ما قاله فى العنّة إنه الحبل الممدود، ومدّ الحبل من فعل الحاضرة. ولعل قائله رأى فقراء الحرم يمدّون الحبال بمنى، فيعلّقون عليها لحوم الهدى والأضاحى التى يعطونها، ففسّر قول الأعشى بما رأى. ولو شاهد العرب فى باديتها لعلم أن العنّة هى الحظار من الشّجر.
وأنشد أحمد البشتىّ:
يا ربّ شيخ «١» منهم عنّين ... عن الطّعان وعن التّجفين
قال البشتىّ فى قوله «عن التجفين»: هو من الجفان؛ أى لا يطعم فيها».
قال الأزهرىّ: «قلت: والتّجفين فى هذا البيت من الجفان والإطعام فيها خطأ، والتّجفين ها هنا [كثرة] «٢» الجماع، ورواه أبو العباس عن ابن الأعرابىّ.
قال: وقال أعرابىّ: «أضوانى دوام التّجفين»، أى أنحفنى وأهزلنى «٣» الدّوام على الجماع. ويكون التّجفين فى غير هذا الموضع نحر الناقة وطبخ لحمها وإطعامه فى الجفان. يقال: جفّن فلان ناقته؛ إذا فعل ذلك.
وذكر البشتىّ: أن عبد الملك بن مروان قال لشيخ من غطفان: صف لى النساء، فقال: خذها ملسّنة «٤» القدمين، مقرمدة الرّفغين. قال البشتىّ: المقرمدة: المجتمع قصبها، «٥» وذلك لالتفاف فخذيها».
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا باطل، ومعنى المقرمدة الرّفغين: الضّيّقتهما، وذلك لالتفاف فخذيها [واكتناز بادّيها] «٦». وقيل فى قول النابغة يصف ركب امرأة:
رابى المجسّة بالعبير مقرمد
стр. 142
إنه الضّيّق، وقيل: هو المطلىّ بالعبير، كما يطلى الحوض بالقرمد إذا ضرّج.
ورفغا المرأة: باطنا أصول فخذيها.
وقال البشتىّ فى كتاب العين والباء: أبو عبيد: العبيبة: الرائب من الألبان».
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا تصحيف قبيح، وإذا كان المصنّف لا يميّز بين العين والغين استحال ادّعاؤه التمييز بين السقيم والصحيح. وأقرأنى أبو بكر الإيادىّ عن شمر لأبى عبيد فى كتاب المؤلّف: «١» الغبيبة (بالغين المعجمة):
الرائب من اللبن. وسمعت العرب تقول للّبن البيّوت: «٢» [فى السقاء] «٣» إذا راب من الغد: غبيبة، ومن قال عبيبة (بالعين) فى هذا فهو تصحيف فاضح.
وروينا لأبى العباس عن ابن الأعرابىّ أنه قال: الغبب: أطعمة النّفساء (بالغين معجمة)، واحدها غبيبة. قال: والعبب (بالعين): المياه المتدفّقة. وقال غيره: العبيبة (بالعين): لبن يقطر من المغافير» «٤».
قال الأزهرىّ: «وقال البشتىّ فى باب العين والهاء والميم: العوهج، الحية فى قول رؤبة: «٥»
حصب الغواة العوهج المنسوسا «٦»
قال الأزهرىّ: «قلت: وهذا تصحيف دالّ على أن صاحبه أخذ عربيّته من كتب سقيمة، ونسخ غير مضبوطة ولا صحيحة، وأنه كاذب فى دعواه الحفظ
стр. 143
والتمييز. والحيّة يقال «١» له: العومج (بالميم)، ومن صيّره العوهج (بالهاء) فهو جاهل ألكن، وهكذا روى الرواة بيت رؤبة. وقيل للحية: عومج لتعمّجه فى انسيابه؛ أى لتلوّيه. ومنه قال الشاعر يشبّه زمام البعير بالحية فى انسيابه «٢»:
تلاعب مثنى حضرمىّ «٣» كأنه ... تعمّج شيطان بذى خروع قفر
وقال فى باب العين والقاف والزاى، قال يعقوب بن السّكّيت: يقال: قوزع الديك، ولا يقال قنزع. قال البشتىّ: معنى قوله قوزع الديك: أنه نفش برائله «٤»، وهى قنازعه».
قال الأزهرىّ: «قلت: غلط فى قوله قوزع؛ أنه يعنى «٥» تنفيشه قنازعه، ولو كان كما قال لجاز فنزع، وهذا حرف لهج به عوامّ أهل العراق وصبيانهم، [يقولون: فنزع الديك؛ إذا فرّ من الديك الذى يقاتله] «٦»، وقد وضع أبو حاتم هذا الحرف فى باب المذال»
المفسد، وقال: صوابه قوزع. وكذلك ابن السّكّيت وضعه فى باب ما يلحن فيه العامة «٨».
وروى أبو حاتم عن الأصمعىّ أنه قال: العامة تقول للديكين إذا اقتتلا فهرب أحدهما: فنزع الديك، وإنما يقال: قوزع الديك إذا غلب، ولا يقال قنزع».
قال الأزهرىّ: «قلت: وظنّ البشتىّ بحدسه وقلة معرفته أنه مأخوذ من القنزعة، فأخطأ فى ظنه، وإنما قوزع «فوعل»، من قزع يقزع؛ إذا خفّ فى عدوه؛ كما يقال قونس، وأصله قنس».
стр. 144
قال الأزهرىّ: «وقال البشتىّ فى باب العين والضاد: العيضوم: المرأة الكثيرة الأكل.
قلت: وهذا تصحيف قبيح، دالّ على قلة مبالاة المؤلف إذا صحّف، والعيصوم (بالصاد) هو «١» الصواب، وكذلك رواه أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابىّ. وقال فى موضع آخر: هى العصوم، والمرأة إذا كثر أكلها قيل لها: عصوم وعيصوم؛ لأن كثرة أكلها يعصمها من الهزال «٢».
وقال فى باب العين والضاد مع الباء: يقال: مررت بالقوم أجمعين أبضعين (بالضاد). وهذا [أيضا «٣»] تصحيف فاضح، يدلّ على أن قائله غير مميّز ولا حافظ كما زعم.
أخبرنى أبو الفضل المنذرىّ، عن أبى الهيثم الرازىّ أنه قال: العرب تؤكد الكلمة بأربع تواكيد، فتقول: مررت بالقوم أجمعين أكتعين أبصعين أبتعين.
هكذا رواه بالصاد، وكذلك رواه أبو العباس عن ابن الأعرابىّ؛ قال: وهو مأخوذ من البصع؛ وهو الجمع. وقرأته فى غير كتاب من كتب حذّاق النحويين، هكذا بالصاد».
قال الأزهرىّ: «وقال فى باب العين والقاف مع الدال. قال: يعقوب ابن السّكّيت: يقال لابن المخاض حين يبلغ أن يكون ثنيّا: قعود «٤» وبكر، وهو من الذكور كالقلوص من الإناث.
стр. 145
قال البشتىّ: ليس هذا من القعود التى يقتعدها الراعى، فيركبها ويحمل عليها زاده وأداته، وإنما هو صفة للبكر إذا بلغ الإثناء.
