. وأمّا ابن السمح، فلا ينزل بفنائهم، ولا يسقى من إنائهم، لأنه دونهم في الحفظ والنقل والنظر والجدل، وهو بالمتّبع أشبه، وإلى طريقة الدعيّ أقرب، والذي يحطّه عن مراتبهم شيئان: أحدهما بلادة فهمه، والآخر حرصه على كسبه، فهو مستفرّغ محّ «١» البال مأسور العقل، يأخذ الدانق والقيراط والحبّة والطّسّوج والفلسف بالصروف والوزن والتطفيف، والقلب متى لم ينقّ من دنس الدنيا لم يعبق بفوائح الحكمة، ولم يتضرّج بردع الفلسفة، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة المفضية إلى سعادة الآخرة. وأما القومسيّ أبو بكر، فهو رجل حسن البلاغة، حلو الكناية، كثير الفقر العجيبة، جمّاعة للكتب الغريبة، محمود العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة، كثير التردّد في الدراسة، إلّا أنّه غير نصيح في الحكمة، لأنّ قريحته ترابيّة، وفكرته سحابيّة، فهو كالمقلّد بين المحققين، والتابع للمتقدّمين، مع حبّ للدنيا شديد، وحسد لأهل الفضل عتيد. وأما مسكويه، ففقير بين أغنياء، وعييّ بين أبيناء، لأنّه شاد، وأنا أعطيته في هذه الأيّام (صفو الشرح لإيساغوجي) وقاطيغورياس، من تصنيف صديقنا بالرّيّ. قال: ومن هو؟ قلت: أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامريّ، وصحّحه معي، وهو الآن لائذ بابن الخمار، وربما شاهد أبا سليمان وليس له فراغ، ولكنه محسّ في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من قبل. فقال: يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من كان عنده وهذا حظّه! قلت: قد كان هذا، ولكنّه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيّب الكيمائيّ الرازيّ، مملوك الهمّة في طلبه والحرص على إصابته مفتونا بكتب أبي زكرياء،

стр. 47

وجابر بن حيّان، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع تقطيع الوقت في حاجاته الضروريّة والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق، ولقد قطن العامريّ الرّيّ خمس سنين جمعة، ودرس وأملى وصنّف وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة، حتى كأنّه بينه وبينه سدّ، ولقد تجرّع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ بفمه حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ذلك كلّه. وبعد فهو ذكيّ حسن الشّعر نقيّ اللفظ، وإن بقي فعساه يتوسط هذا الحديث، وما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء، وإنفاق زمانه وكدّ بدنه وقلبه في خدمة السلطان، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة، نعوذ بالله من مدح الجود باللسان، وإيثار الشّحّ بالفعل، وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل، وهذا هو الشقاء المصبوب على هامة من بلي به، والبلاء المعصوب بناصية من غلب عليه. وأما عيسى بن عليّ، فله الذّرع الواسع والصّدر الرحيب في العبارة، حجّة في النقل والترجمة، والتصرّف في فنون اللغات، وضروب المعاني والعبارات، وقد تصفّح ما لم يتصفّح كثير من هذه الجماعة، وقلّب بخزائن الكبراء والسادات، وأعين بالعمر الطويل والفراغ المديد، ولكنّه مع هذا الفضل الكثير بخيل بكلمة واحدة، ونصيح على ورقة فارغة، لسودائه الغالبة عليه، ومزاجه المتشيّط بها. وأمّا نظيف، فإنه متوسّط، لا يسفل عن أقلّهم حظّا ولا يعلو على أكثرهم نصيبا، ويده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه رفق وحذق في الجدل. وأمّا يحيى بن عديّ، فإنّه كان شيخا ليّن العريكة فروقة «١» ، مشوّه الترجمة، رديء العبارة، لكنه كان متأتّيا «٢» في تخريج المختلفة وقد برع في مجلسه أكثر هذه الجماعة، ولم يكن يلوذ بالإلهيات، كان ينبهر فيها ويضلّ في بساطها، ويستعجم عليه ما جلّ، فضلا عما دقّ منها، وكان مبارك المجلس. فقال: ما قصرت في وصف هذه الطائفة، وتقريب البغية التي كانت داخلة في نفسي منهم. حدّثني عن مذاهبهم في النفس وما يقولون فيها، وإلى أين ينتهون من يقينهم بشأنها، وكيف ثقتهم ببقائها بعد فناء أبدانها؟ فقلت: علمت أنّي لا أجد ما أريد من حديث النفس عند أصحابنا الباقين، أعني أبا الوفاء عليّ بن يحيى السامريّ والصّيمري والقوهيّ والصوفيّ وغلام زحل

стр. 48

والصاغانيّ، وكذلك غيرهم أعني ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش وابن قوسين والحرّانيّ، لأن هؤلاء ليسوا يحرثون هذه الأرض، ولا يرقمون هذا البزّ ولا يجهّزون هذا المتاع ولا يتعاملون به، هذا ينظر في المرض والصحة والداء والدواء، وهذا يعتبر الشمس والقمر، وليس فيهم من يذكر كلمة في النفس والعقل والإله، حتى كأنّه محظور عليهم، أو قبيح عندهم. وقلت: إنّ هؤلاء القوم- أعني الطائفة الأولى- متفقون في الاعتراف بأنها جوهر باق خالد، فأما اليقين فما الحكم به لهم، لأنهم لو كانوا على ذلك- أعني واجدين لليقين ذائقين لحلاوته- لما كدحوا للدنيا التي تزول عنهم ويزولون عنها مضطرّين، فلو أنهم كانوا على ثلج من النفس، ويقظة من العقل، واستبصار من القلب، وسكون من البرهان، لما تعجّلوا هذه اللّذّات المنقوصة، والأوطار الفاضحة، والشهوات الخسيسة، مع التّبعات الكثيرة والأوزار الثقيلة، ولا عجب فإنه إذا كانت الرّكاكة العائقة تمنع الإنسان من العدو والسّفر، ومن سرعة الخطو، لأن الحركة قد بطلت بالرّكاكة الداخلة عليه في أعضائه وآلاته، فأيّ عجب من أن تكون النفس التي استعبدتها الشهوات الغالبة، والعقيدة الرديئة، والأفعال القبيحة معوقة ممنوعة من الصعود إلى معانق الفلك ومخارف النجوم وعالم الرّوح ومقعد الصدق ومقام الأمن ومحلّ الكرامة ومراد الخلد وبلد الأبد ومعان السرمد. قال: هذا كلام تامّ، وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ عنهم فيها لكن تمّم لي ما كنّا فيه، كيف علم أبي سليمان بالنّجوم وأحكامها؟ قلت: لا يتجاوز التقويم. ثم قال: فما تقول في الأحكام؟ قلت: أنشدت منذ أيّام: علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب حقّ لا ينال محال وقلت أيضا: علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن يكون مدركا مكشوفا مخاطبا به معروفا، ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطّرحا مجهولا، بل الحكمة توجب أن يتوسّط هذا الفنّ بين الإصابة والخطأ حتّى لا يستغنى عن اللّياذ بالله أبدا، ولا يقع اليأس من قبله أبدا، وعلى هذا سخّر الله الإنسان وقيّضه وخيّره بين الأمور وفوّضه، ومنع من الثقة والطمأنينة إلا في معرفته وتوحيده وتقديسه وتمجيده، والرجوع إليه، انظر إلى حديث الطب فإنّ هذه الصناعة توسّطت الصواب والخطأ، لتكون الحكمة سارية فيها، واللطف معهودا بها، لأن الطب كما يبرأ به العليل، قد يهلك معه العليل، فليس بسبب أن بعض المدبّرين بالطب هلك لا ينبغي أن ينظر في الطب، وليس بسبب أن بعض المرضى برأ بالطب وجب أن يعوّل عليه، انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ليكون التدبير الإلهيّ والأمر الرّبوبيّ نافذين في هذه الخلائق بوساطة ما

стр. 49

بينه وبينها، ولتكون المصلحة بالغة غايتها، وهذه سياسة دار الفناء، الجامعة لسكّانها على البأساء والنعماء، وهكذا، فانظر إلى حديث البحر وركوب البأس المتيقّن فيه، وجوب الطول والعرض وإصابة الربح، وطلب العلم، كيف توسّط بين السلامة والعطب، والنجاة والهلكة، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من يغرق ويهلك، لكان في ذلك مفسدة عامّة، ولو استمرّت الهلكة حتى لا يوجد من يسلم وينجو، لكان في ذلك مفسدة عامّة، فالحكمة إذا ما توسّط هذا الأمر حتى يشكر الله من ينجو ويسلم نفسه لله من يهلك. قلت: وبعد هذا فهذا العلم عويص غامض عميق، وقد فقد العلماء به، الملهمون فيه؛ ومعوّل أهله على الحدس والظّنّ، وعلى بعض التجارب القديمة التي تكذب مرّة وتصدق مرّة، وبالصدق يعتبر الإنسان، وبالكذب يعرى من فوائده، فالنقص قد دخله، والخلل قد شمله، وليس يجب أن يوهب له زمان عزيز، فوراءه ما هو أهمّ منه وأجدر وأرشد وأهدى. قال: هذا حسن، حدّثني بالذي أفدت اليوم. قلت: قال أبو سليمان: العلم صورة المعلوم في نفس العالم، وأنفس العلماء عالمة بالفعل، وأنفس المتعلّمين عالمة بالقوة. والتعليم هو إبراز ما بالقوّة إلى الفعل. والتعلّم هو بروز ما هو بالقوة إلى الفعل. والنفس الكليّة عالمة بالفعل، والنفس الجزئية عالمة بالقوّة، وكلّ نفس جزئيّة تكون أكثر معلوما وأحكم مصنوعا فهي أقرب إلى النفس الكليّة تشبّها بها، وتصيّرا لها. قال: هذا في الحسن نهاية، وقد اكتهل الليل، وهذا يحتاج إلى بدء زمان، وتفريغ قلب، وإصغاء جديد. هات خاتمة المجلس. قلت له: قرأنا يوم الجمعة على أبي عبيد الله المرزبانيّ لعبد الله بن مصعب: إذا استمتعت منك بلحظ طرفي ... حيي نصفي ومات عليك نصفي تلذّذ مقلتي ويذوب جسمي ... وعيشي منك مقرون بحتفي فلو أبصرتني والليل داج ... وخدّي قد توسّط بطن كفّي ودمعي يستهلّ من المآقي ... إذا لرأيت ما بي فوق وصفي وانصرفت.

