وقيل: خرج بغير زاد، وكان لا يأكل إلا حشيش الصحراء؛ إلى
أن بلغ ماء مدين.
وقيل: الشيخ شعيب.
وقال الحسن: لا بل رجل مسلم قبل الدين من شعيب ومات شعيب
قبل ذلك.
قرأ (يَصْدُرَ الرِّعَاءُ) بفتح الياء وضم الدال أبو عمر وابن عامر.
وقرأ الباقون (يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) بضم الياء وكسر الدال.
الاستئجار: طلب الإجارة، وهي العقد على أمر بالمعاوضة.
القوي: القادر العظيم المقدور.
ومنه وصف الله بأنه القوي العزيز.
وأصل القوة عند بعضهم شدة الفتل من قوي الحبل، وهي طاقاته
стр. 282
التي يفتل عليها؛ ثم نقل إلى معنى القدرة على الفعل.
الأمانة: نقيض الخيانة.
الإنكاح: عقد ولي الامرأة على غيره الزوجية، وهي تزويجه
إياها.
فأما النكاح فتزويج الرجل المرأة.
وقيل قوته: أنه سقى الماشية بدلو واحد..
وأمانته غض طرفه، وأمره لها أن تمشي خلفه عن قتادة
معنى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾
على أن تجعل أجري على تزويجي إياك رعي ماشيتي ثماني سنين؛ لأنه جعل صداق ابنته هذا الذي عقد عليه.
وقيل: قضى موسى أتم الأجلين، وأوفاهما. عن ابن عباس
الجَذْوَةُ: القطعة الغليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل
стр. 283
الجذوة من أصل الشجرة.
وفيها ثلاث لغات..
جِذُوة، وهي الأشهر، وجَذوة بالفتح، وجُذوة بالضم.
وقيل: الجذوة الشعلة من النار عن قتادة.
وشاطئ الوادي جانبه، وهو الشط ويجمع شواطئ وشطآن
قرأ حمزة (جُذْوَة ٍ) بالضم.
وقرأ عاصم (جَذْوَة) بالفتح..
وقرأ الباقون (جِذْوة ٍ) بالكسر.
стр. 284
مسألة:
وإن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) ﴾
[الآيات من ٣١ إلى ٤١]
فقال: ما الإلقاء؟ وما العصا؟ وما الاهتزاز؟ وما الردء؟ وما السلطان؟
وما معنى:، واضمم إليك جناحك؟ وما معنى: فذانك؟
وما معنى: السلطان؟ وما الرهب؟ وما وجه الشبه في
أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين؟ وما معنى: سحر مفترى؟
وما وجه الاحتجاج بـ ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ ؟
الجواب:.
الإلقاء: إخراج الشيء إلى جهة السفل
وألقى عصاه أي: أخرجها من يده؛ إلى الأرض فانقلبت بإذن الله.
ثعباناً عظيماً تهتز؛ كأنها جان في سرعة حركته، وشدة اهتزازه.
العصا: عود كالعمود من خشب.
وفي انقلابه إلى الحيوان: دليل على أن الجواهر من جنس واحد
؛ لأنه لا حال أبعد من الحيوان من حال الخشب وما جرى مجراه.
من الجماد وذلك يقتضي صحة قلب الأبيض إلى حال الأسود
стр. 285
الاهتزاز: شدة الاضطراب في الحركة
وللحيوان حركة تدل عليه؛ إذا رؤي عليها لا يشك في أنه حيوان.
بها، وهي التصرف بالاختيار من غير دفع ولا سبب.
الردء: العون الذي يدفع الشر عن صاحبه.
وهو المعين في دفع الردى عن صاحبه.
السلطان: القوة على تدبير العامة، وتقويمهم على ما توجبه السياسة.
﴿واضمم إليك جناحك﴾
أي يداك لأجل الحية عن مجاهد وقتادة.
﴿فذانك﴾
قيل في تشديده ثلاثة أقوال:
стр. 286
الأول: التوكيد.
الثاني: الفرق بين النون التي تسقط للإضافة، وبين هذه النون.
الثالث: الفرق بين تثنية الاسم المتمكن وغيره..
وقيل: إنه أُمِر أن يدخل يده في فِيها ففعل فعادت عصا كما كانت.
وقيل السلطان: القوة التي كانت لهما بالعصا.
وقيل: ردأته أردأه؛ إذا أعنته وأردأته أيضاً.
