← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[إنباه الرواة على أنباه النحاة]ـ المؤلف: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (المتوفى: ٦٤٦هـ) الناشر: المكتبة العنصرية، بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة التراجم]

стр. 2

الجزء الأول [مقدمات التحقيق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* تصدير عنى كثير من علماء المسلمين وأدبائهم بجمع كثير من الحقائق المبعثرة فى بطون الكتب، أو التى تلقوها بالرواية والسماع، أو خبروها بأنفسهم. ثم نسقوا هذه الحقائق، ونظموا كل طائفة متشاكلة منها فى سلك واحد؛ فدوّنوا السير وتراجم العلماء والحكماء والأطباء والأدباء ورواة الحديث والقرّاء والفقهاء والنحاة. ووصفوا البلدان والأقطار التى ارتادوها، أو قرءوا عنها أو سمعوا بها؛ كما وصفوا الحيوان والنبات؛ فكان من وراء ذلك كله طائفة كبيرة من كتب السير والطبقات والمعاجم المنوّعة والموسوعات الجامعة فى شتى نواحى العلم؛ حتى أصبحت اللغة العربية من أغنى لغات العالم كلها بمثل هذه الكتب؛ إن لم تكن أغناها. ومع ذلك لم يكن العرب هم أوّل من استحدثها؛ إذ أنهم لم يأخذوا فى مثل هذا التدوين إلا منذ القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) عندما وضع أبو بكر بن إسحاق سيرة النبىّ الهاشمىّ- ﵊، ثم اعتمد عليه ابن هشام المتوفى سنة ٢١٣ هـ. ثم جاء ابن سعد وابن سلّام فألف كل منهما طبقاته، وتتابع ظهور أمثال هذه الكتب، وتعدّدت مناحيها وموضوعاتها. وفى القرن السابع زادت وكثرت على الرغم مما حل فيه بالحضارة الإسلامية والثقافة العربية من نكبات؛ فصار لدينا كتب متعدّدة عن كل عظيم نابه، وكل فئة خاصة أو طبقة معينة من العلماء والأدباء فى مختلف القرون أو فى قرن بعينه. وإنّ نظرة واحدة إلى فهارس المكتبات العربية لتقنعنا بالكثرة الوافرة من الكتب التى وضعها العرب فى هذه الناحية من التأليف.

стр. 3

وقد كان لهذه السير والتراجم والطبقات قيمتها للعلم والأدب والتاريخ؛ إذ يسرت للباحث والعالم والمؤرّخ الوصول إلى كثير من الحقائق التى يقوم عليها بحثه، وبيّنت للعالم مدى إقبال المسلمين وكتّاب العربية فى مختلف العصور على البحث والتدوين، وما عانوا فيه من مشقة وجهد علمىّ مشكور؛ كما بينت للخلف مقدار ما تركه له أسلافه من ثروة ثقافية ضخمة يفخر بها كما يفخر كل محب للعلم والبحث. ومما يؤسف له كل الأسف أن الشطر الأعظم من هذه الثروة العلمية الضخمة قد ضاع فى تلك النكبات التى حلت بالعالم الإسلامى من غزوات متكررة وحروب وثورات ومجاعات وحرائق وسرقات وجهل الحكام وطمع الطامعين. وإنى لأرجو من الله أن تتاح لنا أو لغيرنا الفرصة لجمع كل أسماء الكتب العربية الموجودة والضائعة التى أشار إليها المؤلفون فيما وصل إلينا من كتبهم، وتنسيقها فى ثبت شامل يكون مرجعا للباحثين وهاديا لهم؛ فلعل التوفيق يوافى طائفة منهم بالعثور على بعضها والاستفادة منها. ومما يذكر أن القدامى فى الزمن السالف قد درجوا على محو ما لديهم من بعض الكتب ليستغلوا رقوقها فى كتابة تأليف جديد من عندهم، أو تدوين مذكرات خاصة بهم، وقد تكررت هذه العملية مرات؛ لأن قراطيس البردى والرقوق كانت غالية الثمن على الكثيرين. وإذ قد توصل العلم الحديث إلى إستعادة هذه الكتابة الممحوّة مما تركته وراءها من آثار فى البردىّ أو فى الرقوق، فقد استطاع العلماء الأوربيون الحصول على نسخ من مؤلفات قيمة ظنوا أنها ضاعت، ولا سبيل إلى العثور عليها. ففى المتحف البريطانى مثلا مخطوطات سريانية أخذت من أديار وادى النطرون؛ منها مخطوط ألفه ساويرس الأنطاكى فى القرن التاسع الميلادى كان مكتوبا عليه إلياذة

стр. 4

هو ميروس وإنجيل لوقا، وعلى أوراق كان عليها هندسة إقليدس مكتوبة فى القرنين السابع والثامن. وقد تكون ثمة كتب عربية كثيرة قد أصابها مثل ذلك فمحيت وكتب عليها غيرها أحدث منها وأقل قيمة. ومهما يكن من الأمر فمن الخير للعلم والإنسانية أن يضاعف العاملون منا جهودهم فى جمع المتفرّق من التراث الثقافىّ العربىّ من مظانه، ونشر القيم منه، وهو كثير حافل، وما لم ينشر منه إلى اليوم لا يزال كثيرا. فمثلا جمال الدين أبو الحسن على القفطىّ المصرى وزير الأيوبيين فى حلب، المتوفى سنة ٦٤٦ قد خلف لنا قرابة الثلاثين كتابا ضاع أكثرها، ولم يصل الينا منها سوى كتاب واحد كامل، ومختصران له اختصرهما غيره «١»، ومختصر لكتاب «٢» آخر، وقطعة «٣» من كتاب ثالث. والكتاب الكامل هو الذى بين يدى القارئ الجزء الأوّل منه، وهو يشمل الكثيرين من علماء النحو واللغة وغيرهم، منهم من سبق لنا معرفتهم ومنهم من لم نعرف. ولما كان الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم قد توفر سنين طويلة على دراسة هذا الكتاب، وكان حضرته قد تمرّس بنشر الكتب وتحقيقها من قبل،

стр. 5

انتهزنا هذه الفرصة وعهدنا إليه بمراجعة هذا الكتاب وإعادة تحقيقه، وإعداده للنشر، فقام بذلك بهمة ملحوظة وأمانة مشكورة، باذلا فيه غاية الجهد، وكان نصيبه التوفيق. هذا وسيظهر الكتاب في أربعة أجزاء، يشمل آخرها الفهارس المنوّعة التي دأبنا على العناية بها تسهيلا للباحث وتوفيرا لوقته؛ فلا يخفى أنّ كتابا مثل هذا يفقد جزءا كبيرا من فائدته المرجوّة إذا ظهر خلوا من الفهارس. هذا، وأرجو من كل باحث يعنى بهذا الكتاب أن يتفضل مشكورا ويبعث إلينا بما قد يعنّ له من ملاحظات على هذه الطبعة لنستدركه في الطبعة التالية إن شاء الله؛ فكلنا يسعى إلى الاقتراب من المثل الأعلى في كل ما يعمل. أيدنا الله بعون من عنده حتى نضاعف جهودنا في سبيل الثقافة العربية، ونحقق بعض ما نصبو إليه من خير لها. والله ولي التوفيق

стр. 6

مقدّمة المحقق (١) ترجمة المؤلف [١] حياته: قفط بلدة بالصعيد الأعلى بمديرية قنا، تبعد قليلا عن الشاطئ الشرقى للنيل، شمالى قوص. وكانت معروفة فى التاريخ المصرى القديم، ودار حولها كثير من القصص والأساطير. ولما كان الفتح الإسلامىّ وارتبطت مصر ببلاد العرب ارتباطا وثيقا صار لها شأن خاص، وأصبحت ممرّا للتجار والرّحالين والحجاج، فى طريقهم ذاهبين إلى عيذاب وجدّة فبلاد العرب والهند، أو عائدين من هذه البلاد إلى مصر والمغرب وبلاد الأندلس. فأثرى أهلها، وحفلت أسواقها، واستفاض العمران بها، واجتذبت إليها كثيرا من العلماء ممن كان يذهب إلى مكة للحج أو يعود. وأقيمت بها حلقات الدروس، وامتلأت مساجدها ونواديها بأفضل العلماء، وجهابذة الأدباء، ونشطت فيها الحركة العلمية؛ كما نشطت فى قنا وقوص وأدفو وأسوان وغيرها من بلاد الصعيد.