стр. 50

الليلة الثالثة قال لي ليلة أخرى: حدّثني أبو الوفاء عنك حديث الخراسانيّ، فأريد أن أسمعه منك. قلت: كنت قائما عشية على زنبرية «١» الجسر في الجانب الشرقي والحاجّ يدخلون، وجمالهم قد سدت عرض الجسر- أنتظر جوازها وخفّة الطريق منها، فرأيت شيخا من أهل خراسان ذكر لي أنّه من أهل سنجان واقفا خلف الجمال يسوقها، ويحفظ الرحال الّتي عليها، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى الجذع عليه ابن بقيّة- وكان وزيرا صلبه الملك لذنوب كانت له- فقال: لا إله إلا الله، ما أعجب أمور الدنيا وما أقلّ المفكّر في عبرها وغيرها، عضد الدولة تحت الأرض وعدوّه فوق الأرض! قال: هكذا حدّثني أبو الوفاء، ولذلك استأذنت في دفنه، وكان كلام الشيخ سببا في ذلك. قال: بلغني أن أبا سليمان يزور في أيام الجمعة رسل سجستان لمّا «٢» ويظلّ عندهم طاعما ناعما، ويأنس بأنك معه، فمن يحضر ذلك المكان؟ فقلت: جماعة، وآخر من كان في هذا الأسبوع الماضي ابن جبلة الكاتب، وابن برمويه، وابن الناظر أبو منصور وأخوه، وأبو سليمان وبندار المغنّي وغزال الراقص، وعلم وراء الستارة. فقال: ما الذي حفظت من حديث عنهم، وما يجوز أن يلقى إلينا منهم؟ فقلت: سمعت أشياء، ولست أحبّ أن أسم نفسي بنقل الحديث وإعادة الأحوال فأكون غامزا وساعيا ومفسدا. قال: معاذ الله من هذا، إنّما تدلّ على رشد وخير، وتضلّ عن غيّ وسوء، وهذا يلزم كلّ من آثر الصلاح الخاصّ والعامّ لنفسه وللناس، واعتقد الشفقة، وحثّ على قبول النصيحة، والنبيّ ﷺ قد سمع مثل هذا وسأل عنه، وكذلك الخلفاء بعده، وكلّ أحد محتاج إلى معرفة الأحوال إذا رجع إلى مرتبة عالية أو محطوطة. فقلت: وجدت ابن برموية: يذكر أشياء هي متعلّقة بجانبك، ويرى أنها لو لم تكن

стр. 51

لكان مجلسك أشرف، ودولتك أعزّ، وأيّامك أدوم، ووليّك أحمد، وعدوّك أكمد. قال: ما هذا الاسترسال كلّه إلى ابن شاهويه؟ وما هذا الكلف ببهرام؟ وما هذا التعصّب لابن مكيخا؟ وما هذا السكون إلى ابن طاهر؟ وما هذا التعويل على ابن عبدان؟ وما من هؤلاء أحد إلّا يريش عدوّه ويبريه ويضلّ صاحبه ويغويه. أما ابن شاهويه فشيخ إزراء «١» وصاحب مخرقة «٢» وكذب ظاهر، كثير الإيهام، شديد التمويه، لا يرجع إلى ودّ صادق، ولا إلى عقد صحيح وعهد محفوظ، وإنّما كان الماضي يقرّبه لغرض كان له فيه من جهة هؤلاء المخرّبين القرامطة، وكان أيضا مذموم الهيئة، فكان لا ينبس إلا بما يقوّيه ويحرس حاله، واليوم هو رخيّ اللّبب «٣» ، جاذب لكلّ سبب، وليس هناك كفاية ولا صيانة ولا ديانة ولا مروءة، وبعد، فهو مشؤوم نكد، ثقيل الرّوح، شديد البهت قوله الإفساد وعادته تأجيل المهنأ والشماتة بالعاثر والتشفي من المنكوب. وأمّا بهرام فرجل مجوسيّ معجب ذميم، لا يعرف الوفاء ولا يرجع إلى حفاظ، غرضه أن يتبجّح في الدنيا بجاهه، ولا يبالي أين صار بعاقبته، وهو يحضّ «٤» مع ذلك عليه في كلّ ما هو مديره ومدبّره. وأما ابن مكيخا، فرجل نصرانيّ أرعن خسيس، ما جاء يوما بخير قطّ لا في رأي ولا في عمل ولا في توسّط، وأصحابنا يلقّبونه بقفا وهو منهمك بين اللذائذ، همّه أن يتحسّى دنّ الشراب في نفس أو نفسين، ثم يسقط كالجذع اليابس لا لسان ولا إنسان. وأما ابن طاهر فرجل يدّعي للناس أنّه لولا مكانته وكفايته وحسبه ورأيه ومشورته لكانت هذه الوزارة سرابا، وهذه المملكة خرابا، وهذا مع الشر الذي في طبعه وعادته، فإن جرى خير انتحله، وزعم أنه من نتائج رأيه، وإن وقع شرّ عصبه برأس صاحبه، وادّعى أنه استبدّ به، ومع هذا فهو يعيب هذه المراءاة. وما أدري كيف استكفى هذه الجماعة حوله؟ وكيف يظاهر «٥» هو بها ويسكن إليها؟ وما فيهم إلّا من وكده الرجس والإفساد والأخذ بالمصانعة وإغراء الأولياء بما يعود بالوبال على البريء والسقيم وعلى الزكيّ والطّنين، هؤلاء سباع ضارية، وكلاب عاوية، وعقارب لسّاعة، وأفاع نهّاشة، وقى الله هذا الإنسان الحرّ المبارك الكريم

стр. 52

الرحيم، فإنه شريف النفس طاهر الطّويّة، ليّن العريكة، كثير الديانة، وهذه أخلاق لا تصلح اليوم مع الناس، قال الشاعر «١» : ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم وقال: ومن لا يذد عن حوضه النّاس أو يكن ... له جانب يشتدّ إن لان جانب يطأ حوضه المستور دون وتغشه ... شوائب لا تبقى عليها النقائب وما ضاع قولهم: لا تكن حلوا فتؤكل، ولا مرّا فتعاف. ليس الحذر يقي فكيف التهوّر، أههنا لحى تسحب كلّ يوم، وطوارق تتوقّع كلّ ليلة! والتوكّل والاستسلام يليقان بأهل الدّين في طلب الآخرة، فأمّا أصحاب الدنيا وأرباب المراتب، فيجب أن يدعوا الهوينا جانبا، ويشمرّوا للنفع والضّر، والخير والشرّ ويكون ضرّهم أكثر، وشرّهم أغلب، ورهبوت خير من رحموت. ولهذا قال الأعرابي: أنا الغلام الأعسر ... الخير فيّ والشّر والشرّ فيّ أكثر وهذا معنى بديع، ولم يرد أنّ البداءة بالشرّ خير من الخير، وإنما أراد أنّي أتّقي بالشر، وإذا أقبل الشرّ قلت له: مرحبا، وأدفع الشرّ ولو بالشر، والحديد بالحديد يفلح «٢» . وقد قال الآخر: وفي الشرّ نجاة حى ... ن لا ينجيك إحسان وقال ابن دارة: إذا كنت يوما طالب القوم فاطّرح ... مقالتهم واذهب بهم كلّ مذهب وقارب بذي حلم وباعد بجاهل ... جلوب عليك الشرّ من كلّ مجلب فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ... ليستمسكوا ممّا يريدون فاحدب وإن حلبوا خلفين فاحلب ثلاثة ... وإن ركبوا يوما لك الشر فاركب وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد- وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء والزكانة- «لو أخذت من الناس مائة ألف، كان أرضى عنّي من أن أفرّق فيهم مائة ألف» . كان الناس بالأمس مزمومين مخطومين، يقوم كل واحد بنفسه على نفسه،

