Полный текст (978 стр.). Показаны 946–978 · переход к 951.
стр. 946
الشتاء: أوان شدة البرد.
العامل في إيلاف ﴿فليعبدوا﴾ كأنه قيل كذلك الإنعام ﴿فليعبدوا﴾
في تقديم القول فيه في قوله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) ﴾
وقيل: العامل فيه (اعجبوا لإيلاف قريش، وهذا لا يجوز لأنه من سورة أخرى.
وقيل: إلف الشيء لزومه على عادة في سكون النفس إليه.
وقيل: كانت لهم رحلتان:
رحلة الصيف إلى الشّام ورحلة الشتاء إلى اليمن في البحار عن ابن زيد والكلبي.
وقيل ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
الغارة بالحرم الذي جبل قلوب العرب على تعظيمه. عن قتادة.
والله تعالى ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ بما أعطاهم من الأموال وسبّب لهم من الأرزاق.
وقيل: كانوا إذا قيل في سفرهم نحن أهل حرم الله لم يُتَعَرض لهم.
стр. 947
قرأ ابن عامر ﴿لِإِلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قريش بقصرها ولا يجعل بعد الهمز ياء إيلافهم
بياءٍ بعد الهمز بخلاف لفظ الأول، وقرأ الباقون ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾
جميعاً بهمزة.
стр. 948
سورة أريت
مسالة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما معنى يدع اليتيم؟ وما الدين؟ وما حقيقة الدّع بأنه لا يحض على طعام المسكين؟ ولم أطلق فويل للمصلين مع أنه رأس آية يقتضي تمام الجملة.
وقيل: ذم بال سهو في الصلاة وليس من فعله؟ وما الماعون؟
وما معنى: ساهون؟.
الجواب:
معنى ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ : يدفعه عنفاً به، وذلك لأنه لا يؤمن بالجزاء عليه.
فليس له رادع عنه، كما لمن يقر بأنه يكافئ عليه، دعّه يدعّه دعّاً إذا دفعه دفعاً شديداً.
الدِّين: ها هنا الجزاء فالتكذيب بالجزاء من أضر شيء على صاحبه، لأنه
يعدم به أكثر الدواعي إلى الخير، والصوارف عن الشر، فهو يتهالك في الإسراع إلى الشر الذي يدعوا إليه طبعه لا يخاف عاقبة الضرر فيه.
حقيقة الذم بأنه لا يحث على طعام المسكين أنه لا يحض عليه بخلاً به لا لعجزه.
أطلق ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ لأنه معرف بما يدل على أنه على جهة الرياء والنفاق.
стр. 949
المزيل الأناس وهو في حكم المحذوف للقرينة التي صححت الكلام.
ذم السهو في الصلاة، والذم في الحقيقة على التعرض للسهو بدخوله فيها على الرياء وقلبه مشغول بغيرها
وقيل: يدع اليتيم يدفعه عن حقه.
عن ابن عباس ومجاهد.
وقيل ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
يؤخرونها عن وقتها. عن ابن عباس ومسروق.
وقيل: غافلون. عن قتادة.
وقيل: لاهون كأنهم يسهون للهوهم عنه.
الماعون: كل ما فيه منفعة عن أبي عبيدة، وأصله القلة من قولهم:
المعن القليل والماعون القليل القيمة بما فيه منفعة من آلة البيت من نحو الفأس
والقدحة والإبرة، ومنه معن الوادي إذا جرت مياهه قليلاً قليلاً، والماء المعين الجاري قليلاً.
وقيل: الماعون: الزكاة عن علي بخلاف عنه.
وقيل: الماعون ما يتداوله الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو.
стр. 950
سورة الكوثر
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما الإعطاء؟ وما الكوثر؟ وما معنى: وانحر؟ وما الشانئ؟ وما الأبتر؟ وكيف وجه الإعجاز بهذه السورة مع قصرها؟.
الجواب:
الإعطاء: إخراج الشيء إلى آخذ له، وهو على وجهين:
إعطاء تمليك وغير تمليك
وإعطاء كوثر إعطاء تمليك كإعطاء الآجر
وأصله التناول من عطى يعطو إذا تناول، والكوثر الذي من شأنه الكثرة
والكوثر: الخير الكثير وهو فوعل من الكثرة، وقيل: هو حوض النبي ﷺ الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة عن عطاء.