قلت: أخطأ البشتىّ فى حكايته كلام ابن السّكّيت، ثم أخطأ فيما فسره من كيسه «١» فى قوله إنه غير القعود التى يقتعدها الراعى من وجهين آخرين؛ فأما يعقوب بن السّكّيت فإنه قال: يقال لابن المخاض حتى يبلغ أن يكون ثنيّا قعود وبكر، وهو من الذكور كالقلوص من الإناث. فجعل البشتىّ «حتى» «حين»، ومعنى حتى إلى، وهو انتهاء الغاية، وأحد الخطأين من البشتىّ فيما قال كيسه تأنيثه القعود [ولا يكون القعود «٢»] عند العرب إلا ذكرا، والثانى أنه لا قعود فى الإبل تعرفه العرب غير ما فسّره ابن السّكّيت. ورأيت العرب تجعل [القعود «٣»] البكر من الإبل حين يركب، أى يمكّن ظهره من الركوب، وأقرب ذلك أن يستكمل سنتين إلى أن يثنى، فإذا أثنى سمّى جملا. والبكر والبكرة بمنزلة الغلام والجارية اللّذين لم يدركا، ولا تكون البكرة قعودا.
وقال ابن الأعرابىّ فيما أخبرنى المنذرىّ عن ثعلب عنه: البكر: قعود مثل القلوص فى النوق إلى أن يثنى. وهكذا قال النّضر بن شميل فى كتاب الإبل».
قال الأزهرىّ: «قلت: وقد ذكرت لك هذه الحروف التى أخطأ فيها، والتقطتها من أوراق قليلة؛ لتستدلّ بها على أن الرجل لم يف بدعواه، وذلك أنه ادّعى معرفة وحفظا يميّز بهما الغثّ من السمين، والصحيح من السقيم، بعد اعترافه أنه استنبط كتابه من صحف قرأها. فقد أقرّ أنه صحفىّ، لا رواية له ولا مشاهدة،
стр. 146
[و «١»] دلّ تصحيفه وخطؤه على أنه لا معرفة له ولا حفظ. فالواجب على طلبة هذا العلم ألا يغتروا بما أودع كتابه، فإن فيه مناكير جمّة، ولو استقصيت تهذيبها اجتمعت منها دفاتر كثيرة، والله يعيذنا أن نقول ما لا نعلمه، وندّعى ما لا نحسنه، أو نتكثّر بما لم نؤته. وفقنا الله للصواب، وأداء النصح فيما قصدناه، ولا حرمنا ما أمّلناه من الثواب».
٥٨ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن مالك السّهلكىّ الأديب أبو الفضل الصّفّار النيسابورىّ [١]
شيخ أهل الأدب فى عصره. ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وتخرّج به جماعة من الأئمة، منهم الإمام أبو الحسن على بن أحمد الواحدىّ، وغيره.
٥٩ - أحمد بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الثعالبىّ [٢]
ويقال: الثعلبىّ. المقرئ المفسّر الواعظ الأديب الثّقة الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، العالم بوجوه الإعراب والقراءات. توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
стр. 147
وله التفسير الكبير، والعرائس فى قصص الأنبياء، ونحو ذلك.
وسمع منه الواحدىّ التفسير، وأخذ عنه.
قال زين الإسلام أبو القاسم القشيرىّ: رأيت ربّ العزة فى المنام «١»، وكان يخاطبنى وأخاطبه، فكان فى أثناء ذلك إذا قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فألتفت فإذا أحمد الثعلبىّ- أو الثعالبىّ- مقبل.
٦٠ - أحمد بن محمد بن على الشيخ أبو طالب الأدمىّ البغداذى [١]
الإمام فى النحو والتصريف. خادم الشيخ أبى عبد الله الجرجانىّ. قدم نيسابور فى شهور سنة ثلاثين وأربعمائة، وأقام بها، وأفاد واستفاد، وكانت له مقامات مع الأئمة، واختصاص بالإمام زين الإسلام، ورسم فى المناظرة فى النحو والأدب بحضوره، وكان يتكلّم فى دقائق النحو بمجالس النظر، وينبط المسائل، وبقى فى نيسابور إلى أن توفّى بعد الخمسين وأربعمائة.
وله شعر قد ذكر الباخرزىّ «٢» منه شيئا فى كتابه دمية القصر «٣». نكتب منه عند التّبييض إن شاء الله «٤».
стр. 148
٦١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الفضل الميدانىّ النيسابورىّ [١]
إمام أهل الأدب فى عصره. ويقال له الميدانىّ، لأنّه سكن المحلّة بأعلى ميدان زياد بن عبد الرحمن «١»، وقد اشتهر بأدبه، وعرف فى البلدان بتصانيفه الحسان المشهورة. قرأ الأصول وأحكمها، ثم أخذ فى التّصنيف، فأحسن كلّ الإحسان فيما جمعه وصنّفه، وأربى على من تقدّم بالترتيب والتحقيق، واستدرك على بعض من زلّ قبله من المصنّفين، وأصلح مواضع الغلط، وتخصّص بصحبة الإمام علىّ بن أحمد الواحدىّ، والأخذ عنه، وسماع التفسير منه، وقراءة النحو عليه. وقرأ على غيره، وكتب عن الإمام أبى الحسن على بن فضال المجاشعىّ النحوىّ القادم على نيسابور عند منصرفه من غزنة «٢» سنة سبعين وأربعمائة.
стр. 149
وله يد باسطة فى أنواع الأدب، وصنّف التصانيف الجليلة، مثل: الهادى فى الحروف والأدوات، والسامى فى الأسامى، وكتاب الأمثال.
ومن شعره:
حننت إليهم والديار قريبة ... فكيف إذا سار المطىّ مراحلا
وقد كنت قبل البين- لا كان بينهم- ... أعاين للهجران فيهم دلائلا
وتحت سجوف الرّقم أغيد ناعم «١» ... يميس كخوط «٢» الخيزرانة مائلا
وينضو «٣» علينا السّيف من جفن مقلة ... يريق دم الأبطال فى الحبّ باطلا
ويسكرنا لفظا ولحظا كأنما ... بفيه وعينيه سلافة بابلا
وشعره كثير.
توفّى- ﵀ يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وخمسائة. وصلى عليه الإمام شاهقور، ودفن بالمقبرة بأعلى ميدان زياد ابن عبد الرحمن.
وذكره البيهقىّ «٤» فى الوشاح، فقال: «الإمام صدر الأفاضل، أحمد بن محمد الميدانىّ، صدر الفضلاء، وقدوة الأدباء، قد صاحب الفضل فى أيام نفد زاده،
стр. 150
وفنى عتاده، وضاعت عدّته، وبطلت أهبته، فقوّم سناد العلوم بعد ما غيّرتها الأيام بصروفها، ووضع أنامل الأفاضل على خطوطها وحروفها، ولم يخلق الله تعالى فاضلا فى عصره إلا وهو فى مأدبة آدبه ضيف، وله من بابه وداره شتاء وصيف، وما على من عام لجج البحر الحضمّ «١»، واستشرف الدّرر ظلم وحيف».