стр. 7

فى هذه البلدة ولد الصاحب جمال الدين أبو الحسن على بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد الواحد الشيبانىّ، ونسب إليها، وصار يعرف بالقفطىّ فيما بعد، ويلقب بالقاضى الأكرم. وكان مولده فى أحد ربيعى سنة ٥٦٨ على ما ذكر أخوه إبراهيم مؤيد الدين «١»، وقضى بها شطرا من طفولته، ثم ذهب إلى القاهرة، وتعلم بمدارسها، وأخذ عن شيوخها وعلمائها، ثم عاد إليها فى ربيع شبابه، وقضى بها حقبة من الزمن، نهل من موارد العلم، وقبس من ضياء المعرفة، وتخرّج على من كان بها من العلماء. وهو عربىّ صريح النسب، كريم النبعة، ينتمى قومه إلى شيبان. وقد نزحوا من الكوفة مع القبائل العربية التى توافدت على مصر بعد الفتح أرسالا، وهاجر إليها أفرادها جماعات، ثم انتشروا فى شمال الوادى وجنوبه، وطاب لهم العيش، وامتدّت بهم أسباب الحياة. وأبوه يوسف بن إبراهيم الملقب بالقاضى الأشرف. كان كاتبا ناصع البيان، متصرفا فى ضروب الإنشاء، حسن الترسل، مليح الخط. ولد بقفط سنة ٥٤٨، وقضى بها صدرا من حياته، نابه الذكر، مرعىّ المكانة، سامى الرتبة. ولما نشبت الفتنة «٢» بها، وأعلن أهلها خروجهم على السلطان صلاح الدين الأيوبىّ نزح عن البلاد

стр. 8

طلبا للعافية، وإيثارا للسلامة. ثم ذهب إلى القاهرة، واتصل بالملوك الأيوبيين، فأنزلوه منزلة كريمة، وولوه أعمالا بالصعيد ثم بلبيس وبيت المقدس، وناب عن القاضى الفاضل بحضرة صلاح الدين. ولما ملك العادل الشام لم تطب للقاضى الأشرف الإقامة ببيت المقدس، وغادرها إلى حرّان. وهناك استوزره الملك الأشرف موسى بن العادل، ثم استأذنه فى الحج فأذن له على أن يعود؛ ولكنه امتنع من العود، وذهب إلى اليمن، فاستوزره أتابك سنقر، وأقام فى الوزارة زمنا؛ ثم بدا له أن ينقطع عن خدمة الملوك، فذهب إلى ذى جبلة «١»، وآثر العزلة عن الناس، والإخلاد إلى الوحدة. فأقام بها منفردا بنفسه، بعيدا عن الخاصة والعامّة إلى أن توفى سنة ٦٢٤. وكانت القاهرة حين وفد القفطىّ إليها معمورة بالمدارس، مأهولة بالعلماء، زاخرة بالكتب، فأخلى ذرعه للدرس، وقصر نفسه على العلم، وأحاط منه بقدر صالح كبير. ولقى كثيرا من العلماء وأخذ عنهم؛ وكان ممن لقيه محمد بن محمد بن بنان الأنبارىّ، وكان شيخا فاضلا عالما، تصدّر للإقراء، فلزمه وأخذ عنه سماعاته، وأجازه فى رواياته، وسمع منه كتاب الصّحاح للجوهرىّ. وترامت إليه أخبار أبى طاهر السّلفىّ نزيل الإسكندرية وعالمها فى ذلك الحين، فارتحل إليه، وانتظم فى حلقة الطلاب الذين وفدوا عليه من أطراف البلاد، وكان صغيرا فى ذلك الحين؛ إلا أنه أفاد منه، وتحدّث عنه فى كتاب الإنباه. ثم عاوده الحنين إلى وطنه، واشتاق إلى ملاعب طفولته، ومنبت أهله وعشيرته، فسافر إلى قفط، وكان قد اكتمل عقله، وأوفى على الغاية استعداده. وهناك خالط علماءها، وناظر أدباءها، والتقى بصالح بن عادى العذرىّ نزيلها.

стр. 9

وكان ابن عادى ممن حذق النحو، وتقصّى مسائله، وجمع أشتاته، وأحاط بأصوله وفروعه، ونقّب عن مقيسه وشاذه. فلزمه واستفاد منه، وحمل عنه علما كثيرا. ثم عاد إلى القاهرة ليقضى بها مدة قصيرة ويرحل عنها فلا يعود. ففى سنة ٥٩١ سافر أبوه إلى بيت المقدس واليا عليها من قبل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، فصحبه فى سفره، ونزل معه ببيت المقدس، وطاب له المقام فيها زمانا؛ وهناك عايش أهلها، ولابس رجالها، ولقى عندهم جوارا كريما، ومنزلا طيبا، ولقوا منه رجلا محمود الصحبة، جميل العشرة، لطيف الطبع، أديبا بارعا عذب الموارد، وعالما فاضلا جمّ الفوائد، يتجمّل بالخلق الكريم، والطبع السرىّ النبيل، فأحبهم وأحبوه، واطمأنّ إليهم واطمأنوا إليه. ثم رغبوا إليه فى أن يتولى شيئا من أمور الملك فأبى عليهم، وآثر أندية العلم، ومجامع الأدب والفضل، وزهد فى مجالس الحكم وديوان السلطان. وعصفت ببيت المقدس أقدار، وتقلبت عليها أهوال، وانتهت إلى أن دخلت فى حوزة الملك العادل ووزيره ابن شكر. ولم يكن أبوه القاضى الأشرف من شيعة العادل، ولا ممن يوادّون ابن شكر، فتوجس منهما خيفة، وخرج منها بليل، وذهب إلى حرّان. وعندئذ تعذّر على القفطى المقام بعد أبيه، ونبا به المنزل، فترك بيت المقدس، وقصد إلى حلب مع من قصد إليها. وكان السلطان صلاح الدين قد أعطى ولاية حلب لابنه الملك غازى المعروف بالظاهر «١» فى حياته، ثم ظلت فى حكمه بعد وفاة أبيه، وتوارثها أولاده من بعده،

стр. 10

فكانت بعيدة عن الفتن التى شجرت بين خلفاء صلاح الدين، والحال فيها خير من الحال فى مصر والعراق وبقية بلاد الشام؛ فازدهرت فيها الآداب، وأينعت العلوم، ورحل إليها العلماء؛ ممّا طابت له نفس القفطىّ، ووافق هواه، ووجد المكان الذى يطمئن له العيش فيه. وفى صدر أيامه بحلب كان مصاحبا لميمون القصرىّ صديق أبيه، ورفيقه فى الرحلة إلى حلب، وأحد الولاة الذين صار لهم نصيب من السلطان. فلازمه على سبيل الصداقة والمودّة، لا على سبيل العمل والخدمة. وفى هذه المدّة اجتمع بجماعة من العلماء المقيمين بحلب والواردين عليها، واستفاد بمحاضرتهم، وفقه بمناظرتهم. ثم جدّ فى شراء الكتب وسعى فى اقتنائها وجلبها، واستطارت شهرته بذلك فى الآفاق، وتوافد عليه الورّاقون والناسخون وباعة الكتب، كما توافد عليه العلماء والشعراء وذوو الفضل. وكان ممّن وفد إليه فى ذلك الحين ياقوت ابن عبد الله الحموىّ صاحب معجم الأدباء. فآواه إلى ظله، وأنزله فى داره، وأفرد له مكانا من مجلسه. وعرف فيه ياقوت الفضل والعلم؛ فأذاع بفضله فى كل محفل، وروى عنه فيما صنف من الكتب، وأهدى إلى خزانته كتابه معجم البلدان. وبينما كان القفطىّ مطمئنا إلى هذه الحياة الهادئة الخصيبة، يجالس العلماء، ويأخذ عنهم ويأخذون عنه، ويقتنى الكتب ويقرؤها ويستوعب ما فيها، ويحصّل العلوم ويؤلف فى شتى نواحيها؛ وإذا بميمون القصرىّ يموت وزيره فيلزمه أن يحل مكانه؛ فيقبل على كره، وفى ذلك يقول ياقوت «١»: «ألزمه ميمون القصرىّ خدمته، والاتّسام بكتابته، ففعل ذلك على مضض واستحياء، ودبّر أموره أحسن تدبير، وساس جنده أحسن سياسة، وفرغ بال