стр. 53

ويتّهم غده لما جناه في أمسه، لأن الملك السعيد ساسهم، وقوّم زيغهم، وقلّم أظفارهم، وشغلهم بالحاجة عن البطر والأشر، وبالكفاية عن القلق والضجر، وتقدّم إليهم بترك الخوض فيما لا مرجوع له بخير، وكانوا لا يشكرون الله على نعمته عليهم به، وإحسانه إليهم بمكانه، فسلبوه فتنفّس خناقهم، واتسع نطاقهم، فامتطى كلّ واحد هواه، ويوشك أن يقع في مهواه. قال: وههنا أشياء أخرى غير هذه، ولكن من يسمع ويقبل؟ ومع هذا فالأمور صائرة إلى مصايرها، كما أنّها صادرة عن مصادرها. فقال له ابن جبلة: ما عندي إلا أن الوزير- أبقاه الله- عارف بهم ومستبطن لأمرهم، مع العشرة القديمة، والملابسة المتصلة، والخبرة الواقعة، ولكن لابدّ لمن كان في محلّه ورفعته من جماعة يقرّبهم، ويرجع إليهم ويسمع منهم، وينظر بأعينهم، ويصغي بآذانهم، ويتناول بأيديهم. فقال له مجاوبا: إن كان عارفا بهم، ومستبطنا لأمرهم، وخبيرا بشأنهم، فلم سلّطهم وبسطهم، وحدّد أنيابهم، وقوّى أسنانهم، وفتح أشداقهم، وطوّل أعناقهم وقطّع أرباقهم، وأبطرهم فأسكرهم، حتى صاروا يجهلون أقدارهم، وينسون ما كانوا فيه من القلّة والذلّة؟ هلّا رتّب كلّ واحد منهم فيما تظهر به كفايته ولا يرفعه إلى ما يظن معه الظّنّ الفاسد، ولم يضحك في وجوههم، ويغضي على جنايتهم؟ أما بلغه أنّ ابن يوسف قال: تشبّثه بابن شاهويه لأنّه قد أعدّه للهرب إلى القرامطة إن دهمه أمر؟ وأنسه ببهرام إنما هو لاستمداد الفساد منه، وتقديمه لابن طاهر للسرقة على يده، وفرحه بابن مكيخا للسخرية به، وتقريبه لابن الحجّاج للسّخف، ولهجه بابن هارون للهزء واللّعب. قال له ابن جبلة: من أراد أن يحسّن القبيح عند رضاه، ويقبّح الحسن عند سخطه فعل، ولا يخلو أحد تهبّ ريحه، ويعلو شأنه، وينفذ أمره ونهيه من حاسد وقارف، ومدخل «١» ومرجف، على هذه الأمور بنيت الدار، وعليها جرت الأقدار، إن كنت تنكر هذا الرهط، فاعرف له الرهط الآخر، فإنّك تعرف بذلك حسن اختياره وجميل انتقائه ومحمود رأيه. قال: من هم؟ قال: أبو الوفاء المهندس، وابن زرعة المتفلسف، وابن عبيد الكاتب، ومسكويه، والأهوازيّ والعسجدي. فأين هؤلاء الغامطة؟ «٢» قوم همّهم أن يأكلوا رغيفا ويشربوا قدحا، لا هم ممن يقتبس من علمهم ولا هم يتكلفون له نصحا، وهيبته

стр. 54

تعوقهم عن ذكر شيء في الدولة من تلقائهم إلا أن يكون شيء يتعلّق بهم على معنى خاصّ، فهو ينود «١» هكذا وهكذا حتى يبلغ منهم ما قدر عليه. فلما سمع الوزير هذا كلّه قال: سألقي إليك في جواب هذه المسألة ما تخدمني به إن لاقيتهم في مجلس آخر على وجه يخفي أنك له ملقّن محمّل كأنّك ساه عنه غير حافل به، وقد تقطّع الليل، ويحتاج في هذا الحديث إلى استئناف زمان، بعد استيفاء جمام. ثم أنشدت قول الشاعر: إني لأصفح عن قومي وألبسهم ... على الضغائن حتى تبرأ المئر ثم قال: ما المئر؟ قلت: هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت، واحدها مئرة، كأنه أراد وألبسهم على الضغائن [حتى تبرأ الضغائن] فرجع من لفظ إلى لفظ ضرورة القافية لمّا كان معناهما واحدا، قال: لمن هذا البيت؟ قلت: لا أحفظ اسم شاعره، ولكن أحفظ معه أبياتا. قال: هاتها، فأنشدت أوّل ذلك: يأيّها الرجل المزجي أذيّته ... هل أنت عن قولك العوراء مزدجر إني إذا عدّ مبطاء إلى أمد ... لا يستطيع حضاري المقرف البطر لاقى قناتي مصرارا عشوزنة «٢» ... لا قادح قد تبغّاها ولا خور إني لأصفح عن قومي وألبسهم ... على الضغائن حتى تبرأ المئر قال: اكتبها. قلت: أفعل، وانصرفت، فما أعاد عليّ بعد ذلك شيئا مما كان.

стр. 55

الليلة الرابعة قال لي بعد ذلك في ليلة أخرى: كيف رضاك عن أبي الوفاء؟ قلت: أرضى رضا بأتمّ شكر وأحمد ثناء، أخذ بيدي، ونظر في معاشي، ونشّطني وبشّرني، ورعى عهدي، ثم ختم هذا كلّه بالنعمة الكبرى، وقلّدني بها القلادة الحسنى، وشملني بهذه الخدمة، وأذاقني حلاوة هذه المزيّة، وأوجهني عند نظرائي. قال: هات شيئا من الغزل. فأنشدته: كلانا سواء في الهوى غير أنّها ... تجلّد أحيانا وما بي تجلّد تخاف وعيد الكاشحين وإنما ... جنوني عليها حين أنهى وأبعد ثمّ قال: غالب ظنّي أن نصرا غلام خواشاذه ما هرب من فنائي إلا برأيك وتجسيرك، فإنّ ذلك عبد، ولا جرأة له على مثل هذا النّدود والشّذوذ، فقد قال لي القائل: إنّك من خلصانه. فقلت: والله الّذي لا إله إلّا هو ما كان بيني وبينه ما يقتضي هذا الأنس وهذا الاسترسال، إنما كنا نلتقي على زنبرية «١» باب الجسر بالعشايا وعند البيمارستان وعلى باب أبي الوفاء، وإنما ركنت إليه لمرقّعته وتاسومته عند ما كنت رأيته عند صاحبه بالرّيّ سنة تسع وستين وهو متوجه إلى قابوس بجرجان، في المذلّة الدائمة والحال المربوطة، ولو نبس لي بحرف من هذا، أو كنت أشعر بأقلّ شيء منه، لكنت أقوله لأبي الوفاء قضاء لحقّه، ووفاء بما له في عنقي من مننه وخوفا من هذا الظنّ بي، وقصورا عن اللائمة لي. قال: أفما تعرف أحدا تسأله عنه ممن كان يخالطه ويباسطه؟ قلت: ما رأيته إلا وحده، وكم كان زمان التلاقي؟ كان أقلّ من شهر، أفي هذا القدر يتوكّد الأنس وترتفع الحشمة وتستحكم الثقة ويقع الاسترسال والتشاور؟ هذا بعيد. قال: هذا المتخلّف كنت قد قرّبته ورتّبته، ووعدته ومنيّته، وتقدمت إلى أبي الوفاء بالإقبال عليه، والإحسان إليه، وإذكاري بأمره في الوقت بعد الوقت، حتى أزيده نباهة وتقديما، فترك هذا كلّه وطوى الأرض كأنّه هارب من حبس، أو خائف

стр. 56

من عذاب. ويقال في الأثر: إن بعض الصّفيحيّين «١» قال: لله قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، ما أكثر من يفرّ من هذه الكرامة، ويقوى- على ترف جمّ- على الهوان، ويصبر على البلاء، ويقلق في العافية! إنّ السجايا لمختلفة، وإنّ الطباع لمتعادية، قلّما يرى شخصان يتشاكلان في الظاهر إلّا يتباينان في الباطن. قلت: كذلك هو. قال: حدّثني لم امتنعت من النفوذ مع ابن موسى إلى الجبل فيما رسمنا له أن يتوجّه فيه؟ ولقد أطلت التعجّب من هذا وكرّرته على أبي الوفاء. فقلت: منعني من ذلك ثلاثة أشياء: أحدها أن ابن موسى لم يكن من شكلي ولا أشدّ للضدّ هونا من مصاحبة الضّد، لأنّه سوداويّ وجعد. والآخر أنّه قيل: ينبغي أن تكون عينا عليه، وأنا لو قررت لك الحديث لما رأيته لائقا بحالي، فكيف إذا قرنت برجل باطليّ لو مرّ بوهمه أمري لدهدهني من أعلى جبل في الطريق. والآخر أنّي كنت أفد مع هذا كله على ابن عبّاد- وهو رجل أساء إليّ وأوحشني، وحاول على لسان صاحبه ابن شاهويه أن أنقلب إليه ثانيا، وكنت أكره ذلك، وما كنت آمن ما يكون منه ومنّي، والمجنون المطاع، مهروب منه بالطباع. وبعد، فليس لي حاجة في مثل هذه الخدمة، لأن صدر العمر خلا منّي عاريا من هذه الأحوال، وكان وسطه أضعف حملا، وأبعد من القيام به والقيام عليه. فقال: ما كان عندي هذا كلّه. قال: إنّي أريد أن أسألك عن ابن عبّاد فقد انتجعته وخبرته وحضرت مجلسه، وعن أخلاقه ومذهبه وعادته، وعن علمه وبلاغته، وغالب ما هو عليه، ومغلوب ما لديه، فما أظنّ أنّي أجد مثلك في الخبر عنه، والوصف له، على أنّي قد شاهدته بهمذان لمّا وافى، ولكنّي لم أعجمه، لأن اللّبث كان قليلا، والشغل كان عظيما، والعائق كان واقعا. فقلت: إنّي رجل مظلوم من جهته، وعاتب عليه في معاملتي، وشديد الغيظ لحرماني، وإن وصفته أربيت منتصفا، وانتصفت منه مسرفا، فلو كنت معتدل الحال بين الرضا والغضب، أو عاريا منهما جملة، كان الوصف أصدق، والصدق به أخلق، على أني عملت رسالة في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتها نفسي الغزير، ولفظي الطويل والقصير، وهي في المسوّدة ولا جسارة لي على تحريرها، فإنّ جانبه مهيب، ولمكره دبيب، وقد قال الشاعر: إلى أن يغيب المرء يرجى ويتّقى ... ولا يعلم الإنسان ما في المغيّب

