وكان لسعيد بالقيروان فى أوّل دخول الشيعة مقامات محمودة، ناضل فيها عن الدّين، وذبّ عن السّنن، حتى مثّله أهل القيروان فى حاله تلك بأحمد بن حنبل «١» أيام المحنة «٢»، وكان يناظرهم ويقول: قد أوفيت على التسعين، وما بى إلى العيش من حاجة، ولا بدّ لى من المناضلة عن الدين، وأن أبلغ فى ذلك عذرا. ففعل. وكان المعتمد عليه فيها؛ وذلك أنهم لما ملكوا البلد وأظهروا تبديل الشرائع، وإحالة السّنن، بدروا إلى رجلين كبيرين من أصحاب سحنون «٣» فقتلوهما، وعرّوا أجسادهما، ثم نودى عليهما: هذا جزاء من ذهب مذهب مالك «٤».
стр. 457
٢٧٨ - سعيد بن عبد الله بن دحيم الأزدىّ القرشىّ النحوىّ أبو عثمان [١]
سكن إشبيلية. كان عالما بالآداب والأخبار، إماما فى كتاب سيبويه، ذا حظّ وافر فى علم اللغة، وشروح الأشعار وضروب الآداب والأخبار. وشيوخه فى ذلك الوقت أبو نصر هارون بن موسى ومحمد بن عاصم وابن أبى الحباب ومحمد ابن خطاب وغيرهم. وذكره ابن خزرج.
وتوفى يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
٢٧٩ - سعدان بن المبارك النحوىّ الكوفىّ أبو عثمان [٢]
مولى عاتكة، مولاة المهدى بن المعلّى بن أيوب بن طريف. والمبارك من سبى طخارستان «١». من علماء الكوفيين ورواتهم. وقد روى عن أبى عبيدة من البصريين.
وتوفى «٢». وله من الكتب: كتاب خلق الإنسان. كتاب الوحوش.
كتاب الأمثال. كتاب النقائص، رواه عن أبى عبيدة. كتاب الأرضين والمياه والجبال والبحار «٣».
стр. 458
٢٨٠ - سلمة بن عاصم أبو محمد النحوىّ [١]
من نحاة الكوفة. روى عن يحيى بن زياد الفرّاء كتبه. وحدّث عن أحمد ابن يحيى ثعلب، وكان أديبا فاضلا عالما. قال إدريس بن عبد الكريم: قال لى سلمة بن عاصم: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف «١». فقلت لخلف، فقال:
فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس فى الصّدر، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك. وقال: هذا حقّ التعلّم، فقال له خلف: جاءنى أحمد بن حنبل يسمع حديث أبى عوانة «٢»، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
وقال ثعلب: كان سلمة حافظا لتأدية ما فى الكتب، وكان ابن قادم حسن النظر فى العلل، وكان الطّوال حاذقا بإلقاء العربية.
وقال محمد بن القاسم بن بشار الأنبارىّ: كتاب سلمة أجود الكتب- يعنى كتابه فى معانى القرآن- قال: لأن سلمة كان عالما، وكان لا يحضر مجلس الفرّاء يوم الإملاء، ويأخذ المجالس ممّن يحضر ويتدبّرها، فيجد فيها السهو، فيناظر عليها الفرّاء، فيرجع عنه.
стр. 459
وكان ثعلب سمع كتاب المعانى للفرّاء من سلمة بن عاصم عن الفراء.
والحدود فى النحو ستون حدا، سمعها من سلمة عن الفرّاء أيضا. وأنشد ابن شقير «١» الشاعر فى سلمة:
لو تلفّفت فى كساء الكسائى ... وتفرّيت فروة الفرّاء
وتخلّلت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك عبد سباء «٢»
وتلبّست من سواد أبى الأس ... ود ثوبا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يراك ذوو الأل ... باب إلا فى صورة الأغبياء
ورأيت فى المجموع الذى نقلت منه هذه الأبيات أبياتا أخرى؛ فلا أدرى:
أهى فى سلمة أم فى مثله من النحاة؛ وهى:
يا غليظ الطّباع يا أبرد النا ... س إلى اليوم منذ كنت صبيا
لو يقوم الخليل أو يبعث الل ... هـ من القبر يونس النحويّا
فأفاداك كلّ باب من النح ... وبعلاته لكنت غبيّا
أنت نىّ غثّ ركيك ولمّا ... تستحبّ النفوس ما كان نيّا
وقال أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ: جئت سلمة وهو غضبان، فقلت له:
مالك يا أبا محمد؟ فقال: جاءنى شيخ يزعم أن الفرّاء أخطأ قولهم «قائمين كان الزيدون» إذ كان لا يجيز «قائما ضربت زيدا». فقلت: عدّ عن هذا، إنما جاز «قائمين كان الزيدون» لأن «قائمين» خبر لكان، ولم يجز «قائما ضربت زيدا» لأن «قائما» ليس خبرا «لضربت»:
ورئى فى كمّ سلمة بن عاصم شعر العباس بن الأحنف، فقيل له: مثلك- أعزّك الله- يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول:
стр. 460
أسأت «١» إذ أحسنت ظنى بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
يقلقنى «٢» شوقى فآتيكم ... والقلب مملوء من الياس
٢٨١ - سلمة بن سعد النحوى الأندلسىّ القرطبىّ [١]
يكنى أبا القاسم، يروى عن أبى الحسن الأنطاكىّ المقرئ وأبى بكر الزبيدىّ ومحمد بن يحيى الرّياحى ومحمد بن أصبغ النحوىّ. كان مشهورا بمعرفة الأدب؛ أخذ عنه أبو محمد قاسم بن إبراهيم الخزرجىّ كثيرا.
٢٨٢ - سهل بن محمد أبو حاتم السّجستانىّ الجشمىّ النحوىّ اللغوىّ المقرئ [٢]
نزيل البصرة وعالمها. قال المبرّد: سمعته يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش «٣» مرتين. وكان كثير الرّواية عن أبى زيد وأبى عبيدة والأصمعىّ، عالما
стр. 461
باللغة والشعر، حسن العلم بالعروض وإخراج المعمّى. وله شعر جيّد، ويصيب المعنى، ولم يكن حاذقا فى النحو.
