ومنه «١»:
شهدت بأن الكلب ليس بنابح ... يقينا وأن الّليث فى الغاب ما زأر
وأنّ قريشا ليس منها خليفة ... وأن أبا بكر شكا الحيف من عمر
وأنّ عليا لم يصلّ بصحبه ... وما هو والله العظيم من البشر
ومنه «٢» - وقد قيل إن هذا من الإلغاز:
الحمد لله [قد] أصبحت فى لجج ... مكابدا من هموم الدّهر قاموسا «٣»
قالت معاشر لم يبعث إلهكم «٤» ... إلى البريّة لا عيسى ولا موسى
وإنّما جعلوا الرحمن مأكلة ... وصيّروا دينهم للملك ناموسا «٥»
ولو قدرت لعاقبت الّذين طغوا ... حتى يعود حليف الغىّ مغموسا «٦»
ومنه «٧»:
فلا تحسب مقال الرّسل حقّا ... ولكن قول زور سطّروه
وكان الناس فى عيش رغيد ... فجاءوا بالمحال فكدّروه
ومنه «٨»:
والنفس أرضية «٩» فى رأى طائفة ... وعند قوم ترقّى فى السموات
تمضى على هيئة الشخص الذى سكنت ... فيه إلى دار نعم «١٠» أو شقاوات
стр. 107
وكونها فى ضريح الجسم أحوجها «١» ... إلى ملابس عنّتها «٢» وأقوات
وإنما حمّل التوراة قارئها ... كسب الفوائد لا حبّ التّلاوات
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا ... وأورثتنا أفانين العداوات
وهل أبيحت نساء الروم «٣» عن عرض ... للعرب إلا بأحكام النّبوّات
ومنه «٤»:
لعمرى لقد طال هذا السّفر ... على وأصبحت أحدو النّفر «٥»
أأخرج من تحت هذى السماء ... فكيف الإباق وأين المفر
لحى الله قوما إذا جئتهم ... بصدق الأحاديث قالوا: كفر
وإن غفرت موبقات الذنوب ... فكلّ مصائبهم تغتفر
هنيئا لجسمى إذا ما استقرّ ... وصار لعنصره «٦» فى العفر «٧»
وله كتاب سماه الفصول والغايات، عارض به السور والآيات، لم يقع إلينا منه شىء فنورده.
وحدثنى الوزير فخر الدولة أبو نصر بن «٨» جهير. قال: حدثنى المنازىّ «٩» الشاعر قال: اجتمعت بأبى العلاء المعرىّ بمعرّة النعمان، وقلت له: ما هذا الذى يروى عنك
стр. 108
ويحكى؟ فقال: حسدنى قوم فكذبوا علىّ، وأساءوا إلىّ. فقلت له: على ماذا حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة أيها الشيخ! قلت:
إى والله. ثم قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم، ولم تلوم من يأكله؟ فقال: رحمة للحيوان. قلت: لا! ولعمرى بل تقول إنه من شره «١» الناس! إنهم يجدون ما يأكلون، ويتجزّون «٢» به عن اللّحمان ويتعوّضون. فما تقول فى السباع والجوارح التى خلقت لا غذاء لها غير اللّحوم من النّاس والبهائم والطير، ودمائها وعظامها؛ ولا طعام تعتاض به عنها ولا تتجزّى به، حتى لم يخلص [من] ذاك حشرات الأرض؟
فإن كان الخالق لها الذى نقوله نحن فما أنت بأرأف منه بخلقه، ولا أحكم منه فى تدبيره. وإن كانت الطبائع المحدثة لذاك- على مذهبك- فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن صنعة، ولا أحكم عملا، حتى تعطّلها، ويكون رأيك وعملك وعقلك أوفى منها وأرجح، وأنت من إيجادها «٣»، غير محسوس عندها! فأمسك».
قال غرس النعمة: «وأذكر عند ورود الخبر بموته، وقد تذاكرنا أمره، وإظهاره الإلحاد وكفره، ومعنا غلام يعرف بأبى غالب بن نبهان، من أهل الخير والسلامة، والفقه والديانة، فلما كان من غد يومنا حكى لنا- وقد مضى ذلك الحديث بسمعه عرضا- فقال: أريت البارحة فى منامى رجلا شيخا ضريرا، وعلى عاتقه أفعيان متدلّيتان إلى فخذيه، وكل منهما يرفع فمه إلى وجهه، فيقطع منه لحما يزدرده وهو يصيح ويستغيث، فقلت: من هذا؟ - وقد أفزعنى ما رأيت منه، وروّعنى ما شاهدته عليه- فقيل لى: هذا المعرىّ الملحد. فعجبنا من ذلك واستطرفناه بعقب ما تفاوضناه من أمره وتجاريناه».
стр. 109
قرأت بخط المفضّل بن مواهب بن أسد الفازرىّ الحلبىّ، المسمى بشاعر آل محمد، حدّثنى الشيخ أبو عبد الله الأصبهانىّ «١»، قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التّنوخىّ الوفاة أتاه القاضى الأجلّ أبو محمد عبد الله التنوخىّ «٢» بقدح شراب، فامتنع من شرابه، فحلف القاضى أيمانا مؤكّدة لابدّ من أن يشرب ذلك القدح، وكان سكنجبينا، فقال أبو العلاء مجيبا له عن يمينه:
أعبد الله، خير من حياتى ... وطول ذمائها «٣» موت مريح
تعلّلنى لتسقينى فذرنى ... لعلّى أستريح وتستريح
وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات فى اليوم الرّابع، ولم يكن عنده غير بنى عمّه، فقال لهم فى اليوم الثالث: اكتبوا. فتناولوا الدّوىّ والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب. فقال القاضى أبو محمد: أحسن الله عزاءكم فى الشيخ، فإنه ميّت.
فمات فى غداة غده.
وإنما أخذ القاضى هذه المعرفة من ابن بطلان «٤»، لأن ابن بطلان كان يدخل على أبى العلاء، ويعرف ذكاءه وفضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه. فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء. فقيل:
وكيف عرفت ذلك؟ فقال: هذا رجل فطن ذكىّ، ولم تجر عادته بأن يستمرّ عليه سهو أو غلط، فلمّا أخبرتمونى بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، وفكره قد انفسد، وآلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت. والله أعلم.
стр. 110
ومن شعره أيام مرضه، فى القاضى أبى محمد عبد الله التّنوخىّ: «١»
وقاض لا يزال الليل عندى ... وطول نهاره بين الخصوم «٢»
يكون أبّر بى من فرخ نسر ... بوالده وألطف من رحيم
سأنشر شكره فى يوم حشر ... أجل، وعلى الصّراط المستقيم
هذه آخر أخبار أبى العلاء بن سليمان.
٣٠ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن طريف بن سعد [١]
من أهل قرطبة، يكنى أبا الوليد. روى عن القاضى سراج بن عبد الله بقرطبة وطبقته، وكان نحويّا فاضلا أديبا لغويا، وله تصنيف فى الأفعال. واختلف الناس فى ذلك القطر إليه، واستفادوا منه. وتوفى- ﵀ هناك يوم الجمعة.
ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر بمقبرة سلمة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. «٣»
٣١ - أحمد بن عبد الله المعبدىّ النحوىّ [٢]
صاحب ثعلب، من ولد «٤» معبد بن عباس بن عبد المطلب «٥» وكان بارعا.
стр. 111
٣٢ - أحمد بن عبيد الله بن الحسن بن شقير أبو العلاء البغداذىّ النحوىّ [١]
روى عن أبى عمر الزاهد، وأبى بكر بن الأنبارى، وابن دريد، وأحمد بن فارس، وغيرهم من مشايخ الحديث.
