٢٥٨ - زيد بن علىّ النحوىّ الفارسىّ أبو القاسم [١]
ابن أخت [أبى] على الفارسىّ النحوىّ. نحوىّ كامل فاضل، أخذ النحو عن خاله، وروى عنه كتاب الإيضاح من تصنيفه.
وخرج عن فارس إلى العراق، وقصد الشام، واستوطن حلب لإقراء النحو بها؛ فقرءوا عليه، واستفاد أهلها منه، وعمّر إلى أن قرأ عليه الشريف أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد الزيدىّ الكوفى النحوىّ كتاب الإيضاح بحلب عند رحلته إليها من الكوفة فى شهر رجب سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وروى الناس كتاب الإيضاح عن هذا الشريف عن أبى القاسم المذكور المدّة الطويلة بالكوفة.
قال أبو القاسم علىّ الدمشقىّ «١» فى كتابه «٢»: «زيد بن علىّ بن عبد الله أبو القاسم الفسوىّ الفارسىّ النحوىّ اللغوىّ. سكن دمشق مدّة، وأقرأ بها النحو واللغة، وأملى بها شرح الإيضاح لأبى على الفارسىّ، وشرح الحماسة. وحدّث عن الشيخ أبى الحسن بن أبى الحديد الدمشقىّ، وسمع منه جدّى القاضى أبو الفضل عمر بن أبى الحسن الدّهستانىّ «٣» وأبو الحسن على بن طاهر النحوىّ».
«توفى بطرابلس فى ذى الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة. قاله لنا ابن الأكفانىّ».
قلت: فى هذا القول نظر؛ فإنه يكون قد مات قبل ذلك.
стр. 422
٢٥٩ - زيادة الله بن علىّ بن حسين التميمىّ الطّنبىّ [١]
نزيل قرطبة. يكنى أبا مضر. كان من أهل العلم بالآداب واللغات والأشعار.
روى الناس عنه علما كثيرا، وكان كثير الإغراب.
كان مولده فى شعبان من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفى- ﵀ لعشر خلون من ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وأربعمائة.
٢٦٠ - زنجى بن المثنّى النحوىّ القيروانىّ [٢]
كان مؤدّبا لكثير من رجال السلطان فى تلك الناحية، عالما بالعربية واللغة.
٢٦١ - زهير بن ميمون الفرقبىّ النحوىّ الكوفىّ [٣]
من علماء الكوفة. نحوىّ قارئ، همدانىّ؛ وإنما قيل له الفرقبىّ؛ لأنه كان يتّجر إلى ناحية فرقب، «١» فنسب إليها. وكان من أهل الكوفة، وكان مولى للنّخع.
وقيل لغيرهم.
وقال أبو بكر بن عياش: قلت لزهير الفرقبىّ بمكة: أنّى لك النحو؟ قال:
سمعناه من أصحاب أبى الأسود فأخذناه. قال: ومات زهير سنة خمس وخمسين ومائة. وقيل: سنة ست وخمسين ومائة.
стр. 423
وقال الهيثم بن عدىّ: رأيت زهيرا الفرقبىّ، وقد اجتمع عليه ناس يسألونه عن القراءات والعربية، وهو يجيبهم ويحتجّ على ما يقول بأشعار العرب. وكان يروى كثيرا من ذلك عن ميمون الأقرن. وكان أبو جعفر الرؤاسىّ يأخذ عنه، وكان عالما بالنّسب.
قال: ورأى النبى ﷺ فى النوم وهو يقول: «يا زهير، عليك بالقرآن». فلم يكن بعد ذلك يتكلم فى غيره.
стр. 424
(حرف السين)
٢٦٢ - سليمان بن معبد أبو داود النحوىّ السّنجىّ المروزىّ [١]
سمع النّضر بن شميل، والنّضر بن محمد الجرشىّ، «١» وسيار بن حاتم «٢»، والهيثم «٣» بن عدىّ، وعبد الرزاق «٤» بن همّام، والأصمعىّ، وغيرهم.
ورحل فى طلب العلم إلى العراق والحجاز ومصر واليمن، وذاكر الحفّاظ، مثل يحيى بن معين «٥»، وروى عنه مسلم بن «٦» الحجاج وأبو بكر بن أبى «٧» داود وأمثالهما. وكان ثقة. وكان له شعر، فمنه:
стр. 425
يا آمر الناس بالمعروف مجتهدا ... وإن رأى عاملا بالمنكر
انتهره ابدأ بنفسك قبل الناس كلّهم ... فأوصها واتل ما فى سورة البقرة
أتأمرون ببرّ تاركين له ... ناسين، ذلك دأب الخيّب الخسره
وإن أمرت ببرّ ثم كنت على ... خلافه لم تكن إلّا من الفجره
من كان بالعرف أمّارا وتاركه ... فذاك يسبق منه سيله مطره
قال أبو رجاء محمد بن حمدويه بن موسى: سليمان بن معبد من أهل السّنج.
جالس الأصمعىّ وجلّة الفقهاء. مات فى سنة سبع وخمسين ومائتين. زاد غيره فى ذى الحجة.
٢٦٣ - سليمان بن محمد بن أحمد أبو موسى النحوىّ المعروف بالحامض [١]
كان أحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين. أخذ عن أبى العباس ثعلب،- وهو المقدّم من أصحابه- ومن خلفه بعد موته، وجلس مجلسه. وصنّف كتبا حسانا فى الأدب.
روى عنه أبو عمر الزاهد وأبو جعفر الأصبهانىّ المعروف ببزرويه «١»، غلام نفطويه. وكان ديّنا صالحا.
стр. 426
قال أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التميمى «١»: «وأما أبو موسى الحامض فكان أوحد الناس فى البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر».
«قال أبو المعالى النقار: دخل الكوفة أبو موسى، وسمعت منه كتاب الإدغام عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء. قال أبو علىّ: فقلت له: أراك تلخّص الجواب تلخيصا ليس فى الكتب. قال: هذا ثمرة صحبة ثعلب أربعين سنة».
توفى أبو موسى الحامض ليلة الخميس لسبع بقين من ذى الحجة سنة خمس وثلاثمائة، وكان قد أخذ عن البصريين، وخلط النحوين، وكان حسن الوراقة فى الضّبط، وكان يتعصّب على البصريين فيما أخذ عليهم فى عربيتهم.
فمن تصنيفه: كتاب خلق الإنسان. كتاب النبات. كتاب الوحوش. كتاب مختصر النحو «٢».