وله مصنفات كثيرة فى اللغة والقرآن. قال المبرّد: ولو قدم [بغداذ «١»] لم يقم له منهم أحد.
وكان إذا التقى هو والمازنىّ فى دار عيسى «٢» بن جعفر الهاشمىّ تشاغل أو بادر خوفا من أن يسأله المازنىّ عن النحو.
وكان جّماعة للكتب، وكان يتّجر «٣» فيها. قال أبو العباس المبرّد: أتيت السّجستانىّ وأنا حدث، فرأيت منه بعض ما ينبغى أن تهجر حلقته له. فتركته مدّة، ثم صرت إليه، فعمّيت له بيتا لهرون الرشيد، فأجابنى «٤»:
أيا حسن الوجه قد جئتنا ... بداهية عجب فى رجب
فعمّيت بيتا وأخفيته ... فلم يخف بل لاح مثل الشهب
فأظهر مكنونه الطّيطوى «٥» ... وهتّك عنه الحمام الحجب
فذلّل ما كان مستصعبا ... لنا فتناولته من كثب
أيا من إذا ما دنونا له ... نأى وإذا ما نأينا اقترب
عذرناك إذ كنت مستحسنا ... وبيتك ذو الطير بيت عجب
стр. 462
[سلام على النازح المغترب ... تحيّة صبّ به مكتئب «١»]
وله شعر كثير، وعليه اعتمد ابن دريد فى أكثر اللغة.
وتوفى أبو حاتم سنة خمس وخمسين ومائتين.
كان يقرأ عليه كتب الأخفش فيردّ فيها ردا حسنا. قال ابن الغازى: ثم رأيتها تقرأ على أبى الفضل الرياشىّ؛ فلا حول ولا قوّة إلا بالله، أىّ ندف كان يندفها.
قال الرياشىّ على قبر أبى حاتم: ذهب بعلم كثير. قيل له: كتبه؛ فقال الرّياشىّ: الكتب تؤدّى ما فيها، ولكن صدره! وقيل لأبى زيد: على من يقرأ بعدك؟ فقال: على أبى سهل. وكان أبو حاتم يتّهم بحب الصبيان، وكان بريئا من ذلك؛ إنما كان كثير الدّعابة، فوجد ذلك السبيل إلى عرضه.
وقال أبو عثمان الخزاعىّ: رأيت كأنى بين النائم واليقظان، وسمعت قائلا يقول «٢»:
أبو حاتم عالم بالعلوم ... وأهل العلوم له كالخول «٣»
عليكم أبا حاتم إنّه ... له بالقراءة علم جلل
فإن تفقدوه فلن تدركوا ... له ما حييتم بعلم بدل «٤»
стр. 463
ودخل أعرابى مسجد البصرة، فتفقد أبا حاتم- وكان يختلف إليه- فأعلم بموته، فقال «١»:
يا بانى الدّنيا للذّاته ... أعظم بذكر الموت من هادم
أما ترى الإخوان قد سارعوا ... بقادم منهم على قادم
ومرّ من قد كنت تزهى به ... ولست مما ذاق بالسّالم
وليس نقص الأرض من جاهل «٢» ... مات ولكن ذاك من عالم
أما العراقان «٣» فقد أقفرا ... لحادث حلّهما قاصم
من كان للخطبة يعنى بها ... وللغريب المشكل القائم
[قد ذهب العلم بأعلامه ... والنحو من بعد أبى حاتم «٤»]
من للدواوين «٥» إذا حصّلت ... وكتب أملاك بنى هاشم
مفتاح قفل ضلّ مفتاحه ... ولؤلؤ «٦» يبقى بلا ناظم
يا مسجد البصرة لم تبكه ... بواكف من دمعك السّاجم
قال أبو بكر بن دريد: مات أبو حاتم بالبصرة فى رجب سنة خمس وخمسين «٧» ومائتين ودفن بسرّة المصلّى، وصلى عليه سليمان بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب- وكان والى البصرة يومئذ.
стр. 464
وقال مروان بن عبد الملك: توفى أبو حاتم فى المحرّم من هذا التاريخ. وقال آخر: مات فى هذا التاريخ، وكان يوما مطيرا، وصلى عليه سليمان بن القاسم أخو جعفر بن القاسم.
وله من الكتب: كتاب إعراب القرآن. كتاب ما تلحن فيه العامة.
كتاب الطير. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب النبات. كتاب المقصور والممدود. كتاب الفرق. كتاب القراءات. كتاب المقاطع والمبادئ. كتاب الفصاحة. كتاب النخلة «١». كتاب الأضداد «٢». كتاب القسىّ والنبال والسهام. كتاب السيوف والرماح.
كتاب الدرع والترس. كتاب الوحوش. كتاب الحشرات. كتاب الهجاء. كتاب الزرع. كتاب خلق الإنسان. كتاب الإدغام، كتاب اللّبأ «٣» واللبن الحليب. كتاب الكرم. كتاب الشتاء والصيف.
كتاب النحل والعسل. كتاب الإبل. كتاب العشب «٤». كتاب الإتباع.
كتاب الخصب والقحط. كتاب اختلاف المصاحف. كتاب الشوق إلى الأوطان. كتاب الحرّ والبرد والشمس والقمر والليل والنهار. كتاب الفرق بين الآدميين وبين كل ذى روح.
стр. 465
وكتابه فى القراءات مما يفخر به أهل البصرة؛ فإنه أجلّ كتاب صنّف فى هذا النوع إلى زمانه.
ولأبى حاتم كتاب كبير فى إصلاح المزال والمفسد، مشتمل على الفوائد الجمة. وما رؤى كتاب فى هذا الباب أنبل منه ولا أكمل «١».
وقال أبو حاتم سهل بن محمد السّجستانىّ: كنت «٢» عند أبى الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش وعنده التّوّزىّ، فقال لى: يا أبا حاتم، ما صنعت فى كتاب المذكر والمؤنث؟
قلت: قد عملت فى ذلك شيئا، فقال: فما تقول فى الفردوس؟ قلت: ذكر.