стр. 11

ميمون من كل ما يشغل به بال الأمراء، وأقطع الأجناد إقطاعات رضوا بها، وانصرفوا شاكرين له، لم يعرف عنه- منذ تولى أمره إلى أن مات ميمون القصرىّ- جندىّ اشتكى أو تألم. وكان وجيها عند ميمون المذكور، يحترمه ويعظم شأنه، ويتبرك بآرائه إلى أن مات ميمون سنة ٦١٠». وعندئذ عاد إلى منزله، والتزم العزلة أكثر من عام، يطالع وينسخ ويستفيد. ولكنه ألزم بالخدمة مرّة أخرى، فظل متوليا أمور الديوان حتى مات الملك غازى سنة ٦١٣، وتولى الملك ابنه العزيز «١»، فعاد إلى داره، ومكث ملتزما الخلوة والبعد عن السلطان. وشهاب الدين طغريل وزير العزيز يجرى عليه رزقا يستعين به على الانقطاع والخلوة، إلى أن كانت سنة ٦١٦؛ حيث ألزمه الأمير تولى أمور الديوان، فلم يجد من قبول ذلك بدّا. وطالت أيامه فى هذه المدّة؛ فإنه ظل من سنة ٦١٦ إلى سنة ٦٢٨، يسوس الأمور أحسن سياسة، وينصح للأمير، ويرعى مصالح الرعية. روى عنه ياقوت: «أنه مر فى طريقه بصعلوك شكا إليه أنه قد اتهم بسرقة الملح، وأخذت دابته، ثم طولب بجباية. فلم يكد يستمع إلى شكواه حتى ذهب إلى شهاب الدين طغريل، وقال له: أيها الأمير، روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: ثلاثة أشياء مباحة، الناس مشتركون فيها: الكلأ والماء والملح، وقد جرى كيت وكيت، ولا يليق بمثلك وأنت عامّة وقتك جالس على مصلّاك أن تكون مثل هذه الأشياء فى بلدك!».

стр. 12

«فقال: اكتب الساعة إلى جميع النواحى برفع الجبايات ومحو اسمها، وأمر الولاة أن يعملوا بكتاب الله وسنة رسوله. ومن وجب فيه حدّ من الحدود الشرعية يقام فيه على الفور، ولا يلتمس منه شئ آخر، ومر الساعة بإراقة كل خمر فى المدينة، ورفع ضمانها، واكتب إلى جميع النواحى التى تحت حكمى بمثل ذلك، وأوعد من يخالف ذلك عقوبتنا فى الدنيا عاجلا، وعقوبة الخالق فى الآخرة آجلا». قال القفطىّ: «فخرجت وجلست فى الديوان، وكتبت بيدى- ولم أستعن بأحد من الكتاب فى شىء من ذلك- ثلاثة عشر كتابا إلى ولاة الأطراف». ولا تكتب بكفّك غير شىء ... يسرّك فى القيامة أن تراه وكأنه رأى أن طول هذه المدّة قد أقصاه عن المطالعة، وصرفه عن التأليف، وحال بينه وبين الانقطاع إلى مدارس العلم، فأعفى نفسه من تكاليف السلطان، وخلع عن عنقه ربقة الإمارة، و «انقطع «١» فى داره مستريحا من معاناة الديوان، مجتمع الخاطر- على شأنه- للمطالعة والفكرة وتأليف الكتب، منقبضا عن الناس، محبا للتفرّد والخلوة، لا يكاد يظهر لمخلوق». ولكن الملك العزيز حينما جاوز حداثته، واستقل بالملك وحده لم يلبث أن دعاه إليه، واتخذه وزيره، وألقى إليه زمام أموره؛ مطمئنا إلى نفاذ بصيرته، وأصالة رأيه. فأصفى له النصح، واجتهد فى المشورة، وتوخى مناهج الرشد، والتزم القصد والسداد. ومات العزيز وتولى بعده ابنه الناصر «٢»، لم تجاوز سنه سبع سنوات، فاستمرّ

стр. 13

القفطىّ فى تدبير المملكة، وفيا بالعهد، قائما بمصالح الملك، بعيد الصيت، مرعىّ الجانب، إلى أن توفّى سنة ٦٤٦، ودفن بالمقام بحلب. علمه وثقافته: كان القفطىّ أديبا جيدّ الملكة، وافر المحفوظ، عالما طويل الباع، واسع الاطلاع، غزير المادّة واضح القصد، مصنفا سديد المنهج جامعا لأشتات الفوائد، ومنثور المسائل؛ جال فى كل فنّ، وشارك فى كل ناحية من نواحى المعرفة. قال ياقوت: «اجتمعت «١» بخدمته فى حلب، فوجدته جمّ الفضل، كثير النبل، عظيم القدر، سمح الكف، طلق الوجه، حلو البشاشة. وكنت ألازم منزله ويحضر أهل الفضل وأرباب العلم، فما رأيت أحدا فاتحه فى فنّ من فنون العلم، كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل وجميع فنون العلم على الإطلاق، إلّا قام به أحسن قيام، وانتظم فى وسط عقدهم أحسن انتظام». وقد تضافرت ظروف نشأته وحياته، وتعدّد أسفاره ورحلاته، واتصاله بشيوخه فى حلقات الدرس، ومناظرته للعلماء والأدباء فى مجالس الأدب والعلم، وعمله فى ديوان الإنشاء، وقراءته الموصولة فى الكتب والأسفار على تكوين ذوقه الأدبىّ، وتمكينه من المعرفة الشاملة، وذلك المحصول الوافر. كانت أمه بدوية من عرب قضاعة، فصيحة مطبوعة تحفظ الشعر وترويه، وكان أبوه على ما عرفناه كاتبا، من كتّاب ديوان الإنشاء، فنشأ أديبا صافى الديباجة فتيق اللسان حرّ البيان. وكانت القاهرة حينما ارتحل إليها منهلا للعلم والمعرفة، وموردا للفنون والآداب، حافلة بالعلماء، وقبلة للشعراء والأدباء، ودور الكتب ميسّرة لكل

стр. 14

دارس، ومعاهدها مفتوحة لكل وافد، والملوك الأيوبيون من وراء ذلك يشيدون المدارس، ويعقدون المناظرات، ويشجعون الدارسين، ويرفدون العلماء بالهبات والأعطيات. فتهيأ له من كل ذلك دراسة كاملة، ومعرفة شاملة؛ درس القرآن، وتلقى الحديث، وحذق النحو، وحفظ اللغة، ووعى التاريخ، وأحاط بقسط وافر من الفلسفة والحكمة وعلم الكلام. ثم كانت المحاضرات التى عقدت بمجلسه فى حلب، والأحاديث التى دارت حول المعقول والمنقول فى مسائل العلوم، والتحدّث بالغرائب والطرائف. وكتبه التى عكف عليها فى داره، فاستجلى غوامضها، واستلهم أسرارها، واستقصى ما فيها استقصاء الدارس الحصيف، ونقدها نقد الصيرفىّ الخبير. من هذه المنابع الصافية تكوّنت ثقافته، وتلاقت معارفه، وانسجمت أفكاره وخواطره، وتألفت منها تلك الكنوز التى نثر منها فى مجالسه الخاصة، وأودعها كتبه المتنوّعة. أدبه: وكان القفطىّ صاحب نثر وشعر؛ أما النثر فقد تخرّج فيه على أبيه، وتمرّس به فى ديوان الإنشاء، وأثر عنه كثير من الرسائل، وجرى قلمه بشىء منه فى كتاب الإنباه. وقد اعتنق طريقة القاضى الفاضل، وسار على نهجه؛ من تنميق اللفظ والاحتفال بالسجع، والقصد إلى التورية والجناس، والاستشهاد بالنظم فى أثناء المنثور؛ سواء فى ذلك رسائله الإخوانية أو الديوانية، أو ما سال به قلمه فى بعض التراجم. ومن رسائله التى أوردها ياقوت «١»: «وأما سؤاله عن سبب التأخر والتجمّع، والتوقّف عن التطاول فى طلب الرياسة والتوسّع، والتعجب من التزامى قعر البيت، وارتضائى بعد السبق