وأنشد له:
شفة لماها زاد فى آلامى ... فى رشف ريقتها شفاء سقامى
قد ضمّنا جنح الدّجى وللثمنا ... صوت كقطّك أرؤس الأقلام
وأنشد له:
تنفّس صبح الشيب فى ليل عارضى «٢» ... فقلت عساه يكتفى بعذار «٣»
فلمّا فشا عاتبته فأجابنى ... ألا هل ترى صبحا بغير نهار
وله أيضا:
يا كاذبا أصبح فى كذبه ... أعجوبة أية أعجوبه
وناطق ينطق فى لفظة ... واحدة سبعين أكذوبه
شبّهك الناس بعرقوبهم «٤» ... لمّا رأوا أخذك أسلوبه
فقلت كلا إنه كاذب ... عرقوب لا يبلغ عرقوبه
ولما صنّف الميدانىّ كتاب الأمثال وقف عليه الزّمخشرىّ فحسده، وأخذ القلم، وزاد فى لفظة «الميدانىّ» سنينة «٥»، فصار «النّميدانىّ». معناه بالفارسية: الذى
стр. 151
لا يعرف شيئا. فلما وقف الميدانىّ على ذلك أخذ بعض تصانيف الزمخشرىّ، وزاد فى نسبته «١» سنينة، وأبدل الميم نونا، فصار «الزّنخشرىّ». معناه بائع زوجته، بالفارسية.
ومن تصنيف الميدانىّ: كتاب جامع الأمثال، وكتاب السامى فى الأسامى، وكتاب الأنموذج «٢» فى النحو، وكتاب الهادى للشادى، وكتاب النحو الميدانىّ، وكتاب المصادر، وكتاب نزهة الطرف فى علم الصرف، وكتاب شرح المفضّليات، وكتاب منية الراضى فى مسائل القاضى.
٦٢ - أحمد بن محمد العروضىّ أبو الفضل المعروف بالصّفار [١]
إمام الأدب خنّق «٣» التسعين، وأنفق عمره على مطالعة العلوم، وتدريس متأدّبى نيسابور، واحتراز الفضائل والمحاسن، وهو القائل فى صباه:
أوفى على الدّيوان بدر الدّجى ... فسل نجوم السّعد ما حظّه
أخطّه أملح أم خدّه ... ولحظه أفتن أم لفظه
стр. 152
٦٣ - أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو سليمان الخطابىّ البستىّ [١]
كان يشبّه فى عصره بأبى عبيد القاسم بن سلّام علما وأدبا، وزهدا وورعا، وتدريسا وتأليفا. ومن مشهور كتبه فى اللغة: كتاب غريب الحديث، وهو غاية فى بابه، وله معالم السّنن فى شرح سنن أبى داود، وأعلام السّنن فى شرح البخارىّ، وكتاب الشّجاج، وغير ذلك «١».
وله شعر جيّد، منه:
وما غربة الإنسان فى شقّة النّوى ... ولكنّها والله فى عدم الشكل
وإنى غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتى وبها أهلى
مات الخطابىّ فى بست، فى حدود سنة أربعمائة «٢».
стр. 153
٦٤ - أحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك بن المغيرة اليزيدىّ أبو جعفر [١]
كان متقنا فى العلوم، راوية للشعر والأخبار، شاعرا. قال: أصبحت فى يوم غيم ورذاذ، ففكّرت فيمن أبعث إليه، فخطر بقلبى أبو جعفر محمد ابن الفضل، فأخذت الدواة لأكتب إليه، فإذا الغلام يقول: أبو جعفر محمد بن الفضل بالباب، فقلت: يدخل، فلما دخل قمت إليه، والقلم والقرطاس فى يدى، فقلت: هذا والله كتابى إليك، فالحمد لله الذى جاء بك، فقال: ليس أقيم عندك، ولا تقعد من قيامك؛ حتى توافينى إلى البيت، ولست أنتظرك، فإن عندى إنسانا يشتاقك وتشتاقه، ثم قال: يا غلام أسرج الدابة، واذهب أنت يا غلام، فجئ بثيابه، ثم مضى وتركنى، ولحقت به.
فدخلت وهو قاعد على مصلّى عند باب الرّواق، وبحذاء المصلّى آخر عليه مخارق المغنّى، وقد أخلى لى الصّدر، فلما دخلت قام إلىّ مخارق فسلّم علىّ، ثم جلس،
стр. 154
فأقبلنا نتذاكر أيامنا، فقال محمد بن الفضل: يا غلام، ما عندك من الطعام؟ فقال:
جدى بارد، وفراريج وشرائح «١»، فقال: ائتنا بما حضر، ولا تحبسنا بانتظار شىء.
ثم بعث إلى الجوارى فخرجن إلينا، ومع كل واحدة وصيفة تحمل عودها، وأخذن عيدانهنّ، وكان إذا مرّ بى الصوت استحسنته من مخارق، واستعدته. فغنىّ مخارق:
يقول أناس لو تبدّلت غيرها ... لعلّك تسلو إنما الحبّ كالحبّ
فاستحسنته، واستعدته مرّات، فقال لى مخارق يا أبا جعفر، كأنه كان لك! قلت:
نعم: قال: ففيه عيب، قلت: وما ذاك يا أبا المهنّأ؟ قال: هو بيت فرد، ويجب أن يكون له رفيق، فقلت:
فقلت لهم لو أنّ قلبى يطيعنى ... فعلت ولكن لا يطاوعنى قلبى
فأخذه، وغنّاه فأحسن.
وذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر «٢» فقال: «أحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك بن المغيرة اليزيدىّ النحوىّ، كان من ندماء المأمون وقدم معه دمشق، وتوجّه منها غازيا للروم. سمع أباه «٣»، وأبا زيد الأنصارى سعيد بن أوس، وكان مقرئا؛ وروى عنه أخواه عبيد الله والفضل ابنا محمد، وابن أخيه محمد «٤» بن العباس بن محمد، وعون بن محمد الكندىّ، ومحمد بن عبد الملك الزيات».
стр. 155
٦٥ - أحمد بن محمد بن سنام أبو العباس الضّبعىّ النحوىّ البغداذىّ [١]
حدّث عن قاسم بن محمد بن بشّار الأنبارىّ أخبارا وحكايات تتعلق بالأدب، وكان متصدرا لإقراء النحو فى زمانه. روى عنه الحسن بن الحسين بن على النّوبختىّ.
٦٦ - أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم بن يزديار أبو جعفر النحوىّ الطّبرىّ [٢]
سكن بغداذ، وحدّث بها عن نصير بن يوسف، وهاشم بن عبد العزيز صاحبى على بن حمزة الكسائىّ. وسمع منه ببغداذ فى سنة أربع وثلاثمائة. وكان متصدّرا لإقراء النحو وإفادته الطلبة، وله من الكتب: كتاب غريب القرآن، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكر والمؤنث، وكتاب صورة الهمز، وكتاب التّصريف، وكتاب النحو.
٦٧ - أحمد بن محمد العروضىّ [٣]
أديب قيّم بعلم العروض، له أنسة «١» بالعربيّة، يقرئها ويفيدها. وكان متصدرا ببغداذ، وروى عن عبيد بن عبد الواحد بن شريك. وروى عنه ابن الثّلّاج. مات فى سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة «٢».
стр. 156
٦٨ - أحمد بن محمد بن منصور أبو بكر الخياط النحوىّ [١]
أخذ عن المبرّد، وله تصنيف حسن.
٦٩ - أحمد بن محمد أبو العباس المهلبىّ [٢]
مقيم بمصر بعد الثلاثمائة، وكان نحو يا مجيدا، وصنّف. فمن تصنيفه: كتاب شرح علل النحو «١».