٢٦٤ - سليمان بن محمد بن سليمان أبو الربيع الخلّى اليمنىّ [١]
من موضع باليمن؛ يعرف بالخلّة، قريب من بلد بنى مسلية، من مذحج. قرأ النحو باليمن، وانتقل فى مدنها فى حالة إقتار وغلاء، وخرج إلى مصر، وتوصّل إلى ملكها الكامل «٣»، وحضر مجلسه- وللكامل غرام بعلم النحو؛ يشتهى أن يخالط
стр. 427
النحاة ليستفيد منهم، ويكره نحاة مصر- فقرّب هذا الغريب على بعد داره، وقرّر له معلوما هو بالنسبة إلى العدم قريب، فقنع به المذكور.
وسمعت أنه اجتاز بحلب فى شهور سنة سبع وعشرين وستمائة، واجتمع بنحاتها فلم يجدوا عنده شيئا يوجب التصدّر، ثم عاد إلى مصر عند عودة العساكر الكاملية عن البلاد الجزريّة «١» بعد أخذ آمد «٢» فى سنة ثلاثين وستمائة، وهو مقيم بمصر فى الصّحبة على حاله. «٣»
٢٦٥ - سليمان بن سليمان بن حجاج بن عمير أبو أيوب [١]
كان له حظ من معرفة النحو واللغة، من مشاهير الأندلسيين فى قطره. وله شعر «٤» مذكور متداول بينهم، يتناشدونه فى أنداء «٥» الأدب هناك. وله خطابة وبلاغة، وقال الشعر بعد أن أسنّ، فمن شعره فى ابن عم له:
стр. 428
قريب رحم بعيد مرحمة «١» ... ما نالنى من أذى فمنه وبه
أخذ علمه من الأدب عن أبى الغازى وغيره من العلماء. توفى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
٢٦٦ - سليمان بن أحمد بن محمد السّرقسطىّ أبو الربيع الأندلسىّ المقرئ اللغوىّ [١]
رحل إلى المشرق، وروى عن جماعة من مشايخ بغداذ وغيرهم؛ كأبى بكر أحمد ابن على بن ثابت الخطيب وغيره. وروى عنه الناس، وأقرأ القرآن وأفاد اللغة.
وتكلموا فيه.
أخبرنا عبد الكريم بن محمد المروزىّ فى كتابه سماعا عليه ببلخ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن الإخوة العطّار بقراءتى عليه فى داره، أخبرنا أبو الربيع سلمان ابن أحمد بن محمد السّرقسطىّ قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو بكر «٢» أحمد بن على ابن ثابت الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن فضالة الحافظ، أخبرنا الحسين ابن جعفر بن محمد، حدّثنا أحمد بن أبى طلحة، حدّثنا أحمد بن على السيارىّ،
стр. 429
حدّثنا نصر بن على الجهضمىّ قال: كان فى جيرانى رجل طفيلىّ. وكنت إذا دعيت إلى مدعاة ركب لركوبى، فإذا دخلنا الموضع أكرم من أجلى. فاتخذ جعفر ابن سليمان أمير البصرة دعوة، فدعيت إليها، وقلت فى نفسى: والله إن جاء هذا الرجل معى لأخزينّه. فلما أن ركبت ركب لركوبى، ثم دخلت الدار، فدخل معى، وأكرم من أجلى. فلما حضرت المائدة قلت: حدّثنا درست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر- رضى الله عنه- عن النبى ﷺ قال: «من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما» قال:
فقال الطّفيلىّ: استحييت لك يا أبا عمرو، مثلك يتكلّم بهذا الكلام على مائدة الأمير! فليس هاهنا أحد إلا يظنّ أنك رميته بهذا الكلام ثم إنك لا تستحى، تتحدّث عن درست «١» بن زياد، ودرست كذاب لا يحتج بحديثه، عن أبان بن طارق، «٢» وأبان كان صبيا من صبيان أهل «٣» المدينة يلعبون. ولكن أين أنت عما حدّثنا أبو عاصم النبيل عن ابن جريج «٤» عن أبى الزبير «٥» عن جابر «٦» - رضى الله عنه- عن النبى
стр. 430
صلى الله عليه وسلم قال: «طعام الواحد يكفى الاثنين، وطعام الاثنين يكفى الأربعة»!.
قال نصر بن على: فكأنى ألقمت حجرا. فلما خرجنا من الدار أنشأ الطّفيلىّ يقول:
ومن ظنّ ممّن يلاقى الحروب ... بألّا يصاب فقد ظنّ عجزا
توفى أبو الربيع السّرقسطىّ الأندلسىّ فى يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة ببغداد، ودفن من يومه.
٢٦٧ - سليمان بن أبى طالب عبد الله بن الفتى الحلوانىّ النهروانىّ أبو عبد الله [١]
والد الحسن «١» بن سليمان الفقيه المدرس بالنظامية «٢». كان له حظ وافر من العربية، ومعرفة تامّة باللغة والأدب.
стр. 431
نزل أصبهان وسكنها. وأكثر أئمة أصبهان وفضلائها قرءوا عليه الأدب.
ذكره يحيى بن منده «١» فى تاريخ أصبهان، فقال:
«سليمان بن عبد الله بن الفتى، البغداذىّ. قدم أصبهان، واستوطن بها.
وكان جميل الطريقة، فاضلا أديبا، حسن الخلق، إماما فى اللغة والنحو. صنف كتاب التفسير «٢». مسكنه فى باب الوزير قريب من الجامع».
وذكره الأمير ابن ماكولا «٣» فقال:
«وأما الفتى «٤»، أوّله فاء مفتوحة بعدها تاء معجمة باثنين من فوقها، فهو أبو عبد الله سليمان «٥» بن عبد الله. يعرف بابن الفتى. من أهل النّهروان؛ دخل بغداذ بعد سنة ثلاثين وأربعمائة، وتشاغل بالأدب، وقرأ على أبى الخطاب الجبلىّ والثمانينى وغيرهما من أدباء ذلك الوقت. وحضر عندى وتأدّب، وقال الشعر،
стр. 432
وسافر إلى الجبل، وشاهدته بالرّىّ دفعات وبهمذان، ووجدته فاضلا مليح الشعر حسن الأدب حافظا».