стр. 15

بأن أكون السّكيت «١»، فلا تنسبّنى فى ذلك إلى تقصير، وكيف ولسانى فى الّلسن غير ألكن وبنانى فى البيان غير قصير! ولقد أعددت للرياسة أسبابها، ولبست لكفاح أهلها جلبابها، وملكت من موادّها نصابها، وضاربت أضرابها، وباريتهم فى ميدان الفضائل، فكنت السابق وكانوا الفساكل «٢». وظننت أنى قد حللت من الدولة أمكن مكانها، وأصبحت إنسان عينها وعين إنسانها، إذا الظنون مخلفة، وشفار العيون إلى الأعداء مرهفة، والفرقة المظنونة بالإنصاف غير منصفة، وصار ما اعتقدته من أسباب التقريب مبعدا، ومن اعتقدته لى مساعدا غدا علىّ مسعدا «٣»، ومن أعددته لمرادى موردا أصبح لمثالبى موردا. وجست مقاصد المراشد فوجدتها بهم مقفلة، ومتى أظهرت فضيلة اعتمدوا فيها تعطيل المشبهة وشبه المعطّلة «٤»». «وإذا ركبت أشهب النهار لنيل مرام، ركبوا أدهم الليل لنقض ذلك الإبرام، وإن سمعوا منى قولا أذاعوا، وإن لم يسمعوا اختلقوا من الكذب ما استطاعوا. وقد صرت كالمقيم وسط أفاع لا يأمن لسعها، وكالمجاور لنار يتّقى شرها ويستكفى لذعها. والله المسئول توسيع الأمور إذا ضاقت مسالكها، وهو المرجوّ لإصلاح قلوب الملوك على مماليكهم؛ إذ هو رب الملكة ومالكها. وهأنا جاثم جثوم الليث فى عرينه، وكامن كمون الكمىّ فى كمينه. وأعظم كانت النار لهبا إذا قلّ دخانها، وأشدّ ما كانت السفن جريا إذا سكن سكّانها «٥» والجياد تراض ليوم السباق، والسهام تكنّ فى كائنها لإصابة الأحداق، والسيوف لا تنتضى من الأغماد إلا ساعة الجلاد، واللآلئ لا تظهر من الأسفاط «٦» إلا للتعليق

стр. 16

على الأجياد. وبينما أنا كالنهار الماتع «١» طاب أبرداه «٢»، إذ ترانى كالسيف القاطع خشن حدّاه. ولكل أقوام أقوال، ولكل مجال أبطال نزال. وسيكون نظرى بمشيئة الله الدائم ونظرهم لمحة، وريحى فى هذه الدولة المنصورة عادية «٣» وريحهم فيها نفحة. وهأنا مقيم تحت كنف إنعامها، راج وابل إكرامها من هاطل غمامها، منتظر لعدوّى وعدوّها أنكأ سهامها من وبيل انتقامها». وأما شعره فقد كانت تبدو عليه الصنعة. ويشيع فيه التكلّف. وكان مقلا، محدود الغرض، ضيق المجال. ومن قوله فى تصوير نفسه: ضدّان عندى قصرا همّتى ... وجه حيىّ ولسان وقاح «٤» إن رمت أمرا خاننى ذو الحيا ... ومقولى يطمعنى فى النجاح فأنثنى فى حيرة منهما ... لى مخلب ماض وما من جناح شبه جبان فرّ من معرك ... خوفا وفى يمناه عضب الكفاح ومن قوله فى المدح: إذا أوجفت منك الخيول لغارة ... فلا مانع إلا الذى منع العهد نزلت بأنطاكيّة غير حافل ... بقلّة جند إذ جميع الورى جند فكم أهيف «٥» حازته هيف رماحكم ... وكم ناهد أودى بها فرس نهد «٦» لئن حلّ فيها ثعلب الغدر لاون ... فسحقا له قد جاءه الأسد الورد وكان قد اغتر اللعين بلينكم ... وأعظم نار حيث لا لهب يبدو

стр. 17

جنى النحل مغترا وفى النحل آية ... فطورا له سم وطورا له شهد تمدّك أجناد الملوك تقرّبا ... وجند السخين العين جزر ولا مدّ ومن قوله فى الغزل: تبدّت فهذا البدر من كلف بها ... - وحقك- مثلى فى دجى الليل حائر وماست فشق الغصن غيظا ثيابه ... ألست ترى أوراقه تتناثر غرامه بالكتب: وقد أغرم القفطى بالكتب إغراما شديدا، ونافس فى اقتنائها، وبذل النفيس فى شرائها، وأنفق وقته فى حفظها وترتيبها، وأصبحت داره فى حلب قبلة الورّاقين، ومقصد النساخين. يجلبون له الكتب والأسفار. وهو يضاعف لهم الثمن، ويجزل العطاء. وله فى تلك البابة أعاجيب. قال ابن شاكر «١»: «جمع من الكتب ما لا يوصف، وقصد بها من الآفاق، وكان لا يحب من الدنيا سواها، ولم تكن له دار ولا زوجة، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب، وكانت تساوى خمسين ألف دينار». وروى أنه اقتنى نسخة من كتاب الأنساب للسمعانىّ حرّرت بيد المؤلف؛ إلا أن فيها نقصا. وبعد الاطّلاب المديد والافتقاد الطويل حصل على الناقص، إلا أوراقا بلغه أن قلانسيا قد استعملها قوالب لقلانسه فضاعت، فتأسف غاية الأسف على هذا الضياع؛ حتى كاد يمرض، وامتنع أياما عن خدمة الأمير فى قصره. فصار عدّة من الأفاضل والأعيان يزورونه تعزية له، كأنه قد مات أحد أقار به المحبوبين. وفى كتابه الإنباه نجده كثيرا ما يفخر بأنه اقتنى كتابا بخط مؤلف معروف، أو ناسخ مشهور، أو عثر على نسخة فريدة من كتاب لا توجد عند سواه.

стр. 18

وقد جمع مقدارا وافرا من التعليقات والفوائد والطرف التى تعوّد العلماء أن يضعوها على ظهور الكتب. ولما اجتمع له قدر صالح منها رأى أنها تستأهل أن تكون كتابا، فكان كتاب نهزة الخاطر ونزهة الناظر فى أحاسن ما نقل من ظهور الكتب. مؤلفاته: (١) إخبار العلماء بأخبار الحكماء. ذكره ابن أصيبعة فى عيون الأنباء (٢: ٨٧) واختصره محمد على بن الزورنىّ، وسماه المنتخبات الملتقطات من كتاب تاريخ الحكماء، ذكر ذلك صاحب كشف الظنون (٢: ٥٣٦ طبعة إستانبول سنة ١٣١١). طبع هذا المختصر فى ليبسك سنة ١٩٠٣، وبمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٦. (٢) أخبار المتيمين. ذكره ياقوت فى معجم الأدباء. وأورده باسم الدرّ الثمين فى أخبار المتيمين، وابن شاكر فى عيون التواريخ وفوات الوفيات، وابن العماد الحنبلى فى شذرات الذهب. (٣) أخبار المحمدين من الشعراء. منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٢١٧ تاريخ تيمور، مصوّرة عن نسخة بخزانة باريس. وأصل النسخة كتبت سنة ١١٥٦. كانت بالأزهر، وقفها محمد بك الألفى على رواق الصعايدة. والموجود بها من أول الكتاب من ترجمة «محمد بن أحمد الرقى» إلى «محمد بن سعيد البغداذىّ»، وذكر كاتبه بآخره أن ذلك آخر ما وجد بخط المصنف. وكتب العلامة أحمد تيمور على ظهر النسخة: «ولا يدرى أكتب المصنف شيئا بعد ذلك أم ضاعت بقية النسخة؛ لأنه أحال فى مواضع على أسماء بعد هذا الحرف». (٤) أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين. ذكره ياقوت والأدفوى فى الطالع السعيد، والسيوطى فى حسن المحاضرة وبغية الوعاة. وذكره

стр. 19

ابن شاكر أيضا وقال: إنه يقع فى ستة مجلدات. وسماه صاحب كشف الظنون تاريخ مصر. ونقل عنه صاحب النجوم الزاهرة فى مواضع كثيرة. (٥) أخبار السلجوقية منذ ابتدائهم إلى نهايته. ذكره ياقوت وابن شاكر والسيوطى فى حسن المحاضرة. وذكره صاحب كشف الظنون وسماه تاريخ آل سلجوق. (٦) أخبار المصنفين وما صنفوه. ذكره ياقوت والأدفوى وابن شاكر. وسماه صاحب كشف الظنون الدرّ الثمين فى أسماء المصنفين. (٧) أشعار اليزيدين. ذكره الأدفوىّ. (٨) إصلاح خلل الصحاح. ذكره ياقوت والسيوطى فى بغية الوعاة، وابن العماد وصاحب كشف الظنون. (٩) إنباه الرواة على أنباه النحاة. وسيأتى وصفه. (١٠) الأنيق فى أخبار ابن رشيق. ذكره المؤلف فى كتاب الإنباه (١: ٣٠٣). (١١) الإيناس فى أخبار آل مرداس. ذكره ياقوت وابن شاكر. (١٢) تاريخ بنى بويه. ذكره الأدفوى والسيوطى فى حسن المحاضرة. (١٣) تاريخ القفطى. ذكره صاحب كشف الظنون وقال: هو تاريخ كبير، رتبه على السنوات ولخصه تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن مكتوم المتوفى سنة ٧٤٩. ويظهر أنه هو الكتاب المتقدّم ذكره باسم تاريخ مصر. (١٤) تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه إلى حين انفصال الأمر عنهم. ذكره ياقوت وابن شاكر. (١٥) تاريخ المغرب ومن تولاها من أتباع ابن تومرت. ذكره ياقوت وابن شاكر.