٣٣ - أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر أبو جعفر النحوىّ [٢]
مولى بنى هاشم، ويعرف بأبى عصيدة، وهو ديلمىّ الأصل. حدّث عن الواقدىّ والأصمعىّ والحسين بن علوان «١» وغيرهم، وأكثر من السماع من المشايخ.
كان نحويا متصدرا للإقراء بسرّ من رأى، وهو معدود فى نحاة الكوفة، وروى عنه أبو محمد «٢» قاسم الأنبارىّ. ولما أراد المتوكل أن يأمر باتخاذ المؤدّبين لولديه:
стр. 112
المنتصر والمعتز جعل ذلك إلى إيتاخ، فأمر إيتاخ «١» كاتبه بتولى ذلك، فبعث إلى الأحمر «٢» والطّوال «٣»، وابن قادم «٤»، وأحمد بن عبيد، وغيرهم من الأدباء، فأحضرهم مجلسه، فجاء أحمد بن عبيد فقعد فى آخر الناس، فقال له من قرب منه: لو ارتفعت. فقال:
حيث انتهى بى المجلس. فلما اجتمعوا قال لهم الكاتب: لو تذاكرتم وقفنا على موضعكم من العلم. فألقى لهم بيت ابن غلفاء «٥»، وهو:
ذرينى إنما خطئى وصوبى ... علىّ وإنّ ما أنفقت مال
وقال: ارتفع «مال» بماذا؟ فقيل: ارتفع «مال» بما؛ إذا كانت موضع الذّى، ثم سكتوا. فقال أحمد بن عبيد: هذا الإعراب، فما المعنى؟ فأحجم القوم. فقيل له: ما المعنى عندك؟ فقال: أراد ما لومك إياى؛ إنما أنفقت ما لا، ولم أنفق عرضا «٦»، والمال لا ألام عليه فى إنفاقه.
فجاء خادم من صدر المجلس، فأخذ بيده حتى تخطّى به إلى أعلى المجلس، وقال: ليس هذا موضعك، فقال: لأن أكون فى مجلس أرفع منه إلى أعلاه أحبّ
стр. 113
إلىّ من أن أكون فى مجلس أرتفع منه إلى آخره، ثم أحطّ عنه. واختير وآخر معه، وهو ابن قادم. وله من الكتب المصنفة كتاب الزيادات فى معانى الشعر ليعقوب، وإصلاحه «١». وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث «٢».
٣٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس أبو اليمن الأطرابلسىّ [١]
النحوىّ اللغوىّ الأديب. حدّث بصور فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
ذكره أبو طاهر الصورىّ فى جملة الشيوخ الذين أدركهم بطرابلس قال:
أبو اليمن أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس. عاصر ابن خالويه، وكان يدرس العربية واللغة، ومات بطرابلس، وخلّف ولدا شخص إلى العراق وتقدم هناك.
٣٥ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بالهيثم أبو العباس النحوىّ المصرىّ [٢]
كان من أهل الديار المصرية، وكان أديبا ومتصرفا فى علم الأدب والعربية؛ شاعرا حسنا، له يد فى الغزل، وكان فى عصر كافور الإخشيدىّ، وربما مرّ له فى هذا الكتاب ذكر. ومن شعره:
إذا ما نلت من دنياك حظا ... فأحسن للغنىّ وللفقير
ولا تمسك يديك على قليل ... فإنّ الله يأتى بالكثير
стр. 114
٣٦ - أحمد بن عبد السيد بن على النحوىّ البغدادىّ أبو الفضل [١]
يعرف بابن الأشقر. كان ينزل بالقطيعة «١» من باب الأزج. أديب فاضل، له معرفة بالأدب والنحو واللغة والعربية. قرأ على أبى زكريا يحيى بن على الخطيب التبريزىّ، ولازمه حتى حصّل معرفة الأدب، وسمع شيئا من الحديث من شيوخ زمانه.
وكان من رآه يصفه بالفضل والمعرفة، وكان أبو محمد بن الخشّاب النحوىّ يقصد ابن الأشقر هذا ويذاكره، ويسأله عن أشياء، ويبحث معه. قرأ عليه جماعة وأخذوا عنه؛ منهم أبو العباس أحمد بن هبة الله، المعروف بابن الزاهد.
٣٧ - أحمد بن على بن محمد بن بطّة البغداذىّ الأديب [٢]
قرأ الأدب بالعراق، وروى عن أبى بكر بن دريد، وقدم دمشق فى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وروى بها عن أبى بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدىّ.
سمع منه أبو بكر أحمد بن محمد بن سرام الغسانىّ النحوىّ، وأبو علىّ الحسن بن على الصّقلّىّ النحوىّ. ولابن بطّه شعر، منه:
إذا كنت ترضى من أخ ذى مودّة ... إخاء بلا شىء فواخ المقابرا
فلا خيرها يرجى ولا الشرّ يتّقى ... ولا حاسدا منها تظل محاذرا
стр. 115
ومن شعره:
لا تصنعنّ إلى اللئام صنيعة ... فيضيع ما تأتى من الإحسان
وضع الصنائع فى الكرام فشكرها ... باق عليك بقيّة الأزمان
ومن شعره:
ما شدّة الحرص وهو قوت ... وكلّ ما بعده يفوت
لا تجهد النفس فى ارتياد ... فقصرنا أنّنا نموت
٣٨ - أحمد بن على بن محمد أبو عبد الله النحوىّ الرّمّانىّ المعروف بالشّرابىّ الأديب [١]
دمشقى الدار، حدّث بكتاب إصلاح المنطق ليعقوب بن السّكّيت، عن أبى جعفر محمد بن أحمد الجرجانىّ، عن أبى علىّ الحسن بن إبراهيم الآمدىّ عن أبى الحسن على بن سليمان الأخفش، عن ثعلب، عن ابن السّكّيت، رواه عنه أبو نصر بن طلّاب الخطيب. توفى أحمد بن على الرمّانىّ النحوىّ بدمشق يوم الجمعة ليومين مضيا من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة.
٣٩ - أحمد بن على بن هبة الله [٢]
ابن الحسين بن على بن محمد بن يعقوب بن الحسين بن المأمون العباسىّ. «١» ابن أبى الحسن الهاشمى المعروف بابن الزوال. «٢» والأصل فيه الزّول، وهو الرجل الشجاع،
стр. 116
ونطق الناس فيه بزيادة الألف. فاضل حافظ للقرآن المجيد، قرأ بالقراءات على أبى بكر المرزوقىّ وغيره، وله معرفة حسنة بالأدب، [و] قرأ على الشيخ أبى المنصور ابن الجواليقىّ وأكثر؛ حتى صار من متميّزى أصحابه. وسمع الحديث من مشايخ زمانه وأكثر، وحدّث بالكثير، وصنف اللغة، وأقرأ الأدب، وتولى قضاء دجيل «١»، وكان ينزل بالحظيرة «٢» من نواحى دجيل، ويقدم بغداذ فى أكثر الأوقات.
سئل عن مولده فقال: فى ضحا نهار الثلاثاء ثالث عشر ذى القعدة من سنة تسع وخمسمائة ببغداذ بدرب فيروز. وتوفى يوم السبت تاسع عشر شعبان من سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بباب حرب.
٤٠ - أحمد بن علىّ أبى جعفر بن أبى صالح البيهقىّ المعروف ببو جعفرك [١]
نزيل نيسابور. كان إماما فى القراءة والتفسير والنحو واللغة، وصنّف التصانيف فيها، وانتشرت فى البلاد. منها كتاب تاج المصادر «٣»، وظهر له أصحاب وتلامذة نجباء، وتخرّجوا عليه، وكان لازما بيته فى المسجد القديم بنيسابور، لا يخرج إلا فى أوقات الصلوات، ولا يزور أحدا، بل كان يزار ويتبرّك به، وكانت ولادته فى حدود سنة سبعين وأربعمائة. وتوفى يوم الثلاثاء بعد العصر، آخر يوم
стр. 117
من شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة عن مرض قليل، وصلى عليه يوم العيد فى الدهليز المتصل بالجامع القديم، وتزاحم الناس عليه، ودفن بمقبرة نوح.