وقيل: الخير الكثير. عن ابن عباس.
стр. 951
وقيل: نهر في الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت عن عائشة رضوان الله عليها، وقيل: يجري على الدر والياقوت عن ابن عمر رحمة الله عليهما
معنى وانحر: ضع اليد اليمنى على اليسرى، هذا النحر فيما يروى عن
عليٍّ، وقيل: وانحر البُدْنَ لربّك خلافاً لمن نحر الأوثان.
الثاني: المبغض شَنَئته أَشْنؤه شناء إذا أبغضته.
وقيل: شانئك: عدوك. عن ابن عباس.
وقيل: هو العاص بن وائل.
الأبتر: المنقطع عن الخير
وقيل: الذي لا عقب له عن مجاهد.
وقيل: هو جواب لقول العاص بن وائل محمد أبتر لا عقب له.
وقيل: هو الأقل الأذل لانقطاعه عن الخير. عن قتادة.
وقيل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ الصلاة المكتوبة.
وقيل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ صلاة العيد ﴿وانحر﴾ البُدْن والأضاحي.
وقيل ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
جواب لقول قريش إنه أبتر لا ولد له.
ذكر إذا مات قام مقامه فيما يدعوا إليه، وقد انقطع أمره.
فقيل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ .
стр. 952
والأبتر: الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته، فكان الأمر كما أخبر به
وقيل: للحمار المقطوع الذنب الأبتر فشبه به.
وقيل: ﴿وَانْحَرْ﴾ استقبل القبلة بِنَحْرك.
وجه الإعجاز في السورة تشاكل المقاطع للفواصل وسهولة مخارج
الحروف بحسن التأليف وتقابل المعاني بما هو أولى إذ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ هنا أحسن من صل لنا لأنه يجب أن يذكر في الصلاة بصفة الربوبية، (وانحر) هنا أحسن
من (وانسكه) لأنه على بر يعم بعد بر يخص.
و (الأبتر) أحسن من (الأخس) لأنه أدل على الكناية في النفس، فهذه الحروف القليلة جمعت المحاسن الكثيرة
وما لها في النفس من المنزلة أكثر بالفخامة والجزالة وعظم الفائدة التي يعمل عليها وينتهي إليها.
стр. 953
سورة قل يا أيها الكافرون
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما معنى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) ﴾
وما معنى تكرير ذكر العبادة؟
ولم امتنع عبادة الأوثان؟ وفيمن نزلت السورة؟ ولم وقع فيها التكرير؟
وما الدليل على أن الكافرين فيها على الخصوص؟ وهلَّا دل على اختلاف باختلاف اللّفظ وهلَّا دل على ذلك من أصول مختلفة أو هو
стр. 954
أظهر للمعنى؟ وما فائدة الكلام ومن أي وجهة يضمن الإيجاز؟ وما معنى: وما الدليل على أن الألف واللام في الكافرين لمعهود؟
الجواب:
معنى ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) ﴾
أي: لا أعبد الأوثان وأنتم تعبدونها ولا أنتم عابدون ما أعبد لجهلكم بوجوب إخلاص العبادة لله.
معنى تكرير ذكر العبادة لتصريفها في الفوائد المختلفة وذلك لنفي عبادة المؤمنين للوثن كيف تصرفت الحال إلى ماضي أو حاضر أو مستقبل.
معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
لكم جزاؤكم على عبادة الأوثان ولي جزاء على
عبادة ربي فانظروا ما مقتضى كل من الأمرين.
وقيل: إن السورة جواب لقوم من المشركين دعوا النبي ﷺ إلى أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا هم إلهه سنة وفيهم نزل ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) ﴾ .
عن ابن عباس.
وقيل: قالوا له نشركك في أمرنا بأن كان الذي في يدك خيراً كنّا قد أخذنا بحظ منه.
стр. 955
وقيل: الذي قال الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطّلب
وأميّة بن خلف.
وقيل: قالوا نتداول العبادة ليزول ما بيننا من البغضاء والعداوة.