٧٠ - أحمد بن محمد العمركىّ الهمذانىّ [٣]
ذكره شيرويه «٢» فى كتاب طبقات علماء همذان. فقال: «أحمد بن محمد العمركىّ أبو عبد الله اللغوىّ. روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلّاب، وأبى الحسين محمد الجزرىّ صاحب أبى شعيب الحرّانىّ وغيرهما. وروى عنه عبد الله الإمام وغيره».
٧١ - أحمد بن محمد بن الحسين بن سليمان بن أحمد بن محمد بن القاسم ابن سليمان بن سليط بن يربوع [٤]
أبو الحسين السّليطىّ النّيسابورىّ. العدل الأديب، إمام فى العربية. فاضل فيها، متقن لها، معروف بها. انتفع به أهل ذلك المصر، وهو من أهل البيت المعروف.
стр. 157
روى الحديث عن الأصمّ «١» وطبقته، وتصدّر لإفادة علم العربية؛ وتوفّى بناحية أستوا «٢»، وحمل إلى نيسابور فى جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
٧٢ - أحمد بن محمد بن حمدان أبو الطيب الحمدانىّ الأديب الأسفرايينىّ [١]
شيخ العربية فى زمانه، وإمام أهل اللغة والنحو فى أوانه. كان بخراسان، وربما روى الحديث، ومات بعد سنة أربعمائة.
٧٣ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث الإمام أبو بكر التميمىّ الأصبهانىّ [٢]
المقرئ النحوىّ، المحدّث الدّيّن الزاهد، الورع الثّقة، الإمام، الحقيقة، فريد عصره. تخرّج عليه العلماء والنحاة والأدباء، وكان يعقد المجالس، ويملى العلوم، وتخرّج به الرؤساء والأجلّاء، وظهرت بركته على طلبته. وكان مولده بأصبهان
стр. 158
فى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وتوفّى بنيسابور ليلة الثلاثاء، التاسع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاثين وأربعمائة فى مدرسة البيهقىّ، فى سكة سار، ودفن فى مقبرة شاهنبر «١»، بقرب الشيخ أبى إسحاق الأرموىّ- ﵀.
٧٤ - أحمد بن منصور بن راشد الحنظلىّ أبو صالح المروزىّ [١]
ذكره الحافظ أبو عبد الله «٢»، وقال: «الملقب بزاج، صاحب النّضر بن شميل وراويه، وسمع فى رحلته [إلى] الكوفة الحسين «٣» بن علىّ الجعفىّ ومحمدا ويعلى ابنى عبيذ، وبالبصرة عمر بن يونس بن القاسم اليمانىّ وأبا عامر العقدىّ «٤» وروح ابن عبادة، وروى عنه مسلم بن أبى طالب». وقال: «مات فى شهر ذى الحجة سنة سبع وخمسين ومائتين».
стр. 159
٧٥ - أحمد بن محمد بن القاسم بن خذيو أبو رشاد الأخسيكثىّ [١]
الملقب بذى الفضائل. مات فجأة ليلة الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. وأخسيكث «١»: مدينة من فرغانة، مما وراء النهر، يقال فى اسمها بالتاء والثاء. وكان هو وأخوه «٢» أديبين غير مدافعين، شهد لهما بذلك أهل الأدب. قدما مرو، وسكناها إلى أن ماتا بها.
وكان ذو الفضائل هذا شاعرا أديبا مصنفا كاتبا، ومرسلا فى ديوان السلاطين، وله تصانيف؛ منها كتاب فى التاريخ، وكتاب فى قولهم: «كذب عليك كذا «٣»»، وكتاب زوائد فى شرح سقط الزّند، وغير ذلك.
ذكره أبو سعد السمعانىّ «٤» فى مشيخته وقال: «كان له الباع الطويل فى معرفة النحو، وكان أكثر فضلاء خراسان قرءوا عليه الأدب، وتلمذوا له. وكانت ولادته فى حدود سنة ستين وأربعمائة». قلت: وله شعر أديب «٥»، أكثر منه.
стр. 160
٧٦ - أحمد بن محمد بن جعفر بن مختار الواسطىّ أبو علىّ النحوىّ [١]
الشاهد العدل. أخذ النحو عن أبى غالب محمد بن بشران النحوىّ الواسطىّ «١».
توفّى بعد سنة خمسمائة. وروى عنه أبو طاهر السّلفىّ «٢» وخميس الحوزىّ «٣»، وكان يرتزق بالطحن، له طاحونة بمشرعة التنانيريّين.
٧٧ - أحمد بن محمد بن علىّ أبو محمد العاصمىّ [٢]
من أهل خراسان. أديب فاضل، تميّز فى النحو والتصريف، وله مصنفات حسان، منها كتاب البهجة شرح المفضليات «٤»، وله كتاب المهجة فى أصول التصريف. مولده فى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وله شعر كشعر الأدباء، منها أبيات يصف فيها كتابه المهجة استبردتها واسترذلتها، فلم أوردها.
стр. 161
٧٨ - أحمد بن محمد بن الحداد الهروى [١]
من أهل هراة. أبو نصر الأديب. كان إماما فى زمنه، مبرّزا فى علم العربية، مقدّما عند أهل بلده بالفضل والمعرفة. قال أبو النصر عبد الرحمن ابن عثمان الفامىّ الهروىّ: أنشدنا أبو النصر أحمد بن محمد الحدّاد الأديب لنفسه:
أيابن العلا والمجد لا بل أبوهما ... وحسبهما فخرا بهذا ولا فخر
فقل لصروف الدهر ما شئت فافعلى ... فمن عندك السّوءى ومن عندى الصبر
٧٩ - أحمد بن محمود بن عبديل أبو بكر الأديب العبديلىّ [٢]
من أهل أصفهان. إمام فى الأدب وعلم العربية واللغة، وافر المعرفة، فاضل.
وله شعر أجود من شعر الأدباء؛ منه ما قاله فى الحافظ أبى موسى:
قلت لسعدى حين ودّعتها: ... كلم فؤادى عند من يوسى «١»؟
فجاوبتنى إذ رأتنى لقى «٢» ... من حادثات الدهر مأبوسا «٣»
عند الإمام الحافظ المقتدى ... الناقد الحبر أبى موسى
٨٠ - أحمد بن محمد بن الجرّاح أبو بكر [٣]
صاحب أبى بكر الأنبارىّ، وكان يروى أكثر تصانيفه ورواياته عنه.
قال هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن هارون «٤»: سمعت منه.
توفى فى يوم الجمعة الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
стр. 162
٨١ - أحمد بن مغيث بن أحمد بن مغيث الصّدفىّ [١]
من أهل طليطلة. يكنى أبا جعفر. من جملة علمائها، يعلم علوما كثيرة؛ منها اللغة والإعراب والتفسير وعقد الشروط، «١» وله فيه كتاب حسن، اسمه المقنع.
وكان كلفا بجمع المال. توفّى فى صفر سنة «٢» سبع وخمسين وأربعمائة. ومولده سنة ست وأربعمائة.
٨٢ - أحمد بن مطرّف الطائىّ اللغوىّ المغربىّ [٢]
أظنه من الأندلس. كان واسع النّفس فى علم العربية واللغة. صنّف فى اللغة كتابا كبيرا، سمّاه ديوان الكلم. رأيت منه المجلّد العشرين فى الأسماء المعتلّة، فرأيت منه ما يستدلّ به [على] سعة ما عنده من هذا النوع.