٤١ - أحمد بن على حمّويه النيسابورىّ [١]
ذكره ابن البيّع الحافظ فى تاريخه، وسماه النحوىّ، وقال عنه: سمع أبا معاذ الفضل بن خالد النحوىّ، وحفص بن عبد الله السلمىّ، وروى عنه محمد بن عبد الوهاب العبدىّ، وإبراهيم بن عيسى الذّهلىّ.
٤٢ - أحمد بن عمر بن بكير النحوىّ [٢]
نحوىّ مذكور متصدر لإقراء العلم، عاصر أبا عبيدة معمر بن المثنّى التيمىّ والأصمعىّ ونصر بن على الجهضمىّ. ووطئ بسط الأمراء والكبراء والوزراء.
وروى عنه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وطبقته.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: أخبرنى «١» أحمد بن عمر بن بكير النحوىّ، قال:
لما قدم الحسن بن سهل العراق قال: أحبّ أن أجمع قوما من أهل الأدب، فيخبرون «٢» بحضرتى فى ذلك، فحضر معمر بن المثنّى التيمىّ أبو عبيدة، والأصمعىّ، ونصر بن علىّ الجهضمىّ، وحضرت معهم.
فابتدأ الحسن ينظر فى رقاع كانت بين يديه للناس فى حاجاتهم، ووقّع عليها فكانت خمسين رقعة، ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أقبل علينا فقال: قد فعلنا خيرا، ونظرنا فى بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرّعية، فنأخذ الآن فيما نحتاج إليه.
стр. 118
فأفضينا فى ذكر الحّفاظ، فذكرنا الزّهرى وقتاده ومررنا، فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض أيها الأمير فى ذكر ما مضى؟ وإنما نعتمد فى قولنا على حكاية عن قوم، ونترك ما نحضره. ها هنا من يقول: إنه ما قرأ كتابا قطّ فاحتاج أن يعود فيه، ولا دخل قلبه «١» شىء فخرج عنه، فالتفت الأصمعىّ وقال: إنما يريدنى بهذا القول أيها الأمير، والأمر فى ذلك على ما حكى، وأنا أقرّب عليه، قد نظر الأمير فيما نظر من الرّقاع، وأنا أعيد ما فيها وما وقّع به الأمير على رقعة رقعة، على توالى الرّقاع.
قال: فأمر، فأحضر الخازن الرّقاع، وإذا الخازن قد شكّها «٢» على توالى نظر الحسن، فقال الأصمعىّ: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا ووقّع له بكذا، وسردهم على التوالى، حتى مرّ على نيّف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر ابن على فقال: يأيها الرجل، أبق على نفسك من العين. فكفّ الأصمعىّ.
٤٣ - أحمد بن عمّار بن أبى العباس المهدوىّ المغربىّ [١]
النحوىّ اللغوىّ المفسر. أصله من المهديّة من بلاد إفريقية. روى عن الشيخ الصالح أبى الحسن القابسىّ، ودخل الأندلس فى حدود الثلاثين والأربعمائة.
وكان عالما بالأدب، والقراءات، متقدما فيها، وألف كتبا كثيرة النفع، مثل كتاب التفصيل، وهو كتابه الكبير فى التفسير، ولما أظهر هذا الكتاب فى الأندلس قيل لمتولّى الجهة التى نزل بها من الأندلس: ليس الكتاب له، وإذا أردت علم ذلك فخذ الكتاب إليك، واطلب منه تأليف غيره. ففعل ذلك، وطلب غيره؛
стр. 119
فألّف له التحصيل، وهو كالمختصر منه، وإن تغيّر الترتيب بعض تغير. والكتابان مشهوران فى الآفاق، سائران على أيدى الرّفاق. وله كتاب تعليل القراءات السبع، وهو كتاب جميل، ذاكرات به بعض أدباء عصرنا فقال: هو عندى أنفع من الحجة لأبى علىّ الفارسىّ. فقلت له: وهو صغير الحجم؟ فقال: إلا أنه كثير الفوائد، حسن الاختصار، يصلح للمبتدى والمنتهى، وإنّ الواقف على كتاب الحجة إذا نظر إلى «١» أبى علىّ على مألك، وما تصرف به القول فيها صدّ؟؟؟
عن النظر فى شىء بعده «٢».
٤٤ - أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين [١]
المقيم بهمذان «٣». من أعيان أهل العلم، وأفراد الدهر، وهو بالجبل كابن لنكك «٤» بالعراق، يجمع إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء، وله كتب بديعة، ورسائل
стр. 120
مفيدة وأشعار جيدة، وتلامذة كثيرة «١»، منهم بديع الزمان الهمذانىّ. وكان شديد التعصب لآل العميد، وكان الصاحب بن عبّاد يكرهه لأجل ذلك. ولما صنّف للصاحب كتاب الحجر، وسيّره إليه فى وزارته قال: ردّوا الحجر من حيث جاء، وأمر له بجائزة ليست سنية.
ولابن فارس شعر جميل، ونثر نبيل، فمن شعره:
سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا وفى الأحشاء نار تضرّم
ومالى لا أصفى الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذى أحسنته غير أنّنى ... مدين وما فى جوف بيتى درهم
وله أيضا:
وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضّى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصّدر قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمى هرّتى وأنيس نفسى ... دفاتر لى ومعشوقى السّراج
وله أيضا:
وصاحب لى أتانى يستشير وقد ... أراد فى جنبات الأرض مضطربا
قلت اطلّب أى شىء شئت واسع ورد ... منه الموارد إلّا العلم والأدبا
وذكره أبو الحسن الباخرزىّ وسجع له فقال: «٢» «أبو الحسين بن فارس: إذا ذكرت اللغة فهو صاحب مجملها، لا؛ بل صاحبها المجمل [لها] «٣»، وعندى أن تصنيفه ذلك من أحسن ما صنّف فى معناها، وأن مصنفها إلى أقصى غاية من الإحسان تناهى».
стр. 121
ورأيت ترجمة لأحمد بن فارس فى بعض تصانيف المتأخرين، وقد لقفها من أماكن متعددة، فنقلتها على صورتها وهى:
«أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب أبو الحسين الرازىّ- وقيل القزوينىّ الزهراوىّ الأشتاجردىّ. واختلفوا فى وطنه؛ فقيل كان من قزوين، ولا يصح ذلك؛ وإنما قالوه لأنه كان يتكلم بكلام القزاونة. وقيل كان من رستاق الزهراء، من القرية المدعوّة كرسف جياناتاذ.
كان واسع الأدب، متبحرا فى اللغة العربية، فقيها شافعيا، وكان يناظر فى الفقه، وكان ينصر مذهب مالك بن أنس. وطريقته فى النحو طريقة الكوفيين، وإذا وجد فقيها أو متكلما أو نحويا كان يأمر أصحابه بسؤالهم إياه، ويناظره فى مسائل من جنس العلم الذى يتعاطاه، فإن وجده بارعا جدلا جرّه فى المجادلة إلى اللغة، فيغلبه بها، وكان يحث «١» الفقهاء دائما على معرفة اللغة ويلقى عليهم مسائل، ذكرها فى كتاب سماه كتاب فتيافقيه العرب، ويخجلهم بذلك؛ ليكون خجلهم داعيا إلى حفظ اللغة ويقول: من قصّر علمه عن اللغة وغولط غلط».