وقرأ ﴿وَلِيْ دِينِ﴾
أبو عمرو وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ . بفتح الياء باختلاف عنهم.
التكرير لم يقع ولا تكرير في اللّفظ إلاّ في موضع واحد يستبين وجهه.
وذلك أن قوماً من المشركين سألوا رسول الله ﷺ مناقلة العبادة سنة يعبدون ما يعبد وسنة يعبد هو ما يعبدون لتزول العادة بوقوع العبادة على هذه الجهة فجاء الكلام على طريق الجواب لإنكار ما سألوا فقيل ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) ﴾
وهذا نفي منه لما يعبدون في الاستقبال.
ثم قال ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) ﴾
على نفي العبادة لما عبدوا في الماضي.
وهذا واضح في أنه لا تكرير في لفظه ولا في معناه، وأنه تصريف للعبادة فيه
إنكار لما سألوا على التفصيل الذي ذكروا.
وأما ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) ﴾
فعلى التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن معناه ولا أنتم عابدون ما عبدت إلاّ أنه عدل بلفظه إلى أعبد للإشعار أن ما عبدت هو ما أعبد، واستغنى بما يوجه التقابل من معنى
стр. 956
عبدت على الإفصاح به، وعدل عن لفظه لتضمين معنى آخر فيه، وكان ذلك أكثر في الفائدة وأولى بالحكمة، لأنه دل على (عبدت) دلالة التضمين من جهة التقابل، وعلى معنى (أعبد) دلالة التصريح باللفظ.
فإن قال قائل: فهلاّ قيل ما عبدت ليتقابل اللفظ كما تقابل المعنى؟
قيل: هو في حكم التقابل في اللفظ من حيث هو دال عليه إلا أنه عدل عن
الإفصاح به للإشعار بأن معبوده واحد كيف تصرفت الحال وكان هذا أبعد من الإيهام أن معبوده فيما مضى غير معبوده فيما يستقبل.
ويجوز في الماضي والم ستقبل أن يقع أحدهما موقع الآخر إذا كان في الكلام
دليلٌ عليه نحو ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ على معنى ينادون.
فإن قال قائل:
مهلاً فهلاّ دل على اختلاف المعنى باختلاف اللفظ إذ هو الأصل في حسن
البيان؟.
قيل له: إن التقابل يقع في ذلك قد صيّر اللفظ في حكم المختلف، لأنه مقيد
به، ودلالة المقيد خلاف دلالة المطلق نحو: زيد قائم بالتدبير على خلاف معنى زيد قائم.
فإن قال قائل: فهلاّ دل ذلك من أصول مختلفة إذ هو أدل على خلاف
المعنى بصريح الجهة؟.
قيل له: إنه لما أريد نفي العبادة على تصريف الأحوال صرف لفظ العبادة
لتصريف المعنى، ولم يصلح فيه أصول مختلفة، لئلا يوهم النفي معنى آخر غير
تصرف عبادة الله على الوجوه والأسباب كلها، وكان تصريف لفظ العبادة
стр. 957
لتصريف معناها أحق وأولى من تصريف معناها في غير لفظها لما فيه من التشاكل المنافي للتنافر.
فإن قال فما الدليل على أن الكافرين فيها على الخصوص؟.
قيل له: خروج الكلام على حال معلومة من دخول الكفار متقاطرين في الإسلام، فدل ذلك أنه في قوم مخصوصين مع تظاهر الأخبار بأنه في قوم من الكفار بأعيانهم دون غيرهم.
فإن قال: ما الدليل على أن الألف واللام للمعهود مع أن المبهم لا يوصف
إلاّ بالجنس؟.
قيل له: هي في مخرج اللفظ على الجنس من حيث هو صفة ل (أي) ولكن
(أيا) للمخاطبين من الكفار بأعيانهم فآل إلى معنى المعهود في أنه يرجع إلى
جماعة بعينها، نحو: يا أيها الرجال ادخلوا الدار، فلم تأمر جميع الرجال، ولكن أمرت الذين أشير إليهم بإقبالك عليهم.
فإن قالوا: فما فائدة الكلام؟.