стр. 20

(١٦) تاريخ اليمن ذكره ياقوت والأدفوى وابن شاكر وصاحب كشف الظنون (١٧) الذيل على أنساب البلاذرىّ. ذكره فى ترجمته أخوه مؤيد الدين. (١٨) الردّ على النصارى فى مجامعهم. ذكره ياقوت وابن شاكر. (١٩) «شرح المفصل»، ذكره صاحب كشف الظنون ص ١٧٧٥. (٢٠) كتاب الضاد والظاء. ذكره ياقوت وابن شاكر والسيوطى فى حسن المحاضرة وصاحب كشف الظنون. (٢١) الكلام على صحيح البخارى. ذكره ياقوت وابن شاكر وابن العماد، وقالوا: إنه لم يتم. (٢٢) الكلام على الموطأ. ذكره ياقوت وابن شاكر، وقالا: إنه لم يتمّ. (٢٣) المحلى فى استيعاب وجوه كلا. ذكره ياقوت وابن شاكر والسيوطى فى بغية الوعاة وصاحب كشف الظنون. (٢٤) مشيخة تاج الدين الكندى. ذكره ياقوت وابن شاكر. (٢٥) المفيد فى أخبار أبى سعيد. ذكره المؤلف فى ترجمة أبى سعيد السيرافىّ فى كتاب الإنباه (١: ٣١٤). (٢٦) من ألوت الأيام إليه فرفعته، ثم ألوت عليه فوضعته. ذكره ياقوت وابن شاكر. (٢٧) نهزة الخاطر ونزهة الناظر فى أحاسن ما نقل من ظهور الكتب. ذكره ياقوت وابن شاكر وابن العماد. وهذه الكتب على كثرتها وعظيم خطرها وتنوّع موضوعاتها لم يصل إلينا منها إلا كتاب إنباه الرواة، ومختصر إخبار العلماء بأخبار الحكماء، وقطعة من أخبار المحمدين. أما بقيتها فقد أدركه الضياع، أو أنه مغمور فى دور الكتب لم تكشف عنه الأيام.

стр. 21

وربما كانت المحن التى توالت على حلب وتعرّضها لغزو التتار على يد هولاكو سنة ٦٥٨، وانقراض دولة الأيوبيين بها، وتعرّضها لغزو التتار مرة أخرى سنة ٨٠١، وما تبع ذلك من تخريب مدارسها وإبادة مكاتبها وتقويض قلاعها- أضاعت كتب القفطى كما ضاعت كتب الجاحظ وأبى العلاء وغيرهما من أعلام الإسلام، وكما ضاعت الكتب التى كانت تزخر بها مكاتب بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس وصقليّة. ولو وصلت إلينا هذه الكتب لوصل إلينا علم وافر، وذخائر ثمينة؛ هيهات أن تعوّض على وجه الزمان. (٢) كتاب إنباه الرواة وكتاب إنباه الرواة يصوّر ناحية من نواحى التأليف ظهرت فى القرنين السادس والسابع تصويرا صحيحا، فقد تميز هذا العصر بالتوسع فى المعاجم التاريخية؛ نتيجة لكثرة المعارف، وتنوّع الفنون، ووفرة الكتب، واتصال العلماء بعضهم ببعض، وتوفر ثقافة علمية واسعة تنتظم ما بين الأندلس غربا إلى آخر حدود فارس فى شرقا. وقد تميزت هذه المعاجم بجمع الحقائق المنثورة فى تضاعيف الكتب، وتنسيق المعارف التى وردت على ألسنة الرواة، وحشد المشاهد التى وقعت للعلماء حول موضوعات خاصة مرتبة على حسب حروف المعجم، حرصا على الاستقراء والحصر، وقصدا إلى تيسير الإفادة والنفع، مع خلوّها من الإسناد، كما كان ذلك متعارفا فيما قبلها من الكتب. فكان كتاب الأنساب للسمعانى، واللباب لابن الأثير، ومعجم البلدان ومعجم الأدباء لياقوت، وإنباه الرواة وأخبار الحكماء للقفطى، وعيون الأنباء لابن أصيبعة، ووفيات الأعيان لابن خلكان.

стр. 22

وكتاب إنباه الرواة معجم شامل لتراجم «مشايخ «١» علمى النحو واللغة، ممن تصدر لإفادتهما تصنيفا وتدريسا ورواية»؛ من عصر أبى الأسود الدؤلىّ حتى عصر المؤلف فى القرن السابع. وقد تضمن أيضا تراجم كثيرة للقراء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمتصوّفين والعروضيين والأدباء والشعراء والكتاب والمؤرّخين والمنجمين؛ ممن كان له أدنى مشاركة فى اللغة أو معرفة بالنحو. وبهذا اجتمع فيه قرابة ألف ترجمة من تراجم العلماء. ولم يختص هذا المعجم بعصر دون عصر، أو إقليم دون آخر، بل شمل كل من كان له شأن مذكور فى «أرض «٢» الحجاز واليمن والبحرين وعمان واليمامة والعراق وأرض فارس والجبال وخراسان وكرمسير وغزنة وماوراء النهر وأذربيجان والمذار وإرمينية والموصل وديار بكر وديار مضر والجزيرة والعواصم والشام والساحل ومصر وعملها وإفريقية ووسط المغرب وأقصاه وجزيرة الأندلس وجزيرة صقلية». وقد اعتمد المؤلف فى معارفه التى أودعها فى هذا الكتاب على مصدرين أساسيين: (١) الكتب المؤلفة قبله فى التراجم والسير والأخبار مثل تاريخ بغداد للخطيب، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ مصر لابن يونس، وتاريخ نيسابور لابن البيّع، وتاريخ همذان لشيرويه، وتاريخ غرس النعمة للصابى، وطبقات الأمم لصاعد الأندلسى، والمقتبس فى تاريخ الأندلس لابن حيان، ورجال الأندلس لابن حزم، والصلة لابن بشكوال، وأخبار النحويين لابن درستويه، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدى، والمقتبس فى أخبار النحويين واللغويين للمرزبانى، والفهرست لابن النديم، وطبقات الشعراء لابن سلام، والمختلف والمؤتلف لابن حبيب،

стр. 23

والأنموذج لابن رشيق، ويتيمة الدهر وتتمة اليتيمة للثعالبى، ودمية القصر للباخرزى، ووشاح الدمية للبيهقىّ، وخريدة القصر للعماد الأصفهانى، وغيرها؛ يصرح بالنقل عنها تارة، وينقل من غير تصريح تارة أخرى، مما نبهت عليه فى موضعه. (٢) معارفه الخاصة التى استمدّها من شيوخه فى القاهرة والاسكندرية وقفط، أو شاهدها فى أسفاره بين مصر والشام، أو أفادها من مجالسه فى حلب، أو كاتبه بها العلماء من مختلف الأمصار. وكثير من الحقائق التى نثرها فى كتابه قد انفرد بها، أو نقلها من كتب لم تصل إلينا. فهو بذلك يختص من بين الكتب المتداولة بقيمة تاريخية علمية نادرة المثال. وليست للمؤلف فى تراجمه طريقة خاصة أو منهج محدود؛ وهو فى الغالب يذكر المترجم باسمه، ثم يتبعه بشهرته، ويستطرد بعد ذلك بذكر أخباره، ويعدّد كتبه، ويذكر سنة وفاته، وإقليمه الذى عاش فيه، وقد يذكر سنة ولادته فى بعض الأحيان، وربما ترجم للشخص مرتين؛ مرة باسمه ومرة بكنيته أو شهرته، وهذا قليل. ولا يقف فيما يذكره عند حدّ الرواية أو النقل، بل يتجاوز ذلك إلى النقد والتحليل، وكثيرا ما أبدى رأيه فيمن ترجم لهم- وخاصة المعاصرين له منهم- فى صراحة، وتناول كتبهم بالوصف. وكثير من هذه الكتب لا يعرف إلا من طريق هذا الكتاب. والكتاب وإن كان موضوعا على حسب حروف المعجم؛ إلا أنه لم يرتب ترتيبا دقيقا؛ فيذكر مثلا إبراهيم بن عبد الله قبل إبراهيم بن إسحاق، والخليل بن أحمد قبل خلف بن محرز؛ ومثل هذا كثير. وقد صرح المؤلف بأن الترتيب لم يكن من عمله، بل كان من عمل الناسخ، قال: «وقد «١» ترجمت أنباءهم على الترتيب فى أوراق