قال أبو عبد الله الحميدىّ: «٢» سمعت أبا القاسم سعد بن على بن محمد الزّنجانىّ «٣» يقول:
كان أبو الحسين أحمد بن فارس الرازىّ من أئمة أهل اللغة فى وقته محتجّابه فى جميع
стр. 122
الجهات غير منازع، منجبا فى التعليم، ومن تلاميذه بديع الزمان الهمذانى وغيره.
وأصله من همذان، ورحل إلى قزوين إلى أبى الحسن إبراهيم بن على بن إبراهيم ابن سلمة بن فخر، الإمام الفقيه الجليل الأوحد فى العلوم، فأقام هنالك مدة، ورحل إلى زنجان «١» إلى أبى بكر أحمد بن الحسن بن الخطيب رواية ثعلب، ورحل إلى ميانج. «٢»
ومن شيوخه أحمد بن طاهر بن المنجّم أبو عبد الله. وكان أبو الحسين بن فارس يقول عن أبى عبد الله هذا: إنه ما رأى مثله، ولا رأى هو مثل نفسه.
واستوطن أبو الحسين الرّىّ بأخرة، «٣» وكان سبب ذلك أنه حمل إليها من همذان، ليقرأ عليه مجد الدولة أبو طالب بن فخر الدولة، فسكنها واكتسب مالا، وبلغ ذلك «٤» بتعليمه من النجابة مبلغا مشهورا.
وكان ابن فارس كريم النفس جواد اليد، لا يكاد يردّ سائلا حتى يهب ثيابه وفرش بيته، ومن رؤساء أهل السنة المجوّدين «٥» على مذهب أهل الحديث، وتوفّى بالرّى فى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. ودفن مقابل مشهد القاضى علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ رحمهما الله تعالى.
أنشد أبو الفتح سلم بن أيوب الفقيه الرازىّ بصور قال: أنشدنى أبو الحسين ابن فارس لنفسه:
إذا كنت تأذى بحرّ المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لى متى
وله مقطعات متعددة من الشعر، توجد فى كتب من صنّف أخبار الشعراء.
стр. 123
٤٥ - أحمد بن قاسم النحوىّ المعروف بابن الأديب [١]
من أهل قرطبة، من مقبرة كلع. سكن المرّية، «١» يكنى أبا عمر. كان من أهل العناية بالعلم والأدب، كفّ بصره فى حداثة السن. وتوفى بالمرّية ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت لذى القعدة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، ودفن بعد صلاة الظهر يوم الثلاثاء فى الشريعة، وصلى عليه القاضى أبو الوليد الزّبيدىّ.
٤٦ - أحمد بن كليب النحوىّ [٢]
أديب شاعر أندلسى، قد أفرط فى حب أسلم «٢» بن قاضى الجماعة، إلى أن مات بذلك، وكان يقول فيه أشعارا خفية؛ ثم اشتهرت؛ حتى زمر بها زامر عندهم يعرف بالنكورىّ فى الأعراس، وهى.
أسلمنى «٣» فى هوا ... هـ أسلم هذا الرشا «٤»
غزال له نبلة «٥» ... يصيب بها من يشا
стр. 124
وشى بيننا حاسد ... سيسأل عمّا وشى
ولو شاء أن يرتشى ... على الوصل روحى ارتشى
وكان معه مغنّ حسن يسايره فيها، ولما شاع ذلك استحى أسلم، وانقطع عن الظّهور لأحد، وتحيّل أحمد بن كليب عليه أن جاءه فى زىّ فلّاح بالليل، ومعه دجاج، وما يشبهها ممّا يؤتى به من الضّياع، وكلّمه وتحدّث معه، ثم ظهر له أنه «١» أحمد بن كليب، فتركه ودخل داره كارها لما جرى. فمرض أحمد «٢» عقيب ذلك لمّا استمرّ على عدم رؤيته، ومات من مرضه. ولما حضرته الوفاة قال لشيخه «٣» فى الأدب، وهو عنده: اسمع منّى:
أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النّحيل
وصلك أشهى إلى فؤادى ... من رحمة الخالق الجلبل «٤»
وفارق الدنيا عقبها، وبقى أسلم «٥» زائرا لقبره فى يوم مطير، لا يكاد احد أن يمشى فيه.
٤٧ - أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة بن منصور بن كعب ابن يزيد أبو بكر القاضى [١]
أحد أصحاب محمد بن جرير الطبرىّ، وكان من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن، والنحو والشعر، وأيام الناس، وتواريخ أصحاب الحديث. وله مصنّفات فى أكثر ذلك «٦».
стр. 125
قال أبو الحسن بن رزقويه: لم تر عيناى مثله.
قال ابن كامل: ولدت فى سنة ستين ومائتين، وأنشد:
عقد الثمانين عقد ليس يبلغه ... إلا المؤخّر للأخبار والعبر
وأنشد ابن كامل لنفسه:
ليس لى عدّة تشدّ قوامى ... غير ذى الطّول عدّتى وظهيرى
هو ذخرى لكلّ ما أرتجيه ... وغياثى وراحمى ونصيرى
وأنشد لنفسه أيضا:
صرف الزّمان تنقّل الأيام ... والمرء بين محلّل وحرام
وإذا تقشّعت الأمور تكشّفت ... عن فضل إنعام وقبح أثام
مات أحمد بن كامل يوم الأربعاء لثمان خلون من المحرم سنة خمسين وثلاثمائة، ودفن فى يومه.
٤٨ - أحمد بن محمد الحلوانىّ بن عاصم [١]
كان قريبا لأبى سعيد السكّرىّ، وروى عنه كتبه، وأخذ عنه الأدب، وله خطّ فى غاية القبح والرداءة، إلا أنه خطّ عالم.
стр. 126
٤٩ - أحمد بن محمد بن الوليد ولّاد أبو العباس النحوىّ التميمىّ المصرىّ [١]
أصله من البصرة، وانتقل جدّه إلى مصر. وهو نحوىّ ابن نحوىّ ابن نحوىّ «١».
وكان نحوىّ مصر وفاضلها. خرج إلى العراق، وسمع من أبى إسحاق الزّجّاج وطبقته، ورجع إلى مصر، وأقام بها يفيد ويصنّف إلى أن مات- ﵀. وله سماع كثير. وكان يقول: ديوان رؤبة رواية لى عن أبى عن جدّى.
وروى أبو العباس عن أبيه عن جدّه قال: كان رؤبة بن العجّاج يأتى مكتبنا بالبصرة، فيقول: أين تميميّنا؟ فأخرج إليه، ولى ذؤابة، فيستنشدنى شعره.
ولأبى العباس كتاب الانتصار لسيبويه من المبرّد، وهو من أحسن الكتب. وكان أبو العباس ممّن أتقن الكتاب على الزجّاج وفهمه، وكان أبو إسحاق يسأله عن مسائل، فيستنبط لها أجوبة يستفيدها أبو إسحاق منه. وله كتاب المقصور والممدود على حروف المعجم، وقد كان قد أملى كتابا فى معانى القرآن، وتوفّى ولم يخرج منه إلا بعض سورة البقرة.
قال الزّبيدىّ «٢»: «كان أبو إسحاق الزجّاج يفضّل [أبا] «٣» العباس بن ولّاد، ويقدّمه على أبى جعفر بن النّحاس، وكانا جميعا تلميذيه، وكان الزّجاج لا يزال يثنى
стр. 127
عليه عند من قدم بغداذ من المصريّين، ويقول لهم: لى عندكم تلميذ من حاله وشأنه ... ، فيقال له: أبو جعفر بن النّحاس، فيقول: هو [أبو] «١» العباس ابن ولّاد».