ولقد حاضرت «٣» به يوما الخطيب أبا الحسن علىّ بن أحمد بن جعفر بن عبد الباقى الأموىّ العثمانىّ «٤»، من ولد أبان بن عثمان، نزيل قفط، هو وسلفه من قديم- وهو أنبه من رأيت، وأنصف وأعلم بالعربية نحوا ولغة، كثير المحفوظ- فلما سمع كلام الطائىّ هذا وتحقيقه لمواضع مشكلة من اللغة، واتساعه فيما يتصرّف فيه من الكلمات اللغوية على الأصول النحوية قال لى: هذا مثل تصنيف رأيته فى هذا النوع، وقد كان الكلام الذى طالعناه منه: «أسا الجرح يأسوه»، وشاهدنا من اتساعه فى هذا الحرف شيئا لم نشاهده من غيره.
стр. 163
وقد ذكر الحميدىّ «١» فى علماء الأندلس رجلا يعرف بأحمد بن مطرّف بن عبد الرحمن، وعظّمه بالعلم والفضل والتقدّم عند ولاة الأمور بالأندلس. وذكر وفاته فى سنة نيّف وخمسين وثلاثمائة، فلا أدرى أهو هذا أم لا، ورأيت كتابا فى القراءات معلّلا، ليس بالكبير، لأحمد بن مطرّف الطائىّ؛ يدلّ على فضل وتضلّع من العربية، شاهدته فى حلب يباع فى مجلّدين متوسطين.
٨٣ - أحمد بن موسى الرازىّ الأندلسىّ [١]
النحوىّ اللغوىّ الأخبارىّ. كان نحويا لغويا كاتبا بليغا غزير الرواية، حافظا للأخبار، وله كتاب فى أخبار أهل الأندلس، وتواريخ دول الملوك فيها، بلغ الغاية من استيعابه لكلّ ذلك، والتّقصّى فيه. وجدّه من أهل الرىّ، دخل إلى الأندلس وأقام به. توفّى الرازىّ هذا فى رجب سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
٨٤ - أحمد بن معدّ بن عيسى بن وكيل التّجيبىّ الأندلسىّ المعروف بالأقليشىّ [٢]
المحدّث النحوىّ اللغوىّ، أبو العباس. أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ «٢»، أنشدنى أبو العباس أحمد بن معدّ بن عيسى بن وكيل التّجيبىّ الأندلسى بالثغر- يعنى
стр. 164
الإسكندرية؛ قال: أنشدنى أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيّد اللغوىّ لنفسه بالأندلس:
قل لقوم لا يتوبون ... وعلى الإثم يصرّون
خفّفوا ثقل المعاصى ... أفلح القوم المخفّون
لن تنالوا البر حتّى ... تنفقوا مما تحبون
ثم قال السّلفىّ: أبو العباس هذا يعرف بالأقليشىّ. كان من أهل المعرفة باللغات والأنحاء والعلوم الشرعية. ومن جملة أسانيده أبو محمد البطليوسىّ، وأبو الحسن ابن سبيطة الدانىّ وأبو محمد القلنّىّ وآخرون، وله شعر جيد ومؤلّفات حسنة «١»؛ قدم علينا الإسكندرية سنة ست وأربعين وخمسمائة، وقرأ علىّ كثيرا، وتوجّه إلى الحجاز، وبلغنا أنه توفى «٢» بمكة- ﵀.
قال السّلفىّ: ومن شعره: أنشدنى أبو العباس أحمد بن معدّ بن عيسى بن وكيل الأندلسىّ التّجيبىّ لنفسه، وكتب بخطه:
كان حقى ألّا أذكّر غيرى ... وأنا ما كفيت شرّى وضيرى
غير أنى برحمة الله ربّى ... أرتجى أن يفيدنى كلّ خير
قال: وأنشدنى لنفسه:
تتحدّر العبرات من أحداقه ... فترى لها فى خدّه آثارا
ولربّما امتزجت دما من قلبه ... حتى كأنّ الدمع يطلب ثارا
стр. 165
٨٥ - أحمد بن هبة الله بن العلاء بن منصور المخزومىّ [١]
النحوىّ اللغوىّ، أبو العباس المعروف بابن الزاهد البغداذىّ. كان أحمد هذا أديبا فاضلا، له معرفة بالنحو واللغة والعربية وأشعار العرب وغير ذلك. قرأ على أبى الفضل الأشقر «١» النحوىّ وعلى أبى محمد بن الخشاب «٢»، ولازمه مدة، وسمع الحديث، وروى واستفاد الطلبة منه. توفّى يوم الاثنين ثالث عشر رجب، من سنة إحدى عشرة وستمائة، وقد نيّف على الثمانين، وله شعر منه:
فما رفع الهندىّ «٣» وهو حديدة ... على التّبر إلا ضربه «٤» بالمطارق
ولو رمت ما راموه بالعلم لم يكن ... وجيههم «٥» فى حلبة المجد لاحقى «٦»
٨٦ - أحمد بن يحيى بن زيد بن سيّار، أبو العباس النحوىّ الشيبانىّ مولاهم المعروف بثعلب [٢]
إمام الكوفيين فى النحو واللغة. سمع إبراهيم بن المنذر الحزامىّ، ومحمد بن سلّام الجمحىّ، ومحمد بن زياد الأعرابىّ، وعلىّ بن المغيرة الأثرم، وسلمة بن عاصم، وعبيد الله بن عمر القواريرىّ، والزّبير بن بكّار، وغيرهم.
стр. 166
روى عنه محمد بن العباس اليزيدىّ، وعلى بن سليمان الأخفش، وإبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدىّ، وأبو بكر الأنبارىّ، وعبد الرحمن بن الزّهرىّ، وأبو عمر الزاهد، وغيرهم.
وكان ثقة حجة صالحا ديّنا مشهورا بالحفظ «١» وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب ورواية الشعر القديم، مقدّما عند الشيوخ مد هو حدث. ويقال: إنّ أبا عبد الله الأعرابىّ كان يشكّ فى الشىء فيقول: ما عندك يا أبا العباس فى هذا! ثقة بغزارة حفظه.
ولد فى سنة مائتين. وكان يقول: طلبت العربية واللّغة فى سنة ست عشرة ومائتين، وابتدأت بالنظر فى حدود «٢» الفرّاء «٣» وسنّى ثمان عشرة سنة، وبلغت خمسا وعشرين سنة، وما بقى علىّ مسألة للفرّاء إلا وأنا أحفظها، وأحفظ موضعها من الكتاب، ولم يبق شىء من كتب الفرّاء فى هذا الوقت إلّا قد حفظته.
قال: سمعت من عبيد الله بن عمر القواريرىّ مائة ألف حديث. وقال: مات معروف الكرخىّ سنة مائتين، وفيها ولدت.
стр. 167
وقال أبو محمد الزهرىّ: كان لثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخرت عنه إذ لم أعلم، ثم قصدته معتذرا؛ فقال لى: يا أبا محمد، ما بك حاجة إلى تكلّف عذر؛ فإنّ الصديق لا يحاسب، والعدوّ لا يحتسب له.