وذكره الباخرزىّ «١» فقال: «عاشرته «٢» بالنّهروان سنة ثلاث وستين، ووجدته لطيف العشرة، وفتّشته عما يتحلّى به من علم الإعراب، فمدّ «٣» فيه أطناب «٤» الإطناب، حتى كاد يكون مكانه من المبرّد والزّجّاج، مكان الأسنّة من الزّجاج «٥». وهو مع هذا أشعر أبناء جنسه. فممّا أنشدنى لنفسه «٦» من قصيدة نظامية:
يا ظبية حلّت بباب الطاق «٧» ... بينى وبينك أوكد الميثاق
فوحقّ أيام الصّبى ووصالنا ... قسما بها وبنعمة الخلّاق
ما مرّ من يوم ولا من ليلة ... إلا إليك تجدّدت أشواقى
سقيا لأيام جنى لى طيبها ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
وإذا أضرّت بى عقارب صدغها «٨» ... كانت مراشف ريقها ترياقى
стр. 433
٢٦٨ - سليمان بن حبّون النحوىّ الشاعر [١]
من أهل الرّحبة «١». نزل حرّان «٢»، وقطن بها، وتصدّر لإفادة هذا الشأن. وكان مستوحشا من الناس، منقطعا عنهم، يقول شعرا مصنوعا قريب الحال، يقصد به الاستعطاء.
رأيته بحلب فى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وقد حضر إليها من حرّان ليمدح الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر «٣» صلاح الدين- سقى الله عهده- ونزل عند رجل من أهلها يعرف بابن خرخاز، ورأيته ينسخ فى كتاب القوافى للزجّاج، وذاكرته فى النحو، فرأيته نزقا «٤» لا يرغب أن يباحث فيه. وسألته: من لقيت من المشايخ؟ فقال: اصطحبت أنا والمهذّب بن العطّار فى الكلك «٥» إلى بغداذ؛ لم يزدنى على ذلك.
وتوجه بعد أن أخذ الجائزة عن مدحه إلى حرّان. ومات قريبا من ذلك فيما بلغنى، وخلّف بها بنات. وكان ظاهر أمره الإقلال. وسمعت أنه امتدح العادل
стр. 434
أبا بكر «١» بن أيوب عند ملكه حرّان، فلم يجزه شيئا، فذكر أبياتا عرّض له فيها بأنك جواد ما زلت؛ ولكنّ أرضنا غيّرتك، فقال: هجانا هذا الرجل بطريق لطيف. وبيت القصيدة:
قسما بآل محمد ... ما فوق ذلك من قسم
إن المليك محمدا ... لولاه ما عرف الكرم
يعطى اليراع براعة ... كالسيف «٢» يخضبه بدم
لكنّ تربة أرضنا ... نقلته عن تلك الشّيم
٢٦٩ - سعيد بن أوس بن ثابت أبو زيد الأنصارىّ [١]
صاحب النحو واللغة. حدّث عن عمرو بن عبيد وأبى عمرو بن العلاء.
روى عنه أبو عبيد القاسم بن سلّام، ومحمد بن سعد الكاتب، وأبو حاتم
стр. 435
السّجستانىّ وأبو زيد عمر بن شبة، وأبو حاتم الرازىّ. وكان ثقة ثبتا «١» من أهل البصرة.
قال ابن القدّاح «٢»: أبو زيد النحوى، سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد ابن قيس بن زيد بن النعمان «٣» بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. وشهد ثابت ابن زيد أحدا والمشاهد بعدها. وهو أحد العشرة الذين بعث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- مع أبى موسى الأشعرى إلى البصرة، وأحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبى ﷺ «٤».
هكذا نسب أبى زيد فى هذه الرواية. وفيه إخلال؛ والصواب ما ذكره محمد ابن سعد «٥»، قال: «[أخبرنا «٦»] أبو زيد النحوى، واسمه سعيد بن أوس بن ثابت ابن بشير بن أبى زيد [قال «٧»]: ثابت «٨» بن زيد بن قيس [هو جدّى؛ وقد شهد أحدا «٩»]».
стр. 436
قال أبو عثمان المازنىّ: كنا عند أبى زيد، فجاء الأصمعىّ، فأكبّ على رأسه وجلس، وقال: هذا عالمنا ومعلّمنا منذ عشر سنين «١».
قال أبو زيد الأنصارىّ: وقفت على قصّاب وعنده بطون، فقلت: «بكم البطنان يا غلام؟» قال: «بدرهمان يا ثقيلا».
وقال أبو زيد: وقفت بباب سليمان بن أبى العاص الثقفىّ على قصّاب، وقد أخرج بطنين سمينين موفورين، فعلّقهما، فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان يا مضرطان. قال: فغطيت رأسى وفررت؛ لئلا يسمع الناس فيضحكوا منى.
قال أبو زيد الأنصارىّ: كنا ببغداذ، فأردت الانحدار إلى البصرة، فقلت لابن أخى: اكترلنا. فجعل ينادى: «يا معشر الملاحون»؛ فقلت له: ويلك! ما تقول؟ قال: جعلت فداك! أنا مولع بالرفع «٢».
وقال روح بن عبادة: كنا عند شعبة «٣»، فضجر من الحديث، فرمى بطرفه، فرأى سعيد بن أوس فى أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد:
استعجمت «٤» دارمىّ ما تكلّمنا ... والدّار لو كلّمتنا ذات أخبار
стр. 437
إلىّ أبا زيد. فجاءه، فجعلا يتناشدان الأشعار، فقال بعض أصحاب الحديث:
يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله- ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار! قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبا عليه وسلّم- فتدعنا وتقبل على الأشعار! قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبا شديدا؛ ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لى. أنا والله الذى لا إله إلا هو فى هذا أسلم منى فى ذاك! قال أبو زيد: لقيت أبا حنيفة، فحدّثنى بحديث فيه: «يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أحمشتهم النار»، فقلت له: «منتنون قد محشتهم «١» النار».
فقال: ممّن «٢» أنت؟ قلت: من أهل البصرة، قال: كل أصحابك مثلك؟ قلت:
أنا أخسّهم حظّا فى العلم، فقال: طوبى لقوم تكون أخسّهم! وسرق أصحاب الحديث نعل أبى زيد، فكان إذا جاء أصحاب الشعر والعربية والأخبار رمى بثيابه ولم يتفقدها، وإذا جاء أصحاب الحديث جمعها كلها، وجعلها بين يديه وقال: ضمّ يا ضمّام، واحذر لا تنام.
مات أبو زيد الأنصارى سنة أربع عشرة ومائتين. وقيل سنة خمس عشرة ومائتين، وله ثلاث وتسعون سنة، بالبصرة.