قال: «وجمع بعض ملوك مصر بين ابن ولّاد وأبى جعفر بن النّحاس، وأمرهما بالمناظرة، فقال ابن النّحاس لأبى العباس: كيف تبنى مثال: «افعلوت» من رميت؟ فقال له أبو العباس: ارمييت، فخطّأه أبو جعفر، وقال: ليس فى كلام العرب «افعلوت»، ولا «افعليت»؛ فكأنّه غالطه التمثيل. وابن الوليد مثّل على تقدير السّؤال، وإن لم يكن له أصل، وهو صحيح. وقال أبو العباس:
إنّما سألتنى أن أمثّل لك بناء، [ففعلت]. وإنّما تغفّله أبو جعفر بذلك».
قال الزّبيدىّ: «وأحسن أبو العباس فى قياسه حين قلب الواو ياء، وقال فى ذلك بالمذهب المعروف؛ [لأنّ الواو تنقلب فى المضارعة ياء لو قيل؛ ألا ترى أنّك كنت تقول فيه: يرمى؛ فلذلك قلت: ارمييت، ولم تقل: ارميوت «٢»].
والذى ذكره أبو جعفر: أنّه لا يقال: «افعليت» «٣» صحيح، فأمّا ارعويت ونحوه فهو على مثال: «افعللت» مثل احمررت، فانقلبت الواو الثانية ياء لانقلابها فى المضارعة- أعنى يرعوى- ولم يلزمها الإدغام، كما لزم احمرّ، لانقلاب المثل الثانى ألفا فى ارعوى. وقد بيّنت ذلك فى كتابى المؤلّف فى أبنية الأسماء والأفعال».
стр. 128
وأبو العباس بن ولّاد تبع سنّة الأخفش سعيد «١» بن مسعدة، فإنّه كان يبنى عن الأمثلة ما لا مثال له؛ يفعل ذلك إذا سئل أن يبنى عليه. وقوله فى ذلك من الأقوال التى رغب عنها جماعة النحويّين.
وتوفى أبو العباس بن ولّاد بمصر فى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
٥٠ - أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادىّ أبو جعفر النحّاس النحوىّ المصرىّ [١]
كان من أهل العلم بالفقه والقرآن. رحل إلى العراق، وسمع من الزجّاج، وأخذ عنه النحو وأكثر، وسمع من جماعة ممّن كان بالعراق فى ذلك الأوان، كابن الأنبارىّ ونفطويه وأمثالهما.
وله مصنّفات فى القرآن؛ منها كتاب الإعراب، وكتاب المعانى، وهما كتابان جليلان أغنيا عما صنّف قبلهما فى معناهما، وكتاب اشتقاق أسماء الله ، وتفسير أبيات كتاب سيبويه، ولم يسبق إلى مثله، وكلّ من جاء من بعده استمدّ منه، وكتاب الكتّاب، وكتاب الكافى فى النحو، ومختصر فى النحو أيضا اسمه التفاحة، وفسّر عشرة دواوين وأملاها، وله سماع كثير عن علىّ بن سليمان الأخفش وغيره.
стр. 129
وذكر أنه جلس على درج المقياس «١» بمصر على شاطئ النيل وهو فى مدّه وزيادته، ومعه كتاب العروض، وهو يقطّع منه بحرا، فسمعه بعض العوام، فقال: هذا يسحر النيل، حتى لا يزيد، فتغلو الأسعار، ثم دفعه برجله، فذهب فى المدّ، فلم يوقف له على خبر.
قال الزّبيدىّ: «كان «٢» النّحاس واسع العلم، غزير الرواية، كثير التأليف، ولم يكن له مشاهدة، وإذا خلا بقلمه جوّد وأحسن، وله كتب فى القرآن مفيدة.
منها كتاب المعانى فى القرآن، وكتاب إعراب القرآن، جلب فيه الأقاويل وحشد الوجوه، ولم يذهب فى ذلك مذهب الاختيار والتقليد.
وكان لا يتكبّر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر، ويناقشهم عمّا أشكل عليه فى تأليفاته، وكان يحضر حلقة ابن الحدّاد الفقيه الشافعىّ، «٣» وكانت لابن الحدّاد ليلة فى كل جمعة، يتكلّم فيها عنده فى مسائل الفقه على طريق النحو، وكان لا يدع حضور مجلسه تلك الليلة.
وله كتاب تفسير أسماء الله ، [أحسن فيه] «٤»، ونزع فى صدره لاتّباع السنة والانقياد للآثار. وله ناسخ القرآن ومنسوخه، كتاب حسن.
стр. 130
وله كتاب سماه المقنع «١» فى اختلاف البصريين والكوفيين فى النحو، حسن، وكتاب سمّاه الكافى فى أصول النحو، صويلح، وكتاب صناعة الكتّاب، فيه حشو وتقصير فيما يحتاج إليه، وكتاب الاشتقاق، حسن، وشرح أبيات سيبويه، فيه علم كثير طائل جليل، وشرح المعلّقات، وزيادة قصيدتين، وكتاب فى أخبار الشعراء، شريف.
قال أبو بكر الزّبيدىّ: «وحدّثنى قاضى القضاة المنذر بن سعيد البلّوطىّ «٢» قال:
أتيت ابن النحاس فى مجلسه، وألفيته يملى فى أخبار الشعراء شعر قيس بن معاذ المجنون، حيت يقول:
خليلىّ هل بالشام عين حزينة ... تبكّى على نجد لعلّى أعينها
قد اسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوّقة باتت وبات قرينها
فقلت: باتا يفعلان ماذا؟ أعزّك الله! فقال لى: وكيف تقول أنت؟
فقلت: «بانت وبان قرينها»، فسكت، وما زال يستثقلنى بعدها حتى منعنى كتاب العين، وكنت قد عزمت على الانتساخ من نسخته؛ فلما قطع بى قيل لى: أين أنت عن أبى العباس بن ولّاد، فقصدته، فلقيت رجلا كامل العقل والأدب، حسن المروءة، وسألته الكتاب فأخرجه لى. ثم تندّم أبو جعفر حين بلغه إباحة [أبى] «٣» العباس كتابه لى، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.
وكان أبو جعفر النحّاس لئيم النفس، شديد التقتير على نفسه، وكان ربّما وهبت له العمامة فقطّعها ثلاث عمائم، وكان يلى شرى حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها على أهل معرفته. وتوفّى بمصر لخمس خلون من ذى الحجة، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة».
стр. 131
وذكره أبو سعيد بن يونس «١» - مؤرخ مصر ومحدّثها- فى تاريخه، فقال:
«أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس النحوىّ، يكنى أبا جعفر المعروف بابن النحّاس. كان يقول فى نسبه: المرادىّ. كان عالما بالنحو حاذقا، وكتب الحديث عن الحسن بن غليب وطبقته، وخرج إلى العراق، ولقى أصحاب المبرد.
وله تصانيف فى النحو وفى تفسير القرآن، جياد مستحسنة. توفّى فى ذى الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة».
٥١ - أحمد بن محمد المدينىّ المغربىّ النحوىّ [١]
من أهل تونس، وكان عروضيا نحويا، يؤدّب الصبيان، ويقفهم على حدود العربية، وله أشعار حسان.
٥٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن سلمة، أبو بكر بن أبى العباس الغسانىّ المعروف بابن سرام النحوىّ [٢]
سمع من مشايخ الرواية، وأخذ النحو عن أبى القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجىّ، صاحب كتاب الجمل، نزيل دمشق، ومن أحمد بن على بن محمد الرمّانىّ النحوىّ، وتصدّر للإقراء والإفادة، وكتب بخطّه الكتب الأدبية، وكان خطا حسنا صحيحا، رأيت منه جزءا من أمالى أبى القاسم الزّجّاجىّ، وتصفّحته، فكان محكم الصحة- ﵀.