قيل لهم: الإنكار لما لا يجوز من مناقلة العبادة على ما توهمه قوم من
الكفار لتقوم الحجة به من جهة السمع كما كانت من جهة العقل مع الإعجاز الذي فيه، وذلك من جهة الإخبار بما يكون في مستقبل الأزمان مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي الله تعالى إلى من يشاء من العباد، فوافق المخبر بما تقدم به الخبر، وفي ذلك أوضح الدلالة
فإن قال فما معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ؟
стр. 958
قيل معناه: لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبك بجزاء دينهم وبالاً وعقاباً، كما حسبك بجزاء دينه نعيماً وثواباً.
فإن قيل: ذكرت الحجة في أن ما دعوا إليه لا يجوز؟.
قيل له: تقبيحاً لها من حيث أخرجت مخرج مقالة يكفي العلم بفسادها، حكايتها مع الاستغناء بما في العقول من الدلالة على بطلانها.
فإن قيل: فهلاّ بيّن ذكرهم بصفة غير منكرة؟.
قيل له: قد بين ذلك بعلم التعريف له إلا أنه بصفات الذم التي فيها معنى الرجز وهي دالة على أحوالهم فيما دعوا إليه من الباطل.
فإن قال فلم قال ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
مع ما يقتضي ظاهرة التسليم؟
قيل له: مظاهرة في الإنكار، كما قال تعالى ﴿اعملوا ما شئتم﴾
لما فيه من الدليل على شدة الوعيد بالقبح لأنه إذا خرج الكلام مخرج التسليم للأمر دل على أن الضرر لا يلحق إلا المسلم إليه، فكأنه قيل له: أهلك نفسك إن كان ذلك خيراً لك.
فإن قيل: فلم قيل ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ولم يقل (من أعبد) ؟
قيل له: لأنه مقابل لقوله ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾
ولا يصلح هنا إلا (ما) دون (من) لأنه يعني ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ من
الأصنام ثم حمل الثاني عليه ليتقابل ولا يتنافر.
فإن قيل: فكيف أنكر عليهم ما لا يجوز في الحكمة بألين النكير مع خروجه
إلى أقبح القبيح؟ .
стр. 959
قيل: ليس ذلك بألين النكير في المعنى وإن خرج لفظه ذلك المخرج، لأنه
إنما عومل تلك المعاملة ليجعل في حيز ما يكفي فيه التنبيه، حتى يظهر أنه أقبح قبيح وهذا ضرب من البلاغة عجيب يفهمه كل عاقل له أدنى فطنة.
стр. 960
سورة النصر
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما النصر؟ وما الفتح؟ وما الدين؟ وما الفوج؟ وما وجه وجوب الدخول في الدين؟ وما معنى: مجئ النصر؟.
الجواب:
النصر: المعونة على العدو للظهور عليه، وذلك أن المعونة قد تكون
بالمال على نوائب الزمان، وقد تكون على العدو، وهي النصر دون المعونة الأخرى.
والفتح: الفرج الذي يمكن معه الدخول في الأمر بملك العدو.
стр. 961
الناصب للحرب.
الدين: الطاعة التي يستحق بها الجزاء، كما قيل ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾
. أي: في طاعته.
الفوج: جماعة من جماعة، وإذا قيل أفواج فهو جماعات، وهكذا كان
الناس يدخلون في الدين جماعة بعد جماعة من جملة القبيلة حتى تكامل الإسلام الجميع.
وجه الاستغفار بالنصر والفتح، أن النعمة تقتضي القيام بحق النعمة المنافية
للمعصية، فكأنه قيل: قد حدث أمر يقتضي الاستغفار مما جدّده الله لك فاستغفره.
بالتوبة يقبل ذلك منك، ومخرجه مخرج الخطاب للنبي ﷺ وهو يعلم لجميع أمته.
وقيل: الفتح فتح مكة عن الحسن ومجاهد.
وقيل: أفواجاً زمراً زمراً عن مجاهد.
وقيل: عاش بعد هذه سنتين ثم توفي ﷺ
عن قتادة.
وقيل: وعد الله نبيه بالنصر والفتح قبل وقوع الأمر.