وكان أبو زيد من أهل العدل والتشيّع، وكان ثقة، وكان عالما بالنحو، ولم يكن مثل سيبويه والخليل. وكان يونس أعلم منه بالنحو، وكان مثله فى اللغات. وكان أبو زيد أعلم من الأصمعى وأبى عبيدة بالنحو. وكان يقال [له]:
أبو زيد النحوىّ. وله كتاب فى تخفيف الهمز على مذهب النحويين. وفى كتبه المصنفة فى اللغة وشواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره.
стр. 438
وكان كثير السماع من العرب. وقال أبو زيد: سألنى الحكم بن قنبر عن «تعاهدت ضيعتى»، فقلت: «تعهّدت»، فقال: لا- وكان عنده ستة من الأعراب الفصحاء- فقلت: اسألهم. فسألهم «١». فكلّ قال: «تعهّدت». فقال:
يا أبا زيد، علم كنت سببه، أو كلاما نحو هذا.
ولم يأخذ أحد من علماء البصريين عن الكوفيين إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضّل فى أوّل كتابه «النوادر» «٢»، قال: أنشدنى المفضّل لضمرة بن ضمرة:
بكرت «٣» تلومك بعد وهن فى النّدى ... بسل عليك ملامتى وعتابى «٤»
وكان أبو زيد يلقّب أصحابه، فلقّب الجرمىّ بالكلب لجدله واحمرار عينيه، ولقب المازنى «تدرج» «٥» لمشيته، ولقب أبا حاتم برأس البغل «٦»، ولقب التوّزىّ
стр. 439
أبا الوذواذ لخفة حركته وذكائه، ولقّب الزيادىّ طارقا، لأنه كان يأتيه بليل.
وكان هؤلاء أخذوا عن أبى زيد.
قال أبو زيد: أتيت بغداذ حين قام المهدى، فوافاه العلماء من كل بلدة بأنواع العلوم، فلم أر رجلا أفرس ببيت شعر من خلف، ولا عالما أبذل لعلمه من يونس.
وتوفى أبو زيد فيما قاله محمد بن إسحاق النديم سنة خمس عشرة ومائتين.
وقال: ««١» وله من الكتب المصنفة كتاب إيمان عثمان. كتاب حيلة ومحالة.
كتاب القوس «٢» والتّرس. كتاب مسائية «٣». كتاب المعزى. كتاب الإبل «٤». كتاب خلق الإنسان. كتاب الأبيات. كتاب المطر.
كتاب المياه. كتاب الغرائز. كتاب النبات والشجر. كتاب اللغات. كتاب قراءة أبى عمرو. كتاب النوادر. كتاب الجمع والتثنية. كتاب اللبن. كتاب بيوتات العرب. كتاب تخفيف الهمز. كتاب حياة «٥». كتاب المقتضب «٦». كتاب الوحوش.
كتاب الفرق. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب غريب الأسماء.
كتاب الهمز. كتاب المصادر «٧». كتاب الحلبة. كتاب نابه ونبيه.
كتاب معانى القرآن. كتاب النحو الكبير. كتاب الصفات «٨»».
стр. 440
٢٧٠ - أخبار أبى الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط [١]
هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعىّ، مولى مجاشع «١». أخذ النحو عن سيبويه- وكان أكبر منه- وصحب الخليل أولا، وكان معلّما لولد الكسائىّ.
وسبب ذلك أنه لما جرى بين الكسائىّ وسيبويه ما جرى من المناظرة «٢» رحل سيبويه إلى الأهواز. «٣»
стр. 441
قال الأخفش «١»: فلما دخل إلى شاطئ البصرة وجّه إلىّ فجئته، فعرّفنى خبره مع البغداذىّ، وودّعنى ومضى إلى الأهواز، فتزوّدت وجلست فى سمارية «٢» حتى وردت بغداذ، فوافيت مسجد الكسائىّ، فصلّيت خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته، وقعد فى محرابه- وبين يديه الفرّاء والأحمر وهشام وابن سعدان- سلّمت عليه، وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطّأته فى جميعها.
فأراد أصحابه الوثوب علىّ، فمنعهم من ذلك، ولم يقطعنى ما رأيتهم عليه ممّا كنت فيه.
فلما فرغت من المسائل قال لى الكسائىّ: بالله أنت أبو الحسن سعيد ابن مسعدة الأخفش؟ قلت: نعم، فقام إلىّ، وعانقنى وأجلسنى إلى جانبه، ثم قال لى: أولادى أحبّ أن يتأدّبوا بك، ويخرّجوا «٣» على يديك، وتكون معى غير مفارق لى. وسألنى ذلك فأجبته، إليه.
فلما اتصلت الأيام بالاجتماع، سألنى أن أؤلف له كتابا فى معانى القرآن، فألفت كتابى فى المعانى، فجعله إماما، وعمل عليه كتابا فى المعانى، وعمل الفرّاء كتابه فى المعانى عليهما. وقرأ عليه الكسائىّ كتاب سيبويه، ووهب له سبعين دينارا.
قال أبو حاتم سهل بن محمد السّجستانىّ- ﵀: وأخذ الأخفش كتاب أبى عبيدة فى القرآن، فأسقط منه شيئا، وزاد شيئا، وأبدل منه شيئا، قال: فقلت له:
стр. 442
اىّ شىء هذا الذى تصنع من هذا؟ من أعرف بالعربية؟ أنت أو أبو عبيدة؟
فقال: الكتاب لمن أصلحه، وليس لمن أفسده. قال: فلم يلتفت إلى كتابه، وصار مطّرحا.
قال أبو حاتم: وكان الأخفش رجل سوء، قدريّا شمريا. وهم صنف من القدرية «١»، نسبوا إلى [أبى] شمر «٢»، ولم يكن يغلو فيه.
وقال أيضا: كتابه فى المعانى صو يلح؛ إلا أن فيه مذاهب سوء فى القدر.
وكان أبو حاتم يعيب كتابه فى القرآن فى جمع الواحد.
وقال أبو حاتم فى كتابه فى القراءات؛ حيث ذكر القرّاء والعلماء: «كان فى المدينة علىّ الملقّب بالجمل وضع كتابا فى النحو لم يخلّ شيئا «٣»، فذهب. وأظن الأخفش هذا وضع كتابه فى النحو منه، ولذلك قال فيه: الزيت رطلان بدرهم.
والزيت لا يذكر بالبصرة؛ لأنه ليس بإدام لهم».
وقال الأخفش: لما دخلت بغداذ أتانى هشام الضرير، فسألنى عن مسائل عملها، وفروع فرّعها، فلما رأيت أن اعتماده واعتماد غيره من الكوفيين على المسائل عملت كتاب المسائل الكبير، فلم يعرفوا أكثر ما أوردته فيه.