стр. 132
ولم يزل على إفادة أهل دمشق العربية إلى أن توفّى فى يوم الثلاثاء لعشر خلون من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
٥٣ - أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ الحنفىّ اللغوىّ أبو الطيب الصّعلوكىّ [١]
عمّ الأستاذ أبى سهل «١»، من أهل نيسابور. ذكره الحافظ أبو عبد الله «٢» فى تاريخ نيسابور، وقال: «كان مقدّما فى معرفة اللغة ودرس الفقه، وأدرك الأسانيد العالية، وصنّف فى الحديث، وأمسك عن الرواية والتحديث بعد أن عمّر، وكنا نراه بأخرة «٣»، وتوفّى لسبع بقين من رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وصلّى عليه أبو الحسن المبارك، ودفن فى مقبرة باعك. شهدت الصلاة عليه».
٥٤ - أحمد بن محمد بن عبد الله أبو عمرو الزّردىّ [٢]
ذكره الحافظ أبو عبد الله «٤» فى تاريخ نيسابور فقال: «الأديب اللغوىّ العلّامة، أبو عمرو الزردىّ. والزّرد: قرية من قرى أسفرايين، من رساتيق «٥» نيسابور. وكان
стр. 133
أبو عمرو واحد هذه الديار فى عصره بلاغة وبراعة وتقدّما فى معرفة أصول الأدب.
وكان رجلا ضعيف البنية مسقاما، يركب حميّرا ضعيفا، ثم إذا تكلم تحيّر العلماء من براعته. سمع الحديث الكثير، وتوفّى فى شعبان سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة».
٥٥ - أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقىّ أبو علىّ النحوىّ [١]
أحد علماء وقته فى الأدب والنحو، أخذ الناس عنه، واستفادوا منه، وحثّوا إليه آباط الرّحال، وكان الحجة فى وقته، وصنف التصانيف الجليلة فى علم العربية.
فمن تصنيفه: كتاب شرح الحماسة، وهو الغاية فى بابه، وشرح الفصيح، وهو كتاب جميل فى نوعه، ومفردات متعددة فى النحو «١». توفّى فى ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
٥٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن شهمردار البصرىّ [٢]
كان أديبا فاضلا، بارعا فى الأدب، يجلس للإفادة، وعلّم جماعة من رؤساء أصبهان وأجلّائها، وكان فصيحا كثير السماع، حسن الخط، صاحب أصول. توفّى بأصبهان فى شوال سنة ست وأربعين وأربعمائة.
стр. 134
٥٧ - أحمد بن محمد أبو حامد الخارزنجىّ البشتىّ [١]
ذكره الحافظ أبو عبد الله بن «١» البيع فى تاريخ نيسابور، فقال: «إمام أهل الأدب بخراسان فى عصره بلا مدافعة، ولما حجّ بعد الثلاثين والثلاثمائة شهد له أبو عمر الزاهد ومشايخ العراق بالتّقدمة. وكتابه المعروف بالتكملة البرهان فى تقدّمه وفضله.
سمع الحديث من أبى عبد الله محمد بن إبراهيم البوسنجىّ وأقرانه، وبلغنى أنه حدّث. توفّى فى رجب سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
سمعت أبا حامد الخارزنجىّ يقول فى قول الله : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا
بالتشديد مُتْرَفِيها
: فيها ثلاث لغات: أمّرنا، وآمرنا، وأمرنا (بالتخفيف)، فمن قرأ أمّرنا (بالتشديد) يقول: كثّرنا، ومن قرأ آمرنا (بفتح الألف والمد) يريد شاورنا، ومن قرأ أمرنا (بالتخفيف) يقول من الأمر».
وذكره أبو منصور الأزهرىّ «٢» فقال: «وممن ألّف فى عصرنا هذا فصحّف وغيّر، وأزال العربية عن وجهها رجلان: أحدهما يسمى أحمد بن محمد البشتىّ، ويعرف بالخارزنجىّ، والآخر يكنى أبا الأزهر البخارىّ «٣». فأما البشتىّ، فإنه ألّف كتابا سماه
стр. 135
التكملة، أومأ إلى أنه كمّل بكتابه كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد.
وأما البخارىّ فإنه سمّى كتابه الحصائل، وأعاره هذا الاسم، لأنه قصد تحصيل ما أغفله الخليل «١».
ونظرت فى أول كتاب البشتىّ، فرأيته أثبت فى صدره الكتب المؤلّفة التى استخرج كتابه منها، فعدّدها وقال:
منها للأصمعىّ: كتاب الأجناس، وكتاب النوادر، وكتاب الصفات، وكتاب اشتقاق الأسماء، وكتاب فى السّقى والموارد «٢»، وكتاب فى الأمثال، وكتاب ما اختلف لفظه واتّفق معناه.
وقال: ومنها لأبى عبيدة: كتاب النوادر، وكتاب الخيل، وكتاب الدّيباج. ومنها لابن شميل: كتاب معانى الشعر، وكتاب غريب الحديث، وكتاب الصفات.
قال: ومنها مؤلفات أبى عبيد: المصنّف، والأمثال، وغريب الحديث.
ومنها مؤلفات ابن السّكّيت: كتاب الألفاظ، وكتاب الفروق، وكتاب الممدود والمقصور، وكتاب إصلاح المنطق، وكتاب المعانى، وكتاب النوادر.
стр. 136
وقال: ومنها لأبى زيد: كتاب النوادر بزيادات أبى مالك.
ومنها: كتاب الصفات لأبى خيرة.
ومنها كتب لقطرب، وهى الفروق، والأزمنة، واشتقاق الأسماء.
ومنها النوادر لأبى عمرو الشيبانىّ، والنوادر للفرّاء. ومنها:
النوادر لابن الأعرابىّ.
قال: ومنها: نوادر الأخفش، ونوادر اللّحيانىّ، والنوادر لليزيدىّ.
ومنها: لغات هذيل لعزيز بن الفضل الهذلىّ.
قال: ومنها كتب أبى حاتم السّجزىّ.
ومنها: كتاب الاعتقاب لأبى تراب.
ومنها: نوادر الأعاريب الذين كانوا مع ابن طاهر بنيسابور، رواها عنهم أبو الوازع محمد بن عبد الخالق. كان عالما بالنحو والغريب، صدوقا، يروى عنه أبو تراب وغيره.
قال أحمد بن محمد البشتىّ: استخرجت ما وضعته فى كتابى من هذه الكتب.
ثم قال: ولعل بعض الناس يبتغى العنت بتهجينه والقدح فيه، لأنى أسندت ما فيه إلى هؤلاء العلماء من غير سماع.
قال: وإنما إخبارى عنهم إخبار «١» عن صحفهم، ولا يزرى ذلك على من عرف الغثّ من السمين، وميّز بين الصحيح والسقيم، وقد فعل مثل ذلك أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب، فإنه روى عن الخليل بن أحمد، وأبى عمرو بن العلاء، والكسائىّ، وبينه وبين هؤلاء فترة، وكذلك القتيبىّ، روى عن سيبويه والأصمعىّ وأبى عمرو، وهو لم ير منهم أحدا».
стр. 137
قال الأزهرىّ: «قلت أنا: قد اعترف البشتىّ بأنّه لا سماع له فى شىء من هذه الكتب، وأنه نقل ما نقل إلى كتابه «١» [من صحفهم «٢»]، واعتلّ «٣» بأنه لا يزرى ذلك بمن عرف الغثّ من السمين. وليس كما قال، لأنه اعترف بأنه صحفىّ، «٤» [والصّحفىّ] «٥» إذا كان رأس ماله صحفا قرأها، فإنه يصحّف فيكثر؛ وذلك أنه يخبر عن كتب لم يسمع «٦» بها، ودفاتر لا يدرى: أصحيح ما كتب فيها أم لا! وإنّ أكثر ما قرأنا من الصّحف الّتى لم تضبط بالنقط «٧» الصحيح، ولم يتولّ تصحيحها أهل المعرفة لسقيمة لا يعتمد عليها «٨» إلا جاهل.