وكان لا يتكلّف إقامة الإعراب فى كلامه إذا لم يخش لبسا فى العبارة، وذكر ذلك لإبراهيم الحربىّ «١» ﵀، فقال: أيش «٢» يكون إذا لحن فى كلامه! كان هشام النحوىّ يلحن فى كلامه، وكان أبو هريرة يكلّم صبيانه بالنّبطية «٣».
ودخل عليه رجل جاهل، فقال له: يا أبا العباس، قد هجاك المبرّد، فقال:
بماذا؟ فأنشد:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصّبّ إلى الصبّ
لو كتب النحو عن الرّبّ ... ما زاده إلا عمى القلب
قال الرازىّ: فقال أبو العباس: أنشدنى من أنشده أبو عمرو بن العلاء:
شاتمنى عبد بنى مسمع ... فصنت عنه النّفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقارى به ... ومن يعضّ الكلب إن عضا «٤»
قال أبو العباس محمد بن عبيد «٥» الله بن عبد الله بن طاهر: [قال لى أبى «٦»]: حضرت مجلس أخى محمد بن عبد الله بن طاهر، وحضره أبو العباس أحمد بن يحيى،
стр. 168
وأبو العباس محمد بن يزيد النحوىّ، فقال أخى: قد حضر هذان الشيخان، وإنى أودّ أن أعلم أيّهما أعلم، فاجلس فى الدار الفلانية، واجمع بينهما، واسمع كلامهما.
قال: ففعلت ذلك، وتناظرا، ثم عدت إلى أخى، فسألنى عن أمريهما، فقلت:
لمّا شرعا فى النظر شاركتهما فى فهم ما قالا، ثم دقّقا، فلم أفهم من كلامهما الدقيق شيئا، وما يعلم أيّهما أفضل إلا من هو أعلم منهما «١». فقال أخى: إنصافك أدقّ من كلامهما.
وسئل أبو بكر بن السّراج- ﵀: أيّهما أعلم؟ فقال: ما أقول فى رجلين، العالم بينهما! ولما مات المبرّد- ﵀ وقف رجل على حلقة أبى العبّاس أحمد ابن يحيى ثعلب، وأنشد:
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقى نصفه فسيخرب
مات المبرّد وانقضت أيامه ... ومع المبرّد سوف يذهب ثعلب
وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظه ... إذ كانت الألفاظ فيما تكتب «٢»
وذكر أن رجلا سأل ثعلبا عن مسألة فقال: لا أدرى، فقال: مثلك يقول: لا أدرى! فقال: لو أنّ لأمّك عدد ما للا أدرى بعرا لاستغنت «٣».
وقال ابن عبد الملك التاريخىّ «٤»: ثعلب فاروق النحويين، والمعاير على اللّغويين من الكوفيين والبصريين؛ أصدقهم لسانا، وأعظمهم شأنا، وأبعدهم ذكرا؛
стр. 169
وأرفعهم قدرا، وأصحّهم علما، وأوسعهم حلما، وأثبتهم «١» حفظا، وأوفرهم حظا فى الدين والدنيا.
وقال المفضّل «٢» بن سلمة بن عاصم الضبىّ: رأس أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ، واختلف الناس إليه فى سنة خمس وعشرين ومائتين.
وقال ابن عبد الملك التاريخىّ: سمعت إبراهيم الحربىّ- وقد تكلم الناس فى الاسم والمسمّى- يقول: بلغنى أن أبا العباس أحمد بن يحيى النحوىّ قد كره الكلام فى الاسم والمسمّى، وقد كرهت لكم ما كره أحمد بن يحيى؛ ورضيت لكم ولنفسى ما رضى.
قال: وسمعت المبرّد يقول: أعلم الكوفيين ثعلب. فذكر له الفرّاء، فقال: لا يعشره «٣».
قال التاريخىّ: وكان [أبو الصّقر] «٤» إسماعيل بن بلبل الوزير الشيبانىّ «٥» قد ذكر أبا العباس أحمد بن يحيى للناصر لدين الله الموفّق بالله «٦»، فأخرج له رزقا سنيّا سلطانيّا، فحسن موقع ذلك من أهل العلم والأدب، وقال قائلهم لأبى الصّقر [و] «٧» أبى العباس، فى أبيات ذكرها:
стр. 170
فيا جبلى شيبان لازلتما لها ... حليفى «١» فخار فى الورى وتفضّل
فهذا ليوم الجود والسيف والقنا ... وأنت لبسط العلم غير مبخّل
عليك أبا العبّاس «٢» كلّ معوّل ... لأنك بعد الله خير معوّل
فككت حدود النحو بعد انغلاقه ... وأوضحته شرحا وتبيان مشكل
فكم ساكن فى ظلّ نعمتك التى ... على الدهر أبقى من ثبير ويذبل «٣»
فأصبحت للإخوان بالعلم ناعشا ... وأخصبت منه منزلا بعد منزل
وقال بعض الطاهرية «٤» يوما لثعلب: لو علمت ما لك من الأجر فى إفادة الناس العلم لصبرت على أذاهم؛ فقال: لولا ذاك ما تعذّبت، ثم أنشد بعد هذا:
يعابثن «٥» بالقضبان كلّ مفلّج ... به الظّلم «٦» لم يفلل لهنّ غروب «٧»
رضابا كطعم الشّهد يجلو متونه ... من الضّرو «٨» أو غصن الأراك قضيب
أولئك لولا هنّ ما سقت نضوة «٩» ... لحاج ولا استقبلت برد جنوب «١٠»
وقال أبو بكر بن مجاهد «١١» المقرئ- رضى الله عنه وأرضاه: قال لى أبو العباس ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه
стр. 171
ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعرى ماذا يكون حالى فى الآخرة! فانصرفت من عنده، فرأيت تلك الليلة النبىّ ﷺ فى المنام، فقال لى: أقرئ أبا العباس عنى السّلام، وقل له:
إنك صاحب العلم المستطيل.
قال أبو عبد الله الروذبارىّ «١»، العبد الصالح، رضى الله [عنه]: أراد أنّ الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأنّ جميع العلوم مفتقرة إليه.
مات أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب- ﵀ يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان مولده سنة مائتين، ودفن فى مقبرة باب الشام، وقبره هناك ظاهر معروف.
وسئل الرياشىّ حين انصرف من بغداذ إلى البصرة فقال: ما رأيت فيهم أعلم من الغلام المنبّز «٢» (أعنى ثعلبا).
وكان ثعلب يدرس كتب الفرّاء والكسائىّ درسا، فلم يكن يعلم مذهب البصريين، ولا مستخرجا للقياس، ولا طالبا له؛ وكان يقول: قال الفرّاء، وقال الكسائىّ؛ فإذا سئل عن الحجة والحقيقة لم يأت بشىء.
وكان ختنه أبو علىّ «٣» الدينورىّ زوج ابنته يخرج من منزله وهو جالس على باب داره يتخطّى أصحابه، ويمضى ومعه محبرته؛ يقرأ كتاب سيبويه على المبرّد فيعاتبه ثعلب على ذلك ويقول له: إذا رآك الناس تمضى إلى هذا الرجل وتقرأ عليه يقولون ماذا؟ فلم يكن يلتفت إلى قوله.
стр. 172
وكان أبو علىّ هذا حسن المعرفة؛ قال له إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ: يا أبا علىّ، كيف صار محمد [بن] يزيد النحوىّ أعلم بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى ثعلب؟، فقال: لأنّ محمد بن يزيد قرأه على العلماء، وأحمد بن يحيى قرأه على نفسه.