стр. 24

مفردة فى أوّل الجزء ليبيضه الناسخ له على ذلك الترتيب. فإن الجمع عند التأليف قد أعجل عن ترتيبه على الوجه، فليعلم ذلك من يريد العمل موفقا إن شاء الله». ويؤخذ على المؤلف أنه كرر بعض التراجم بأسماء مختلفة، كما فعل فى ترجمة إبراهيم بن صالح الورّاق، فإنه ذكره وذكر أخباره مع من يسمى إبراهيم، ثم عاد فى حرف الصاد فذكر هذه الترجمة بعينها لصالح بن إبراهيم الورّاق. وقد نبه ابن مكتوم على بعضها فى التلخيص، وأشرت إلى ما ظهر لى من ذلك فى الحواشى. ويظهر أنه تقلبت على الكتاب أسماء مختلفة، فإن المؤلف يسميه فى كتاب أخبار الحكماء ص ١١٣ باسم أخبار النحاة وكذلك سماه ياقوت فى معجم الأدباء (١٢: ٤٦ - ٤٧)، وصرّح بالنقل عنه، والأدفوى فى الطالع السعيد ص ١٩٥. وذكره السيوطى فى البغية وحسن المحاضرة وصاحب الفلاكة باسم تاريخ النحاة، وذكره ياقوت مرة أخرى فى ترجمته للقفطىّ باسم أخبار النحويين، وكذلك سماه ابن شاكر فى الفوات وعيون التواريخ. ثم استقرّ أخيرا باسم إنباه الرواة على أنباه النحاة «١» كما هو على ظهر المجلد الأوّل من النسخة المصوّرة عن مكتبة «طوپ قپوسراى» والمجلد الثانى من النسخة المصوّرة عن مكتبة «فيض الله»، وكما نص عليه ابن مكتوم فى التلخيص، وهو أيضا يوافق ما فى الطالع السعيد ص ٢٣٨. ولم أقف على نص صريح يشير إلى التاريخ الذى بدأ فيه المؤلف الكتاب أو انتهى منه. ويظهر أنه ألفه فى فترات طويلة، وتناوله بالزيادة على مرّ الأزمان إلى أن انتهى إلى وضعه الأخير. والثابت أن الكتاب كان موجودا قبل سنة ٦٢٦، وهى السنة التى توفى فيها ياقوت، وقد ذكره فى كتابه معجم الأدباء. والثابت أيضا أن النسخة التى اعتمدت عليها فرغ منها قبل سنة ٦٣٨، وهى السنة التى كتبت فيها.

стр. 25

(٣) نسخ الكتاب (١) نسخة كاملة مصوّرة محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة، فى تسع مجلدات، تحتوى على ١٠٨١ لوحة محفوظة برقم ٢٥٧٩، وهى منقولة عن الأصل المحفوظ بمكتبة «طوپ قپوسراى» باستانبول برقم ٢٨٥٨، تقع فى خمسة أجزاء من تجزئة المؤلف، مكتوبة بقلم النسخ، مضبوطة بالشكل. وأسماء المترجمين فيها بخط كبير، وعلى هامشها بعض تصحيحات قليلة، وتعليقات بخط مخالف. وفى آخرها: «تمت كتابتها فى العاشر من جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، على يد أبى المحاسن بن سعيد بن سعيد السنحى». ومتوسط السطور فى كل صفحة ١٩ سطرا. ومتوسط الكلمات فى كل سطر ١٠ كلمات. (٢) نسخة تحتوى على الجزء الرابع والخامس، فى مجلد واحد، تحتوى على ٢١١ لوحة، محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ١١٠٦٠٤ ح، مصوّرة عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة «فيض الله» بإستانبول تحت رقم ١٣٨٢، مكتوبة بخط النسخ الواضح، كتبها محمود بن على بن محمد المعروف بابن اليمنى المعلم، وفى آخرها: «وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب خامس شهر رجب المبارك من سنة ست وأربعين وستمائة»، وذكر أنه كتبها من نسخة قرئت على المؤلف. وعناوين الأسماء فيها بخط أكبر. وعلى الصفحة الأولى تملكات ومطالعات لبعض العلماء، منها مطالعة لهذا المجلد وما قبله للعلامة جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصارى، صاحب المغنى المتوفى سنة ٧٦١. هذا نصها: «طالعه والجزء الذى قبله عبد الله ابن هشام الأنصارىّ غفر الله ذنوبه». وبآخرها خط العلامة أحمد بن عبد القادر ابن مكتوم القيسى المتوفى سنة ٧٤٩، ونص ما كتب: «لخص هذا المجلد لنفسه أحمد بن مكتوم القيسى». وعدد الأسطر لكل صفحة ٢١ سطرا، ومتوسط الكلمات فى كل سطر ١٠ كلمات.

стр. 26

(٣) نسخة من كتاب أخبار النحويين واللغويين المذكورين فى كتاب الإنباه. لخصه وكتبه بخطه أحمد بن مكتوم القيسى المتوفى سنة ٧٤٩. محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٢٠٦٩ تاريخ تيمور، مكتوبة بقلم معتاد، بها نقص يسير من آخرها، وبأثنائها خروم، وبالنسخة أكل عث وأرضة. وأكثر أسماء المترجمين فيها بعلامة باللون الأحمر، ومتوسط أسطر الصفحة ١٨ سطرا، ومتوسط الكلمات ١١ كلمة فى كل سطر. وحين بدأت العمل فى هذا الكتاب اعتمدت على النسخة المصوّرة عن مكتبة «طوپ قپوسراى» واتخذتها أصلا باعتبارها النسخة الكاملة الوحيدة. ولما مضيت فى العمل وأخذت فى التحقيق، هالنى ما فيها من تحريف واقتضاب وغموض، وخطأ فى النحو والرسم مما يتعذر الاعتماد عليها وحدها؛ ليظهر الكتاب على الوجه الكامل، فعمدت إلى مراجعة الكتب التى نقل عنها المؤلف، والكتب الأخرى التى شاركته فى موضوعه، وأخذت أقابل النصوص بمثلها، والعبارات بما يشبهها. وبهذه الطريقة أمكن إصلاح الخطأ، وردّ الكلمة المصحفة إلى أصلها، مع إكمال الناقص، وشرح المبهم. وقد انتفعت فى ذلك بتلخيص ابن مكتوم أيما انتفاع، وخاصة فإن النسخة المذكورة بخط مؤلفها؛ وهو عالم جليل، ومؤلف ثقة ثبت معروف، وله تعليقات جيدة، وتحقيقات قيمة أثبتها فى حواشى الكتاب. وقد عنيت عناية كبرى بذكر مراجع التراجم فى الكتب الأخرى، ونسبت الأشعار لقائليها، ودللت على مواضعها فى أصولها. ثم طرزت الكتاب بحواشى ضمنها اختلاف العبارات، وتراجم الأعلام، وشرح ما خفى من الكلمات، وما اقتضاه المقام من التعليق على الكتاب. وقد وضعت الزيادة بين علامتين وأشرت إلى مصدرها، وأهملت الإشارة إذا كانت الزيادة مما يقتضيه السياق.