قال: فإن الله يقول: (الفردوس «٣» هم فيها خالدون). قال: قلت: ذهب إلى الجنة فأنّث. فقال لى التّوّزىّ: يا غافل، أما تسمع الناس يقولون: أسألك الفردوس الأعلى! فقلت له: يا نائم، الأعلى هاهنا «أفعل» وليس «بفعلى».
وذكر أبو حاتم سهل بن محمد قال: «كان «٤» جزئى على يعقوب «٥»، ومنزلتى عنده فيمن يقرأ أن أجلس إلى جنب من يقرأ عليه، فإذا فرغ أخذت من الموضع الذى يتركه، فأقرأ عليه. فجئت ذات يوم، ورجل يقرأ عليه من «سورة البقرة» حتى انتهى إلى قوله:
(وقال لهم نبيّهم «٦»). فابتدأت من هذا المكان، حتى انتهيت إلى قوله: (فلمّا جاوزه هو
стр. 466
والذين آمنوا معه)، فحصبنى وقال: أحسن [أحسن]، فأعدت الحرف من غير إدغام، وقد كنت قرأت عليه الإدغام مرارا كثيرة، فقلت له: هذا لا يجوز الإدغام فيه، فقال: لم- وحدّثنى غير واحد عن أبى عمرو أنه كان يدغم؟. فقلت له: اتّهم الرواة، فإنهم لم يضبطوا عنه. فقال- وحدّثنى وأكثر منه. فقلت له: هذا لا يجوز [لأنّ] «١» بينهما واوا، وكيف تدغم الحرف فى الحرف وبينهما حرف آخر! فقال: اقرأ. فقرأت.
وكان الأخفش النحوىّ يجلس خلف أسطوانة يعقوب، فصرت إلى الأخفش، فسلمت عليه، فقال لى: يا رأس البغل، لعنك الله؛ تأبى إلا أن تعلم ما يعلم المشايخ! والله لا قرأ يعقوب إلا كما قلت».
واتفق أن ابن اللّيث الصّفّار «٢» صاحب سجستان ملك بعد موت أبى حاتم شيراز والأهواز، وخاف منه أهل البصرة أن يستولى على بلدهم. وسمع ابن الصّفار بموت أبى حاتم، واشتاقت نفسه إلى كتبه، فسيّر من ابتاعها من ورثته، ووقف أهل البصرة عن المزايدة فيها، خشية من ابن الصفّار ومصانعة له، فأبيعت بقيمة أربعة عشر ألف دينار، ونقلت إلى يعقوب، لم يترك منها شىء.
٢٨٣ - سلمويه النحوىّ الكوفىّ [١]
تلميذ الكسائى، أخذ عنه جزءا من النحو، وتصدّر لإفادته الطلبة.
стр. 467
٢٨٤ - سماك بن حرب بن أبى سعيد [١]
محدّث «١» راوية. قال حمّاد «٢» الكاتب: كنا نأتى سماك بن حرف فنسأله عن الشعر، ويأتى أصحاب الحديث، فيقبل علينا ويدعهم ويقول: هؤلاء ثقلاء.
٢٨٥ - السّرخسىّ [٢]
من نحاة الكوفة، ونسبه أشهر من اسمه. واسمه عبد العزيز بن محمد، ويكنى أبا طالب. كان جارا لهشام الضرير، وكان يجلس للإفادة فى مسجد الترجمانية.
وله تصنيف فى النحو كبير، غير موجود.
стр. 468
٢٨٦ - سراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسين اللغوىّ الأندلسىّ [١]
قرطبىّ نحوى مشهور فى زمانه، متصدّر للإفادة فى إقليمه، يقرأ عليه.
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ «١» فى إجازته العامة، حدّثنى أبو الوليد يوسف بن المفضل ابن الحسن الأنصارىّ القبذاقىّ «٢» بالإسكندرية بعد قفوله من الحجاز وتوجهه إلى الأندلس، حدّثنى أبو بكر يحيى بن محمد بن زيدان القرطبىّ بها، قال: حضرت مجلس أبى الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوىّ، فقرئ عليه فى الموطّأ «٣»:
«لا قطع فى ثمر ولا كثر» «٤»، فأنشد لصاعد بن الحسن الرّبعىّ «٥»:
ومهفهف أبهى من القمر ... قهر الفؤاد بفاتر النّظر
خالسته تفّاح وجنته ... فأخذتها منه على غرر
فأخافنى قوم فقلت لهم: ... «لا قطع فى ثمر ولا كثر»
стр. 469
٢٨٧ - سالم بن أحمد بن سالم بن أبى الصقر أبو المرجى النحوىّ العروضىّ العراقىّ [١]
كانت له معرفة بالنحو وبقول الشعر، ويعرف عروضه وأوزانه. وله فى ذلك يد جيدة. سافر الكثير، ولقى جماعة من الأدباء، وأخذ عنهم، ونظم أرجوزة فى النحو على الأبواب كملحة أبى محمد الحريرىّ البصرىّ، وامتدح جماعة بقصائد من شعره.
وتوفى ببغداذ يوم الأحد خامس ذى القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة، وصلى عليه فى هذا اليوم، وحمل إلى الجانب الغربىّ، ودفن فى مشهد موسى ابن جعفر.
٢٨٨ - سلامة بن غيّاض [٢]
بغين معجمة، وياء آخر الحروف مشدّدة. ابن أحمد. أبو الخير النحوىّ الشامىّ. من أهل كفر طاب. «١» كان أديبا فاضلا، له معرفة جيدة بالنحو واللغة، وله فى النحو تصانيف. قرأ بمصر على أبى الحسن على بن جعفر العرقىّ وابن القطّاع الصّقلّىّ اللغوىّ وغيرهما. وقدم العراق بعد سنة عشرين وخمسمائة، وأقام ببغداذ مدّة، وقرأ عليه قوم بها وسمعوا منه، ثم سار إلى واسط وأقام بها، ودرس بها النحو فى جامعها؛ علّقه عنه أبو الفتح بن زريق الحدّاد وجماعة معه، ورحل إلى
стр. 470
البصرة، ثم رحل إلى بلاد العجم، وجال فى أقطارها، وعاد بعد ذلك إلى الشام، واستوطن حلب، ومات بها فى شهور سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وخلف بها عقبا. ومن بنات ابنه من هو باق إلى الآن، ويعرفون بالعالمات النحويات، نسبة إليه.