وكتب أبو نصر الطوسىّ «١» إلى أبى أحمد «٢» من سرّ من رأى يقول: شككا فى حرف كذا وكذا، فصر إلى أبى العبّاس فسله عنه، فإنّه كان أحفظ لما سمعه منا.
وكان أبو العباس مع سعة رزقه، وكثرة موجوده ضيّق النفقة، مقتّرا على نفسه، ولم يكن مع علمه موصوفا بالبلاغة، وكان إذا كتب كتابا إلى أحد لم يخرج عن طباع العوام فى كتبهم، فإذا سئل عن علم الكسائىّ والفرّاء نقل العجب.
وكان هو ومحمد بن يزيد المبرّد شيخى وقتهما، وكان المبرّد يودّ الاجتماع به والمذاكرة، فيمتنع ثعلب من ذلك. وسئل ختنه الدّينورىّ عن ذلك، فقال: المبرّد حسن العبارة؛ فإذا اجتمعا حكم للمبرّد؛ فإن مذهب ثعلب مذهب المعلمين.
قال ثعلب: دخلت يوما إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعنده أبو العباس محمد بن يزيد- وكان محمد بن عيسى وصفه له- فلما قعدت قال لى محمد بن عبد الله:
ما تقول فى بيت امرئ القيس: «٣»
له متنتان خظاتا كما ... أكبّ على ساعديه النّمر
стр. 173
قال ثعلب: فقلت يقال: خظابظا، إذا كان صلبا مكتترا، وصف فرساء وقوله:
«كما أكبّ»؛ أى فى صلابة ساعد النّمر إذا اعتمد على يده، والمتن: الطريقة «١» الممتدّة عن يمين الصّلب وشماله. والذى فيه من العربية أنه قال: خظتا، فلما تحرّكت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة.
قال: فأقبل محمد بن عبد الله بوجهه على محمد بن يزيد، فقال له: أعز الله الأمير! إنما أراد فى «خظاتا» «٢» الإضافة؛ أضاف خظاتا إلى «كما». فقلت له:
ما قال هذا أحد. فقال محمد بن يزيد: بل سيبويه يقوله، فقلت لمحمد بن عبد الله:
لا والله، ما قال هذا سيبويه قطّ، وهذا كتابه فليحضر، ثم أقبلت على محمد بن عبد الله؛ فقلت: ما حاجتنا إلى كتاب سيبويه! أيقال: مررت بالزيدين صديقى «٣» عمرو، فيضاف نعت الشىء إلى غيره؟ فقال محمد بن عبد الله- بصحة طبعه: لا، والله ما يقال هذا- ونظر إلى محمد بن يزيد- فأمسك ولم يقل شيئا. وقمت، ونهض المجلس.
قال البصريون: والقول ما قاله المبرّد، وإنما ترك الجواب أدبا مع محمد بن عبد الله بن طاهر لمّا تعجّل اليمين وحلف: لا يقال هذا. وهذا مما يدلّك على أنّ المبرّد كان خبيرا بمجالسة الأجلاء والخلفاء والملوك وآداب صحبتهم.
وقال ثعلب: صحبت أحمد بن سعيد بن سلم- وكان ظريفا يشبه الناس- فى سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وفارقته سنة خمس وعشرين ومائتين، وصحبت العباس بن بوكردان «٤» إلى سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وصحبت محمد بن عبد الله
стр. 174
ابن طاهر فى هذه السنة أوّل يوم من المحرّم، وصحبته ثلاث عشرة سنة إلى أن توفّى- ﵀.
وقال: أقعدنى محمد بن عبد الله بن طاهر مع ابنه طاهر، وأفرد لى دارا فى داره، وأقام لنا وصيفة، وكنت أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار، وأنصرف إذا أراد الغداء، فنمى ذلك إليه، فوجّه فكسا البهو والأروقة والمجالس الخيش «١»، وأضعف ما كان يعدّ من الألوان والثلج والفاكهة والخوان «٢»، فلما حضر وقت الانصراف انصرفت، فنمى ذلك إليه، فقال للخادم الموكّل بطاهر: نمى إلىّ انصراف أحمد بن يحيى فى وقت الطعام والفاكهة، فظننت أنه استقلّ ما كان نحضره، وأنه لم يستطب الموضع، فأضعفنا ما كان يقام، وزدنا «٣» فى الخيش، ثم نمى إلىّ أنه قد انصرف بعد ذلك، فتقول له عن نفسك: بيتك أبرد من بيتنا! أو طعامك أطيب من طعامنا! وتقول له عنّى: انصرافك إلى منزلك فى وقت الغداء هجنة «٤» علينا.
فلما عرّفنى الخادم ذلك أقمت، فكنت على هذا الحال ثلاث عشرة سنة، وكان يتغدّى معنا من يحضر من خاصّته، مثل أبى عون وغيره، وكان يقيم لى مع ذلك كل يوم سبع وظائف «٥» من الخبز الخشكار «٦»، ووظيفة من الخبز السّميذ «٧»، وتسعة
стр. 175
أرطال من اللحم، وعلوفة رأس «١»، وأجرى لى فى الشهر ألف درهم، وكان يتفقّد من يجرى عليه القوت من الخبز واللحم؛ حتى يصل ذلك إليه فى وقته، ولا يتأخر عنه.
خلّف ثعلب- ﵀ أحدا وعشرين ألف درهم وألفى دينار، ودكاكين بباب الشام؛ قيمتها يومئذ ثلاثة آلاف دينار، فردّ ماله على ابنه وابنته.
وأوصى إلى علىّ بن محمد الكوفىّ من تلاميذه، وتقدّم إليه فى دفع كتبه إلى أبى بكر أحمد بن إسحاق بن سعيد القطربّلىّ، فقال إبراهيم الزجّاج للقاسم بن عبيد الله:
هذه كتب جليلة فلا تفوتنّك، فأحضر خيران الورّاق، فقوّم ما يساوى عشرة دنانير بثلاثة دنانير، فبلغت أقلّ من ثلاثمائة دينار، [فأخذها القاسم بها] «٢».
وكان أبو سعيد السكرىّ كثير الكتب جدا، وكتب بخطه [ما] لم يكتبه أحد، وكان إذا لقى الرجال لا يفارقه كتاب، وكان أحمد بن يحيى ثعلب لا يرى بيده كتاب، ويتّكل على حفظه.
فأما إقتاره على نفسه، فإنّه كان غاية فيه. قال بعض أصحابه: دخلت عليه يوما، وقد احتجم، وبين يديه طبق فيه ثلاثة أرغفة وخمس بيضات وبقل وخلّ، وهو يأكل؛ فقلت له: يا أبا العباس، قد احتجمت؛ فلو أخذ لك رطل واحد من لحم، فأصلحت به قديرة «٣» لكان أصلح، فقال: رطل لحم، وثمن توابل، ومثله أيضا للعيال، ما له معنى! قال ثعلب: دخلت على يعقوب بن السّكّيت، وهو يعمل بعض كتبه، فسألنى عن شىء من الإعراب، فتكلمت فيه، فلم يقع له فهمه، فصحت، فقال:
لا تصح، فإنما أريد أن أتعلّم، فاستحييت.