стр. 443
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: أوّل من أملى غريب كل بيت من الشعر تحته الأخفش- وكان ببغداذ- والطوسىّ مستمليه. قال: ولم أدركه؛ لأنه قبل عصرنا. وكان يقال له: الأخفش الراوية. وتوفى سنة خمس عشرة ومائتين.
أنبأنى الشريف النقيب محمد بن أسعد النحوىّ الجوّانىّ «١»، أخبرنا عبد السلام ابن مختار اللغوىّ عن ابن بركات السعيدىّ، أخبرنا محمد بن سهل الهروىّ، أخبرنا محمد بن الحسين اليمنىّ «٢» من كتابه قال: «أخبرنى أبو العباس أحمد بن محمد بن الوليد قال: أخبرنا أبو إسحاق الزّجّاج عن المبرّد قال: سعيد بن مسعدة مولى بنى مجاشع؛ وهو من أهل بلخ- وكان أجلع فيما أخبرنا به عن أبى حاتم- والأجلع: الذى لم تنطبق شفتاه. وكان يقول بالعدل».
قال أبو العباس المبرّد: أخبرنى المازنى قال: كان الأخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل، وكان غلام أبى شمر، وكان على مذهبه.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: حدّثنى سعيد بن سلم قال: دخل الفرّاء على سعيد بن سلم، فقال: قد جاءكم سيد أهل اللغة، وسيد أهل العربية. فقال الفرّاء:
أما مادام الأخفش- يعنى سعيد بن مسعدة- يعيش فلا.
والأخفش أحذق أصحاب سيبويه، وهو أسنّ منه، ولقى من لقيه من العلماء إلا الخليل. والطريق إلى كتاب سيبويه الأخفش؛ وذلك أن كتاب سيبويه لا يعلم أحد قرأه على سيبويه، ولا قرأه عليه سيبويه؛ ولكنه لما مات قرئ على الأخفش فشرحه وبينه. ولم يكن أيضا ناقصا فى اللغة. وله كتب مستحسنة.
стр. 444
وكان أخذ عن أبى مالك النّميرىّ. وذكر المبرّد عن المازنىّ قال: قال الأخفش: سألت أبا مالك عن قول أمية بن [أبى] الصلت «١»:
سلامك ربّنا فى كلّ فجر ... بريئا ما تغنّثك الذّموم «٢»
فقلت: ما «تغنّثك»؟ فقال: ما تتعلّق بك.
وكان فيمن قرأ كتاب سيبويه أبو عمر الجرمىّ وأبو عثمان المازنىّ.
وذكر ابن مجاهد قال: حدّثنا ثعلب عن سلمة عن الأخفش قال: جاءنا الكسائىّ إلى البصرة، فسألنى أن أقرأ عليه كتاب سيبويه ففعلت، فوجه إلىّ خمسين دينارا. قال: وكان الأخفش يعلّم ولد الكسائىّ.
وقال المبرّد: الأخفش أكبر سنا من سيبويه؛ إلا أنه لم يأخذ عن الخليل، وكانا جميعا يطلبان، فجاءه الأخفش، فناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش:
إنما أناظرك لأستفيد لاغير. قال: أترانى أشكّ فى هذا! وكان أبو العباس ثعلب يفضّل الأخفش ويقول: كان أوسع الناس علما.
وله كتب كثيرة فى العروض والنحو والقوافى.
قال ثعلب: ومات الأخفش بعد الفرّاء، ومات الفرّاء سنة سبع ومائتين، بعد دخول المأمون العراق بثلاث سنين.
وذكر ابن عبد الملك التاريخى فى كتابه: «حدّثنى الحسين بن إسماعيل البصرىّ، قال: سمعت العباس بن الفرج الرياشىّ يقول: أخبرنى الأخفش قال:
يهمز الحرف إذا كان فيه ألف وقبلها فتحة، وأنشد للعجاج «٣»:
стр. 445
وخندف «١» هامة هذا العألم
فى قصيدته التى يقول فيها:
يا دار سلمى يا سلمى ثم اسلمى
فلما همز «العألم» للفتحة التى قبلها لم يكن مؤسّسا «٢»؛ لأنهم يجعلون الهمزة بمنزلة سائر الحروف [مثل] العين والقاف».
قال: «وكان أبو حية النميرىّ ممّن يهمز مثل هذا. قال: والواو إذا كانت قبلها ضمة همزوها، مثل «يؤقن». قال: فقلت له: فالياء إذا كانت قبلها كسرة؟
قال: لا أدرى».
وذكر الجاحظ أن أبا الحسن الأخفش كان يعلم ابنا للمعذّل بن غيلان يقال له: عبد الله، فكتب إلى المعذّل، وقد استجفى الغلام:
أبلغ أبا عمر إذا جئته ... بأنّ عبد الله لى جاف
قد أحكم الآداب طرّا فما ... يجهل شيئا غير إنصافى
فكتب إليه المعذّل:
إن يك عبد الله يجفوكم ... يكفيك إلطافى وإتحافى
وذكر محمد بن إسحاق النديم فى «٣» كتابه قال: «مات الأخفش سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد الفراء». قال: «وقال البلخى فى كتاب فضائل خراسان: أصله من خوارزم، ويقال: توفّى فى سنة خمس عشرة ومائتين. وروى الأخفش عن حمّاد بن الزبرقان- وكان بصريا».
стр. 446
وله من الكتب المصنفة: كتاب الأوسط فى النحو. كتاب تفسير معانى القرآن. كتاب المقاييس، فى النحو. كتاب الاشتقاق.
كتاب الأربعة. كتاب العروض. كتاب المسائل الكبير. كتاب القوافى. كتاب الملوك، كتاب معانى الشعر. كتاب وقف التمام. كتاب المسائل الصغير. كتاب الأصوات. كتاب صفات الغنم وعلاجها وأسنانها. [كتاب التّصريف «١»]».
ووقف أعرابى على مجلس الأخفش، فسمع كلامهم فى النحو، فحار وعجب وأطرق ووسوس «٢»، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: أراكم تتكلمون بكلامنا فى كلامنا بما ليس فى كلامنا، فأنشد الأخفش لبعض العرب:
ماذا لقيت من المستعربين ومن ... تأسيس نحوهم هذا الذى ابتدعوا
إن قلت قافية فيما يكون لها ... معنى يخالف ما قاسوا وما صنعوا
قالوا: لحنت وهذا الحرف منخفض ... وذاك نصب وهذا ليس يرتفع
وحرّشوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد فطال الضّرب والوجع
إنى نشأت بأرض لا تشبّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع «٣»
ولا يطا القرد والخنزير ساحتها ... لكن بها العين والذّيال والصّدع «٤»
ما كل قولى معروف لكم فحذوا ... ما تعرفون وما لا تعرفون دعوا
стр. 447
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين على إعرابهم طبعوا
وبين قوم رأوا شيئا معاينة ... وبين قوم رأوا بعض الذى سمعوا
قال الأخفش سعيد بن مسعدة: كان أمير البصرة يقرأ: (إنّ الله وملائكته يصلّون) «١» بالرفع، فيلحن، فمضيت إليه ناصحا له، فزبرنى «٢» وتوعّدنى، وقال:
تلحّنون أمراءكم!.