стр. 962
والتوّاب في صفة الله الكثير القبول للتوبة، والدخول في الدين
الاعتقاد لصحته مع استشعار العمل به. فيجيء النصر وقوعه التوقع له.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾
أي: نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك إياه.
وقيل: صل شكراً له ما جدد لك من نعمة.
وفي الاستغفار وجهان:
أحدهما: عند ذكر المعصية بما ينافي الإصرار.
والثاني: ذكر الاستغفار على جهة التسبيح، والانقطاع إلى الله
وإنّما قيل إنه كان توَّاباً: أي: إنه يقبل توبة من بقي كما قبل توبة من مضى.
стр. 963
سورة أبي لهب
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما التّب؟ ولم قيل ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ ولم يقل تب وهو الهالك في الحقيقة؟
وما المسد؟ وما الجيد؟ وفيمن نزلت؟ وما معنى: حمّالة الحطب؟.
الجواب:
التّب: الخسران المؤدي إلى الهلاك، وذلك إخبار ذم لأبي لهب لعنه الله
وقيل: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ كما يقال: كسبت يداه، لأن أكثر العمل لما كان باليدين أضيف ذلك إليهما على معنى الخسار الذي أدى إليه العمل بهما.
الأغنى عنه: الدفع عنه، فأما الأغنى بالمال ونحوه فهو دفع وقوع المضارّ به.
стр. 964
المسد: حبل ليف وجمعه أمساد، وإنما وصف بهذه الصفة تخسيساً لها وتحقيراً. الجيد: العنق، وجمعه أجياد
وقيل: في تبت يدا أبي لهب: معنى الدعاء عليه نحو ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿وَتَبَّ﴾ خبر محض كأنه قيل: وقد وَتَبَّ.
وقيل: إنه جواب لقوله تبَّا لهذا من دين.
وقيل: كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبي ﷺ
إذا خ رج إلى الصلاة. عن ابن عباس والضحاك وابن زيد.
وقيل: إنما وصفت بحمالة الحطب لأنها كانت تمشي بالنميمة.
عن عكرمة ومجاهد وقتادة.
والمسد: حبل يكون من صوف عن أبي عبيدة.
وقيل: كان أبو لهب أراد أن يرمي النبي ﷺ بحجر فمنعه الله من ذلك.
وقال: تبت يداه للمنع الذي وقع به.
стр. 965
ثم قال وتب بالعذاب الذي ينزل به فيما بعد.
وفي السورة معجزة من جهة الخبر بأنهما يموتان جميعاً على الكفر فكان الأمر كذلك.
وقيل: حمالة الحطب: في النار.
وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ نصباً، وقرأ الباقون ﴿حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾ بالرفع.
وقرأ ابن كثير ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي (لَهْبٍ) وَتَبَّ﴾ بإسكان الهاء، وقرأ الباقون ﴿لَهَبٍ﴾ .
وأصل المسد: الفتل، وقيل: المسد الليف لأن من شأنه أن يفتل للحبل.
стр. 966
سورة الإخلاص
стр. 967
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما الأحد؟ وما حقيقة الواحد؟ ومن أين دل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على إبطال مذهب المجسم؟ وما الصمد؟ وما الكفو؟.
الجواب:
الأحد: معناه واحد، والأحد وحد إلاّ أن الواو قلبت همزة كما قيل: وناه وأناه، لأن الواو مكروهة أولا، فقلبت إلى حرف مناسب لها بأنه أول
المخارج كما هي كذلك وإنها حرف علة مع قوة الهمزة أولا وقد جاء وحد قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحده
حقيقة الوحد شيء لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته، فإذا أطلق أحد من
غير تقدم موصوف، فهو واحد في نفسه، فإذا حوى على موصوف، فهو أحد
стр. 968
في معنى صفته، فإذا قيل: الجزء لا يتجزأ واحد، فهو واحد في نفسه، وإذا قيل: هذا الرجل إنسان واحد في معنى صفته.
دلَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
على إبطال التجسيم لأن الجسم ليس بأحد إذ هو أجزاء كثيرة، وقد دلَّ الله بهذا القول على أنه واحد فصح أنه ليس بجسم.
الصّمد: فيه أقوال:
الأول: السيّد المعظّم.