стр. 57

قال: دع هذا كلّه، وانسخ لي الرسالة من المسوّدة، ولا يمنعنّك ذاك فإنّ العين لا ترمقها والأذن لا تسمعها واليد لا تنسخها. وبعد، فما سألتك إلا وصفه بما جبل عليه، أو بما كسب هو بيديه من خير وشرّ، وهذا غير منكر ولا مكروه، لأمر الله تعالى، فإنّه مع علمه الواسع، وكرمه السابغ، يصف المحسن والمسيء، ويثني على هذا وينثو «١» على ذاك، فاذكر لي من أمره ما خفّ اللفظ به وسبق الخاطر إليه وحضر السبب له. قلت: إنّ الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان، قد نتف من كل أدب خفيف أشياء، وأخذ من كلّ فنّ أطرافا، والغالب عليه كلام المتكلّمين المعتزلة، وكتابته مهجّنة بطرائقهم، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتّاب، وهو شديد التعصّب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطّبّ والتنجيم والموسيقى والمنطق والعدد، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر، ولا له فيه عين ولا أثر، وهو حسن القيام بالعروض والقوافي، ويقول الشّعر، وليس بذاك، وفي بديهته غزارة. وأما رويّته فخوّارة، وطالعه الجوزاء، والشّعرى قريبة منه، ويتشيّع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزّيديّة، ولا يرجع إلى الرقّة والرأفة والرحمة، والناس كلّهم محجمون عنه، لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته، شديد العقاب طفيف الثواب، طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطي كثيرا قليلا (أعني يعطي الكثير القليل) ، مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب، بعيد الفيئة قريب الطّيرة، حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سار إلى أهل الكفاية، أمّا الكتّاب والمتصرّفون فيخافون سطوته، وأمّا المنتجعون فيخافون جفوته، وقد قتل خلقا، وأهلك ناسا، ونفى أمّة، نخوة وتعنّتا وتجبّرا وزهوا، وهو مع هذا يخدعه الصبيّ، ويخلبه الغبيّ، لأنّ المدخل عليه واسع، والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: مولانا يتقدّم بأن أعار شيئا من كلامه، ورسائل منثوره ومنظومه، فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلّا لأستفيد كلامه وأفصح به، وأتعلّم البلاغة منه، لكأنّما رسائل مولانا سور قرآن، وفقره فيها آيات فرقان، واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان، فسبحان من جمع العالم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص. فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهى عن كلّ مهمّ له، وينسى كلّ فريضة عليه ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الورق والورق ويسهّل له الإذن عليه، والوصول إليه، والتمكّن من مجلسه، فهذا هذا. ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجّم، ويقول: قد نحلتك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من

стр. 58

الهمج المنشدين. فيفعل أبو عيسى- وهو بغداديّ محكّك «١» قد شاخ على الخدائع وتحنّك- وينشد، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه ووصفه بلسانه، ومدحه من تحبيره: أعد يا أبا عيسى، فإنّك- والله- مجيد زه يا أبا عيسى والله، قد صفا ذهنك، وزادت قريحتك، وتنقّحت قوافيك، ليس هذا من الطّراز الأوّل حين أنشدتنا في العيد الماضي، مجالسنا تخرّج الناس وتهب لهم الذكاء، وتزيد لهم الفطنة، وتحوّل الكودن «٢» عتيقا، والمحمّر جوادا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلّا بجائزة سنيّة، وعطيّة هنيّة، ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم، لأنّهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا. قال يوما: من في الدار؟ فقيل له: أبو القاسم الكاتب وابن ثابت، فعمل في الحال بيتين، وقال لإنسان بين يديه: إذا أذنت لهذين فادخل بعدهما بساعة وقل: «قد قلت بيتين، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت» وازعم أنّك بدهت بهما، ولا تجزع من تأفّفي بك، ولا تفزع من نكري عليك، ودفع البيتين إليه، وأمره بالخروج إلى الصحن، وأذن للرّجلين حتى وصلا، فلما جلسا وأنسا دخل الآخر على تفيئتهما، ووقف للخدمة، وأخذ يتلمّظ يري أنّه يقرض شعرا، ثم قال: يا مولانا، قد حضرني بيتان، فإن أنت أذنت لي أنشدت. قال: أنت إنسان أخرق سخيف، لا تقول شيئا فيه خير، اكفني أمرك وشعرك. قال: يا مولانا، هي بديهتي، فإن نكرتني ظلمتني، وعلى كلّ حال فاسمع، فإن كانا بارعين وإلّا فعاملني بما تحبّ. قال: أنت لجوج، هات. فأنشد: يأيّها الصاحب تاج العلا ... لا تجعلنّي نهزة الشامت بملحد يكنى أبا قاسم ... ومجبر يعزى إلى ثابت قال: قاتلك الله، لقد أحسنت وأنت مسيء. قال لي أبو القاسم: فكدت أتفقّأ غيظا، لأنّي علمت أنها من فعلاته المعروفة، وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا. ثم حدّثني الخادم الحديث بنصّه. والذي غلّطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه، أنّه لم يجبه قطّ بتخطئة، ولا قوبل بتسوئة، ولا قيل له: أخطأت أو قصّرت أو لحنت أو غلطت أو أخللت، لأنّه نشأ على أن يقال له: أصاب سيّدنا، وصدق مولانا، ولله درّه، ولله بلاؤه، ما رأينا مثله، ولا سمعنا من يقاربه، من (ابن عبدكان) مضافا إليه؟ ومن (ابن ثوابة) مقيسا عليه؟ ومن (إبراهيم بن العباس) الصّوليّ [إذا جمع بينهما؟] من (صريع الغواني) من (أشجع السّلميّ) إذا سلك طريقهما، ومتح برشائهما، وقدح بزندهما؟ قد استدرك مولانا على (الخليل) في العروض، وعلى (أبي عمرو بن

стр. 59

العلاء) في اللّغة وعلى (أبي يوسف) في القضاء، وعلى (الإسكافيّ) في الموازنة، وعلى (ابن نوبخت) في الآراء والدّيانات، وعلى (ابن مجاهد) في القراءات، وعلى (ابن جرير) في التفسير، وعلى (أرسطوطاليس) في المنطق، وعلى (الكنديّ) في الجزء «١» ، وعلى (ابن سيرين) في العبارة، وعلى (أبي العيناء) في البديهة، وعلى (ابن أبي خالد) في الخطّ، وعلى (الجاحظ) في الحيوان، وعلى (سهل بن هارون) في الفقر، وعلى (يوحنّا) في الطبّ، وعلى (ابن ربن) في الفردوس، وعلى (عيسى بن دأب) في الرواية، وعلى (الواقديّ) في الحفظ، وعلى (النّجار) في البدل، وعلى (ابن ثوابة) في التفقّه، وعلى (السّريّ السّقطيّ) في الخطرات والوساوس، وعلى (مزبّد) في النوادر، وعلى (أبي الحسن العروضيّ) في استخراج المعمّى، وعلى (بني برمك) في الجود، وعلى (ذي الرياستين) في التدبير، وعلى (سطيح) في الكهانة، وعلى (ابن المحيّا خالد بن سنان العبسيّ) في دعواه، هو والله أولى بقول (أبي شريح أوس بن حجر التميميّ) في (فضالة بن كلدة) : الألمعيّ الّذي يظنّ بك الظنّ ... كأن قد رأى وقد سمعا قد يسبق المدح إلى من لا يستحقّه، ويصير المال إلى من لا يليق به أن يكون ميّلا «٢» حتى إذا وجد من كان لذلك مستحقا منحه ووفّر عليه. فتراه عند هذا الهذر وأشباهه يتلوّى ويتبسّم، ويطير فرحا ويتقسّم ويقول: ولا كذا، ثمرة السّبق لهم، وقصّرنا أن نلحقهم، أو نقفو أثرهم ونشقّ غبارهم أو نرد غمارهم. وهو في كل ذلك يتشاكى ويتحايل، ويلوي شدقه، ويبتلع ريقه، ويردّ كالآخذ، ويأخذ كالمتمنّع، ويغضب في عرض الرضا، ويرضى في لبوس الغضب، ويتهالك ويتمالك، ويتقابل ويتمايل، ويحاكي المومسات، ويخرج في أصحاب السماجات، ومع هذا كلّه يظنّ أن هذا خاف على نقّاد الأخلاق وجهابذة الأحوال، والذين قد فرّغهم الله لتتبّع الأمور، واستخراج ما في الصدور، واعتبار الأسباب، وذلك أنه ليس بجيّد العقل، ولا خالص الحمق، وكلّ كدر بالتركيب فقلّما يصفو، وكل مركّب على الكدر فقلّما يعتدل، إلا أن الانحراف متى كان إلى جانب العقل كان أصلح من أن يكون إلى طرف الحمق، والكامل عزيز، والبريء من الآفات معدوم، إلّا أنّ العليل إذا قيّض الله له طبيبا حاذقا رفيقا ناصحا كان إلى العافية أقرب، وللشفاء أرجى، ومن العطب أبعد، وبالاحتياط أعلق، أعني أنّ العاقل إذا عرف من نفسه عيوبا معدودة، وأخلاقا مدخولة، استطبّ لها عقله، وتطبّب فيها بعقله، وتولّى تدبيرها برأيه ورأي خلصانه، فنفى ما أمكن نفيه، وأصلح ما قبل إصلاحه، وقلّل ما استطاع تقليله،

стр. 60

فقد يجد الإنسان الرّمص في عينه فينحّيه، ويبتلى بالبرص في بدنه فيخفيه. وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به، وتعويله عليه، وقلّة سماعه من الناصح فيه، فعذر بازدهاء المال والعلم والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق الجلساء والعادة الغالبة، وهو في الأصل مجدود «١» لا جرم ليس يقلّه مكان دلالا وترفا، وعجبا وتيها وصلفا، واندراء» على الناس، وازدراء للصغار والكبار، وجبها للصادر والوارد، وفي الجملة، صغار آفاته كبيرة، وذنوبه جمّة. ولكنّ الغنى ربّ غفور قال: ما صدر هذا البيت؟ فأنشدته الأبيات، وهي لعروة بن الورد في الجاهليّة، وكان يقال له عروة الصعاليك، لأنّه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا: ذريني للغني أسعى فإنّي ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النّديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور فقال: لا شكّ أنّ المسوّدة جامعة لهذا كلّه. قلت: تلك تجزّع في دست كاغد فرعونيّ. فقال: أجد تحريرها، وعليّ بها، ولك الضّمان ألّا يراها إنسان، ولا يدور بذكرها لسان. قلت: السمع والطاعة. قال: قد تركنا من حديثه ما هو أولى مما مرّ بنا، كيف بلاغته من بلاغة ابن العميد؟ وأين طريقته من طريقة ابن يوسف والصابي؟ قلت: قد سألت جماعة عن هذا، فأجابني كل واحد بجواب إذا حكيته عنه كان ما يقال فيه ألصق، وكنت من الحكم عليه وله أبعد. قال: صف هذا. قلت: سألت ابن عبيد الكاتب عن ابن عبّاد في كتابته فقال: يرتفع عن المتعلّمين فيها بدرجة أو بدرجتين. وقال عليّ بن القاسم: هو مجنون الكلام، تارة تبدو لك منه بلاغة قسّ، وتارة يلقاك بعيّ باقل، تحريف كثير في المعاني، وإحالة في الوضع، وغلط في السّجع، وشرود عن الطبع. وقال ابن المرزبان: هو كثير السرقة، سيّئ الإنفاق، رديء القلب والعكس، فروقة «٣»