ثم عزل وولى محمد بن سليمان، فكأنه تلّقاها من فم المعزول. فقلت فى نفسى: هذا هاشمىّ، ونصيحته واجبة، فخشيت أن يلقانى بما لقينى به الأوّل، ثم حملت نفسى على نصيحته، فصرت إليه وهو فى غرفة، ومعه أخوه والغلمان على رأسه؛ فقلت: أيها الأمير، جئت لنصيحة، قال: قل، قلت:
هذا- وأومأت إلى أخيه- فلما سمع ذلك قام أخوه، وفرّق الغلمان عن رأسه- وأخلانى- فقلت: أيها الأمير، أنتم بيت الشرف وأصل الفصاحة، وتقرأ:
(إنّ الله وملائكته) بالرفع، وهذا غير جائز، فقال: قد نصحت ونبهت، فجزيت خيرا، فانصرف مشكورا. فلما صرت فى نصف الدّرجة إذا الغلام يقول لى:
قف مكانك، فقعدت مروّعا، وقلت: أحسب أن أخاه أغراه بى؛ فإذا بغلة سفواء «٣» وغلام وبدرة وتخت «٤» ثياب وقائل يقول: البغلة والغلام والمال لك، أمر به الأمير. فانصرفت مغتبطا بذلك «٥».
стр. 448
هشام «١» للمظفر «٢» بن أبى عامر. قال: فقال لى ابن القزاز: إن هشاما لضعيف.
هذه الجنة المذكورة هى أوّل أصل اتخذه عبد الرحمن «٣» بن معاوية، وكان فيها نخلة أدركتها بنفسى، ومنها ولدت كل نخلة بالأندلس. وفى ذلك يقول عبد الرحمن- وقد تنزه إليها، فرأى تلك النخلة فحنّ:
يا نخل أنت غريبة مثلى ... فى الغرب نائية عن الأصل
فابكى وهل تبكى ملثّمة ... عجماء لم تطبع على خبل
لو أنها مثلى إذا لبكت ... ماء الفرات ومنبت «٤» النخل
لكنّها ذهلت وأذهلنى ... بغضى بنى العباس عن أهلى
وكان أبو عثمان هذا حافظا للغة والعربية، حسن القيام بهما، ضابطا لكتبه، متفنّنا فى نقله. وله كتاب فى الردّ على صاعد بن الحسن اللغوىّ البغداذىّ ضيف محمد ابن أبى عامر، فى مناكير كتابه فى النوادر والغريب؛ المسمى بالفصوص، وأكثر التحامل عليه فيه.
وكان ثقة من أجلّ أصحاب أبى على القالى، ومن طريقته صحّت اللغة بالأندلس بعد أبى علىّ، ومن طريق أبى على بن أبى الحباب وأبى بكر الزّبيدىّ.
стр. 449
وفقد أبو عثمان- فى وقعة قفلش، فلم يوجد حيا ولا ميتا- يوم السبت للنصف من ربيع الأوّل سنة أربعمائة؛ كذا ذكر ابن حيان وغيره. وذكر ابن عبد البرّ أن وفاته كانت فى أربع أو خمس وتسعين وثلاثمائة- ﵀.
٢٧٤ - سعيد بن عيسى الأصفر الاندلسىّ [١]
ساكن طليطلة. أبو عثمان. كان عالما بالنحو واللغة والأشعار، و [له] مشاركة فى المنطق وكتب الأخبار. وله شرح الجمل للزّجّاجىّ.
توفى نحو الستين والأربعمائة.
٢٧٥ - سعيد بن المبارك بن على بن الدهان البغداذىّ أبو محمد [٢]
من أهل المقتدية، إحدى المحال الشرقية. رجل عالم فاضل، كيس نبيه نبيل، له معرفة كاملة بالنحو، ويد باسطة فى الشعر.
رحل إلى أصبهان، وسمع بها، واستفاد من خزائن وقوفها. وكتب الكثير من كتب الأدب بخطه، وعاد إلى بغداد، واستوطنها زمانا، وأخذ الناس عنه
стр. 450
شرح الإيضاح فى النحو لأبى على الفارسى، فى ثلاثه وأربعين مجلدا، وشرح اللمع شرحا كبيرا فى عدّة مجلدات، وصنف غير ذلك.
وخرج عن بغداذ قاصدا دمشق، واجتاز الموصل، وبها وزيرها جمال الدين الجواد «١» الأصبهانىّ، فارتبطه عنده، ومعه الاجتياز بالإحسان، وصدّره بالموصل للإقراء والإفادة والتصنيف. وكان آخر كتبه ببغداذ، وهى التى أتعب فيها خاطره وناظره، وبلغه أن الغرق قد استولى على بغداذ، فسير من يحضر كتبه إن كانت سالمة، فوجدها قد غرقت فيما غرق، وزادها على الغرق أنّ خلف مسكنه مدبغة فاض الماء منها إلى منزله؛ فأهلك الكتب زيادة على هلاكها، فلما أحضرت إليه أخذ فى تأملها على نتنها وتغير لونها. فأشير عليه بأن يبخّر ما سلم منها على فساده بشىء مما يغير الرائحة، فشرع فى تبخيرها باللّاذن، «٢» ولازم ذلك إلى أن بخّرها بما يزيد على ثلاثين رطلا من اللّاذن. فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه، فأحدث له العمى، فانكف بصره قبل موته- ﵀ ونعوذ بالله من سوء التقدير، إنه هو اللطيف الخبير.
وكان مولده فى رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة بنهر طابق «٣».