قرأ (من الرَّهَبِ) بفتح الراء، والهاء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو.
وقرأ الباقون (الرُّهْبِ) بضم الراء، وتسكين الهاء.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (فَذانِّك) مشددة النون،
وقرأ الباقون (فَذَانِكَ) خفيفة.
وقرأ عاصم وحمزة (تُصَدِّقُنِي) بضم القاف.
وقرأ الباقون بالجزم.
وجه الشبهة في أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين: أنهم
الكبراء الذي لو كان حقاً لأدركوه؛ لأنه لا يجوز أن يدرك الحق
الأنقص في العقل والرأي، وأن لا يدركه الأفضل منهما؛ فغلطوا في أن
стр. 287
ما طريقة إلا الاستدلال قد يصيبه من سلك طريقة، ولا يصيبه
من لم يسلك طريقه.
معنى: ﴿سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾
سِحْرٌ مختلق لم يبن على أصل صحيح؛ لأنه حيلة توهم خلاف الحقيقة
وجه الاحتجاج بـ ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾
أنه عالم بما يدعوا إلى الهدى مما يدعوا إلى الضلالة؛ لأنه عالم بما في ذلك للعباد
وعليهم ثم بين ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ، وأن عاقبة الفلاح
لأهل الحق، والإنصاف.
فإن قيل لم قالوا: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾
مع شهرة قوم نوح، وصالح، وهود، وغيرهم من النبيين الذين دعوا إلى توحيد الله، وإخلاص عبادته.
قيل فيه وجهان:
أحدهما: أنه للفترة جحدوا أن تقوم به الحجة.
والوجه الآخر: بأن آباءهم ما صدقوا بشيء من ذلك، ولا دانوا به.
الاطلاع: الظهور على الشيء من علو، وهو الإشراف عليه
قرأ ابن كثير وحده (قَالَ مُوسَى) بغير واو.
стр. 288
وكذلك هي في مصاحف أهل مكة
وقرأ الباقون (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ) بواو.
وكذلك في مصاحفهم.
стр. 289
مسألة:
إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) ﴾
.....
[الآيات من ٤١ إلى ٥٠] .
فقال: ما معنى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؟ وما الإمام؟ وما الداعي؟ وما الاتباع؟
وما معنى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ؟ وما النداء؟ وما معنى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ ؟ وما الإنذار؟ وما التذكير؟ وما الهوى؟ وما الطور؟
الجواب:.
معنى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾
أي: خلقنا فيهم ما كانوا به أئمة من أفعالهم.
الإمام: المقدم للاتباع.
الداعي: الطالب من غيره أن يفعل بالقول، أو الإظهار الذي
يقوم مقام القول.
الاتباع: إلحاق الثاني بالأول
فهؤلاء الدعاة إلى الضلالة ألحقوا اللعنة تدور معهم حيث ما كانوا.
، وفي ذلك أعظم الزجر عما فيه القبح.
وقيل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾
مع اللعنة وقيل كانوا يتناصرون في الدنيا، وهم لا ينصرون في الآخرة
стр. 290
وقيل قبحه الله يقبحه قبحاً، وهو مقبوح؛ إذا جعله قبيحاً
معنى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾
أي بجانب.
غربي الجبل عن قتادة.
قضينا إليه الأمر: فصلنا الأمر بما ألزمناه وقومه، وعهدنا إليه.
الثاوي: المقيم.
وقيل: ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾
يدعون إلى النار بتعريف الناس أنهم كانوا
كذلك؛ كما يقال جعلناه رجل سوء بتعريفنا حاله.
وقيل: المقبوح: المشوه بخلقته لقبيح عمله.
النداء: الدعاء بيا بقوله: (يَا مُوسَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ) .
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ ؛ لما فيه من العبرة، والموعظة، وأن سبيلك؛ كسبيل غيرك من النبيين في التأييد في المعجزة الدالة على النبوة.
стр. 291
الإنذار: الإعلام بموضع المخالفة ليتقى.
فالنبي نذير؛ لأنه معلم حال المعصية، وما يستحق عليها من العقاب.
النذر: العقد على ضرب من البر بالسلامة من الخوف.
التذكر: طلب الذكر بالفكر، والنظر، ونصب الآيات؛ للتذكر
بما فيها وما تقتضيه من مدلولادتها.
الهوى: ميل الطباع إلى المشتهى.