стр. 61

في إيراده، هزيمته قبل هجومه. وإحجامه أظهر من إقدامه. وقال الصابي: هو مجتهد غير موفّق، وفاضل غير منطّق ولو خطا كان أسرع له، كما أنّه لمّا عدا كان أبطأ عليه، وطباع الجبليّ مخالف لطباع العراقيّ، يثب مقاربا فيقع بعيدا، ويتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا. وقال عليّ بن جعفر: ممّ كانت الطبائع! هو يكذب نفسه بحسن الظنّ في البلاغة، وطباعه تصدق عنه بالتخلّف، فهو يشين اللفظ ويحيل المعنى، فأما شينه اللفظ فبالجفوة والغلظة والإخلال والفجاجة، وأمّا إحالته فبالإبعاد عن حومة القصد والإرادة، والعجب أنه يحفظ الطّمّ والرّمّ «١» من النثر والنظم، ثم إذا ادّعاهما يقع دونهما سقوطا، أو يتجاوزهما فروطا، هذا مع الكبر الممقوت والتشيّع الظاهر، والدعوى العارية من البيّنة العادلة. وأما أحسن ما كتب به أحمد بن إسماعيل بن الخطيب إلى آخر: الكبر- أعزّك الله- معرض يستوي فيه النّبيه ذكرا، والخامل قدرا، ليس أمامه حاجب يمنعه، ولا دونه حاجز يحظره، والناس أشدّ تحفّظا على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبّعا لمعايبه، وتصفّحا لأخلاقه، وتنقيرا عن خصاله منهم عن خامل لا يعبأ به، وساقط لا يكترث له، فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذنب يكبر منه، وقليل الذمّ يسرع إليه، ولابن هند وفي هذا المعنى: العيب في الرجل المذكور مذكور ... والعيب في الخامل المستور مستور كفوفة الظّفر تخفى من مهانتها ... ومثلها في سواد العين مشهور وقال الزّهيري: قد نجم بأصبهان ابن لعبّاد في غاية الرقاعة والوقاحة والخلاعة وإن كان له يوم، فسيشقى به قوم. سمعته يقول هذا سنة اثنتين وخمسين في مجلس من الفقهاء. وقال ابن حبيب: قال بعض الحكماء: إن للنفس أمراضا كأمراض البدن إلا أن فضل أمراض النفس على أمراض البدن في الشرّ والضرر كفضل النفس على البدن في الخير، وصاحبنا- يعني ابن عبّاد- مريض عندنا، صحيح عند نفسه، زيف بنقدنا، جيّد بنقده، ولو قامت السّوق على ساقها، وتناصف المتعاملون فيها، ولم يقع إكراه في أخذ ولا إعطاء، عرف البهرج «٢» الذي ضرب خارج الدار والجيّد الذي ضرب داخل الدار. وقال أحمد بن محمد: إذا أنصفنا التزمنا مزيّة العراقيّين علينا بالطبع اللطيف والمأخذ القريب، والسّجع الملائم، واللفظ المونق، والتأليف الحلو، والسّبوطة

стр. 62

الغالبة، والموالاة المقبولة في السّمع، الخالبة للقلب العابثة بالروح، الزائدة في العقل، المشعلة للقريحة، الموقوفة على فضل الأدب، الدالّة على غزارة المغترف، النائية عن عادة كثير من السلف والخلف، وابن عبّاد بلي في هذه الصناعة بأشياء كلّها عليه لا له، وخاذلته لا ناصرته، ومسلمته لا منقذته، فأوّل ما بلي به أنّه فقد الطبع، وهو العمود، والثاني العادة وهي المؤاتية، والثالث الشغف بالجاسي «١» من اللفظ وهو الاختيار الرديء، والرابع تتبّع الوحشيّ، وهو الضلال المبين، والخامس الذّهاب مع اللفظ دون المعنى، والسادس استكراه المقصود من المعنى، واللفظ على النّبوة، والسابع التعاظل المجهول بالاعتراض، والثامن إلف الرسوم الفاسدة من غير تصفّح ولا فحص، والتاسع قلة الاتعاظ بما كان- للثقة الواقعة في النفس- من الفائت، والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العزّ، وهذه كلّها سبل الضلالة، وطرق الجهالة. قال: وليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظنّ بنفسه، والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تثقيف، والمستعين أحزم من المستبدّ، ومن تفرّد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص، وقد يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ، ويشرد اللفظ كما يندّ المعنى، وينتثر النظم كما ينتظم النثر وينحل المعقّد كما يعقّد المنحلّ. والمدار على اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع، واجتناب النّبوة الممجوجة بالسمع، والقريحة الصافية قد تكدر، والقريحة الكدرة قد تصفو، وشرّ آفات البلاغة الاستكراه، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو. وقال: كان ابن المقفّع يقف قلمه كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لأتخيّره. والكتاب يتصفّح أكثر من تصفّح الخطاب، لأن الكاتب مختار والمخاطب مضطرّ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنّما ينظر أصبت فيه أم أخطأت، وأحسنت أم أسأت، فإبطاؤك غير إصابتك كما أنّ إسراعك غير معفّ على غلطك. قال: هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا؟ قلت: في الجملة هو أبلغ من ابن يوسف، وأغزر وأحفظ وأروى وأجمّ ركيّة، وأعذب موردا، وأبعد من التفاوت، وليس ابن يوسف من ابن عبّاد في شيء. فأما ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل يقول: سمعت ابن ثوابة يقول: أوّل من أفسد الكلام أبو الفضل، لأنه تخيّل مذهب الجاحظ وظنّ أنّه إن تبعه لحقهّ، وإن تلاه أدركه، فوقع بعيدا من الجاحظ، قريبا من نفسه، ألا يعلم أبو الفضل أنّ مذهب

стр. 63

الجاحظ مدبّر بأشياء لا تلتقي عند كلّ إنسان ولا تجتمع في صدر كلّ أحد: بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ، وهذه مفاتح قلّما يملكها واحد، وسواها مغالق قلّما ينفكّ منها واحد. وأمّا ابنه ذو الكفايتين، فلو عاش كان أبلغ من أبيه، كما كان أشعر منه، ولقد تشبّه بالجاحظ فافتضح في مكاتبته لإخوانه، ومجانته في كلامه ومسائله لمعلّمه التي دلّتنا على سرقته وغارته وسوء تأتّيه، في تستّره وتغطّيه، ومن شاء حمّق نفسه، وكان مع هذا أشدّ الناس ادّعاء لكل غريبة، وأبعد الناس من كلّ قريبة، وهو نزر المعاني، شديد الكلف باللّفظ، وكان أحسد الناس لمن خطّ بالقلم، أو بلغ باللّسان، أو فلج في المناظرة، أو فكه بالنادرة، أو أغرب في جواب، أو اتّسع في خطاب، ولقد لقي الناس منه الدواهي لهذه الأخلاق الخبيثة، وقد ذكرت ذلك في الرسالة، وإذا بيّضت وقفت عليها من أوّلها إلى آخرها إن شاء الله، وانصرفت.

стр. 64

الليلة الخامسة قال لي ليلة أخرى: ألا تتمّم ما كنّا به بدأنا. قلت: بلى. فأما أبو إسحاق فإنّه أحبّ الناس للطريقة المستقيمة، وأمضاهم على المحجّة الوسطى، وإنما ينقم عليه قلّة نصيبه من النحو، وليس ابن عبّاد في النحو بذاك، ولا كان أيضا ابن العميد إلّا ضعيفا، وكان يذهب عنه الشيء اليسير. وأبو إسحاق معانيه فلسفيّة، وطباعه عراقيّة، وعادته محمودة، لا يثب ولا يرسب، ولا يكلّ ولا يكهم «١» ، ولا يلتفت وهو متوجّه، ولا يتوجّه وهو ملتفت. وقال لنا: إمامي ابن عبد كان، وهو قد أوفى عليه، وإن كان احتذى على مثاله، وفنونه أكثر، ومأخذه أخفى، وخاطره أوقد، وناظره أنقد، وروضه أنضر، وسراجه أزهر، ويزيد على كلّ من تقدّم بالكتاب «التاجيّ» ، فإنه أبان عن أمور وكنى في مواضع، وشنّ الغارة في الصبح المنير مع الرّعيل الأوّل، ودلّ على التفلسف، وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في الخطابة، وأعرق الكتّاب في الكتابة، هذا ونظمه منثوره، ومنثوره منظومه، إنّما هو ذهب إبريز كيفما سبك فهو واحد، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكّل عليه، هذا مع الظّرف الناصع والتواضع الحسن، واللهجة اللطيفة، والخلق الدّمث، والمعرفة بالزمان، والخبرة بأصناف الناس، وله فنون من الكلام ما سبقه إليها أحد، وما ماثله فيها إنسان. وإنّي لأرحم من لا يسلّم له هذا الوصف، لأنّه إمّا أن يكون جاهلا، وإما عالما، فإن كان جاهلا فهو معذور، وإن كان عالما فهو ملوم، لأنه يدل من نفسه- بدفع ما يعلمه- على حسده، والحاسد مهين. قال: هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم، ويدخل في زمرتهم؟ قلت: نعم، أبو طالب الجرّاحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ملك الدّيلم بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل، فحسده وطرده، وعضّ بعد ذلك على ناجذه ندما على سوء فعله، ولقي منه أبو طالب الأمرّين، ورسائله مبثوثة. وأبو الحسن الفلكيّ، وكان من أهل البصرة، ووقع إلى المراغة ونواحيها وهو حسن الدّيباجة، رقيق حواشي اللّفظ، وهو أحدّهم غربا، وأغزرهم سكبا، وأبعدهم مناخا وأعذبهم نقاخا «٢» ، وأعطفهم للأوّل على الآخر وأنشرهم للباطن من الظاهر. وقرأت له:

стр. 65

«فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطّف، إلى نادم متلّهف، ويجهل العفو عن فرطته وكفرانه، صدقة عن بسطته وسلطانه، فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار، فعل- إن شاء الله تعالى-» . وله مكاتبات واسعة بينه وبين رجل من أهل المراغة يقال له: محمد بن إبراهيم، من أهل (سرّ من رأى) وفي الجملة، الفضل في الناس مبثوث، وهم منه على جدود «١» ، والمرذول هو العاري من لبوسه، المتردّد بين تخلّفه ونقصه. قال: فكيف يتمّ له ما هو فيه مع هذه الصفات التي تذكرها؟ قلت: والله لو أنّ عجوزا بلهاء، أو أمة ورهاء «٢» أقيمت مقامه، لكانت الأمور على هذا السياق. قال: وكيف ذاك؟ قلت: قد أمن أن يقال له: لم فعلت، ولم لم تفعل؟ وهذا باب لا يتّفق لأحد من خدم الملوك إلّا بجدّ سعيد، ولقد نصح صاحبه الهرويّ في أموال تاوية «٣» ، وأمور من النظر عارية، فقذف بالرّقعة إليه حتى عرف ما فيها، ثم قتل الرافع خنقا. هذا وهو يدين بالوعيد، وله نظائر، ولنظائره نظائر، ولكن ليس له ناظر، ولا فيه مناظر. وقال لي الثقة من أصحابه: ربّما شرع في أمر يحكم فيه بالخطأ فيقلبه جدّه صوابا، حتى كأنّه عن وحي، وأسرار الله في خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفيّة في أستار الغيب، لا يهتدي إليها ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا وليّ مهذّب، ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضيّة العقل، لكان معلّما في مصطبة على شارع، أو في دار لتان «٤» ، فإنّه يخرّج الإنسان بتفيهقه وتشادقه، واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان ولا تنفّرهم من المعلّمين، ويكون فرحهم بها سببا للملازمة والحرص على التعلّم والحفظ والرواية والدراسة. قال: هذا قدر كاف إلى أن تبيّض الرسالة، هات ملحة الوداع. قلت: قال أبو العيناء: قال أبو دعلج: قال المهديّ: بايع، قلت: أبايعكم [علام؟ قال] : على ما بويع رسول الله ﷺ يوم صفّين. قال كردين أبو سيّار المسمعيّ: إن رسول الله ﷺ لم يدرك صفّين، إنما كانت صفّين بين عليّ ومعاوية. فقال درست بن رباط الفقيميّ أبو شعيب: قد علم الأمير هذا، ولكن أحبّ التسهيل على الناس، وانصرفت.

стр. 66

الليلة السادسة ثم حضرته ليلة أخرى فأول ما فاتح به المجلس أن قال: أتفضّل العرب على العجم أم العجم على العرب؟ قلت: الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند، وثلاث من هؤلاء عجم، وصعب أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع ما لها، وتفاريق ما عندها. قال: إنّما أريد بهذا الفرس. فقلت: قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي، أروي كلاما لابن المقفّع، وهو أصيل في الفرس عريق في العجم، مفضّل بين أهل الفضل، وهو صاحب (اليتيمة) القائل: تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام. قال: هات على بركة الله وعونه. قلت: قال شبيب بن شبّة: إنّا لوقوف في عرصة المربد- وهو موقف الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر- إذ طلع ابن المقفّع، فما فينا أحد إلّا هشّ له، وارتاح إلى مساءلته، وسررنا بطلعته، فقال: ما يقفكم على متون دوابّكم في هذا الموضع؟ فو الله لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي مثلكم ما أصاب أحدا سواكم، فهل لكم في دار ابن برثن في ظلّ ممدود، وواقية من الشمس، واستقبال من الشّمال، وترويح للدّوابّ والغلمان، ونتمهّد الأرض فإنّها خير بساط وأوطؤه، ويسمع بعضنا من بعض فهو أمدّ للمجلس، وأدرّ للحديث. فسارعنا إلى ذلك، ونزلنا عن دوابنا في دار ابن برثن نتنسّم الشّمال، إذ أقبل علينا ابن المقفّع، فقال: أيّ الأمم أعقل؟ فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد مقاربته، ونتوخّى مصانعته. فقال: كلّا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علّموا فتعلّموا، ومثّل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتّباعه، ليس لهم استنباط ولا استخراج. فقلنا له: الرّوم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما. قلنا: فالصّين. قال: أصحاب أثاث وصنعة، لا فكر لها ولا رويّة. قلنا: فالتّرك. قال: سباع للهراش. قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة. قلنا: فالزّنج. قال: بهائم هاملة. فرددنا الأمر إليه. قال: العرب. فتلاحظنا

стр. 67

وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منّا، وامتقع لونه، ثم قال: كأنّكم تظنّون فيّ مقاربتكم، فو الله لوددت أنّ الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبيّن لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنّة المداراة، وتوهّم المصانعة، إن العرب ليس لها أول تؤمّه ولا كتاب يدلّها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كلّ واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله، وعلموا أنّ معاشهم من نبات الأرض فوسموا كلّ شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير، ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا، وقيظيا وشتويا، ثم علموا أنّ شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغيّر الزمان فجعلوا له منازله من السنة، واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلّة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد، وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغّبهم في الجميل، ويتجنّبون به الدناءة ويحضّهم على المكارم، حتى إنّ الرجل منهم وهو في فجّ من الأرض يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئا، ويسرف في ذمّ المساوئ فلا يقصّر، ليس لهم كلام إلّا وهم يتحاضّون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد، كلّ واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلّمون ولا يتأدّبون، بل نحائز «١» مؤدّبة، وعقول عارفة، فلذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحّة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم. هذا آخر الحديث، قال: ما أحسن ما قال ابن المقفّع! وما أحسن ما قصصته وما أتيت به! هات الآن ما عندك من مسموع ومستنبط. فقلت: إن كان ما قال هذا الرجل البارع في أدبه المقدّم بعقله كافيا فالزيادة عليه فضل مستغنى عنه، وإعقابه بما هو مثله لا فائدة فيه. فقال: حدّ الوصف في التزيين والتقبيح مختلف الدلائل على ما يعتقد صوابه وخطؤه، متباين، وهذه مسألة- أعني تفضيل أمّة على أمّة- من أمّهات ما تدارأ الناس عليه وتدافعو فيه، ولم يرجعوا منذ تناقلوا الكلام في هذا الباب إلى صلح متين واتفاق ظاهر. فقلت: بالواجب ما وقع هذا، فإن الفارسيّ ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربيّ، ولا في جبلّة العربي وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ. وكذلك الهنديّ والروميّ والتركيّ والديلميّ، وبعد، فاعتبار الفضل والشرف موقوف على شيئين: أحدهما ما خص به قوم دون قوم في أيام النشأة بالاختيار للجيّد والرديء، والرأي الصائب والفائل، والنظر في الأوّل والآخر. وإذا وقف الأمر على هذا فلكلّ

стр. 68

أمّة فضائل ورذائل ولكلّ قوم محاسن ومساو، ولكلّ طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير، وهذا يقضي بأنّ الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضة بين كلّهم. فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللرّوم العلم والحكمة، وللهند الفكر والرويّة والخفّة والسّحر والأناة، وللتّرك الشجاعة والإقدام، وللزّنج الصبر والكدّ والفرح، وللعرب النّجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذّمام والخطابة والبيان. ثم إنّ هذه الفضائل المذكورة، في هذه الأمم المشهورة، ليست لكلّ واحد من أفرادها، بل هي الشائعة بينها، ثم في جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم بأضدادها، يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة، خال من الأدب، داخل في الرّعاع والهمج، وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طيّاش بخيل عييّ وكذلك الهند والرّوم وغيرهم، فعلى هذا إذا قوبل أهل الفضل والكمال من الرّوم بأهل الفضل والكمال من الفرس، تلاقوا على صراط مستقيم، ولم يكن بينهم تفاوت إلّا في مقادير الفضل وحدود الكمال، وتلك لا تخصّ بل تلمّ. وكذلك إذا قوبل أهل النقص والرذيلة من أمّة بأهل النقص والخساسة من أمّة أخرى، تلاقوا على نهج واحد، ولم يقع بينهم تفاوت إلّا في الأقدار والحدود، وتلك لا يلتفت إليها، ولا يعار «١» عليها، فقد بان بهذا الكشف أنّ الأمم كلّها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة، واختيار الفكرة. ولم يكن بعد ذلك إلّا ما يتنازعه الناس بينهم بالنسبة الترابيّة، والعادة المنشئيّة والهوى الغالب من النّفس الغضبيّة، والنّزاع الهائج من القوّة الشهويّة. وها هنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه والإيماء إليه، وهو أنّ كلّ أمّة لها زمان على ضدها، وهذا بيّن مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر، لمّا غلب وساس وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبّر وأمر، وحثّ وزجر، ومحا وسطّر، وفعل وأخبر، وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنو شروان وجدت هذه الأحوال بأعيانها، وإن كانت في غلف غير غلف الأوّل، ومعارض غير معارض المتقدّم، ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم شجعان. وقد صدق، وعلى هذا كلّ أمّة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق، وهذا الاعتبار ينساق من شيء عامّ لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمّة أمة إلى شيء حاو لطائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة،