وأما قوله: إن غيره من المصنّفين رووا فى كتبهم عمّن لم يسمعوا منه، مثل أبى تراب والقتيبىّ «٩» فليس رواية هذين الرجلين عمّن لم يرياه حجة له، لأنهما وإن كانا لم يسمعا من كلّ من رويا عنه فقد سمعا من جماعة من الثقات المأمونين؛ فأما أبو تراب فإنه شاهد أبا سعيد الضّرير سنين كثيرة، وسمع منه كتبا جمّة، ثم رحل إلى هراة، فسمع من شمر بعض كتبه. هذا، سوى ما سمع من الأعراب الفصحاء لفظا، وحفظه عن أفواههم خطابا، فإذا ذكر رجلا لم يره، ولم يسمع منه سومح فيه، وقيل: لعلّه حفظ ما رأى له فى الكتب من جهة سماع ثبت له، فصار قول من لم يره تأييدا لما كان سمعه من غيره، كما يفعل علماء المحدّثين، فإنهم إذا صحّ لهم فى الباب حديث رواه لهم الثقات أثبتوه واعتمدوا عليه، ثم ألحقوا به ما يؤيّده من الأخبار التى أخذوها إجازة.
стр. 138
وأما القتيبىّ فإنه رجل سمع من أبى حاتم السّجزىّ كتبه، «١» ومن الرّياشىّ سمع «٢» فوائد جمة- وكانا من المعرفة والإتقان بحيث يثنى بهما الخناصر «٣» - وسمع من أبى سعيد الضّرير، وسمع كتب أبى عبيد، وسمع من ابن أخى الأصمعىّ، وهما «٤» من الشهرة وذهاب الصّيت والتأليف الحسن بحيث يعفى لهما عن خطيئة غلط، ونبذ «٥» زلّة تقع فى كتبهما، ولا يلحق بهما [رجل من أصحاب الزّوايا، لا يعرف إلا بقريته، ولا يوثق بصدقه ونقله الغريب الوحشىّ من نسخة إلى نسخة، ولعلّ النسخ التى نقل عنها ما نسخ كانت سقيمة. والذى ادّعاه»
] البشتىّ من تمييزه بين الصحيح والسقيم، ومعرفته الغثّ من السمين دعوى» «٧».
قال الأزهرىّ: «وبعض ما قرأت من كتابه دلّ على ضدّ دعواه. وأنا ذاكر لك حروفا صحّفها، وحروفا أخطأ فى تفسيرها، من أوراق يسيرة كنت تصفّحتها من كتابه لأثبت عندك أنه مبطل فى دعواه، متشبّع بما لا يفى به.
فممّا عثرت عليه من الخطأ فيما ألّف وجمع: أنه ذكر فى باب العين والثاء أن أبا تراب أنشد: «٨»
إن تمنعى صوبك صوب المدمع ... يجرى على الخدّ كضيب الثّعثع
فقيده البشتىّ «الثّعثع»، بكسر الثاءين [بنقطه «٩»]، ثم فسر «ضيب الثّعثع» أنه شىء له حبّ يزرع، فأخطأ فى كسر الثاءين، وفى تفسيره إياه.
стр. 139
والصواب أنه «الثّعثع»، بفتح الثاءين، وهو اللؤلؤ. قال ذلك أبو العباس أحمد بن يحيى، ومحمد بن يزيد المبرّد، رواه عنهما أبو عمر الزاهد. قالا: وللثعثع فى العربية وجهان آخران لم يعرفهما البشتىّ، وهذا أهون، وقد ذكرت الوجهين الآخرين فى موضعهما من باب العين والثاء.
قال: وأنشد البشتىّ: «١»
فبآمر وأخيه «٢» مؤتمر ... ومعلّل وبمطفئ الجمر
قال البشتىّ: سمى أحد أيام العجوز «آمرا»، لأنه يأمر الناس بالحذر منه، قال:
وسمّى اليوم الآخر «مؤتمرا» لأنه يأتمر الناس، أى يؤذنهم» «٣».
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا خطأ محض؛ لا يعرف فى كلام العرب ائتمر بمعنى آذن، وفسّر قول الله : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
على وجهين:
أحدهما: يهمّون بك، والثانى: يتشاورون فيك. وائتمر القوم، وتآمروا؛ إذا أمر بعضهم بعضا، وقيل لهذا مؤتمر؛ لأن الحىّ يؤامر بعضهم بعضا للظّعن والمقام، فجعلوا المؤتمر نعتا لليوم، والمعنى: أنه مؤتمر فيه، كما قالوا: ليل نائم، أى ينام فيه، ويوم عاصف، أى تعصف فيه الريح، ومثله قولهم: نهاره صائم، إذا كان يصام فيه. ومثله كثير فى كلامهم.
وذكر فى باب العين واللام: أبو عبيد عن الأصمعىّ: أعللت الإبل، فهى عالّة، إذا أصدرتها ولم تروها.
стр. 140
قلت: وهذا تصحيف منكر، والصواب أغللت الإبل (بالغين)، وهى إبل غالّة، أخبرنى المنذرىّ عن أبى الهيثم عن نصير الرازىّ قال: صدرت الإبل غالّة وغوالّ، وقد أغللتها، من الغلّة والغليل، وهو حرارة العطش. وأما أعللت الإبل وعللتها فهما ضدّ أغللتها، لأن معنى أعللتها وعللتها أن تسقيها الشّربة الثانية، ثم تصدرها رواء، «١» وإذا علّت الإبل فقد رويت، ومنه قولهم: عرض علىّ سوم عالّة «٢».
وقد فسّر فى موضعه.
وروى البشتىّ فى باب العين والنون، قال الخليل: العنّة: الحظيرة، وجمعها العنن، وأنشد «٣»:
ورطب يرفّع فوق العنن
قال البشتىّ: العنن هاهنا: حبال تشدّ ويلقى عليها لحم القديد» «٤».
قال الأزهرىّ: «قلت: والصواب فى العنّة والعنن ما قاله الخليل- إن كان قاله- وقد رأيت حظرات «٥» الإبل فى البادية تسوّى من العرفج والرّمث «٦» فى مهبّ الشّمال كالجدار المرفوع قدر قامة لتناخ الإبل فيها، وهى تقيها برد الشّمال، ورأيتهم يسمونها عننا، لاعتنانها مغترضة فى مهبّ الشّمال، فإذا يبست هذه الحظرات فنحروا جزورا نشروا لحمها المقدّد فوقها فيجفّ عليها. ولست أدرى عمّن أخذ
стр. 141
ما قاله فى العنّة إنه الحبل الممدود، ومدّ الحبل من فعل الحاضرة. ولعل قائله رأى فقراء الحرم يمدّون الحبال بمنى، فيعلّقون عليها لحوم الهدى والأضاحى التى يعطونها، ففسّر قول الأعشى بما رأى. ولو شاهد العرب فى باديتها لعلم أن العنّة هى الحظار من الشّجر.
وأنشد أحمد البشتىّ:
يا ربّ شيخ «١» منهم عنّين ... عن الطّعان وعن التّجفين
قال البشتىّ فى قوله «عن التجفين»: هو من الجفان؛ أى لا يطعم فيها».
قال الأزهرىّ: «قلت: والتّجفين فى هذا البيت من الجفان والإطعام فيها خطأ، والتّجفين ها هنا [كثرة] «٢» الجماع، ورواه أبو العباس عن ابن الأعرابىّ.
قال: وقال أعرابىّ: «أضوانى دوام التّجفين»، أى أنحفنى وأهزلنى «٣» الدّوام على الجماع. ويكون التّجفين فى غير هذا الموضع نحر الناقة وطبخ لحمها وإطعامه فى الجفان. يقال: جفّن فلان ناقته؛ إذا فعل ذلك.