جواب لولا محذوف أي: لعاجلناهم بالعقوبة، ودليله أن معنى
الكلام الامتنان عليهم بالإمهال؛ حتى يذكر ما أتى به الرسول.
﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾
موسى، ومحمد. عن ابن عباس.
وقيل: موسى وهارون. عن مجاهد.
стр. 292
ومن قرأ (سِحْرَانِ) فمعناه: التوراة والقرآن عن ابن عباس.
وقيل: الإنجيل، والفرقان. عن الضحاك.
وقيل: التوراة، والإنجيل عن عكرمة.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾
أي: من كتاب موسى ومحمد. عن ابن زيد.
الطور: الجبل.
وهذه المرة الثانية التي كلم الله فيها موسى.
وقيل جواب لولا: لما.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
أي بكل ما أمرهم به، وذكر أنه من عند الله.
ويحتمل أي: بموسى، وهارون.
وفي الآية دلالة على بطلان تقليد من لا حجة معه من الله في
стр. 293
تقليده؛ لأنه لا أحد أضل منه.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾
أي مشركوا العرب كفروا بالتوراة، والقرآن. عن الحسن.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي (سِحْرَانِ) بغير ألف.
وقرأ الباقون (سَاحِرَانِ) بألف.
стр. 294
مسألة: إن سئل عن قوله - سبحانه-: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) ﴾
[الآيات من ٥١ إلى ٦١]
فقال ما الفرق بين توصيل القول وبين تصريفه؟ ، وعلى ما يعود
الضمير في من قبله؟ ، وما الأجر؟ ، وما الصبر؟ ، وما اللغو؟ ، وما
الهدى هاهنا في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ؟ وما المحبة؟ وما معنى ﴿فِي أُمِّهَا﴾ ؟
وما التخطف؟ ، وبأي شيء جعل الله الحرم آمناً؟
وما معنى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ؟
الجواب: إن تصريف القول تصييره في جهات من المعاني المختلفة،
وتوصيله تصيير بعضه يلي بعضاً بحسب ما تقتضيه المعاني المختلفة
الضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ﴾ يعود على القرآن، وقد تقدم ذكره في
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾
هم بالقرآن يؤمنون من قبل نزوله، ومن بعد نزوله.
الأجر: الحق اللازم على عمل البر
والصابر يؤتى أجره مرتين؛ بعمل الطاعة لله، والصبر عليها.
لما يوجبه التمسك بها.
стр. 295
الصبر: حبس النفس عما تنازع إليه مما لا يجوز أن يتخطى إليه
ولذلك مدح الله الصابرين، والصبر على الحق مرٌّ إلا أنه يؤدي
إلى أحلى من الشهد.
اللغو: الفعل الذي لا فائدة فيه، وإنما يفعله فاعله على توهم فاسد.
وأصل التوصيل من وصل الحبال بعضها ببعض.
وقيل: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾
في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة. عن ابن زيد.
وقال الحسن: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾
بما أهلكنا من القرون قرناً بعد قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود بكذا، وقوم صالح بكذا.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ ؛ فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم.
стр. 296
الهدى هاهنا اللفظ الذي لا يقدر عليه إلا الله، ويحتمل أن يكون
هو الاهتدى إلى الحق، وهو فعل الله تعالى أيضاً.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
الذين هداهم إلى الحق؛ لأنه هو الخالق لهدايتهم..
المحبة: الإرادة.
التخطف: أخذ الشيء على طريق الاستلاب من كل جهة.
جعل الله الحرم آمناً. بوجهين:
أحدهما: ما طبع النفوس عليه من السكون إليه، وترك النفور؛ مما ينفر عنه من غيره؛ كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم.
والآخر: بما حكم به على العباد من جهة الأمن بأمان من دخله،
ولاذ به.
стр. 297
وقيل في ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
قولان:.
أحدهما: من أحببت هدايته.
والآخر: من أحببته لقرابته
وقيل في ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
نزلت في أبي طالب عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة
فإنه كان حريصاً على إيمان أبي طالب محبا يجمع من كل
جهة.
البطر، والأشر من النظائر
وقيل في: (أمها) قولان:
أحدهما: أن أم القرى، وهي مكة
стр. 298
والآخر: في معظم القرى من سائر الدنيا.