стр. 69

إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاصّ بشخص شخص وإنسان إنسان، وهذا التحوّل من أمّة إلى أمّة، يشير إلى فيض جود الله تعالى على جميع بريّته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه الرّبوة بعين لا قذىّ بها، أبصر الحقّ عيانا بلا مرية، وأخبر عنه بلا فرية، ومتى صدق نظرك في مبادئ الأحوال وأوائل الأمور وضح لك هذا كلّه كالنهار إذا متع «١» ، واستنار كالقمر إذا طلع، ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحقّ وحصول الصواب، إلّا ما يلتاث بالهوى، ويسمج بالتعصّب، ويجلب اللّجاج، ويخرج إلى المحك «٢» ، فهناك يطيح المعنى ويضلّ المراد. فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي، فاسمع ما أرويه، قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: انصرف العبّاس بن مرداس السّلميّ من مكّة فقال: «يا بني سليم، إني رأيت أمرا، وسيكون خيرا، رأيت بني عبد المطلب كأنّ قدودهم الرّماح الرّدينيّة، وكأن وجوههم بدور الدّجنّة وكأن عمائمهم فوق الرجال ألوية، وكأنّ منطقهم مطر الوبل على المحل، وإن الله إذا أراد ثمرا غرس له غرسا، وإنّ أولئك غرس الله، فترقّبوا ثمرته وتوكّفوا غيثه، وتفيّئوا ظلاله، واستبشروا بنعمة الله عليكم به» . ولقد قرع العبّاس بهذا الكلام باب الغيب، وشعر بالمستور، وأحسّ بالخافي، واطّلع عقله على المستتر، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع، والحادث المتوقّع، وهذا شيء فاش في العرب، لطول وحدتها، وصفاء فكرتها، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها، وصحّة فطرتها، وخلاء ذرعها، واتّقاد طبعها، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها، وجولانها في اشتقاقاتها، ومآخذها البديعة في استعاراتها، وغرائب تصرّفها في اختصاراتها، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها، وفنون تبحبها في أكناف مقاصدها، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها، وهذا وأضعافه مسلّم لهم، وموفّر عليهم، ومعروف فيهم ومنسوب إليهم، مع الشجاعة والنّجدة والذّمام والضّيافة والفطنة والخطابة والحميّة والأنفة والحفاظ والوفاء، والبذل والسّخاء، والتّهالك في حبّ الثناء والنّكل الشديد عن الذم والهجاء، إلى غير ذلك ممّا خصّت به في جاهليّتها قبل الإسلام، ممّا لا سبيل إلى دفعه وجحوده، والبهت فيه، والمكابرة عليه، وقد سمعنا لغات كثيرة- وإن لم نستوعبها- من جميع الأمم، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب وأندلس والزّنج، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربيّة، أعني الفرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده بين حروفها، والمسافة الّتي بين مخارجها، والمعادلة التي نذوقها في

стр. 70

أمثلتها، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها، وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول، وصحّة هذا الحكم، فالحظ عرض اللّغات الّذي هو بين أشدّها تلابسا وتداخلا، وترادفا وتعاظلا وتعسّرا وتعوّصا، وإلى ما بعدها ممّا هو أسلس حروفا، وأرقّ لفظا، وأخفّ اسما، وألطف أوزانا، وأحضر عيانا، وأحلى مخرجا وأجلى منهجا وأعلى مدرجا، وأعدل عدلا، وأوضح فضلا، وأصحّ وصلا إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة، ثم تنتهي إلى العربية، فإنّك تحكم بأن المبدأ الذي أشرنا إليه في العوائص والأغماض، سرى قليلا قليلا حتى وقف على العربية في الإفصاح والإيماض. وهذا شيء يجده كلّ من كان صحيح البنية، بريئا من الآفة، متنزّها عن الهوى والعصبيّة، محبا للإنصاف في الخصومة، متحرّيا للحقّ في الحكومة، غير مسترقّ بالتقليد، ولا مخدوع بالإلف، ولا مسخّر بالعادة. وإنّي لأعجب كثيرا ممّن يرجع إلى فضل واسع، وعلم جامع، وعقل سديد، وأدب كثير، إذا أبى هذا الذي وصفته، وأنكر ما ذكرته، وأعجب أيضا فضل عجب من الجيهانيّ في كتابه وهو يسبّ العرب، ويتناول أعراضها ويحطّ من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضّباب والجرذان والحيّات ويتغاورون ويتساورون، ويتهاجون ويتفاحشون، وكأنّهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير. قال: ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب: «سكان شاه» ، أي ملك الكلاب. قال: وهذا لشدّة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها «١» ، وكلاما كثيرا من هذا الصّوب أرفع قدره عن مثله، وإن كان يضع من نفسه بفضل قوله. أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي، كلّ كسرى كان في الفرس، وكلّ قيصر كان في الروم، وكلّ بلهور كان بالهند، وكلّ بغفور كان بخراسان، وكلّ خاقان كان بالتّرك وكلّ أخشاد كان بفرغانة وكلّ صبهبذ كان من أسكنان وأردوان، ما كانوا يعدون هذه الأحوال، لأنّ من جاع أكل ما وجد، وطعم ما لحق، وشرب ما قدر عليه، حبّا للحياة، وطلبا للبقاء، وجزعا من الموت، وهربا من الفناء. أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبرّ (وبار) وسفوح طيبة، ورمل يبرين وساحة هبير، وجاع وعطش وعري، أما كان يأكل اليربوع والجرذان، وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر، وما أسن في تلك الوهدات؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسّمل من الثياب وما هو دونه وأخشن؟ بلى والله، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال، وكلّ ما حمض ومرّ، وخبث وضرّ، هذا جهل من قائله، وحيف من منتحله، على أن العرب- رحمك الله- أحسن الناس حالا

стр. 71

وعيشا إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء «١» ، وازدانت الأرض، فهدّلت الثمار، واطّردت الأودية، وكثر اللّبن والأقط والجبن واللّحم والرّطب والتّمر والقمح، وقامت لهم الأسواق، وطابت المرابع وفشا الخصب، وتوالى النّتاج، واتّصلت الميرة، وصدق المصاب وأرفغ «٢» المنتجع، وتلاقت القبائل على المحاضر، وتقاولوا وتضايفوا، وتعاقدوا وتعاهدوا، وتزاوروا وتناشدوا، وعقدوا الذّمم، ونطقوا بالحكم، وقروا الطّرّاق، ووصلوا العفاة، وزوّدوا السابلة، وأرشدوا الضّلّال، وقاموا بالحمالات «٣» وفكّوا الأسرى، وتداعوا الجفلى «٤» ، وتعافوا النّقرى «٥» ، وتنافسوا في أفعال المعروف، هذا وهم في مساقط رؤوسهم، بين جبالهم ورمالهم، ومناشئ آبائهم وأجدادهم، وموالد أهلهم وأولادهم، على جاهليّتهم الأولى والثانية، وقد رأيت حين هبّت ريحهم وأشرقت دولتهم بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملّة، وعزّت ملّتهم بالنبوّة، وغلبت نبوّتهم بالشّريعة، ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضّرت خلافتهم بالسياسة الدينيّة والدّنيويّة، كيف تحوّلت جميع محاسن الأمم إليهم وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه المناقب والمفاخر، وهذه النوادر من المآثر عفوا، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهوا رهوا، وهكذا يكون كلّ شيء تولّاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلّى مستحقّيه باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدّل لحكم الله، ولذلك قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦] . ولله في خلقه أسرار، تتصرّف بها دوائر الليل والنهار، وتذلّلها مجاري الأقدار، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار. عزّ إلها معبودا، وجلّ ربّا محمودا مقصودا. وبعد، فالّذي لا شكّ فيه من وصف العرب، ولا جاحد له من حالها، أنه ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون القفر، وينتجعون السحاب والقطر، ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها، ويستبدّون في مصالحهم بكلّ ما عزّ وهان، وبكلّ ما قلّ وكثر، وبكل ما سهل وعسر، ويرجون الخير من السماء في صوبها، ومن الأرض في نباتها، مع مراعاة الأوان بعد الأوان، وثقة بالحال بعد الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب، ما للعرب فيما قدّمنا وصفه، وكرّرنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب، واللّين والقسوة، والحرّ والبرد،

стр. 72

والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة، والمخايل الصادقة، والأنواء المحمودة والمذمومة، والأسباب الغريبة العجيبة. وهذا لأنّهم مع توحّشهم مستأنسون، وفي بواديهم حاضرون، فقد اجتمع لهم من عادات الحاضرة أحسن العادات، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق. وهذا المعنى على هذا النّظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر، لأن الدناءة والرّقّة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخبّ تغلب على هؤلاء وتملكهم، لأن مدار أمرهم على المعاملات السيّئة، والكذب في الحسّ، والخلف في الوعد. والعرب قد قدّسها الله عن هذا الباب بأسره، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته، ولهذا تجد أحدهم وهو في بتّ «١» حافيا حاسرا يذكر الكرم، ويفتخر بالمحمدة، وينتحل النّجدة، ويحتمل الكلّ «٢» ، ويضحك في وجه الضيف ويستقبله بالبشر، ويقول: أحدّثه إن الحديث من القرى. ثمّ لا يقنع ببثّ العرف وفعل الخير والصبر على النوائب حتى يحضّ الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه، ويستنهضه نحوه، ويكلّفه مجهوده وعفوه. وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل «٣» : أما تجد البرد يا أخا العرب؟ فقال: أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي. والفارسيّ لا يحسن هذا النّمط، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللّطيفة، وكذلك الروميّ والهنديّ وغيرهما من جميع العجم. وممّا يدلّ على تحضّرهم في باديتهم، وتبدّيهم في تحضّرهم، وتحلّيهم بأشرف أحوال الأمرين، أسواقهم التي لهم في الجاهليّة، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي النصف بين العراق والشأم، كان ينزلها الناس أوّل يوم من شهر ربيع الأول، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وكان يعشّرهم أكيدر دومة، وربما غلبت على السوق كلب فيعشّرهم «٤» بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر، ثم ينتقلون إلى سوق هجر، وهو المشقّر في شهر ربيع الآخر، فتقوم أسواقهم، وكان يعشّرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم، ثم يرتحلون نحو عمان، فتقوم سوقهم بديار دبا، ثم بصحار، ثمّ يرتحلون فينزلون إرم، وقرى الشّحر فتقوم أسواقهم أيّاما، ثم يرتحلون فينزلون عدن أبين، ومن سوق عدن تشترى اللطائم وأنواع الطّيب،