وذكر البشتىّ: أن عبد الملك بن مروان قال لشيخ من غطفان: صف لى النساء، فقال: خذها ملسّنة «٤» القدمين، مقرمدة الرّفغين. قال البشتىّ: المقرمدة: المجتمع قصبها، «٥» وذلك لالتفاف فخذيها».
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا باطل، ومعنى المقرمدة الرّفغين: الضّيّقتهما، وذلك لالتفاف فخذيها [واكتناز بادّيها] «٦». وقيل فى قول النابغة يصف ركب امرأة:
رابى المجسّة بالعبير مقرمد
стр. 142
إنه الضّيّق، وقيل: هو المطلىّ بالعبير، كما يطلى الحوض بالقرمد إذا ضرّج.
ورفغا المرأة: باطنا أصول فخذيها.
وقال البشتىّ فى كتاب العين والباء: أبو عبيد: العبيبة: الرائب من الألبان».
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا تصحيف قبيح، وإذا كان المصنّف لا يميّز بين العين والغين استحال ادّعاؤه التمييز بين السقيم والصحيح. وأقرأنى أبو بكر الإيادىّ عن شمر لأبى عبيد فى كتاب المؤلّف: «١» الغبيبة (بالغين المعجمة):
الرائب من اللبن. وسمعت العرب تقول للّبن البيّوت: «٢» [فى السقاء] «٣» إذا راب من الغد: غبيبة، ومن قال عبيبة (بالعين) فى هذا فهو تصحيف فاضح.
وروينا لأبى العباس عن ابن الأعرابىّ أنه قال: الغبب: أطعمة النّفساء (بالغين معجمة)، واحدها غبيبة. قال: والعبب (بالعين): المياه المتدفّقة. وقال غيره: العبيبة (بالعين): لبن يقطر من المغافير» «٤».
قال الأزهرىّ: «وقال البشتىّ فى باب العين والهاء والميم: العوهج، الحية فى قول رؤبة: «٥»
حصب الغواة العوهج المنسوسا «٦»
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا تصحيف دالّ على أن صاحبه أخذ عربيّته من كتب سقيمة، ونسخ غير مضبوطة ولا صحيحة، وأنه كاذب فى دعواه الحفظ
стр. 143
والتمييز. والحيّة يقال «١» له: العومج (بالميم)، ومن صيّره العوهج (بالهاء) فهو جاهل ألكن، وهكذا روى الرواة بيت رؤبة. وقيل للحية: عومج لتعمّجه فى انسيابه؛ أى لتلوّيه. ومنه قال الشاعر يشبّه زمام البعير بالحية فى انسيابه «٢»:
تلاعب مثنى حضرمىّ «٣» كأنه ... تعمّج شيطان بذى خروع قفر
وقال فى باب العين والقاف والزاى، قال يعقوب بن السّكّيت: يقال: قوزع الديك، ولا يقال قنزع. قال البشتىّ: معنى قوله قوزع الديك: أنه نفش برائله «٤»، وهى قنازعه».
قال الأزهرىّ: «قلت: غلط فى قوله قوزع؛ أنه يعنى «٥» تنفيشه قنازعه، ولو كان كما قال لجاز فنزع، وهذا حرف لهج به عوامّ أهل العراق وصبيانهم، [يقولون: فنزع الديك؛ إذا فرّ من الديك الذى يقاتله] «٦»، وقد وضع أبو حاتم هذا الحرف فى باب المذال»
المفسد، وقال: صوابه قوزع. وكذلك ابن السّكّيت وضعه فى باب ما يلحن فيه العامة «٨».
وروى أبو حاتم عن الأصمعىّ أنه قال: العامة تقول للديكين إذا اقتتلا فهرب أحدهما: فنزع الديك، وإنما يقال: قوزع الديك إذا غلب، ولا يقال قنزع».
قال الأزهرىّ: «قلت: وظنّ البشتىّ بحدسه وقلة معرفته أنه مأخوذ من القنزعة، فأخطأ فى ظنه، وإنما قوزع «فوعل»، من قزع يقزع؛ إذا خفّ فى عدوه؛ كما يقال قونس، وأصله قنس».
стр. 144
قال الأزهرىّ: «وقال البشتىّ فى باب العين والضاد: العيضوم: المرأة الكثيرة الأكل.
قلت: وهذا تصحيف قبيح، دالّ على قلة مبالاة المؤلف إذا صحّف، والعيصوم (بالصاد) هو «١» الصواب، وكذلك رواه أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابىّ. وقال فى موضع آخر: هى العصوم، والمرأة إذا كثر أكلها قيل لها: عصوم وعيصوم؛ لأن كثرة أكلها يعصمها من الهزال «٢».
وقال فى باب العين والضاد مع الباء: يقال: مررت بالقوم أجمعين أبضعين (بالضاد). وهذا [أيضا «٣»] تصحيف فاضح، يدلّ على أن قائله غير مميّز ولا حافظ كما زعم.
أخبرنى أبو الفضل المنذرىّ، عن أبى الهيثم الرازىّ أنه قال: العرب تؤكد الكلمة بأربع تواكيد، فتقول: مررت بالقوم أجمعين أكتعين أبصعين أبتعين.
هكذا رواه بالصاد، وكذلك رواه أبو العباس عن ابن الأعرابىّ؛ قال: وهو مأخوذ من البصع؛ وهو الجمع. وقرأته فى غير كتاب من كتب حذّاق النحويين، هكذا بالصاد».
قال الأزهرىّ: «وقال فى باب العين والقاف مع الدال. قال: يعقوب ابن السّكّيت: يقال لابن المخاض حين يبلغ أن يكون ثنيّا: قعود «٤» وبكر، وهو من الذكور كالقلوص من الإناث.
стр. 145
قال البشتىّ: ليس هذا من القعود التى يقتعدها الراعى، فيركبها ويحمل عليها زاده وأداته، وإنما هو صفة للبكر إذا بلغ الإثناء.
قلت: أخطأ البشتىّ فى حكايته كلام ابن السّكّيت، ثم أخطأ فيما فسره من كيسه «١» فى قوله إنه غير القعود التى يقتعدها الراعى من وجهين آخرين؛ فأما يعقوب بن السّكّيت فإنه قال: يقال لابن المخاض حتى يبلغ أن يكون ثنيّا قعود وبكر، وهو من الذكور كالقلوص من الإناث. فجعل البشتىّ «حتى» «حين»، ومعنى حتى إلى، وهو انتهاء الغاية، وأحد الخطأين من البشتىّ فيما قال كيسه تأنيثه القعود [ولا يكون القعود «٢»] عند العرب إلا ذكرا، والثانى أنه لا قعود فى الإبل تعرفه العرب غير ما فسّره ابن السّكّيت. ورأيت العرب تجعل [القعود «٣»] البكر من الإبل حين يركب، أى يمكّن ظهره من الركوب، وأقرب ذلك أن يستكمل سنتين إلى أن يثنى، فإذا أثنى سمّى جملا. والبكر والبكرة بمنزلة الغلام والجارية اللّذين لم يدركا، ولا تكون البكرة قعودا.
وقال ابن الأعرابىّ فيما أخبرنى المنذرىّ عن ثعلب عنه: البكر: قعود مثل القلوص فى النوق إلى أن يثنى. وهكذا قال النّضر بن شميل فى كتاب الإبل».
قال الأزهرىّ: «قلت: وقد ذكرت لك هذه الحروف التى أخطأ فيها، والتقطتها من أوراق قليلة؛ لتستدلّ بها على أن الرجل لم يف بدعواه، وذلك أنه ادّعى معرفة وحفظا يميّز بهما الغثّ من السمين، والصحيح من السقيم، بعد اعترافه أنه استنبط كتابه من صحف قرأها. فقد أقرّ أنه صحفىّ، لا رواية له ولا مشاهدة،