стр. 451
قال تاج الإسلام أبو سعيد عبد الكريم بن محمد المروزىّ «١»: سمعت أبا القاسم على بن الحسين بن هبة الله «٢» الحافظ الدّمشقى من لفظه بدمشق يقول: سمعت سعيد ابن المبارك بن الدّهان بنهر طابق ببغداذ يقول: رأيت فى النوم شخصا أعرفه، وهو ينشد شخصا كأنه حبيب له:
أيها الماطل دينى ... أملّى وتماطل
علّل القلب فإنّى ... قانع منك بباطل
قال: فرأيت سعيد بن المبارك بن الدّهان، وعرضت عليه هذه الحكاية، فقال: ما أعرفها. ولعل ابن الدهان نسى. وأبو القاسم على بن القاسم الدمشقى من أوثق الرواة، جمع له الحفظ والمعرفة.
قلت: وقد سمعت من يذكر عمّن حضر هذه الحكاية أن ابن الدّهان استملاها من ابن السمعانىّ. وقال: أخبرنى ابن السمعانىّ المروزىّ قال: أخبرنى أبو القاسم بن عساكر الدمشقىّ عنى أنى أخبرته ... وساق باقى الحكاية؛ فكأنما روى عن رجلين عن نفسه، وهو أغرب ما وقع فى طريق الرواية.
ومن شعر سعيد بن المبارك بن الدّهان:
أهوى الخمول لكى أظلّ مرفّها ... مما يعانيه بنو الأزمان
إن الرياح إذا عصفن رأيتها ... تولى الأذيّة شامخ الأغصان
وأنشد سعيد بن المبارك النحوىّ لنفسه:
بادر إلى العيش والأيام راقدة ... ولا تكن لصروف الدهر تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو فى أوائله ... صفو وآخره فى قعره كدر
стр. 452
ومن شعره أيضا:
أرى الفضل منّاح التأخّر أهله ... وجهل الغنى يسعى له فى التقدم
كذاك أرى الخفّاش ينجيه قبحه ... ويحتبس القمرىّ حسن الترنم
وشعره كثير. وتوفى- ﵀ بالموصل فى شهور سنة تسع وستين وخمسمائة.
ومن مصنفاته: كتاب شرح الإيضاح، ثلاثة وأربعون مجلدا، وكتاب شرح اللمع، ثلاثة مجلدات. كتاب شرح بيت من شعر الصالح صنفه للصالح بن رزّيك «١»، مجلد. كتاب العروض، مجلد. كتاب الدّروس «٢» فى النحو، مجلد. كتاب الفصول «٣» فى النحو، مجلد. كتاب الرسالة السعيدية فى المآخذ الكندية يشتمل على سرقات المتنبى، مجلد. كتاب تذكرته، وسماه زهر الرياض، سبعة مجلدات، رأيتها وملكتها بخطه «٤».
стр. 453
أنبأنا محمد بن محمد بن حامد «١» فى كتابه قال: «الشيخ أبو محمد بن الدّهان النحوىّ، من أهل بغداذ، سعيد بن المبارك بن على بن الدّهان: بحر لا يغضغض «٢»، وحبر لا يغمض «٣»، سيبويه عصره، ووحيد دهره. لقيته ببغداذ فى وقت انتقالنا إليها، وكانت داره بالمقتدية فى جوارنا، وكان يقال حينئذ: النحويون ببغداذ أربعة: ابن الجواليقىّ وابن الشّجرىّ وابن الخشاب وابن الدّهان. وكان جماعته يتعصّبون له، ويفضّلونه على غيره، ويقصدون نحوه لنحوه، ثم قصد الموصل فى زمان جمال الدين الجواد، وسكن فى ظلّه الوارف، وحظى من فضله الوافر، وأقام بعده بها إلى أن توفى سنة تسع وستين وخمسمائة، وقد أضرّ بصره، واختلّ نظره- ﵀».
٢٧٦ - سعيد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميدانىّ النيسابورىّ [١]
ولد الميدانىّ «٤» الأديب المشهور، صاحب كتاب الأمثال وغيره. وولده هذا ذكره البيهقىّ فى الوشاح فقال فى وصفه:
«من حطّ الرّحال [عنده] يوما للتحصيل والتعليم، فلا شكّ أنه يخيّم فى فضاء التبجيل والتعظيم، ولا يبقى صفر الراحة من المال، معطّل الباحة من حسن الحال،
стр. 454
وهذا الإمام تأدّب بآداب أبيه اللائحة، واجتهد فى سلوك سبله الواضحة؛ حتى تحقق فيه قول القائل: «ما أشبه الليلة بالبارحة».
ومن منظومه قصيدة قالها فى الإمام فخر الدين عبد العزيز الكوفىّ:
غرض «١» العذول وملّ من تعنيفى ... وأماط عنه حبائل التخويف
لما رأى ألّا أريم «٢» من الضّنى ... مثواى رقّ لجسمى المنزوف «٣»
لانت عريكته «٤» وذلّ شماسه «٥» ... لمتيمّ رهن الغرام لهيف
من لى بقلب المستهام ومن له ... بجميل صبر للغرام رديف
طاف الهوى بهما جميعا مثل ما ... [طافت على] الأرواح ريح خريف
ومنها:
قالت خليلك رهطه «٦» كوفيّة ... فلأجل ذا بوفائه لا يوفى
قلت اخسئ فلقد نرى متوفّرا ... كلّ الوفاء لدى الامام الكوفى
شمس يعمّ الخافقين إياتها «٧» ... مأمونة من غيبة وكسوف
خاض العباب إلى العلوم فنالها ... موفورة والناس عند السّيف «٨»
لا زال صدر الدين فيه موشّحا ... بقلائد التيجان والتشريف
أضحى كمثل الشمس فى فلك العلا ... والشمس تستغنى عن التعريف
стр. 455
٢٧٧ - سعيد بن محمد الغسّانى النحوىّ القيروانىّ أبو عثمان [١]
كان أستاذا فى كل فنّ، عالما بالعربية واللغة والجدل- وكان الجدل أغلب الفنون عليه- وكان دقيق النظر جدا، ثابت الحجّة، شديد العارضة «١»، حاضر الجواب، صحيح الخاطر.
وله كتب كثيرة: منها كتاب توضيح المشكل فى القرآن، وكتاب المقالات ردّ فيه على المذاهب أجمعين، وكتاب الاستيعاب، وكتاب الأمالى، وكتاب عصمة الدينيين، وكتاب العبادة الكبرى والصغرى، وكتاب الاستواء، إلى كتب كثيرة جملتها فى الاحتجاج على الملحدين.
وله مع أبى عبد الله المعلّم مسائل برز فيها، وظهرت حجته فيها، ثم أملاها سعيد على أصحابه، وسماها المجالس.