стр. 27

وقد أشرت فى تعليقاتى إلى النسخة المصوّرة عن مكتبة «طوپ قپوسراى» بأنها (الأصل)، ورمزت إلى النسخة المصوّرة عن مكتبة «فيض الله» بحرف (ب)، وإليهما معا (بالأصلين). وأما الفهارس العامة، ومراجع الضبط والتحقيق، فسيذكر كل ذلك في آخر الكتاب. وبعد فإن هذا الكتاب الجليل، ظهر مطبوعا بعد أن ظل محجوبا عن الناس أجيالا عديدة وسنين طويلة لا يعرفه إلا القليل، وهو أيضا يدخل في عداد الكتب النادرة القيمة. وأسأل الله أن يجعله عملا نافعا مقبولا. محمّد أبو الفضل إبراهيم

стр. 28

[مقدمة المؤلف] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وبه توفيقى) الحمد لله خالق الأمم، وبارىء النسم؛ علّم الإنسان ما لم يعلم، وألهمه البيان؛ فهو يورده تارة باللسان ومرة بالقلم؛ سبحانه من قادر قاهر، أعاد إلى العدم عادا ولم ترمّم بعدها إرم «١». قال الشيخ الأجل الإمام الواثق بعفو ربه، جمال الدين أبو الحسن علىّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيبانىّ القفطىّ- عفا الله عنه-: أما بعد، فقد كان بعض منتحلى «٢» صناعة التصنيف قد أجرى ذكر أخبار النحاة [و] رغب فى جمعها، وكان عادم الموادّ، فسأل إعارته بعض ما أنعم الله به من أوعية «٣» العلوم، فأجبته إلى ملتمسه، ونبّهته على الترتيب والتبويب، وأعنته غاية إمكانى. فلما فرغ منه أو كاد، طلب ورقا ليبيّض منه نسخة لأجلى، فمكّنته من ذلك. ثم بلغنى أنه أباع «٤» الورق، وتعلّل عن النّسخ لهذا المجموع وغيره، فذهب كالمغضب، فالتقمه حوت الموت وهو مليم «٥»؛ فأرجو ألّا يكون من كذبه ولؤمه فى العذاب الأليم.

стр. 29

وقد شرعت- بتأييد الله وتوفيقه- فى جمع ما أمكن من ذلك، واستثارة كامنه من مكامنه، واستنباط وارده من موارده، والتورّد على مناهله فى مجاهله، واختراف «١» أثماره من أشجاره، واقتطاف نوّاره من أزهاره؛ بعد أن استوعبت جهد الإمكان؛ حسب ما وقع إلىّ من الموادّ على تطاول الزمان، وذكرت مشايخ علمى النحو واللغة، ممّن تصدّر لإفادتهما تصنيفا وتدريسا ورواية، فى أرض الحجاز، واليمن، والبحرين، وعمان، واليمامة، والعراق، وأرض فارس، والجبال «٢»، وخراسان «٣»، وكرمسير «٤»، وغزنة «٥»، وما وراء النهر «٦»، وأذربيجان «٧»، والمذار «٨»، وإرمينية «٩»، والموصل «١٠»، وديار بكر، وديار مضر «١١»، والجزيرة «١٢»، والعواصم «١٣»، والشام، والساحل «١٤»، ومصر

стр. 30

وعملها، وإفريقية «١»، ووسط المغرب وأقصاه، وجزيرة الأندلس، وجزيرة صقلّيّة «٢». وبالله أسترشد، ومنه أستمدّ الإعانة والتوفيق. وقد جعلته على حروف المعجم؛ ليسهل تناوله، بحول الله وقوته؛ إله العزة لا إله غيره، ولا ربّ سواه.

стр. 31

[التراجم] ذكر أول من وضع النحو وما قاله الرواة فى ذلك الجمهور من أهل الرواية على أنّ أوّل من وضع النحو أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- قال أبو الأسود الدّؤلىّ ﵀: دخلت على أمير المؤمنين علىّ- ﵇ فرأيته مطرقا مفكّرا؛ فقلت: فيم «١» تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال: سمعت ببلدكم لحنا، فأردت أن أصنع كتابا فى أصول العربيّة. فقلت له: إن فعلت هذا أبقيت فينا «٢» هذه اللغة العربية، ثم أتيته بعد أيام، فألقى إلىّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كلّه اسم وفعل وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل. ثم قال: تتّبعه وزد فيه ما وقع لك. واعلم أن الأشياء «٣» ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشىء ليس بظاهر ولا مضمر؛ وإنما يتفاضل العلماء فى معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر. فجمعت أشياء وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأنّ. ولم أذكر لكنّ، فقال: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. فقال: بلى هى منها، فزدها فيها.

стр. 32

هذا هو الأشهر من أمر ابتداء النحو. وقد تعرّض الزجّاجىّ أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام علىّ، كرم الله وجهه. ورأيت بمصر فى زمن الطلب بأيدى الورّاقين جزءا فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنها مقدّمة علىّ بن أبى طالب التى أخذها عنه أبو الأسود الدّؤلىّ. وروى أيضا عن أبى الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب- ﵇ فأخرج لى رقعة فيها: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. قال: فقلت: ما دعاك إلى هذا؟ قال: رأيت فسادا فى كلام بعض أهلى؛ فأحببت أن أرسم رسما يعرف به الصواب من الخطأ. فأخذ أبو الأسود النحو عن على- ﵇ ولم يظهره لأحد. ثم إن زيادا سمع بشىء مما عند أبى الأسود، ورأى اللحن قد فشا؛ فقال لأبى الأسود: أظهر ما عندك ليكون للناس إماما. فامتنع من ذلك، وسأله الإعفاء، حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ بالكسر؛ فقال: ما ظننت أمر الناس آل إلى هذا. فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير؛ فليبغنى «١» كاتبا لقنا «٢» يفعل ما أقول، فأتى بكاتب من عبد القيس «٣»، فلم يرضه، فأتى بكاتب آخر- قال المبرّد: أحسبه منهم- فقال له أبو الأسود: إذا رأيتنى قد فتحت فمى بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمى فانقط نقطة بين يدى الحرف، وإن كسرت فاجعل نقطة من تحت الحرف، وإن مكّنت «٤» الكلمة بالتنوين فاجعل أمارة ذلك نقطتين. ففعل ذلك، وكان أوّل ما وضعه لهذا السبب.

стр. 33

وقد قيل: إن الذى رآه أبو الأسود ونكره، أنه مرّ به سعد- وكان رجلا فارسيّا من أهل نوبندجان «١» - كان قدم البصرة مع جماعة [من] أهله، فادّعوا لقدامة «٢» بن مظعون أنهم أسلموا على يديه؛ فإنّهم بذاك من مواليه. ولما مرّ سعد بأبى الأسود- وكان يقود فرسا له- قال له أبو الأسود: ما لك لا تركبه يا سعد؟ قال: «إن فرسى ظالعا». وأراد أن يقول: «ظالع» «٣» قال: فضحك به بعض من حضر، فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالى قد رغبوا فى الإسلام ودخلوا فيه، فصاروا لنا إخوة، فلو علّمناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول. وأهل مصر قاطبة يرون بعد النقل والتصحيح أنّ أوّل من وضع النحو علىّ بن أبى طالب- كرّم الله وجهه- وأخذ عنه أبو الأسود الدّؤلىّ، وأخذ عن أبى الأسود الدّؤلىّ نصر بن عاصم البصرىّ، وأخذ عن نصر أبو عمرو بن العلاء البصرىّ، وأخذ عن أبى عمرو [الخليل بن أحمد، وأخذ عن الخليل] «٤» سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر «٥»، وأخذ عن سيبويه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط، وأخذ عن الأخفش أبو عثمان بكر بن محمد المازنىّ الشيبانىّ وأبو عمر الجرمىّ، وأخذ عن المازنىّ والجرمىّ أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، وأخذ عن المبرّد أبو إسحق الزجّاج وأبو بكر بن السرّاج، وأخذ عن ابن السّراج أبو على الحسن ابن عبد الغفار الفارسىّ؛ وأخذ عن الفارسىّ أبو الحسن على بن عيسى الرّبعىّ؛ وأخذ عن