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)
стр. 299
مسألة: إن سئل عن قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) ﴾
[الآيات من ٦١ إلى ٧٠]
فقال: ما الفرق بين المتعة والمنفعة؟ وما المتاع؟ وما معنى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؟
وما الإحضار؟ وما الزعم؟ وما معنى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ ؟
وما معنى ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ؟ ولم قيل ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) ﴾ ؟ وما معنى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ؟ وما معنى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؟ وما معنى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ؟
الجواب: المتعة منفعة، وليس كل منفعة متعة؛ فإنه قد ينتفع بألم
يؤدي إلى لذة في العاقبة؛ فإدراك المناظر الحسنة متعة، وسماع
الأغاني المطربة متعة.
المتاع: على وجهين:
يكون [بمعنى] المتعة.
стр. 300
ويكون الأثاث الذي يتمتع به من نحو الفرش والثياب وغيرهما.
والمعنى هنا متعة الحياة الدنيا.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
للجزاء بالعقاب وذلك أنه ذكر من وعد وعداً حسناً، فدل على أهل الثواب، ثم ذكر أنه لا يستوي أهل الثواب، وغيرهم؛ فدل على أهل العقاب؛ لبعد حال كل فريق من الفريق الآخر.
الإحضار: إيجاد ما يكون من الشيء بحيث يشاهد.
فلما كان هؤلاء القوم يوجد يوم القيامة ما به يكونون بحيث يشاهدهم الخلائق كانوا محضرين.
الزعم: القول في الأمر عن ظن، أو علم.
وقيل التقدير
стр. 301
يودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون.
وقيل: لو كانوا يهتدون ما رأوا العذاب.
العمى: آفة تنافي صحة البصر.
وما ينافي إدراك البصر على وجهين:
أحدهما: آفة مانعة من كل إدراك هي العمى.
ومانع من الإدراك ليس بالعمى.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾
هاهنا تشبيه بالعمى عن الإبصار، وذلك بانسداد طرق الأنباء
معنى ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
أي: وهم لانسداد طريق الأنباء عليهم لم
يجيبوا عما سئلوا عنه فيما أجبتم المرسلين؟.
ولا يسأل بعضهم بعضاً عنه؛ لانقطاعهم عن الحجة فيه
قل ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) ﴾ ؛ لأنه على رجاء أن يدوم على ذلك فيفلح،
стр. 302
وقد يجوز أن يزل فيما بعد فيهلك فلهذا ذكر بعسى
معنى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
فيه وجهان:
الأول: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة فيدل بذلك على شرف
اختياره لهم
الثاني: أن تكون (ما) نفياً أي ما كان لهم الخيرة على الله، وله
الخيرة عليهم؛ لأن مالك لهم حكيم في تدبيرهم فيكون الوقف على هذا
الوجه، ويختار وعلى الوجه الأول ما كان لهم الخيرة.
والخيرة بمعنى تخير الأمور على الله.
معنى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
أي: ما عظم الله حق عظمته
من أشرك في عبادته؛ لأن من تعظيمه إخلاص الإلهية له، وأنه
стр. 303
الواحد فيما تَفرد به على استحقاق العبادة، وأنه لا يجوز أن يستغني
عنه بغيره فمن أشرك في عبادته فما عظمه حق تعظيمه فهذا قد قبح
فيما أتى، وضيع حق نعمه.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾
بمنزلة خفيت عليهم الأخبار إلا بمقدار البلاغة في الأول.
وقيل ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ بالأنساب، والقرابة. عن مجاهد.
وقيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ للنبوة ما كان لهم أن يتخيروا من هو أهل
لها على الله؛ لأنهم لا يعلمون بواطن الأمور وسرائرها.
والوجه المختار: أن يكون الوقف على (ويختار)
وتكون ما نفياً بمعنى ليس لهم أن يختاروا على الله.
стр. 304
وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحمل عنه من ذنوبه شيئاً؛ كما كانوا في الدنيا. عن الحسن.
وقيل: كل عسى في القرآن واجبة إلا ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾
وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾
؛ [وقيل في موضع: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) ﴾ .
لأنها مواطن يختلف فيها حالهم؛ فمرة لا يتساءلون لاستيلاء
الحيرة عليهم، ومرة يفيقون فيسألون.