وكان- ﵀ حسن الضبط والخط، كثير التنقيب والتحقيق، [وله رسالة فى فضل العربية والحث على تعليمها «١»]، وقعت إلىّ بخطه، وهى فى غاية الجودة والصحة وحسن النّقيبة «٢».
٢٨٩ - سالم بن أبى الصقر أحمد بن سالم العروضىّ الملقب بالمنتجب [١]
من ساكنى درب القرنفليّين ببغداذ. كانت له معرفة جيدة بالأدب والعروض وصناعة الشعر. قرأ على الشيخ أبى البقاء النحوىّ، وعلى الشيخ أبى الخير مصدّق بن شبيب، وعلى أبى البركات عبد الرحمن بن الأنبارى الشيخ الصالح النحوىّ، وصحب الوجيه النحوىّ، وسافر إلى بلاد العجم، وعاد إلى بغداذ، وتوفى بها فى اليوم الخامس من ذى القعدة، يوم الأحد سنة إحدى عشرة وستمائة، ودفن بمشهد موسى بن جعفر.
стр. 471
٢٩٠ - ساتكين بن أرسلان أبو منصور التركىّ المالكى الأديب [١]
نزيل دمشق. كانت له فى النحو يد، وصنف فيه مقدّمة لطيفة. ذكره الحافظ أبو القاسم على بن عساكر فى تاريخه «١».
٢٩١ - سليم بن أيوب بن سليم أبو الفتح الرازىّ الفقيه الأديب [٢]
سكن الشام مرابطا محتسبا لنشر العلم، وصنف كتابا فى غريب الحديث. قال سليم: دخلت بغداذ فى حداثتى لطلب علم اللغة، فكنت آتى شيخا (ذكره)، فبكّرت فى بعض الأيام إليه، فقيل لى: هو فى الحمام. فمضيت نحوه، فعبرت فى طريقى على الشيخ أبى حامد الأسفرايينىّ «٢» وهو يملى، فدخلت المسجد وجلست مع الطلبة، فوجدته فى كتاب الصيام فى هذه المسألة: «إذا أولج ثم أحس بالفجر فنزع».
فاستحسنت ذلك وعلّقت الدرس على ظهر جزء كان معى، فلما عدت إلى منزلى
стр. 472
وجعلت أعيد الدرس حلا لى، وقلت: أتمّ هذا الكتاب- يعنى كتاب الصيام- فعلّقت كتاب الصيام، ولزمت الشيخ أبا حامد حتى علّقت عنه جميع التعليق.
وكان قد استوطن صور، وكان يقول: وضعت منى صور، ورفعت من أبى الحسن المحاملىّ «١» بغداذ.
وكان سليم ببغداذ ترد عليه الكتب من الرّىّ فلا يقرؤها؛ إلى أن استكمل ما أراد من أنواع العلم، ثم فتحها فوجد فيها من موت أهله وحدوث ما يشغل خاطره أمرا لو قرأه لاشتغل به عن الطلب. وكان فى أوّل أمره يطلب الأدب، ثم تفقه بعد الأربعين من عمره.
قال غيث بن على الأرمنازىّ الصّورىّ «٢»: غرق سليم بن أيوب الفقيه فى بحر القلزم «٣» عند ساحل جدّة بعد عوده من الحج، فى صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان قد نيّف على الثمانين، ودفن فى جزيرة بقرب الجار «٤» عند المخاضة.
стр. 473
٢٩٢ - سيبويه السّنجارىّ النحوىّ [١]
قريب العهد فى زماننا هذا. رحل عن سنجار إلى بغداذ، وأخذ عن الكمال الأنبارىّ وعن عبد الرحيم العصار، وعاد إلى بلده سنجار، وتصدّر لإفادة هذا الشأن.
وكان ممن أدركته حرفة الأدب، وأحوجته الحاجة إلى الارتزاق بالتفقه على مذهب النعمان، وابتلى مع عيشه الأنكد بمدرّس يمتهنه فى المحافل، ويمنحه الإلواء عنه والتغافل، وله عائلة تحمله على الذلّ، وعنده إقلال صيّره الأخسّ الأقل. ولم يزل مكابد الفقر إلى أن صار إلى قبره. فسبحان من رزق الجاهل، وحرم الفاضل؛ صنع لا يفهم معناه، وحكم لا يستحلى مجناه؛ يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله الحمد إذ لا يحمد على المكروه سواه. وكانت وفاته بسنجار فى حدود سنة ست وستمائة.
стр. 474
(حرف الشين)
٢٩٣ - شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمىّ النحوىّ المؤدب البصرىّ [١]
سكن الكوفة زمانا، ثم انتقل عنها إلى بغداذ، وحدّث بها عن الحسن البصرىّ «١» وقتادة، وكان يؤدّب سليمان بن داود الهاشمى ببغداذ. وكان شيبان النحوىّ ينسب إلى بطن يقال لهم نحو، وهم بنو نحو بن شمس (بضم الشين)، بطن من الأزد.
وذكر أبو الحسين بن المنادى: المنسوب إلى القبيلة من الأزد التى يقال لها نحو، هو يزيد النحوىّ، لا شيبان.
وقال أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث: يزيد النحوىّ، هو يزيد بن أبى سعيد، وهو من بطن من الأزد يقال لهم بنو نحو، ليس من نحو العربية.
ولم يرو منهم الحديث إلا رجلان: أحدهما يزيد هذا. وسائر من يقال له النحوىّ
стр. 475
فمن نحو العربية؛ شيبان بن عبد الرحمن، وهارون بن موسى النحوىّ وأبو زيد النحوى. قال يحيى بن معين: شيبان ثقة. وهو صاحب كتاب صحيح «١».
يقال إنه مات ببغداذ فى خلافة المهدى، ودفن فى مقابر الخيزران. توفى سنة أربع وستين ومائة.