كما قال الأسدي:
ألا بَكَّرَ النَّاعي بخَيْرِ بني أسدْ ... بعَمْرِو بن مسعودٍ وبالسَّيِّد الصَّمَدْ
وقال الزبرقان ولا رهينة إلاّ سيد صمد
стр. 969
وقيل: الذي يُصْمَد إليه في الحوائج ليس فوقه أحد، صمدت إليه أصمد إذا قصدت إليه، وفي الصمد معنى التعظيم كيف تصرفت الحال.
وقولنا ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
ابتداء وخبر في قول الكسائي.
وقيل: هو كناية عن اسم الرّب جل وعز لأنهم قالوا: ما ربّك؟ قال: هو الله أحد
وقيل: الصمد السّيد المعظم. عن ابن عباس.
الكفوُ والكفاء والكفي واحد وهو المثل والنظير
ومن زعم أن الصّمد بمعنى المصمت فقد جهل الله لأن المصمت هو المتضاغط الأجزاء وهذا تشبيه وكفر بالله.
قرأ أبو عمرو ﴿أَحَدُ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
بغير تنوين في الوصل فيما رواه هارون عنه، وقرأ بالتنوين في الوصل فيما رواه نضر.
стр. 970
عن أبيه وأحمد بن موسى، وقرأ الباقون ﴿أَحَدٌ اللَّهُ﴾ بالتنوين، ووجه ترك
التنوين أنه ينوي به الوقف لأنه رأس آية مع أنه قد حذف التنوين لالتقاء السّاكنين والوجه تحريكه
كما قال الشاعر:
стр. 971
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلاّ قليلاً
قرأ ﴿كفْئًا﴾
بسكون الفاء مهموزاً حمزة ونافع باختلاف عن نافع، وقرأ الباقون ﴿كُفُؤاً أحد﴾ بضم الفاء مهموزاً.
ولا يجوز أن يكون ﴿أَحَدٌ﴾
هذه هي التي تقع في النفي، لأنها أعمّ العام على الجملة أحد، والتفصيل، فلا يصلح ذلك إلاّ في الإيجاب، كقولك: ما في الدّار أحد أي: ما فيها واحد فقط ولا أكثر، ويستحيل هذا في الإيجاب ولا
شيء إلا وله إلا الله سبحانه.
стр. 972
سورة الفلق
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما الفلق؟ وما الغاسق؟ وما معنى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾
стр. 973
الجواب:
الفلق: الصبح، وأصله الفرق الواسع من قولهم: فلق رأسه بالسّيف
يفلقه فلقاً إذا فرقه فرقاً واسعاً عظيماً.
ويقال: أبين من فلق الصّبح وفرق الصّبح، وذلك لأن عموده ينفلق بالضّياء عن الظلام، وقيل: له فجر لانفجاره بذهاب ظلامه
وقيل: الفلق الخلق لأنه مفلوق.
ومنه ﴿فالق الإصباح﴾ و ﴿فالق الحب والنوى﴾
وقيل: للداهية فلقة، لأنها تفلق الظّهر.
الغاسق: الهاجم بضرره.
وقيل: هنا اللّيل، لأنه يخرج السّباع من آجامها والهوام من مكامنها.
وأصله الجريان بالضرر من قولهم: غسقت الجرحة إذا جرى صديدها.
والغسّاق: صديد أهل النار لسيلانه بالعذاب.
واللّيل غاسق لجريانه بالضرر في إخراج السّباع والهوام.
стр. 974
معنى وقب: دخل، يقال: وقب يقب وقوباً إذا دخل
النفّاثات في العقد: السحرة الذين كلما عقدوا عقداً نفثوا فيه، وهو شبيه بالنفخ، فأما التفل فنفخ بريق وهذا هو الفرق بين النفث والتفل.
شرّ النفّاثات: فيه قولان:
إيهامهم أنهم يمرضون ويعافون، ويجوز ذلك مما يخيل رأي الإنسان من
غير حقيقة لما يدّعون من الحيلة بالأطعمة الضّارة والأمور المفسدة.