стр. 305
مسألة: إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) ﴾
إلى آخر السورة
[الآيات من ٧١ إلى ٨٨]
فقال لم وجب أن أمور الدين لا تصح إلا ببرهان؟
وما معنى: قوله: ﴿أفلا تسمعون﴾ في الآية؟
ولم كرر النداء ب ﴿أين شركائي﴾ ؟
والهاء في ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى ما تعود؟
ومن هؤلاء الشهداء الذين قال في وصفهم: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ ؟
وما معنى: نزعنا؟ ، وما البغي؟ ، وما الكنز؟ ، وما معنى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؟ ،
ولم جاز تنوء بالعصبة، وإنما العصبة تنوء بها؟
وما معنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ؟
وما معنى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ ؟
وما معنى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ مع قوله ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؟ ، وما الخسف؟ ، ولم ذكر امتناع نصره من الله، وهو معلوم؟ ، وما الفئة؟ ، وما معنى: [ويك أن] الله؟ ولم قبح
طلب العلو في الأرض؟ ، وما العلو في الأرض؟ ، وما معنى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ؟
وما معنى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ؟
الجواب: وجب أن أمور الدين لا تصح إلا ببرهان؛ لأن ما
يصح لا يخلو من أن يصح باضطرار البرهان فلما لم يكن فيها ما يَعرف
صحته باضطرار، وجب البرهان.
ولهذا كان في امتناعه من اعتقاد المخالفين دليل على أن الحق في نقيضه، وكل عقد لزم العجز عن إقامة البرهان عليه بما ليس باضطرار، فالحق في نقيضه
معنى قوله: ﴿أفلا تسمعون﴾
هذه الحجة فتتدبرونها، وتعملون بموجبها؛ إذا كانت بمنزلة الناطقة بأن ما أنتم عليه خطأ، وضلال يؤدي إلى الهلاك.
وقيل: ﴿أفلا تسمعون﴾ أفلا تقبلون
стр. 306
وقيل كرر النداء ب ﴿أين شركائي﴾
؛ لأن النداء الأول التقرير بالإقرار على النفس بالغي الذي كانوا عليه، ودعوا إليه والثاني: للتعجيز عن إقامة البرهان؛ لما طولبو به بحضرة
الأشهاد مع تقريع بالإشراك بعد تقريع,
الهاء في ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾
يحتمل وجهين:.
الأول: أن يعود إلى الليل خاصة، وتضمر مع الابتغاء هاء أخرى
الثاني: يعود الضمير إليهما، إلا أنه وحد، لأنه يجري مجرى
المصدر في قول العرب إقبالك، وإدبارك يؤذيني.
والأول: وجه التأويل، لأن الليل للسكون، والنهار للتصرف
والحركة، ولكنه يحتمل؛ ليكونوا من هذا على التصرف، ومن ذلك
على الهدوء، وقطع التصرف.
وقيل: شهيدها نبيها الذي يشهد عليها؛ بما كان منها.
عن مجاهد، وقتادة.
стр. 307
وقيل: هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة؛ الذين لا يخلوا زمان
منهم يشهدون على الناس بما عملوا من العصيان.
افتراؤهم ادعائهم آلهةً مع الله.
﴿وَنَزَعْنَا﴾
أخرجنا، وأحضرنا، وفلان ينزع إلى وطنه أي: يحن إليه حنيناً يطالبه بالخروج إليه.
البغي: طلب العلو بغير حق
ولهذا يقال لولاة الجور: بغاة.
ويقال: بغى يبغى بغياً، وهو باغي وابتغى كذا ابتغاء إذا طلبه،
ويبتغي فعل الخير أي طلب فعله.
стр. 308
الكنز: جمع المال بعضه إلى بعض
لأنه كثرَ فيما يخبأ تحتَ الأرض ولا يطلق اسم كنز في الدين إلا
على ما لا تخرج زكاته للوعيد الذي جاء فيه.
معنى لتنوء: لتثقل في حملها
ناء بحمله ينوء نوءاً؛ إذا نهض به مع ثقله عليه.
ومنه أخذت [الأنواء] ؛ لأنها تنهض من المشرق على ثقل نهوضها..
الفرح: المرح الذي يخرج إلى الأشر، وهو البطر.
العصبة: الجماعة الملتفة بعضها ببعض.
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ كما يسأل من يعمل له عذر يسقط لائمته،
وفي نقيض هذا قيل ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لقيام الدليل
على أنه يملك كل ما يفعله وأنه حق وصواب منه.
ويجوز لا يسألون عن ذنوبهم لأنه قد ظهر فحشها وما يستحق
عليها.
стр. 309
وقيل: كان قارون ابن عم موسى؛ لأبيه، وأمه عن ابن جريج.