٢٩٤ - شيث بن إبراهيم بن الحاج القفطىّ [١]
الفقيه النحوى الزاهد العالم المتفنن. كان من أهل مدينة قفط، من صعيد مصر، وأهله أهل قرآن وخير وصلاح، أصحاب سنة وجماعة، أرباب تعصب فى ذلك، وقد كانوا يتظاهرون به فى الدولة العلوية القصرية، وعلم منهم ذلك فلم يعارضوا. وكان أخوه الفقيه محمد المقرئ «٢» ممن سلمت إليه صناعة القرآن فى الروايات وجودة التلاوة وطيب النغمة، ولم يزل مفيدا للناس فى مسجد له بمحلّة «٣» مفردة له ولأهله، تعرف بحارة ابن الحاج.
وكان الفقيه شيث هذا قيّما بعلم النحو، وله تصنيفان: أحدهما اسمه المختصر، وآخر أخصر منه سماه المعتصر من المختصر، وقد جدول فى المختصر جدولا لعوامل الإعراب، أجمع من رآه أنه لم يأت أحد بمثله. وله مسائل نحوية؛ أجوبة عن مآخذ أخذها عليه بعض النحاة، سماها حز الغلاصم «٤» وإفحام المخاصم «٥».
стр. 476
وكان يتفقه على مذهب مالك بن أنس. وله مسائل وتعاليق فى الفقه جميلة، وله كلام فى الرقائق.
وقد كان- ﵀ حسن العبارة مخلوقا من حذر، لم يره أحد ضاحكا قط ولا هازلا، وكان يسير فى أفعاله على سنن السلف الصالح، وكان ملوك البلاد يجلون قدره، ويرفعون ذكره.
وكان [القاضى] الفاضل عبد الرحيم بن علىّ البيسانىّ «١» يعرف قدره، ويعظم ذكره، ويقبل إشارته فى حق من يشفع فيه، وله إليه مكاتبات ومخاطبات يشهد بها ترسّله، وانتقل فى آخر عمره إلى مدينة قريبة من مدينته اسمها إقنا، وأقام بها لاشتهار كلمة السّنة بها، إلى أن توفىّ- ﵀ فيما بلغنى قريبا من سنة ستمائة «٢»، بعد أن طعن فى السن، وكف بصره.
стр. 477
٢٩٥ - الشّمر بن نمير النحوىّ المقرىء [١]
كان من أهل العلم بالعربية واللغة، ورحل من قرطبة بعد التأدب بها إلى المشرق، فلقى رجالا من أهل الحديث، منهم حسين «١» بن [أبى «٢»] ضميرة، مولى رسول الله ﷺ . واستوطن مصر، وروى عنه عبد الله بن وهب «٣» وغيره من نظرائه، وتوفى هنالك. وبقى له بالأندلس ابن يسمى عبد الرحمن، وكان يؤدّب ابن أبى عبده، واتصل بالأمير عبد الرحمن «٤» بن الحكم قبل أن يلى الأمر، فلما ولى قربه من تخصصه، وأنسه به.
وكان من ألطف الناس محلا عنده، وكان شاعرا مفلقا. وروى أن عبد الرحمن ابن الحكم أجنب فى بعض غزواته فلما قضى طهره، بعث فى طلب عبد الرحمن ابن الشّمر، فدخل [و «٥»] الوصيف يخفّف شعره، فقال له ابن الشّمر:
شاقك من قرطبة السّارى ... فى الليل لم يدر به دار
стр. 478
فأجابه بديهة:
زار فحيّا فى ظلام الدّجى ... أهلا به من زائر سار
فانصرف من غزوته، واستناب على الجيش من يقدم به إلى جلّيقية «١»
٢٩٦ - شبيل بن عزرة الضّبعىّ [١]
من خطباء الخوارج وعلمائهم. صاحب غريب، وهو القائل قصيدة الغريب.
وكان أوّلا شيعيا نحو سبعين سنة، ثم انتقل إلى الشّراة «٢»، وقال:
برئت من الروافض فى القيامه ... وفى دار المقامة والسلامه
أقام بالبصرة، وأخذ الناس عنه الغريب، ولم يزل بها إلى أن مات. وخلّف بها عقبا.
٢٩٧ - شبيل بن عبد الرحمن الأديب النحوىّ النيسابورىّ [٢]
ذكره الحاكم أبو عبد الله بن البيّع فى تاريخ نيسابور، وسماه «النحوى»، وقال عنه:
«سمع أبا عاصم الضّحّاك بن مخلد، وعبد الملك بن قريب الأصمعىّ. وروى عنه الحسن بن منصور السّلمىّ ومحمد بن عبد الوهاب العبدىّ».
стр. 479
٢٩٨ - شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروىّ اللغوىّ [١]
الأديب الفاضل الكامل. إليه الرحلة فى هذا الفنّ من كل مكان، وكانت له عناية صادقة بهذا الشأن. رحل إلى العراق فى عنفوان «١» شبابه، فكتب الحديث، ولقى ابن الأعرابى وغيره من اللغويين، وسمع دواوين الشعر من وجوه شتى، ولقى جماعة من أصحاب أبى عمرو الشيبانىّ وأبى زيد الأنصارىّ وأبى عبيدة والفرّاء؛ منهم الرّياشىّ وأبو حاتم وأبو نصر وأبو عدنان وسلمة بن عاصم وأبو حسان.
ثم لما رجع إلى خراسان لقى أصحاب النّضر بن شميل، والليث بن المظفّر، فاستكثر منهم.
ولما ألقى عصاه بهراة «٢» ألف كتابا كبيرا فى اللغات أسسه على حروف المعجم، وابتدأ بحرف الجيم، فأشبعه وجوّده، إلا أنه طوّله فى الشواهد والشعر والروايات الجمة على أئمة العرب وغيرهم من المحدثين، وأودعه من تفسير القرآن بالروايات عن المفسرين، ومن تفسير غريب الحديث أشياء لم يسبقه إلى مثلها أحد تقدّمه، ولا أدرك شأوه فيه من بعده. ولما أكمل الكتاب ضنّ به فى حياته، ولم ينسخه طلابه، فلم يبارك له فيما فعله، حتى مضى لسبيله، فاختزل بعض أقار به ذلك الكتاب من تركته، واتصل بيعقوب «٣» بن الليث السّجزىّ، فقلده بعض أعماله، واستصحبه إلى فارس ونواحيها، وكان لا يفارقه ذلك الكتاب فى سفر ولا حضر.