وكان العراقيون يوجهون إليه مع تلاميذهم من يعنّته ويسأله، فحدّث بعض أهل القيروان قال: أتوه يوما فألفوه فى الحمام، فتلقوه وهو خارج منه، فقالوا:
أعزك الله! كيف وجدت الحمام؟ فقال لهم: غاية فى الطّيب. فقالوا له: من جهة الذوق طيبه- أصلحك الله-؟ فقال لهم: يا حثالة الزنادقة، وإخوان المدابير، وتلاميذ الملحدين، أرأيتم قول الله تعالى: (حَتَّى «٢» إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
)، أمن قبل الذوق وجد طيب الريح!.
стр. 456
وكان لسعيد بالقيروان فى أوّل دخول الشيعة مقامات محمودة، ناضل فيها عن الدّين، وذبّ عن السّنن، حتى مثّله أهل القيروان فى حاله تلك بأحمد بن حنبل «١» أيام المحنة «٢»، وكان يناظرهم ويقول: قد أوفيت على التسعين، وما بى إلى العيش من حاجة، ولا بدّ لى من المناضلة عن الدين، وأن أبلغ فى ذلك عذرا. ففعل. وكان المعتمد عليه فيها؛ وذلك أنهم لما ملكوا البلد وأظهروا تبديل الشرائع، وإحالة السّنن، بدروا إلى رجلين كبيرين من أصحاب سحنون «٣» فقتلوهما، وعرّوا أجسادهما، ثم نودى عليهما: هذا جزاء من ذهب مذهب مالك «٤».
стр. 457
٢٧٨ - سعيد بن عبد الله بن دحيم الأزدىّ القرشىّ النحوىّ أبو عثمان [١]
سكن إشبيلية. كان عالما بالآداب والأخبار، إماما فى كتاب سيبويه، ذا حظّ وافر فى علم اللغة، وشروح الأشعار وضروب الآداب والأخبار. وشيوخه فى ذلك الوقت أبو نصر هارون بن موسى ومحمد بن عاصم وابن أبى الحباب ومحمد ابن خطاب وغيرهم. وذكره ابن خزرج.
وتوفى يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
٢٧٩ - سعدان بن المبارك النحوىّ الكوفىّ أبو عثمان [٢]
مولى عاتكة، مولاة المهدى بن المعلّى بن أيوب بن طريف. والمبارك من سبى طخارستان «١». من علماء الكوفيين ورواتهم. وقد روى عن أبى عبيدة من البصريين.
وتوفى «٢». وله من الكتب: كتاب خلق الإنسان. كتاب الوحوش.
كتاب الأمثال. كتاب النقائص، رواه عن أبى عبيدة. كتاب الأرضين والمياه والجبال والبحار «٣».
стр. 458
٢٨٠ - سلمة بن عاصم أبو محمد النحوىّ [١]
من نحاة الكوفة. روى عن يحيى بن زياد الفرّاء كتبه. وحدّث عن أحمد ابن يحيى ثعلب، وكان أديبا فاضلا عالما. قال إدريس بن عبد الكريم: قال لى سلمة بن عاصم: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف «١». فقلت لخلف، فقال:
فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس فى الصّدر، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك. وقال: هذا حقّ التعلّم، فقال له خلف: جاءنى أحمد بن حنبل يسمع حديث أبى عوانة «٢»، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
وقال ثعلب: كان سلمة حافظا لتأدية ما فى الكتب، وكان ابن قادم حسن النظر فى العلل، وكان الطّوال حاذقا بإلقاء العربية.
وقال محمد بن القاسم بن بشار الأنبارىّ: كتاب سلمة أجود الكتب- يعنى كتابه فى معانى القرآن- قال: لأن سلمة كان عالما، وكان لا يحضر مجلس الفرّاء يوم الإملاء، ويأخذ المجالس ممّن يحضر ويتدبّرها، فيجد فيها السهو، فيناظر عليها الفرّاء، فيرجع عنه.
стр. 459
وكان ثعلب سمع كتاب المعانى للفرّاء من سلمة بن عاصم عن الفراء.
والحدود فى النحو ستون حدا، سمعها من سلمة عن الفرّاء أيضا. وأنشد ابن شقير «١» الشاعر فى سلمة:
لو تلفّفت فى كساء الكسائى ... وتفرّيت فروة الفرّاء
وتخلّلت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك عبد سباء «٢»
وتلبّست من سواد أبى الأس ... ود ثوبا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يراك ذوو الأل ... باب إلا فى صورة الأغبياء
ورأيت فى المجموع الذى نقلت منه هذه الأبيات أبياتا أخرى؛ فلا أدرى:
أهى فى سلمة أم فى مثله من النحاة؛ وهى:
يا غليظ الطّباع يا أبرد النا ... س إلى اليوم منذ كنت صبيا
لو يقوم الخليل أو يبعث الل ... هـ من القبر يونس النحويّا
فأفاداك كلّ باب من النح ... وبعلاته لكنت غبيّا
أنت نىّ غثّ ركيك ولمّا ... تستحبّ النفوس ما كان نيّا
وقال أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ: جئت سلمة وهو غضبان، فقلت له:
مالك يا أبا محمد؟ فقال: جاءنى شيخ يزعم أن الفرّاء أخطأ قولهم «قائمين كان الزيدون» إذ كان لا يجيز «قائما ضربت زيدا». فقلت: عدّ عن هذا، إنما جاز «قائمين كان الزيدون» لأن «قائمين» خبر لكان، ولم يجز «قائما ضربت زيدا» لأن «قائما» ليس خبرا «لضربت»:
ورئى فى كمّ سلمة بن عاصم شعر العباس بن الأحنف، فقيل له: مثلك- أعزّك الله- يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول:
стр. 460
أسأت «١» إذ أحسنت ظنى بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
يقلقنى «٢» شوقى فآتيكم ... والقلب مملوء من الياس
٢٨١ - سلمة بن سعد النحوى الأندلسىّ القرطبىّ [١]
يكنى أبا القاسم، يروى عن أبى الحسن الأنطاكىّ المقرئ وأبى بكر الزبيدىّ ومحمد بن يحيى الرّياحى ومحمد بن أصبغ النحوىّ. كان مشهورا بمعرفة الأدب؛ أخذ عنه أبو محمد قاسم بن إبراهيم الخزرجىّ كثيرا.
٢٨٢ - سهل بن محمد أبو حاتم السّجستانىّ الجشمىّ النحوىّ اللغوىّ المقرئ [٢]
نزيل البصرة وعالمها. قال المبرّد: سمعته يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش «٣» مرتين. وكان كثير الرّواية عن أبى زيد وأبى عبيدة والأصمعىّ، عالما