وقال ابن إسحاق: كان ابن أخيه.
وقال قتادة: إنما بغى عليهم بكثرة ماله.
وقال قتادة: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
وقال ابن عباس قد تكون العصبة ثلاثة
جاز أن يقول ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ، وإن كانت العصبة تنوء به؛ لأنه
دخله معنى تميل بها مثقلة بها.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
هو فرح البطر عن مجاهد.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي تعمل فيها بطاعة الله عن ابن عباس.
قال الحسن: بطلب الحلال
стр. 310
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
أي: يرضى به الله عني، ويفضلني به على غيري.
عن ابن زيد
وقيل: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾
أن الملائكة لا تسأل عنهم؛ لأنهم يعرفون بسيماهم. عن مجاهد.
وقيل: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
بوجوه من الكسب، وبما لا يتهيأ لأحد أن يسألني إياه.
وما يلقى هذه الكلمة؛ إلا الصابرين على أمر الله.
وقيل: ما يلقى نعمة الثواب إلا الصابرون.
وقال أبو زيد الأنصاري: ناء بي الحمل؛ إذا أثقلني.
стр. 311
وقال الحسن: لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون؛ ليُعلم ذلك من قبلهم.
وإن سئلوا سؤال توبيخ، وتقريع.
الخسف: ذهاب الأرض في جهة السفل
فأهلك الله قارون؛ بأن خسف الله به، وبداره الأرض؛ فمر
يهوي فيها؛ حتى زهقت نفسه.
ذكر امتناع نصره من الله، وهو معلوم أي لم يكن على ما قدر
من امتناعه بحاشيته، وجنده، وذلك الذي غيره من حاله حتى تمرد
في طغيانه.
الفئة: القطعة إلى أمر يجتمع عليه.
وهو من فأوت رأسه؛ إذا قطعته.
وتصغيرها فويئة
معنى ﴿وَيْ﴾
التنبيه على أمر من الأمور، وهي حرف مفصول
من كأنّ، وذلك أنهم لما رَأوا الخسف به تنبهوا؛ فتكلموا على قدر
стр. 312
علمهم عند التنبيه لهم
قال الشاعر
وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحبب ... وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
قبح طلب العلو في الأرض؛ لأنه رُكُون إليها، وترك لطلب.
العلو في الآخرة، وهي دار مقام، والدنيا دار ارتحال
وقيل: إن قارون جعل لبغي جُعْلاً على أن ترمي موسى بالفاحشة
؛ فلما حضرت في الملأ كذبت قارون، وأخبرت بالحق فخر موسى
ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه ما يبكيك قد سلطتك على الأرض فمرها
بما شئت فقال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى حُقِيِّهِم، ثم قال: يا أرض خذيهم
فأخذتهم إلى أعناقهم، ثم أطبقت عليهم، وهم في ذلك ينادون يا
стр. 313
موسى، يا موسى، ارحمنا عن ابن عباس.
وقيل: (وي) كأنه بمنزلة ألاَ كأَنَّه، وأَمَا كَأنَّه.
وقيل: هي (ويك) بأن الله؛ كأنه قال ينبهك بهذا إلا أنه حذف
وقيل: ألم تر أن ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ له.
أي: يضيق؛ لا لهوانه عليه.
وقيل: ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾
أي: تكبراً عن الحق.
وقيل ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾
إلى المرجع يوم القيامة عن الحسن.
وقال مجاهد: إلى الجنة.
وقيل: إلى الموت عن ابن عباس.
وقيل: إلى مكة عن ابن عباس أيضاً.
والأظهر إلي أن يعود إلى النشأة الثانية إلى الجنة.
стр. 314
وقيل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
هو.
وقيل المعنى إلا ما أريد [به] وجهه.
وقيل: معناه إلا هو، وله الوجه، وذلك قولنا
معنى له الحكم أي ليس لأحد أن يحكم بشيء إلا ما جعل له الحكم.
فيه من جهة الأمر، والإذن.