стр. 480
ولما أناخ يعقوب بن الليث بسيب بنى ماوان من أرض السّواد وحطّ بها سواده، وركب فى جماعة من المقاتلة من عسكره مقدّرا لقاء الموفّق «١» وأصحاب السلطان فجّر الماء من النّهروان «٢» على معسكره، فغرق ذلك الكتاب فى جملة ما غرق من سواد العسكر.
قال الأزهرىّ: «ورأيت أنا من أوّل ذلك الكتاب تفاريق أجزاء بخط محمد بن قسورة، فتصفّحت أبوابها فرأيتها فى غاية الكمال. والله يغفر لأبى عمرو، ويتغمد زلّته. والضنّ بالعلم غير محمود ولا مبارك فيه». وتوفى شمر سنة خمس وخمسين ومائتين.
٢٩٩ - شريح بن أحمد الشّجرى الأديب [١]
ذكره الباخرزىّ وسجع له فقال: «أنجبت «٣» به ولاية نيمروز «٤»، فسار ذكره وطار، وملأ الأقطاب والأقطار، فكم من أدب أفاد، وشرح به كاسمه الفؤاد. وكان فى الشّعر قصير النّفس، ولم يكن يظفر به الرواة إلا فى الخلس، فمما أنشدنى له بهراة قوله فى العبدلكانى الزوزنىّ:
عبدلكانينا محلّى ... بالعلم والجانب العفيف
стр. 481
مكحّل العين زوزنىّ ... [مذهبه «١»] مذهب المضيف
وله فى الزهد:
قد طال فى الذنب عمرى ... وما ارعويت فويحى
وفاض دمعى بسيل ... إذ جاد طرفى بسيح
وقد عدمت صريح ال ... تّقى فجئت بصبح
وليس يجدى صراخى ... وليس ينفع صيحى
فمنّ يا ربّ واشرح ... بالعفو صدر شريح
стр. 482
(حرف الصاد)
٣٠٠ - صالح بن اسحاق أبو عمر الجرمىّ النحوىّ [١]
صاحب الكتاب المختصر فى النحو. بصرىّ قدم بغداذ، وناظر بها يحيى بن زياد الفرّاء. وقيل: إنه مولى بجيلة بن أنمار بن أراش بن الغوث بن خثعم.
وقيل له الجرمىّ؛ لأنه نزل فى جرم.
وكان ممّن اجتمع له مع العلم صحة المذهب وصحة الاعتقاد. وقيل إنه مولى لجرم «١» بن ربّان. وجرم من قبائل اليمن.
أخذ أبو عمر عن الأخفش وغيره. ولقى يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه.
وأخذ اللغة عن أبى عبيدة وأبى زيد والأصمعى وطبقتهم. وكان ذا دين وأخا ورع.
стр. 483
قال المبرّد: كان الجرمىّ أثبت القوم فى كتاب سيبويه، وعليه قرأت الجماعة، وكان عالما باللغة، حافظا لها، وله كتب انفرد بها، وكان جليلا فى الحديث والأخبار، وله كتاب فى السيرة عجيب.
قال ابن قادم: قدم أبو عمر الجرمىّ على الحسن بن سهل، فقال لى الفرّاء:
بلغنى أن أبا عمر الجرمىّ قدم، وأنا أحبّ أن ألقاه. فقلت له: فإنى أجمع بينكما.
فأتيت أبا عمر فأخبرته، فأجاب إلى ذلك، وجمعت بينهما، فلما نظرت إلى الجرمىّ قد غلب الفرّاء وأفحمه، ندمت على ذلك. قال ثعلب: قلت له: ولم ندمت؟ فقال: لأن علمى علم الفرّاء، فلما رأيته مقهورا قل فى عينى، ونقص علمه عندى.
مات الجرمىّ فى سنة خمس وعشرين ومائتين. وكان أبو عمر فقيها فى الدين.
وله فى النحو كتاب جيد يعرف بالفرخ، معناه فرخ كتاب سيبويه.
وكان أغوص على الاستخراج من المازنىّ. وكان المازنىّ أخذ منه. وإليه وإلى المازنىّ انتهى علم النحو فى زمانهما.
واجتمع الأصمعىّ والجرمىّ، فقال الأصمعىّ: يا أبا عمر، كيف تنشد قول الشاعر «١»:
قد كنّ يخبأن الوجوه تسترا ... فاليوم حين بدين «٢» للنظّار «٣»
стр. 484
أو «بدأن»؟ فقال له: بل «بدأن». قال الأصمعى،: أخطأت؛ إنما هو «بدون»، أى برزن وظهرن «١».
وقال له أبو عمر الجرمىّ: يا أبا سعيد؛ كيف تصغر «مختارا» فقال الأصمعى: «مخيتير»، فقال له الجرمىّ: أخطأت، إنما هو «مخيّر» لأن التاء فيه زائدة.
وللجرمىّ من الكتب التى صنفها: كتاب الفرخ. كتاب الأبنية.
كتاب العروض. كتاب مختصر نحو المتعلمين. كتاب غريب سيبويه.
وذكره الحافظ أبو نعيم فى تاريخ أصبهان فقال: «صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمىّ النحوىّ. قدم أصبهان مع فيض بن محمد عند منصرفه من الحج، فأعطاه يوم مقدمه عشرين ألف درهم. وكان يعطيه كل سنة اثنى عشر ألف درهم.
стр. 485
يؤخذ عنه النحو والغريب. روى عن يزيد «١» بن زريع وعبد الوارث بن سعيد والبصريين «٢»».
٣٠١ - صالح بن عادى العذرىّ الأنماطىّ المصرىّ النحوىّ [١]
العبد الصالح. شيخى نزيل قفط. أصله من قرى مصر الشمالية، وسكن سلفه مصر، وعانى هو صناعة الأنماط، وقرأ على المتأخرين من مشايخ ابن برّىّ
стр. 486
- ﵀ وأكمل الصناعة على ابن برّىّ، وكان النحو على خاطره طريا، وكتب بخطه أصوله وحشّاها، وكانت فى غاية التحقيق والصحة.