стр. 73

ولم يكن في الأرض أكثر طيبا، ولا أحذق صنّاعا للطّيب من عدن، ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت، ومنهم من يجوزها ويرد صنعاء، فتقوم أسواقهم بها، ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبرود، وكانت تجلب إليها من معافر، وهي معدن البرود والحبر ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر الحرم، فتقوم أسواقهم بها، فيتناشدون ويتحاجّون ويتحادّون، ومن له أسير يسعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم، وكان آخرهم الأقرع بن حابس، ثم يقفون بعرفة، ويقضون ما عليهم من مناسكهم، ثم يتوجهون إلى أوطانهم. وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة، فيحضرها من قرب من العرب ومن بعد. هذا حديثهم، وهم همل لا عزّ لهم إلا بالسّؤدد، ولا معقل لهم إلّا السّيف، ولا حصون إلّا الخيل، ولا فخر إلّا بالبلاغة. ثم لمّا ملكوا الدّور والقصور والجنان والأدوية والأنهار والمعادن والقلاع والمدن والبلدان والسهل والجبل والبرّ والبحر، لم يقعدوا عن شأو من تقدّم بآلاف سنين، ولم يعجزوا عن شيء كان لهم، بل أبرّوا عليهم وزادوا، وأغربوا وأفادوا، وهذا الحكم ظاهر معروف، وحاضر مكشوف، ليس إلى مردّه سبيل ولا لجاحده ومنكره دليل. فليستحي الجيهاني بعد هذا البيان والكشف والإيضاح، بالإنصاف من القذع والسّفه اللّذين حشا بهما كتابه، وليرفع نفسه عما يشين العقل، ولا تقبله حكّام العدل، وصاحب العلم الرصين، والأدب المكين، لا يسلّط خصمه على عرضه بلسانه، ولا يستدعي مرّ الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره، فإنّ العصبيّة في الحق ربّما خذلت صاحبها وأسلمته، وأبدت عورته، واجتلبت مساءته، فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمّة من الأمم جاحدين، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمّة من الأمم جاهلين. فإنّ جاحد الحقّ يدلّ من نفسه على مهانة، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور، فهذا هذا، وفي الجملة المسلّمة، والدعوة المرسلة، أنّ أهل البرّ وأصحاب الصّحارى الذين وطاؤهم الأرض، وغطاؤهم السماء، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول، ومن الترفّه والرفاهية أبعد، وبالحول والقوّة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع، وعلى المصالح والمنافع أوقع، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف، وهذا للدّواعي الظاهرة، والحاجات الضروريّة، والعلائق الحاضّة على الألفة والمودّة، والشدائد المؤدبة، والعوارض اللّازبة «١» ، ولهذا يقال: عيب الغنى أنّه يورث البلادة، وفضيلة الفقر أنّه يبعث الحيلة، وهذا معنىّ كريم، لا يقرّ به إلّا كلّ نقّاب عليم.

стр. 74

وقال الجيهانيّ أيضا: ممّا يدل على شرفنا وتقدّمنا وعزّنا وعلوّ مكاننا، أنّ الله أفاض علينا النّعم، ووسّع لدينا القسم وبوّأنا الجنان والأرياف، ونعّمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذّبهم، وضيّق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة، ورقعة صغيرة، وسقاهم بأرنق ضاح، وبهذا يعلم أنّ المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة. فأطال هذا الباب بما ظنّ أنّه قد ظفر بشيء لا جواب عنه، ولا مقابل له، ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلّى له، بل قد خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها، ولا يفيد التفاته بالغيظ إليها، وقد دلّ كلامه على أنّه جاهل بالنعمة، غافل عمّا هو سرّ الحكمة. وعنده أنّ الجاهل إذا لبس الثوب الناعم، وأكل الخبز الحوّارى وركب الجواد، وتقلّب على الحشيّة، وشرب الرحيق، وباشر الحسناء، هو أشرف من العالم إذا لبس الأطمار، وطعم العشب، وشرب الماء القراح، وتوسّد الأرض، وقنع باليسير من رخى العيش، وسلا عن الفضول، هذا خطأ من الرأي، ومردود من الحكم، عند الله تعالى أوّلا، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا، وأصحاب التّقى والنّهى، وعلى طريقته أيضا أن البصير أشرف من الأعمى، والغنّي أفضل من الفقير. ألا يعلم أنّ المدار على العقل الّذي من حرمه فهو أنقص من كلّ فقير، وعلى الدّين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كلّ موسر، ونعمة الله على ضربين: أحد الضربين عمّ به عباده، وغمر بفضله خليقته، بدءا بلا استحقاق وذلك أنّه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ورهب وأجزل، وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان، والتسوية والمعمومة بالتفضّل والقدرة المشتملة على الحكمة، والضرب الثّاني هو الذي يستحقّ بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد، والاختيار والاعتقاد، ليكون جزاء وثوابا، ولهذا حرم العاصي المخالف، وأنال الطائع الموافق، فقد بان الآن أنّ المدار ليس بالجنان والترفّه، ولا بالذهب والفضّة، ولا الوبر والمدر. وقد مرّ هذا الكلام كلّه فليسكن من الجيهانيّ جأشه، وليفارقه طيشه، وليعلم أنّ من أنصف أعطى بيده، وسلّم الفضل لأهله، فإنّ التواضع للحقّ رفعة، والترفع بالباطل ضعة. وههنا بقيّة ينبغي أن يتبصّر فيها، من عرف النقص البحت، والنقص المشوب بالزيادة، والفضل الصّرف، والفضل الممزوج بالنقيصة لم يجحد بالهوى المغوي فضلا، ولم يدّع للعصبيّة المردية شرفا، ولم ينكر بالحسد مزيّة، والخلق كلّهم في نعم الله تعالى مشتركون، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه متفاضلون، وعلى قدرته متصرّفون، وإلى مشيئته صائرون، وعن حكمته مخبرون، ولآلائه ذاكرون، ولنعمائه

стр. 75

شاكرون، ولأياديه ناشرون، وعلى اختلاف قضائه صابرون، ولثوابه بالحسنات مستحقّون، ولعقابه بالسيّئات مستوجبون، ولعفوه برحمته منتظرون، والله خبير بما يعملون، وبصير بما يسرّون وما يعلنون، وأبو سليمان يقول من الجماعة: العرب أذهب مع صفو العقل، ولذلك هم بذكر المحاسن أبده، وعن أضدادها أنزه. ولو كانت روّيتهم في وزن بديهتهم، كان الكمال، ولكن لمّا عزّ الكمال فيهم، عزّ أيضا في غيرهم من الأمم، فالأمم كلّها شرع واحد في عدم الكمال إلّا أنّهم متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة الأولى، وبالاختيار الثاني، واختلفت أبصارهم في هذا الموضع، فأمّا ما منعه الإنسان في الأوّل فلا عتب عليه فيه، لأنّه لا يقال للأعمى: لم لا تكون بصيرا، ولا يقال للطويل: لم لا تكون قصيرا وقد يقال للقصير: سدّد طرفك، واكحل عينك، ومدّ ناظرك، كما يقال للطويل، تطامن، في هذا الزّقاق حتى تدخل، وتقاصر حتى تصل، وأما ما لم يمنعه الإنسان في الأوّل، بل أعطيه ووهب له، فهو فيه مطّلب بما عليه وله كما أنّه مطالب بما له وعليه. وقال الجيهانيّ أيضا: ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة، ولا الطّبّ ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل في خواصّ الأنفس. فليعلم الجيهانيّ أنّ هذا كلّه لهم بنوع إلهيّ لا بنوع بشريّ، كما أنّ هذا كلّه لغيرهم بنوع بشريّ لا بنوع إلهيّ، وأعنى بالإلهيّ والبشريّ الطّباعيّ والصناعيّ، على أن إلهيّ هؤلاء قد مازجه بشريّ هؤلاء، وبشريّ هؤلاء قد شابه إلهيّ هؤلاء، ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا، وما عندي أنّه مكابر فيدّعي هذا لهم. فإن قال: هو لليونان، ويونان من العجم، والفرس من العجم، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه، وشهادة على نقصه، لأنّه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدّعي هذا للفرس، ولا يمكنه أن يقول: نحن أيضا عجم، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متّصلة بنا، وراجعة إلينا. ومتى قال جبه بالمكروه وقوبل بالقذع «١» ، وقيل له: صه، كما يقال للجاهل- إن لم تقل له: «اخسأ» كما يقال- في كل الأحاديث، وإن أغفلته ظلمت نفسي، ومن حابى خصمه غلب. قال القاضي أبو حامد المرورّوذيّ: لو كانت الفضائل كلّها بعقدها وسمطها، ونظمها ونثرها، مجموعة للفرس، ومصبوبة على أرؤسهم، ومعلّقة بآذانهم، وطالعة من جباههم، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها، وأن يخرسوا عن دقّها وجلّها، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع، وضعيف بالسّماع،
следующие страницы →