стр. 315
سورة العنكبوت
مسألة: إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) ﴾
[الآيات من ١ إلى ١٥]
فقال ما الحسبان؟ ، ومم أخذ الحسبان؟ ، وما معنى ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾ ؟
ولم جاز ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ للمستقبل؟
وما معنى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ ؟ ، وما معنى: ﴿لِقَاءَ اللَّهِ﴾ ؟ وما الجهاد؟ وما الغني؟ ، وما التكفير؟ ، وما السيئة؟ ، وما معنى ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ؟ ، وما معنى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ؟ ، وما المأمور في ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ ؟ ولم لا يجوز أن يتحمل أحد ذنب أحد؟ ، وما معنى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ؟ ،
وما معنى: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ؟ وما الطوفان؟
الجواب:
الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر؛ في نفس العامل.
والحسبان، والظن، والتوهم، والتخيل نظائر.
العلم: قطع بصحة أحد النقيضين.
والشك: وقف بين النقيضين.
стр. 316
والظن تغليب؛ لأحد النقيضين أخذ الحسبان من الحساب؛ لأنه يقويه في حساب ما يعمل عليه.
معنى: ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾
لا يختبرون
جاز ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾
أنه للمستقبل لأجل حدوث المعلوم فلا تصح الصفة إلا على معنى المستقبل؛ إذ لا يصح لم يزل عالماً بأنه حادث.
لانعقاد معنى الصفة بالحادث وهو إذا حدث علمه حادثاً بنفسه.
معنى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾
يفوتونا فوت السابق لغيره.
قال مجاهد: ﴿يُفْتَنُونَ﴾
يبتلون في أنفسهم، وأموالهم.
стр. 317
وفي: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا﴾
وجهان:
أحدهما: يتركون؛ لأن يقولوا.
الثاني: أحسبوا أن يقولوا على البدل
وقيل: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
يصابون بشدائد الدنيا أي: أن ذلك لا يجب أن
يدفع في الدنيا؛ لقولهم: آمنا.
وقيل: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾
ليجازيهم بما يعلم فيهم.
وقيل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
في أفعالهم.
إذَا مَا اللَّيْثُ كَذَبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا: كما قال القائل..
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ أي: ثواب الله
стр. 318
الجهاد: الصبر على الشدة في الحرب على ما جاء به الشرع.
الغني: المختص بما يتقى الضر، والنقص من جهته؛ حتى يكون وجوده كعدمه.
التكفير: إبطال السيئة بالحسنة؛ حتى تصير بمنزلة ما لم
يُعمل؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ .
السيئة: الخصلة التي تسوء صَاحِبَها عاقِبَتُها.
الحسنة: التي تَسُر صَاحِبَها عَاقِبتُها
وكل سيئة معصية، وكل حسنة طاعة لله،
ومعنى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
أي: يجزيهم بأحسن أعمالهم، وهو الذي أمرناهم به.
دون المباح الذي لم نَأمرهم به، ولا نهيناهم عنه
وقيل: ﴿أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
ما كانوا يعملون طاعَاتهم لله؛ لأنه لا شيء فيما
стр. 319
يعمله العباد أحسن من طاعتهم لله.
وقيل: وصيناه حسنا بمعنى: ألزمناه حسناً.
وقيل: وصيناه أن يفعل حسناً
معنى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾
تهديد للمنافقين بما هو معلوم من حاله التي
يستتر بها، ويتوهم أنه قد نجى من ضررها؛ لما أخفاها وهي ظاهرة عند من
يملك الجزاء عليها، وتلك الفضيحة العظمى بها
المأمور في: ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾
المتكلم بهذا الكلام، أمر نفسه في مخرج اللفظ، ومعناه يضمن إلزام النفس هذا المعنى كما يلزم بالأمر
قال الشاعر
فَقُلْتُ ادْعِي وَادْعُ فَإِنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ.
معناه: ولأدعو، وفيه معنى الجزاء.
стр. 320
لا يتحمل أحد ذنب غيره، وليس هذا بمنزلة تحمل الدية عن غيره
؛ لأن الفرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول، ولا فضل بين أن
يؤديه زيد عن نفسه، أو أن يؤديه عمرو عنه؛ لأنه بمنزلة قضاء الدين
معنى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾
أي يحملون خطاياهم في أنفسهم التي لا
تعلق لها بغيرهم، ويحملون الخطايا التي ظلموا بها غيرهم؛ فحسن.
فيه التفصيل لأجل هذا المعنى
معنى: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
أي: يسألون سؤال توبيخ، وهو
نظير سؤال تعجيز في النظر؛ كقولك للوثني ما البرهان على جواز
عبادة الأوثان، وهو في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ .
والطوفان: الماء الكثير الغامر؛ لأنه يطوف بكثرته في نواحي
الأرض.