стр. 176
وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قد أجرى على ثعلب كما ذكرنا فى كلّ شهر ألف درهم، وعلى خليفته خمسمائة درهم، وعلى ختنه ثلاثمائة درهم.
قال ثعلب: سألنى محمد بن زياد الأعرابىّ- ﵀: كم لك من الولد؟
فقلت: ابنة، وأنشدته «١»:
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب فى الليالى حندس الظّلم «٢»
تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم
وكان ثعلب لا يكاد يجتمع مع المبرّد فى مجلس، للسبب الذى تقدّم ذكره، فإذا تلاقيا فى الطريق تواقفا وتساءلا- رحمهما الله.
وكانت بنت أبى العباس قد استهلكت له ألف دينار من ألفى دينار، فطالبها بذلك أشدّ مطالبة، وأغلظ لها، وجمع عليها أصحابه، وناظرها بحضرتهم، فقالت له من وراء السّتر: أنت أعرف بموضع الدنانير، كان الوقت صيفا كما علمت، وكنت تخرج عنا بكرا «٣»؛ فإذا انتصف النهار ترجع إلينا؛ فتخلع ثيابك، وتقول: عندكم شىء نأكله؟ فتخرج إليك الجارية مائدة، عليها أرغفة سميذ؛ وقطعة من جدى أو دجاجة، أو بذج «٤»، وفضلة من جام «٥»، حلواء، فتأكل من ذلك، ولا تقول: من أين لكم هذا، فلا يزال ذلك دأبك، ولا تسأل عمّا يقدّم إليك، ولا عمّا ترى من الفاكهة والطّيبات؛ يا أصحابه، قولوا له: تلك الدنانير ذهبت فيما كنت تأكله ولا تسأل عنه؛ نأكل ونطعمك. فافترقا، وقد أوجبت عليه الحجّة، ولم يصل منها إلى درهم واحد.
стр. 177
وكان أبو العباس فى آخر عمره قد ثقل سمعه، وساء خلقه، ولمّا مات دفن فى باب الشام، فى حجرة اشتريت له، وبنيت بعد ذلك. وكان سبب وفاته- كما شاء الله- أنه كان يوم جمعة قد انصرف من الجامع بعد صلاة العصر، وكان يتبعه جماعة من أصحابه إلى منزله، فلما صار إلى درب بناحية باب الشام اتّفق أن ابنا لإبراهيم بن أحمد البادرانىّ «١» يسير على دابة، وخلفه خادم على دابة، وقد قلق واضطرب، وكان أبو العباس هذا قد صمّ، ما يكاد يسمع الكلام إلا بعد تعب، وكان فى يده دفتر ينظر فيه، وقد شغله عما سواه، فصدمته دابّة الخادم، وهو لا يسمع حسّها لصممه، فسقط على رأسه فى هوّة من الطريق قد أخذ ترابها، فلم يقدر على القيام، فحمل إلى منزله، وهو كالمختلط يتأوّه من رأسه، وكان سبب وفاته من ذلك- ﵀.
قال ثعلب- ﵀: رأيت المأمون لمّا قدم من خراسان، وذلك سنة أربع ومائتين، وقد خرج من باب الحديد، وهو يريد قصر الرّصافة، والناس صفان إلى المصلّى. قال: فحملنى أبى على يده، فلما مر المأمون رفعنى على يده، وقال لى: هذا المأمون، وهذه سنة أربع، فحفظت ذلك عنه إلى الساعة، وكان سنى يومئذ أربع سنين.
وله من الكتب والتصنيف: كتاب المصون. كتاب اختلاف النحويين «٢». كتاب معانى القرآن. كتاب الموفّقى «٣» فى مختصر النحو.
كتاب ما تلحن فيه العامة. كتاب القراءات. كتاب معانى الشعر.
стр. 178
كتاب التصغير. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف أو كتاب ما يجرى وما لا يجرى. كتاب الشواذ. كتاب الأمثال «١». كتاب الأيمان.
كتاب الوقف والابتداء. كتاب استخراج الألفاظ [من الأخبار] «٢».
كتاب الهجاء. كتاب الأوسط «٣». كتاب إعراب القرآن. كتاب المسائل. كتاب حدّ النحو. كتاب تفسير كلام ابنة الخسّ «٤».
كتاب المجالس «٥».
٨٧ - أحمد بن يحيى بن سهل بن السّرىّ أبو الحسين الطائىّ المنبجىّ [١]
الشاهد المقرئ النحوىّ. سكن دمشق، وكان وكيلا فى الجامع، وروى بها عن عدّة من المشايخ الذين روى عنهم، وروى عن الأدباء اللغويين، منهم
стр. 179
أبو العباس «١» أحمد بن فارس، وتوفّى بدمشق سنة خمس عشرة وأربعمائة، ووثّقوه فى روايته.
٨٨ - أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان بن المهاجر المصرىّ مولى قيسبة بن كلثوم السّومىّ [١]
يكنى أبا عبد الله. كان عالما بالشعر والأدب والأخبار وأيام الناس والأنساب والفقه. وكان يجالس عبد الله بن وهب، وكان مولده فى سنة إحدى وسبعين ومائة. وتوفّى فى شوّال سنة خمسين ومائتين فى حبس ابن المدبّر صاحب الخراج- لخراج كان عليه- ودفن يوم الأحد لاثنتين وعشرين ليلة خلت من شوّال.
٨٩ - أحمد بن يعقوب بن يوسف الأصبهانىّ أبو جعفر النحوىّ المعروف ببزرويه [٢]
غلام نفطويه. أصبهانىّ سكن بغداذ. روى عن أبى خليفة الفضل بن الحباب، ومحمد بن العباس اليزيدىّ، وتصدّر لإقراء النحو والعربية إلى أن مات فى رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ذكر ذلك أبو بكر بن شاذان.
стр. 180
٩٠ - أحمد بن عبد الله بن شبيل بن الرّدينىّ أبو رياش بن أبى هاشم القيسىّ الرّبعىّ اللغوىّ اليمامىّ [١]
هكذا نقلت نسبه. واليمامة: مدينة بالبادية من بلاد العوالى، «١» وكان من المتوسّعين فى الحفظ، حتى قيل إنه حفظ من اللغة خمسة آلاف ورقة، ومن الشعر عشرة آلاف بيت، وله شعر كان يحذو فيه حذو الأوائل. وكان بينه وبين ابن لنكك «٢» البصرىّ ملاحاة شديدة، وعداوة متباينة، وهجاه ابن لنكك، ولم يجبه أبو رياش، وكان منقطعا إلى الوزير أبى محمد الحسن بن محمد المهلّبىّ. وتوفّى فى سنة خمسين وثلاثمائة.
ومن شعره يمدح أبا حامد ورقاء بن محمد بن ورقاء الشيبانىّ من قصيدة:
إلى ماجد لم يبق فى الأرض مشرق ... ولا مغرب إلّا له فيه حامد
فتى من بنى شيبان أوفى به العلا ... فأشرف خال لا يسامى ووالد
ومنها:
ترى الناس أفواجا إليه لكلّهم ... عليه من المعروف حاد وقائد
فما ضلّ منتاب «٣» ولا خاف عائذ ... ولا ذيد «٤» هيمان ولا خاب رائد
جميل المحيّا يجعل المال جنّة ... لأعراقه ما وحّد الله ساجد