стр. 34

الرّبعىّ أبو نصر القاسم بن مباشر الواسطىّ؛ وأخذ عن ابن المباشر طاهر بن أحمد ابن بابشاذ «١» المصرىّ. وأخذ أيضا عن الزجّاج أبو جعفر النحّاس أحمد بن إسماعيل المصرىّ؛ وأخذ عن النحّاس أبو بكر الأدفوىّ «٢»، وأخذ عن الأدفوىّ أبو الحسن على ابن إبراهيم الحوفىّ؛ وأخذ عن الحوفىّ طاهر بن أحمد بن بابشاذ «٣» النحوىّ؛ وأخذ عن ابن بابشاذ أبو عبد الله محمد بن بركات النحوىّ المصرىّ، وأخذ عن ابن بركات وعن غيره أبو محمد بن برّىّ، وأخذ عن ابن برّىّ جماعة من علماء أهل مصر، وجماعة من القادمين عليه من المغرب وغيرها؛ وتصدّر فى موضعه بجامع عمرو بن العاص تلميذه الشيخ أبو الحسين النحوىّ المصرىّ المنبوز بخرء الفيل. ومات فى حدود سنة عشرين وستمائة. ومن الرواة من يقول: إنّ أبا الأسود هو أوّل من استنبط النحو، وأخرجه من العدم إلى الوجود، وإنه رأى بخطه ما استخرجه، ولم يعزه إلى أحد قبله. فممّن قال ذلك محمد بن إسحاق أبى يعقوب أبو الفرج المعروف بابن النديم «٤»، وكان كثير البحث والتفتيش عن الأمور القديمة، كثير الرغبة فى الكتب وجمعها وذكر أخبارها وأخبار مصنّفيها، ومعرفة خطوط المتقدمين، قال «٥»: «كان بمدينة الحديثة «٦» رجل يقال له محمد بن الحسين، ويعرف بابن أبى بعرة، جمّاعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوى على قطعة من الكتب العربية

стр. 35

فى النحو واللغة والأدب والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات، فأنس بى- وكان نفورا ضنينا بما عنده، خائفا عليها من بنى حمدان- فأخرج لى قمطرا كبيرا، فيه نحو ثلاثمائة رطل؛ جلود وصكاك «١»، وقرطاس مصرىّ، وورق صينىّ، وورق تهامىّ وجلود أدم «٢» وورق خراسانىّ، فيها تعليقات لغة عن «٣» العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشىء من النحو والحكايات والأخبار والأنساب والأمهات، وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم. وذكر أن رجلا من أهل الكوفة، ذهب عنى اسمه، كان مستهترا «٤» بجمع الخطوط القديمة، وأنه لما حضرته الوفاة خصّه بذلك لصداقة كانت بينهما، وإفضال من محمد بن الحسين عليه، ومجانسته بالمذهب، فإنه كان شيعيا». قال ابن النديم: «فرأيتها وقلّبتها فرأيت عجبا! إلا أن الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملا؛ درسها «٥» وأحرفها «٦». وكان على كل جزء أو ورقة أو مدرجة «٧» توقيع بخطوط العلماء؛ واحدا بعد واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كل توقيع توقيع آخر، خمسة وستة من شهادات العلماء على خطوط بعض لبعض، ورأيت فى جملتها مصحفا بخط خالد بن أبى الهياج، صاحب على ﵇ «٨». ورأيت فيها بخطوط الأئمة «٩» من [آل] الحسن وآل الحسين- ﵈ ورأيت عنده

стр. 36

أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علىّ- ﵇، وبخط غيره من كتّاب النبى ﷺ . ورأيت من خطوط العلماء فى النحو واللغة، مثل أبى عمرو بن العلاء، وأبى عمرو الشيبانىّ، والأصمعىّ، وابن الأعرابىّ [و] سيبويه، والفرّاء، والكسائىّ، ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثّورىّ والأوزاعىّ وغيرهم. ورأيت ما يدل على أن النحو من «١» من أبى الأسود، ما هذه حكايته، وهى أربع أوراق، وأحسبها من ورق الصين. ترجمتها: هذه فيها كلام فى الفاعل والمفعول من أبى الأسود- رحمة الله عليه- بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علّان النحوىّ، وتحته: هذا خط النّضر بن شميل». قال ابن النديم: «ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القمطر وما كان فيه، فما سمعنا له خبرا، ولا رأيت منه «٢» غير المصحف؛ هذا على كثرة بحثى عنه». فقد تعيّن إذا ذكر أمير المؤمنين على بن أبى طالب- كرم الله وجهه- وذكر مختصر من خبره؛ ثم أتبعه بذكر أبى الأسود الدؤلىّ وشىء من أخباره، ثم أذكر النحاة بعد ذلك على حروف المعجم؛ ليسهل تناول أخبارهم لطالب ذلك. وإذا ذكرت الشخص منهم فى بابه علم من خبره وزمانه من أىّ الطبقات هو؟ والله الموفّق؛ إنه على كل شىء قدير؛ وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 37

١ - ذكر أخبار أمير المؤمنين علىّ كرم الله وجهه [١] هو علىّ بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ ابن كلاب بن مرة بن كعب [بن لؤىّ] بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معدّ بن عدنان. واسم أبى طالب عبد مناف. وأم علىّ فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ابن قصىّ. وقالوا: هى أول هاشمية ولدت لهاشمىّ «١»، أسلمت وهاجرت إلى النبىّ ﷺ وماتت، وشهدها النبىّ ﷺ . وقال محمد بن المهلّب: حدّثنا عبد الله بن رجاء، أخبره إسرائيل عن أبى إسحق «٢»، قال: انطلق بى أبى يوم الجمعة [إلى المسجد]؛ فلما خرج علىّ بن أبى طالب فصعد

стр. 38

المنبر قال لى: يا عمرو، قم فانظر إلى أمير المؤمنين. قال: فقمت، ونظرت إليه قائما، فإذا هو فى إزار ورداء؛ ليس عليه قميص؛ وإذا هو رجل ضخم البطن، أبيض الرأس واللحية، فلم يرفع يده كما يرفع هؤلاء، ولم يجلس على المنبر حتى نزل. وذكر حبّة العرنىّ «١» قال: سمعت عليا قال: «أنا أول رجل صلى مع النبىّ ﷺ ». وروى مسلم الملائىّ «٢» عن أنس قال: بعث النبىّ- ﷺ يوم الاثنين، وأسلم علىّ يوم الثلاثاء. وعن ابن إسحاق قال: ثم كان أول من أسلم بعد خديجة علىّ بن أبى طالب، وهو يومئذ ابن عشر سنين، وبويع بالخلافة سنة خمس وثلاثين للهجرة، فأقام فى الخلافة خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. ولما ولى علىّ الخلافة بعد عثمان أراد الانحدار إلى العراق؛ فقال له عبد الله ابن سلام «٣»: أقم عند منبر رسول الله- ﷺ ولا أراك تتحرك «٤»،

стр. 39

ولا تنحدر إلى العراق، فإنك إن انحدرت لم ترجع. فهمّ به ناس من أصحابه؛ فقال: دعوه فإنه منّا أهل البيت. فانحدر إلى العراق، فكان من أمره ما كان. فلما قتل قال عبد الله بن سلام: هذا رأس الأربعين، وسيكون مصلح، وما قتلت أمّة نبيّها إلا قتل الله به منهم سبعين ألفا، ولا قتلوا خليفة- أو قال خليفتهم- إلا قتل به منهم خمسا وثلاثين ألفا. وقال عبد الله بن رافع: سمعت عليا- واجتمع الناس عليه حتى أدموا رجله- فقال: «اللهم إنى قد كرهتهم». قال: فما مات إلا تلك الليلة. وروى أبو معشر قال: قتل علىّ بن أبى طالب- ﵇ فى شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة منه. وكان علىّ يخرج إلى الصبح وبيده درّة يوقظ بها الناس، فخرج، فضربه ابن ملجم، فأخذ، فقال علىّ: «أطعموه واسقوه، وأحسنوا إساره، فإن أصبح فأنا ولىّ دمى، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، فإن أنا هلكت، فبدا لكم أن تقتلوه فلا تمثّلوا به». وقتل على- ﵇ وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقيل ابن سبع وخمسين سنة، وقيل ابن ثلاث وستين سنة. ولو أردت أن أجعل أخباره فى عدة مجلدات لوجدت من المواد ما يعين على ذلك، بمنّ الله وجوده، ولكننى اقتصرت «١» على هذه النّبذة؛ لتكون لائقة بهذا المختصر، وبه أستعين.

стр. 40

٢ - أخبار أبى الأسود الدؤلىّ ﵀ [١] أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان، وقيل: ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، وقيل: ابن سفيان بن جندل بن عمرو بن عدىّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وقيل: اسمه عثمان. وقيل: ابن عمرو بن حلبس «١» بن نفاثة- وقيل حلس «٢». وابن حبيب «٣» ينسبه فيقول: الديلىّ (بكسر الدال وإسكان الياء)، وأما المبرّد وغيره فيقولون: الدئلىّ (بضم الدال وكسر الياء والهمزة). وكذلك قال ابن سلّام.
следующие страницы →