أنه بضرب من خدمة الجن يمتحن الله لهم بتخليتهم فيه بعض الناس دون بعض
وفي السورة تعليم ما يستدفع به الشرور بإذن الله على تلاوة ذلك بالإخلاص فيه، والاتباع لأمر الله تعالى.
وقيل: الفلق الصبح. عن ابن عباس.
وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدّة حره عن كعب.
وقيل: إن النبي ﷺ ما سُحر وإنما طلبت اليهود ذلك فلم يقدروا عليه.
стр. 975
سورة الناس
مسألة: إن سئل عن قوله سبحانه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) ﴾
إلى آخرها فقال:
ما الوسواس؟ وما الخنّاس؟ وما معنى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس﴾
وما الفرق بين مالك
وملك حتى جازى في فاتحة الكتاب ولم يجز إلاّ ملك في سورة الناس؟
وعلى أي حال يوسوس الشّيطان بالإغواء إلى الإنسان؟.
الجواب:
الوسواس: حديث النفس بما هو كالصّوت الخفي، وأصله الصوت
الخفي والوسوسة كالهمهمة ومنه: فلان موسوس إذا غلبت عليه الوسوسة لما يعتريه من المرّة.
الخنّاس: الكثير الاختفاء بعد الظهور يقال: خنس يخنس خنوساً
ومنه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾
أي: بالنجوم التي تخفى بعدما تظهر بتصريف الحكيم
الذي أجرها على حق حسن التدبير.
стр. 976
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾
فيه ثلاثة أقوال:
الأول: من شر الوسوسة التي يكون من الجنة والنّاس.
الثاني: من شر ذي الوسواس وهو الشيطان، كما جاء في الأثر أنه
يوسوس فإذا ذكر العبد ربه خنس، فيكون ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ كما قال
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾
فأما ﴿وَالنَّاس﴾ عطف عليه كأنه قيل: من الشيطان الذي هذه صفته والناس.
الثالث: من شر ذي الوسواس الخناس على العموم، ثم يفسر بقوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾
كما يقال: نعوذ بالله من شر كل مارد من الجن والناس.
الفرق بين مالك وملك حين جازا في فاتحة الكتاب دون هذه السورة.
لأن صفة ملك تدل على تدبير من يشعر بالتدبير، وليس كذلك مالك، لأنه يجوز مالك الثّوب، ولا يجوز ملك الثّوب، ويجوز ملك الرّوم، ولا يجوز مالك الروم، فجرت في فاتحة الكتاب على معنى الملك في يوم الجزاء، ومالك الجزاء، وجرت في سورة النّاس على ملك تدبير من يعقل التدبير، فكأن هذا أحسن وأولى.
стр. 977
يوسوس الشّيطان بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلبه من غير
سماع الصوت، وهذه حالة معقولة يقع عليها الوسوسة.
وقيل ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
وهو جل وعز ملك جميع الخلق لبيان أن مدبر جميع النّاس قادر أن يعيذهم من شر ما استعاذوا منه مع أنه أحق بالتّعظيم من ملوك النّاس.
* * *
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله وحده.
стр. 978
الخاتمة
بعد معايشة طويلة مع تفسير ابن فورك (تفسير القرآن العظيم) أخلص إلى
عدد من النتائج أهمها:
أولاً: الإمام ابن فورك عالم من علماء الأشاعرة الذين ساهموا في تطوير
المذهب الأشعري.
ثانياً: ومن خلال البحث ظهر لي قوة شخصية الإمام ابن فورك التفسيرية
، يفند، ويعقب، ويناقش، وليس كحاطب ليل يجمع الآراء دون تعقيب، هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على القيمة العلمية لتفسير الإمام ابن فورك.
ثالثاً: ولقد تعرفت من خلال البحث على مصادر كثيرة ومتنوعة، وتعرفت
كذلك على الأئمة الأعلام السابقين وجهودهم ومدى صبرهم على طلب العلم والتأسي بهم، من خلال ترجمة الأعلام.
فالله أسأل أن يكون هذا البحث على الوجه الصحيح، فإن كان كذلك فهذا
من فضل الله وتوفيقه، وإن كان على غير ذلك فمن عادة البشر الخطأ والتقصير، والكمال ليس إلا لله ﵎.