وكان كثير المطالعة لكتب النحو، وكان على غاية من الدين والورع والنزاهة وقيام الليل ولزوم سمت المشايخ الصالحين، مستجاب الدعوة.
وكان قد حج، واجتاز بعد الحج بقفط، فرغّبه أهلها فى المقام بين أظهرهم للإفادة، فأقام. وأخذه إليه القاضى الخطيب أبو الحسن على بن أحمد بن جعفر بن عبد الباقى العثمانىّ «١»، من ولد أبان بن عثمان القفطىّ، الذى ما رأيت أكمل منه أدبا، ولا أغزر فضلا وذكاء. وضمن له كفايته، فأقام عنده مقدار خمسين سنة على غاية ما يكون من الرفاهية والإكرام، وخلطه بأهله، وكان يخدمه بنفسه على جلالة قدره؛ والتزم له أدبا ما التزمه أحد لشيخه- فرحمهما الله، وعفا عنهما.
قرأنا عليه، واستفدنا منه. وكان يجلس للإفادة ما بين الظهر والعصر بجامع قفط، وانتفع ببركته كلّ من صحبه، وأدركه فى آخر عمره نوع من الفالج فاعتقل له لسانه عن بعض النطق. وبعد ذلك ما أخّر مجالسه المفيدة للطلبة. ولم يزل على إقامة وظائفه من العبادة والإفادة إلى أن توفى- ﵀ فى شهور سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وقد بلغ سنا عالية، ودفن بقفط- غفر الله له، وأعاد على كل مستحقّ الرحمة والتوفيق.
٣٠٢ - صيغون أبو محمد الخيارىّ النحوىّ القيروانىّ الإفريقىّ المغربىّ [١]
أحد النحاة فى ذلك القطر، وله بينهم اشتهار وذكر.
стр. 487
٣٠٣ - صعودا [١]
ولقبه أشهر من اسمه. واسمه محمد بن هبيرة الأسدىّ أبو سعيد. أحد العلماء بالنحو الكوفىّ واللغة، وكان منقطعا إلى عبد الله بن المعتز. وصنف كتاب مختصر ما يستعمله الكاتب، وهذبه عبد الله بن المعتز «١».
٣٠٤ - صاعد بن الحسن الرّبعىّ اللغوىّ أبو العلاء [٢]
من بلاد الموصل. قرأ ببلاده اللغة على مشايخها، وحفظ منها الكثير، وتفنن فى فنون من الأدب.
وكان فصيح اللسان، حاضر الجواب سريعه؛ يجيب عن كل ما يسأل عنه؛ غير متوقّف؛ فنسب لإكثاره إلى الكذب. وبلغه أن اللغة بالأندلس مطلوبة، والآداب هناك مرغوب فيها من ملوكها ورعيتها، فارتحل إلى الأندلس، ودخلها فى حدود سنة ثمانين وثلاثمائة. والمستولى على ولاية الأندلس يومئذ من بنى أمية
стр. 488
هشام «١» بن الحكم المؤيّد، وواليه على ما وراء بابه المنصور بن أبى عامر «٢» - وكان صاعد حسن الشعر فكه المجالسة- فأكرمه المنصور، وأحسن إليه وزاد.
وكان صاعد حسن الطريقة فى استخراج ما فى أيدى الناس من الأموال، جميل التوصّل إلى ذلك؛ فمن ذلك أنه عمل قميصا من خرق الصّلات التى وصلت إليه من المنصور بن أبى عامر، ولبسه بحضرته، وأتبعه الشكر والثناء. فشكره المنصور على ذلك، وزاد فى رفده.
وقد ألف كتاب الفصوص على مثل نوادر أبى على القالىّ. وكان يصنّف كتبا فى أخبار العشاق، ويسمى أسماء غريبة لا أصل لها، وينسب إليها كلاما منظوما ومنثورا؛ يرصّعها من قوله وقول غيره؛ فمنها كتاب الهجفجف «٣»، وكتاب الجوّاس. وكان المنصور مغرما بكتاب الجوّاس «٤»، يقرأ عليه كل ليلة شىء منه.
стр. 489
ولما مات المنصور لم يحضر صاعد مجلس أنس بعده. وقد كان أولاده تولوا الأمر، فاعتذر عن الحضور بألم ادّعاه فى ساقه، وكان يمشى على عصا، والتزم ذلك. ومن شعره «١» فى هذا المعنى:
إليك حدوت ناجية «٢» الرّكاب ... محمّلة أمانى كالهضاب
وبعت ملوك أهل الشرق طرّا ... بواحدها وسيّدها اللّباب «٣»
ومنها:
إلى الله الشّكيّة من شكاة ... رمت ساقى «٤» وجلّ بها مصابى
وأقصتنى عن الملك المرجّى ... وكنت أرمّ «٥» حالى باقتراب
حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحساب
وما قدّمته إلا كأنى ... أقدّم تاليا أمّ الكتاب
ومما وجدته أن المنصور سأله يوما: هل رأيت فيما وقع لك من الكتب كتاب «القوالب والزوابل» لمبرمان بن يزيد؟ فقال: نعم رأيته ببغداذ فى نسخة لأبى بكر بن دريد، بخط كأكرع النمل، فى جوانبها علامات للوضاع هكذا وهكذا.
فقال له: أما تستحى أبا العلاء من هذا الكذب! هذا كتاب عاملنا ببلد كذا يذكر فيه أن الأرض قد قلبت وزبلت. فأخذت من قوله ما سألتك عنه. فأخذ يحلف أن القول صادق حقيقة.
стр. 490
وسأله يوما- وقدّامه تمر يأكل منه-: ما «التمركل» فى كلام العرب؟ فقال:
يقال: «تمركل» الرجل؛ إذا التف بكسائه، فقال: إنما ركّبت له اسما من التّمر والأكل؛ فقال: قد وافق ذلك أمرا كان. وله من هذا كثير.
ولولا مزحه وكثرة ما كان يأتى به فى تصانيفه ما كان إلا عالما. وقد اختبرت الكتب المطولة فى اللغة وغيرها، فوجد فيها حقيقة ما اتهم فيه. وكان صاعد غير صاعد؛ فى النحو مقصرا، وباللغة قيما. وله يد طولى فى استنباط معانى الشعر.
ومن عجيب سعادته أنه أهدى إلى المنصور بن أبى عامر أيّلا، «١» وكتب معه:
يا حرز كلّ مخوّف وأمان ك ... لّ مشرّد ومعزّ كلّ مذلّل
جدواك إن تخصص به فلأهله ... وتعمّ بالإحسان كلّ مؤمّل
كالغيث طبّق «٢» فاستوى فى وبله ... شعث البلاد مع المراد «٣» المبقل
الله عونك ما أبرّك للهدى ... وأشدّ وقعك فى الضّلال المشعل
ما إن رأت عينى- وعلمك شاهدى ... شروى علائك فى معمّ مخول «٤»
أندى بمقربة كسرحان الغضا «٥» ... ركضا وأوغل فى مثار القسطل
مولاى مؤنس غربتى متخطّفى ... من ظفر أيامى ممنّع معقلى
عبد نشلت بضبعه «٦» وغرسته ... فى نعمة أهدى إليك بأيلّ «٧»
стр. 491
سميته «غرسية» وبعثته ... فى حبله ليتاح فيه تفاؤلى
فلئن قبلت فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو منحة وتطوّل
صبحتك غادية السرور وجلّلت ... أرجاء ربعك بالسحاب المخضل
فقضى فى سابق علم الله أن غرسية بن شانجة من ملوك الروم- وهو أمنع من النّجم- أسر فى ذلك اليوم بعينه الذى بعث فيه صاعد بالأيّل، وكان ذلك فى ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وخرج صاعد عن الأندلس فى أيام الفتنة، وقصد جزيرة صقلّيّة، فمات بها قريبا من سنة عشر «١» وأربعمائة- وقد أسنّ.
قال ابن حيّان «٢» مؤرّخ الأندلس: «وجمع أبو العلاء صاعد للمنصور محمد بن أبى عامر كتابا سماه الفصوص، فى الأدب والأشعار. وكان ابتداؤه له فى شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين، وأكمله فى شهر رمضان المعظم، وأثابه عليه بخمسة آلاف دينار فى دفعة، وأمره أن يسمعه الناس بالمسجد الجامع بالزهراء، واحتشد له جماعة أهل الأدب ووجوه الناس «٣»».
стр. 492
قال ابن حيّان: «وقرأته عليه منفردا سنة تسع وتسعين وثلاثمائة». قال أبو محمد بن حزم «١»: «توفى صاعد- ﵀ بصقلّيّة فى سنة تسع عشرة وأربعمائة».
٣٠٥ - صالح الورّاق النيسابورىّ أبو إسحاق [١]
هو تلميذ الشيخ أبى نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ. كان أديبا فاضلا وصاحب خط جيّد صحيح. لازم الجوهرىّ، وأخذ عنه كتابه فى اللغة المسمّى الصّحاح، وغيره.
وكان صاحب أدب وشعر؛ فمن أشعاره ما أنشده له الأديب يعقوب بن أحمد- وهو أحسن ما قيل فى معنى دودة القزّ:
وبنات جيب ما انتفعت بعيشها ... ووأدتها «٢» فنفعننى بقبور
ثم انبعثن عواطلا فإذا لها ... قرن الكباش إلى جناح طيور
وله يهجو ابن زكريا المتكلم الأصبهانىّ:
أبا أحمد يا أشبه الناس كلّهم ... خلاقا وخلقا بالرّخال «٣» النواسج «٤»
لعمرك ما طالت بتلك اللّحى لكم ... حياة ولكن بالعقول الكواسج «٥»
стр. 493
(حرف الضاد)
٣٠٦ - الضحاك أبو عاصم النبيل [١]
كان قد نيّف على التسعين «١»، وهو ذكىّ بعلم الأدب والشعر وأيام العرب.
وهو أحد الرواة للحديث «٢».
وقال أبو زيد الأنصارىّ: كان أبو عاصم ضعيف العقل فى حديثه، وكان يطلب العربية، فيقال له: كيف تصغّر الضحاك؟ وهو اسمه- فيقول:
«ضحيكيك»، ثم «٣» تنبّل، فكان يزرى على غيره.
стр. 494
(حرف الطاء)
٣٠٧ - الطّوال النحوىّ الكوفىّ [١]
ويكنى أبا عبد الله. من أصحاب محمد بن زياد الفرّاء النحوىّ. قال أبو العباس ثعلب: كان الطّوال حاذقا بإلقاء المسائل العربية، وكان سلمة «١» حافظا لتأدية ما فى الكتب، وكان ابن قادم «٢» حسن النظر فى العلل؛ وهؤلاء الثلاثة الأجلّاء من أصحاب الفرّاء. ولم يشتهر للطّوال تصنيف.
٣٠٨ - طالب بن عثمان بن محمد بن أبى طالب أبو أحمد الأزدىّ النحوىّ المقرىء المؤدّب [٢]
بغداذىّ. تصدر لإقراء القرآن والنحو. وتأدّب به جماعة، وكفّ بصره فى آخر عمره. وكان ثقة فى الرواية. مات فى سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
стр. 495
٣٠٩ - طلحة بن كردان النحوىّ [١]
نحوى عراقى مشهور. تصدر للإقراء والإفادة والرواية. من أصحاب أبى سعيد السّيرافىّ. [قال]: أنشد أبو بكر بن دريد لنفسه «١»:
لا تحتقر عالما وإن قصرت ... رتبته عن لحاظ رامقه «٢»
وانظر إليه بعين ذى كرم «٣» ... مهذّب الخلق «٤» فى طرائقه
فالمسك بينا تراه ممتهنا ... بفهر «٥» عطّاره وساحقه
حتى تراه بعارضى ملك ... وموضع التاج من مفارقه
٣١٠ - طلحة بن محمد بن النّعمانىّ أبو محمد [٢]
من النّعمانية؛ بلدة بين بغداذ وواسط. كان فاضلا عارفا باللغة والأدب، حسن الشعر، رقيق الطبع، كثير المحفوظ.
خرج إلى خراسان، وأقام ببلادها مدّة، وكانت ألسنة الفضلاء بها متفقة على الثناء عليه، والإطناب فى جودة شعره، وسرعة خاطره بالنّظم. ودخل خوارزم